← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

فاستخلف [زُفر] على قرقيسيا أخاه أوسَ بن الحارث، وسار يُنجد قيسًا، وبنو تَغْلب نازلون بالكُحَيل، وقيل: بالعَقِيق. فلمَّا أحَسُّوا بهم ارتحلوا ليعبروا دِجْلة، فلحقَهم زُفر فِي قيس، والتَقَوْا، فترجَّلت القيسيَّة، و [بقي] زُفر على بغلة له، فقتلوهم يومًا وليلة، وبقروا بطونَ نسائهم، وغرق فِي دجلةَ أكثرُ ممَّن قُتل، وأَسَرَ زُفر من فرسانهم مئتين، فقتلَهم صبرًا بعُمير بن الحُباب السُّلَمي، وكان نسيب زُفر (١). يوم ماكسين التقَوْا على قنطرة ماكسين بالخابور، وكان على تَغْلب شُعيث بن مُلَيل (٢)، فقُتل، وانهزمت تَغْلب، وقُتل مع شُعيث خمسُ مئة من فرسان تَغْلب. وقد ذكرها جرير فقال: تركوا شُعيثَ بني مُلَيلٍ مسنَدًا (٣) يوم المعارك وهو مكان بين الحَضْر والعَقِيق بأرض الموصل، كانت الدَّبَرةُ (٤) على تَغْلب، وفيه يقول ابن صفَّار: ولقد تركنا بالمعاركِ منكمُ … والحَضْرِ والثَّرثارِ أجسادًا جُثَا (٥) وحجَّ بالناس عبدُ الله بنُ الزُّبير، وكان الأمير على الكوفة والبصرة مصعب بنُ الزُّبير، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البصرة هشامُ بن هُبيرة، وعلى خراسان عبد الله بنُ خازم السُّلَمي (٦).

стр. 3957

وفيها توفّي الأحنف بن قيس التميمي البصري، أبو بحر، و [اختلف فِي اسمه، فقال ابن سعد:] اسمُه الضَّحاك بنُ قيس بن معاوية بن حُصين بن عُبادة (١) بن النَّزال. [وقال أبو اليقظان؛ وتقدم الإسناد إليه: هو صخر بن قيس بن معاوية بن حُصين. وقيل: الحارث. وما ذكره ابن سعد أشهر. والأَحْنَفُ لقبٌ له، وكانت أمُّه من بني قراض من باهلة، ولدَتهُ وهو أحنفُ. والحَنَف: المَيل]. وكان أحنفَ الرجلين، فكانت أمُّه ترقِّصُه، وتقول: والله لولا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ … ودقَّةٌ فِي ساقه من هزلِهِ ما كان فِي فتيانِكم من مِثْلِهِ [وذكره الجوهري فقال: الحَنَف: الاعوجاج فِي الرِّجْل، وهو أن تُقبل إحدى إبهامي رجليه على الأخرى، ومنه سمِّي أحنف بن قيس. قال: واسمه صخر. قال: وقال ابن الأعرابي؛ هو الَّذي يمشي على ظهر قدمه من شِقِّها الَّذي يلي خنصرها]. وهو من الطبقة الأولى (٢) من التابعين من أهل البصرة، أدرك عهد رسول الله ﷺ ، ولم يره. وكان أبوه يُكنى أبا مالك، قتلته بنو مازن فِي الجاهلية. وأمُّ الأحنف حُبَّى بنت عمرو بن ثعلبة الباهلي (٣). وقيل: بنت قُرط بن عمرو (٤). [وقال هشام: حَبَّة بنت عمرو بن قُرط بن ثعلبة.

стр. 3958

وقد حكاه ابن عساكر قال:] وأخوها الأخطل بن قُرط، كان من الشجعان، وكان الأحنف يفتخر به ويقول: من له خالٌ كخالي (١)؟ ذكر صفته: [قال ابن عساكر:] كان أعور، قصيرًا، دميمًا، أعوجَ الساقين (٢). [وقال هشام: ولدته أمه] ملتصق الأليتين، فشقُّوا ما بينهما (٣)، وكانت له بيضةٌ واحدة [وهذا من العجائب]. ذكر طرف من أخباره: [قال ابن سعد بإسناده عن الحسن:] (٤) قال الأحنف: بينا أنا أطوف بالبيت فِي زمن عثمان بن عفَّان؛ إذْ لقيني رجل من بني ليث، فأخذ بيدي، فقال: ألا أُبشِّرك؟ قلت: بلى. قال. تذكرُ إذْ بعثَني رسولُ الله ﷺ إلى قومك بني سعد، فجعلتُ أعرضُ عليهم الإسلام، وأدعوهم إليه؟ فقلت أنتَ: إنه ليدعو إلى خير، وما أسمع إلَّا حسنًا. قال: فإنِّي ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اللهمَّ اغفِرْ للأحنف". قال الأحنف: فما شيءٌ أَرْجَى عندي من ذلك. [وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٥). قال:] وكان عمر ﵁ يقول: الأحنف سيِّد بني تميم (٦). [وقال ابنُ سعد بإسناده عن الحسن: إنَّ الأحنف قدمَ على عمر بن الخطاب، فاحتبَسَهُ حَوْلًا. ثم قال: هل تدري لم حبستُك؟ إن رسول الله ﷺ خوَّفَنا (٧) كلَّ منافقٍ عليم اللسان. ولستَ منهم إن شاء الله].

стр. 3959

وقال الأحنف (١): قدمتُ على عمر، فاحْتَبَسَني عنده حَوْلًا، فقال: يا أحنف، قد بَلَوْتُك وخَبَرْتُك، فلم أرَ إلَّا خيرًا، ورأيتُ علانيتَك حسنةً، وأرجو أن تكونَ سريرتُك مثلَ علانيتك، فإنَّا كنَّا نتحدَّثُ أنَّما يُهلِكُ هذه الأمةَ كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان. [قال:] (٢) وكتبَ عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعريّ: أمَّا بعد، فأُذَنْ للأحنف بن قيس وشاورْه، واسْمَعْ منه. [قال:] (٣) وقال الحَسَن: ما رأيتُ شريف قوم كان أفضل من الأحنف. [قال:] وقال الأحنف: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافةُ الجواب. [قال:] وتكلَّم الناسُ عند معاوية والأحنف ساكت، فقال معاوية: تكلَّم يا أبا بحر، فقال: أخافُ اللهَ إن كذبتُ، وأخافُكم إن صدقتُ (٤). [قال هشام:] وأغلظ رجل للأحنف، فلمَّا وصلَ إلى نادي قومه؛ وقفَ وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل، لئلا يسمعَك قومي، فيؤذوك. [قال: وقال الأحنف: لست بحليم، ولكني أتحالم. قال:] وكانت عامَّة صلاة الأحنف بالليل، وكان يضع المصباح قريبًا منه، ويضع أصبعه فيه، ثم يقول: حَسِّ، ثم يقول: يا أحنف، ما حملك على أن صنعتَ كذا فِي يوم كذا (٥)؟ وقيل له: إنك شيخ كبير، وإنَّ الصيام يُضعفُك، فقال: إني أُعِدُّه لشرّ طويل. وكتب إليه عبد الملك بن مروان كتابًا يدعوه فيه إلى نفسه، فقال: يدعوني ابنُ الزرقاء إلى ولاية أهل الشام، واللهِ لوَدِدْتُ أنَّ بيني وبينهم جبلًا من نار، من أتانا منهم احترقَ فيه، ومن أتاهم منَّا احترق فيه (٦).

стр. 3960

وقال الأحنف: قد عرفتُ من نفسي العجلة فِي ثلاث؛ صلاتي إذا حَضَرَتْ حتَّى أُصلِّيَها، وجنازتي إذا حَضَرَتْ حتَّى أُغَيِّبَها فِي حفرتها، وابنتي إذا خطبها كُفْؤها حتَّى أزوِّجَه إيَاها (١). وكانت فيه أناةٌ شديدة إلَّا فِي هذه الثلاث. [وقال الهيثم بن عديّ: لما دعا رسول الله ﷺ بني تميم إلى الإسلام ولم يجيبوا؛ بلغ الأحنف فقال: إنه ليدعو إلى مكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. وأسلم الأحنف ولم يلق رسول الله ﷺ ، ولما بلغ رسولَ الله ﷺ دعا له، واستغفر له] (٢). وبعثه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه إلى خُراسان فِي جيش فيهم الحسن وابنُ سِيرِين، فَبَيَّتَ العدوَّ ليلًا وهو يقول: إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقّا … أن يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا (٣) ثم فتح مَرْوَرُوذ. ذكر طرف من سؤدده وكلامه: كان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من الشرف والسؤدُد ما لا ينفعُه معه ولاية، ولا يضرُّه معه عزل، وإنه ليفرُّ من الشرف والشرف يتبعُه (٤). وقيلَ للأحنف: ما السؤدُد؟ قال: أن يخرج الإنسان من بيته وحده، ويرجع ومعه جماعة. وقال الواقدي: وإلى الأحنف انتهى الحلم والسؤدُد. وقيل للأحنف: بأيّ شيء سوَّدَك قومُك؟ فقال: لو عاب الناسُ ماءً ما شربتُه (٥).

стр. 3961

وقال خالد بن صفوان: قال [لي] العباس بن الوليد بن عبد الملك: أخْبِرْني عن تسويدكم الأحنف، وكنتم حيًّا لم تملكوا فِي جاهليَّة قطّ؟! فقلت له: سادَنا فِي خِصال: ما رأينا أشدَّ سلطانًا على نفسه منه، وقد يكون الرجلُ عظيمَ السلطان على نفسه ولا يكون بصيرًا بالمحاسن والمساوئ، ولم نر أحدًا (١) أبصر منه بذلك، وكان لا يحسد، ولا يجهل، ولا يدفع الحقّ (٢). [وقال الأصمعي: إنما أخذ الأحنف الحلم من قيس بن عاصم. وقد ذكرناه فِي سنة سبع وأربعين. وقال المدائني:] وكان الأحنف يومًا عند معاوية فِي وجوه أهل الشام، فقام رجل، فسبَّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فغضب الأحنف وقال: يا معاوية، لو علم هذا أنَّ رضاك فِي لعنِ الأنبياء لَلَعَنَهم، فاتَّقِ اللهَ، ودَعْ عنك [ذكر] أمير المؤمنين، فقد لقيَ ربَّه، وخلا بعمله، ولقد كان - واللهِ - المبرِّزَ بسَبْقِه، الطاهرَ ثوبُه، الميمونَ النقيبة، الَّذي عَمَّتْ مصيبتُه. فقال له معاوية: والله لتصعدنَّ المنبرَ، ولَتَسُبَّنَّه. فقال الأحنف: إن تُعْفِني فهو خيرٌ لك. قال: وكيف؟ قال: واللهِ لئن صعدث المنبر لأقولنَّ: إن معاوية أمرني بكذا وكذا. وقد قال رسول الله ﷺ لعمَّار: "تقتُلُك الفئةُ الباغية". فالعنوها. فقال معاوية: حسبُك (٣). و [قال الأصمعي:] قال معاوية [يومًا] للأحنف: أخبرني عن قول الشاعر: إذا ما مات مَيْتٌ من تميم … فسرَّكَ أن يعيش فجِئْ بزادِ بخبزٍ أو بلحمٍ (٤) أو بإقْطٍ (٥) … أو الشيءِ الملفَّف (٦) بالبِجادِ

стр. 3962

ما الشيء الملفَّف [في البِجاد]؟ فقال [الأحنف]: السَّخينة. فقال معاوية: واحدةٌ بواحدة، والبادئ أظلم. [قال الأصمعي:] أراد معاوية تبكيت الأحنف [وتعييره بالأَقِط]. والبِجاد: كساءٌ مخطَّط من أكسية الأعراب يجعلُون فيه الأَقِط. والسَّخِينةُ: دقيق كانت قريش تجعلُه فِي القِدْر، وتخلطُه بماء، وتأكلُه فِي زمان الجَهْد، فكانت تُعيَّرُ به. وفيه يقول حسان بنُ ثابت: زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ تُغالِبَ رَبَّها … ولَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلَّابِ (١) و [قال هشام:] دخل الأحنف على معاوية، فقال له: يا أبا بَحْر، ما تقولُ فِي الأولاد؟ فقال: ثمار قلوبنا، وعمادُ ظهورِنا، فنحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإنْ طلبوا فأعْطِهِم، وإنْ غضبوا فأرْضِهم، ولا تكن عليهم ثقيلًا فيملُّوا حياتَك، ويتمنَّوْا وفاتَك. فقال معاوية: للهِ دَرُّك، دخلتَ عليَّ وأنا مملوءٌ غيطًا على يزيد، فسلبتَه (٢) من قلبي. فلمَّا خرج الأحنف من عند معاوية؛ بعث إلى يزيد بمئة (٣) ألف درهم ومئتي ثوب، فبعث يزيد بنصفها إلى الأحنف. [قال خليفة:] وقال بعض أولاد الأحنف لجارية أبيه: يا زانية. فقالت: لو كُنْتُ زانيةً لأتيتُ بولد مثلِك. وبلغَ الأحنفَ، فقال: يا ليتَ ابني مات قبل هذا بعشرين سنة (٤). وقال الأحنف: إنَّ من السؤدُد الصبرَ على الذُّلِّ، وكفى بالحلم ناصرًا (٥).

стр. 3963

وقال: ما نازعني أحد إلَّا وأخذتُ من أمري بإحدى ثلاث: إنْ كان فوقي عرفتُ قدره، وإن كان دوني رفعتُ نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضَّلتُ عليه (١). وقال: لا مروءة لكذوب، ولا راحةَ لحسود، ولا حيلةَ لبخيل، ولا سؤدُد لسيِّئ الخلق، ولا إخاء لملول (٢). وقال: ما ذكرتُ أحدًا بسوء بعد أن يقوم من عندي، ولا سمعتُ كلمة إلَّا طأطأتُ رأسي لما هو أعظمُ منها (٣). وقال: من فسدت بطانتُه كان كمن غَصَّ بالماء، ومن غصَّ بالماء فلا مساغَ له، ومن خانه ثقاتُه فقد أُتيَ من مأْمنِه (٤). وقال: ما ادَّخرت الآباءُ للأبناء ولا أبقت الأموات للأحياء شيئًا أفضلَ من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب والآداب (٥). وقال: تَرْبِيبُ المعروف (٦) أوجبُ من اصطناعه، وله خِصال: تعجيلُه، وتسهيلُه، وتيسيرُه (٧)، فمن أخل (٨) بواحدةٍ منها، فقد بَخَسَ المعروف حقَّه. وقال: أَحْيِ معروفَك بإماتةِ ذِكْرِه (٩). وشكا ابنُ أخي الأحنف إلى الأحنف ضِرْسَه، فقال الأحنف: لقد ذهبَتْ عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتُها لأحد (١٠).

стр. 3964

وقيل للأحنف: إلا تأتي الأمراء؟ فأخرج جرَّةً مكسورة فيها كِسَرٌ يابسة، فقال: مَنْ كان يجزئه مثلُ هذا، ما يصنُع بإتيانهم (١)؟ ذكر وفائه: [قد ذكرنا أنه] لم يشهد الجمل، واعتزلَ الفريقين، وشهد صفِّين مع أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب رضوان الله عليه. [واختلفوا فِي وفاته، فذكر ابن سعد قال:] كان الأحنف صديقًا لمصعب بن الزبير، فوفد عليه بالكوفة ومصعب يومئذ والٍ عليها، فتوفِّي الأحنف عنده بالكوفة، فرُئي مصعب فِي جنازته يمشي بغير رداء. [ولم يذكر السنة التي مات فيها.] (٢) و [قال الواقدي:] مات سنة تسع وستين. وقيل: بعد السبعين (٣). و [قال ابن سعد:] كان مأمونًا ثقةً، قليلَ الحديث، فرَوَى عن عُمر، وعلي، وأبي ذرّ. و [قال ابن عساكر: وروى أيضًا عن] عثمان، والعباس، وابن مسعود، وأبي بَكْرَة، ﵃. وروى عنه الحسن البصري، وطَلْق بنُ حبيب، وعروة بنُ الزبير، وغيرُهم (٤). [ويقال: إنه اجتمع بأبي ذرّ بجامع دمشق، وقيل: بحمص، وقيل: بالبيت المقدس]. وكان له عمَّان؛ أحدهما يقال له: المتشمِّس بن معاوية، كان يفضُل على الأحنف فِي حلمه وفضله، أسلم وحسُن إسلامُه. والآخر [يقال له:] صعصعة بن معاوية، سيِّد بني تميم، وكان له فرس يقال له الطُّرَّة، اشتراه بتسعين ألفَ درهم (٥).

стр. 3965

و [قال الواقدي: كان للأحنف ولد يقال له:] بَحْر بن الأحنف. كان يضعَّفُ فِي عقله، وهو الَّذي قال لجارية أبيه: يا زانية. ولم يُعقب الأحنف. وكان يقال: ليس لسادة بني تميم حظٌّ فِي الولد؛ كان الأحنفُ سيِّدَهم بالبصرة، ومحمد بن عُمير بن عُطارد بن حاجب بن زُرارة سيِّدَهم بالكوفة، ماتا ولم يُعْقِبا (١). أبو الأسود الدِّيلي البصري الكِناني [واختلفوا فِي اسمه: قال ابن سعد:] (٢) اسمُه ظالم بن عَمرو بن سفيان أبن عمرو بن حِلْس بن يعمر بن نُفاثة بن عدي بن الذيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة]. وقيل: اسمُه عُويمر بن ظُويلم بن عمر (٣). وقيل: اسمُه عبد الرحمن بن هرمز بن سفيان (٤). [وقال أبو القاسم بن عساكر (٥): اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلبس بن نُفاثة بن عديّ بن الدِّيل. ويقال: عثمان بن عمرو]. من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. كان شاعرًا متشيِّعًا، وكان ثقة فِي حديثه إن شاء الله، ولمَّا خرج ابن عباس من البصرة استخلفَ أبا الأسود، فأقرَّه علي ﵇ عليها (٦). [قلت: وقد اختلف النُّسَّاب فِي الذيل، فذكر ابن سعد الدِّيل بالياء. وحكى الجوهري فِي "الصحاح" عن ابن السِّكِّيت أنَّه قال: الدُّول -بالواو- فِي (٧) بني حنيفة يُنسب إليهم الدُّؤلي، والدِّيل -بالياء- فِي عبد القيس يُنسب إليهم الدِّيلي. قال: وهما دِيلان.

стр. 3966

وقال أبو سعيد بن يونس: الدُّول اسم امرأة من بني كنانة] (١). و [قال الجاحظ:] (٢) كان أبو الأسود معدودًا في طبقات [الناس من] التابعين والفقهاء والشعراء والفرسان والأمراء [الأشراف]، والدُّهاة والبخلاء وكبراء الشيعة، وكان يحبُّ عليًّا ﵇ حبًّا شديدًا. و [قال محمد بن الأنباري:] هو أوّلُ من وضع علم النحو، [ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل، ثم عبد الله بن أبي إسحاق. قال: ووضع عيسى بن عمر كتابين في النحو، أحدهما سماه "الجامع" والثاني: "المكمِّل"، فقال الخليل بن أحمد هذين البيتين يمدحُه فيهما: بطل النحو جميعًا كلُّهُ … غيرَ ما أحدث عيسى بن عُمرْ ذاك إكمالٌ وهذا جامعٌ … فهما للناس شمسٌ وقمرْ] (٣) [وقال الهيثم:] وفد أبو الأسود على معاوية، فأكرمه، وأدنى مجلسه، وأجزلَ جائزتَه، وولَّاه قضاء البصرة. ثم قال له في بعض الأيام: ألستَ القائلَ لأبي تراب: ابعثني (٤) حكمًا. فواللهِ ما أنتَ هناك؟ لِعِيِّك، فكيف كنتَ تصنع؟ قال: كنتُ أجمعُ أصحابَ رسول الله ﷺ وأقول: أَبَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ شَجَريٌّ مُهاجِريٌّ هاشميٌّ أفضلُ، أم طليقُ ابنُ طليق؟! فقال له معاوية: قاتلك الله. خلعتني خَلْعَ الوظيف، أقسمتُ عليك لا تذكرُها لأحدٍ من أهل الشام ثم وصله وسرَّحه إلى البصرة.

стр. 3967

[وقال الأصمعي: كان أبو الأسود يركب في كل يوم ويُكثرُ الركوب، فقيل له: لو قعدتَ في البيت لكان أروحَ لبدنك. فقال: صدقتُم، ولكن في ركوبي فوائد رياضة وفُرجة، وسماع أخبار لا أسمعُها في بيتي، ولو قعدتُ في بيتي؛ ضجر مني أهلي وضجرتُ منهم، واجترأ عليَّ مِنْ خَدَمي مَنْ يهابُني (١). وكان يقول: إعادة الحديث أشدّ من نقل الصخر من الجبال على أعناق الرجال. وقال الرِّياشي:] (٢) اشترى أبو الأسود دارًا بألف دينار، وكان لها جارُ سوء، فباعها بألف درهم، فقيل له: بعت دارَك؟! فقال: لا، ولكن بعتُ جاري (٣). [وقال الأصمعي:] وقفت امرأة عليه وهو في فسطاط (٤) يأكل رُطَبًا، فقالت: السلام عليك. فقال: كلمة مقولة (٥). فقالت: أطعمني مما بين يديك. فقال: يداكِ أقصرُ من الوصول إليه. قالت: أهلكني الجوع. قال: في المقابر سَعَة. ولم يطعمها. [قال:] ومرَّ به أعرابيّ وهو يأكلُ طعامًا في خيمة (٦)، فقال: أتأذنُ لي في الدخول؟ قال: وراءك أوسع. قال: قد أحرقت الرمضاءُ رِجْلَيَّ. قال: بُلَّ عليهما تبردان (٧). فقال: أطعمني ممَّا بين يديك. فقال: سيأتيك ما قُدِّر لك. قال: ما رأيتُ ألْأمَ منك! قال: قد رأيتَ، ولكنَّك نسيتَ. ومن شعره: يقول الأرذلون بنو قُشَيرٍ … طَوال الدَّهْرِ لا تَنْسَى عَلِيّا! فقلتُ لهم وكيف تَرَوْن تركي … من الأعمال ما يقضي عَلَيَّا أُحِبُّ محمَّدًا حُبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوَصِيَّا

стр. 3968

بني عمِّ النبيّ وأقربيهِ … أحبَّ الناسِ كلِّهمُ إلَيَّا فإن يَكُ حُبُّهُمْ رُشدًا أُصِبْهُ … ولستُ بمخطئٍ إنْ كان غَيَّا هُمُ أهلُ النصيحة من لَدُنّي … وأهلُ موَدَّتي ما دمتُ حيَّا هُمُ آسَوْا رسولَ اللهِ حتى … ترفَّع أمرُه أمرًا قويَّا من أبيات (١). وقال: أيُّها الآملُ ما ليس لَهُ … ربَّما غَرَّ سفيهًا أَملُهْ رُبَّ مَن باتَ يُمَنِّي نفسَهُ … حال من دونِ مُناهُ أجلُهْ وفتًى بكَّرَ في حاجاتهِ … عَجِلًا أعقبَ رَيثًا عَجَلُهْ والفتى المحتالُ ممَّا يأتِهِ (٢) … ربَّما ضاقَتْ عليهِ حِيَلُهْ قُلْ لمنْ مثَّلَ في أشْعارِهِ … يذهبُ المرءُ ويبقى مَثَلُهْ نافِسِ المحسنَ في إحسانِهِ … فسيكفيك سناءً عَمَلُهْ (٣) ووعدَه معاويةُ عِدَةً، فأبطأ عليه، فكتب إليه: لا يكنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا … إنَّ خيرَ البَرْقِ ما الغيثُ (٤) مَعَهْ لا تُهِنِّي بعدَ إِكْرامِكَ لي … فشديدٌ عادةٌ مُنتَزَعَهْ (٥) وقال: إذا أنتَ لم تَعْفُ عن صاحبٍ … أساءَ وعاقبتَهُ إنْ عَثَرْ بقيتَ بلا صاحبٍ فاحْتَمِلْ … وكُنْ ذا قبولٍ إذا ما اعتَذَرْ (٦)

стр. 3969

وقال له معاوية: لو علقتَ عليك عُوذةً تدفعُ بها عنك. يمازحُهُ، وكان قبيح المنظر (١). فقال: أفنى الجديدَ الذي حاوَلْتُ جِدَّتَهُ (٢) … كرُّ الجديدين من آتٍ ومنطلقِ لم يتركا ليَ في طُول اختلافِهما … شيئًا أخافُ عليه لَذْعَةَ الحَدَقِ ذكر وفاته: [لم يذكرها ابنُ سعد، وذكرها المدائني، فقال:] توفي بالطاعون الجارف بالبصرة سنة تسع وستين، وهو ابنُ خمس وثمانين سنة (٣). وروى عن عُمر، وعليّ، والزبير، وعمران بن حصين، وابن عباس، وأبي موسى، ﵃. وروى عنه يحيى بن يعمر، وأعيان التابعين، وأخذوا عنه اللغة والعربية (٤). عمرو بن سعيد بن العاص ابن سعيد أبي أُحَيْحَة بن العاص بن أمية، أبو أميَّة الأشدق؛ سُمِّيَ الأشدق لأنَّه كان خطيبًا مُفْلِقًا، وقيل: لاتساع شِدْقِه. وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ البنين بنت الحَكَم [بن أبي العاص] أخت مروان لأبيه وأمّه. [وقال ابن سعد: كان عَمرو]، من رجالات قريش، فكان يزيد بن معاوية قد ولَّاه المدينة، فقُتل الحسين ﵇ وهو عليها، فبعث إليه يزيد برأس الحسين ﵁، فكفَّنَه، ودفَنَه بالبقيع إلى جانب قبر أمِّه فاطمة ﵍ (٥).

стр. 3970

[قال:] وحجَّ عَمرو بالناس سنة ستين (١). وكان أحبَّ الناس إلى أهل الشام، فكانوا يسمعون له ويُطيعون. ومات سعيد وعَمرٌو صغير، وكان وصيَّ إليه، فقال له معاوية: إلى مَنْ أوصى بك أبوك؟ فقال: أوصى إليَّ، ولم يُوصِ بي. فعجبَ معاوية (٢). [وقال أبو بكر بن عيَّاش: كان عَمرو أفقم، وشدقه واسع، وحجَّ بالناس سنتين]. ذكر مقتله: لما سار عبد الملك إلى قَرْقِيسيا (٣)؛ قال له عَمرو: قد علمتَ ما فعلتُ مع أبيك، وما وصلَ إليه هذا الأمر إلا بي. فقال له عبد الملك: لستَ من أهل الخلافة. فقال له عمرو: استدراجُ النِّعم [إياك] أفادكَ البغي، ورائحةُ القدرة أورثَتْك الغفلة، ولو كان ضعفُ الأسباب يُؤيسُ الطالب؛ ما انتقلَ سلطان ولا ذَلَّ عزيز (٤). ثم تمارضَ عمرو، ورجع من بُطنان حبيب (٥) ليلًا، ومعه حُميد بن حُريث بن بَحْدَل الكلبي، وزُهير بن الأبرد الكلبي، فأتى دمشق وعليها عبدُ الرحمن بن أمّ الحكم الثقفي خليفةُ عبد الملك، فغلب عَمرو على دمشق (٦)، وطلبَ عبدَ الرحمن بنَ أمّ الحَكَم، فلم يصبه، فأمر بهدم داره، فهُدمت، ثم خطب الناسَ، وأمرَهم بحُسن المواساة والعطيَّة. وأصبح عبد الملك، ففقد عَمْرًا (٧)، فسأل عنه، فأُخبر بخبره، فجمع عبدُ الملك خواصَّه وقال لهم: هذا عمرو قد فعل ما فعل، وقد كنتُ أعلمُ أنه ينطوي على غِلّ (٨)

стр. 3971

وفساد، وقد كان يمنعُني منه الحياءُ والقرابة، وقد أجابَه أهلُ دمشق إلى خلعي. ولما علم الولاة بذلك أجابوه، كوالي حمص، وقنَّسرين، وقد احتلَّ الشام عليّ، وهذا ابنُ الزُّبير قد استولى على الحجاز واليمن والعراق وخُراسان، وهذه المُضَريَّة سيوفُها على عواتقها تُطالبُنا بقتلى المَرْج (١)، فماذا تقولون؟ فلم يُجِبْه أحدٌ منهم. فصرفهم. ثم ركب منفردًا في جماعة من خواصّه، وإذا برجل يجني السُّمَّاق، فأمر أصحابَه فبعدوا عنه، وجاء، فوقَفَ عليه وسلَّم، فردَّ ردَّ عاقل، فقال له عبد الملك: هل بلغَك أمر عبد الملك، وخروجُ الناس عليه؟ فقال الرجل: وما سؤالك عن ذلك؟ فقال: إني أُريد اللَّحاق به. فقال الرجل: إنَّ السلطان في مثل هذه الحالة كالبحر في حالة هَيَجانه، لا ينبغي أن يُقرب منه. فقال له عبدُ الملك: إني لأَستغني عن مشورتك بحسن هيبتك وسَمْتك. فقال الرجل: إني أُشير عليك أن تتفقَّد حال عبد الملك، فإنْ رأيتَه قصدَ غيرَه (٢) فاعْلَمْ أنه مخذول؛ لأنه لجَّ في طلب ما ليس له، وإن رأيتَه رجعَ من حيث أتى؛ فارْجُ له السلامة؛ لأنه مستقبل (٣). فقال عبد الملك: وهل رجوعُه إلى دمشق إلا كسيرِهِ إلى ابن الزُّبير وغيره ممَّن خلع الطاعة؟ فقال الرجل: قد خَفِيَ عليك وجهُ الصواب؛ لأنه إذا قصدَ غيرَه كان في صورة ظالم له؛ لأنَّه لم يُعطه طاعةً قطّ، ولا وثبَ على دار مملكته، ولا تَعَدَّى عليه، ولا كذلك عَمرو، فإنه غصبَه دار مملكته، وتعدَّى عليه، فرجوعُه إلى دمشق أولى بالتفويض، وأقربُ إلى الظَّفَر والنصر، وحفظُ الأصل أولى من طلب الفرع. فجزاه عبد الملك خيرًا. ثم قال للرجل: عرِّفْني من أنت؟ قال: ولم؟ قال: لأُجازِيَك فيما بعد. فقال الرجل: إني عاهدتُ اللهَ أن لا أقبلَ عطيَّةَ بخيل. فقال عبد الملك: ومن أين علمتَ أنِّي بخيل؟! قال: لأنَّك أجَّلْتَ مكافأتي مع القدوة على تعجيلها ببعض ما أرى عليك من ثوبك (٤) وسلاحك. قال عبد الملك: إني ذُهِلْتُ عن

стр. 3972

ذلك، فخُذْ هذا السيف، فإنَّ قيمتَه عشرون ألفًا. فقال: الآن حقَّقتَ عندي بخلك باستكثارك لقيمة سيفك، فحسبي عطاءُ ربي الذي لا يبخلُ ولا يذهلُ. ولم يقبله، وعلم عبدُ الملك عقلَه وزُهدَه في الدنيا وفضلَه، فقال: أنا عبد الملك، فارْفَعْ إليَّ حوائجك. فقال: وأنا أيضًا عبدُ الملك، فهلَّم فلنرفَعْ حوائجَنَا إلى مَنْ أنا وأنتَ عَبْدانِ له (١). فودَّعه عبد الملك، وسارَ إلى دمشق، فنزلَ المَرْج، وراسلَ عَمْرًا، ولاطفَه وقال: أُناشدُكَ اللهَ والرَّحِم أن تُفسد أمرَ بيتك، وما هم عليه من اجتماع الكلمة، وفيما صنعتَ قوةٌ لابن الزُّبير، ارجعْ إلى بيعتك، ولك عليَّ عهدُ الله وميثاقُه. وحلفَ له بأَيمانٍ مغلَّظة: إنك وليُّ عهدي بعدي. وكتبا بينَهما كتابًا، فانخدعَ له عَمرو، وفتحَ أبوابَ دمشق، واحترزَ منه عَمرو بالعبيد. وخرج عمرو إلى عبد الملك في الخيل متقلِّدًا قوسًا سوداء، فأقبلَ حتى أوطأَ فرسه أطناب سُرادق عبد الملك، فانقطعت الأطناب، وسقط السُّرادق، ونزل عَمرو، فجلس وعبدُ الملك مُغضَب، فقال له: يا أبا أمية، كأنك تشبه بتقليدك هذه القوس هذا الحيَّ من قيس. فقال عَمرو: لا، ولكني أشبه من هو خيرٌ منهم: العاص بن أمية. ثم قام عَمرو مغضَبًا والخيل معه حتى دخلَ دمشق. ودخل عبد الملك دمشق، فبعث إلى عَمرو: قد استوليتَ على الخزائن، فأعطِ الناس أرزاقَهم. فأرسل إليه عَمرو: إنَّ هذا البلدَ ليس لك ببلد، فاشْخَصْ عنه. فلما كان بعد ثلاثة أيام من دخول عبد الملك بعثَ إلى عَمرو أنِ ائتني، وهو عند امرأته الكلبيَّة، وقد كان عبدُ الملك استشارَ كُرَيب بن أبرهة (٢) بن الصبَّاح في أمر عَمرو، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جَمَل. وجاء رسول عبد الملك إلى عمرو وعنده عبد الله بن يزيد بن معاوية -وكان زوجَ ابنةِ عَمرو، وهي أمُّ موسى- فقال له: لا تأته. قال: ولم؟ قال: بلغني عن تُبيع ابن امرأة

стр. 3973

كعب الأحبار أنه قال: يُغلِّقُ أبوابَ دمشق عظيمٌ من عظماء ولد إسماعيل، ثم لا يلبث أن يُقتل. فقال له عَمرو: واللهِ لو كنتُ نائمًا ما خفتُ أن ينبِّهَني ابنُ الزَّرقاء. مع أنني رأيتُ البارحةَ في المنام أن عثمان بن عفان أتاني، فألبسني قميصه، وقال عَمرو للرسول: قُلْ له: آتيك العَشِيَّة. فلما كانت العشيةُ لبس عَمرو درعَه بين ثيابه، وتقلَّدَ سيفه، وكان عند امرأته الكلبيَّة وعنده حُميد بن حُريث بن بَحْدَل الكلبىيّ. فلما قام عَمرو؛ عَثَرَ بالبساط فسقط، فقالت له امرأته وحُميد: لا تذهَبْ إليه، فقد رأينا أماراتِ الشَّرّ. فلم يلتفت إلى قولها، وأقبل في مئة من مواليه. وكان عبدُ الملك قد أوصى الحاجب أن يحبس عنه مواليَه، فصار كما دخل دهليزًا حبس عنه جماعة، ولم يعلم عمرو حتى صارَ في وسط الدار، ومعه وصيفٌ واحد. وكان عبد الملك قد جمع بني مروان عنده وفيهم حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي وقَبِيصة بن ذُؤيب الخُزاعي، فلما رآهم عَمرو أحسَّ بالشّرّ، فقال للوصيف: اذهب إلى أخي يحيى بن سعيد، فقُل له فليأتني. فلم يفهم الوصيف قولَه، فردَّدَ مرارًا وهو لا يفهم. وقام حسان وقَبِيصة، فخرجا، وغُلِّقت الأبواب، وجاء عَمرو إلى عبد الملك، فرحَّب به، وأجلسه معه على سريره، وحادثَه طويلًا، ثم أمر بتنحية سيفه، فاسترجعَ عمرو، فقال له عبد الملك: لا بأس عليك يا أبا أمية، أتريدُ أن تجلس معي على سريري وسيفك في عنقك؟! ثم قال له: إنك لمَّا خلعْتَني آليتُ على نفسي أن أجعلكَ في جامعة. فقال بنو مروان: ثم تطلقُه؟ قال: نعم. واسترجعَ عَمرو، وجعلَ الجامعةَ في عنقه، ثم جَذَبَه، فأصابَ السريرُ ثنيَّةَ عَمرو، فكسرها (١)، فقال له عَمرو: أُذكِّرك اللهَ والرَّحِمَ، والعُهودَ والمواثيق. فقال عبد الملك: لو علمتُ أن بقاءك يفيد لكان (٢)،

стр. 3974

ولكن ما اجتمع اثنان في بلد على مثل ما اجتمعنا عليه إلا وأخرجَ أحدُهما صاحبَه. فقال له عمرو: أَغدرًا (١) يا ابنَ الزرقاء؟! قال: نعم (٢). ثم أذّن المؤذّنُ للعصر، فقام عبدُ الملك، وخرج إلى الصلاة، وقال لعبد العزيز بن مروان: اقتله. فأخذَ السيفَ وقصدَه، فقال له: ناشَدْتُك اللهَ والرَّحِمَ أن تتولَّى قَتْلي، ولْيَتَوَلَّاه أبعدُ منك منّي نسبًا. فاستحى عبدُ العزيز منه، فتركه. ولما خرج عبد الملك وليس معه عمرو؛ ذهبَ الناسُ إلى يحيى بن سعيد، فأقبلَ في ألفٍ من مواليه ومعه حُميد بن حُريث وزهير بن الأبرد، فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف، وجُرح الوليد بنُ عبد الملك في رأسه كادَ أن يأتيَ على نفسه، فحُمل صريعًا. وسمع عبدُ الملك الضَّجَّة، ولامَ أخاه عبدَ العزيز على ترك قتله، ثم قامَ هو بنفسه إليه وبيده الصَّمصامة (٣)، وقال: أضْجِعُوه، فأضجَعوه، فجلسَ على صدره، وذبحَه، ثم ارتعدَ عبدُ الملك، وسقطَ عنه مغشيًّا عليه، فيُقال: ما قتلَ أحدٌ قريبَه إلا وجرى عليه مثلُ هذا. ثم أخذ عبدُ الرحمن بن أمِّ الحَكَم رأسَه، فألقاه إلى أصحابه. [ويقال في بعض الروايات: إن عبد الملك أمر غلامه أبا الزُّعيزعة بقتل عمرو، فقتله، ورمى برأسه إلى أصحابه]. وخرج عبدُ العزيز بن مروان بالبِدَر (٤)، فألقاها إلى الناس، فأخذوها وتفرَّقوا. [وهذه روايات الواقدي وهشام] (٥). ثمَّ إنَّ عبدَ الملك استردَّ تلك الأموال فيما بعد.

стр. 3975

ولما قَتَلَ عبدُ الملك عَمْرًا قال: واللهِ إنَّ بني أمية عندي لأعزُّ من دم النواظر، ولكن -واللهِ- ما اجتمعَ فحلان في شَوْل (١) إلا وأخرجَ أحدُهما صاحبَه، وإن كان عَمرو لحمَّالًا للعظائم، نهَّاضًا بالمكارم. و [قال الواقدي: لما قتلَ عبد الملك عَمرًا]، كان قد كتبَ له كتابَ أمان، وأشهدَ شُهودًا، فبعثَ إلى امرأة عَمرو يطلبُه (٢)، فقالت: دفنتُه معه في أكفانه لِيحاكمك غدًا بين يدي الله تعالى. وقال عبد الملك لبَشِير بن عَقْرَبَة الجُهني: ما رأيُك (٣) في الذي كان منِّي؟ فقال: أمرٌ قد فاتَ دَرْكُه. فقال: لا بدَّ أن تقول. قال: ما فعلتَه ليس بحزم. قال: ولمَ؟ قال: لو قَتَلْتَهُ وحَيِيتَ؛ كان. قال: [أولستُ بِحَيّ؟! قال: لا. قال: ولم؟! قال: ليس بحيِّ من أوقفَ نفسه موقفًا لا يُوثَق له بعَهْد ولا] عَقْد. فقال عبد الملك: لو طرق سمعي هذا الكلام لمَا قتلتُه (٤). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ (٥): حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثَنا حُجْر بنُ الحارث الغسَّاني، عن عبد الله بن عوف الكِناني أنه شهد عبد الملك بن مروان قال لبَشِير بن عَقْرَبة يوم قَتَلَ عمرَو [بن سعيد]: يا أبا اليمان، إني قد احتجتُ اليوم إلى كلامك، فقم وتكلَّمْ. فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من قامَ بخطبةٍ لا يَلْتَمِسُ بها إلا رِياءً وسُمْعةً؛ وقَفَهُ اللهُ تعالى يومَ القيامة موقفَ رِياءٍ وسُمْعَة".

стр. 3976

[وكانت أمُّ عَمرو عمَّةَ عبد الملك. واختلفوا في مقتل عَمرو، فعامَّة المؤرِّخين على أنَّه قُتل سنة تسعٍ وستين، وقيل: في سنة سبعين. والله أعلم] (١). وقد رثاه جماعةٌ، منهم يحيى بن الحكم [أخو مروان بن الحَكَم] وكان من خيار بني أميَّة حسن المحضر عند عبد الملك (٢) فقال: أعينيَّ جُودا بالدموع على عمرٍو … عشيَّةَ تُبْتَزُّ الخلافةُ بالغَدْرِ كأنَّ بني مروان إذْ يقتلُونهُ … بُغاثٌ من الطير اجْتَمَعْنَ على صَقْرِ غدرتُم بِعمرٍو يا بني خَيطِ باطلٍ (٣) … وأنتم ذَوُو قُرْبانِهِ وذَوُو صِهْرِ لَحَا اللهُ دُنْيا تَدخلُ النارَ أهلُها … وتَهْتِكُ ما دونَ المَحارمِ من سِتْرِ (٤) ولما قُتل عَمرو؛ أمرَ عبدُ الملك بسريره فأُبرِزَ إلى المسجد، وخرج، فجلس عليه، وسألَ عن الوليد ابنِه وقال: لئن كانوا قتلوه؛ لقد أدركُوا ثأرَهم. فقال له إبراهيم بنُ عربي (٥) الكِناني: هو عندي في بيت القراطيس، قد أصابَتْه جراحة، ولا بأس عليه. وأُتي بيحيى بن سعيد إلى عبد الملك، فأمر بقتله، فقام عبدُ العزيز [بن مروان] فقال: أتُراك قاتلًا بني أمية في يوم واحد؟! فأمر بحبس يحيى، فحُبس. وجيء بعنبسة بن سعيد، فأمر بقتله، فقام عبدُ العزيز، فقال له مثلَ ذلك، فحبسَه. وجيء بعامر بن الأسود الكلبي، فضربَه عبدُ الملك بقضيب في رأسه، وقال:

стр. 3977

أتُقاتلُني مع عَمرو، وتكون معه عليَّ؟ قال: نعم؛ لأنَّ عمرًا أكرمني وأهنْتَني، وأدناني وأقصيتَني وقرَّبَني وأبعدتَني، وأحسنَ إليَّ وأسأتَ إليَّ. فأمرَ بقتله، فقام عبدُ العزيز فقال: أنْشُدكَ اللهَ في خالي. فوهبه له. ثم أمر عبد الملك ببني سعيد، فحُبسوا. وأقامَ يحيى بنُ سعيد في الحبس شهرًا، فاستشار عبد الملك الناس في قتله، فأشار أكثرُهم بقتله، وقالوا: هل تلدُ الحيَّةُ إلا حُوَيَّةً مثلَها؟ فقال عبد الله بن مسعدة الفَزاريّ: إنّ يحيى ابنُ عمِّك، وقد علمتَ ما صنعتَ بهم وما صنعوا، ولستُ أرى قتلهم، ولكن سيِّرْهم إلى [عدوِّك، فإنْ هُم قُتلوا كنتَ قد كُفيتَ أمرهم بيد غيرك، وإنْ هم سلموا ورجعوا رأيتُ فيهم رأيك. وذُكر أن عبد الله بن يزيد القَسْري أبا خالد كان] (١) مع يحيى بن سعيد، وكَسَرَ باب المقصورة (٢)، فلما قُتل عَمرو؛ ركبَ عبدُ الله ولحقَ بمصعب بن الزبير، فكان معه. وقال عبد الملك يومًا ليحيى بن سعيد: ما أشبَهَكَ بإبليس! فقال يحيى: ولِمَ تُنكر أن يكون سيِّدُ الإنس يُشبّه بسيّد الجنّ (٣)؟. و [قال هشام:] دخل ولدُ عَمرو بن سعيد -وهم: أميَّة، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد- على عبد الملك بعد ما قُتل ابنُ الزُّبير واتَّفق الجماعة على عبد الملك، فقال لهم: إنكم أهلُ بيتٍ لا تزالون ترون أن لكم على جميع قومكم فضلًا لم يجعله اللهُ لكم، وإن الذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثًا، وإنما كان قديمًا. فقال له سعيد بن عمرو: ما ينبغي أن تؤاخذنا بأمر كان في الجاهلية، لأن الإسلام قد هدمَ ذلك. وأما الذي كان بينك وبين عمرو، فعمرو ابنُ عمك، وأنت أعلم وما (٤) صنعتَ، وقد وصل

стр. 3978

[عَمرو] إلى الله، وكفى بالله حسيبًا. ولعمري لئن واخَذْتَنا بما كان بينك وبين عمرو لَبَطْنُ الأرض خيرٌ لنا من ظهرها. فرقَّ لهم عبد الملك، وقال: إن أباكم خيَّرني بين أن يقتلني وبين أن أقتلَه، فاخترت قتلَه على قتلي. وأمَّا أنتُم فما أرغَبَني فيكم، وأوصَلَني لقرابتكم. وأحسنَ إليهم (١). ذكر أولاد عَمرو بن سعيد: فولدَ [عمرٌو] أميَّةَ، وسعيدًا، وإسماعيل، ومحمدًا، وأمَّ كلثوم؛ وأمُّهم أمُّ حبيب بنت حُريث بن سُليم من قُضاعة. وعبدَ الملك، وعبدَ العزيز، ورَمْلةَ، وأمُّهم سَوْدةُ بنْتُ الزُّبير بنِ العوَّام. وموسى، وعمران؛ وأمُّهما عائشةُ بنتُ مطيع من بني عامر. وعبدَ الله، وعبدَ الرحمن؛ لأمِّ ولد. وأمَّ موسى؛ وأمُّها نائلة بنت فريص، كلبيَّة. وأمَّ عمران لأمِّ ولد (٢). وكان لأميَّة بن عَمرو بن سعيد ولد اسمُه إسماعيل، وكان فقيهَ أهل مكة (٣). وسعيد بن أمية بن عَمرو، وكان يسكن أيلة، وهو القائل: لجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ … عادَ الظَّلومُ ظليمًا همُّهُ الهَرَبُ أين الفرارُ وتركُ الملك إذْ كشَفَتْ … عنك الهُوينا فلا دينٌ ولا حَسَبُ فراشةُ الحِلْم فرعونُ العقاب وإنْ … تطلبْ نَدَاهُ فكَلْبٌ دونه كَلِبُ (٤) وسعيد بن عَمرو، كان من سادات العلماء بالكوفة، وأكابر قُريش، وولدُه بها، وكنيتُه أبو عثمان.

стр. 3979

حدَّث عن ابن عُمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأبيه عَمرو بن سعيد. وروى عنه بنوه: إسحاق، وخالد، وعَمرو، وشعبة بن الحجَّاج، في آخرين. وكان لما قُتل أبوه بدمشق، فنفاه عبدُ الملك مع أهل بيته إلى العراق، فأقامَ بالكوفة، وكان ثقةً صدوقًا (١). وأمَّا إسماعيل بن عمرو؛ فكان يسكُنُ الأَعْوَص شرقيَّ المدينة، وكان زاهدًا، لم يلتبس من سلطان بني أمية بشيء، وهو الذي قال عنه عُمر بن عبد العزيز ﵁: لو كان لي أنْ أعهد؛ ما عَدَوْتُ أحدَ الرجلين: صاحب الأعوص، يعني إسماعيل، وأُعَيمِش بني تيم، يعني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (٢). وأمَّا محمد بن عَمرو بن سعيد؛ فكان مع أبيه يوم قُتل، وكان قد قدم الشام غازيًا، فنزل على عمَّته ابنةِ سعيد بن العاص، وكانت زوجةَ خالد بن يزيد بن معاوية، فأقام أيامًا، فقال خالد: ما يَقْدَمُ علينا أحدٌ من أهل الحجاز إلا اختار المُقام عندنا على المدينة. يعرِّض بمحمد. فقال له محمد: وما يمنعُهم وقد قدم قومٌ منهم على النواضح، فسلبوك مُلكَك، ونكحوا أمَّك، وفرَّغوك لقراءة الكتب، وطلبتَ ما لا تقدرُ عليه. يشير إلى الكيمياء. وكان خالد مشهورًا بها (٣). وأمَّا موسى بن عَمرو؛ فكان له ولد اسمُه أيوب، وروى عنه (٤) العلمَ مالكُ بنُ أنس، وغيرُه. أسندَ عمرو بنُ سعيد الحديث عن عُمر، وعثمان، ﵁، وقيل: إنه رأى النبي ﷺ . وروى عنه بنوه.

стр. 3980

عمرو بن سعيد الثقفي مولاهم من الطبقة الخامسة من التابعين أهل البصرة (١). حدّث عن أنس بن مالك، وكان ثقةً، وأوفدَه يوسف بن عُمر (٢) على الوليد بن يزيد، فلما عاد من عنده قال له يوسف: كيف خلَّفْتَ الفاسق؟ ثم قال له: إيَّاك أن يَسمع منك هذا الكلام أحد. فقال عَمرو: حبيبة بنتُ عبد الرحمن بن جُبير طالق إنْ سمعَتْهُ أذناي ما دمْتُ حيًّا. فضحك يوسف بن عُمر (٣). قوله: أوفدَه يوسف بن عُمر على الوليد بن يزيد: وهم، إذ كانت وفاته في هذه السنة، والله أعلم. قَبِيصة بن جابر ابن وَهْب بن مالك، أبو العلاء الأسدي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة (٤). وكان رضيعَ معاوية بن أبي سفيان؛ أرضعته أمُّه هند (٥)، وكان كاتبَ سعد بن أبي وقَّاص بالكوفة (٦). وكان أميرًا على بني أسد يومَ الجمل مع عليِّ رضوان الله عليه، وكان يُعَدّ من الفُصحاء، وكان ثقةً له أحاديث.

стр. 3981

روى عن عُمر، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاوية، وعَمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. وروى عنه الشعبيُّ وغيرُه، وتوفّي في سنة تسع وستين (١). مالك بن أُحَيمِر (٢) السَّكْسَكي الحمصي اليمامي، من الطبقة الأولى من أهل الشام، وقيل: له صحبة ورواية. وكان صاحبَ معاذ بن جبل، روى عنه وقال: رأيتُ المهاجرات بالجابية حول حجرة معاذ يذبحن أضاحيَهنَّ بأيديهنَّ. وروى عن معاوية، وروى عنه معاوية (٣). يزيد بن ربيعة بن مُفرِّغ أبو عثمان الحِمْيريّ البصري [صاحب الواقعة مع بني زياد. وسُمِّيَ جدُّه مُفَرِّغًا لأنه راهن أن يشربَ سِقاءً من لبن فيُفرِّغه، ففعل]. كان شاعرًا محسنًا مُجيدًا غَزِلًا (٤). والسيِّد الحِمْيريّ من ولده (٥). وكان يهوى أناهيد بنتَ الأعنق الأهوازية، وشبَّب بها [وله معها قصص. وقال أبو عبيدة معمر:] وقدم الموصل، فتزوَّج امرأة عظيمة القدر، فلما كان ليلةُ زفافها؛ خرج إلى ظاهر البلد، فلقيَ رجلًا من الأهواز، فسأله عن أناهيد بنت الأعنق،

стр. 3982

فقال: إي والله، ما تجفُّ جفونُها من البكاء على ابن مفرِّغ. فحلف أنه لا يدخل الموصل حتى يأتيَها بالأهواز، فقال له صاحب معه: زوّجك القوم كريمتهم (١)، وأحسنوا إليك؛ تَدَعُهم وأنتَ في أمن (٢)، وتقدم على ابن زياد وقد فعل بك ما فعل! فقال: لا بدّ. وسار من وقته إلى البصرة، فقدم على عُبيد الله بن أبي بَكْرة، فامتدحَه، فأمرَ له بمئة ألف درهم، ومئةِ ناقة، ومئةِ وصيف، ومئة وصيفة، فأخذَ الجميع، ومضى إلى الأهواز، فنزل على أناهيد، فأقام عندها حتى مات بالطاعون في هذه السنة (٣). وهو القائل يمدحُ مروان بن الحَكَم: عَشقَ الفضائلَ فَهْوَ مُشتغلٌ بها … والمَكْرُمَاتُ قليلةُ العُشَّاقِ وأقام سُوقًا للثَّناء ولم يكنْ … سوقُ الثَّناءِ يُقام في الأسواقِ وكأنَّما جعلَ الإلهُ إليكمُ … قبضَ النفوسِ وقسمةَ الأرزاقِ (٤)!

стр. 3983

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء التاسع [٧٠ - ٩٣ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد رضوان عرقسوسي - عمار ريحاوي

стр. 3984

السنة السبعون وفيها قدم مصعب بن الزبير [مكةَ] بأموالٍ عظيمة ودوابَّ وظهرٍ، ففرَّق الجميع في قومه وغيرهم، وأرسل إلى عبد الله بن صفوان وعبد الله بن مطيع وجُبير بن شيبة من ذلك شيئًا كثيرًا (١)، ونحرَ عند الكعبة [بُدْنًا كثيرة. وقال هشام: كانت] ألفَ بَدَنة وعشرين ألف شاة، وأغْنَى ساكني مكة، وعاد إلى الكوفة. وفيها قصد ملكُ الروم الشام بجموع عظيمة، فصالحه عبد الملك على أن يعطيَه في كل جمعة ألفَ دينار خوفًا على المسلمين (٢)، وكان قد اتفق معه نصارى الشام أن يثوروا بالمسلمين. وفيها بعث عبد الملك بن مروان خالد بنَ عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العِيص بن أمية إلى البصرة ليأخذَها له في غَيبَة مصعب بن الزبير عنها. وكان خالد وأخوه عبد الله مع مصمعب أوَّلًا، فلما أراد مصعب المسير إلى المختار اتَّهمَهما، فسيَّرهما إلى الشام، فلحقا بعبد الملك. فلما قدم مصعب مكة في هذه السنة قال خالد لعبد الملك: جهِّزْني حتى آخذ لك البصرة. وقيل: خرج عبد الملك في سنة سبعين يريد مصعبًا ومعه خالد، فقال لعبد الملك: إن وجَّهتَني إلى البصرة وأتبعتني خيلًا يسيرة؛ أخَذْتُها لك، ورجوتُ أن أغلب لك عليها. ثم سار خالد إلى البصرة مستخفيًا في مواليه وخاصَّته، فنزل على عَمرو بن أصمع، فأجاره.

стр. 3985

وكان عبّاد بن الحُصين على شرطة البصرة، وابنُ معمر خليفة مصعب عليها. فأرسل ابنُ أصمع إلى عبَّاد بن الحصين يخبره بنزول خالد عليه، ورجا أن يكون عبَّاد ظهيرًا له، فوافاه رسولُه وقد نزل عن فرسه، فأبلغَه الرسالة، فقال عبَّاد: قل له: واللهِ لا أضعُ لِبْدَ فرسي حتى آتيَك في الخيل. فعاد الرسولُ إليه وأبلغه ما قال عبَّاد، فقال ابنُ أصمع لخالد: واللهِ ما أغرُّك، الساعةَ يأتينا عبَّاد، ولا أقدرُ أمنعك منه، فاخْرُجْ إلى مالك بن مِسْمَع، فهو أمنع منّي. فخرج خالد من عنده، وأتى مالكًا، فاستجارَ به، فأجاره، وأرسلَ إلى الأَزْد وبكر بن وائل: البسُوا السلاح، وأقبلُوا بالرايات من بني تميم وغيرهم، وجاءه صعصعة بنُ معاوية، وعبدُ العزيز بنُ بشر، ومُرَّة بن مَحْكَان، وعُبيد الله بن أبي بَكْرة، وحُمران مولى عثمان، وغيرُهم. وأقبل ابنُ معمر وعبَّادُ بن الحُصين، وأمدَّهم مصعب بنُ الزُّبير من الكوفة بزَحْر بن قيس الجُعفي في ألف فارس، ووجَّه عبدُ الملك عُبيدَ الله بنَ زياد بنِ ظَبْيان مددًا لخالد، فتربَّص ولم يدخل البصرة. وأقاموا يقتتلون أربعة عشر يومًا (١)، ثم اتفقوا على أن يخرجَ خالد من البصرة، بأمان وكانت عين مالك قد أُصيبت في هذه الحرب. فخرج خالد إلى الشام بأمان، وبلغ عُبيدَ الله بنَ زياد بن ظَبْيان، ففرَّق الناسَ عن خالد، فلحق بعبد الملك. وفي ذلك يقول الفرزدق يذكر مالكًا ولحاقَ بني تميم وخالدًا وخروجَه: عجبتُ لأقوامٍ تميمٌ أبوهُمُ … وهم في بني سعدٍ (٢) عِظامُ المَبَارِكِ وكانوا أعزَّ الناسِ قبلَ مسيرِهم … إلى الأزْد لمَّا أقبلوا بالسَّنابكِ (٣) فما ظنُّكم بابنِ الحَوَاريِّ مصعبٍ … إذا افْتَرَّ عن أنيابه غيرَ ضاحكِ

стр. 3986

ونحن نَفَينا مالكًا عن بلادِهِ … ونحن فَقَأْنا عينَه بالنَّيازِكِ ورجع عبدُ الملك إلى دمشق، وقدمَ مصعب البصرة، وأرسلَ فأحضرَ الذين خرجوا مع خالد، فسبَّهم ووبَّخهم، وقال لعُبيد الله بن أبي بَكْرَة: يا ابنَ مَسْرُوح (١)، إنَّما أنتَ ابنُ كلبةٍ تَعاوَرَتْها الكلاب، فجاءت بأحمر وأصفر وأسود، من كلِّ كلب بما يُشبهه، وإنَّما كان أبوك عبدًا نزل إلى رسول الله ﷺ من حصن الطائف، ثم أقمتُم البيِّنة أن أبا سفيان زنى بأمِّكم. أما واللهِ لئن بقيتُ بكم لأُلحقنَّكم بنسبكم. ثم قال لِحُمْران: يا ابنَ اليهودية، إنما أنتَ عِلْج نبطيّ سُبيتَ من عين التمر. ثم قال للحَكَم بن المنذر بن الجارود: يا ابنَ الخبيث، أتدري مَنْ أنت ومَنْ أبوك؟ إنما كان عِلْجًا بجزيرة ابنِ كاوان فارسيًّا، فقطع إلى ساحل البحر، فانتمى إلى عبد القيس، وواللهِ ما أعرفُ حيًّا أكثرَ اشتمالًا على سَوْءَةٍ منكم، ثم أنكحَ أختَه المُكَعْبرَ الفارسيَّ، فأولاده منها. ثم قال لعبد الله بن فَضَالة الزهراوي: ألستَ من هَجَر، ثم سَمَاهيج، واللهِ لأَرُدَّنَّك إلى نَسَبك. ثم قال لعبد العزيز بن بشر بن حَنَّاط: يا ابنَ المشتور، ألم يسرق عمُّك عيرًا في عهد عمر، فأمر بقطعه؟ أما واللهِ ما أعيبُ (٢) إلا من ينكح أختَك. وكانت أختُه تحت مُقاتل ابن مسمع. ثم قال لعبد الله بن عثمان الثقفي: أَعَلَيَّ تمالئ (٣)؟! إنَّما أبوك عِلْجٌ من أهل هَجَر لحق بالطائف، أما والله لأَرُدَّنَّك إلى أصلك. ثم عدَّد لكلِّ واحد ممن خرج عليه أشياءَ من هذا الجنس، ثم ضرب كلَّ واحد منهم مئة جلدة، وحلق رؤوسَهم ولِحاهم، وهدمَ دورهم، وأقامَهم في الشمس ثلاثًا،

стр. 3987

وحملَهم على طلاق نسائهم، وسيَّر أولادهم (١) في البُعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، واستحلفَهم على أن لا ينكحوا الحرائر. وكان عزمَ على قتلهم، فشفَعَ فيهم أعيانُ الصحابة، فاقتصر على هذا. [وقال هشام:] وفيها وقع الطاعون الجارف، فمات أهل الشام (٢) إلا اليسير، ومات بنو عجل، فلم يبقَ منهم إلا جارية ماتَ أهلُها، فسمعت عُواء الذئب، فقالت: ألا أيُّها الذِّئْبُ المنادي بسُحْرَةٍ (٣) … هلمَّ أُنبِّئْكَ الذي قد بَدَا لِيا بدا ليَ أنِّي قد يَتِمْتُ وأنَّني … بقيةُ قومٍ أورثُوني المَباكيا ولا ضَيرَ أنِّي سوف أتبعُ مَنْ مَضَى … ويتبعُني مَنْ كان بعديَ تاليا (٤) وحجَّ بالناس ابنُ الزبير [في هذه السنة] وكان الولاة والقضاة في هذه السنة هم العمال والقضاة في السنة الماضية. وفيها توفِّي الحارث بن عبد الله ابن كعب بن أسد الهَمْدَاني الكوفي الأعور، راويةُ عليّ ﵇، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. قال عامر: لقد رأيتُ الحسنَ والحسين يسألان الحارثَ الأعور عن حديث عليّ ﵇ (٥). وكانت وفاتُه بالكوفة في هذه السنة (٦). وقيل: سنة ستّ وستين.

стр. 3988

أسند الحارثُ عن عليّ ﵇، وابنِ مسعود، وكان ضعيفًا في روايته، وكان له قولُ سوء. وقال الشعبي: حدثني الحارثُ الأعور وكان كذَّابًا (١). عاصم بن عمر بن الخطاب [وكنيتُه] أبو عُمر (٢)، وأمُّه جميلة بنت عاصم (٣) بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. [قال ابن سعد:] وكان اسمُها عاصية، فسمَّاها رسول الله ﷺ جميلة. وكان عمر ﵁ طلَّقَها، فخاصَمَتْه إلى أبي بكر رضوان الله عليه، فقضى بولدها عاصم (٤). وقال: مَسُّها وريحها خيرٌ له منك (٥). وعاصم من الطبقة الأولى من التابعين، من أهل المدينة. [وقال الموفَّق:] وُلد قبل وفاة رسول الله ﷺ (٦) [ثم طلَّق عُمرُ أمَّهُ وأخذَ عاصمًا منها، فخاصَمَتْهُ إلى أبي بكر وعاصمٌ يومئذٍ ابنُ أربعِ سنين]. وكان جسيمًا [وكان ذراعه ذراعًا وشبرًا -أو نحوًا من شبر- وكان] حليمًا خيّرًا، من أحسن الناس خُلُقًا (٧)؛ خاصمه الحُسين بنُ عليّ في أرض، فتركَها له. [وقال الواقدي:] وكلّم رجل عاصمًا في لهو، فأنشد: قَضى ما قَضى فيما مضى ثم لا تَرَى … له صبوةً فيما بقي آخرَ الدَّهْرِ (٨)

стр. 3989

[وحكى ابن سعد عن الواقدي قال:] توفّي عاصم بن عمر بالمدينة سنة سبعين، فقدم أخوه عبد الله بنُ عمر ﵁ بعد وفاته بثلاثة أيام، فأتى قبره، فصلَّى عليه (١). وقال: فليتَ المنايا كنَّ خلَّفْنَ عاصمًا … فَعِشْنا جميعًا أو ذَهَبْنَ بنا معا (٢) ذكر أولاده: كان له من الولد: عُمر، وأمُّ سفيان؛ أمُّهما بنتُ سفيان بن عوف (٣)، كنانية. وعُبيد الله، وسليمان، وأمُّ سلمة، وأمُّهم عائشة بنت مطيع بن الأسود العدويّ. وحفص، وأُمُّه سِدْرَة بنت يزيد بن قيس عيلان. وحفصة، وأمُّ عاصم -وهي أمُّ عُمر بن عبد العزيز ﵁ وأمُّهما أمُّ عمارة (٤) سفيان، ثقفيَّة. وكان لعاصم (٥) ولدٌ اسمُه حفص، وأمُّه يُقال لها (٦) … ... أمُّ مسكين (٧) تزوَّجَها يزيد بن معاوية، ثمَّ طلَّقَها، فتزوَّجها عُبيد الله بنُ زياد.

стр. 3990

وأمَّا حفص بن عاصم؛ فكان من رواة العلم، وابنُه عُمر (١) بنُ حفص، وفيه يقول المُزَنيّ (٢): جزاكَ اللهُ يا عُمَرَ بنَ حفصٍ … عن الإخوانِ جنَّاتِ النعيمِ وكان لعُمرِ بنِ حفص من الولد: عَبْدُ الله، وعُبيد الله، ومحمد، وزيد، وعبد الرحمن، وعاصم، وأبو بكر، بنو عُمر بن حفص، وكلُّهم كانوا أصحابَ مروءة، وفضل في الدين والعلم، والخلُق الجميل (٣). وكانوا يجلسون إلى نافع مولى ابن عمر في مسجد رسول الله ﷺ في الرَّوْضة، وكان مالك بنُ أنس يجلس معهم عند نافع، ويجلس مالك بعد موت (٤) نافع في مجلسهم. وكان من طولهم وعظم أجسامهم يسمَّوْن الشراجع، يُشبَّهون بالإبل العظام. ونظر إليهم رجل من آل أبي طالب ورأى الناس يُهرعون إليهم، فقال: من هؤلاء؟ فقيل له: بنو عُمر بن حفص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب. فقال: واللهِ لا قامت للشيعة قائمةٌ ما دام هؤلاء أحياءً. وكانوا يتشدَّدُون في الذنوب حتى يُخال أنهم يرون رأي الإباضيَّة.

стр. 3991

وسيِّدُهم عُبيد الله بن عُمر بن حفص، كان إمامًا في العلم والحديث والدين، وكنيتُه أبو عثمان، وأخوه عَبْدُ الله الزاهد كان يُسأل عن الحديث، فيقول: أما وأبو عثمان حيٌّ فلا. يلزمُ الأدبَ مع أخيه؛ لأنه أخذَ العلم عنه. وخرجَ عَبْدُ الله من المدينة، فاعتزلَ الناس، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقدَمُ على الخلفاء. وابنُه عبد الرحمن بن عَبْد الله، وليَ قضاء المدينة لهارون الوشيد، وابنُه الآخر القاسم بن عَبْدِ الله رُويَ عنه الحديثُ (١). وأخوه أبو بكر بن عمر بن حفص؛ وليَ القضاء بالمدينة (٢). أسند عاصم الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، وروى عنه ابنُ المسيِّب والزُّهْريّ، وغيرهما، وكان ثقة. قيس بن الملوَّح صاحب ليلى، وهما من بني عامر [في قول أبي عمرو الشيباني. وقال ابن الكلبي: هو قيس بن معاذ العقيلي، وصاحبتُه ليلى بنت مهدي، اشتهر بحبِّها، و] لم يزل به العشق حتى مات بين الحجارة والوحش. [وقد ذكر أخباره أبو عَمرو بن العلاء، وابنُ الكلبي، وغيرهما. وقد ذكر طرفًا من أشعاره وأخباره هشامُ ابنُ الكلبي عن أبيه. وكذا حكى أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد، الكاتب المعروف بالأصبهاني، والرِّياشي، والأصمعي، والأخفش، والمدائني؛ الصحيحَ من الروايات أنه قيس بن المُلَوَّح بن مُزاحم، والدليل على أنه قيس قول ليلى: ألا ليتَ شِعْري والخطوبُ كثيرةٌ … متى رَحْلُ قيسٍ مستقلٌّ فراجعُ

стр. 3992

وحكى الرِّياشي عن الأصمعي قال: ثلاثة رجال ما عُرفوا في الدنيا قطّ إلا بالاسم: مجنونُ بني عامر، وابنُ القِرِّيَّة (١)، وابن أبي العَقِب، صاحب قصيدة (٢) الملاحم. وقال المدائني: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ، من بني عامر، ثم من بني عقيل. وحكى طالوت بن عبّاد عن الأصمعي أنه سُئل عنه، فقال: لم يكن مجنونًا، وإنما كانت به لُوثة أحدثها العشق فيه، وكان يهوى امرأة من قومه يقال لها: ليلى، واسمه قيس بن معاذ. وقال أبو عبيدة: إن اسمه البُحْتريّ. وقيل: الأقرع بن معاذ، وقيس أشهر. وروي عن ابن الكلبي أنه قال: إن حديث المجنون وشعره وضعه فتىً من بني أمية كان يهوى ابنة عمّ له، وكان يكره إظهار ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وأشعاره، ونسبها إليه. قلت: وقد وهم ابن الكلبي، فإن معظم حكاياته حكاها ابن الكلبي عن أبيه. قلت: وقد وضعتُ في هذا الكتاب ما اخترتُه من أشعاره على مقتضى الوقائع دون الترتيب. حكى أبو الفرج الأصبهاني عن أبي الهيثم العقيلي قال:] (٣) وكان خطبها المجنون ورجلٌ من بني عَقِيل يقال له: وَرْد (٤)، فزوَّجَها أهلُها من وَرْد، فمرَّ به المجنون، فقال:

стр. 3993

بِربِّكَ هل ضَمَمْتَ إليكَ ليلى … قُبيلَ الصُّبحِ أو قَبَّلْتَ فاها وهل رَفَّتْ عليك قُرونُ ليلى … رفيفَ الأُقحوانةِ في نداها فقال: اللَّهمَّ إذْ حلَّفْتَني فنعم. فقبضَ المجنونُ بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقَه حتى وقعَ مغشيًّا عليه، وسقط لحمُ كفَّيه مع الجمر (١). [وقال هشام: نزلَتْ ليلى منزلًا، ثم رحلت، فجاء المجنون، فألصقَ صدره بمكانها، وجعلَ يلثُمُ التراب ويبكي ويقول: أيا حَرَجاتِ الحيِّ حيث (٢) تحمَّلُوا … بذي سَلَمٍ لا جادَكُنَّ ربيعُ وخيماتُكِ (٣) اللاتي بمنعرج اللِّوى … بَلِينَ بِلَى لم تَبْلَهُنَّ رُبُوعُ ندمتُ على ما كان منِّي ندامةً … كما ندمَ المَغْبُونُ حين يبيعُ فقدتُكِ من قلبٍ شَعاعٍ ألم أكُنْ … نهيتُكِ عن هذا ونحن جميعُ (٤) وقال العُتبيُّ: مرَّ يومًا بحيِّ ليلى وهي جالسةٌ مع أترابٍ لها، فوقف عليهنَّ، وحادثَهنَّ، ونزل فعقرَ ناقتَه، فجعلنَ يشوينَ ويأكلْنَ، فأقبلَ غلامٌ حسن الوجه يقال له: مُنازل، فجلس إليهنَّ، فأعْرَضْنَ عن قيس، فقال: أَأَعقِرُ من جَرَّا كريمةَ ناقتي (٥) … ووَصْلِيَ مقرونٌ بوَصْلِ مُنازِلِ إذا جاء قَعْقَعْنَ الحُلِيَّ ولم أكُنْ … إذا جئتُ أرجو صوتَ تلك الخلاخلِ وقال أبو عُبيدة مَعْمَر: ليلى بنتُ مهديّ، من ولد الحَرِيش، وكنيتُها أمُّ مالك. وقال العُتبي: إنما سُمِّيَ المجنون لقوله: يقولُ أُناسٌ عَلَّ مجنونَ عامرٍ … يرومُ سُلُوًّا قلتُ إنِّي لِمَا بِيا

стр. 3994

من أبيات (١). وقال العُتبي: استعمل مروان بنُ الحَكَم رجلًا من قريش، يقال له: عَمرو (٢)، على صدقات بني كعب، فأتاه المجنون فقال: أُحِبُّ أن أخرج معك، وأتجمَّلَ بك عند قومي. فقال: نعم. فقيل لعَمرو: إنَّ قَصْدَه أن يخرج معك إلى حيِّ ليلى، وقد استعدى عليه أهلُها السلطانَ فأهدرَ دَمَه إنْ جاءهم، فمنعَه عَمرو الخروجَ معه، وأعطاه قلائصَ من الصدقة، فأبَى أنْ يأخذها وقال: ألا حُجِبَتْ ليلى وآلى أميرُها … يمينًا عليه (٣) جاهدًا لا أزُورُها وإني لمَجلُوبٌ إلى الشَّوق كلَّما … بدا ليَ من أعلام ليلى رُسُومُها (٤) وأوعدَني فيها رجالٌ أبوهُمُ … أبي وأبوها خُشِّنَت لي صدورُها على غير شيءٍ غيرَ أني أُحبُّها … وأنَّ فؤادي عند ليلى أسيرُها (٥) بَكَيتُ فأنزفْتُ الدموعَ من البُكا … فقد حُرِّقَتْ عيني وغُشِّي بصيرُها فما رَحِمَتْ يوم التفرُّقِ عَبْرَتي … وقد كاد يبكي رحمةً لي بعيرُها وبعضُهم يروي في هذه الأبيات بيتًا آخر، وهو: وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ … وقد رابني عند الغَداةِ سُفُورُها (٦) وليس البيت للمجنون، إنما هو لتَوْبةَ بن الحُمَيِّر، وقد ذكرناه في ترجمته. وقال ابن الكلبيّ: خرج في رُفقة، فمرُّوا بمفرق طُرُق، أحدُها يأخذُ إلى ناحية ليلى، وبين الطريق وبين حيِّ ليلى ليلة، فسألهم أن يسلكوا به تلك الطريق، فأبَوْا، فقال: لو ضلَّ بعيرُ أحدِكم؛ أما كنتُم تقفون عليه حتى يَنْشُدَ ضالَّتَه؟! ثم قال: أَرُوحُ بِشَجْوٍ ثم أغْدُو بمثلهِ … ويعتادُ نفسي أَنَّةٌ وزَفِيرُ

стр. 3995

إذا ذكرَتْكِ النفسُ مِتُّ صَبابةً … وكاد فؤادي عند ذاك يطيرُ أأتركُ ليلى ليس بيني وبينَها … سوى ليلةٍ إني إذًا لَصَبُورُ هَبُوني امرءًا منكم أَضَلَّ بعيرَهُ … له حُرْمةٌ إن الذِّمام كبيرُ (١) وقال الأصمعي: قال له بعضُ أهله: أَقْصِرْ، فقد شاع أمرك في الدنيا، فقال: سقى منزلًا منها بذي الرِّمْثِ قد عفا … وبطنِ نقاها مُدْجِناتٌ بوارقُ وماذا عسى الواشون أنْ يتحدَّثوا … سوى أنْ يقولوا إنني لكِ عاشقُ أَجَلْ صَدَقَ الواشون أنتِ حبيبةٌ … إليَّ وإنْ لم تَصْفُ منكِ الخلائقُ (٢) وقال الأصمعي: قيل لأبيه: لو خرجتَ به إلى الموسم، وسألتَ اللهَ فيه لعلَّه أن يُخَفِّفَ عنه. فخرج به إلى الموسم، وجاء به إلى عرفات، ووقف مع الناس، وأخذ أبوه في الدعاء له، فقال المجنون: دعا المُحْرِمُون اللهَ يستغفرونهُ … بمكةَ يومًا أن تُمحَّى ذنوبُها وقلتُ له يا ربِّ أوَّلُ حاجةٍ … لنفسيَ ليلى ثم أنتَ حسيبُها فلو نلتُ ليلى في حياتيَ لم يَتُبْ … إلى الله عبدٌ توبةً لا أتوبُها يَقَرُّ بعيني قربُها ويزيدُني … بها كَلَفًا مَنْ كان عندي يعيبُها فيا نفسُ صبرًا لستِ واللهِ فاعلمي … بأوَّلِ نفسٍ غابَ عنها طبيبُها أراكَ إلى نجدٍ تَحِنُّ وإنَّما … هوى كلِّ نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبُها وما هَجَرَتْكِ النفسُ يا ليلَ أنها … قَلَتْكِ ولكنْ قلَّ منها نصيبُها (٣) ثم نزل أبوه إلى مني وهو معه، فصاح صائح: يا ليلى. فَخَرَّ مَغْشِيًّا عليه، ثم أفاق فقال: وداعٍ دعا إذْ نحن بالخَيفِ من مني … فهَيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدري دعا باسم ليلى غيرَها فكأنَّما … أطارَ بليلَى طائرًا كان في صدري
следующие страницы →