← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وسيِّدُهم عُبيد الله بن عُمر بن حفص، كان إمامًا في العلم والحديث والدين، وكنيتُه أبو عثمان، وأخوه عَبْدُ الله الزاهد كان يُسأل عن الحديث، فيقول: أما وأبو عثمان حيٌّ فلا. يلزمُ الأدبَ مع أخيه؛ لأنه أخذَ العلم عنه. وخرجَ عَبْدُ الله من المدينة، فاعتزلَ الناس، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقدَمُ على الخلفاء. وابنُه عبد الرحمن بن عَبْد الله، وليَ قضاء المدينة لهارون الوشيد، وابنُه الآخر القاسم بن عَبْدِ الله رُويَ عنه الحديثُ (١). وأخوه أبو بكر بن عمر بن حفص؛ وليَ القضاء بالمدينة (٢). أسند عاصم الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، وروى عنه ابنُ المسيِّب والزُّهْريّ، وغيرهما، وكان ثقة. قيس بن الملوَّح صاحب ليلى، وهما من بني عامر [في قول أبي عمرو الشيباني. وقال ابن الكلبي: هو قيس بن معاذ العقيلي، وصاحبتُه ليلى بنت مهدي، اشتهر بحبِّها، و] لم يزل به العشق حتى مات بين الحجارة والوحش. [وقد ذكر أخباره أبو عَمرو بن العلاء، وابنُ الكلبي، وغيرهما. وقد ذكر طرفًا من أشعاره وأخباره هشامُ ابنُ الكلبي عن أبيه. وكذا حكى أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد، الكاتب المعروف بالأصبهاني، والرِّياشي، والأصمعي، والأخفش، والمدائني؛ الصحيحَ من الروايات أنه قيس بن المُلَوَّح بن مُزاحم، والدليل على أنه قيس قول ليلى: ألا ليتَ شِعْري والخطوبُ كثيرةٌ … متى رَحْلُ قيسٍ مستقلٌّ فراجعُ

стр. 3992

وحكى الرِّياشي عن الأصمعي قال: ثلاثة رجال ما عُرفوا في الدنيا قطّ إلا بالاسم: مجنونُ بني عامر، وابنُ القِرِّيَّة (١)، وابن أبي العَقِب، صاحب قصيدة (٢) الملاحم. وقال المدائني: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ، من بني عامر، ثم من بني عقيل. وحكى طالوت بن عبّاد عن الأصمعي أنه سُئل عنه، فقال: لم يكن مجنونًا، وإنما كانت به لُوثة أحدثها العشق فيه، وكان يهوى امرأة من قومه يقال لها: ليلى، واسمه قيس بن معاذ. وقال أبو عبيدة: إن اسمه البُحْتريّ. وقيل: الأقرع بن معاذ، وقيس أشهر. وروي عن ابن الكلبي أنه قال: إن حديث المجنون وشعره وضعه فتىً من بني أمية كان يهوى ابنة عمّ له، وكان يكره إظهار ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وأشعاره، ونسبها إليه. قلت: وقد وهم ابن الكلبي، فإن معظم حكاياته حكاها ابن الكلبي عن أبيه. قلت: وقد وضعتُ في هذا الكتاب ما اخترتُه من أشعاره على مقتضى الوقائع دون الترتيب. حكى أبو الفرج الأصبهاني عن أبي الهيثم العقيلي قال:] (٣) وكان خطبها المجنون ورجلٌ من بني عَقِيل يقال له: وَرْد (٤)، فزوَّجَها أهلُها من وَرْد، فمرَّ به المجنون، فقال:

стр. 3993

بِربِّكَ هل ضَمَمْتَ إليكَ ليلى … قُبيلَ الصُّبحِ أو قَبَّلْتَ فاها وهل رَفَّتْ عليك قُرونُ ليلى … رفيفَ الأُقحوانةِ في نداها فقال: اللَّهمَّ إذْ حلَّفْتَني فنعم. فقبضَ المجنونُ بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقَه حتى وقعَ مغشيًّا عليه، وسقط لحمُ كفَّيه مع الجمر (١). [وقال هشام: نزلَتْ ليلى منزلًا، ثم رحلت، فجاء المجنون، فألصقَ صدره بمكانها، وجعلَ يلثُمُ التراب ويبكي ويقول: أيا حَرَجاتِ الحيِّ حيث (٢) تحمَّلُوا … بذي سَلَمٍ لا جادَكُنَّ ربيعُ وخيماتُكِ (٣) اللاتي بمنعرج اللِّوى … بَلِينَ بِلَى لم تَبْلَهُنَّ رُبُوعُ ندمتُ على ما كان منِّي ندامةً … كما ندمَ المَغْبُونُ حين يبيعُ فقدتُكِ من قلبٍ شَعاعٍ ألم أكُنْ … نهيتُكِ عن هذا ونحن جميعُ (٤) وقال العُتبيُّ: مرَّ يومًا بحيِّ ليلى وهي جالسةٌ مع أترابٍ لها، فوقف عليهنَّ، وحادثَهنَّ، ونزل فعقرَ ناقتَه، فجعلنَ يشوينَ ويأكلْنَ، فأقبلَ غلامٌ حسن الوجه يقال له: مُنازل، فجلس إليهنَّ، فأعْرَضْنَ عن قيس، فقال: أَأَعقِرُ من جَرَّا كريمةَ ناقتي (٥) … ووَصْلِيَ مقرونٌ بوَصْلِ مُنازِلِ إذا جاء قَعْقَعْنَ الحُلِيَّ ولم أكُنْ … إذا جئتُ أرجو صوتَ تلك الخلاخلِ وقال أبو عُبيدة مَعْمَر: ليلى بنتُ مهديّ، من ولد الحَرِيش، وكنيتُها أمُّ مالك. وقال العُتبي: إنما سُمِّيَ المجنون لقوله: يقولُ أُناسٌ عَلَّ مجنونَ عامرٍ … يرومُ سُلُوًّا قلتُ إنِّي لِمَا بِيا

стр. 3994

من أبيات (١). وقال العُتبي: استعمل مروان بنُ الحَكَم رجلًا من قريش، يقال له: عَمرو (٢)، على صدقات بني كعب، فأتاه المجنون فقال: أُحِبُّ أن أخرج معك، وأتجمَّلَ بك عند قومي. فقال: نعم. فقيل لعَمرو: إنَّ قَصْدَه أن يخرج معك إلى حيِّ ليلى، وقد استعدى عليه أهلُها السلطانَ فأهدرَ دَمَه إنْ جاءهم، فمنعَه عَمرو الخروجَ معه، وأعطاه قلائصَ من الصدقة، فأبَى أنْ يأخذها وقال: ألا حُجِبَتْ ليلى وآلى أميرُها … يمينًا عليه (٣) جاهدًا لا أزُورُها وإني لمَجلُوبٌ إلى الشَّوق كلَّما … بدا ليَ من أعلام ليلى رُسُومُها (٤) وأوعدَني فيها رجالٌ أبوهُمُ … أبي وأبوها خُشِّنَت لي صدورُها على غير شيءٍ غيرَ أني أُحبُّها … وأنَّ فؤادي عند ليلى أسيرُها (٥) بَكَيتُ فأنزفْتُ الدموعَ من البُكا … فقد حُرِّقَتْ عيني وغُشِّي بصيرُها فما رَحِمَتْ يوم التفرُّقِ عَبْرَتي … وقد كاد يبكي رحمةً لي بعيرُها وبعضُهم يروي في هذه الأبيات بيتًا آخر، وهو: وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ … وقد رابني عند الغَداةِ سُفُورُها (٦) وليس البيت للمجنون، إنما هو لتَوْبةَ بن الحُمَيِّر، وقد ذكرناه في ترجمته. وقال ابن الكلبيّ: خرج في رُفقة، فمرُّوا بمفرق طُرُق، أحدُها يأخذُ إلى ناحية ليلى، وبين الطريق وبين حيِّ ليلى ليلة، فسألهم أن يسلكوا به تلك الطريق، فأبَوْا، فقال: لو ضلَّ بعيرُ أحدِكم؛ أما كنتُم تقفون عليه حتى يَنْشُدَ ضالَّتَه؟! ثم قال: أَرُوحُ بِشَجْوٍ ثم أغْدُو بمثلهِ … ويعتادُ نفسي أَنَّةٌ وزَفِيرُ

стр. 3995

إذا ذكرَتْكِ النفسُ مِتُّ صَبابةً … وكاد فؤادي عند ذاك يطيرُ أأتركُ ليلى ليس بيني وبينَها … سوى ليلةٍ إني إذًا لَصَبُورُ هَبُوني امرءًا منكم أَضَلَّ بعيرَهُ … له حُرْمةٌ إن الذِّمام كبيرُ (١) وقال الأصمعي: قال له بعضُ أهله: أَقْصِرْ، فقد شاع أمرك في الدنيا، فقال: سقى منزلًا منها بذي الرِّمْثِ قد عفا … وبطنِ نقاها مُدْجِناتٌ بوارقُ وماذا عسى الواشون أنْ يتحدَّثوا … سوى أنْ يقولوا إنني لكِ عاشقُ أَجَلْ صَدَقَ الواشون أنتِ حبيبةٌ … إليَّ وإنْ لم تَصْفُ منكِ الخلائقُ (٢) وقال الأصمعي: قيل لأبيه: لو خرجتَ به إلى الموسم، وسألتَ اللهَ فيه لعلَّه أن يُخَفِّفَ عنه. فخرج به إلى الموسم، وجاء به إلى عرفات، ووقف مع الناس، وأخذ أبوه في الدعاء له، فقال المجنون: دعا المُحْرِمُون اللهَ يستغفرونهُ … بمكةَ يومًا أن تُمحَّى ذنوبُها وقلتُ له يا ربِّ أوَّلُ حاجةٍ … لنفسيَ ليلى ثم أنتَ حسيبُها فلو نلتُ ليلى في حياتيَ لم يَتُبْ … إلى الله عبدٌ توبةً لا أتوبُها يَقَرُّ بعيني قربُها ويزيدُني … بها كَلَفًا مَنْ كان عندي يعيبُها فيا نفسُ صبرًا لستِ واللهِ فاعلمي … بأوَّلِ نفسٍ غابَ عنها طبيبُها أراكَ إلى نجدٍ تَحِنُّ وإنَّما … هوى كلِّ نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبُها وما هَجَرَتْكِ النفسُ يا ليلَ أنها … قَلَتْكِ ولكنْ قلَّ منها نصيبُها (٣) ثم نزل أبوه إلى مني وهو معه، فصاح صائح: يا ليلى. فَخَرَّ مَغْشِيًّا عليه، ثم أفاق فقال: وداعٍ دعا إذْ نحن بالخَيفِ من مني … فهَيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدري دعا باسم ليلى غيرَها فكأنَّما … أطارَ بليلَى طائرًا كان في صدري

стр. 3996

إذا ذُكِرَتْ يرتاعُ قلبي لذكرها … كما انتفض العصفورُ من بَلَلِ القَطْرِ لقد فُضِّلَتْ ليلى على الناسِ كلِّهمْ … كما أَلْفَ شهرٍ فُضِّلَتْ ليلةُ القَدْرِ (١) أُحِبُّ الحِمَى من أجل ليلى وساكنًا … على الغَمْر إن نُبِّئْتُ ليلى على الغَمْرِ مَرَرْتُ على الرِّعْيانِ أَنْشُدُ ناقتي … وما ليَ فيهم من قَلُوصٍ ولا بَكْرِ وما أَنْشُدُ الرِّعْيانَ إلا تَعِلَّةً … لواضحةٍ كالبانِ طيِّبةِ النَّشْرِ (٢) وقال الرِّياشي: مرَّ به الأحوص الشاعر، فقال له قيس: أنْشِدْني، فأنشده، فقال المجنون: عجبتُ لعروةَ العُذْريِّ أضْحَى … أحاديثًا لقومٍ بعد قوم وعروةُ مات موتًا مستريحًا … وها أنا ذا أُموَّتُ كلَّ يومِ (٣) وقال: أَجِدَّكَ (٤) لا تُنسيك ليلى مُلِمَّةٌ … تُلِمُّ ولا يُنسيك عهدًا تَقَادُمُهْ أفِقْ قد أفاقَ العاشقون وقد أنى … لدائك أن يلقى طبيبًا يلائمُهْ] (٥) ومن شعره: أيا بانةَ الوادي أليس مصيبةٌ … من الدهر أن يُحْمَى عليَّ ظِلالُكِ ألا قد أرى واللهِ حبَّكِ شاملًا … فؤادي وإني مُحْصَرٌ لا أنَالُكِ أرى الناسَ يرجون الرييعَ وإنَّما … ربيعي الذي أرجوه حُسْنُ نَوالِكِ فلو قلتِ طَأْ في النارِ أعلمُ أنَّه … رِضًى لكِ أو مُدْنٍ لنا من وصالكِ لقدَّ مْتُ رِجْلي نحوَها فوَطِئْتُها … لعلميَ أنِّي قد خطرتُ ببالكِ (٦) ومرَّ قيس يومًا بحمامةٍ على غصن وهي تهتف، فغُشِيَ عليه، فلما أفاق قال:

стр. 3997

ألا قاتلَ اللهُ الحَمامَةَ غُدْوةً … على الغصن ماذا هَيَّجَتْ حين غَنَّتِ تَغَنَّتْ غِناءً أعجميًّا فهيَّجَتْ … هوايَ الذي كانت ضلوعي أَجَنَّتِ حلفتُ لها بالله ما حلَّ قبلَها … ولا بعدَها من خُلَّةٍ حيث حلَّتِ أقامَتْ بأعلى شُعبةٍ من فؤادِهِ … فلا القَلْبُ ينساها ولا العينُ مَلَّتِ وقد زعَمتْ أنّي سأبغي إذا نأَتْ … بها بَدَلًا يا بئسَ ما هيَ ظَنَّتِ ألا مَنْ لِعَينٍ لا تَرى قُلَلَ الحِمْى … ولا جَبَلَ الرَّيَّان (١) إلا استهلَّتِ وما وَجْدُ أعرابيَّةٍ قَذَفَتْ بها … صروفُ النَّوى من حيثُ لم تك ظنَّتِ تمنَّتْ أحاليب الرِّعاء وخِيمةً … بنجدٍ فلم يُقْضَى لها ما تَمَنَّتِ بأكثر مني لوعةً غير أنّني … أُجَمْجِمُ أحشائي على ما أجنَّتِ سقى الله دارًا بالحَشَا يسكنونها … فإنكُمُ نِعْمَ الجِوارُ لِمُهْجَتي (٢) وله من أبيات. خليليَّ لا واللهِ ما أنا راضيًا (٣) … بما قضى في ليلى ولا ما قضى ليا (٤) قضاها لغيري وابتلاني بحبِّها … فهلَّا بشيءٍ غيرِ ليلى ابتلانيا وأشهدُ عند الله أني أُحبُّها … فهذا لها عندي فما عندها ليا وحدَّثْتُماني أنَّ تيماء منزلٌ … لليلى إذا ما الصيفُ ألقى (٥) المراسيا فهذي شهورُ الصيفِ عنَّا قد انقضت … فما للنَّوى يرمي بليلى المراميا فلو كان واشٍ باليمامة دارُهُ … وداري بأعلى حضرموتَ اهتدى ليا (٦)

стр. 3998

ومنها: على مثل ليلى يقتلُ المرءُ نفسَه … وإن بات من ليلى على الحبِّ طاويا أشوقًا ولمَّا يمضِ لي غيرُ ليلةٍ … رُويد الهوى حتى تَغِبَّ لياليا ومنها: وتغيبُ ليلى ثم تزعم أنني … سَلَوْتُ ولا يخفى على الناس ما بيا وقد كنت أرجو الوصل ممن أحبُّهُ … فأصبحتُ والموتُ المريحُ مسائيا [وقال ابنَ الكلبيّ: مرَّ بجبل يقال له: التَّوْباذ (١)، كانت تسكنُه، فأنشأ يخاطبُه ويقول لما رآه: وأُدْهشتُ (٢) للتَّوْباذِ حين رأيتُهُ … وكَبَّرَ للرحمن حين رآني فقلتُ له أين الذين عَهدْتُهُمْ … بجوِّكَ في عيشٍ وخفضِ زمانِ فقال مضَوْا واستودعونيَ ذِكْرَهُمْ … ومن ذا الذي يبقى على الحَدَثانِ قال الراوي: وديوانه مشهور، وهو أحسنُ من المنثور. وقد طرَّز جماعة من العلماء تصانيفهم بواقعاته، وزوَّجُوا ألفاظهم بألفاظه] (٣). ورُويَ أن ليلى كانت مع أترابٍ لها في سفح جبل على عين ماء، وإذا بقيس قد أقبل في عانةٍ من الوحش (٤)، كأنه غولٌ يطلبُ الماء، فلما رأينَه بين الوحش أكبَرْنَه وعجبن من أُنْسِهِ بالوحش وأُنسهم به، واستيحاشه من الإنس، فقلن لها: يا ليلى، هذا قيس، وليس معنا من يَنِمُّ عليك، والمكان خالٍ، فلو سلَّمْتِ عليه. فجاءت فوقفت على طريقه وهي تبكي عليه، وتتأسَّفُ على ما هو فيه، وكونها سببَ ذلك، فلما قربَ منها تعرَّضت له، فصرخ عليها صرخة عظيمة وقال: ابعدي عنّي في هذه الخلوة، فقد أفسدتِ عليَّ دنيايَ، ونغَّصتِ عليَّ حياتي، فلا تُفسدي عليَّ آخرتي. ثم هامَ مع الوحش.

стр. 3999

[وذكره جدِّي ﵀ في مواضع من مصنَّفاته، فقال في كتاب "معاني المعاني في الوعظ": يدهش الناسُ من عارفٍ قد هام على وجهه شوقًا إلى الحقّ، وينسَوْنَ أن قيسًا مات في البراري. وقال في هذا الكتاب أيضًا: كانت ليلى عند الخلق حسناء، وعند قيس الغايةَ في الحُسْن، فلهذا هام بها دون الكُلّ. وذكر جدِّي ﵀ في موضع آخر قال: كان قيس يأنسُ بالوحش، وإذا رأى آدميًّا رماه بالحجارة خوفًا أن يرميَه بالعَذْل، فإنْ ذَكَرَ ليلى صار صديقًا له. وذكر أبو عبيدة وقال:] وقيل لليلى: أيُّما أفضل؟ حُبُّ قيس إياكِ، أو حبُّكِ إياه؟ فقالت: بل حبِّي إيَّاه. قيل: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ حُبِّي إيَّاه كان مستورًا، وحبُّه لي كان مشهورًا. ثم قالت: لم يكن المجنونُ في حالةٍ … إلا وقد كنتُ كما كانا ولي عليه الفضل من أجل أَنْ … باحَ وأني متُّ كتمانا (١) وماتت قبله، ولما ماتت جاء يومًا إلى غدير ماء (٢) ليشرب منه وهو قريب من منازلها، وهناك راعٍ يرعى إبلًا، فرآه، فعرفه فقال: بَكَرَ النَّعِيُّ بموت ليلى فاتَّئدْ … إنَّ المنايا قَصْرُ كلِّ خليلِ [ففهم] وأشار إلى الراعي وقال: أين قبرُها؟ فأشار إليه، فجاء إلى قبرها، فعانقه، ومات. وقيل: ماتت بعده لمَّا بلغَها موتُه. والأصحُّ أنه ماتَ في البَرِّيَّة بين الصخور، ولم يُعلم به إلا بعد مدَّة، والله أعلم. ورُوي عن بعض المحبِّين أنَّه رآه بعد موته في منامه، فقال له: يا قيس، ما فعل الله بك؟ فقال: غَفَر لي وجعلني حُجَّةً على المحبِّين، إذا كان يوم القيامة أحضرهم وقال: يا مدَّعين محبَّتي، هذا قيسٌ أحبَّ مخلوقًا مثلَه؛ جرى عليه ما جرى، فهل فيكم من يصبرُ ساعةً على ما صبر عليه هذا في محبَّتي؟!

стр. 4000

السنة الحادية والسبعون فيها سارَ عبد الملك بنُ مروان إلى العراق لحرب مصعب بن الزُّبير في ثلاثين ألفًا ومعه زفَر بنُ الحارث، ولم يقاتل معه حفظًا لأَيمانه لابن الزبير (١)، فنزل بمَسْكِن من أرض العراق على دُجَيل. وقدمَ مصعب من البصرة، فنزل الكوفة، ثم سار لحرب عبد الملك، فكتبَ عبدُ الملك إلى المروانيَّة الذين كانوا بالعراق، ووعدهم الولايات، واشترطوا عليه ولاية أصبهان ونواحيها، منهم حَجَّار بن أَبْجَر، والغَضْبان بن القَبَعْثَرَى، وعتَّاب بن وَرْقاء، وقَطَن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وزَحْر بن قيس، ومحمد بن عُمير بن عُطارد. قال رجاء بن حَيوَة: لمَّا قَتَلَ عبد الملك عمرَو بنَ سعيد؛ صفا له الشام، وبعد أنْ قتلَ مَنْ خالفَه أمرَ الناس بالمسير إلى العراق، فأشار عليه رؤساء أهل الشام أن يقيم ويبعث الجيوش، فقال عبد الملك: إنَّه لا يقومُ بهذا الأمر إلا قرشي وله رأي، ولعلِّي أبعثُ من له شجاعة ولا رأي له، وإني أجد في نفسي أني بصيرٌ بالحرب، شجاعٌ إنْ ألجئت إلى السيف، ومصعبٌ في بيت شجاعة، أبوه كان أشجعَ قريش، وهو في نفسه شجاع، ولا علم له بالحرب، يحبُّ الحْفض والدَّعَة، ومعه من يُخالفُه، ومعي من يُطيعني وينصحُ لي. وسار عبد الملك، فنزل مَسْكِنَ، ونزل مصعب باجُمَيرا (٢)، وكتبَ عبد الملك إلى أعيان أصحاب مصعب، فجاء إبراهيم الأشتر بكتاب عبد الملك مختومًا إلى مصعب، فقال: هذا كتاب عبد الملك قال: ما فيه؟ قال: واللهِ ما فتحتُه. فقرأه مصعب، وفيه أنّه يدعوه إلى نفسه، ويجعلُ له ولايةَ العراق. فقال إبراهيم: واللهِ إنَّه قد كتبَ إلى أصحابك كلِّهم بمثلِ ما كتبَ إليّ، فأطِعْني واضْربْ أعناقَهم. فقال مصعب: فإذًا لا تُناصحُنا عشائرُهم. قال: فأوقِرْهم حديدًا، وابْعَثْ بهم إلى أبيض كسرى، فاحْبِسْهُم

стр. 4001

هناك، ووكِّلْ [بهم] مَنْ غُلِبْتَ قَتَلَهم، وإنْ غَلَبْتَ مَنَنْتَ بهم على عشائرهم. فقال: يا أبا النُعمان، إنّي لفي شُغل عن ذلك (١). وحجَّ بالناس [في هذه السنة] عبد الله بنُ الزُّبير (٢). وفيها توفِّي البراءُ بنُ عازب ابن الحارث بن عديّ بن الخَزْرَج، أبو عُمارة، من الطبقة الثالثة من الأنصار (٣). قال البراء بن عازب: غَزَوْتُ مع رسول الله ﷺ خمسَ عشرةَ غزوةً، وأنا وعبدُ الله بنُ عُمر لِدَة (٤). وقال: صحبتُ رسولَ الله ﷺ ثمانية عشر سَفَرًا، فلم أره ترك ركعتين قبل الظُّهر (٥). نزل البراءُ الكوفة، وتوفِّي بها في أيام مصعب بن الزبير، وكان يتختَّمُ بالذهب (٦). وكان له من الولد: يزيدُ، وعُبَيد، ويونُس، وعازب، ويحيى، وأُمُّ عبد الله (٧). أسندَ البراء عن رسول الله ﷺ أحاديث. عبد الله بن خازم ابن أسماء بن الصَّلْت السُّلَمي، أبو صالح، أمير خُراسان.

стр. 4002

أدرك رسولَ الله ﷺ وروى عنه، وكان مشهورًا بالشجاعة والفضل والجهاد. وأصله من البصرة، وعلى يده فُتحت سَرَخْس. وفي سنة ثلاث وثلاثين جمعَ قارن جمعًا كبيرًا بباذَغِيش (١) وهَراة، [فأقبلَ في] أربعين ألفًا، فلقيَه عبدُ الله بنُ خازم في أربعة آلاف، فقتلَ قارنًا، وهزمَ أصحابَه، وأصابَ غنائمَ كثيرة، وكتبَ إلى ابن عامر بالفتح (٢). ولما قُتل مصعب كتبَ عبدُ الملك إلى عبد الله بن خازم: إنَّ لك خراسان سبع سنين على أن تُبايع لي. فقال ابنُ خازم للرسول وهو سَوْرَة بن أَشْيَم التميمي (٣): لولا أنْ أضربَ بين بني سُليم وبني عامر لقتلتُك، ولكنْ كُلْ هذه الصحيفة. فأكلها. وقيل: إن الرسول كان سنان الغَنَوي، فقال ابنُ خازم: إنما بعثلك أبو الذِّبَّان (٤) لأنَّك من غَنِيّ (٥)، وقد علمَ أنّي لا أقتلُ رجلًا من قيس، ولكنْ كُلْ كتابَه. وبلغ عبدَ الملك، فكتبَ إلى بُكير بن وشاح أحدِ بني عوف بن سعد -وكان خليفةَ ابنِ خازم على مَرْو- بعهده على خُراسان، ووعدَه ومنَّاه، فخلعَ بُكيرٌ ابنَ الزُّبير، ودعا إلى عبدِ الملك، وأجابَه أهلُ مَرْو. وبلغَ ابنَ خازم وهو يُحاصرُ أَبْرَشَهْر (٦)، فخاف أن يجتمعَ عليه أهلُ مَرْو وأهلُ أبْرَشَهْر، وكان يُحاصرُ بها بَحِيرَ بنَ وَرْقاء (٧) الصُّريمي، فرجع عن أبْرَشَهْر طالبًا مرو، يريد أن يأتيَ ابنَه [بالترمذ]. فخرج بَحِير خلفَه، فأدركه بقريةٍ يقال لها: شاه (٨)، بينها

стр. 4003

وبين مَرْو ثمانيةُ فراسخ، فقاتلَه ابن خازم، فاجتمعَ عليه وكيع بنُ عُميرة القُرَيعي -وهو ابنُ الدَّوْرَقية- وبَحِير بنُ وَرْقاء، وعمَّارُ بنُ عبد العزيز الجُشَمي، فقتلُوه، وذَبَحَه وكيع، وجعلَ يقول قبل أن يذبحه: يا ثارات [ودُويلَة] أخ كان لوكيع من أمِّه قُتل في تلك الأيام. قال وكيع: فتنخَّمَ ابنُ خازم في وجهي وقال: لعنكَ الله، تقتلُ كبشَ مُضَر لعِلْجٍ لا يُساوي كفًّا من تراب. وبعث بُكير بن وشاح برأسه إلى عبد الملك. ولما قُطع رأسُ ابنِ خازم أخذه بَحِيرُ بنُ وَرْقاء ليتقرَّب به إلى عبد الملك، فحمل عليه بُكير بن وشاح، فضربَه وأخَذَه، وحبس بَحِير مدَّة. ولمَّا قُتل ابنُ خازم حملوه على بغل، فمال، فشدُّوا في مذاكيره حبلًا عَدَلُوه به، ودُفن جسدُه بنيسابور في رُسْدَاق جُوَين. وقُتل سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنةَ اثنتين وسبعين (١). وكان ولدُه موسى شجاعًا فاتكًا؛ لمَّا قُتل أبوه؛ سار في مئة فارس إلى تِرْمذِ، فنزل ضيفًا عند ملكها، فقتله، ومَلَكَ تِرْمذ، فأقام واليًا عليها إلى سنة خمس وثمانين، وحكم على ما وراء النهر، حتى وليَ المفضَّل بن المهلَّب خُراسان، فجهَّز إليه جيشًا، فخرج إليهم، فظهر عليهم، فنزل رجل، فعرقب فرسَه، وقتلُوه في سنة خمس وثمانين (٢). عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ من الطبقة الثالثة من المهاجرين، فأول مشاهدِه مع رسول الله ﷺ الحديبية، ثم خيبر، وما بعدها (٣). وبعثه رسول الله ﷺ إلى مالك بن عوف (٤).

стр. 4004

واستعان ابنُ أبي حَدْرَد رسول الله ﷺ في مهر امرأته، فقال: "كم أصْدَقْتَها؟ " فقال: مئتي درهم. فقال: "لو كنتُم تغرفونه من بُطْحان ما زدتُم". توفّي ابنُ أبي حَدْرَد سنة إحدى وسبعين وهو يومئذ ابنُ إحدى وثمانين سنة (١). أسندَ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وروى عن أبي بكر وعُمر، وعثمان، وأبي هريرة، ﵁. قال الإمام أحمد ﵁: حدثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاق (٢)، حدَّثني يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حَدْرَد، عن أبيه عبد الله بن أبي حَدْرَد قال: بعَثَنا رسولُ الله ﷺ إلى إضَم، فخرجتُ في نَفَرٍ من المسلمين؛ فيهم أبو قَتادة الحارث بنُ رِبْعيّ، ومُحَلِّم بن جَثَّامة بن قيس، حتى إذا كُنَّا ببطن إضم؛ مرَّ بنا عامر بن الأضْبط على قَعودٍ ومعه مُتَيِّعٌ وَوَطْبٌ من لَبَن (٣)، فسلَّم علينا، فأمْسَكْنَا عنه، وحملَ عليه مَحَلِّم بنُ جَثَّامة، فقتلَه بشيءٍ كان بينه وبينه، وأخذ بعيرَه ومُتَيِّعَه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ، أخبَرْناهُ الخَبَر، فنزلَ فينا قرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤]. ومُحَلِّم هذا هو أخو الصَّعْب بن جَثَّامة، والصَّعْب من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم بين الخندق وفتح مكة (٤). قال شهر بن حَوْشَب: إنَّ الصَّعْبَ بن جَثَّامة وعوفَ بن مالك كانا مُتواخِيَين؛ قال صعب لعوف: أَي أُخَيّ (٥)، أيُّنا ماتَ قبل صاحبه فليتراءَ له. قال: أويكون ذلك؟!

стр. 4005

قال: نعم. فمات صعب، فرآه عوف في المنام فقال: يا أخي، ما فعل الله بكم؟ قال: غفرَ لنا بعد المصائب (١). قال: ورأيتُ لَمْعةً سوداء في عنقه، فقلت: أي أُخَيّ، ما هذه؟ قال: عشرة دنانير استلفتُها من فلان اليهوديّ، وهي في قَرَني (٢)، فأعطُوه إيَّاها، واعْلَمْ أي أُخَيَّ أنه لم يحدثْ في أهلي حَدَثٌ بعدي إلا لحق بي خبرُه (٣)، حتى هرَّة لنا ماتت منذ أيام، وإنَّ ابنتي تموتُ إلى ستة أيام، فاستَوْصُوا بها معروفًا. قال عوف: فلما أصبحتُ أتيتُ أهله، فقالوا: مرحبًا، إنك لم تقرَبْنا منذ مات الصعب، أهكذا تصنعون بإخوانكم؟! فاعتذرتُ إليهم بما يعتذر الناس، فنظرتُ إلى القَرَن وهو معلق، فأنزلته، وقلبتُه، فبدرتُ الصُّرَّة التي فيها الدنانير، فأرسلتُ إلى اليهوديّ، فجاء، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: ﵀، لقد كان من خيار أصحاب محمد ﷺ ، هي له. قلت: أخبرني. قال: استلف مني عشرة دنانير. فنبذتُها إليه، فقال: هي واللهِ بأعيانها. فقلتُ: هذه واحدة. وقلتُ: هل حدثَ فيكم حَدَثٌ بعد موته. قالوا: نعم هِرَّةٌ ماتت منذ أيام. قلتُ: هاتان اثنتان. قلت: وكيف بنتُ أخي؟ قالوا: ها هي. فجاءت، فلمستها فهذا هي محمومة. فقلت: استَوْصُوا بها خيرًا. فماتت بعد ستة أيام. [وفيها قُتل] مصعب بن الزبير ابن العوَّام، أبو عبد الله (٤) [ولم يكن له ولد اسمه عبد الله] من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة (٥)، وكنيتُه المشهورة أبو عيسى (٦).

стр. 4006

[وقال الزُّبير بن بكّار:] كان [مصعب] من أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، جوادًا سمحًا مُمدَّحًا (١). وكان يجالسُ أبا هريرة، ورآه جميل بثينة على عرفات، فقال: إن ها هنا لشابًّا أكره أن تراه بُثينة. يعني لجماله (٢). وكان يسمَّى آنية النَّحْل؛ لجُوده (٣). قيل لعبد الله بن عُمر ﵄: أيُّ أولادِ الزُّبير أشجع؟ فقال: ما منهم إلا من يمشي إلى الموت وهو يراه، ولا كمصعب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: ما رأيتُ أميرًا قطُّ أجملَ من مصعب بن الزبير على المنبر (٤). وقال الشعبي: استدعاني مصعب يومًا بالكوفة لأمر جرى بينه وبين عائشة بنت طلحة، فدخلتُ عليه وهي جالسة، فسألني عما أراد، فأجبتُه، فقال: يا شعبيّ، هل رأيتَ مثلَ هذه؟ قلت: لا. وقمتُ فخرجتُ، فقالت له عائشة: أتَجْلُوني عليه بغير نِثار (٥)؟ فقال لها: للهِ دَرُّكِ! فبعث إليَّ بعشرة آلاف درهم. قال: وكنتُ جالسًا عنده، فأُتيَ برجل، فأمرَ بضربِ عُنقه، فقال له: أيُّها الأمير، ما أقبحَ بمثلي أن يقومَ غدًا في القيامة، فيتعلقَ بأطرافكَ الحِسان، ووجهك المليح الذي يُستضاء به، فأقول: يا ربّ، سَلْ مصعبًا بمَ قتلَني؟ فرقَّ له وقال: قد عفوتُ عنك. فقال الرجل: إنْ رأى الأميرُ أن يجعلَ ما بقيَ من حياتي في عيش رقيق الحواشي فليفعل. فأمرَ له بمئة ألف درهم، فقال: فإني أُشهدُك أنَّ لْصفَها لابن (٦) قيس الرُّقَيَّات. قال: ولمَ؟ قال: لقوله فيك: إنَّما مصعبٌ شهابٌ من اللهِ … تَجَلَّتْ عن وَجْهِهِ الظَّلماءُ

стр. 4007

وكان عبدُ الله بن الزَّبِير الأَسَدي قد هجا المصعب، فنذر دمه، ثم دخل عليه، فقال له مصعب: أنت القائل: إلى رجبٍ أو غُرَّةِ الشهرِ بعدَهُ … توافيكمُ بيِضُ المنايا وسُودُها ثمانون ألفًا دِينُ عثمانَ دِينُها … مسوَّمةً جبريلُ فيها يقودُها (١) قال: نعم. ومن شعره أيضًا: رَمَى الحَدَثانُ نسوةَ آلِ حَرْبٍ … بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمُودا فَرَدَّ شُعورَهنَّ السُّودَ بِيضًا … ورَدَّ وجوهَهنَّ البيضَ سُودا فإنك لو سمعْتَ بكاءَ هندٍ … ورملةَ إذْ تَصُكَّانِ الخُدودَا سمعتَ بكاءَ باكيةٍ وباكٍ … أبانَ الدَّهرُ واحدَها الفقيدا (٢) فعفا عنه، وأجزل جائزتَه، فخرج من عنده وهو يقول: جزى الله عنِّي مصعبًا إنَّ فضلَهُ … يعيشُ به الجاني ومن ليس جانيا ويعفُو عن الذنبِ العظيم اجترامُهُ … ويُوليكَ من إحسانٍ ما لستَ ناسيا (٣) وهذا الشاعر من شعراء الحماسة. وذُكر بين يدي مصعب رجل بالكِبْر، فقال: العجب ممن يتكبَّر وقد جرى في مجرى البول مرتين (٤). وقال مصعب: قلتُ لعبد الله بن عُمر (٥): هل أدَّيتَ حقَّ الله في هذا الأمر؟ قال: نعم، كتبتُ إلى عبد الملك آمرُه [بتقوى الله،] وأن يكفَّ نفسه، فكتبَ إليّ: فمُر ابنَ

стр. 4008

الزُّبير أن يُخرجَ نَفْسَه من هذا الأمر، وأُخرجُ نفسي أيضًا، ونجعلُها بين المسلمين شورى. فقلت لأخيك، فقال: لستَ من هذا الأمر في شيء. ذكر مقتله: قد ذكرنا مكاتبة عبد الملك لأصحابه وما أشار به إبراهيم بن الأشتر من قتلهم أو حبسهم، وامتناع مصعب من ذلك. والتقَوْا، فكان على مقدِّمة عبد الملك محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وكان على ميسرة مصعب إبراهيم بن الأشتر، وعلى ميمنته قَطَن بن عبد الله الحارثي، وعلى الخيل عتَّاب بن وَرْقاء. والتقوا عند دعي الجاثليق بمَسْكِن. قوله: عبد الله بن يزيد بن معاوية وهم، فإنَّ عبد الله بن يزيد قاتلَ يوم قُتل عَمرو بن سعيد، وهرب إلى مصعب، فقاتلَ معه هو وبنو عمرو بن سعيد حتى قُتل مصعب (١). وكان عروة بن المغيرة بن شعبة مع مصعب، وكان عبد الملك في خمسين ألفًا، ومصعب بن الزبير في ثلاثين ألفًا. قال عروة: نظر إليَّ مصعب وهو واقف على دابَّته يتصفَّحُ الناس يمينًا وشمالًا وقد خذله أهل الكوفة، فقال: يا عروة، أخبرني عن الحسين بن علي، كيفَ صنعَ بإبائه النزولَ على حكم ابن زياد، وعزمه على الحرب؟ ثم أنشد: وإنَّ الأُلَى بالطَّفِّ من آل هاشمٍ … تَأَسَّوْا فَسنُّوا للكرامِ التَّأَسِّيا قال: فعلمتُ أنه لا يَرِيمُ حتى يُقتَل (٢). ثم التَقَوْا، فحمل إبراهيمُ بنُ الأشتر على محمد بن مروان، فأزاله عن موقفه، وقُتل جماعة من أعيان أهل الشام، وهرب عتَّابُ بنُ وَرْقاء، وكان على خيل مصعب، وحملَ ابنُ الأشتر، فغاص في أهل الشام فقتلوه، فقال مصعب لقَطَن بن عبد الله

стр. 4009

الحارثي: قَدِّمْ خيلَك أبا عثمان. فقال: ما أرى ذلك. قال: ولم؟ قال: أكرهُ أن يقتل واحد (١) في غير شيء. فقال لحجَّار بن أبجر: أبا أسيد، قَدِّمْ رايتَك. فأبى. ثم قال لأصحابه: تقدَّموا. فأبَوْا. فقال مصعب: يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم!. ولمَّا رأى مصعب تخاذلَ القوم قال لابنه عيسى: يا بُنيّ، اركبْ إلى مكَّة أنت ومن معك إلى عمِّك، فأخْبِرْه ما صنعَ أهلُ العراق، ودعني فإني مقتول. فقال ابنُه: واللهِ لا أُخبرُ قريشًا أني فعلتُ ذلك (٢)، ولكن الْحَقْ بالبصرة، فهُم على الجماعة. فقال مصعب: لا واللهِ ما الفرارُ لي بعادة، وما السيف بعار. فقال عيسى: واللهِ لا أُفارقك أبدًا. وانهزم مَنْ كان مع مصعب حتى بقي في سبعة من خواصِّه، ومال جميعُ من كان معه من أهل العراق إلى عسكر عبد الملك، فرقَّ له عبدُ الملك وكان يحبُّه، وكان خِلًّا له قبل الخلافة، فقال عبد الملك لأخيه محمد: اذهبْ إليه فأَمِّنْه. وكان علي بن عبد الله بن العباس حاضرًا، فقال: لا تؤمِّنْه. فصاحَ به خالدُ بن يزيد بن معاوية: مالكَ يا علي ولهذا؟! بل نؤمِّنُه. وسبَّ عليًّا ونال منه. فجاء محمد بن مروان، فناداه: يا مصعب، قد أمَّنَك ابنُ عمِّك على نفسك وولدِك وأهلك ومالك، فاذهب حيثُ شئتَ من البلاد، ولو أراد بك ابنُ عمك غيرَ هذا لكان. فقال مصعب: قُضيَ الأمر، إنَّ مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا. ولما أبي مصعبٌ قبولَ الأمان وتقدَّم عيسى بن مصعب يقاتل؛ ناداه محمد بن مروان: يا ابن أخي، لا تقتلْ نفسَك قد أمَّنَك ابنُ عمك. قال مصعب: قد أمَّنَك عمُّك، فامضِ إليه (٣). فقال: والله لا تتحدَّثُ قريشٌ أني أسلمتك للقتل. فقال: تقدَّمْ بين يديّ

стр. 4010

حتى احتسبَك. فتقدَّمَ، فقاتلَ بين يديه حتى قُتل. وأُثخن مصعلى بالرَّمي، وحملَ عليه زائدة بن قُدامة وهو يقول: يا ثارات المختار، فطعنَه فصرعه. وقيل: الذي قتل مصعبًا يزيد بن هبَّار الفائشي وكان من أصحاب مصعب (١). ونزل إليه عُبيد الله بنُ زياد بن ظَبْيان، فحزَّ رأسَه، وأتى عبدَ الملك، فأعطاه ألفَ دينار، فلم يأخذها وقال: إني لم أقتله لأجلك، وإنما قتلته على وتْرٍ صنعه بي، ولا آخُذُ على حمل رأس مالًا (٢). وكان النابي أخو عُبيد الله بن زياد بن ظَبْيان قد قُتل في أيَّام مصعب؛ كان يقطعُ الطريق، وطلبَ مصعبٌ عُبيدَ الله بنَ زياد بن ظَبْيان، فهربَ إلى عبد الملك (٣). ولمَّا وُضع رأسُ مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال، واللهِ ما كنتُ أصبرُ عنه ساعة واحدة حتى دخلَ السيف بيننا، ولكنَّ المُلك عقيم، ومتى تغدو النساء بمثل مصعب، ولقد كانت الحُرمة بيننا وبينه قديمة (٤). وقيل لعبد الملك: أكان مصعبٌ يشربُ الطِّلا؟ فقال: كلا والله، لو علَم مصعبٌ أنَّ الماء يُفسد مروءتَه لما شربه، رحم الله مصعبًا ورضي عنه. ثم أمر بمواراته وولده عيسى وإبراهيم بن الأشتر، فدُفنوا بمَسْكِن، وقبورهم ظاهرة تُزار (٥). ويقال: إنَّ عبد الملك سجد (٦)؛ قال ابن ظَبْيان: لمَّا سجدَ هَمَمْتُ أن أعلوَه بالسيف، فأكونَ قد قتلتُ مَلِكَي العرب في ساعة واحدة، وأَرَحْتُ المسلمين منهما (٧). وقال عبد الملك لابن ظَبْيان: كيفَ رأيتَ المصعب؟ قال: رجلًا يملأُ العين شجاعةً، والقلبَ مهابةً، الرمحُ بيده، والسيف في يده الأخرى، يطعنُ بهذا، ويضرب

стр. 4011

بهذا، ويفرِّقُ عنه رجاله وهو يقول: وإنِّي على المكروه عند حضورِهِ … أُكذِّبُ نفسي والجفونُ لها تُغْضِي وما ذاك من ذُلٍّ ولكن حفيظةٌ … أذُبُّ بها عند المكاره عن عرضي وإني لآلِ الشَّرِّ بالشَّرِّ مَرْصَدٌ … وإني لِذي سِلْمٍ أَذَلُّ من الأرضِ فقال عبد الملك: لقد أرْدَى الفوارسُ يومَ عبسٍ … غلامًا غير منَّاعِ المتاعِ ولا وقَّافةٍ والخيلُ تَعْدُو … ولا خالٍ كأنبوب اليَراعِ (١) وقال ابنُ ظَبْيان لما قُتل مصعب: نُعاطي الملوكَ الحقَّ ما قَسَطُوا لنا … وليس علينا قتلُهم بمحرَّمِ (٢) وقال عبد الملك بعد قتل مصعب: مَنْ أشجعُ العرب وأكرم العرب؟ فسكتوا. فقال: إنَّ أشجع العرب وأكرم العرب من جمعَ بين سُكينةَ بنت الحسين وعائشةَ بنت طلحةِ، وأمةِ الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كَرِيز، وأمُّه رباب [بنت أُنيف الكلب] سيِّد ضاحية العرب، ووليَ العراق خمس سنين، فأصاب ألفَ ألف، وألفَ ألف، وألفَ ألف، ففرَّقَها في الناس، وأُعطِيَ الأمان على نفسه، فأبى، ومشى إلى الموت بسيفه، فقاتل حتى قُتل كريمًا، لا مَنْ يقطع الجسر مرةً ها هنا، ومرَّةً ها هنا (٣). [وحكى ابنُ سعد عن الواقدي قال:] وقُتل مصعب يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين. وكذا قال المدائني. وقال ابن أبي حاتم: في سنة إحدى وسبعين. وقد حكى الطبري القولين. وقيل: سِنُّهُ خمسٌ وثلاثون. وقيل: تسع وثلاثون. وقيل: أربعون. وقيل: خمس وأربعون.

стр. 4012

وقال ابنُ عساكر (١): حكى مصعب عن عمر بن الخطاب، وأبيه الزُّبير ﵄. فعلى ذلك قد جاوزَ الخمسين؛ لأنَّ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قُتل في سنة ثلاث وعشرين. وقد روى عن محمد ب الحَكَمُ بنُ عُتَيبَة وغيرُه. ذكر أولاده وأزواجه: [قال ابن سعد:] فولد مصعب عكاشةَ، وعيسى الأكبر، قُتل مع أبيه [مصعب]، وسُكينة، وأمُّهم فاطمةُ بنت عبد الله بن السائب بن أبي حُبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصيّ. وعبدَ الله ومحمدًا، وأمُّهما عائشةُ بنت طلحة بن عُبيد الله، وأمُّها أمُّ كلثوم بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁. [وحمزة، وعاصمًا، وعُمر لأمِّ ولد] (٢). وجعفرًا ومصعبًا، وهو خُضير، وسَعدًا، والمنذرَ، وعيسى الأصغر، وسُكَينةَ؛ لأمَّهاتِ أولادٍ شتَّى. والرَّبابَ، وأمُّها سُكَينة بنتُ الحسين بن علي ﵁. [وهذا قول ابن سعد]. وقال هشام: [لم يكن له ولد اسمُه عبد الله، و] كان له حمزة وعاصم وعُمر، وقُتل حمزة وعُكاشة يوم قُدَيْد، وتزوَّج جعفر بن مصعب مُليكة بنت الحسن بن الحسن بن علي ﵇ (٣). [قال]: ولما أيقنت سُكَينةُ بأنَّ مصعب بنَ الزبير مقتولٌ، وأنَّه لا يسلِّم نفسه نادت: وامصعباه! فقال مصعب: لو سمعتُ منك هذا الكلام قبل اليوم ما قُمتُ هذا المقام.

стр. 4013

يعني أنها ما كانت تظهر له محبَّتَها، فلما علم بحبِّها إياه ندم على إقدامه على القتل (١). فلما قُتل خرجت [سُكينة] تطوف عليه بين القتلى، فعرفَتْه بشامةٍ في فخذه، فأكَبَّتْ عليه تقبِّلُه وتبكي وتقول: رحمك الله، فواللهِ لقد كنتَ نِعْمَ حليلُ المرأة المسلمة، أدركَكَ ما قال عنترة. وأنشدت الأبيات: ليس الكريمُ على القَنَا بمحرَّمِ (٢) ذكر ما رُثي به من الشعر، وما قال عبد الملك بعد قتله: وقد رثاه جماعة؛ قال ابنُ قيس الرُّقَيَّات: لقد أوْرَثَ المِصْرَينِ حُزْنًا وذِلَّةً … قتيلٌ بدَيرِ الجاثَليقِ مقيمُ فما نَصَحَتْ للهِ بكرُ بنُ وائلٍ … ولا صَبَرَتْ عند اللقاءِ تميمُ ولو كان بكريًّا تعطَّفَ حولَهُ … كتائبُ تجري حولَه وتَحومُ ولكنه ضاع الذِّمامُ ولم يكن … بها مُضَريٌّ يومَ ذاكَ كريمُ جزى الله كوفيًّا هناك مَلامةً … وبَصْرِيَّهم (٣) إن اللئيمَ ملومُ من أبيات. ورثاه المغيرة بن عبد الله الأسدي الكوفي، وكنيتُه أبو مُعْرِض، ويُعرف بالأُقَيشر بحمرة وجهه (٤): فسقى السحائبُ والنجومُ بأسرها (٥) … جسدًا بِمَسْكِنَ عاريَ الأوصالِ

стр. 4014

تُمسي عَوائذَه السِّباعُ ودارُهُ … بمنازلٍ أطلالُهنَّ بوالي رَحَلَ الرِّفاقُ وغادرُوه ثاويًا … للرِّيحِ بين صَبا وبين شَمالِ ورثاه عبدُ الله بن الزَّبِير الأسدي، وكان قد ذهبَ بصره، فسمع يومًا كلام ابنِ ظَبْيان فقال: من هذا؟ قالوا: قاتل مصعب، فقال: أبا مطرٍ شَلَّتْ يمينٌ تفزَعَتْ … بسيفك رأسَ ابنِ الحَواريِّ مصعبِ ولا ظَفِرَتْ كفَّاك بالخيرِ بعدَهُ … ولا عِشْتَ إلا في تَبارٍ مُخَيَّبِ قتلتَ فتًى كانت يداه بفضلهِ … تَسُحَّان سَحَّ العارضِ المتصوِّب أَغَرَّ كضوء البدرِ صورةُ وجهِهِ … إذا ما بدا في الجَحْفَلِ المُتَلَبِّبِ (١) فقال ابنُ ظَبْيان: صدقتَ، واللهِ ما أفلَحْنا بقتله ولا أَنجَحْنا، فهل من توبة؟ فقال: هيهات، سَبَقَ السَّيفُ العَذَل (٢). ومعنى كلام ابنِ ظَبْيان: أنَّ عبدَ الملك لم يفِ لأحد ممَّن وعدَه الولاياتِ بشيء، وأبعدَهم عنه، ولم يَرَوْا منه خيرًا قطّ. ولما قتلَ عبدُ الملك مصعبًا، نزل النُّخَيلَة، ثم دعا الناس إلى البيعة، فجاءت قُضاعة، فرأى فيهم قلَّةً فقال: يا معشر قُضاعة، كيف سلمتُم من مُضر مع قلَّتِكم وكثرتِهم؟ فقال له عبدُ الله بن يعلى النَّهْديّ: نحن أعزُّ منهم وأمنع. فقال: بمن؟ قال: بمن معك منَّا. ثم قال لجُعفى: أشتملتُم على ابنِ أختكم وأجرتُموه؟ -يعني يحيى بنَ سعيد بن العاص- هاتوه، قالوا: وهو آمن؟ قال: وتشترطون عليَّ؟! قالوا: نحن نَدِلُّ عليك. فقال: هو آمن، فجاء يحيى، فقال له عبد الملك: يا قبيح الوجه، بأيِّ وجهٍ تنظرُ إلى ربك وقد خلعتني؟! فقال: بالوجه الَّذي خلقَه. فبايعه. وجاءت عَدْوان ورئيسُها مَعْبَد بنُ خالد الجَدَلي، وكان دميمًا، فقدَّم بين يديه رجلًا جسيمًا وسيمًا، فقال عبد الملك: من هؤلاء؟ قال الكاتب: عَدْوَان. فقال عبد الملك:

стр. 4015

عَذِيرَ الحيِّ من عَدْوا … نَ كانوا حَيَّةَ الأرضِ بَغَى بعضٌ على بعضٍ … فلم يَرْعَوا (١) على بعضِ ومنهم كانت السادا … تُ والمُوفُون بالقَرْضِ ثم أقبل عبدُ الملك على الرجل الجسيم وقال: إيه. يستنطقُه. فقال. لا أدري. قال معبد: فقلت: ومنهم حَكَمٌ يقضي (٢) … ولا يُنقَضُ ما يقضي ومنهم مَنْ يُجيزُ الحجَّ (٣) … بالسُّنَّةِ والفَرْضِ وهُمْ من ولدٍ ينزع (٤) … بِسِرِّ النَّسَبِ المَحْضِ قال: فلم يلتفت إليَّ عبدُ الملك، وأقبلَ على الرجل الوسيم فقال: من يقول هذا؟ فقال: لا أدري. فقال معبد: فقلتُ من خلفه: ذو الإصبع العَدْواني. فلم يلتفت إليَّ وأقبل على الجميل، فقال: ولِمَ سمِّي ذو الإصبع (٥)؟ فقال: لا أدري. فقلتُ من خلفه: [لأنَّ حيَّةً عَضَّتْ إصبعَه، فقَطَعَتْها. فأقبل على الجميل فقال: ما كان اسمُه؟ فقال: لا أدري. فقلتُ من خلفه:] حُرْثان بن الحارث. فلم يلتفت إليَّ وقال للجميل: من أيكم كان؟ فقال: لا أدري. فقلتُ من خلفه: من بني تاج. فأقبل على الجسيم وقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعُ مئة. ثم التفتَ إليَّ وقال: كم عطاؤك؟ قلت: ثلاث مئة. فقال للكاتب: حطَّ من عطاء هذا -يعني الجميل- أربعَ مئة، وزِدْها في عطاء هذا. يعني معبدًا. فرجع معبد في سبع مئة، والرجل الجميل في ثلاث مئة (٦).

стр. 4016

وإنما لم يلتفت عبدُ الملك إلى معبد؛ لأنَّه لم يسأله، ومن حُسن الأدب أن يُجيب المسؤولُ، أما إذا أجابَ غيرُه، فهو حُمق. ثم دخل عمد الملك الكوفة، فخطب وقال: إنَّ عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسَى بنفسه، ولم يغرز ذنبَه في الحرم، وقد ولَّيتُ عليكم بِشْرَ بنَ مروان، وأمرتُه بالإحسان إلى أهل الطاعة، والشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. واستعمل محمدَ بنَ عُمير على هَمْدان، ويزيدَ بنَ رُويم على الرَّيّ، وعلى البصرة خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد. وفَرَّقَ العمَّال، ولم يفِ لأحدٍ شَرَطَ عليه ولايةَ أصبهان بشيء. وكان قد تنازعَ الرِّياسةَ بالبصرة عُبيدُ الله بنُ أبي بَكْرة وحُمران بن أبان بعد قتل المصعب، فغَلب حُمْران على البصرة، وكانت له منزلةٌ عند بني أمية؛ رأى شيخٌ من الأعراب حُمران، فقال: لقد رأيتُ هذا وقد مال رداؤه عن عاتقه، فابتدرَه مروان وسعيد بن العاص أيُّهما يُسَوِّيه. وقال أبو عاصم: مدَّ حُمران رِجْلَه، فابتدر معاويةُ وعبدُ الله بنُ عامر أيُّهما يغمزها (١). وحُمران هو الَّذي نفاه عثمان رضوان الله عليه إلى البصرة، وهو مولاه. ثم قدم خالد بن عبد الله البصرة واليًا، فأزال ولاية أبي بَكْرَة وحُمْران. و [قال الهيثم:] دخلَ عبد الملك القصر بالكوفة، وجعل يمرُّ على الأبنية فيقول: مَنْ بَنَى هذا؟ ومن بنى هذا؟ وهم يخبرونه، دقال: وكلُّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلًى … وكلُّ امرئٍ يومًا يصيرُ إلى كانَ و [قال أبو القاسم السِّمناني:] جلسَ عبدُ الملك في القصر وبين يديه رأس مصعب، فدخل الشعبي، فقال له عبد الملك: حدثني بأعجب ما رأيتَ أو سمعتَ. فقال: رأيتُ رأس الحسين بين يدي ابنِ زياد ها هنا، ورأيتُ رأس ابنِ زياد بين يدي المختار، ورأيتُ رأس المختار بين يدي مصعب، ورأيتُ رأس بين يديك. فبأيِّ شيء أحدِّثُك [بأعجبَ من هذا]؟ فَتَطيَّر عبدُ الملك من قول الشعبي، وأمرَ بنقض القصر، وبنى غيرَه.

стр. 4017

قال المصنف ﵀: وهذا وهم؛ لأنَّ عبد الملك دفن رأس مصعب مع جثَّته بمَسْكِن، ولم يدخل به الكوفة. [وإنما هذا من كلام عُبيد بن عُمير] (١). واختلف الناسُ، هل دخل عبد الملك الكوفة أم لا؟. قال بعضهم: دخلها، وقال بعضهم: لم يدخلها، وأقام بمَسْكِن أربعين يومًا، ثم دخل الشام. [قال الواقدي:] ولما عاد عبد الملك في هذه السنة إلى الشام فتحَ قيساريَّة الساحل (٢). ذكر وصول خبر مصعب إلى أخيه عبد الله (٣): كان عبد الله بن أبي فَرْوَة عند مصعب بمنزلةٍ لم يصل إليها غيرُه، وكان ينتهي إلى رأيه، فلما قُتل مصعب هرب ابنُ أبي فَرْوة إلى مكة، فقال عبد الملك: مَنْ يَرُدُّه وله مئةُ ألف درهم. فسارَ خلفَه جماعةٌ، ففاتَهم، وقدمَ مكةَ على ابن الزُّبير، فقال: حدَّثْني كيف كان حديث (٤) أخي مع عبد الملك؛ فقال: التقينا، فمال داودُ بن قَحْذَم براية بكر بن وائل، ومال فلان براية بني فلان .. حتَّى عدَّ الجميع. قال: فلما رأيتُه قد بقي في رِقَّةٍ من الناس؛ أتيتُه بأفراس قد ضَمَّرْتُها مثل القِداح، فقلت له: ارْكَبْ والْحَقْ بمكة. فَدَثَّ (٥) في صدري دَثَّةً، فقال: ليس أنا بالفارّ ولا العبد، وعلى الحياة العَفَاء. فبكى ابنُ الزُّبير [عند ذلك بكاءً شديدًا واسترجع] (٦) وقام خطيبًا فقال: الحمد لله الَّذي له الخَلْقُ والأمر، يؤتي المُلكَ مَنْ يشاء، وينزعُ الملكَ ممَّن يشاء، ويعزُّ مَنْ يشاء، ألا وإنَّه لم يُذلَّ اللهُ مَنْ كان الحقُّ معه وإن كان فردًا، ولم يُعزَّ من كان

стр. 4018

وليَّه الشيطان وحزبُه ولو كان معه الأنام [طُرًّا] (١)، ألا وإنَّه قد أتانا من العراق خبرٌ أحزَننا وأفرَحَنا، أتانا قتلُ مصعب ﵀، فأمَّا الَّذي أفْرَحَنا؛ فعِلْمُنا أنَّ قَتْلَه له شهادة، وأمَّا الذي أحزَنَنا؛ فإنَّ لفراق الحميم لوعةً يجدُها حميمُه عند المصيبة، ثم يَرْعَوي مِن بعدِها ذو الرأي إلى الصبر الجميل وكريم العَزَاء، ولئن أُصبْت بمصعب؛ فلقد أُصبتُ بالزبير قبلَه، ألا إنَّ أهلَ العراق أهلُ الغَدْرِ والشقاق، أسلَمُوه وباعوه بأقل ثمن، فإن نُقتل فإنَّا واللهِ لا نموتُ على مضاجعنا كما يموتُ بنو أبي العاص، واللهِ ما قُتِلَ منهم رجلٌ في زحفٍ في الجاهلية ولا في الإسلام، وما نموتُ إلا قَعْصًا (٢) بالرِّماح، وموتًا تحت ظِلال السيوف، ألا إنما الدّنيا عارّيَةٌ من المَلِكِ الأعلى الَّذي لا يزولُ سلطانُه، ولا يَبِيدُ مُلْكُه. وتمثَّلَ: وكلُّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى البِلَى … وكلُّ امْرِئٍ يومًا يصيرُ إلى كانَ (٣) السنة الثانية والسبعون وفيها كَمُلَ بناءُ قُبَّة الصَّخرة والجامع الأقصى، وكان [عبد الملك] شَرَعَ في بنائها سنة تسع وستين (٤). والسببُ (٥) فيه أنَّ ابن الزُّبير كان قد استولى على مكة (٦). [وقال هشام:] وكان يخطبُ في أيام منى وعرفة ومُقامِ الناس بمكة، وينال من عبد الملك، ويذكرُ مساوئَ بني أمية، ومثالب بني مروان، ويقول: إنَّ رسول الله ﷺ لعنَ

стр. 4019

الحَكَم وما نَسَل، وإنَّه طريدُ رسول الله ﷺ ولَعِينُه. ويدعو إلى نفسه. وكان فَصِيحًا، فمال معظمُ أهل الشام إليه، وصاروا بِطانةً له. وبلغ عبدَ الملك، فمنعَ الناسَ من الحجِّ، فأقاموا مدَّةً، فضجُّوا، فبنى لهم القُبَّة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلَهم بذلك عن الحجِّ، فكانوا يقفون عند الصخرة، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يومَ العيد (١). [ذكر طرف من ذلك: ذكر هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، وذكر طرفًا منه الواقدي وغيره؛ دخل حديث بعضهم في بعض؛ قالوا:] ولمَّا عزم عبد الملك علي بنائها؛ كتبَ إلى أهل الأمصار ممَّن هو في طاعته من أهل الشام ومصر وأرمينية والجزيرة: أمَّا بعد، فإنَّ أمير المؤمنين قد عزمَ على بناء قُبَّة على صخرة بيت المقدس، تكونُ للمسلمين ظِلًّا وكهفًا (٢)، ولولده ولمن يأتي بعدَه عِزًا وشَرَفًا، وإنه كره أن يشرع في ذلك قبل أن يستشير أهلَ الرأي والحَزْم والشرف والفضل من رعيَّته؛ قال الله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فليكتبوا إليه ما عندهم فيما عزم عليه. فكتبوا إليه: ليُتَمّمْ أميرُ المؤمنين ما عزمَ عليه من بناء بيت الله المقدَّس، وتزيين المسجد الأقصى، أجرى الله الخيراتِ على يديه، وجعلَ ذلك مَكْرُمةً له، ولمن مضى مِن سَلَفِه، ولمَنْ يأتي بعدَه مِن خَلَفه موفَّقًا إن شاء الله تعالى. وإنَّما (٣) استشارهم خوفًا من شناعة ابن الزُّبير عليه، فأرادَ حَسْمَ مادَّته، ومع هذا فما سلم منه، فإنه كان يُشَنِّعُ عليه ويقول: ضاهى بما فعلَ إيوانَ كسرى، والخضراء كما فعل معاوية، ونقلَ الطوافَ من بيت الله إلى قِبْلةِ بني إسرائيل، ونحو ذلك. فسار عبدُ الملك من دمشق ومعه الأموال والعمَّال، ووكَّل بالعمل رجاءَ بنَ حَيوة، ويزيد بن سلام مولاه (٤)، وجمع الصُّنَّاع والمهندسين [من الآفاق]، وأمرهم أن

стр. 4020

يُصَوِّروا القُبَّةَ قبل بنائها، فصوَّرُوها له في صحن المسجد، فأعجبَه، وبنى للمال بيتًا شرقيَّ القُبَّة، وشَحنَهُ بالمال، وأمرَ رجاءَ ويزيدَ أنْ يُفْرِغا المال إفراغًا، ولا يتوَقَّفا في شيء، فتمَّ البناء على القُبَّة التي هي قائمة اليوم (١)، إلا أنَّه بنى من ناحية القبلة سبعة (٢) محاريب، عليها سبع قِباب، والقبَّةُ الباقية التي هي اليوم على المحراب هي أوسطُها. ولما تمَّ بناءُ القُبَّة عملَ لها جِلالين (٣)؛ أحدهما من اللُّبُود (٤) الحُمْر للشتاء، والآخر من أَدَم (٥) للصيف، وحَفُّوا الصخرةَ بدرابزين (٦) من الساج (٧) المطعَّم باليَشْم (٨)، وخلف الدرابزين ستورٌ من الدِّيباج مُرْخاة بين العُمُد. وكان السَّدَنةُ كلَّ اثنين وخمسين يُذيبون (٩) المِسْك والعنبر والماوَرْد والزَّعْفران، فيعملون منه غاليةً (١٠) بماء الورد الجُوريّ ويخَمَّر من الليل، ثم يدخلُ الخدمُ صُبْحةَ كلِّ يوم من هذين اليومين الحمَّام، فيغتسلون ويتطهَّرون، ثم يدخلون الخزانةَ التي فيها الخَلُوق، فيخلعون ثيابهم، ويلبسون ثياب الوَشْي (١١)، ويشدُّون أوساطَهم بالمناطق المحلَّاة بالذهب، ويُخَلِّقُون الصخرة (١٢)، ثم يوضع البَخُور في مجامر الذهب والفضة، وفيها [العُود] القَمَاريُّ المَطْليُّ بالمسك (١٣): وتُرخي السَّدَنَةُ السُّتُور،

стр. 4021

فيستديرُ (١) البَخُور على الصخرة كلِّها، فتعبَقُ الرائحة، ثم تُرفع السُّتور، فتخرج تلك الرائحةُ حتَّى تملأ المدينةَ كلَّها، ثم يُنادي منادٍ: ألا إنَّ الصخرةَ قد فُتحت، فمن أرادَ الزيارة فليأتِ. فيُقبلُ الناسُ مبادِرين إليها، فيُصلُّون ويخرجون، فمن وُجدت منه رائحةُ البَخُور؛ قيل: هذا كان اليومَ في الصخرة. وأبواب الصخرة أربعة على ما هي عليه اليوم، وعلى كلِّ باب عَشَرَةٌ من الحَجَبة، فالباب الشَّمالي سمِّي باب الجنَّة، والشرقيّ باب إسرافيل، والغربيّ باب جبريل، والقِبْليّ باب الأقصى، وكانوا يُسْرِجُونها بِدُهْنِ البَان (٢)، ولا يدخلُها في غير أيام الزّيارة سوى الخُدَّام. وكان للحرم عشرون بابًا وكان فيه ألفُ عمود من الرُّخام، وفي السُّقُوف ستون ألف خشبةً من السَّاج المنقوش، ومن القناديل خمسةُ آلاف قنديل، ولها أربع مئة سلسلة، في كل سلسلة ألفُ رطل بالشاميِّ، وذَرْعُ السلاسل ثلاثون (٣) ألفَ ذراع. وكان يُوقَدُ في الصخرة في كلِّ ليلة مئةُ شمعة، وكذا في الأقصى، وقيل: ألف [شمعة]، ويوقد في القناديل كل ليلة من دُهْن البَان والزَّيت المغسول قنطار. وكان في الحرم من القِباب خمسون قُبَّة، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف شَقَّة، وكان في الحرم ثلاث مئة خادم؛ اشْتُرُوا من بيت المال من الخُمس، كلما مات منهم واحد قام ولدُه ونسلُه مقامَه؛ يجري عليهم ذلك أبدًا ما تناسلوا، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهرًا بشهر. وكان فيه مئة صِهريج (٤)، وكانت صفائح سطوح القُبَّة عوض الرصاص من الذهب، وكذا سقفُ الأقصى وعلى أبواب القُبَّة. [قال الواقدي:] وذلك لأنه لما كَمُل البناء؛ فَضَلَ من المال ثلاث مئة ألف دينار. وقيل: ست مئة ألف. فكتب رجاء بن حَيوَة ويزيد بن سلام يُخبرانه بما فَضَلَ من المال.

стр. 4022

فكتبَ إليهما: قد جعلتُه لكما عِوَضًا عن تعبكما. فكتبا إليه: إنَّا قُمنا ببناء هذا البيت للهِ تعالى وابتغاء مرضاته، فلا نقبلُ على ذلك عِوَض (١) الدنيا، ولَوَدِدْنا أن نَزِيدَ فيه من حُلِيِّ نسائنا. فكتبَ إليهما: أفْرِغاه على القُبَّة والأبواب. [فأفرغَاه]. فما كان أحد يقدر أن يتأمَّلَ القُبَّةَ ممَّا عليها من الذهب. فلما كان في خلافة أبي جعفر قَدِمَ البيت المقدَّس في سنة أربعين ومئة، فوجد الزلازل قد أخربَت محاريب الأقصى وقِبابَه الستّ، ولم يبقَ إلا الأوسط الَّذي هو قائم اليوم، فشكا إليه الناس الخراب. فقال: قد علمتُم الحال، وليس في يدي ما أَعمُره اليوم، ولكن اقلعُوا هذه الصفائح التي على القُبَّة والأبواب، واعمُرُوه بها. ففعلوا. ثم جاءت زلزلةٌ أخرى في أيام أبي جعفر، فرمت البناء الَّذي بَنَوْه. فلمَّا قدم المهديّ محمد بن أبي جعفر إلى القدس بعد وفاة أبيه وجده خرابًا، فقال: دَقَّ هذا المسجد وطال، وخلا من الرِّجال، انقُصُوا من طوله، وزِيدُوا في عرضه، واقتَصِرُوا على قُبَّة الأقصى -التي هي عليه اليوم- ففعلوا. [قالوا:] وطولُ المسجد من القبلة إلى الشَّمال سبعُ مئة وخمس وستون ذراعًا، وعرضُه أربع مئة وخمس وستون ذراعًا. ولما تم بناء القُبَّة كتبوا عليها بالقَصِّ مما يلي القُبَّة مقابل الداخل من باب الصخرة القبليّ ما صورتُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بنى هذه القُبَّة عبد الله عبدُ الملك أميرُ المؤمنين سنة اثنتين وسبعين. قال المصنف ﵀: وقد قرأتُه مرارًا وقد قشط بعضُ الجُهَّال اسم عبد الملك، وكتبَ مكانه: المأمون. وأين أيامُ عبدِ الملك من أيام المأمون؟! بينهما نحوٌ من خمسين ومئة سنة. وكان بين عِمارة القُبَّة ووفاة رسول الله ﷺ اثنتان وستون سنة، وبينها وبين فتوح عمر ﵁ ستٌّ وخمسون سنة؛ لأن عمر ﵁ فتحَه في سنة ستَّ عشرة (٢).

стр. 4023

وقال كعب الأحبار: وجدتُ في بعض كتب الله المنزَّلة: يقول [الله تعالى]: أبشري أورى شلم، سوف أبعثُ إليك عبدي عبد الملك يبنيكِ ويزخرفُك، ولأَرُدَّنَّ إليك مُلكَك الأوَّل، ولأُكلِّلَنَّ الهيكل بالذهب والفضة واللؤلؤ والمَرْجان [يعني الصَخرة] ولأَضَعَنَّ عرشي عليك كما كان، إنني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي. وفيها ولَّى عبدُ الملك طارقَ بن عَمرو مولى عثمان ﵁ المدينةَ، فسار إليها، فغلب عليها، وأخرج منها طلحة بن عبد الله بن عوف عاملَ ابن الزبير، وأقام طارق واليًا عليها سنة، وقيل: خمسة أشهر. ثم أمرَه عبدُ الملك أن يخرج عنها فيقيمَ بين وادي القرى وبين أَيلة مَدَدًا لما يحتاجُ إليه عونًا على ابن الزبير، وبعث إليه ستة آلاف، فأقام حيثُ أمره، وعزلَه عن المدينة (١). [وطارق هذا صاحب الواقعة مع سعيد بن المسيِّب]؛ قال عليّ بن الحسين ﵁ (٢): ولَّى علينا عبدُ الملك بن مروان طارقًا مولى عثمان بن عفان، فقلتُ لسالم بن عبد الله بن عُمر وللقاسم بن محمد بن أبي بكر [الصِّدِّيق]، ولأبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف: اذهبوا بنا إلى هذا الرجل لنسلِّم عليه ندفعْ بذلك عن أنفسنا. قال: فأتيناه، فرحَّبَ بنا، ثم قال: أيُّكم سعيدُ بنُ المسيِّب؛ فقال له القاسم بنُ محمد: إنه مشغول [بنفسه] وقد رفعت عنه الولاةُ إتيانَها، وقد ألزمَ نفسَه المسجد، فليس يخرج منه إلا لحاجته. فقال: أوَرَغب أن يأتيَني، واللهِ لأقتلنَّه. قالها ثلاثًا. قال القاسم: فضاقَ بنا المجلس، وقمنا من عنده، فأتيتُ المسجد، وإذا سعيد قاعدٌ عند أسطوانة (٣)، فقلت له: [أرى] أن تخرج إلى مكةَ معتمرًا وتقيمَ بها. فقال: ما حضرتني نيَّةٌ في ذلك. قلت: فاخْرُجْ إلى بعض منازل إخوانك فأقمْ به. فقال: وكيف أصنعُ بهذا الداعي الَّذي يدعوني في اليوم خمس مرات؟! قلتُ: فأرى أن تقوم من مجلسك هذا. فقال: لا أقومُ من مكان قد وهب اللهُ لي فيه العافية منذ كذا وكذا سنةً.

стр. 4024

فأخبرتُه بقول طارق، فقال: هوِّنْ عليك. فقلتُ: أما تخافُ؟! فقال: واللهِ ما خِفْتُ شيئًا سوى ربِّي. ثم قال: أسألُ اللهَ العظيمَ أن يُنْسِيَه ذِكري. قال: فانصرفتُ عنه، وجعلتُ أسألُ: هل كان في المسجد شيء؟ ولا أُخبَر إلا بالخير. قال: فأقام طارق واليًا علينا سنة لا يخطر ببالِه سعيد. ثم عُزل طارق، فخرج من المدينة قاصدًا وادي القُرى، فنزل فيه وبينَه وبين المدينة خمس مراحل، فقال طارق لغلامه: واسوأتاه من علي بن الحسين وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، حلفتُ بين أيديهم ثلاثة أيمان بالله لأقتلنَّ سعيدَ بنَ المسيِّب، والله ما ذكرتُه إلا في هذه الساعة. فقال له غلامُه: ما أراد الله لك خيرٌ مما أردتَ لنفسك إذ أنساك ذكره (١). فقال: صدقتَ، اذْهَبْ فأنتَ حُرٌّ لوجه الله تعالى (٢). وفيها بلغَ الخوارجَ أنَّ مصعبَ بنَ الزُّبير قد قُتل، وكانوا نازلين بسُولاف (٣)، وفي مقابلهم المُهَلَّب، وعبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد، وكانوا قد اقتتلُوا ثمانية أشهر أَشَدَّ قتال، وبلغ الخوارجَ قتلُ مصعب قبل أن يبلغ المهلَّبَ وأصحابَه، فناداهم الخوارج: ما تقولون في مصعب؟ قال المُهَلَّب وأصحابُه: إمامُ هدًى، هو وليُّنا في الدنيا والآخرة. قالوا: فما تقولون في عبد الملك بن مروان؟ قالوا: ذاك ابنُ اللَّعين. قالوا: فأنتم منه بُرَآء في الدنيا والآخرة؟ قالوا: نعم، ونحن له أعداء؛ كعداوتنا لكم. قالوا: فإنَّ إمامَكم المصعب قد قتلَه عبدُ الملك بنُ مروان، وإنكم ستجعلون عبدَ الملك غدًا إمامكم، وأنتم الآن تلعنون أباه، وتتبرَّؤون منه. قالوا: كذبتُم يا أعداء الله. فلما كان من الغد تبيَّن لهم قتلُ مصعب، فبايع المُهَلَّبُ الناسَ لعبد الملك، فناداهم الأزارقة: يا أعداء الله، بالأمس تدَّعون أنَّ مصعبًا إمامُكم، وتتبرَّؤون من عبد الملك، وتلعنون أباه، واليوم تُوالونَه وتُبايعونه بالخلافة، وقد قتلَ إمامَكم الَّذي كنتُم تَتَوَلَّوْنَه في

стр. 4025

الدنيا والآخرة! فأيُّهما المهتدي وأيُّهما الضالّ؟! فقالوا: رضينا بذلك إذ كان وَليَّنا ويلي أمورَنا، ونرضى (١) بهذا كما رضينا بذاك. فقالت الخوارج: لا والله، ولكنَّكم إخوانُ الشياطين، وأولياء الظالمين، وعَبيدُ الدنيا. ولمَّا قدم خالد بنُ عبد الله بن أَسِيد البصرة؛ أقرَّ المُهَلَّبَ على خَراج الأهواز، وبعثَ المغيرةَ بنْ المُهَلَّب إلى إصطخر، وبعث مقاتلَ بن مِسْمَع على جيش، وألحقَه بأخيه عبد العزيز بن عبد الله، فخرجَ يطلبُ الأزارقة، وأقبلوا من كَرْمان، فالتَقَوْا على دَرَابْجِرْد (٢)، فاقتَتَلُوا، فقُتل مالكُ بنُ مِسْمَع، وانهزمَ عبدُ العزيز، وأُسِرَت امرأتُه بنتُ المنذر بن الجارود، فنُوديَ عليها فيمن يزيد، فبلَغَتْ مئة ألف، وكانت جميلة، فقام رجل من قومها من رؤوس الخوارج يقال له: أبو حديد، فقال: تَنَحَّوْا عن هذه المشركة، فما أراها إلا قد فتنتكم. فضربَ عنقَها، وقدم البصرة بعد ذلك، فقال له أهل المنذر: ما ندري أنحمدُك أم نَذُمُّك! فقال: واللهِ ما فعلتُه إلا غَيرَةً وحَمِيَّة. وجاء عبد العزيز أخو خالد، فنزل على رامَهُرْمُز (٣)، وبلغ المُهَلَّبَ، فارسل شيخًا عاقلًا من فرسانه من الأَزْد إلى عبد العزيز يُشجِّعُه ويَعْذِرُه ويقول: ما زال الناسُ كذا، ويخبرُه أن الجيوش تأتيه عاجلًا. فجاء الشيخ إليه، فوجده في ثلاثين فارسًا كئيبًا حزينًا، فأدَّى رسالة (٤) المهلَّب، وعاد إلى المُهَلَّب، فأخبرَهُ خبرَه، فقال المُهَلَّبُ للشيخ: اذهب إلى البصرة إلى أخيه خالد، فأخْبِرْه بما رأيتَ. فقال الشيح: أنا آتي خالدًا فأُخبرُه بخبر أخيه! لا والله لا [آتيه]. فقال [المُهَلَّب]: والله لا يأتيه غيرُك. فقال: واللهِ لا آتيه. فقال المُهَلَّب: أما

стр. 4026

واللهِ لو كنتَ مع غيري، ثم أرسلَكَ على رجليك لخرجتَ تشتدُّ. فقال الشيخ: يا مُهَلَّب، أتمنُّ علينا بحلمك، ونحنُ واللهِ نُكافئُك، بل نزيد عليك، أما تعلمُ أنَّا نُعَرِّضُ أنفسَنا للقتل دونَك، ونحميك من عدوِّك، ولو لم تحلُم عنَّا جعلناك بيننا وبين عدوِّنا، ووقَينا أنفسَنا بك، ولو كنتَ ممَّن يبعثُنا في حاجة فنمشي على أرجلنا، ثم احتاجَ إلى قتالنا؛ جعلناه بينَنا وبين عدوِّنا. فقال المهلَّب: صدقتَ. ثم بعث فتًى من الأَزْد إلى خالد بن عبد الله يخبرُه بخبر أخيه، فأقبلَ الفتى إلى البصرة، فوجدَ خالدًا جالسًا بين الناس وعليه جُبَّةُ خَزّ، ومِطْرَفُ (١) خَزِّ أخضر، فسلَّم عليه، فردَّ وقال: ما جاء بك؟ قال: رأيتُ أخاك عبد العزيز مهزومًا برامَهُرْمُز (٢). فقال: كذبتَ. فقال: احْبِسْني حتَّى يتبيَّن لك، فإن كُنْتُ كاذبًا فاضْرِبْ عنقي، وإنْ كُنْتُ صادقًا فأعطني جُبّتَك ومِطْرَفَك. فقال خالد: ما أيسرَ ما سألتَ، ولقد رضيتَ مع الخطر العظيم بالحقير الصغير. وحبَسَه حتَّى تَبيَّنَ الخَبَر، وكتبَ إلى عبد الملك يقول: بعثتُ أخي عبدَ العزيز في طلب الخوارج، فالتَقَوْا بفارس، فاقتتلوا، وانهزم الناسُ عن أخي، وقُتل مالك بن مِسْمَع. فكتب إليه عبد الملك: وقفتُ على كتابك، وعرفتُ ما ذكرتَ، وسألتُ رسولَك عن مكان المهلَّب، فقال: هو عاملُ الأهواز. فقبَّح اللهُ رأيَك حيث تبعثُ أخاك أعرابيًّا من أهل مكة على القتال، وتدعُ المهلَّبَ إلى جنبك يجبي الخَرَاج، وهو الميمونُ النَّقِيبَة، الحَسَنُ السياسة، البصيرُ بالحرب، المقاسي لها، فلا تعمل بعدها برأي حتَّى يحضره المهلَّب وتستشيره فيه، وقد كتبتُ إلى أخي بِشْر أن يُمِدَّكَ من الكوفة بخمسة آلاف، والسلام. فلما قرأ خالد كتابَه شَقَّ عليه حيث قبَّح رأيَه في بعث أخيه، وفي أمره له أنْ يستشيرَ المُهَلَب.

стр. 4027

وكتبَ عبدُ الملك إلى أخيه بِشْر: جَهِّزْ من الكوفة خمسةَ آلاف إلى خالد، واجْعَلْ عليهم رجلًا ترضاه، فإذا فرغ من هذا الوجه؛ فابْعَثْه إلى الرَّيّ. فبعث عليهم عبدَ الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال بِشْر لعبد الرحمن: إذا قضيتَ غَزَاتك هذه؛ فاذهب إلى الرَّيِّ. وكتب له عَهْدَه عليها. وخرج خالد بأهل البصرة حتَّى قدم الأهواز، وجاء عبدُ الرحمن بنُ الأشعث بأهل الكوفة، فوافاه بالأهواز، وجاء المُهَلَّب بجيشه، وجاءت الأزارقة حتَّى دنَوْا من مدينة الأهواز ومعسكرِ القوم، فقال المُهَلَّب لخالد: أرى ها هنا سُفُنًا كثيرة، فضُمَّها إليك، فما أرى القوم إلا مُحرقيها. فما لبثَ إلا ساعة حتَّى بعثوا إليها خيلًا، فأحرقتها. ثم أقاموا أيَّامًا يقتتلون؛ نحوًا من عشرين يومًا، ثم إنَّ خالدًا زحفَ إليهم بالناس، فرأوا أمرًا هالهم من العَدَد والعُدَد، فانصرفوا على حامية (١)، وأتْبعهم خالد بن عبد الله داودَ بنَ قَحْذَم، ورجع خالد إلى البصرة، وانصرفَ عبدُ الرحمن إلى الرَّيّ، وأقام المُهَلَّبُ بالأهواز. وكتب خالد إلى عبد الملك: إنَّا لَقِينا الأزارقة على الأهواز، فاقتتلنا أشدَّ قتال، ثم أنزلَ اللهُ نصره على المسلمين، فانهزمَ القوم، وأتبعهم داودُ بنُ قَحْذَم، واللهُ مستأصلُهم، والسلام. وقال ابنُ قيس الرُّقَيَّات في هزيمة عبد العزيز، وفِرارِه عن امرأته: عبدَ العزيزِ فَضَحْتَ جيشَك كلَّهمْ … وتركتَهم صَرْعَى بكلِّ سبيلِ من بينِ ذي عَطَشٍ يجودُ بنفسهِ … ومُلَحَّب (٢) بين الرِّجالِ قتيلِ هلَّا صبَرْتَ مع الشهيدِ مُقاتلًا … إذْ رُحْتَ مُنتكِثَ (٣) القُوى بأصيلِ وتركتَ جيشَكَ لا أميرَ عليهمُ … فارْجِعْ بعارٍ في الحياةِ طويلِ

стр. 4028

ونَسِيتَ عِرْسَكَ إذْ تُقادُ (١) سَبِيَّةً … تُبكي العيونَ بِرَنَّةٍ وعَويلِ (٢) وفيها خرج أبو فُدَيك الخارجي -وهو من بني قيس بن ثعلبة-[فغلبَ] على البحرين، وقتلَ نجدةَ بنَ عامر الحنفيّ، فبعث خالدٌ أخاه أميَّةَ بنَ عبد الله إلى أبي فُدَيك في جيش كثيف، فهزمه أبو فُدَيك، وأخذَ جاريةً كانت له، فاتَّخَذَها لنفسه، وعادَ أميَّةُ على فرسٍ مهزومًا، فدخل البصرة في ثلاثة أيام (٣). وفيها بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان الحجَّاجَ بنَ يوسف الثقفيَّ إلى مكة لقتال عبد الله بن الزُّبير ﵁. قال ابنُ حَبِيب: دخلَ أعشى بني ربيعة -واسمه عبدُ الله، وقيل: صالح بن خارجة بن حَبِيب بن قيس الشَّيباني الذُّهلي- على عبد الملك وهو يُرَدِّد (٤) في محاربةِ ابن الزُّبير ولا يجدُّ، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك مُتَلَوِّمًا، يُنهضُك العزم، ويُقعدُك الحزم (٥)، وتَهُمُّ بالإقدام، ثم تجنح (٦) إلى الإحجام، امْضِ لرأيك، وتَوَجَّهْ إلى عدوِّك، فَجَدُّك مُقبل، وجَدُّه مُدبر، وأصحابُه له ماقِتُون، ونحن لك مُحِبُّون، وكلمتُهم متفرِّقة، وكلمتُنا مجتمعة، وواللهِ ما نُؤْتى من ضعف جَنَان، ولا من قلة أعوان، ولا يُثَبِّطُك عنه ناصح، ولا يُحرِّضُك عليه غاشّ، وقد قلتُ في ذلك أبياتًا. فقال: قل، فإنك تنطق بلسانٍ وَدُود، وقلبٍ ناصح، فقال: آلُ الزُّبير من الخلافةِ كالتي … عَجِلَ النِّتاجُ بحملها فأحالها أو كالضِّعاف من الحُمولةِ حُمِّلَتْ … ما لا تُطيقُ فضيَّعَتْ أحمالها قُوموا إليهم (٧) لا تناموا عنهمُ … كم للغُواة أطَلْتُمُ إمْهالها

стр. 4029

إنَّ الخلافة فيكُمُ لا فيهمُ … لا زِلْتُمُ أركانَها وثِمالها أمسَوْا على الخيرات قُفْلًا مُقْفَلًا … فانْهَضْ بيُمْنِكَ فافتَتِحْ أقفالها فضحكَ عبد الملك وقال: صدقتَ، إنَّ أبا خُبَيب لَقُفلٌ مُوثَق على كل خير، ولن أتأخَّر عن مناجزته إن شاء الله تعالى (١). وكان عبدُ الملك (٢) لما فرغ من المصعب وقفلَ إلى الشام قال: مَنْ لابن الزُّبير، وندبَ الناس إلى قتاله، فلم يُجِبْه أحد، فقام إليه الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين، أنا له، ابْعَثْني إليه، فقد رأيتُ في منامي كأنِّي أخذتُه، فسلختُه. فبعثَه إليه (٣)، وكتبَ معه كتابَ أمانٍ لأصحاب ابن الزُّبير. [فقال ابن سعد (٤) بإسناده عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير قال: بعث عبد الملك الحَجَّاجَ لما قُتل مصعب إلى مكة لقتال ابن الزبير] فخرج في ألفين من أهل الشام في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين، فلم يعرض للمدينة، وسلك طريق العراق، فنزلَ الطائف، وكان يبعثُ البُعوث إلى عرفةَ في الحِلّ، ويبعثُ ابنُ الزبير بعثًا فيقتتلون، وفي [كلِّ] ذلك تُهزم خيلُ ابنِ الزُّبير، وترجعُ خيلُ الحجَّاج بالظَّفَر، ثم كتبَ الحجَّاجُ إلى عبد الملك يستأذنُه في دخول الحَرَم، ويعرِّفُه أنَّ شوكةَ ابنِ الزُّبير قد ضعُفَتْ، وتفرَّقَ عنه عامَّةُ أصحابِه. فكتب عبد الملك إلى طارق بن عَمرو وهو بوادي القُرى أنْ يلحقَ بالحجَّاج. وكان قُدومُ الحَجَّاج الطائف في شعبان سنة اثنتين وسبعين، فلما دخل ذو القَعْدة؛ خرج الحَجَّاج من الطائف، فنزل بئر ميمون، وقدم عليه طارق لهلال ذي الحجَّة، فحَصَرَ ابنَ الزُّبير.

стр. 4030

وحَجَّ بالناس الحَجَّاج، وأقامَ على إحرامه، وكذا طارقٌ؛ لم يقربا النساء، ولم يصل إلى البيت منهما أحد، ولم يقربا الطِّيب، وكانا يلبسانِ السلاحَ ويقاتلان، فلم يزالا على إحرامهما حتَّى قُتل ابنُ الزبير، فحلَّا من إحرامهما، ونحرا جزائر، ولم يقف ابنُ الزُّبير بعرفة، ونَحرَ بمكةَ بُدْنًا. وأقام الحصار عليه من أوَّل شعبان، وكان الحجَّاج وطارق نازلين ببئر ميمون والحَجُون، وما بينهما (١). وفيها توفِّي عَبيدة بنُ قيس السَّلْماني من مُراد [وقيل: عَبِيدة بن عَمرو]، وكنيتُه أبو مسلم، [وقيل: أبو عمر]. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. [قال ابن سعد:] (٢) أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين ولم يلقَه، وهاجرَ في أيام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان عريفَ قومِه، وشهد مع عليٍّ ﵇ النَّهْرَوان. ودعا عند موته بكتبه (٣)، فمحاها وقال: أخشى أن يَلِيَها أحدٌ بعدي، فيضعوها في غير مواضعها. [قال الواقدي:] ولما أفتى عليٌّ ﵇ ببيع أمَّهات الأولاد؛ قام عَبِيدة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنتَ تَرى بيعَهنَّ على عهد أبي بكر وعمر، فكيف رأيتَه بعدهما؟! فقال: رأيٌ رأيتُه بعدهما. فقال عبيدة: رأيُك مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدَك (٤). وكان عَبِيدة من أصحاب ابنِ مسعود الذين يقربون منه ويُفتون عنه.
следующие страницы →