← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

واللهِ لو كنتَ مع غيري، ثم أرسلَكَ على رجليك لخرجتَ تشتدُّ. فقال الشيخ: يا مُهَلَّب، أتمنُّ علينا بحلمك، ونحنُ واللهِ نُكافئُك، بل نزيد عليك، أما تعلمُ أنَّا نُعَرِّضُ أنفسَنا للقتل دونَك، ونحميك من عدوِّك، ولو لم تحلُم عنَّا جعلناك بيننا وبين عدوِّنا، ووقَينا أنفسَنا بك، ولو كنتَ ممَّن يبعثُنا في حاجة فنمشي على أرجلنا، ثم احتاجَ إلى قتالنا؛ جعلناه بينَنا وبين عدوِّنا. فقال المهلَّب: صدقتَ. ثم بعث فتًى من الأَزْد إلى خالد بن عبد الله يخبرُه بخبر أخيه، فأقبلَ الفتى إلى البصرة، فوجدَ خالدًا جالسًا بين الناس وعليه جُبَّةُ خَزّ، ومِطْرَفُ (١) خَزِّ أخضر، فسلَّم عليه، فردَّ وقال: ما جاء بك؟ قال: رأيتُ أخاك عبد العزيز مهزومًا برامَهُرْمُز (٢). فقال: كذبتَ. فقال: احْبِسْني حتَّى يتبيَّن لك، فإن كُنْتُ كاذبًا فاضْرِبْ عنقي، وإنْ كُنْتُ صادقًا فأعطني جُبّتَك ومِطْرَفَك. فقال خالد: ما أيسرَ ما سألتَ، ولقد رضيتَ مع الخطر العظيم بالحقير الصغير. وحبَسَه حتَّى تَبيَّنَ الخَبَر، وكتبَ إلى عبد الملك يقول: بعثتُ أخي عبدَ العزيز في طلب الخوارج، فالتَقَوْا بفارس، فاقتتلوا، وانهزم الناسُ عن أخي، وقُتل مالك بن مِسْمَع. فكتب إليه عبد الملك: وقفتُ على كتابك، وعرفتُ ما ذكرتَ، وسألتُ رسولَك عن مكان المهلَّب، فقال: هو عاملُ الأهواز. فقبَّح اللهُ رأيَك حيث تبعثُ أخاك أعرابيًّا من أهل مكة على القتال، وتدعُ المهلَّبَ إلى جنبك يجبي الخَرَاج، وهو الميمونُ النَّقِيبَة، الحَسَنُ السياسة، البصيرُ بالحرب، المقاسي لها، فلا تعمل بعدها برأي حتَّى يحضره المهلَّب وتستشيره فيه، وقد كتبتُ إلى أخي بِشْر أن يُمِدَّكَ من الكوفة بخمسة آلاف، والسلام. فلما قرأ خالد كتابَه شَقَّ عليه حيث قبَّح رأيَه في بعث أخيه، وفي أمره له أنْ يستشيرَ المُهَلَب.

стр. 4027

وكتبَ عبدُ الملك إلى أخيه بِشْر: جَهِّزْ من الكوفة خمسةَ آلاف إلى خالد، واجْعَلْ عليهم رجلًا ترضاه، فإذا فرغ من هذا الوجه؛ فابْعَثْه إلى الرَّيّ. فبعث عليهم عبدَ الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال بِشْر لعبد الرحمن: إذا قضيتَ غَزَاتك هذه؛ فاذهب إلى الرَّيِّ. وكتب له عَهْدَه عليها. وخرج خالد بأهل البصرة حتَّى قدم الأهواز، وجاء عبدُ الرحمن بنُ الأشعث بأهل الكوفة، فوافاه بالأهواز، وجاء المُهَلَّب بجيشه، وجاءت الأزارقة حتَّى دنَوْا من مدينة الأهواز ومعسكرِ القوم، فقال المُهَلَّب لخالد: أرى ها هنا سُفُنًا كثيرة، فضُمَّها إليك، فما أرى القوم إلا مُحرقيها. فما لبثَ إلا ساعة حتَّى بعثوا إليها خيلًا، فأحرقتها. ثم أقاموا أيَّامًا يقتتلون؛ نحوًا من عشرين يومًا، ثم إنَّ خالدًا زحفَ إليهم بالناس، فرأوا أمرًا هالهم من العَدَد والعُدَد، فانصرفوا على حامية (١)، وأتْبعهم خالد بن عبد الله داودَ بنَ قَحْذَم، ورجع خالد إلى البصرة، وانصرفَ عبدُ الرحمن إلى الرَّيّ، وأقام المُهَلَّبُ بالأهواز. وكتب خالد إلى عبد الملك: إنَّا لَقِينا الأزارقة على الأهواز، فاقتتلنا أشدَّ قتال، ثم أنزلَ اللهُ نصره على المسلمين، فانهزمَ القوم، وأتبعهم داودُ بنُ قَحْذَم، واللهُ مستأصلُهم، والسلام. وقال ابنُ قيس الرُّقَيَّات في هزيمة عبد العزيز، وفِرارِه عن امرأته: عبدَ العزيزِ فَضَحْتَ جيشَك كلَّهمْ … وتركتَهم صَرْعَى بكلِّ سبيلِ من بينِ ذي عَطَشٍ يجودُ بنفسهِ … ومُلَحَّب (٢) بين الرِّجالِ قتيلِ هلَّا صبَرْتَ مع الشهيدِ مُقاتلًا … إذْ رُحْتَ مُنتكِثَ (٣) القُوى بأصيلِ وتركتَ جيشَكَ لا أميرَ عليهمُ … فارْجِعْ بعارٍ في الحياةِ طويلِ

стр. 4028

ونَسِيتَ عِرْسَكَ إذْ تُقادُ (١) سَبِيَّةً … تُبكي العيونَ بِرَنَّةٍ وعَويلِ (٢) وفيها خرج أبو فُدَيك الخارجي -وهو من بني قيس بن ثعلبة-[فغلبَ] على البحرين، وقتلَ نجدةَ بنَ عامر الحنفيّ، فبعث خالدٌ أخاه أميَّةَ بنَ عبد الله إلى أبي فُدَيك في جيش كثيف، فهزمه أبو فُدَيك، وأخذَ جاريةً كانت له، فاتَّخَذَها لنفسه، وعادَ أميَّةُ على فرسٍ مهزومًا، فدخل البصرة في ثلاثة أيام (٣). وفيها بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان الحجَّاجَ بنَ يوسف الثقفيَّ إلى مكة لقتال عبد الله بن الزُّبير ﵁. قال ابنُ حَبِيب: دخلَ أعشى بني ربيعة -واسمه عبدُ الله، وقيل: صالح بن خارجة بن حَبِيب بن قيس الشَّيباني الذُّهلي- على عبد الملك وهو يُرَدِّد (٤) في محاربةِ ابن الزُّبير ولا يجدُّ، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك مُتَلَوِّمًا، يُنهضُك العزم، ويُقعدُك الحزم (٥)، وتَهُمُّ بالإقدام، ثم تجنح (٦) إلى الإحجام، امْضِ لرأيك، وتَوَجَّهْ إلى عدوِّك، فَجَدُّك مُقبل، وجَدُّه مُدبر، وأصحابُه له ماقِتُون، ونحن لك مُحِبُّون، وكلمتُهم متفرِّقة، وكلمتُنا مجتمعة، وواللهِ ما نُؤْتى من ضعف جَنَان، ولا من قلة أعوان، ولا يُثَبِّطُك عنه ناصح، ولا يُحرِّضُك عليه غاشّ، وقد قلتُ في ذلك أبياتًا. فقال: قل، فإنك تنطق بلسانٍ وَدُود، وقلبٍ ناصح، فقال: آلُ الزُّبير من الخلافةِ كالتي … عَجِلَ النِّتاجُ بحملها فأحالها أو كالضِّعاف من الحُمولةِ حُمِّلَتْ … ما لا تُطيقُ فضيَّعَتْ أحمالها قُوموا إليهم (٧) لا تناموا عنهمُ … كم للغُواة أطَلْتُمُ إمْهالها

стр. 4029

إنَّ الخلافة فيكُمُ لا فيهمُ … لا زِلْتُمُ أركانَها وثِمالها أمسَوْا على الخيرات قُفْلًا مُقْفَلًا … فانْهَضْ بيُمْنِكَ فافتَتِحْ أقفالها فضحكَ عبد الملك وقال: صدقتَ، إنَّ أبا خُبَيب لَقُفلٌ مُوثَق على كل خير، ولن أتأخَّر عن مناجزته إن شاء الله تعالى (١). وكان عبدُ الملك (٢) لما فرغ من المصعب وقفلَ إلى الشام قال: مَنْ لابن الزُّبير، وندبَ الناس إلى قتاله، فلم يُجِبْه أحد، فقام إليه الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين، أنا له، ابْعَثْني إليه، فقد رأيتُ في منامي كأنِّي أخذتُه، فسلختُه. فبعثَه إليه (٣)، وكتبَ معه كتابَ أمانٍ لأصحاب ابن الزُّبير. [فقال ابن سعد (٤) بإسناده عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير قال: بعث عبد الملك الحَجَّاجَ لما قُتل مصعب إلى مكة لقتال ابن الزبير] فخرج في ألفين من أهل الشام في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين، فلم يعرض للمدينة، وسلك طريق العراق، فنزلَ الطائف، وكان يبعثُ البُعوث إلى عرفةَ في الحِلّ، ويبعثُ ابنُ الزبير بعثًا فيقتتلون، وفي [كلِّ] ذلك تُهزم خيلُ ابنِ الزُّبير، وترجعُ خيلُ الحجَّاج بالظَّفَر، ثم كتبَ الحجَّاجُ إلى عبد الملك يستأذنُه في دخول الحَرَم، ويعرِّفُه أنَّ شوكةَ ابنِ الزُّبير قد ضعُفَتْ، وتفرَّقَ عنه عامَّةُ أصحابِه. فكتب عبد الملك إلى طارق بن عَمرو وهو بوادي القُرى أنْ يلحقَ بالحجَّاج. وكان قُدومُ الحَجَّاج الطائف في شعبان سنة اثنتين وسبعين، فلما دخل ذو القَعْدة؛ خرج الحَجَّاج من الطائف، فنزل بئر ميمون، وقدم عليه طارق لهلال ذي الحجَّة، فحَصَرَ ابنَ الزُّبير.

стр. 4030

وحَجَّ بالناس الحَجَّاج، وأقامَ على إحرامه، وكذا طارقٌ؛ لم يقربا النساء، ولم يصل إلى البيت منهما أحد، ولم يقربا الطِّيب، وكانا يلبسانِ السلاحَ ويقاتلان، فلم يزالا على إحرامهما حتَّى قُتل ابنُ الزبير، فحلَّا من إحرامهما، ونحرا جزائر، ولم يقف ابنُ الزُّبير بعرفة، ونَحرَ بمكةَ بُدْنًا. وأقام الحصار عليه من أوَّل شعبان، وكان الحجَّاج وطارق نازلين ببئر ميمون والحَجُون، وما بينهما (١). وفيها توفِّي عَبيدة بنُ قيس السَّلْماني من مُراد [وقيل: عَبِيدة بن عَمرو]، وكنيتُه أبو مسلم، [وقيل: أبو عمر]. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. [قال ابن سعد:] (٢) أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين ولم يلقَه، وهاجرَ في أيام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان عريفَ قومِه، وشهد مع عليٍّ ﵇ النَّهْرَوان. ودعا عند موته بكتبه (٣)، فمحاها وقال: أخشى أن يَلِيَها أحدٌ بعدي، فيضعوها في غير مواضعها. [قال الواقدي:] ولما أفتى عليٌّ ﵇ ببيع أمَّهات الأولاد؛ قام عَبِيدة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنتَ تَرى بيعَهنَّ على عهد أبي بكر وعمر، فكيف رأيتَه بعدهما؟! فقال: رأيٌ رأيتُه بعدهما. فقال عبيدة: رأيُك مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدَك (٤). وكان عَبِيدة من أصحاب ابنِ مسعود الذين يقربون منه ويُفتون عنه.

стр. 4031

وكان يوازي شُريحًا في علم القضاء، وكان شُريح إذا أشكلَ عليه أمرٌ سألَ عنه عَبيدةَ لعلمه وفضله. وأوصى (١) عَبِيدة السَّلْماني أن يُصلِّيَ عليه الأسود بن يزيد، فقال الأسود: اعْجَلُوا به قبلَ أنْ يجيءَ الكذَّاب. يعني المختار. فصلَّى عليه قبل غروب الشمس، فإنْ صحَّ ذلك فقد تقدَّم موتُه على هذه السنة (٢). أسند عَبِيدة عن عُمر، وعليّ، وابنِ مسعود، وابن الزُّبير، وغيرِهم. وروى عنه الشَّعبيّ، والنَّخَعي، وابنُ سِيرين، وغيرُهم. السنة الثالثة والسبعون فيها استفحلَ أمر أبي فُدَيْك الخارجي بالبحرَين (٣) حتَّى صار في عشرة آلاف، وعاث في نواحي البصرة والأهواز، فجهَّز إليه عبدُ الملك عُمرَ بن عُبيد الله بن معمر، وندبَ معه من الكوفة عشرةَ آلاف، وخرج معه من البصرة عشرة آلاف، بعد أن أعطاهم أرزاقَهم، وسار إلى البحرين، وجعل أهلَ الكوفة على الميمنة، وعليهم محمد بن موسى بن طلحة، وجعل أهل البصرة على الميسرة، وعليهم ابنُ أخيه عُمر (٤) بن موسى بن عُبيد الله، ووقف عمر في القلب، والرَّجَّالة بالرِّماح بين أيديهم، وحمل أبو فُدَيك في أصحابه حملةَ رجلٍ واحد، فهَزَموا أهلَ الكوفة، وثبت أهل البصرة، وجُرح عُمر بن موسى بن عُبيد الله، فلما رأى أهلُ الكوفة أهلَ البصرة لم ينهزموا؛ رجعوا (٥)،

стр. 4032

وحملَ الجميعُ على الخواوج، [وقتلُوا أبا فُدَيك]، وحصروهم [في المُشَقَّ] حتَّى نزلوا على الحُكم (١)، فيُقال: إن عمر بن عبيد الله قتل منهما ستةَ آلاف، وأَسرَ منهم ثمان مئة، وأصابوا جارية أميَّة بنت عبد الله حُبلى من أبي فُدَيك (٢)، وغنموا ما كان في عسكر الخوارج، وعادوا إلى البصرة. وفيها عزلَ عبدُ الملك خالدَ بنَ عبد الله عن البصرة، وولَّاها أخاه بِشْرَ بنَ مروان؛ جمع له بين الكوفة والبصرة، فشخص بِشْرٌ إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عَمرَو بنَ حُرَيث (٣). وفيها غزا محمد بن مُروان الصائفةَ في أربعة آلاف، فسار إليه الرُّوم في ستين ألفًا، فهزمهم، واستباحَ عسكرَهم. وقيل: كان هذا من ناحية أرمينية (٤). وفيها قَتَلَ الحجَّاجُ عبدَ الله بنَ الزبير. وأقامَ الحجَّ للناس في هذه السنة [الحجَّاج] وهو على مكة واليمامة واليمن. [وقال الواقدي:] وكان على الكوفة والبصرة بِشْر [بن مروان، ومن قول غيره: بِشْر على الكوفة. وخالد بن عبد الله على البصرة]، وعلى قضاء الكوفة شُريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبيرة، وعلى خُراسان بُكير بن وشاح من قبل عبد الملك (٥). وقيل: في هذه السنة استقضى عبدُ الملك على دمشق أبا إدريس الخَوْلاني.

стр. 4033

وفيها توفّيت أسماء بنتُ أبي بكر الصديق ﵄ - وأمُّها قُتَيلة بنت عبد العُزَّى بن أسعد بن جابر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤي. [وهي أختُ عبد الله بن أبي بكر لأمه وأبيه، وأخت عائشة لأبيها]. أسلمت قديمًا بمكة بعد سبعةَ عشرَ نفسًا، وبايعت رسولَ الله ﷺ ، وتزوَّجَها (١) الزُّبير ﵁ بمكة، وهاجر بها إلى المدينة وهي حامل بعبد الله، فوضعته بقُباء [وقد ذكرناه]. وشهدت اليرموك مع الزُّبير ﵁، فقالت له: يا أبا عبد الله، إنْ كان الرجلُ من العدوِّ لَيَمُرُّ سريعًا، فتُصيبُ قَدَمَه عُروةُ أطنابِ خِبائي فيسقطُ على وجهه ميّتًا؛ ما أصابه سلاح (٢). ثم طلَّقها الزُّبير ﵁، فاقامت مع ابنها حتَّى قُتل بمكة (٣). [وقال أبو نُعيم (٤): وُلدَتْ قبل المبعث بعشر سنين، وكان لأبيها أبي بكر يوم وُلدت إحدى وعشرون سنة، وكانت أكبرَ من أختها عائشة بعشر سنين (٥)، وكان إسلامُها مع إسلام أبيها وهي صغيرة. وهي ذات النِّطاقَين، وقد ذكرناه في حديث الهجرة؛ لمَّا خرجَ رسول الله ﷺ إلى الغار شقَّت نِطاقها نصفَيْن، فجعلت واحدًا عِصابًا لسُفْرَةِ رسول الله ﷺ ، والآخر لقِرْبَتِه، ولم يكن لهم ما يربطون به القِرْبة والسُّفْرة.

стр. 4034

وروى ابن سعد عن عكرمة قال (١):] وكان الزُّبير ﵁ شديدًا على أسماء، فشكتْه إلى أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ فقال لها: يا بُنَيَّة، اصبِري، فإنَّ المرأةَ إذا كان لها زوج صالح، ثم ماتَ عنها فلم تتزوَّج بعده؛ جمع [اللهُ] بينهما في الجنَّة. [وقال ابن سعد:] وكانت أسماء تُصْدَع، فتضع يدَها (٢) على رأسها وتقول: بذنبي، وما يعفو (٣) الله أكثر. وكانت إذا مرضت أعتقت كلَّ مملوكٍ لها (٤). وقال عبد الله بن الزُّبير: قدمَتْ قُتَيلَةُ (٥) بنتُ عبد العُزَّى على ابنتها أسماء -وكان أبو بكر قد طلَّق قُتَيلَة في الجاهلية- بهدايا، زبيب وسمن وأَقِط (٦)، فأبت أسماء أن تُدخلها بيتَها أو تقبل هديَّتَها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسولَ الله ﷺ ، فسألته، فقال: "لِتُدْخِلْها بيتَها، وتَقْبَلْ هديَّتَها". وأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩]. [وقد أخرجا في "الصحيحين" بمعناه عن أسماء قالت: قَدِمَت أمّي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمّي قَدِمَتْ وهي راغبة، أَفَأَصِلُها؟ قال: "نعم، صِلِي أمَّك". متفق عليه. وفي قولها: راغبة قولان: أحدهما: أن معناه: راغبة عن ديني، والثاني: في صِلَتي] (٧).

стр. 4035

[وحكى ابنُ سعد عن الرُّكَين بن الربيع قال: دخلتُ على أسماء وهي عجوز كبيرة عمياء، فوجدتُها تصلّي، وعندها إنسان يلقِّنُها: قومي، اقعدي، افعلي. وقال ابن سعد: سئلتَ أسماء: هل كان أحدٌ من السلف يُغشى عليه من الخوف؟ قالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون] (١). ولما فرض عمر ﵁ الأَعْطِية؛ فرض لأسماء ألف درهم (٢). ذكر وفاتها: ماتت بعد قتل ابنِها عبدِ الله بليال، وبيانت تقول: اللَّهمَّ لا تُمِتْني حتَّى تَقَرَّ عيني بجثَّةِ عبدِ الله. فلما أنزل من خشبته غسَّلَتْه وكفنَتْه، وماتت بعده بأيَّام يسيرة (٣). وكان لها من الولد: عبدُ الله، والمنذرُ، وعُروة، وعاصم، والمهاجر، وخديجة الكبرى، وأمُّ حسن، وعائشة بنو الزُّبير بن العوَّام ﵁ (٤). أسندت أسماء عن رسول الله ﷺ أحاديث؛ أُخرج لها في "الصحيحين" اثنانِ وعشرون حديثًا (٥). [منها: قال أحمد بإسناده عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن لي ابنةً عروسًا، وإنها أصابَتْها حَصْبةٌ،

стр. 4036

فتمزَّقَ شعرها أفأصلُه؟ فقال رسول الله ﷺ : "لعن الله الواصلة والمستوصلة" أخرجاه في "الصحيحين"] (١). وروى عنها ابناها عبدُ الله، وعُروة، وعبد الله بنُ عروة، ومحمد بنُ المنكدر، وفاطمةُ بنتُ المنذر، وصفيَّة بنت شيبة في آخرين (٢). إياس بن قتادة ابن أوفى، من بني مناة بن تميم، من الطبقة الأولى من التابعين [من أهل البصرة]، وأُمُّه الفارعة بنت حِمْيَريّ، ولأبيه [قتادة] صحبة (٣). وكان إياس شريفًا؛ [حكى عنه ابن سعد قال:] (٤) اعتمَّ [إياس] يومًا وهو يريد بِشْرَ بن مروان، فنظر في المرآة، فإذا شيبةٌ في ذَقْنِهِ، فقال: يا جارية، انظري مَنْ بالباب من قومي، فأُدخِلُوا عليه، ققال: يا قوم، إني كُنْتُ قد وهبتُ لكم شبابي، فَهَبُوا لي مَشِيبِي، ألا أُراني حُمَيِّرَ الحاجات (٥)، وهذا الموتُ يقرُب منِّي؟! ثم نَقَضَ عِمامتَه، واعتزلَ الناس يعبُد ربَّه حتَّى مات. وروى ابن سعد [أيضًا] عنه أنَّه خرج ليركبَ أتانًا له، فلما وضعَ رِجْله في الرِّكاب؛ نظر إلى طاقةٍ بيضاء في لحيته، فقال: مرحبًا طالما انتظرتُك. ثم انصرف، واضطجع على شِقِّه الأيمن، فمات في خلافة عبد الملك [بن مروان] (٦). سَلْم بن زياد ابن أبيه [الذي يقال له: ابن أبي سفيان بن حرب، من أهل البصرة].

стр. 4037

والي خُراسان (١)، كان جوادًا ممدَّحًا، يُعطي ألفَ ألفِ درهم. [وذكره أبو القاسم ابن عساكر وقال: كانت له دار بدمشق بناحية سوق اللؤلؤ وسوق الطير] (٢). مات بالبصرة سنة ثلاث وسبعين. وقيل: سنة اثنتين وسبعين، ودُفن إلى جانب بِشْر بن مروان (٣). ومن شعره: فإنْ تكنِ الدُّنيا تزولُ بأهلها … فقد نلتُ من ضرَّائها ورخائها ولا جَزَعًا منِّي عليها ولا أسىً … إذا هي يومًا آذنَتْ بفَنائها وفيه يقول (٤): عتبتُ على سَلْمٍ فلَّما فقدتُهُ … وصاحَبْتُ أقوامًا بَكَيتُ على سَلْم رجعتُ إليه بعد تجريب غيرِهِ … فكان كبُرْءٍ بعدَ طُولٍ من السُّقْمِ (٥) عبد الله بن الزُّبير [بن العوَّام]﵁ - وأمُّه أسماءُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵄. وكنيتُه أبو بكر، وقيل: أبو خُبَيب، من الطبقة الخامسة ممَّن ماتَ رسولُ الله ﷺ وهم حُدَثاءُ الأسنان (٦). وهو أوَّلُ مولود وُلدَ من المهاجرين بالمدينة، [قال الإمام أحمد ﵀: حملت به أمُّه أسماء بمكة، ووضَعَتْه بقُباء بالمدينة] وأتَتْ به أمُّه إلى رسول الله ﷺ ، فوضعَه في حِجْره، ودعا بتمرة، فمَضَغَها، وتَفَلَ في فيه، فكان أوَّلَ ما دخل جوفَه ريقُ رسول الله ﷺ (٧).

стр. 4038

[وأخرج البخاري ومسلم بمعناه عن عائشة قالت:] وسمَّاه رسول الله ﷺ عبدَ الله (١). وجاء إلى رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين، فتبسَّم رسولُ الله ﷺ حين رآه مقبلًا، ثم بايعه (٢). [وقد ذكرناه في الهجرة. وحكى ابنُ سعد أنَّ ابن الزُّبير وُلد بمكة، وطافوا به حول الكعبة] (٣). وقال لعائشة: أنتِ أمُّ عبدِ الله. يَعْنِيه (٤). وقال نوف البِكالي: إنِّي لَأَجِدُ في كتاب الله المنزَّل أنَّ عبد الله بن الزبير سادس الخلفاء (٥). وكان أسنَّ أولاد الزبير، وتوفِّي رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثمان سنين وأربعة أشهر. [قال الزبير بن بكَّار:] ودخل رسول الله ﷺ على أسماء وهي تُرضعه، فقال لها: "أرضعيه ولو بماء عينيك، فإنه كبشٌ بين ذئاب، ليمنعنَّ البيتَ، أو ليُقتلَنَّ دونَه" (٦). [قال ابن عبد البَرِّ:] وكان عبدُ الله أطلسَ لا لحيةَ له، ولا شعر في وجهه (٧).

стр. 4039

وقال عبد الله بن الزُّبير: احتجَم رسولُ الله ﷺ وقال لي: "يا عبد الله، اذْهَبْ بهذا الدم، فأرِقْه؛ بحيث لا يراك أحد". فعمدتُ إلى ذلك الدم، فشربتُه، فلما رجعتُ [إليه قال لي: "يا عبد الله، ما صنعتَ بالدم؟ " قلت: جعلتُه في أخفى مكان]. فقال: "لعلّك شربتَه! " قلت: نعم. قال: "لن تمسَّك النار إلا تحلَّة القَسَم". فكانوا يرون القوة التي كانت به من ذلك الدم (١). ذكر طرف من أخباره: [وقد ذكره علماء السير، فقال خليفة:] (٢) شهد عبد الله مع أبيه وقعة اليرموك، وخُطبة عمر ﵁ بالجابية، وفَتْحَ إفريقيَّة في زمن عثمان رضوان الله عليه. وكان مع أبيه يوم الجمل أميرًا، وقدم دمشق لغزو القسطنطينيَّة في أيام معاوية، وبويع بالخلافة في أيام يزيد، وغلب على الحجاز واليمن والعراقين ومصر. وجدَّد بناء الكعبة، وكان عابدًا مجتهدًا [زاهدًا]، شهمًا فصيحًا، صوَّامًا قوَّامًا، شديد البأس، ذا أَنَفة، له نفسٌ شريفة، وهمَّةٌ عالية. [وقال ابن سعد:] (٣) وكان مع عثمان رضوان الله عليه يوم الدار، وقاتلَ عنه، وجُرح جراحاتٍ كثيرة. وحضر دفن عثمان ﵁. [وذكره الشيخ الموفَّق ﵀، فقال: كان شهمًا أَيِّدًا (٤)، فصيحًا ذا أَنَفَة، صوَّامًا قوَّامًا، شديد البأس. قال: وذكر الزُّبير بن بكَّار أن عبد الله بن الزُّبير وقيس بن سعد وشُريح بن الحارث (كانوا) طُلْسًا ليس في وجوههم شعر].

стр. 4040

ولم يكن الناسُ يعجزون عن عبادةٍ إلا تكلَّفها؛ جاء سيلٌ، فكثُر الماء حول البيت، فطاف سِباحةً، وكان يُواصل سبعةَ أيَّام بلياليها، ويأخذ يدَ الشابِّ يكاد يَحْطِمُها (١). وقال [عبد الله بن أحمد بن حنبل (عن أبيه) بإسناده عن] عَمرو بن دينار [قال:] رأيتُ ابنَ الزُّبير يصلِّي في الحِجْر، فجاء حَجَرٌ قُدَّامَهُ، فَذَهَبَ ببعض ثوبِه، فما انفَتَلَ (٢). وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عُودٌ من الخشوع (٣). [وفي رواية: كان يسجدُ فتقع العصافير على ظهره، لا تحسبه إلا جِذمَ حائط] (٤). وقالت أم عمر بن قيس: دخلتُ على عبد الله بن الزُّبير وهو يصلي، فسقطت حيَّةٌ من السقف على ابنه هاشم، فتطوَّقت على بطنه وهو نائم، فصاح أهلُ البيت: الحيَّة الحيَّة. ولم يزالوا بها حتَّى قتلوها وعبدُ الله بنُ الزُّبير يصلِّي، فما التفت ولا عَجِلَ، ثم فرغ بعدما قُتلت، فقال: ما لَكم؟ فقالت أمُّ هاشم؛ يرحمك الله! أرأيتَ إنْ كنَّا هُنَّا عليك، أيهونُ عليك ابنُك (٥)؟! فقال: ويحك! ما كانت التفاتةٌ لو التفتُّها مبقيةً من صلاتي (٦)؟. وقال محمد بن حميد: كان عبد الله بن الزبير يحيي الدهرَ أجمع ليلةً قائمًا حتَّى يصبح، [وليلة قاعدًا] وليلة يُحييها راكعًا إلى الصباح، وليلةً يُحييها ساجدًا إلى الصباح (٧).

стр. 4041

وقال مسلم بن يَنَّاق المكّي: ركعَ ابنُ الزبير يومًا ركعةً، فقرأتُ البقرة وآلَ عمران والنساءَ والمائدة وما رفع رأسه (١). وقال الزُّبير بن بكَّار: كان عبدُ الله يواصلُ الصيام سبعًا، يصوم يوم الجمعة، فلا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصومُ بالمدينة، فلا يُفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة، فلا يُفطر إلا بالمدينة (٢). وخطب ابنُ الزُّبير بالموسم فقال بعد حمد الله: أمَّا بعد، فإنَّكم جئتُم من آفاق شتَّى وفودًا إلى الله تعالى، وحق على الله أن يُكرم وَفْدَه، فمن جاء يطلبُ ما عند الله، فإنَّ طالبَ الله لا يخيب، فصدِّقُوا قولَكم بالفعل، فإنَّ مِلاك القول الفعل، والنيَّةُ بالقلوب، فاللهَ اللهَ في أيَّامكم، فإنَّها أيامٌ تُغفر فيها الذنوب (٣). [وقال أبو نعيم الحافظ: كان عبد الله يسمَّى حمامةَ المسجد (٤). وقال ابنُ سعد بإسناده عن شُرَحْبيل، عن أبي عون، عن أبيه، عن ابن الزبير أنه] قال على منبر مكة: [واللهِ] لقد استخلفني أميرُ المؤمنين عثمان على الدار، فكنتُ أصلِّي بهم، وأقاتلُ عنه، وأُباشرُ القتال بنفسي، فجُرحتُ بضعةَ عشرَ جِراحةً، هاني لأضَعُ اليوم يدي على بعض جراحاتي التي جُرحتُ مع عثمان، فأرجُو أن تكون خيرَ أعمالي (٥). [وقال الواقدي:] وكان أمرَه عثمان ﵁ أن يُصَلِّيَ بهم في الدار مدَّة أيَّام حصاره. وقال الأعمش: رأيتُ على رأس ابنِ الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأسَ مالي (٦).

стр. 4042

وقال عمَّار بن أبي عمَّار: كانَ ابنُ الزبير يصومُ عَشَرَة أيَّام لا يُفطر، وإذا دخل رمضان أكل أكلةً في نصف الشهر، وكان يُؤْتَى بثَرِيدة في صَحْفَة عليها عَرْقان، ويؤتى الناسُ بالجِفان، فتُوضعُ بين أيديهم، فيقول: أيُّها الناس [هلمُّوا] ويشيرُ إلى ما بين يديه [ويقول:] هذا من خالص مالي، وهذه الجِفانُ من بيت مالِكم (١). وقال ابنُ عبد البر (٢): كان عبدُ الله بنُ الزبير كثيرَ الصلاة والصوم، شديدَ البأس، كريمَ الطَّرَفَين من الآباء والأجداد والجدَّات والأمَّهات والخالات، إلا أَنه كانت فيه خِلالٌ مباينةٌ لما حاول من الخلافة [لأنه لا يصلح لها؛ من ضيق العَطَن، والبخل، وسوء الخلق، والحسد، وكثرة الخلاف]. وكان عبدُ الملك يقول: إنَّ ابنَ الزبير كثيرُ الصلاة والصوم والعبادة، ولكنه لشحِّه لا يصلح أن يكون سائسًا. يعني يسوس الناس. [وقال الهيثم: جاءه أعرابي فقال: افرض لي. فقال: لا، حتَّى تُقاتل. فقال: لا والله، لا أجعل قتالي نقدًا ودراهمك نسيئة. قال: وقاتل بين يديه رجل قتالًا شديدًا كسر ثلاثة رماح، ثم جاءه فقال: أعطني رمحًا. فقال: ما تبقَّى بيت المال على هذا إلا قليل فمضى ولم يعطه شيئًا. وقال الشعبي: ولَّى ابنُ الزُّبير الحارث بن الحُصين الجعفي وادي القرى وقال: احتفظ بالتمر. فأكله الناس. فلما قدم عليه قال: أين التمر؟ قال: أكله المسلمون. فقام إليه، فجعل يضربه بالدِّرَّة ويقول: أكلت تمري، وعصيت أمري!] (٣). وقال ابنُ أبي مُلَيْكَة: كان بين ابن عبَّاس وبين ابن الزَّبير شيء، فغدوت على ابن عبَّاس فقلتُ: تريدُ أن تُقاتلَ ابنَ الزُّبير، فتُحِلَّ ما حرَّم اللهُ (٤)؟! فقال: معاذَ الله، إن الله كتبَ

стр. 4043

ابنَ الزُّبير وبني أمية مُحِلِّين، وإني لا أُحِلُّه أبدًا. قال الناس: بايع ابنَ الزُّبير. فقلت: وأين بهذا الأمر عنه؟ أمَّا أبوه فَحَواريُّ رسولِ الله ﷺ ، وأمَّا جَدُّه فصاحبُ الغار، وأمَّا أمُّه فذاتُ النِّطاقين، وأمَّا خالتُه فأمُّ المؤمنين، وأما جدَّتُه فعمَّةُ رسول الله ﷺ . يريد صفية ﵂. ثم عفيفٌ في الإسلام، قارئٌ للقرآن، إنْ وَصَلُوني وَصَلُوني من قريب، وإن رَبُّوني ربَّني أكْفَاءٌ كرام، فآثرَ التُّوَيْتات والأُسَامَات والحُمَيدات (١). إنَّ ابنَ أبي العاص برزَ يمشي القُدَمِيَّة (٢)، وإنَّه لَوَّى بذَنَبِه. يعني ابنَ الزُّبير (٣). ودخل ابنُ الزُّبير على معاوية، فأجلسه معه على سريره، فنظر إليه مروان متعجِّبًا، فأنشد معاوية: نفسُ عصامٍ سوَّدَتْ عصاما (٤) ونازعَ ابنَ الزُّبير مروانُ عند معاوية في شيء، فمال معاويةُ مع مروان، فقال له ابنُ الزُّبير: يا معاوية، إنه لا طاعةَ لك علينا ما لم تُطع الله، فاتَّقِ الله، ولا تُطْرِقْ إطراق الأُفْعُوَان في أصول السَّخْبر (٥). وأوصى إلى عبد الله بن الزبير: أبوه الزبير ﵁، وحَكِيمُ بنُ حِزام، وعبدُ الله بنُ عامر بن كَرِيز، والأسودُ بنُ [أبي] البَخْتَرِيّ، وشيبة بنُ عثمان، والأسود بنُ عَوْف، وعبد الله بنُ مسعود، وعائشة ﵂ (٦).

стр. 4044

ذكر مقتله: قال هلال بن يِسَاف: لمَّا وُضع رأس المختار بين يدي ابنِ الزُّبير بمكة قال: ما حدَّثني كعبٌ بشيء أصبتُه في سلطاني إلا قد رأيتُه غير هذا، فإنَّه قال: يقتلُك رجل من ثَقِيف، وأُراني أنا الَّذي قتلتُه (١). [وقال الواقدي:] (٢) وكان الحجَّاج يضربُ الكعبة بالمجانيق حتَّى هدم ناحية منها. قال ابن ماهَك (٣): رأيتُ المنجنيقُ يُرمى به نحو الكعبة، فرعدت السماء وبَرَقَت، وعلا صوت الرَّعد ولمعانُ البرق على الحجارة، فاشتمل عليها، فأعظمَ ذلك أهلُ الشام، وأمسكوا بأيديهم، فرفع الحجَّاج طرف قَبائه، فغرزَه في مِنْطَقَته، ورفعَ حجر المنجنيق بيده، فوضعه فيه، ثم قال: ارْمُوا. ورمى معهم، فجاءت صاعقة وصاعقة أخرى، فقتلَتْ من أصحابه ثلاثة عشر رجلًا (٤)، فانكسر أهلُ الشام، فقال الحجاج: [يا أهل الشام] لا تُنكروا هذا، فإني ابنُ تِهامة، وهذه صواعقُ تِهامة، وهذا الفتحُ قد حضر، فأَبْشِرُوا [وإن الفتوح من علامتها الصواعق في جبال تهامة] إنَّ القوم يُصيبُهم مثلُ ما أصابكم. فلما كان من الغد؛ جاءت صواعقُ، فقتلت من أصحاب ابن الزبير عِدَّة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون وهم على الخلاف [وأنتم تُصابون] وأنتم على الطاعة (٥)؟! [وقال الهيثم: كان الحجَّاج يرمي بالمنجنيق ويقول لأهل الشام:] لا يهولنَّكم حريقُ من احترقَ منكم، فإنَّ بني إسرائيل كانوا إذا قرَّبُوا قُربانًا فنزلت النارُ فأكلَتْه؛ علموا أنَّه قد تُقُبِّلَ منهم (٦).

стр. 4045

[وقال عطاء بن أبي رباح: كُنْتُ مع ابن الزبير في الكعبة] وكان الحجَّاج كلَّما رمى حجرًا ووقع في البيت يئنُّ ابنُ الزُّبير ويقول: أوَّه (١). [قال ابنُ إسحاق:] وكان يرمي بالمنجنيق من على أبي قُبيس وابنُ الزُّبير قائم في الحِجْر يصلِّي، فتمرُّ به الحجارة وهو كأنه شجرة [ما] تنثني، ما يُصيبُه منها شيء (٢)، ثم يخرجُ فيقاتل [وشعاره: يا منصور أمت، وكان قبل ذلك: لا حكم إلا الله]، ثم ضايقوه حتَّى أخذوا عليه الأبواب. [فحكى ابن سعد عن الواقدي قال: حدثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مولى بني أسد قال: رأيت الأبواب قد شُحنت بأهل الشام] فكان لأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصَّفا، ولأهل حمص الباب الَّذي يواجه الكعبة، ولأهل فلسطين باب بني جُمح، ولأهل قِنَّسْرِين باب بني سهم، والحجَّاج وطارق في ناحية الأبطح، والجيوش مُحدقة بالمسجد، وعلى كلِّ باب قائد، ومعه أهلُ بلدِه، وابنُ الزبير يحملُ على هؤلاء مرَّةً، وعلى هؤلاء مرة [كأنه أسد] حتَّى يُخرجَهم إلى الأبطح، ثم يصيح: يا ابنَ صفوان، ويلُ أمِّهِ فتحًا (٣) لو كان له رجال. ويقول: لو كان قِرْني واحدًا كَفَيتُهُ فيقول ابنُ صفوان: إي والله وألف رجل (٤). [وقيل: إن أهل الشام كانوا يقولون له ذلك]. ثم تفرَّق عنه أصحابُه ومَنْ معَه [وخرجوا إلى الحجاج بالأمان؛ حتَّى ابناه خُبيب وحمزة، وأخذا من الحجاج أمانًا.

стр. 4046

وحكى ابنُ سعد بإسناده عن المنذر بن جَهْم الأسلمي قال: رأيتُ ابنَ الزُّبير يوم قُتل وقد خَذَلَه الناسُ ممَّن كان معه خِذْلانًا شديدًا، وجعلُوا يخرجون إلى الحجَّاج، فخرج إليه نحوٌ من عشرة آلاف؛ منهم ابناه خُبيب وحمزة] (١). ذكر دخوله على أسماء: ولمَّا رأى خذلانَ الناسِ إيَّاه دخلَ على أمِّه فقال: يا أمُّاه، خَذَلني الناسُ حتَّى ولدي وأهلي، ولم يبقَ معي إلا اليسير ممَّن ليس عنده من الدَّفْع أكثرُ من ساعة، والقومُ يُعطونني ما أردتُ من الدنيا، فما رأيُكِ؟ فقالت: أنت واللهِ يا بنيَّ أعلمُ بنفسك، إن كنتَ تعلمُ أنَّك على الحق وإليه تدعو، فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابُك، ولا تمكِّن رقبتَك يتلاعبُ بها غلمانُ بني أمية، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فبئس العبدُ أنتَ، أهلكتَ نفسك، وأهلكتَ من قُتل معك، وإنْ قلتَ: كُنْتُ على حقٍّ، فلمَّا قُتل أصحابي وَهَنْتُ حيث وَهَنُوا، فهذا ليس فعلَ الأحرار، ولا أهلَ الدين، وكم خلودُك في الدنيا؟! القتلُ أحسن. فدنا ابنُ الزُّبير، وقبَّل رأسَها وقال: هذا واللهِ رأيي، والذي قمتُ به داعيًا إلى يومي هذا ما رَكَنْتُ إلى الدنيا، ولا أحببتُ الحياةَ فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضبُ لله أن تُستحلَّ محارمُه، ولكنني أحببتُ أنْ أعلمَ رأْيَكِ، فزدتيني بصيرةً مع بصيرتي، فانظري يا أمَّاه، فإني مقتولٌ من يومي هذا، فلا يشتدَّ حُزْنُك، وسَلِّمِي لأمر الله، فإنَّ ابنكِ لم يتعمَّد إتيان منكر ولا فاحشة، ولم يَجُرْ في حكم، ولم يغدُرْ في أمان، ولم يتعمَّد ظُلم مسلم ولا معاهَد، وما بلغني ظلم عن عمَّالي إلا وأنكرتُه، ولم يكن عندي شيء آثرَ من رضي ربِّي، اللهمَّ إنّي لا أقولُ هذا تزكيةً لنفسي، ولكن تعزيةً لأمي لتسلُوَ عنِّي.

стр. 4047

فقالت أمُّه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إنْ تَقَدَّمْتَني أو تقدَّمتُك، ومن قُتل على باطل؛ فقد قُتلتَ على حقّ. ثم قالت: اللهمَّ ارْحَمْ له طُول القيام في الليالي الطِّوال، وذاك النَّحيبَ والبكاء، والظمأ في الهواجر بالمدينة ومكة، وبِرَّه بأبيه وبي، اللهمَّ إني قد أسلمتُه لأَمرك فيه، ورضيتُ بما قضَيتَ، فأَثِبْني في عبد الله ثوابَ الصابرين الشاكرين (١). وقال الواقدي: دخل على أمِّه وعليه الدِّرْعُ والمِغْفَر، فسلَّم ووقفَ، ثم تناولَ يديها وقبَّلَها وقال: جئتُ مودِّعًا، إني لأرى هذا آخرَ أيَّامي من الدنيا، فإنْ قُتلتُ فإنما أنا لحم لا يضرُّني ما صُنع به. فقالت: صدقتَ، أتمم على بصيرتك (٢)، ولا تمكِّن ابنَ أبي عقيل منك (٣)، ادْنُ منِّي أُوَدِّعْك. فدنا منها فقبَّلها وعانَقَها، فلما مسَّت الدِّرْعَ قالت: ما هذا صُنعُ مَنْ يُريد ما تُريد. قال: ما لبستُه إلا لأشُدَّ منك. قالت: فإنه لا يشُدُّ مني. فنزعها [ثم أدرجَ كُمَّه، وشَدَّ أسفلَ قميصِه وجُبَّة خَزٍّ تحت القميص، وأدخل أسفلَها في المِنْطَقَة] (٤). وخرجَ إليهم. وقال عروة (٥): لما كانت الغداة التي قُتل فيها؛ دخَلَ على أمِّه أسماء وهي يومئذٍ بنتُ مئةِ سنة لم يسقط لها سنٌّ، فقالت: يا عبد الله، ما فعلتَ في حربك؟ فقال: إنَّ في الموت لراحةً. فقالت: ما أشتهي أن أموتَ حتَّى آتيَ على أحد طرفيك، فإما أن تملك فتقرَّ عيني، وإمَّا أن تُقتلَ فأحتسبَك. فودَّعَها وخرج وهو يقول: ولستُ بمبتاعِ الحياةِ بِسُبَّةٍ … ولا مُرْتَقٍ من خشيةِ الموتِ سُلَّما

стр. 4048

قال مصعب بن ثابت: فما مكَثَتْ بعدَه إلا عشرًا [وقيل: خمسة أيام] (١). [قال ابن إسحاق:] ولما تفرَّق عنه أصحابه قال الحجَّاج: يا أهل الشام قد بقيَ شيء يسير، فاحمِلُوا حملةَ رجلٍ واحد، فحملُوا عليه من جميع الأبواب، فحملَ عليهم وهو يقول: إني إذا أعرفُ يومي أَصْبِرْ … إذْ بعضُهم يعرفُ ثم يُنكِرْ [فدفعهم دفعةً تراكموا منها] فوقعوا على وجوههم وانهزموا. [وقال الواقدي:] وكانوا إذا حمل عليهم يقولون له: يا ابنَ ذاتِ النِّطاقين؛ يعيِّرونه بذلك، وهو يقول (٢): وعَيَّرها الواشون أَني أُحِبُّها … وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها فإنْ اعتذرْ منها فإنِّي مُكَذَّبٌ … وإنْ تَعتَذِرْ يُرْدَدْ عليها اعتذارُها (٣) أنا ابنُ ذات النِّطاقَين، هلمُّوا إليَّ. ونادى أهل الشام: يا ابنَ الزُّبير، يا ابن الحواريّ. فقال ابنُ الزبير لمولى له: أَجِبهم. فقال: تعيبُون من حواريِّ رسول الله ﷺ ؛ قالوا: يا ابنَ ذاتِ النِّطاقَين. قال: أفتعيبونها بالنِّطاق الَّذي أولت به طعامَ رسول الله ﷺ وشرابَه، أم بالنِّطاقِ الَّذي تَنْتَطِقُ به الحرَّةُ في بيتها؟! وقد قال لها رسول الله ﷺ : "لكِ بهما نطاقانِ في الجنَّة". فقالوا: يا ابنَ الزبير يا مشؤوم. فسكت مولاه، فقال: أَجِبْهُم. فقال: كيف أُجيبُهم وقد صدقوا (٤). [وأخرج البخاري عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان أهل الشام يُعَيِّرون ابنَ الزبير بذات النِّطاقين، فدخل على أسماء، فقالت: يُعَيِّرونك بالنِّطاقين، هل تدري ما النِّطاقان؟! وذكرت الحديث] (٥).

стр. 4049

وقال له الحارث الملقَّب بالقُباع: ألا آخُذُ لك أمانًا من الحجَّاج؟ فقال: ويحك يا ابن آكلة حمام مكة! إليَّ تقول هذا؟! واللهِ إنَّ موتًا في عزٍّ خيرٌ من حياة في ذُلٍّ (١). وجاءه عُمارة بنُ عَمرو بن حَزْم، فقال له: لو ركبتَ رَوَاحِلَك ونزلتَ برمل الجزل (٢) فقال: ما فعلت القتلى بالحَرَم؟ والله لئن كنتُ أُوردُ بهم (٣) ثم أصدرُ فِرارًا عنهم لبئس الشيخُ أنا في الإسلام (٤). [قال ابن سعد: وقال المدائني:] (٥) وخاف الحجَّاج أن يهربَ ابنُ الزبير، فقال لأصحابه: ما عُذْرُنا عند خليفتنا إنْ هربَ الليلةَ. وبلغ ابنَ الزبير فضحك وقال: ظنَّ الملعون بي ظَنَّه بنفسه، إنه فرَّار هو وأبوه في المواطن. يشير إلى يوم الرَّبَذَة (٦). [قال المدائني]: وقاتل مع ابن الزبير أربعون امرأة منهن مريم بنتُ طلحة [أخذَتْ سيفًا و] قاتلَتْ بين يديه (٧). [قال ابن عساكر:] وقالت له امرأته: ألا أخرجُ فأُقاتل معك؛ فأنشد: كُتِبَ القَتْلُ والقتالُ علينا … [وعلى المُحْصَنات جَرُّ الذُّيولِ] (٨) [قال هشام:] ولما كان يومُ الثلاثاء قال لأصحابه: ما أُراني اليومَ إلا مقتولًا، رأيتُ في ليلتي هذه كأنَّ السماءَ فُرِجَتْ لي فدخلتُها، واللهِ إني قد مَلَكْتُ الحياة، ولقد جاوزتُ سِنَّ أبي، هذه اثنتانِ وسبعون سنة. اللهمَّ إنِّي أُحِبُّ لقاءك، فأَحِبَّ لقائي (٩).

стр. 4050

ثم حملَ على القوم وهو يقول: فَرَّت سَلامانُ وفَرَّتِ النَّمِرْ … وقد نُلاقَى معهُم ولا نفرّ فقال له أخوه عُروة: قد أُخِذَتْ دارُ فلان ودارُ فلان، فقال: [اصْبِرْ] عصامُ إنَّه شِرْ باقْ (١) … قد سنَّ أصحابُك ضرب الأعناقْ وقامت الحربُ بنا على ساقْ (٢) فقال عروة: فغاظني (٣)، فقلتْ والله لئن يأخذوك ليُقطِّعُنَّك إرْبًا إرْبًا. فقال: ولست أبالي حين أُقتلُ مسلمًا (٤) فبكى عروة (٥). وكان يحملُ ويقول: الموتُ أكرمُ من إعطاء مَنْقَصةٍ … من لا يَمُتْ عَبْطَةً فالغايةُ الهَرَمُ و [قال أبو اليقظان: كان] الحجاج يحرِّضُ أهلَ الشام ويقول: اللهَ اللهَ في طاعة خليفتكم. وابنُ الزبير يهزُمُهم. وقال شيخٌ من أهل حمص شهدَ وقعة ابن الزُّبير مع أهل الشام: رأيتُه يومَ الثلاثاء وقد دخلَ عليه من الباب الَّذي لأهل حمص خمسُ مئة رجل وهو يخرج في إثرنا ونحن منهزمون؛ ما أنسى منه أرجوزة: إني إذا أعرفُ يومي أَصْبِرْ … إذْ بعضُهم يعرفُ ثم يُنكِرْ قال: وأنا أُعَوِّذُه بالله ممَّا أرى من شجاعته (٦).

стр. 4051

وقال ابن سعد: لمَّا كان يومُ الثلاثاء صبيحة سبعَ عشرة من جُمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد أخذَ الحجَّاجُ على ابن الزبير بالأبواب، وباتَ ابنُ الزُّبير يصلِّي عامَّةَ الليل، ثم صلَّى بالناس الفجر، وسلَّم، ثم قام، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: يا آلَ الزُّبير، اكشفوا وُجوهكم -وعليها المغافر- فكشفوها، فَشجَّعَهُمْ، وقوَّى عزائمهم. وقال: ألا مَنْ كان سائلًا عني، فإنِّي في الرَّعيل الأوَّل، ثم أنشد: أَبَى لابنِ سلمى أنَّه غيرُ خالدٍ … ملاقي المنايا أيَّ صَرْفٍ تيمَّما فلستُ بمبتاع الحياةِ بسُبَّةٍ … ولا مُرْتقٍ من خشية الموتِ سُلَّما (١) [ثم قال:] احملُوا على بركة الله تعالى. فحمل عليهم [حتى] بلغ بهم إلى الحَجُون، ورماه رجلٌ بآجُرَّة، فوقعت في رأسه ففلقَتْه، فأُرْعِشَ لها، ودُمي وجهُه، فلمَّا وجدَ سخونةَ الدم يسيلُ على وجهه ولحيته قال متمثِّلًا يشعر الخصَين بنِ الحُمام المُرِّي: ولسنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومُنا … ولكن على أقدامنا تَقْطُرُ الدِّما ثم تَغَاوَوْا عليه (٢)، فوقع، وصاحَتْ أَمَةٌ مجنونةٌ من سطح: وا أمير المؤمنيناه! ولم يعرفوه (٣)، فتكاثَرُوا عليه فقتلوه. وقيل: جاءه سهم عائر، فوقع على ظهره، ولم يقدر على القيام، وأشارت إليه الأمة من السطح، فجاؤوا إليه، فقتلوه. [وقال الواقدي:] وبلغ الحجَّاجَ الخبرُ، فكبَّر هو وأصحابُه، وسجدَ الحجَّاج، فقال ابنُ عُمر ﵁: واللهِ إنَّ قومًا كبَّرُوا عند ولادتك خيرٌ من قومٍ كبَّرُوا عند قتلك (٤). وجاء [الحجاج] حتَّى وقف عليه ومعه طارق بن عَمرو، فقال طارق: [ما ولدت النساءُ أذكر من هذا. فقال الحجَّاج: تمدحُ مَنْ خالفَ أمير المؤمنين! فقال طارق:] إنَّا

стр. 4052

محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير خندق ولا حصن [ولا مانع] وهو ينتصفُ منَّا، لا، بل يفضُلُ علينا كلَّما التقينا نحن وإيَّاه. وبلَغَ عبدَ الملك، فصوَّب كلام طارق (١). وبعث الحجَّاج برأس ابن الزبير ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عُمارة [بن عَمرو] ابن حزم إلى المدينة، فنُصبت بها، ثم ذُهب بها إلى عبد الملك (٢). وحمل رأسَ ابنِ الزُّبير رجلٌ من مُراد (٣)، أعطاه عبد الملك خمس مئة دينار. [وقال الواقدي:] وخرجت أسماء ومعها أكفان قد أجْمَرَتْها (٤)، فحال الحجَّاجُ بينها وبين جسده؛ لأنه كان قد صَلَبَه، فقالت: قاتلَ اللهُ عبد ثَقِيف المُبِير، يحولُ بيني وبين جسد ولدي، ويمنعُني أَنْ أُواريَه (٥). وبلغَ الحجاجَ، فجاءَها فقال: كيف رأيتِ؟ نَصرَ اللهُ الحقَّ وأظهرَه. فقالت: ربَّما أُديلَ الباطلُ على الحقِّ، فقال: إن ابنَكِ أَلحدَ في الحرم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وقد أذاقه اللهُ ذلك. فقالت: كذبتَ، كان أوَّلَ مولود في الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسولُ الله ﷺ ، وحنَّكه بيده، وكبَّر المسلمون لما وُلد حتَّى ارتجَّت المدينة فَرَحًا به، وكبَّرتَ أنتَ وأصحابُك لمَّا قُتل، فالذي فَرِحَ به يومَ وُلد خيرٌ منك ومن أصحابك. وكانَ -واللهِ- صَوَّامًا قَوَّامًا قارئًا لكتابِ الله تعالى، مُعَظِّمًا لحُرُمات الله، وأشهدُ لقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يخرج من ثَقِيف كذَّابان، الأخير منهما شرٌّ من الأوَّل، وهو مُبِير"، وهو أنت. فانكسرَ الحجَّاج وانصرف. وبلغ عبد الملك، فكتب إليه: ما لَكَ ولابنِة الشيخ الصالح (٦).

стр. 4053

[وقال ابنُ سعد بإسناده عن محمد بن القاسم الثقفي: إن أسماء أتت الحجَّاج بعد ما ذهبَ بصرُها ومعها جواريها، فقالت: أين الحجَّاج؛ فقالوا: ليس هو هنا. قالت: فإذا جاء فقولوا له يأمر بهذء العظام أن تنزل، وأخبروه أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "في ثقيف رجلان؛ كذَّاب ومُبير". وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الصِّدِّيق النَّاجي: إن الحجَّاج دخل على أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، فقال لها: إن ابنَكِ ألحدَ في الحَرَم -أو: في هذا البيت- وإن الله أذاقه من عذاب أليم. فقالت: كذبتَ، إنَّه كان بارًّا بوالديه، صوَّامًا قوَّامًا، ولكن -واللهِ- لقد أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه سيخرجُ من ثَقِيف كذَّابان، الآخِرُ منهما شرٌّ من الأوَّل، وهو مُبير] (١). وقال أبو نَوْفَل (٢): رأيتُ عبدَ الله بن الزبير على عَقَبَةِ المدينة (٣)، فجعلَتْ قُريشٌ تمرُّ عليه والناسُ، حتَّى مر عليه عبدُ الله بنُ عُمر، فوقفَ عليه وقال: السلامُ عليك أبا خُبيب، أمَّا واللهِ لقد كُنْتُ أنهاك عن هذا. قالها ثلاثًا. أما واللهِ إنْ كنتَ فيما علمتُ صوَّامًا قوَّامًا، وَصُولًا للرَّحِم، أمَّا واللهِ لأمَّةٌ أنتَ شَرُّها لأُمَّةُ سُوء (٤). ثم نَفَذَ عبدُ الله، وبلغ الحجَّاجَ موقفُ عبد الله وقولُه، فأرسلَ إليه، فأنزل عن جِذعه وأُلقيَ في قُبور اليهود. ثم أرسلَ إلى أمِّهِ أسماءَ بنتِ أبي بكر، فأبَتْ أنْ تأتيَه. فقال: لَتأييَنِّي، أو لأبْعَثَنَّ إليها من يسحبُها بقُرونها. فقالت: واللهِ لا آتيهِ حتَّى يبعثَ إليَّ مَنْ يسحبُني بقُروني. فقال: أرُوني سِبْتِيَّ (٥). فأخذ نعليه، ثمَّ انطلق يَتَوَذَّفُ (٦)، فدخل عليها، فقال: كيف رَأَيتني صنعتُ بعدوِّ الله؛ قالت: [رأيتُك] أفسدتَ عليه دنياه،

стр. 4054

وأفسدَ عليك آخرتَك، بلغني أنك تقول له: يا ابنَ ذاتِ النِّطاقَين، أنا واللهِ ذاتُ النِّطاقَين، فأمَّا أحدُهما؛ فكنتُ أرفعُ به طعام رسولِ الله ﷺ وطعامَ أبي بكر من الدَّوابِّ، وأما الآخرُ؛ فنِطاقُ المرأةِ لا تستغني عنه. أَمَا إنَّ رسولَ الله ﷺ حدَّثَنا أنَّ في ثَقِيفٍ كذَّابًا ومُبِيرًا، فأمَّا الكذَّابُ؛ فقد رأيناه، وأمَّا المُبِير فلا إخالُك إلا إيَّاه. فقام عنها ولم يُراجِعْها. انفرد بإخراجه مسلم (١). وقوله: عَقَبة المدينة: يريد مكة، وقُبور اليهود: ليس المراد به في الإسلام، بل في الجاهلية. [لأن اليهود كانت تسكن الحجاز قديمًا، وكان موسى ﵇ قد جهَّزَ جيشًا من بني إسرائيل إلى العمالقة، فقتلوهم بمكة] (٢). والكذَّاب الأوَّلُ: المختار، والثاني: الحجَّاج. والمُبير الفاتك. وصلبَ الحجَّاجُ ابنَ الزُّبير على ثَنِيَّة كَدَاء بالحَجُون، وربطوا إلى جانبه هرَّةً ميِّتة، فكان ريحُ المسك يغلبُ على ريحها، فأرسلَتْ إليه أسماء: قاتلكَ الله! علامَ تصلُبُه؟! فقال: إنّي استبَقْتُ أنا وإيَّاه إلى هذه الخشبة، فسبقَني (٣). [وقال أبو أحمد الحاكم:] وجمعَتْ أسماءُ أوصال عبدِ الله قطعةً قطعةً، فكانت تغسلُ كلَّ قطعة وتضعها في أكفانه، فأرسلَ إليها ابنُ عمر يصبِّرُها، فقالت: وما يمنعني من الصبر ورأسُ يحيى بن زكريا حُمل إلى بغيٍّ من البغايا في طَسْت؟! وحكى ابنُ عساكر أنها حملَتْه إلى المدينة، فدفنته في دار صفيَّة بنت حُيَيّ، فزِيدَتْ تلك الدار في المسجد، فابنُ الزُّبير مدفون مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ (٤). وحكى [أيضًا] أنَّ الحجَّاج حمل رأسه إلى المدينة، ثم إلى الشام، ثم إلى خُراسان، فدُفنَ بها (٥). ولما قتلَ الحجَّاجُ ابنَ الزبير ارتجَّتْ مكَّةُ بالبكاء، فصعد الحجَّاج المنبر وقال: يا أهل مكة، بلغني إكبارُكم واستفظاعُكم قتلَ ابنِ الزُّبير، إنَّ ابنَ الزُّبير كان من خِيار هذه

стр. 4055

الأمَّة حتَّى رغبَ في الدنيا، ونازعَ الخلافةَ أهلَها، فخلَعَ طاعةَ الله، واستكنَّ في حَرَم الله، ولو كان شيءٌ يمنعُ العصاةَ لمنع (١) آدمَ حرمةُ الجنَّة، وقد خلقَه اللهُ بيده، ونفَح فيه من روحه، وأسجَدَ له ملائكتَه، فلما عصاه أخرجَه من الجنَّة بخطيئته، وعاقبَه فيها، وآدمُ هو أكرم على الله من ابن الزبير، والجنَّةُ أعظمُ حُرمة من الحَرَم والكعبة (٢). وقال الشافعي ﵁: خطبَ الحجاجُ بعد قتلِ ابنِ الزبير، فقال: إنَّ ابنَ الزُّبير غيَّر كتابَ الله، فناداه ابنُ عمر: لو شئتُ أن أقول: كذبتَ؛ لقلتُ. [قال المدائني:] ولما بلغَ عبدَ الملك قتلُ ابنِ الزُّبير خَرَّ ساجدًا، ثم دعا بمقراض، فأخذَ من ناصيته ونواصي أولاده، وكان عندَه رَوْح بنُ زِنْباع، فأخَذَ من ناصيته وقال: أنتَ منَّا. وتحصَّنَ سَعْد مولى عُتبة بنِ أبي سفيان بالطائف في خمسين رجلًا، فأنزلهم ابنُ الزُّبير، فضربَ أعناقَهم في الحَرَم، فقال عبد الله بن عمر: ما أحمقَ هذا الرجل! أما إنه لم يَقْتُل [أحدٌ] أحدًا في الحَرَم إلا قُتِلَ به. ولو لَقِيتُ قاتلَ أبي في الحَرَم؛ لما تعرَّضْتُ له (٣). وقال الإمام أحمد ﵁: حدَّثَنا محمد بنُ كُناسة، حدَّثَنا إسحاق بنُ سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطَّاب عبدَ اللهِ بنَ الزُّبير فقال: يا ابنَ الزُّبير، إيَّاك والإلحاد في الحَرَم -أو في حرم الله- فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنه سيُلحِدُ فيه رجلٌ من قريش لو تُوزن ذنوبُه بذنوب الثَّقَلَين لَرَجَحَتْ". فانْظُرْ لا تكونُهُ (٤). وكانت مدَّةُ حصار الحجَّاج لابن الزُّبير ﵁ ببطن مكة ستةَ أشهر وسبعةَ عشرَ ليلةً خَلَتْ من جمادى الأولى، وكان سنُّه اثنتان وسبعون سنة (٥).

стр. 4056

ذكر أولاده: فولدَ عبدُ الله خُبَيبًا؛ لا بقيَّةَ له، وحمزةَ، وعبَّادًا، وثابتًا، وأمُّهم تماضر بنت منظور بن زبَّان الفَزاري. وهاشمًا، وقيسًا، وعُروة، قُتل مع أبيه، والزبيرَ، وأمُّهم أُمُّ هاشم زُجْلَةُ بنتُ منظور بن زبَّان. وعامرًا، وموسى، وأمَّ حكيم، وفاطمةَ، وفاختة، وأمُّهم حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وأبا بكر، وأُمُّه رَيطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وبكرًا، ورُقَيَّة، وأمُّهما عائشةُ بنتُ عثمان بن عفان. وعبدَ الله، ومصعب بن عبد الله (١). فنذكرُ أعيانَ أولادِه: أمَّا خُبَيب، فكان من النُّسَّاك، وكان كثيرَ الخير والعبادة، وعالمًا بأنساب قريش، وسنذكرُه (٢). وأمَّا حمزة؛ فكان من الأجواد، وله عقب بالمدينة، منهم: عبَّاد بن حمزة؛ كان سريًّا حليمًا حسن الشباب، وإيَّاه عنى الأحوصُ بقوله في وصف امرأة:

стр. 4057

لها حُسْنُ عبَّادٍ وجِسْم ابنِ واقدٍ … وريحُ أبي حفصٍ ودينُ ابنِ نَوْفَلِ (١) وقيل في هذا المعنى: أُحبُّ من النسوانِ كلَّ خَرِيدةٍ … لها حُسْنُ عبَّادٍ وجسمُ ابنِ واقدِ (٢) فكان حمزةُ يحبُّ ولدَه عبَّادًا، فآثره ببعض مالِه على إخوتِه، فلمَّا ماتَ حمزةُ؛ ردَّه عبَّاد على إخوته، وقسمه فيهم بالسويَّة (٣). وعُمارة بنُ حمزة درج، وهو أخو عبَّادٍ لأمِّه؛ أمُّهما هند بنتُ قُطبة بن هَرِم، فَزَارية. وأبو بكر (٤)، ويحيى، وأمُّهما أمُّ القاسم بنتُ القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب، وأمُّها أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن جعفر، وأمُّها زينبُ بنتُ عليِّ بن أبي طالب، وأمُّها فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ . وسليمانُ بنُ حمزة، وأمُّ سَلَمة، وأمُّهما أُمُّ الخطَّاب بنتُ شيبة بن عبد الله بن شريك الأنصاري. وعبدُ الواحد، وهاشم، وعامر (٥)، وإبراهيم، وعبد الحميد، وأَمَةُ الجَبَّار، وأَمَةُ المَلِك، وأمُّ حَبِيب، وصالحة؛ لأمَّهاتِ أولاد شتَّى (٦). وأما عبَّاد بنُ عبد الله بن الزُّبير؛ فولَّاه أبوه قضاءَ مكَّة، وكان الناسُ يظنُون أنَّه حَدَثَ بأبيه حَدَث وأوصى إليه (٧). وهو من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان ثقةً كثير الحديث (٨). وكان له من الولد: محمد، وصالح، وأمُّهما أمُّ شيبة بنتُ عبد الله بن حَكِيم بن حِزام.

стр. 4058

ويحيى، وأمُّه عائشة بنتُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمُّها أم الحسن بنت الزُّبير بن العوَّام. وأما ثابت بنُ عبد الله بن الزبير، فكان لسانَ آلِ الزُّبير فصاحةً وبيانًا؛ دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: إنَّ أباك كان يبغضك. فقال: [إنما أبغضَني] لأني نهيتُه أن يقاتل بأهلِ المدينة وأهلِ مكة؛ أمَّا أهلُ المدينة فلأنَّهم قتلوا (١) عثمان، وأمَّا أهلُ مكة فلأنَّهم آذَوْا رسولَ الله ﷺ وأخرجوه، ثم جاؤوا إليه، فنفاهم إلى الطائف. يعني الحَكَم بنَ أبي العاص (٢). ولثابت عقب صالحون فقهاء وزهَّاد وعبَّاد، منهم: نافع، ومصعب، وخُبيب (٣). وأما هاشم بن عبد الله؛ فكان من فرسان أبيه المعدودين (٤). وأما عروة بن عبد الله؛ فإنَّه قُتل مع أبيه (٥). وأما عامر بنُ عبد الله، فكان من أعبد أهل زمانه، وكان من المنقطعين، حملَ عنه الحديث مالك بنُ أنس وغيرُه. وكان في الصدقة على العباد؛ يَصُرُّ الصُّرر، وَيتَحيَّن وقتَ صلاتهم في المسجد، فإذا سجد أحدهم وضع الضُرَّة عند رأسه، ثم ينصرف ولا يُعلم به. وما كان يرى تزويج بناته، وكان كثيرَ الدعاء؛ إذا شرعَ فيه أطال حتَّى كان صبيان المدينة يتراهنون على من يرفع يديه، فلا يضعهما حتَّى يضع يديه عامر. وسُرقت نعلاه وهو في الدعاء، فما لبس نعلين حتَّى مات (٦).

стр. 4059

وأمَّا موسى بنُ عبد الله؛ فكان من العبَّاد، وله عقب صالحون، منهم صُدَيق بن موسى، ورُويَ عنه الحديث. وولدُه موسى بن صُدَيق كان من أهل [الفضل والعَفَاف. وإبراهيمُ بن موسى بن صُدَيق بن موسى؛ كان من أهل] العلم والنُسُك والأخبار والشعر، نظر في العلوم، فلما رَأَسَ؛ اعتزل، فنزل منزلًا بطريق الحجاز مما يلي العراق يقال له: السُّوَارِقِيَّة (١). ومن شعره نُعَلَّلُ بالدُّنيا ونعرفُ غِبَّها … ويمنعُنا حرصُ النفوسِ الشَّحائحِ وأحزنني أنْ لا أزال مُوَكَّلًا … بتأميل أمرٍ لستُ فيه برابحِ فيا باكيًا شجوًا على الدِّين والتُّقى … فَبَكِّ بمُرْفَضٍّ من الدَّمعِ سَافِحِ أصابَهُمُ رَيبُ المَنُونِ فأصبحوا … ترابًا وهَامًا تحت صُمِّ الصفائح وعُرِّيَتِ الأحسابُ والدِّينُ بعدَهُمْ … فصارت كمهجورٍ من الأرضِ نازحِ (٢) وأما أبو بكر بن عبد الله؛ فإنَّه روى الحديث وحُمل عنه، وله عقب (٣). ومصعب بن عبد الله بن الزُّبير (٤)، كان من أَعبدِ أهلِ زمانِه، صامَ خمسين سنة، وكان يصلِّي في اليوم والليلة ألفَ ركعة، وكان من أبلغ أهل زمانِه وأجملِهم، رُويَ عنه الحديث، وكان ولده عبدُ الله بن مصعب عالمًا خطيبًا، وليَ اليمنَ، فعدلَ وأحسنَ.

стр. 4060

وكان ولده أبو بكر بن عبد الله نابَ قريش وخطيبَها، وأشرفَها قدرًا، وليَ المدينةَ اثنتَي عشرةَ سنة وثلاثةَ أشهر وأيامًا، وأخوه مصعبُ بنُ عبد الله بنِ مصعب (١) وجهُ قريش علمًا ومروءةً وشرفًا، وله شعرٌ حسن، فمنه: أَأَقْعُدُ بعد ما رَجَفَتْ عِظامي … وكان الموتُ أقربَ ما يليني أُجادِلُ كلَّ مُعْترِضٍ خَصِيمٍ … وأجعلُ دِينَه غَرَضًا لديني فأترُكُ ما علمتُ لرأيِ غيري … وليس الرأيُ كالعلمِ اليقيني وما أنا والخصومة وهي لَبْسٌ … تصرّف في الشَّمال وفي اليمينِ فإنَّ الحقَّ ليس به خَفاءٌ … أَغَرُّ كغُرَّة الفَلَقِ المبينِ وما عِوَضٌ لنا منهاجُ جَهْمٍ … بمنهاجِ ابنِ آمنةَ الأمينِ فأمَّا ما علمتُ فقد كفاني … وأمَّا ما جَهِلْتُ فَجَنِّبُوني (٢) ذكر موالي عبد الله بن الزبير ﵁: كان له مئة غلام، كلُّ غلام يتكلَّم بلغة، وكان ابنُ الزبير يكلِّم كلَّ واحدٍ بلغته (٣). أسند عبد الله بن الزبير ﵁ ثلاثة وثلاثين حديثًا (٤)، وأخرج له في "الصحيحين" تسعة أحاديث (٥) وأخرج له الإمام أحمد ﵁ أربعة وعشرين حديثًا. قال الإمام أحمد ﵁: حدَّثَنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا ابن عُيَينَة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ قال: سمعتُ عبدَ الله بن الزُّبير وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة وهو يقول: ورَبِّ هذه الكعبة لقد لعنَ رسولُ الله ﷺ فلانًا وما ولدَ من صُلْبِه.

стр. 4061

قال الشعبي: وهو الحَكَم بنُ أبي العاص (١). وروى ابنُ الزُّبير عن عُمر، وعُثمان، وأبيه الزُّبير، وأمِّه أسماء، وخالتِه عائشة ﵃. وروى عنه أخوه عُروة، وابناه عامر وعبَّاد، وابنُ أخيه محمدُ بنُ عُروة، وعَطاء، وطاوس، وعَمرو بنُ دينار، وابنُ أبي مُلَيكة، وأبو الزُّبير المكّي، والشَّعبي، وعَبِيدة السَّلْماني، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وثابت البُناني، وسِماك بنُ حَرْب في آخرين. وأقام ابنُ الزبير بمكة تسع سنين يحجُّ بالناس، وقيل: عشر سنين. وكان يتمثلُ دائمًا بقول أبي ذُؤيب الهُذَليّ: أَمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تَتَوجَّعُ … والدَّهْرُ ليس بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ وأبو ذؤيب اسمُه خُويلد بن خالد، شاعرٌ مخضرم، أدرك الجاهلية، وقدمَ المدينة وقد توفي رسول الله ﷺ . [وغزا الروم] (٢) في خلافة عمر ﵁، وكان أشعَرَ هُذَيل. وهذان البيتان من قصيدة رَثَى بها بَنِيه، وكان قد مات له خمسةٌ في عام واحد، وكان عبد الله بنُ الزُّبير يحبُّه. ومات بإفريقية، وتولَّى دفنه عبد الله بن الزُّبير. وقيل: مات في خلافة عثمان رضوان الله عليه بطريق مكَّة. وقيل: مات ببلاد الروم، ولا يُعلمُ وراءَ قبره قبر آخر من المسلمين غيره. والله أعلم (٣). عبد الله بن أبي حَدْرَد سلامة، أبو محمد الأسلمي، له صحبة مع رسول الله ﷺ ورواية، وكان في خيل خالد بن الوليد لمَّا أصاب بني جُذيمة. روى عن عمر بن الخطاب ﵁، وشهدَ معه الجابية.

стр. 4062

وروى عنه أبو بكر بنُ محمد بن عَمرو بن حَزْم، وغيره. وتوفي سنة اثثتين وسبعين، وقيل: سنة إحدى وسبعين (١) عبد الله بن صفوان ابن أمية بن خَلَف الجُمحيّ، من الطبقة الأولى (٢) من التابعين من أهل مكة، روى عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. [هذه صورة ما ذكر ابن سعد. وذكره الزُّبير بن بكَّار وقال:] وكان يسمَّى عبد الله الطويل (٣)، وأُمُّه برزة بنت مسعود بن عمرو، ثقفية. [قال:] وكان من أشراف قريش؛ وفد على معاوية هو وأخوه عبد الرحمن الأكبر. [ذكره ابنُ عساكر وقال:] كانت له دارٌ بدمشق في الزُّقاق المعروف بابن صفوان (٤). [قال:] ووُلدَ على عهد رسول الله ﷺ ، وكان من أصحاب ابن الزبير ممَّن قاتلَ معه. وقال لابن الزُّبير (٥): والله ما قاتلتُ معك، وإنَّما قاتلتُ عن ديني، فقُتلا في يوم واحد. [وقال خليفة:] قُتل ابنُ صفوان وهو متعلِّق بأستار الكعبة (٦). [وقال الحُميدي: حدَّثَنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: رأيتُ رأسَ ابنِ الزُّبير، وابنِ صفوان، وابنِ مطيع بالمدينة والصبيانُ يلعبون برؤوسهم، وقُتل الثلاثة في يوم واحد (٧). أسند عبد الله بن صفوان الحديث عن حفصة زوجة رسول الله ﷺ ].

стр. 4063

وكان لعبد الله بن صفوان من الولد: عَمرو، وصفوان، وهما من الطبقة الثانية من أهل مكة. فأمَّا عَمرو؛ فأمُّه بنتُ مطيع بن شُريح من بني كلاب (١). روى عنه عَمرو بن دينار، والزُّهْري، وكان قليلَ الحديث (٢). وأمَّا صفوان؛ فأُمُّه حِقَّة بنتُ وَهْب بن أميَّة بن أبي الصَّلْت الثقفي، وروى عنه الزُّهْريّ (٣)، وكان قليل الحديث. وكان لصفوان من الولد: عبد الله وأميَّة، وأمُّهما أمُّ الحَكَم بنتُ أميَّة بن صفوان (٤). عبد الله بن مطيع ابن الأسود بن حارثة بن نَضْلة بن عَوْف بن عَبِيد بن عَويج بن عديّ بن كعب، وأبوه مطيع من الصحابة، وابنُ مُطِيع من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ هشام (٥) آمنة (٦) بنت أبي الخِيار من بني ليث. وُلد عبدُ الله على عهد رسول الله ﷺ . ولما ولَّى عبدُ الله بن الزُّبير الكوفةَ ابنَ مطيع (٧) وقَدِمَها؛ لَقِيَ عُمر بنَ سَعْد (٨)، فقال: وَيحك! اخْتَرْتَ الرَّيَّ على قتل ابن رسول الله ﷺ فقال: قد أَعْذَرْتُ إلى الحسين، فلم يقبل، وكانت أمورٌ قد قُضيت من السماء (٩).

стр. 4064

وكان الشعبي كاتبًا لابن مطيع (١). وقال مطيع (٢): رأيتُ في المنام أنه أُهْدِيَ إليّ جِرابٌ فيه تمرٌ، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "تلدُ امرأتُك غلامًا". فولدَتْ عبدَ الله، فأتيتُ به رسولَ الله ﷺ ، فدعا له (٣). وكان عبد الله من جِلَّة قريش شجاعةً وجَلَدًا، وكان أميرَ أهل المدينة يومَ الحَرَّة. [وقيل: إنما كان أميرًا] على قريش (٤). ولمَّا هربَ يوم الحَرَّة دخل بيتَ امرأة في المدينة، فاخْتَبَأَ (٥) في رَفٍّ، فدى خل عليها رجلٌ من أهل الشام، فراودَها عن نفسها، فاستغاثت بعبد الله، فنزل، فقتله. وذكر عبدُ الملك عبدَ الله بنَ مطيع، فقال: نجا من مسلم بن عُقبة يومَ الحَرَّة، ولحقَ بابن الزبير بمكة، فنجا، ولحقَ بابعراق، قد كثَّر علينا في كل وجه، ولكن من رأيي الصفحُ عنه وعن غيره من قومي، إنَّما أقتلُ بهم نفسي (٦). ذكر وفاته قيل: إنه توفِّي قبلَ قَتْلِ ابن الزبير بيسير، وقيل: قُتل يومَ قُتل ابنُ الزبير، وقيل: خرج ومات من جراحة (٧)، فصلَّى عليه الحجَّاج وقال: اللهمَّ إنَّ هذا عدوُّك، كان مُعاديًا لأوليائك، مواليًا لأعدائك، فاملأ قبرَه نارًا.

стр. 4065

فولد عبدُ الله بنُ مطيع إسحاقَ؛ لا بقيَّةَ له، ويعقوبَ، وأمُّهما رَيطة بنتُ [عبد الله بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة. ومحمدًا، وعمران، وأمُّهما أمُّ عبد الملك بنت] عبد الله بن خالد بن أسيد. وإبراهيمَ، وبُرَيهَة، وأمُّهما أمُّ ولد. [وإسماعيلَ، وزكريا، وأمُّهما أمُّ ولد]. وفاطمةَ، وأمُّها أمُّ حكيم بنت عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وأمَّ سَلَمة، وأمَّ هشام، وأمُّهما ابنةُ خِراش من خُزاعة (١). وفي عمران بن عبد الله بن مطيع يقولُ ابن هَرْمة: وأهْدِ اليومَ منكَ محبَّراتٍ … إلى عمرانَ واقْدَمْ بالسُّعودِ إلى متحيِّز الأعراق يحوي … طريفَ المكرماتِ مع التَّلِيدِ (٢) وكان لعبد الله بن مطيع إخوة: عبد الرحمن، وسليمان، ومسلم (٣)، والزُّبير، بنو مطيع. فأمَّا عبد الرحمن؛ فأمُّه أمّ كلثوم بنتُ معاوية بن عروة، من الدِّيل بن بكر، وله عقب. وأمَّا سُليمان؛ فقُتلَ يومَ الجمل، وأمُّه أمُّ هشام آمنة بنت أبي الخِيار من بني ليث، وله عقب (٤). مالك بن أوس ابن الحَدَثان، أحدُ بني نصر بن معاوية، من هَوازن. قيل: له صحبة. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الأولى من التابعين (٥).
следующие страницы →