← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

قال الشعبي: وهو الحَكَم بنُ أبي العاص (١). وروى ابنُ الزُّبير عن عُمر، وعُثمان، وأبيه الزُّبير، وأمِّه أسماء، وخالتِه عائشة ﵃. وروى عنه أخوه عُروة، وابناه عامر وعبَّاد، وابنُ أخيه محمدُ بنُ عُروة، وعَطاء، وطاوس، وعَمرو بنُ دينار، وابنُ أبي مُلَيكة، وأبو الزُّبير المكّي، والشَّعبي، وعَبِيدة السَّلْماني، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وثابت البُناني، وسِماك بنُ حَرْب في آخرين. وأقام ابنُ الزبير بمكة تسع سنين يحجُّ بالناس، وقيل: عشر سنين. وكان يتمثلُ دائمًا بقول أبي ذُؤيب الهُذَليّ: أَمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تَتَوجَّعُ … والدَّهْرُ ليس بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ وأبو ذؤيب اسمُه خُويلد بن خالد، شاعرٌ مخضرم، أدرك الجاهلية، وقدمَ المدينة وقد توفي رسول الله ﷺ . [وغزا الروم] (٢) في خلافة عمر ﵁، وكان أشعَرَ هُذَيل. وهذان البيتان من قصيدة رَثَى بها بَنِيه، وكان قد مات له خمسةٌ في عام واحد، وكان عبد الله بنُ الزُّبير يحبُّه. ومات بإفريقية، وتولَّى دفنه عبد الله بن الزُّبير. وقيل: مات في خلافة عثمان رضوان الله عليه بطريق مكَّة. وقيل: مات ببلاد الروم، ولا يُعلمُ وراءَ قبره قبر آخر من المسلمين غيره. والله أعلم (٣). عبد الله بن أبي حَدْرَد سلامة، أبو محمد الأسلمي، له صحبة مع رسول الله ﷺ ورواية، وكان في خيل خالد بن الوليد لمَّا أصاب بني جُذيمة. روى عن عمر بن الخطاب ﵁، وشهدَ معه الجابية.

стр. 4062

وروى عنه أبو بكر بنُ محمد بن عَمرو بن حَزْم، وغيره. وتوفي سنة اثثتين وسبعين، وقيل: سنة إحدى وسبعين (١) عبد الله بن صفوان ابن أمية بن خَلَف الجُمحيّ، من الطبقة الأولى (٢) من التابعين من أهل مكة، روى عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. [هذه صورة ما ذكر ابن سعد. وذكره الزُّبير بن بكَّار وقال:] وكان يسمَّى عبد الله الطويل (٣)، وأُمُّه برزة بنت مسعود بن عمرو، ثقفية. [قال:] وكان من أشراف قريش؛ وفد على معاوية هو وأخوه عبد الرحمن الأكبر. [ذكره ابنُ عساكر وقال:] كانت له دارٌ بدمشق في الزُّقاق المعروف بابن صفوان (٤). [قال:] ووُلدَ على عهد رسول الله ﷺ ، وكان من أصحاب ابن الزبير ممَّن قاتلَ معه. وقال لابن الزُّبير (٥): والله ما قاتلتُ معك، وإنَّما قاتلتُ عن ديني، فقُتلا في يوم واحد. [وقال خليفة:] قُتل ابنُ صفوان وهو متعلِّق بأستار الكعبة (٦). [وقال الحُميدي: حدَّثَنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: رأيتُ رأسَ ابنِ الزُّبير، وابنِ صفوان، وابنِ مطيع بالمدينة والصبيانُ يلعبون برؤوسهم، وقُتل الثلاثة في يوم واحد (٧). أسند عبد الله بن صفوان الحديث عن حفصة زوجة رسول الله ﷺ ].

стр. 4063

وكان لعبد الله بن صفوان من الولد: عَمرو، وصفوان، وهما من الطبقة الثانية من أهل مكة. فأمَّا عَمرو؛ فأمُّه بنتُ مطيع بن شُريح من بني كلاب (١). روى عنه عَمرو بن دينار، والزُّهْري، وكان قليلَ الحديث (٢). وأمَّا صفوان؛ فأُمُّه حِقَّة بنتُ وَهْب بن أميَّة بن أبي الصَّلْت الثقفي، وروى عنه الزُّهْريّ (٣)، وكان قليل الحديث. وكان لصفوان من الولد: عبد الله وأميَّة، وأمُّهما أمُّ الحَكَم بنتُ أميَّة بن صفوان (٤). عبد الله بن مطيع ابن الأسود بن حارثة بن نَضْلة بن عَوْف بن عَبِيد بن عَويج بن عديّ بن كعب، وأبوه مطيع من الصحابة، وابنُ مُطِيع من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ هشام (٥) آمنة (٦) بنت أبي الخِيار من بني ليث. وُلد عبدُ الله على عهد رسول الله ﷺ . ولما ولَّى عبدُ الله بن الزُّبير الكوفةَ ابنَ مطيع (٧) وقَدِمَها؛ لَقِيَ عُمر بنَ سَعْد (٨)، فقال: وَيحك! اخْتَرْتَ الرَّيَّ على قتل ابن رسول الله ﷺ فقال: قد أَعْذَرْتُ إلى الحسين، فلم يقبل، وكانت أمورٌ قد قُضيت من السماء (٩).

стр. 4064

وكان الشعبي كاتبًا لابن مطيع (١). وقال مطيع (٢): رأيتُ في المنام أنه أُهْدِيَ إليّ جِرابٌ فيه تمرٌ، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "تلدُ امرأتُك غلامًا". فولدَتْ عبدَ الله، فأتيتُ به رسولَ الله ﷺ ، فدعا له (٣). وكان عبد الله من جِلَّة قريش شجاعةً وجَلَدًا، وكان أميرَ أهل المدينة يومَ الحَرَّة. [وقيل: إنما كان أميرًا] على قريش (٤). ولمَّا هربَ يوم الحَرَّة دخل بيتَ امرأة في المدينة، فاخْتَبَأَ (٥) في رَفٍّ، فدى خل عليها رجلٌ من أهل الشام، فراودَها عن نفسها، فاستغاثت بعبد الله، فنزل، فقتله. وذكر عبدُ الملك عبدَ الله بنَ مطيع، فقال: نجا من مسلم بن عُقبة يومَ الحَرَّة، ولحقَ بابن الزبير بمكة، فنجا، ولحقَ بابعراق، قد كثَّر علينا في كل وجه، ولكن من رأيي الصفحُ عنه وعن غيره من قومي، إنَّما أقتلُ بهم نفسي (٦). ذكر وفاته قيل: إنه توفِّي قبلَ قَتْلِ ابن الزبير بيسير، وقيل: قُتل يومَ قُتل ابنُ الزبير، وقيل: خرج ومات من جراحة (٧)، فصلَّى عليه الحجَّاج وقال: اللهمَّ إنَّ هذا عدوُّك، كان مُعاديًا لأوليائك، مواليًا لأعدائك، فاملأ قبرَه نارًا.

стр. 4065

فولد عبدُ الله بنُ مطيع إسحاقَ؛ لا بقيَّةَ له، ويعقوبَ، وأمُّهما رَيطة بنتُ [عبد الله بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة. ومحمدًا، وعمران، وأمُّهما أمُّ عبد الملك بنت] عبد الله بن خالد بن أسيد. وإبراهيمَ، وبُرَيهَة، وأمُّهما أمُّ ولد. [وإسماعيلَ، وزكريا، وأمُّهما أمُّ ولد]. وفاطمةَ، وأمُّها أمُّ حكيم بنت عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وأمَّ سَلَمة، وأمَّ هشام، وأمُّهما ابنةُ خِراش من خُزاعة (١). وفي عمران بن عبد الله بن مطيع يقولُ ابن هَرْمة: وأهْدِ اليومَ منكَ محبَّراتٍ … إلى عمرانَ واقْدَمْ بالسُّعودِ إلى متحيِّز الأعراق يحوي … طريفَ المكرماتِ مع التَّلِيدِ (٢) وكان لعبد الله بن مطيع إخوة: عبد الرحمن، وسليمان، ومسلم (٣)، والزُّبير، بنو مطيع. فأمَّا عبد الرحمن؛ فأمُّه أمّ كلثوم بنتُ معاوية بن عروة، من الدِّيل بن بكر، وله عقب. وأمَّا سُليمان؛ فقُتلَ يومَ الجمل، وأمُّه أمُّ هشام آمنة بنت أبي الخِيار من بني ليث، وله عقب (٤). مالك بن أوس ابن الحَدَثان، أحدُ بني نصر بن معاوية، من هَوازن. قيل: له صحبة. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الأولى من التابعين (٥).

стр. 4066

ويقال: إنه ركَبَ الخيل في الجاهلية، ولكن تأخَّر إسلامُه. وروى عن عُمر، وعثمان ﵂، ومات بالمدينة في هذه السنة (١). مالك بن مِسْمَع أبو غسان الرَّبَعيّ البصريّ، من الطبقة الأولى من التابعين. وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وكان حليمًا رئيسًا، وفد على معاويةَ، فلم يأذن له؛ لأنه جرى بينه وبين زياد كلام في العطاء، ثم أَذِنَ للأحنف، والمُنذر بن الجارود، وجماعة من أعيان البصرة، ثم أَذِنَ لمالك في آخرهم، فدخلَ ومشى قليلًا قليلًا، فأخذوا أماكنَهم. وجاء مالك، فوقفَ بين يدي معاوية، فقال له معاوية: أبو غسان؟ قال: نعم. قال: إليَّ إليَّ. فأجلَسه معه على سريره، فقامَ رجل من بكر بن وائل، فقال لمعاوية: أتُجلسُ هذا معك وقد فعل بعاملك ما فعل من خروجه عليه في أمر العطاء؟! فقال أبو غسان للرجل: وما يمنعُه أن يُجلسَني معه على سريره وأنتَ ابن عمي؟! فخرج الناس ومالك بن مِسْمَع سيِّدٌ بحلمه، وإكرامِ معاويةَ إيَّاه، ومعرفتِه بفضله (٢). وكان من أقران عبد الله بن الزُّبير. وقال عبد الملك بنُ مروان لابن مطاع (٣): أخبِرْني عن مالك بن مِسْمَع. فقال: لو غضبَ لَغضب معه مئةُ ألفِ سيف، لا يسألونه لِمَ غضب. فقال عبد الملك: هذا -وأبيكَ- السُؤدُد. ولم يلِ مالك ولايةً لسلطان أبدًا، وقتَلتْه الخوارج لمَّا انهزم عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد كما تقدَّم (٤).

стр. 4067

السنة الرابعة والسبعون فيها كتبَ عبدُ الملك إلى الحجّاج يأمرُه بنقض الكعبة وإعادتها إلى ما كانت عليه، فكتب الحجاج إليه: يا أمير المؤمنين إن البناء الذي وضعَه ابنُ الزُّبير قد وقفَ عليه العُدول من أهل مكة. فكتب إليه [عبد الملك]: لسنا من تلطيخ ابنِ الزُّبير في شيء. فنقضَ الحجاجُ الكعبة. وأعادها إلى البناء الأول [الذي] هو قائم اليوم (١). وفيها ولَّى عبدُ الملك الحجَّاجَ المدينةَ مضافًا إلى مكة (٢) والطائف. وقيل: إنما ولَّاه إيَّاها بعد قتل ابن الزبير، فأقام بها شهورًا (٣) بعد عزل طارق [بن عمرو]، ثم خرجَ إلى مكة معتمرًا، وانصرف إلى المدينة في صفر من هذه السنة، فأقام بها ثلاثة أشهر يعبثُ بأهلها، ويستخفُّ بهم وبأصحاب رسول الله ﷺ . حدَّثَ ابنُ أبي ذئب أنه رأى (٤) جابرَ بن عبد الله مختومًا في يده بالرَّصاص. وقيل: في عنقه. وحدَّثَ إسحاقُ بن يزيد أنه رأى أنس بنَ مالك مختومًا في عنقه، يريد أن يُذِلَّه بذلك. ودعا سهلَ بنَ سعد، فقال: ما منعك أن تنصر أميرَ المؤمنين عثمان؟ فقال: قد فعلتُ. فقال: كذبتَ. ثم أمرَ به فخُتم في عنقه برصاص (٥). فقال أنس بن مالك: إن أهل الذِّمَّة لا يجوزُ أن يُفعل بهم مثلُ هذا! (٦).

стр. 4068

وفيها كتب عبدُ الملك إلى أخيه بِشْر بن مروان إلى البصرة أن يولِّيَ المُهَلَّبَ بن أبي صُفْرة قتال الخوارج، ويندب معه من أعيان فرسان البصرة والكوفة. فدعا بِشْرُ المهلَّبَ، فأوقفه على الكتاب، وأمرَه أن ينتخبَ من شاء، وشَقَّ على بِشْر أنَّ إمْرَةَ المهلَّب جاءت من قِبَل عبدِ الملك، ولا يقدرُ على مخالفته، فأوغَرَتْ صدرَه على المهلَّب. ودعا بشرٌ عبدَ الرحمن بن مِخْنَف وقال: قد عرفتَ منزلَتَك عندي ومكانك، وقد ولَّيتُك على جند الكوفة [فكن] عند إحسان ظنِّي بك، وانظر إلى هذا الكذا وكذا -يقع في المهلَّب- فلا تلتَفِتَنَّ إليه، ولا تقبلنَّ له مشورة، وتَنَقَّصْه. قال عبد الرحمن: فأخذ يُغْريني بابن عمتي المهلَّب، وتركَ وصيَّتي بالجند وقتال العدوّ، والنظر للإسلام، فلم أنشط إِلى قوله، وقلت: هذا الغلام يستصبيني وأنا شيخ. فلما رآني غيرَ مقبل على كلامه قال: ما الذي بك؟ قلت: وهل يسعُني إلا إنفاذُ أمرك في كلِّ ما أحببتُ وكرهت؟ قال: امْضِ في دَعَةِ الله. فخرج المهلَّب بأهل البصرة، فنزلَ رامَهُرْمُز، وخرج عبد الرحمن بأهل الكوفة، فنزل قريبًا من المهلَّب، فأقاموا عشَرة أيام، وجاء نعي بِشْر، وكان قد استخلف بِشرٌ على البصرة خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد. ولمَّا وصلَ الخبرُ بوفاة بِشر تسلَّل كثيرٌ من أهل البصرة والكوفة، فكان ممَّن تسلَّل من أهل الكوفة زَحْرُ بنُ قيس، وإسحاقُ بنُ محمَّد بن الأشعث، ومحمد بنُ عبد الرحمن بن سعد (١) بن قيس. فبعث عبدُ الرحمن بنُ مِخْنَف ابنَه جعفرًا في آثارهم، فردَّ إسحاق ومحمدًا، وفاتَه زَحْر بنْ قيس، فحبسهما أيامًا (٢)، ثم أخذ عليهما العهد أن لا يُفارقاه، ثم أطَلَقهما، فهربا إلى الأهواز، وبها زَحْرُ بنُ قيس، واجتمع [بها] ناس كثير يريدون البصرة.

стр. 4069

وبلغ خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد، ذهب إلى الناس كتابًا يخوِّفُهم اللهَ تعالى، وسطواتِ عبد الملك، ويحثُّهم على جهاد الخوارج، ويقول في آخره: وواللهِ لا أقعُ بعد كتابي هذا على عاصٍ إلا قتلتُه. فلم يلتفتوا إلى كتابه، وسار زَحْرُ بنُ قيس وإسحاق ومحمد إلى الكوفة، وكان عليها عَمرُو بنُ حُرَيث خليفة بِشر، فنزلوا قريبًا منها، وكتبوا إلى عَمرو بنِ حُرَيث: أما بعد، فإنَّ الناس لمَّا بلغَهم وفاةُ بِشر تفرَّقوا، ولم يبق معنا أحد، فأقبَلْنا إلى مِصْرِنا، وأحبَبْنا أن لا نَدخل إلا بإذنٍ منك. والسلام. فكتب إليهم: أما بعد، فإنَّكم تركتُم مركزكم (١)، وأقبلتُم عاصين مخالفين، وليس لكم عندي إذن. والسلام. فأقاموا إلى الليل، ثم دخلوا إلى بيوتهم، فلم يزالوا مقيمين حتى دخلَ الحجَّاجُ الكوفة (٢). وفيها عزل عبدُ الملك بُكيرَ بنَ وشاح عن خُراسان، وولَّاها أميةَ بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان السببُ في عزل بُكير بعد أن أقام واليًا على خراسان ثلاث سنين (٣)، وكان بُكير قد حبس (٤) بَحِير بنَ وَرْقاء (٥) خوفًا من الفتنة منذ قُتل عبدُ الله بنُ خازم، فلم يزل محبوسًا إلى هذه السنة، وكانت البطونُ قد اختلفت بخُراسان والقبائلُ، فصار بعضُهم مع بُكير، وبعضُهم مع بَحِير، فخاف أهلُ خُراسان من الفتنة وفساد البلاد، فكتبوا إلى عبد الملك: إن خُراسان لا تصلح إلا لرجل من قريش، لا من تميم.

стр. 4070

وعلم بُكير بنُ وِشاح، فأرسلَ إلى بَحِير بن وَرْقاء يسألُه الصُّلْح، فأبى عليه، وقال: ظنَّ بُكَير أنَّ خُراسانَ تبقى له في الجماعة!. فدخل ضرار بنُ حصين على بَحِير بن وَرْقَاء وهو في السجن، فقال له: ألا أراك مائقًا (١)؟! يُرسِلُ إليك ابنُ عمِّك يعتذرُ إليك وأنتَ أسيرٌ في يديه ولا تقبلُ عذره! لو قَتَلَكَ كان ماذا؟! ما أنتَ بموفَّق، صالِحْهُ، واخرجْ وأنتَ على أمرك. فأجابَ، وصالحَ بُكيرًا، وأرسل [بُكير] له مالًا على أن لا يُقاتلَه، وأخذَ عليه العهد (٢). وأمَّا عبد الملك؛ فإنه لما قرأَ كتابَ أهلِ خُراسان، استدعى أميةَ بنَ عبد الله بن خالد بن أسيد، وقال: إن خُراسان ثَغْرُ المشرق، وقد كان به من الشَّرّ ما كان، وعليه هذا التميميّ (٣)، وقد اختلف [الناس] وأخاف أن يعودوا إلى ما كانوا عليه، وقد سألوني أن أُوَلِّيَ عليهم رجلًا من قُريش يَسمعوا له ويُطيعوا، فقال له أمية: فتَدارَكْهم يا أمير المؤمنين برجل منك، فقال: لولا انحيازُك عن أبي فُدَيك الخارجيّ لكنتَ ذاك الرجل -وكان أبو فُديك قد هزمَ أمية- فقال: واللهِ ما انحزتُ حتى خذلني أصحابي وهرب الناس، فأردتُ أن أنحاز إلى فئة، وقد كتب إليك خالد بن عبد الله بعذري. فولَّاه خُراسان، فقال الناس: ما رأينا أحدًا عُوِّضَ من هزيمةٍ ما عُوِّضَ أُميَّة، فرَّ من أبيِ فُدَيك، فاستُعمل على خُراسان. ولما قَرُب أمية من خُراسان أنشدَ رجل من بكر بن وائل في مجلس (٤) بُكير بن وشاح: أتتك العِيسُ تنفُخ في بُراها … تَكَشَّفُ عن مناكبها القُطوعُ

стр. 4071

كأنَّ مواقعَ الأكوار منها … حمامُ كنائسٍ بُقْعٌ رقوعُ (١) بأبيضَ من أميَّةَ مَضْرَحِيٍّ … كأنَّ جبينَه سيفٌ صنيعُ (٢) وخرج بَحِير بن ورقاء على غير الجادَّة، فالتقى أمية على أبْرَشَهْر، فأخبره عن خُراسان وما يُصلح أهلَها، ورفع على (٣) بُكير بن وشاح أموالًا عظيمة، وحذرَه غدره. وكان أميَّةُ سيِّدًا كريمًا، فلم يعرض لبُكير ولا لعمَّاله، وعزمَ على أن يولِّيَهُ شُرطتَه، فامتنَع بُكير، فولَّاها بَحِيرَ بنَ ورقاء، فلام بُكيرًا رجالٌ (٤) من قومه، وقالوا: ولَّاك شرطته، فلم تفعل حتى ولَّاها بَحِيرًا، وقد عرفتَ ما بينكما! فقال: كنتُ بالأمس واليَ خُراسان تُحمل الحِرابُ بين يديَّ، فأصيرُ اليومَ أَحملُ الحَرْبَة!. ثم قال أميَّة لبُكير: اختر من البلاد ما شئتَ، فقال: طخارستان. فقال: هي لك، فتجهَّزَ بُكير، وأنفق مالًا كثيرًا، فقال بَحِير لأميَّة: إنْ صار إلى طخارستان خلعَك. ولم يزل يحذِّره حتى أمرَ أميَّةُ بكيرًا أن يُقيم، فأقام (٥). وحجَّ بالناس [في هذه السنة] (٦) الحجّاج بنُ يوسف، وكان أميرًا على مكة والمدينة والطائف. وكان على قضاء المدينة عبدُ الله بنُ قيس بنِ مَخْرمة، وعلى الكوفة عَمرو بن حُريث، وعلى قضائها شُريح، وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن أسيد (٧)، وعلى قضائها هشام بن هُبيرة، وعلى خُراسان أمية بن عبد الله بن خالد.

стр. 4072

ويقال: إنَّ عبدَ الملك اعتمرَ في هذه السنة، ولا يصحّ (١). وفيها توفِّي بِشْرُ بن مروانَ ابنِ الحَكَم بن أبي العاص، وأمُّه قُطَيَّة (٢) بنتُ بِشْر بن عامر مُلاعب الأسنَّة أبي براء بن مالك بن جعفر بن كلاب. وكنيته أبو مروان، وكان منقطعًا إلى أخيه عبد العزيز، فلما وليَ عبدُ الملك الخلافةَ استجفاه [بشر] فقال: سيُغنيني الذي أغناك عنِّي … ويُفْرِجُ كُربتي وَيرُبُّ حالي إذا بلّغتَني وحملتَ رَحْلي … إلى عبد العزيز فما أُبالي (٣) [وذكره أبو القاسم ابن عساكر وقال:] (٤) وكانت له دار بدمشق بعقبة الصُّوف، وإليه يُنسب دَير بِشْر الذي عند حَجِيرا (٥). وقتلَ خالدَ بنَ الحُصين الكلابي يوم المَرْج (٦). وكان عبد الملك أقام بمَسْكِن بعد ما قَتَل مصعبًا خمسين ليلة، ثم ولَّى الكوفةَ قَطَنَ ابن عبد الله (٧) الحارثي، وخرج إلى الشام، فعزلَ قَطَنًا، وولَّى أخاه بِشْرَ بنَ مروان، ثم جمعَ له بين الكوفة والبصرة.

стр. 4073

[قال:] فقدمَ بِشْرٌ البصرةَ لهلال ذي الحِجَّة سنة ثلاث وسبعين (١). [قال:] ولم يكن لِبابِهِ بوَّاب، وكان يقول: إنما تحتجبُ النساء (٢). [وقال الهيثم:] وكان طَلْقَ الوجه، جوادًا، ممدَّحًا، وكان يُجيز على الشعراء بألوف، ومدحه الفرزدق والأخطل وجرير. وفيه يقول الأخطل: حتى (٣) استوى بشر على العراقِ … من غير سيفٍ ودمٍ مِهْراقِ (٤) وفيه يقول جرير: بَعِيدُ مُرادِ الطَّرْفِ لم يَثْنِ طَرْفَهُ … حِذارَ الغَوَاشي بابُ دارٍ ولا سترُ ولو شاء بِشْرٌ حَلَّ مِنْ دونِ بابِه … طماطمُ سودٌ أو صقالبةٌ حُمْرُ (٥) [قال المدائني:] وقحط الناسُ في أيام بِشْر، فاستسقى وهو معهم بالكوفة، فمُطروا، فقال سُراقة [بن مرداس] البارقي [في ذلك]: دعا الرحمنَ بِشْرٌ فاستجابا … لدعوتِه فأسقانا السَّحَابا وكان دعاءُ بِشرٍ صَوْبَ غَيثٍ … يُعاشُ به ويُحيي من أصابا [قال:] ثم مرَّ بشرٌ بسُراقة بعد ما سُقوا، فرأى الماءَ يدخلُ في داره وهو يحوِّلُه بمِسْحَاة، فقال بشر: يا سُراقة، ما هذا؟ فقال: هذا ولم ترفَعْ يَديك بالدعاء، فلو رفعتَهما لجاءنا الطُّوفان! فضحك بشر (٦). وهو أول من أحدث الأذان للعيد بالكوفة، فأنكر الناس ذلك وأعظموه (٧).

стр. 4074

ذكر وفاته: [قال المدائني:] كان قد شرب البناذر (١) بطُوس، وقدم البصرة عليلًا، فلما اشتدَّت به العلَّة استدعى بيادوق (٢) الحكيم، وقال له: اكشف مرضي، فأخذ بيادوق يغمز أعضاءه عضوًا عضوًا، فحبسَ جميعَ بدَنهِ وهو مُلْقًى، ثم أخذَ خيطًا من إبْرَيسَم، وربط فيه قطعةً من لحم، وقال: ابْلَعْها. فبلَعَها، ثم أخذ يغمزُ أطرافَه وجسمَه ساعة، ثم غافلَه وجذَبَها، فطلَعَتْ وعليها دُود، فقال: أيُّها الأمير، اعْهَدْ عهدَك، واكتُبْ وصيَّتَك فقد وقَعَت الأَكَلَةُ في جوفك. فقال بشر: واللهِ لقد كَنَنْتُ (٣) نفسي من الحَرِّ بالثلوج والبادهنجات (٤) والأماكن الباردة، وكَنَنْتُها في البرد باللُّبُود والنيران والأماكن الحامية خوفًا من مثل هذا، فقال له بيادوق الحكيم: لا جرم فعلتَ بنفسك هذا، ومنه أُتِيتَ. قال: ولمَ؟ قال: لأنَّ الله أجرى العادةَ أنَّ الأبدانَ لا تقوم إلا بالحَرِّ والبرد، وهذا قانونُ الحكمة الإلهية، فعكَسْتَه أنتَ، فأصابَك هذا (٥). [وقال هشام:] ولما احتُضر [بِشْر] جعل يبكي ويقول: واللهِ وَدِدْتُ أني كنتُ عبدًا حبشيًّا لِأسوأ أهلِ البادية؛ أرعى غنمهم ولا أدخلُ فيما دخلتُ فيه. وبلغ الحسنَ البصريّ فقال: الحمد لله الذي جعلهم يفرُّون إلينا عند الموت، ولا نفرُّ إليهم، إنهم لَيَروْن فينا غِيَرًا، وإنَّا لَنرى فيهم عِبرًا (٦). [وذكر ابن أبي الدنيا أن القائل لهذا الكلام سفيان الثوري] (٧).

стр. 4075

[قلت: حكى أبو القاسم ابن عساكر عن أبي مُسهر، عن الحَكَم بن هشام حكايةً غريبةً في وفاة بِشْر بن مروان؛ قال الحَكَم: ولَّى عبدُ الملك بنُ مروان أخاه بِشْرَ بنَ مروان العراقَين، فلما وصلَ إلى العراق كتب إليه: يا أمير المؤمنين، قد شغلتَ إحدى يديّ -وهي اليسرى- وبقيَتْ اليمنى فارغة، لا شيءَ فيها. فكتب إليه عبد الملك: قد شغلتُ يمينك بمكةَ والمدينةِ والحجازِ واليمن. فما بلغه الكتاب حتى وقعت القَرْحةُ في يمينه، فقيل له: اقْطَعْها من مَفْصلِ الكَفّ. فجَزع، فما أمسى حتى بلغت المرفق، فأصبح وقد بلغت الكتف، وأمسى وقد خالطت الجوف]. وكتبَ بشر إلى عبد الملك: أمَّا بعد، يا أمير المؤمنين، فإني كتبتُ إليك وأنا في أوَّل يوم من أيام الآخِرة، وأخِرِ يوم من أيَّام الدنيا. وكتب في أسفله: شكوتُ إلى الله الذي قد أصابني … من الضُّرِّ لمَّا لم أَجِدْ لي مُدَاويا فؤادٌ ضعيفٌ مستكين لِما بِهِ … وعظمٌ بدا خِلْوًا من اللحم عاريا فإنْ مِتُّ يا خيرَ البريَّةِ فالْتَمِسْ … أخًا لك يُغني عنك مثلَ غَنَائيا يُواسيك في السَّرَّاء والضُّرِّ جَهْدَهُ … إذا لم تجِدْ عند البلاءِ مُواسِيا فجَزعَ (١) عبدُ الملك، وأمرَ الشعراءَ فرَثَوْه (٢). [قلت: وهذه الحكاية وهم؟ لإجماع المؤرخين أن صاحب الأَكَلة في يده إنما هو زياد بنُ أبيه. أمَّا بِشْرُ بنُ مروان فمات بغير هذه العلة كما قال المدائني] (٣). وقال الحسن البصري (٤): قدم علينا بِشْر بن مروان البصرة -وهو أبيضُ بَضٌّ، ابنُ خليفة، وأخو خليفة- واليًا على العراق، فأتيتُ دارَه، فلما نظر إليَّ الحاجبُ قال: يا شيخ، مَنْ أنت؟ قلت: الحسن. قال: ادْخُلْ ولا تُطل الحديثَ مع الأمير، واجعل

стр. 4076

الكلامَ يدور بينك وبينه جوابًا، لا (١) تُثقل عليه. قال: فدخلتُ، وإذا بِشْرٌ على سرير، عليه فَرْشٌ قد كادَ أن يغوصَ فيها، وعلى رأسه رجلٌ قائم مُتَّكئ على سيف، فسلَّمتُ عليه، فقال: مَن أنتَ يا شيخ؟ قلت: الحسن. قال: فقيهُ هذه المَدَرَة؟ قلت: نعم. قال: فاجلسْ، ثم قال: ما تقول في زكاة أموالنا؟ أندفعُها إلى السلطان، أم إلى الفقراء؟ فقلتُ: أيَّ ذلك فعلتَ أجزأَك، فتبسَّم، ثم رفعَ رأسَه إلى القائم على رأسه وقال: لأمرٍ ما يسودُ مَنْ يسود. وجعل يُديمُ النَّظَرَ إليَّ، فإذا أقبلت بطَرْفي إليه؛ شغلَ طَرْفَه عنّي، وإذا مِلْتُ عنه صوَّب فيَّ النَّظَر، ثم قمت واستأذنتُ في الانصراف، فقال لي: مُصاحَبًا محفوظًا. ثم عُدْتُ إليه آخِرَ النهار وقد انحطَّ من سريره وهو يتململ، فقلت: ما للأمير؟ قالوا: محموم. فلما كان من الغد اجتزتُ بباب القصر، وإذا النَّواعي تنعاه، وقد جُزَّتْ نواصي الخيول والمسوح على العبيد، وأخرجت جنازته، فدفن إلى جانب سالم (٢) بن زياد. ومات في ذلك اليوم عبدٌ حبشيّ، فدفن إلى جانبه، ثم مَرَرْتُ بعد أيام فلم أُميِّز بين القبرين، فقلت: قبَّحكِ اللهُ من دنيا آخِرُها هذا. وأنشدَ الحسن: والعطياتُ عواري بينَهمْ … وسواءٌ بين مُثْرٍ ومُقِلّ (٣) وجاء الفرزدق وبيده فرس (٤) يقودُه كان قد أعطاه إيَّاه بشرٌ، فلما دُفن؛ عقَرَه على قبره وقال: أعيناي إلَّا تُسعداني أَلُمْكُما … فما بعدَ بِشْرٍ من عَزَاءٍ ولا صَبْرِ ألم ترَ أن الأرض دُكّتْ جبالُها … وأنَّ نجومَ الليلِ بعدَك لا تسري ستأتي أميرَ المؤمنين مصيبةٌ … وتمضي إلى عبد العزيز إلى مصرِ بأنَّ أبا مروان بشرًا أخاكما … ثَوَى غير متبوع بمنٍّ ولا غَدْرِ

стр. 4077

ولو أن قومًا قاتَلُوا الموتَ قبلَنا … بشيءٍ لقاتلنْا المنيَّةَ عن بِشْرِ ولكنْ فُجِعْنا والرَّزِيَّةُ مثلُه … بأبيضَ ميمونِ النَّقِيبةِ والأمرِ فإن لا تكنْ هندٌ بكَتْه فقد بكَتْ … عليه الثُّرَيَّا في كواكبها الزُّهْرِ ولا أحدٌ ذو فاقةٍ كان مثلَنا … إليه ولكنْ لا بقيَّةَ للدهرِ أقول لِمَحْبوكِ السَّرَاةِ مُعاودٍ … سِبَاقَ الجِيادِ قد أُمِرَّ على شَزْرِ ألستَ مَلُولًا إنْ ركبتُك بعدَهُ … ليومِ رِهانٍ أو غدوتَ معي تجري حلفتُ له لا أركبُ الدهرَ بعدَه … على فرسٍ حتى يكُوسَ على القبرِ (١) كاسَ الفرسُ والبعيرُ: إذا مشى على ثلاث قوائم وهو مُعَرْقَبٌ (٢). وتوفّي بِشْر في صفر سنة أربع وسبعين بالبصرة، وكان قدومه إليها لهلالِ ذي الحِجَّة سنة ثلاث وسبعين، فكانت ولايته عليها شهرين وأيامًا، ووليَ الكوفةَ ستة أشهر. وقيل: توفّي سنة ثلاث وسبعين. وقيل: وليَ العراق سنة أربع وسبعين، ومات أول سنة خمس وسبعين. والله أعلم (٣). ذكر أولاد بِشر: كان له من الولد: الحَكَم، وأمُّه أمُّ كلثوم بنت أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف. وعبد الملك، وأمُّه هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري، وكان جوادًا (٤). وابناه الحَكَم وأَبان ابنا عبد الملك بن بشر، قُتلا مع ابنِ هُبيرة بواسط (٥).

стр. 4078

وعبد العزيز بن بشر، وأمُّه ابنةُ خالد بن عقبة بن أبي مُعَيط (١)، ولَّاه مسلمةُ بن عبد الملك البصرة، ثم عزله عنها (٢). وليس لبشر بن مروان رواية. جابر بن سَمُرَة ابن جُنادة بن جُنْدب السُّوائي. [قال ابن سعد] (٣) صحبَ أبو سَمُرة رسول الله ﷺ ، ورآه النبيُّ ﷺ في الشمس، فقال له: "تحوَّلْ إلى الظِّلّ، فإنه مبارك". [قال: وحالفَ سَمُرةُ بنُ جُنادة بني زُهْرَة بن كلاب، ونزل الكوفةَ، وله بها عقب. قال: وابنُه جابرُ بنُ سَمُرة كنيتُه أبو عبد الله، وكان له من الولد خالد، وطليحة، وسالم (٤). ونزل جابرٌ الكوفة أيضًا، وابتنى بها دارًا في بني سُواءة بن عامر، وتوفّي بالكوفة في خلافة عبد الملك بن مروان، وقد روى عن رسول الله ﷺ أحاديث] (٥). و [ذكر ابن سعد] (٦) جابر [بن سَمُرة] وأباه سَمُرَة من الطبقة الرابعة من الصحابة الذين أسلموا من قبائل العرب. [ورجع من رجع منهم إلى بلاد قومه. هذا صورة ما ذكر ابن سعد. وقال الواقدي:] مات جابرٌ بالكوفة سنة أربع وسبعين [في ولاية بشر بن مروان. وقال البخاري: مات بعد المختار. ولم يعيِّن سنة. قال: وصلَّى عليه عَمرو بنُ حُريث] (٧).

стр. 4079

وقيل: إنه مات في سنة ستّ وسبعين. أسندَ جابر بن سَمُرة الحديث عن رسول الله ﷺ [وأخرج له الإِمام أحمد ثلاثة وثلاثين حديثًا، منها في "الصحيحين" خمسة وعشرون، اتَّفقا على حديثين، وباقيها لمسلم. وليس في الصحابة من اسمُه جابر بن سَمُرَة غيره] (١). وروى عن عُمر، وسَعْد بن أبي وقَّاص، وأبي أيُّوب الأنصاري ﵃، وغيرهم. وسمع خطبةَ عمر رضوان الله عليه بالجابية، وروى عنه الشعبيُّ، وعبدُ الملك بن عُمير، وسِماك بنُ حَرْب في آخرين. [ومن مسانيد جابر: قال الإِمام أحمد بإسناده عن عُبيد الله بن القِبْطِيَّة قال: سمعتُ جابرَ بن سَمُرة يقول: كنَّا خلفَ رسول الله ﷺ إذا سلَّمنا نقول: السلام عليكم، السلام عليكم، يُشير أحدُنا بيده عن يمينه وشماله، فقال رسول الله ﷺ : "ما بالُ الذين يُومِئُون بأيديهم في الصلاة كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ، ألا يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يُسلّم عن يمينه وشماله". انفرد بإخراجه مسلم (٢). ولمسلم أيضًا في هذا الحديث عن جابر بن سَمُرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فأبصرَ قومًا قد رفعوا أيديَهم في الصلاة، فقال: "قد رفعوها كأنَّها أذنابُ الخيل الشُّمْس، اسْكُنُوا في الصلاة" (٣). قلت: وقد اختلف العلماء في رفع اليدين بالتكبير في الصلاة، وقد قرَّرناه في "شرح البداية". وقال الجوهري: الشَّمُوس من الخيل الذي يمنع ظهرَه من الركوب عليه لصعوبته. يقال: فرسٌ شَمُوس، والعامَّة تقول: شَمُوص، بالصاد، وهو غلط. ورجلٌ شَمُوس أيضًا.

стр. 4080

وأما أبوه سَمُرة بن جُنادة؛ فله صحبة ورواية، وليس في الصحابة مَن اسمُه سَمُرة بن جُنادة غيرُه] (١). رافع بن خَدِيج ابن رافع بن عديّ بن تَزِيد بن جُشم بن حارثة الأنصاري، من الطبقة الثانية (٢) من الأنصار، وكنيتُه أبو عبد الله، وأمُّه حليمة بنت عروة بن مسعود، خزرجية. شهد رافعٌ أُحُدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . [قال ابن سعد:] ورُمِيَ يوم أحد [أو: حُنين] (٣) بسهم، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، اِنْزَعِ السَّهْمَ. فقال: "يا رافع، إنْ شِئْتَ نَزَعتُ السهمَ والقُطْبَ جميعًا، وإنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ وتركْتُ القُطْبَ، وشهدتُ لك يومَ القيامة بأنك شهيد". فقال: لا، بل انْزَعِ السَّهْم. فنزع [رسولُ الله ﷺ ] السَّهْم، وترك القُطْب، وهو النَّصْل [ويقال: القُطْبة. وقال ابن سعد بإسناده عن رجاله قال: أصابَ رافعَ بنَ خَدِيج سهمٌ يومَ أُحد في تَرْقُوَتِه إلى عَلَابِيِّهِ، فتركه] لِقولِ رسول الله ﷺ . فكان دهرًا لا يُحِسُّ منه شيئًا، فإذا ضحك فاستغربَ؛ بدا (٤). [قال ابن سعد:] وكان رافع يُحفي شاربَه كأخي الحَلْق (٥). واختلفوا في وفاته، فحكى ابنُ سعد قولين: أحدهما: أنه مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان.

стр. 4081

والثاني: في سنة أربع وسبعين. فأما القول الأول، فقال: حدثنا حفص بن عُمر البصري (١) عن أشياخه، وذكر حديث السَّهم، وأنَّ رسول الله ﷺ نزعَ السهم وترك القُطبة؛ قال: فعاش رافعٌ حياةَ رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، حتى إذا كان في خلافةِ معاوية؛ انتقضَ به ذلك الجُرْح، فمات منه بعد العصر، فأُتيَ ابنُ عمر، فأُخبرَ بموته، فترحَّم عليه وقال: إن مثلَ رافع لا يُخرَج حتى يُؤْذَن مَنْ حولَنا من القُرى. فلما أصبحوا خرجوا بجنازته، حتى إذا صُلِّيَ عليه؟ جاء ابنُ عمر، فقعدَ على رأس القبر، فصرخَتْ مولاةٌ لرافع، فقال ابن عمر: أما لهذه السفيهة -أو الحمقاء- أحد، ثم عادت، فقال: لا تُؤْذوا الشيخَ، فإنَّه لا طاقة له بعذاب الله (٢). [وفي رواية: ومعه امرأةٌ تندبُه، فقال ابن عمر: لا تعذِّبيه، فإن الميِّت يُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه. فقال ابن عباس: إن الميِّتَ لا يعذَّبُ ببكاء الحيِّ عليه. وهذه الرواية ذكرها ابن سعد، فقال: حدَّثنا يزيد بن هارون بإسناده عن يوسف بن ماهَك قال: رأيتُ ابنَ عمر أخذ بعمودَي جنازة رافع، فحمله على منكبيه يمشي بين يدي السرير، حتى انتهى إلى القبر. وقال ابن عُمر: إن الميِّت يعذَّب ببكاء الحيِّ عليه. فقال ابنُ عبَّاس: إن الميِّت لا يُعذَّبُ ببكاء الحيِّ عليه (٣). قلت: فإن صحَّت هذه الرواية؛ فقد مات رافع قبل السبعين؛ لأن ابنَ عبَّاس مات سنة ثمان وستين.

стр. 4082

وفي رواية ابن سعد عن ابن عمر أنه قال عن النساء الباكيات: مُفتِنات الأحياء، مُؤذِيات الأموات (١). والقول الثاني: قال ابنُ سعد بإسناده عن بشير بن يسار قال: مات رافع بن خَدِيج في أوّل سنة أربع وسبعين، وهو ابنُ ستّ وثمانين سنة، وحضر ابنُ عمر جنازته، ومات ابنُ عمر بعده في هذه السنة] (٢). ذكر أولاده: فولدَ رافعٌ سهلًا، وعبدَ الرحمن، ورِفاعة، وعُبيد الله، وزيادًا، وعائشةَ، وأمَّ عَبدِ الله، أُمُّهم أسماءُ بنتُ زياد بن طَرَفة، من النَّمِر بن قاسط. وعبدَ الله، أُمُّه لُبْنى بنت قُوَّة، من قيس عَيلان. وأُسيدًا، وأُمامةَ؛ لأمِّ ولد. وإبراهيمَ، وأمُّه [أمُّ] ضَمْرة بنت أبي حَثْمة، من الأوس. وعبدَ الحميد؛ لأمِّ ولد. وحبابةَ، وأمُّها أمَّ محمَّد بنت محمَّد بن مسلمة، من بني حارثة. ولرافع عقب كثير بالمدينة وبغداد. وكان له أخٌ لأبيه وأمِّه اسمُه رِفاعة، صحبَ رسولَ الله ﷺ ، وله عقب (٣). وعمَّاه: ظُهَير ومُظْهَر ابنا رافع بن عَدِيّ، من الطبقة الثانية من الأنصار. شهد ظُهَير [بن رافع] العقبة مع السبعين [من الأنصار في رواية العلماء باتفاقهم] وأُحُدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وروى عنه حديثًا. [فقال ابن سعد بإسناده عن ظُهير بن رافع الحارثي، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "مَنْ صَلَّى في مسجد قُباء يوم الاثنين والخميس انقلبَ بأجر عُمرة".

стр. 4083

وكان لظُهير بن رافع من الولد: أُسيد، وعُميرة (١)، وأمُّهما فاطمةُ بنتُ بشر بن عديّ، خزرجيَّة، وعبد الرحمن لا عقبله، ولأمّ ولد] (٢). ومُظْهَر [بن رافع] شهدَ أُحُدًا والمشاهدَ كلَّها، وأدركَ خلافة عمر بن الخطاب ﵁. وكان سببَ إجلاء اليهود من خيبر؛ قال ابن سعد: أخبرنا محمَّد بن عمر، حدثني محمَّد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمَة، عن أبيه قال: أقبلَ مُظْهَر بنُ رافع الحارثي بأعلاج من الشام عشرة ليعملوا له في أرضه، فلما نزل خيبر؛ أقام بها ثلاثًا، فحرَّضت يهودُ خيبر الأعلاج على قتل مُظْهَر، فلما خرج من خيبر وصار بِثِبار (٣)؛ وثَبُوا عليه، فقتلوه، وانصرفوا إلى خيبر، فزوَّدتهم يهود، فلحقوا (٤) بالشام، وبلغَ عمرَ ﵁ الخبرُ، فقال: إني خارجٌ إلى خيبر، فقاسمٌ ما كان بها من الأموال، وحادٌّ حدودَها، ومُجْلٍ يهودَ منها، فإنَّ رسول الله ﷺ قال [لهم]: "أُقِرُّكُم ما أَقَرَّكُم الله". وقد أَذِنَ الله في جَلائهم، ففعلَ ذلك بهم (٥). أسند رافع عن رسول الله ﷺ [أحاديث، قال قوم:] ثمانية وسبعين حديثًا. [وأخرج له الإِمام أحمد عشرين حديثًا، منها في "الصحيحين" ثمانية، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة (٦). وليس في الصحابة من اسمُه رافع بن خَدِيج سواه] (٧).

стр. 4084

أبو سعيد الخُدْريّ واسمُه سَعْد بن مالك بن سِنان بن ثعلبة بن عُبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج. [واختلفوا في خُدْرَة، فقال ابن سعد (١): هو الأبجر؛ قال: وزعم بعضهم أن خُدْرَة هي أمُّ الأبجر. وقال هشام: خُدْرَة جدٌّ من أجداده، من غير تعيين. وقيل: إن خُدْرَة قبيلة من اليمن. وأشار إليه الجوهري، فقال: خُدْرَة: حيٌّ من الأنصار، منهم أبو سعيد الخُدري. وقيل: خُدْرَة وخُدارة بطنان (٢) من الأنصار] (٣). واسمُ أمِّه أُنَيسة بنت أبي خارجة [وهو عَمرو بن قيس بن مالك بن عديّ بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجَّار]. وأخو أَبي سعيد الخدري لأُمِّه قتادة بن النعمان الظَّفَري [من أهل بدر]. وأبوه مالك بن سِنان استُشهد يوم أُحد، وكان من الرماة [وقد ذكرناه]. وأبو سعيد من الطبقة الثالثة من الأنصار. [وحكى ابن سعد عن الواقدي قال:] استُصْغِرَ يومَ أُحد، فرُدَّ. قال: [وقال] أبو سعيد: فخرجنا نتلقَّى رسولَ الله ﷺ حين أقبلَ من أُحُد ببطن قناة، فنظرَ إليَّ وقال: "سَعْدُ بنُ مالك؟ " قلت: نعم، بأبي أنتَ وأمِّي، فدنوتُ منه، فقبَّلتُ ركبتَه فقْال: "آجَرَكَ اللهُ في أبيك". وكان قُتِلَ يومئذٍ شهيدًا (٤).

стр. 4085

[وحكى ابن سعد عن الواقدي] قال أبو سعيد: عُرِضْتُ يومَ أُحُد على النبيِّ ﷺ وأنا ابنُ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله، إنَّه عَبْلُ العِظام، وإن كان مُودَنًا (١). وجعلَ رسولُ الله ﷺ يُصعِّدُ فيَّ ويصوِّب، ثم قال: "رُدَّه". فَردَّه. [وقال الواقدي:] وأوَّلُ مغازيه غزوةُ بني المصطلق؛ خرج فيها مع رسول الله ﷺ وهو ابن خمس عشرةَ سنة. [قال:] وشهد الخندق وما بعدها [من المشاهد] مع رسول الله ﷺ (٢). [وقد ذكرنا في غزاة أُحد رَدّ النبي ﷺ له ولغيره]. وكان أبيض الرأس واللحية، ويُحفي شاربَه، ويأتزرُ إلى أنصاف ساقيه، ويلبسُ الخَزّ (٣). [وقد حكَينا عنه أنه يوم الحَرَّة دخل غارًا، فدخل رجل من أهل الشام خلفه ليقتله، فلما قال له: أنا أبو سعيد خرج وتركه. وحكى ابن سعد عن الواقدي، عن يعقوب بن محمَّد، عن هند بنت سعيد بن أبي سعيد (عن أبيها، عن أبي سعيد) قال: لزمتُ بيتي لياليَ الحرَّة، فلم أخرج، فدخل عليَّ نفرٌ من أهل الشام، فقالوا: أيُّها الشيخ، أَخْرِجْ ما عندك. فقلتُ: واللهِ ما عندي مال. قال: فنتفُوا لحيتي وضربوني، ثم نقلوا من بيتي ما خفَّ لهم من المتاع، حتى إنهم عمدوا إلى وسادة وفراش، فنفضوا ما كان فيهما من الصوف، وأخذوها، وأخذ واحد منهم زوج حمام كان في البيت، وخرجوا (٤). وذكره ابن عبد البر فقال:] وكان من الحُفَّاظ المكثرين، والعلماء العقلاء الفضلاء [وأخباره تشهدُ له بتصحيح هذه الجملة، وأول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة. وحفظ عن رسول الله ﷺ شيئًا كثيرًا، وروى عنه علمًا جمًّا (٥).

стр. 4086

[وذكره ابن عساكر وقال:] وقدم الجابية مع عمر ﵁، وقدم دمشقَ على معاوية، فدخل عليه وهو في مجلسه وهو غاصٌّ بأهله، فقال: يا معاوية، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يمنعنَّ أحدَكم مخافةُ الناس أن يقولَ الحقَّ -أو يتكلم بالحقّ- إذا علمه". فما بالُك يا معاوية، تأخذُ الصدقةَ من غير وجهها وتضعُها في غير أهلها؟ وما بالُك تُؤثر بعض أولادك على البعض، والله تعالى يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. ثم عدَّد أفعال معاوية، وركب من يومه إلى المدينة. فأرسلَ وراءَه بجائزة وصِلة كثيرة، فردَّها وقال لرسوله: قل له. ما أتيتُك إلا لأعظَك في الله. ولم يأخذ منه شيئًا (١). [وذكره الخطيب فقال:] قدم أبو سعيد المدائن في حياة حذيفة بن اليَمان، وشهد حرب الخوارج مع علي ﵇ (٢). [ذكر وفاته ﵁ ذكر الواقدي وهشام وغيرهما أنه] توفّي بالمدينة في سنة أربع وسبعين يومَ الجمعة في رجب، ودُفن بالبقيع، وله أربع وتسعون سنة، ﵁ (٣). ذكر أولاده [قال ابن سعد:] (٤) فولدَ عبدَ الله، وحمزةَ، وسعيدًا، وعبدَ الرحمن، وأمُّهم أمُّ عبد الله بنت عبد الله بن الحارث، من الأوس. وأمَّ عبد الرحمن؛ لأمِّ ولد. وعبدُ الرحمن بن أبي سعيد كنيتُه أبو محمَّد، مات بالمدينة سنة اثنتي عشرة ومئة. وكان لعبده الرحمن ابنان: عبد الله، ورُبَيْح، ورُبَيْح ضعيف [في الحديث، وليس بثبت] (٥). [قلت: ورُبَيْح هو الذي روى حديث التسمية على الوضوء. والحديثُ أخرجه الإِمام أحمد والترمذي.

стр. 4087

قال الإِمام أحمد بإسناده إلى رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدري، عن أبيه، عن جدِّه أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وضوءَ لِمَنْ لا يذكرُ اسمَ الله عليه". قال الترمذي: هذا حديث حسن (١). وبهذا الحديث أخذ الإِمام أحمد في وجوب التسمية على الوضوء، وعنه روايتان؛ في رواية أنها مستحبَّة يقول الجماعة، والثانية أنها واجبة. ثم ضعَّف الإِمام أحمد حديث رُبيح هذا، فقال وقد سُئل عن التسمية: أواجبةٌ هي، أم لا؟ قال: سنّة. قيل له: فحديث أبي سعيد؟ فقال: رواه كثير، عن رُبَيح، عن أبي ثِفال المُرِّي (٢)، ومَنْ رُبَيح؟ مَنْ أبو ثِفال؟ كأنه ضعَّف روايته] (٣). أسند أبو سعيد الخُدْريُّ ﵁ عن رسول الله ﷺ [أحاديث، واختلفوا فيها؛ قال قوم]: ألف حديث ومئة وسبعين حديثًا؛ أُخرج له في "الصحيحين" مئة واحد عشر حديثًا؛ اتَّفقا على ثلاثة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين حديثًا (٤). وأخرج له الإِمام أحمد من هذه الجملة مئتين وثمانية وثمانين حديثًا، منها متَّفق عليها، ومنها أفراد] (٥). وروى [أبو سعيد] عن الخلفاء الأربعة ﵁، وعن زيد بن ثابت، وعبد الله بن سَلَام، وأبي قَتادة الأنصاري، و [عن أخيه لأمّه] قتادة بن النعمان، وغيرهم.

стр. 4088

وروى عنه من الصحابة: زيدُ بنُ ثابت، وابن عُمر، وابنُ عباس، وجابرُ بنُ عبد الله، وأنس بنُ مالك، وأبو أُمامة [بن] سهل بن حُنَيف، وطارق بنُ شِهاب، وغيرهم. وعمروى عنه من التابعين خلقٌ كثير، منهم سعيد بن المسيِّب، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح، وعَمرو بن دينار، والحَسَن البصري، وابنُ سِيرِين، وأبو العالية، وسعيد بن جُبير، وغيرُهم (١). سَلَمة بن الأكوع [واسم الأكوع] سنان بن عبد الله بن قُشَير، من بني عامر ماء السماء (٢). [وكنيتُه] أبو عامر، وقيل: أبو مسلم، وقيل: أبو إياس. [كذا نَسَبَهُ ابنُ سعد (٣). وقال جدِّي ﵀ في "جامع المسانيد": هو سَلَمة بن عَمرو بن سِنان (٤). والأكوع هو سِنان، فهو جدُّ سلمة، وإليه يُنسب سلمة. وسَلَمة] من الطبقة الثالثة من المهاجرين. [وقال ابنُ سعد:] أسلمَ الأكوع قديمًا هو وابناه عامر وسَلَمة. [وذكر الجميع في الطبقة الثالثة من المهاجرين؛ قال:] وصَحبوا رسول الله ﷺ [جميعًا]. [فأما عامر بن الأكوع؛ فهو الذي قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى خيبر: "انْزِلْ فأسْمِعْنا من هُنَيَّاتك". فنزل وقال: اللهم لولا أنتَ ما اهتدينا. الأبيات. فقال رسول الله ﷺ : "يرحمك الله". فقال عمر بن الخطاب: وجبت. وقال رجل من القوم: لولا متَّعْتَنا به يا رسول الله. (فاستُشهد عامر يوم خيبر، ذهب يضربُ رجلًا من المشركين) فرجع السيف عليه، فجرحه فمات. فحُمل إلى الرَّجيع، فقُبر مع محمود بن مَسْلَمة (في قبر)

стр. 4089

في غار. فقال أُسَيد بن حُضير: حبط عمل عامر؛ قتلَ نفسَه. وبلغ رسولَ الله ﷺ ، فقال: "له أجران". وقد ذكرنا القصة في غزاة خيبر. وأما سَلَمة بن الأكوع؛ فحكى ابنُ سعد:] (١) قال سَلَمة: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبعَ غَزَوات، ومع زيد بن حارثة تسع غَزَوات حين أَمَّره رسولُ الله ﷺ [علينا]. [وقال ابن سَعْد: قال سَلَمة: غَزَوْتُ مع رسول الله ﷺ سبع (٢) غزوات. فذكر الحُديبية، وخيبر، وحُنين، ويوم القَرَد، ولم يذكر البواقي. وقد ذكرنا غَزَاة ذات -أو: ذي- قَرَد لمَّا أغارت غَطَفان على لِقاح رسول الله ﷺ بالمدينة، وتبعَهم سَلَمة بنُ الأكوع، وردَّ ما أخذُوا]. وكان سَلَمة ممَّن بايع تحت الشجرة؛ قال عبد الرحمن بن رزين (٣) العراقي: أتَينا سَلَمة بن الأكوع -وكان بالرَّبَذَة- فأخرج إلينا يدَه ضخمةً كأنَّها خُفُّ البعير، فقال: بايعتُ رسولَ الله ﷺ بيدي هذه. فأخذنا يده فقبَّلْنَاها. قال ابن سعد (٤): وفيه وفي أصحابه نزل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. قال: وكان لا يسألُه أحدٌ شيئًا لوجه الله تعالى إلا أعطاه، ويقول: من لم يُعْطِ لوجه الله فبماذا يعطي؟! وكان يكرهها ويقول: هي الإلحاف (٥). [قال:] وأجازه الحجّاج بن يوسف بجائزة، فقبلها، وكان عبدُ الملك يُجيزه فيقبل، وكان يكتب له بها إلى الكوفة (٦).

стр. 4090

ومات سَلَمة ﵁ بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابنُ ثمانين سنة (١). وكان لما قُتل عثمان ﵁ خرجَ سَلَمةُ إلى الرَّبَذَة، فأقام بها، وتزوَّج امرأةً، وولدت أولادًا، فلم يزل بها حتى قبلَ أنْ يموتَ بليالٍ؛ نزلَ المدينة (٢)، وكُفَّ بصرُه في آخر عُمُره. أسند سلمة الحديث عن رسول الله ﷺ ، قيل: تسعين حديثًا، وقيل: سبعة وسبعين [أُخرجَ له في "الصحيحين" ثلاثون حديثًا؛ اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة (٣). وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، وكعبِ بن مالك ﵁. وروى عنه ابنُه إياس بن سلمة [وبه كان يُكنى] وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن بن محمَّد بن الحنفية في آخرين. صفوان بن مُحْرِز ابن زياد المازني التميمي، من الطبقة الثانية من أهل البصرة. [قال ابن سعد:] وكان له فضل وورع، وكان له سَرَبٌ لا يخرجُ منه إلا إلى الصلاة (٤). وكان أصحابه يجتمعون إليه ويتحدَّثون، فلا يرون تلك الرِّقَّة، فيقولون: يا صفوان، حدِّثْنا، فيقول: الحمدُ لله، فيرقُّ القوم، وتسيلُ دموعُهم كأنها أفواهُ المَزَاد (٥). [وروى ابنُ سعْد أيضًا عن الحسن أنه قال: قال صفوان بن مُحْرِز: إذا أكلتُ شيئًا أَشُدُّ به صُلْبي، وشربتُ كوزًا من ماء؛ فعلى الدنيا وأهلها العَفَاء.

стр. 4091

وحكى ابنُ سَعْد عن ثابت قال:] وكان لصفوان خُصٌّ فيه جِذْع، فانكسر الجِذْع، فقيل له: ألا تُصلحُه؟ فقال: دعوه، أنا أموتُ غدًا (١). وقال ثابت: ذهبتُ أنا والحسنُ نُعوده، فخرجَ إلينا ابنُه، فقال: هو مبطون لا يستطيع (٢) الدخولَ إليه، فقال الحسن: ما أخذ الله من لحم أبيك ودمِهِ يُكَفِّرُ به من خطاياه خيرٌ له من أن تأكلَه الأرض في قبره، ولا يؤجَرُ عليه. وقال الحسن البصري: لقد لقيتُ أقوامًا كانوا فيما أحلَّ اللهُ لهم أزهدَ منكم فيما حرَّم الله عليكم، كانوا من حسناتهم أشفقَ أنْ لا يُتقبَّل منهم من سيِّئاتكم، ولقد صحبتُ أقوامًا كان أحدُهم يأكلُ على الأرض، وينامُ على الأرض، منهم صفوان بن مُحْرِز المازنيّ، كان يقول: إذا أويتُ إلى أهلي فأصبت رغيفًا آكلُه، فجزى اللهُ الدنيا عن أهلها شرًّا. واللهِ ما زادَ على رغيف حتى فارقَ الدُّنيا، يظلُّ صائمًا، ويُفطر على الرغيف، ويشربُ عليه من الماء، ثم يقومُ فيصلِّي حتى يُصبح، فإذا صلَّى الفجر وضع المصحف في حِجْره يقرأ فيه حتى يترجَّل النهار (٣)، ثم يقوم فيصلي حتى ينتصف النهار، ثم يرمي بنفسه على الأرض، ثم ينتبه، فكانت تلك نومتَه حتى فارق الدنيا، فإذا صلَّى الظهر قام فصلى [إلى العصر، فإذا صلَّى] العصر، وضعَ المصحف في حِجْره، فلا يزالُ يقرأُ إلى المغرب، ثم يقومُ إلى الصلاة (٤). وحبس عُبيد الله بنُ زياد ابنَ أخٍ لصفوان، فتشفَّع إليه صفوان بكلِّ أحد، فلم يشفِّعه، فبات صفوانُ في مصلَّاه، فأتاه آتٍ فقال: قُمْ فاطْلُبْ حاجتَك من وجهها. فقام إلى الصلاة، ثم دعا، فأَرِقَ ابنُ زياد، وامتنعَ عليه النوم، فقال: عليَّ بابنِ أخي

стр. 4092

صفوان، ففُتحت أبوابُ السُّجون، وجيء به إليه، فقال ابنُ زياد: ما نمتُ الليلة، اِلحَقْ بعمِّك. فذهب إليه (١). [قال ابن سعد:] (٢) وتوفي صفوان بالبصرة في ولاية بِشْر بن مروان. وروى عن ابنِ عُمر، وعِمْران بن الحُصَين، وحكيم بن حِزام، وأبي موسى الأشعريّ -وكان من أصحابه- وغيرِهم، وكان ورعًا ثقةً، ﵁ (٣). أبو عبد الرحمن عبدُ الله بنُ حَبِيب السُّلَميّ من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. [قال أبو نُعيم الحافظ:] أَقْرأَ القرآنَ أربعين سنة في المسجد، وصام ثمانين رمضانًا، وعاش تسعين سنة (٤). وكان يُقرئُ الحسن والحسين ﵁ في مسجد الكوفة، فأقرأَهما يومًا: "وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم" بخفض اللام من "أرجلكم" فسمعه عليٌّ ﵇ من الحُجرة، فصاح: يا أبا عبد الرحمن، الفتحةَ الفتحةَ (٥). [قال ابن سعد:] (٦) وما كان يأخذ على القرآن أجرًا. وقال الأهوازي: كان أبو عبد الرحمن مقدَّمًا في القراءة، أقام يُقرئ القرآن في الكوفة في مسجدها الأعظم من أيام عثمان إلى أيام بِشْر بن مروان (٧)، وكان يُعلِّمُ الحسنَ والحسين، وربما أمسك المصحف على أمير المؤمنين عليّ ﵇، فقرأ

стр. 4093

عليه، فسمعَ ألفاظَه، وعرفَ قراءتَه، وأخذها من فيه، وعليه قرأ عاصم بن أبي النَّجُود، وغيرُه. [ذكر وفاته قال ابنُ سعد:] ولما احتُضر أخذَ عطاء بن يسار يُرجِّيه، فقال له: إليَّ تقول هذا، وقد صُمتُ ثمانين رمضانًا (١)!. وكان كثيرَ الحديث، ثقة، وقيل: مات سنة خمس ومئة، وهو وهم. أسند عن عُمر، وعثمان، وعليّ، وابنِ مسعود، وأبي الدرداء، ﵃، وغيرِهم. قال ابنُ سعد: أخبرنا شَبَابة بن سوَّار، حدَّثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْثد، عن سَعْد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُكم من تعلَّمَ القرآن وعلَّمه". قال أبو عبد الرحمن: فهذا الذي أجلسني هذا المجلس (٢). عبدُ الله بن عُتْبة ابن مسعود بن غافل، أبو عبد الرحمن، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، تحوَّل من المدينة، فنزلَها. وكان فقيهًا مُفتيًا، كثيرَ الرواية للحديث، ويعدُّ من أهل المدينة، لكنّه أقام ومات بالكوفة قُبيل وفاة بِشْر بقليل. وروى عن عُمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وغيره من الصحابة (٣). عبد الله بن عُمر ابن الخطَّاب، [وكنيتُه] أبو عبد الرحمن، من الطبقة الثانية من المهاجرين.

стр. 4094

وأُمُّه زينبُ بنت مَظْعون بن حَبِيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح أختُ عثمان بن مَظْعُون ﵁، وكانت من المهاجرات، وهي أمُّ حفصةَ ﵂ أيضًا (١). [ذكر صفته] (٢): [قال أبو نُعيم:] كان عبد الله ﵁ آدَمَ طُوالًا، وله جَمَّة مفروقة، تضرب قريبًا من منكبيه، وكان يخضب بالصُّفرة، ويُحفي شاربَه حتى يُظنّ أنه ينتفه [ويُنظر إلى بياض الجلد]. ويُدخلُ الماء في أصول عينيه وباطنها في الوضوء، ويتوضأ لكل صلاة [ويشمِّر إزارَه، وكان نقشُ خاتمه: عبد الله. وقيل: ما تختَّم]. [ذكر طرف من أخباره]: أسلمَ عبدُ الله بنُ عمر ﵄ قديمًا بمكة مع أبيه ولم يكن بلغ، وهاجر إلى المدينة وهو ابنُ عَشْر سنين. وقال: عُرِضْتُ على رسول الله ﷺ يوم بدر وأنا ابن ثلاثَ عشرةَ سنة فردَّني [وعُرِضْتُ عليه يوم أُحُد وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ سنة، فردَّني] وعُرِضْتُ عليه يومَ الخندق وأنا ابنُ خمس عشرة سنة فقَبِلَني (٣). قال نافع: فحدَّثتُ بهذا الحديث عُمر بنَ عبد العزيز فقال: إنَّ هذا الحدُّ بين الصِّغر والكِبَر. وكتب إلى عمَّاله أن يفرضوا لابن خمسَ عشرةَ سنة، ويُلحقوا ما دون ذلك في العيال. [وقال الواقدي: سأله عثمان أن يليَ القضاء، فأبى. وقال أحمد بإسناده عن يزيد بن مَوْهب] قال له عثمان ﵁: اقْضِ بين الناس. فقال: لا أقضي بين اثنين، ولا أَؤُمُّ رجلين، أمَّا سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ عاذَ بالله؛ فقد عاذَ بمَعَاذ؟ ". قال عثمان: بلى. قال: فإنِّي أعوذُ بالله أن تستعملني. [فأعفاه وقال: لا تخبرنَّ بهذا أحدًا. وهذه رواية "المسند" (٤).

стр. 4095

وأما ابنُ سعد فقد ذكر فيه زيادة: وقال:] فقال له عثمان: أَوَتعصيني؟ فقال: لا، ولكني بلَغَني أنَّ القضاة ثلاثة: رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجلٌ حاف ومال به الهوى فهو في النَّار، ورجلٌ اجتهدَ فأصاب فهو كَفاف، لا أجرَ له، ولا وزْرَ عليه. فقال له عثمان ﵁: فإنَّ أباك كان يقضي؟ قال: كان يقضي، فإذا أشكلَ عليه شيءٌ سألَ رسول الله ﷺ ، وإذا أشكلَ على النبيِّ ﷺ سأل جبريل، وإني لا أجد من أسألُه. فأعفاه وقال: لا تخبرنَّ بهذا أحدًا (١). [قال الواقدي:] وشهد عبد الله ﵁ الخندق وما بعدها، ومؤتة، واليرموك، واليمامة، والقادسية، وجَلُولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وخطبةَ أبيه بالجابية، وقدم البصرة وفارس غازيًا، وشهد فتح مصر، واختطَّ بها، وكان مع عثمان ﵁ لما قُتل يوم الدار، وأراده عثمانُ على ولاية الشام، فلم يفعل، وأراد عثمان ﵁ أن يولِّيَه القضاء، فأبى. وكان عالمًا زاهدًا عابدًا ورعًا كثيرَ المحبَّة لاتَّباع السنن. وكان أكبرَ ولد عمر ﵁، ووردَ المدائن غيرَ مرَّة، وشهدَ الحُدَيبية، وكان لا يتخلَّف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم [كان] بعد وفاته مُولعًا بالحجّ إلى أن مات. وأفتى في الإِسلام ستِّين سنة، ونشرَ نافع عنه علمًا جمًّا، وشهدَ الفتحَ وهو ابنُ عشرين سنةً. وكان له يومَ ماتَ رسول الله ﷺ اثنان وعشرون سنة. وقال رسول الله ﷺ [في حقِّه:] "نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله الرجلُ الصالح". [قال البخاري: حدَّثني محمود، عن عبد الرزاق، بإسناده عن ابن عمر قال: كان الرجلُ في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصَّها على رسول الله ﷺ . قال: فتمنَّيتُ أن أرى رؤيا فأقصَّها عليه، وكنتُ غلامًا عَزَبًا، وكنتُ أنامُ في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيتُ في النوم كأنَّ ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، وإذا هي مطويَّة

стр. 4096

كطيِّ البئر، وبها قَرْنان، وإذا فيها أناس قد عرفتُهم، فجعلتُ أستعيذُ بالله من النار، فلقيَهما ملك آخر، فقال لي: لن تُرَعْ. فقَصَصْتُها على حفصة، فقَصَّتْها على رسول الله ﷺ ، فقال: "نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كان يصلِّي من الليل". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي "الصحيحين" أيضًا عن نافع] (٢) قال عبد الله بن عمر ﵄: رأيتُ في المنام كأنَّ بيدي قطعةَ إستبرق، ولا أُشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارَتْ بي إليه، فقصَّتْها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: "إن أخاك -أو إن عبد الله- رجل صالح". [وقال (أبو نُعيم) (٣) بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: اجتمع في الحِجْر مصعب، وعروة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عُمر، فقالوا: تَمنَّوْا. فقال عبد الله بنُ الزبير: أمَّا أنا فأتمنَّى الخلافة. وقال عروة: أمَّا أنا فأتمنّى أن يُؤخذ عني العلم. وقال مصعب: أمَّا أنا فأتمنّى إمرة العراق، والجمعَ بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد الله: وأنا أتمنَّى المغفرة. قال: فنالُوا ما تَمنَّوْا، ولعلَّ ابن عمر قد غُفر له. وقال الزُّهري: وكان ابن عمر -واللهِ- أعقلَهم". وروى أبو نُعيم أيضًا عن نافع قال (٤): دخل ابن عمر الكعبة، فسمعتُه وهو ساجد يقول: اللهمَّ إنك تعلمُ أنْ ما يمنعُني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفُك. [وقال ابن سعد: سُئل ابنُ عمر عمَّا لا يعلم، فقال: لا أعلم] (٥).

стр. 4097

وكانوا إذا لاموه على ترك الدنيا يقول: إني فارقتُ أصحابي على أمر، وأخافُ إنْ خالفتُهم أن لا ألحقَ بهم (١). وقالت عائشة ﵂: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ بأصحاب رسول الله ﷺ الذين دُفنوا في الدار (٢) من عبد الله بن عمر. [وقال أبو نُعيم: كتبَ الحجَّاج بنُ يوسف إلى ابن عمر: بلغني أنك تطلبُ الخلافة، وإنها لا تصلح لِعَيِيَّ، ولا بخيل، ولا غيور. فكتب إليه ابن عمر: أمَّا ما ذكرتَ من الخلافة؛ فإني ما طلبتُها، ولا هي من بالي، وأما ما ذكرتَ من العِيّ والبُخل (والغَيرة)، فمن جمعَ كتابَ الله؛ فليس بِعَيِيٍّ، ومَنْ أدَّى زكاةَ مالِه؛ فليس ببخيل، وأمَّا الغَيرة؛ فأَحَقُّ ما غِرْتُ فيه ولدي أن يَشْرَكَني فيه غيري] (٣). وأعتقَ ابنُ عُمر جاريةً له يقال لها: رُميثة، وقال: سمعتُ الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإنِّي واللهِ لأُحبُّكِ، اذهبي فأنت حُرَّةٌ لوجه الله تعالى (٤). ولولا أني لا أعودُ في شيء جعلتُه لله؛ لنكحتُها. فأَنكَحَها نافعًا مولاه، فهي أمُّ ولدِه (٥). وقال نافع: كان ابنُ عمر إذا أعجبَه شيءٌ من ماله تقرَّب به إلى الله تعالى، فكان رقيقُه قد عرفوا منه ذلك، فربَّما لزمَ أحدُهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعوك. فيقول: مَنْ خدعَنا في الله انخدعنا له (٦).

стр. 4098

قال: وكان له نَجِيبٌ قد اشتراه بمال [عظيم] فركبه، فأعجبه، فقال: يا نافع، انْزَعْ زِمامَه، وأدْخِلْهُ في إبل الصدقة (١). قال: وما كان يعجبُه شيءٌ من ماله إلا أخرج منه لله ، وربَّما تصدَّقَ في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا، ويمضي عليه الشهر لا يذوق فيه مرقة لحم (٢). وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: وأعطاه ابنُ جعفر في نافع عَشَرةَ آلاف درهم -أو عشرة آلاف دينار- فقيل له: ما تنتظر؟ فقال: أَوَ خَيرٌ من ذلك؟ هو حُرٌّ لوجه الله تعالى (٣). وكان ﵁ لا يأكلُ طعامًا إلا وعلى خِوانِهِ يتيم (٤). [وروى أبو نُعيم عن نافع قال:] وما مات حتى أعتقَ ألفَ إنسان أو زاد (٥). [وروى ابنُ سعد عن نافع قال:] وكان يؤتى بالمال فيقبلُه ويقول: لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا أردّ ما رزقني الله، [وكان المختارُ يبعث إليه بالمال فيقبله] (٦). وقيل: ما ردَّ هدية إلا على المختار. [وقال ابن سعد:] وكان يقبض على لحيته، ثم يأخذُ ما جاوزَ القبضة (٧). وقال [ابن سعد عن] نافع: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف درهم لما أراد أن يبايع ليزيد، فقال: إن ديني عندي لرخيص (٨). فما حال الحَوْلُ وعنده منها شيء. قال المصنف ﵀: والعَجَب من هذا الزُّهد والفضل والعلم ويُبايع ليزيد وعبد الملك بن مروان، ويتركُ مثلَ عليّ بن أبي طالب ﵁ لا يبايعُه، ويهرب إلى مكة.

стр. 4099

وقال نافع: اشتهى (١) ابنُ عُمر عِنَبًا، فاشتُرِيَ له عنقود بدرهم، فجاء مسكين يسأل، فقال: أعطُوه إيَّاه، فخالفَ إليه إنسانٌ، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء سائلٌ آخر (٢)، فأعطاه. فعل ذلك مرارًا والرجل يشتريه، ولو علم ابن عمر لما ذاقه. وكان يقال له: إنك تجوع! قال: ربَّما يأتي عليَّ سبعُ سنين لا أشبعُ فيها، وكيف أشبع وقد بقي من عمري ظِمْءُ حمار (٣). [قال أبو نُعيم:] وجاءه رجل من أهل العراق وقال: قد عملتُ لك جَوارشًا (٤) يهضمُ الطعام، فقال: ما ملأتُ بطني من طعام منذ أربعين سنة (٥)! وفي رواية: ما شبعت منذ أسلمت (٦). [وروى أبو عُبيد القاسم بن سلَّام قال:] وجاء سائل إليه فقال لابنه: أعطه دينارًا. فقال له ابنُه: تقبَّلَ اللهُ منك. فقال: لو علمت أنه يتقبَّلُ مني؛ لَطِرْتُ فرحًا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٧). وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر وأنا أريد أن أخدمَه، فكان يخدمني أكثر (٨). وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل كلَّه صلاةً، ثم يقول: يا نافع، أَسْحَرْنا؟ فأقولُ: نعم، فيجلسُ ويستغفرُ ويدعو حتى يُصبح. وكان يحيي ما بين الظهر والعصر (٩).

стр. 4100

وقال ابن أبي الدنيا: شربَ ابنُ عمر يومًا ماءً باردًا، فبكى بكاءً شديدًا، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: آية في كتاب الله أبْكَتْني: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] فعرفتُ أن أهل النار لا يشتهون شيئًا كشهوتهم الماء البارد، وقد قال الله: ﴿أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية (١). وقال جابر بن عبد الله: ما أدركْنا أحدًا إلا وقد مالتْ به الدنيا إلا عبد الله بن عمر (٢). [وروى أبو نُعيم عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]؛ بكى حتى يغلبه البكاء] (٣). وقال ابن عمر ﵄: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله؛ وإن كان عليه كريمًا (٤). وقيل له: مات فلان وترك مئة ألف، فقال: لكن هي لم تتركه (٥). وقال له رجل: يا خيرَ الناس. قال: ما أنا بخير الناس، ولكني عبدٌ من عباد الله، أرجو اللهَ وأخافُه، واللهِ لن تزالوا بالرجل حتى تُهلكوه (٦). ونزل على رجل، فأقام عنده ثلاثًا، ثم قال: يا نافع، أنْفِقْ علينا من مالنا (٧). [وقال ابنُ عمر: ما بتُّ ليلة منذ سمعتُ رسول الله ﷺ يذكر الوصيَّة إلا ووصيَّتي عند رأسي مكتوبة. أو: وصيَّتي عندي] (٨). وكان يأكل الدَّجاج والفراخ والخَبِيص. وكان في زمان الفتنة لا يأتي أَميرٌ إلا صلَّى خلفَه، وأدَّى إليه زكاة مالِه.
следующие страницы →