← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

كطيِّ البئر، وبها قَرْنان، وإذا فيها أناس قد عرفتُهم، فجعلتُ أستعيذُ بالله من النار، فلقيَهما ملك آخر، فقال لي: لن تُرَعْ. فقَصَصْتُها على حفصة، فقَصَّتْها على رسول الله ﷺ ، فقال: "نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كان يصلِّي من الليل". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي "الصحيحين" أيضًا عن نافع] (٢) قال عبد الله بن عمر ﵄: رأيتُ في المنام كأنَّ بيدي قطعةَ إستبرق، ولا أُشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارَتْ بي إليه، فقصَّتْها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: "إن أخاك -أو إن عبد الله- رجل صالح". [وقال (أبو نُعيم) (٣) بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: اجتمع في الحِجْر مصعب، وعروة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عُمر، فقالوا: تَمنَّوْا. فقال عبد الله بنُ الزبير: أمَّا أنا فأتمنَّى الخلافة. وقال عروة: أمَّا أنا فأتمنّى أن يُؤخذ عني العلم. وقال مصعب: أمَّا أنا فأتمنّى إمرة العراق، والجمعَ بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد الله: وأنا أتمنَّى المغفرة. قال: فنالُوا ما تَمنَّوْا، ولعلَّ ابن عمر قد غُفر له. وقال الزُّهري: وكان ابن عمر -واللهِ- أعقلَهم". وروى أبو نُعيم أيضًا عن نافع قال (٤): دخل ابن عمر الكعبة، فسمعتُه وهو ساجد يقول: اللهمَّ إنك تعلمُ أنْ ما يمنعُني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفُك. [وقال ابن سعد: سُئل ابنُ عمر عمَّا لا يعلم، فقال: لا أعلم] (٥).

стр. 4097

وكانوا إذا لاموه على ترك الدنيا يقول: إني فارقتُ أصحابي على أمر، وأخافُ إنْ خالفتُهم أن لا ألحقَ بهم (١). وقالت عائشة ﵂: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ بأصحاب رسول الله ﷺ الذين دُفنوا في الدار (٢) من عبد الله بن عمر. [وقال أبو نُعيم: كتبَ الحجَّاج بنُ يوسف إلى ابن عمر: بلغني أنك تطلبُ الخلافة، وإنها لا تصلح لِعَيِيَّ، ولا بخيل، ولا غيور. فكتب إليه ابن عمر: أمَّا ما ذكرتَ من الخلافة؛ فإني ما طلبتُها، ولا هي من بالي، وأما ما ذكرتَ من العِيّ والبُخل (والغَيرة)، فمن جمعَ كتابَ الله؛ فليس بِعَيِيٍّ، ومَنْ أدَّى زكاةَ مالِه؛ فليس ببخيل، وأمَّا الغَيرة؛ فأَحَقُّ ما غِرْتُ فيه ولدي أن يَشْرَكَني فيه غيري] (٣). وأعتقَ ابنُ عُمر جاريةً له يقال لها: رُميثة، وقال: سمعتُ الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإنِّي واللهِ لأُحبُّكِ، اذهبي فأنت حُرَّةٌ لوجه الله تعالى (٤). ولولا أني لا أعودُ في شيء جعلتُه لله؛ لنكحتُها. فأَنكَحَها نافعًا مولاه، فهي أمُّ ولدِه (٥). وقال نافع: كان ابنُ عمر إذا أعجبَه شيءٌ من ماله تقرَّب به إلى الله تعالى، فكان رقيقُه قد عرفوا منه ذلك، فربَّما لزمَ أحدُهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعوك. فيقول: مَنْ خدعَنا في الله انخدعنا له (٦).

стр. 4098

قال: وكان له نَجِيبٌ قد اشتراه بمال [عظيم] فركبه، فأعجبه، فقال: يا نافع، انْزَعْ زِمامَه، وأدْخِلْهُ في إبل الصدقة (١). قال: وما كان يعجبُه شيءٌ من ماله إلا أخرج منه لله ، وربَّما تصدَّقَ في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا، ويمضي عليه الشهر لا يذوق فيه مرقة لحم (٢). وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: وأعطاه ابنُ جعفر في نافع عَشَرةَ آلاف درهم -أو عشرة آلاف دينار- فقيل له: ما تنتظر؟ فقال: أَوَ خَيرٌ من ذلك؟ هو حُرٌّ لوجه الله تعالى (٣). وكان ﵁ لا يأكلُ طعامًا إلا وعلى خِوانِهِ يتيم (٤). [وروى أبو نُعيم عن نافع قال:] وما مات حتى أعتقَ ألفَ إنسان أو زاد (٥). [وروى ابنُ سعد عن نافع قال:] وكان يؤتى بالمال فيقبلُه ويقول: لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا أردّ ما رزقني الله، [وكان المختارُ يبعث إليه بالمال فيقبله] (٦). وقيل: ما ردَّ هدية إلا على المختار. [وقال ابن سعد:] وكان يقبض على لحيته، ثم يأخذُ ما جاوزَ القبضة (٧). وقال [ابن سعد عن] نافع: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف درهم لما أراد أن يبايع ليزيد، فقال: إن ديني عندي لرخيص (٨). فما حال الحَوْلُ وعنده منها شيء. قال المصنف ﵀: والعَجَب من هذا الزُّهد والفضل والعلم ويُبايع ليزيد وعبد الملك بن مروان، ويتركُ مثلَ عليّ بن أبي طالب ﵁ لا يبايعُه، ويهرب إلى مكة.

стр. 4099

وقال نافع: اشتهى (١) ابنُ عُمر عِنَبًا، فاشتُرِيَ له عنقود بدرهم، فجاء مسكين يسأل، فقال: أعطُوه إيَّاه، فخالفَ إليه إنسانٌ، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء سائلٌ آخر (٢)، فأعطاه. فعل ذلك مرارًا والرجل يشتريه، ولو علم ابن عمر لما ذاقه. وكان يقال له: إنك تجوع! قال: ربَّما يأتي عليَّ سبعُ سنين لا أشبعُ فيها، وكيف أشبع وقد بقي من عمري ظِمْءُ حمار (٣). [قال أبو نُعيم:] وجاءه رجل من أهل العراق وقال: قد عملتُ لك جَوارشًا (٤) يهضمُ الطعام، فقال: ما ملأتُ بطني من طعام منذ أربعين سنة (٥)! وفي رواية: ما شبعت منذ أسلمت (٦). [وروى أبو عُبيد القاسم بن سلَّام قال:] وجاء سائل إليه فقال لابنه: أعطه دينارًا. فقال له ابنُه: تقبَّلَ اللهُ منك. فقال: لو علمت أنه يتقبَّلُ مني؛ لَطِرْتُ فرحًا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٧). وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر وأنا أريد أن أخدمَه، فكان يخدمني أكثر (٨). وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل كلَّه صلاةً، ثم يقول: يا نافع، أَسْحَرْنا؟ فأقولُ: نعم، فيجلسُ ويستغفرُ ويدعو حتى يُصبح. وكان يحيي ما بين الظهر والعصر (٩).

стр. 4100

وقال ابن أبي الدنيا: شربَ ابنُ عمر يومًا ماءً باردًا، فبكى بكاءً شديدًا، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: آية في كتاب الله أبْكَتْني: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] فعرفتُ أن أهل النار لا يشتهون شيئًا كشهوتهم الماء البارد، وقد قال الله: ﴿أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية (١). وقال جابر بن عبد الله: ما أدركْنا أحدًا إلا وقد مالتْ به الدنيا إلا عبد الله بن عمر (٢). [وروى أبو نُعيم عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]؛ بكى حتى يغلبه البكاء] (٣). وقال ابن عمر ﵄: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله؛ وإن كان عليه كريمًا (٤). وقيل له: مات فلان وترك مئة ألف، فقال: لكن هي لم تتركه (٥). وقال له رجل: يا خيرَ الناس. قال: ما أنا بخير الناس، ولكني عبدٌ من عباد الله، أرجو اللهَ وأخافُه، واللهِ لن تزالوا بالرجل حتى تُهلكوه (٦). ونزل على رجل، فأقام عنده ثلاثًا، ثم قال: يا نافع، أنْفِقْ علينا من مالنا (٧). [وقال ابنُ عمر: ما بتُّ ليلة منذ سمعتُ رسول الله ﷺ يذكر الوصيَّة إلا ووصيَّتي عند رأسي مكتوبة. أو: وصيَّتي عندي] (٨). وكان يأكل الدَّجاج والفراخ والخَبِيص. وكان في زمان الفتنة لا يأتي أَميرٌ إلا صلَّى خلفَه، وأدَّى إليه زكاة مالِه.

стр. 4101

وكان يقول: لا أُقاتل في الفتنة، وأُصلِّي مع من غلب (١). وكان يصلِّي خلف الحجاج بمكة، فلما أخَّر الحجاح الصلاة لم يشهدها معه، وخرج منها. [قال ابن سعد:] ولمَّا قُتل عثمان رضوان الله عليه قال الناس له: إنك سيِّدُ الناس وابنُ سيِّدهم، فهلمَّ نُبايِعْك وإلا قتلناك، فقال: والله لا أُريقُ بسببي مِحْجَمَةَ دم من هذه الأمَّة (٢). وجاءه رجل، فقال: ما أحدٌ شرًّا لأمَّة محمَّد ﷺ منك، فقال: ولم؟! فواللهِ ما سفَكْتُ دماءهم، ولا فرَّقتُ جماعتَهم، ولا شَقَقْتُ عصاهم! قال: إنك لو شئتَ ما اختلف عليك اثنان. فقال: واللهِ ما أُحبُّ أنَّها أتَتْني ورجلٌ يقول: لا، وآخرُ يقول: بلى (٣). وكتبَ إلى أبيه: من عبد الله بن عمر إلى عمر بن الخطاب. [قال: وكان يتنوَّر، يطليه صاحب الحمَّام، فإذا بلغ العانةَ؛ وَلِيَها بيده. وفي رواية: ما تنوَّر إلا مرَّة واحدة] (٤). وكان يدخلُ الحمَّام ويقول: بئس البيتُ نُزِعَ منه الحياء، ونِعْمَ البيتُ يتذكَّرُ فيه من أرادَ أن يتذكَّر. [قال: وخَدِرَتْ رِجْلُه يومًا، فقيل له: ادْعُ أحبَّ الناس إليك. فقال: يا محمَّد. فبسطها] (٥). وقال: إني لأخرجُ من بيتي ما أخرجُ إلا لأُسَلِّمَ، أو يُسَلَّمَ عليّ (٦). وحضر يومًا بمكة والحَجَّاج يخطب، فأطال، فناداه: الصلاةَ أيُّها الرجل. فلم يلتفت، فناداه ثانيًا وثالثًا ورابعًا وهو قاعد، فقال للجماعة: إنْ نهضتُ أتنهضونَ معي؟ قالوا: نعم. فنهض وقال: الصلاةَ، فإنِّي لا أرى لك فيها حاجة. فنزل الحَجَّاج فصلَّى،

стр. 4102

ثم دعاه فقال: ما حملَكَ على ما صنعتَ؟ فقال: إنَّما نَجِيءُ للصلاة، فإذا صلَّينا لوقتها فبَقْبِقْ بعد ذلك ما شئْتَ من بقبقة (١). وخطب الحجّاج يومًا، فأخَّر الصلاةَ، فصاح به ابنُ عمر ﵁: يا حجَّاج، إنَّ الشمس لا تنتظرُك، فقال الحجَّاج: لقد هممتُ أن أضربَ الذي فيه عيناك، فقال: إنْ تفعلْ فإنك سفيهٌ مُسَلَّط. فقال الحجاج: إنك شيخٌ قد خَرِفتَ. وبلغَ عبدَ الملك، فأنكرَ على الحجَّاج (٢). وقال: خذُوا بحظِّكم من العُزْلة (٣). وكانَ يتوضَّأ لكلِّ صلاة، ثم يصلي [في بعض الأيام، الصلوات الخمس بوضوء واحد (٤). [وقال ابنُ سعد بإسناده إلى يوسف بن ماهَك قال: انطلقتُ مع ابن عمر إلى عُبيد بن عُمير وهو يقصُّ على أصحابه، فنظرتُ إلى ابن عمر؛ فإذا عيناه تَذرِفان. وفي رواية: فأردتُ أنْ أقوم إلى عُبيد بن عمير فأقول له: أقصِرْ، فقد آذيتَ الشيخ هذا] (٥). وأقام بأذَرْبِيجان ستةَ أشهر حبسه بها الثلج، فكان يقصر الصلاة. [قال: ومرَّ يومًا على يهود، فسلَّم عليهم ولم يعلم، فقيل له: إنهم يهود، فقال: رُدُّوا عليَّ سلامي]. وقال نافع: تصدَّق ابن عمر بداره محبوسةً لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، ومَنْ سَكَنَها من ولده لا يُخرَجُ منها، ثم سكنها ابنُ عمر. وكان إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه.

стр. 4103

وكان يمشي كلَّ سبت إلى قُباء ونعلاه في يديه. [قال الزُّهري: كان يتَّبع السُّنَّة، كأنَّ النبيَّ ﷺ يفعل ذلك. قال:] وما كان يوقظ أحدًا من مرقده (١). وقال إسماعيل السُّدِّيّ: أدركتُ نفرًا من الصحابة؛ منهم أبو سعيد الخُدْري، وأبو هريرة، وجابر (٢)، وغيرهم، فكانوا يرون أن ليس فيهم أحدٌ على الحال التي فارق عليها النبي ﷺ إلا عبد الله بن عمر. وقالت عائشة ﵂ -لابن عمر ﵄: ما منَعك أن تنهاني عن مسيري إلى البصرة؟ قال: رأيتُ ابنَ الزبير قد استولى عليك، فقالت: لو نهيتَني ما خرجتُ. وكانت عائشة ﵂ تحبُّه وتعظِّمه، وإذا دخل المسجد تقول: أرُونيه. فلا تزال تنظر إليه حتى يذهب (٣). [قال الواقدي:] وكان ابن عمر ﵄ قد أصابته في آخر عمره لقوة فاكتوى (٤)، وذهب بصره ممَّا (٥) كان يغسل باطن عينيه (٦). [وكذا ابنُ عباس.

стр. 4104

قلتُ: وهذا مذهبُ أهل الظاهر؛ غَسْلُ باطن العينين، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا حجَّة لهم في الآية؛ لأن الوجه مشتقٌّ من المواجهة، وذلك يكون بالظاهر دون الباطن، وفعلُ ابن عمر وابن عبَّاس من أدَلّ الدليل على الكراهة لأنه ذهب ببصريهما، وفعلُ ما يُخاف منه ذهاب البصر أو بعضه حرام بإجماع الأمة. وقيل: إن العين شحم، والشحم لا يقبلُ الماء. وكان ﷺ والصحابة لا يغسلون باطن عيونهم، وكفى به قدوة] (١). وكان ﵁ أعلمَ الناس بالمناسك؛ كان معاوية بن أبي سفيان بالأبطح ومعه بنتُ قَرَظة زوجتُه، وإذا هو بجماعةٍ على رِحالٍ لهم، وشابٌّ منهم قد رفع عَقِيرَتَه وهو يقول: مَنْ يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجدًا … أخضرَ الجِلْدةِ من بيتِ العَرَبْ فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: عبد الله بنُ جعفر. فقال: خَلُّوا له الطريق فليذهب. وإذا بآخر قد قدم وهو يقول: بينما يذكُرْنَنِي أبْصَرْنَنِي … عند قِيدِ المِيلِ يسعى بي الأغَرّ قُلْنَ تَعْرِفْنَ الفتى؟ قُلْ نعم … قد عرَفْناه وهل يخفى القَمَرْ؟ فقال: من هذا؟ قالا: عُمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر، فقال: خلُّوا له الطريق فليذهب. ثمَّ مرَّت جماعةٌ، وإذا رجل بينهم يُسأل، فقال له رجل: رميتُ الجمار قبل أن أحلق، وقال آخر: حلقت قبل أن أرمي؛ لأشياء أشكلَتْ عليهم من مناسك الحج، فقال معاوية: من هذا؟ قيل: عبد الله بنُ عمر. فالتفتَ معاويةُ إلى ابنة قَرَظة وقال: هذا -وأبيكِ- الشرف، هذا -واللهِ- شَرَفُ الدنيا والآخرة (٢).

стр. 4105

ذكر وفاته ﵁: [روى ابن سعد عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: اللهمَّ لا تَجْعَلْ منيَّتي بمكة. كأنه كره أن يموت في الأرض التي هاجر منها. وقد تقدَّم هذا في ترجمة سعد بن أبي وقَّاص وسعد بن حولة. وقال ابن سعد بإسناده إلى عطيَّة العَوْفي قال: سألتُ مولًى لعبد الله بن عمر عن موته فقال:] كان أصابه رجل من أهل الشام بِزُجٍّ (١) في رِجْلهِ، فأتاه الحجَّاج يعودُه، فقال: لو أعلمُ الذي أصابَك لضربتُ عنقه. فقال عبد الله ﵁: أنتَ أصبتني. قال: وكيف؟ قال: يومَ أدخلتَ حَرَمَ اللهِ السلاحَ. [وفي رواية ابن سعد:] فلما خرجَ الحجَّاج من عنده قال ﵁: ما آسَى من الدنيا على شيء إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلتُ هذه الفئةَ الباغيةَ التي حلَّتْ بنا (٢). وقال الزبير بن بكَّار: لمَّا كتب ابنُ عمر إلى عبد الملك ببيعته إيَّاه؛ كتبَ عبدُ الملك إلى الحجَّاج: لا تخالف ابنَ عمر في المناسك. وكان ابن عمر يقف في الموقف الذي شهد فيه رسول الله ﷺ في حَجَّة الوَداع، فأخَّر الحجَّاجُ الوقوف، فمرَّ ابنُ عمر على سُرادق الحَجَّاج [فصاح به، فخرج في مُعَصْفَرةٍ، وقال: أمهلني حتى أصُبَّ عليَّ ماءً. فقال: عَجِّلْ. فاغتسل الحجَّاج] وجاء فوقف عند ابنِ عمر، ثم أمرَ رجلًا من أصحابه بيده حَرْبةٌ مسمومةٌ أن يَنْخَسَ ابنَ عمر، فنَخَسه، فلصقَتْ رِجْلُه بالرِّكاب، فمرضَ أيامًا ثم مات. وكان ابن عمر قد ثَقُلَ على الحجَّاج (٣). [قال: وكان ابنُ عمر على نَجيبة، فلما أصابه الزُّجُّ سأل الدم، فقال له ابنُه سالم: ما هذا الدَّمُ الذي يسيلُ على كتف النَّجِيب؟ قال: ما شعرتُ به. ثُم نزع رجله من الغرز وقد لزقت قدمُه بالغرز، فقال: ما شعرتُ بما أصابني.

стр. 4106

وحكى ابن سعد عن أيوب، قلت لنافع: ما كان بدء موت ابن عمر؟ قال: أصابته عارضةُ مَحْمِل بين أصبعين أصابعه عند الجمرة، فمرض، وأتاه الحجَّاجُ يعودُه، فلما دخلَ عليه غَمَّضَ عبدُ الله ﵁ عينيه، فكلَّمه الحجَّاج، فلم يكلِّمه، فخرج من عنده وهو يقول: إن هذا يقول: إني على الضرب الأول (١). ومات بمكة في دار خالد بن عبد الله بن أسيد بعد منصرف الناس من الحج (٢)، ودُفن بالمحصَّب سنة أربع وسبعين في آخر ذي الحجة وهو ابن أربع وثمانين سنة. وأوصى أن يدفن خارجًا من الحرم، وقال: أكرهُ أن أُدفنَ فيه بعد ما خرجتُ منه مهاجرًا، وأن لا يُصلِّيَ عليه الحجّاج، فقال له سالم ابنه: إلا أن يغلبنا الحجَّاج فيصلي عليك. فسكت. فلما مات صلَّى عليه الحجاج (٣). ولم يقدر (٤) على إخراجه من الحرم، فدفنوه [في الحرم] بفخّ في مقبرة المهاجرين نحو ذي طُوى (٥). [قال الواقدي: في سنة أربع وسبعين. وكذا ذكر جدّي في "الصفوة" و "التلقيح" (٦). وقيل: مات في سنة ثلاث وسبعين بعد قتلِ ابنِ الزبير ﵁ بستة أشهر (٧)، وهو آخر من مات من الصحابة بمكة ﵁.

стр. 4107

ذكر أولاده [قال ابن سعد:] كان له من الولد [اثنا عشر ذكرًا، وأربع بنات]: أبو بكر، وأبو عُبيدة، وواقد، وعبد الله، وعُمر، وحفصة، وسَوْدَة، وأمُّهم صفيَّة بنتُ أبي عُبيد بن مسعود الثَّقَفي، وعبد الرحمن [وبه كان يكنى] وأمُّه أمُّ علقمة بنتُ يافش (١) بن وَهْب، فِهريَّة. وسالم، وعُبيدُ الله، وحمزة، وأمُّهم أمُّ ولد، وزيد، وعائشة، وأمُّهما أمُّ ولد، وبلال لأمِّ ولد، وأبو سلمة وأبو قِلابة لأمّ ولد (٢). ويقال: إن أمَّ زيد بن عبد الله سهلة بنت مالك بن الشحَّاح من بني تغلب. [وهذا قول ابن سعد، وزاد الموفَّق ﵀ أبا عُبيد وعثمان] (٣). وكان زيدٌ أكبرَ ولدِ عبدِ الله، فارقَ أباه في حياته، ونزلَ الكوفةَ، فمات بها، وله بها عقب وباليمن. وكان له من الولد: محمَّد، وأمُّ حُميد، وأمُّ زيد، وفاطمة، وأمُّهم أمُّ حكيم بنت عُبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبدُ الله، وإبراهيم، وعمر، وفاطمة، وحفصة، لأمِّ ولد (٤). وأمَّا بلالُ بن عبد الله؛ فكان له من الولد: عبدُ الرحمن (٥). وقيل: ماتَ صغيرًا ولم يُعقب، وكان أشجّ [فكان أبوه عبد الله يقول له: يا بلال، أرجو أن تكون أشجَّ بني الخطاب] (٦).

стр. 4108

وأما واقد بن عبد الله؛ فكان له أولاد، منهم: عبدُ الله، وأمُّه أَمَةُ الله بنت عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، مات (١) بالسُّقْيا وهو مُحرم، فكفَّنَه أبوه في خمسة أثواب، وصلَّى عليه ودفَنَه. وكان عبد الله بن واقد من رجالات بني عديّ، [وفيه يقول الشاعر: أحبُّ من النسوان كل خَرِيدةٍ … لها حُسْنُ عبَّادٍ وجسمُ ابن واقدِ وعبَّاد وابنُ حمزة بن عبد الله بن الزبير، وقد ذكرناه] (٢). وأمَّا حمزةُ بن عبد الله، فكنيتُه أبو عُمارة، [وهو أخو سالم لأمِّه وأبيه. وذكره ابن سعد] وهو من الطبقة الثانية [من التابعين] من أهل المدينة [وأمُّه أمُّ ولد]. كان ثقة قليل الحديث، حدَّث عن عائشة ﵂، [وروى عنه الزُّهري. وذكره يحيى بن سعيد القطان في فقهاء المدينة الاثني عشر، فقال: حمزة، وسالم، وزيد، وبلال، وعُبيد الله؛ أولاد عبد الله بن عُمر (٣). وأما عُبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ فسنذكره. وقال الزُّبير بن بكَّار:] ومن بنات عبد الله بن عمر ﵂ ابنة كانت عند عَمرو بن عثمان بن عفَّان، وأُخرى عند عروة بن الزبير (٤)، وما عدا هؤلاء فسيُذكرون في تراجمهم إن شاء الله تعالى (٥). وقال ابن المسيِّب: قال لي عبد الله بنُ عمر: هل تدري لِمَ سمَّيتُ ابني سالمًا؟ قلت: لا. قال: باسم سالم مولى أبي حذيفة، وسمَّيتُ عبدَ الله بعبد الله بن رواحة، وسمَّيتُ واقدًا باسم واقد بن عبد الله اليوبوعي (٦).

стр. 4109

ذكر مسانيده قال قوم: أسند ألفي حديث وستَّ مئة وثلاثين حديثًا، [وقال ابنُ البَرْقي: الذي جاء عنه نحو من ستِّ مئة حديث] (١). وأخرج له الإِمام أحمد ﵁ ثلاث مئة واحد وخمسين حديثًا (٢). وأُخرجَ له في "الصحيحين" مئتان وثمانون حديثًا، اتفقا على مئة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين (٣). وأخرج له في "الصحيحين" مئتان وثمانون حديثًا، اتفقا على مئة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين (٤). وروى ﵁ عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، وسعدِ بن أبي وقَّاص، ومعاذِ بنِ جبل، وبلال، وأبي ذَرّ، ورافع بن خَدِيج، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدري، وزيد بن ثابت، وعائشةَ، ﵃ أجمعين. وقيل: إنه لم يرو عن عليٍّ ﵇ شيئًا. وروى عن ابن عمر ﵁ من الصحابة: ابنُ عباس، وجابرُ بنُ عبد الله، والأغرُّ المُزَنيُّ (٥)، وغيرُهم. وأمَّا من التابعين: فسالم، وعبدُ الله، وحمزة، وبلال، وزيد، وعُبيد الله: بنوه، والقاسمُ بنُ محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وابنُ المسيَّب، وعُروة بنُ الزُّبير، وأبو سَلَمة وحُميد ابنا عبد الرحمن بن عَوْف، ومصعبُ بنُ سعد بنِ أبي وقاص، وسليمانُ بنُ

стр. 4110

يسار، وأسلم مولى عمر، ونافع وعبد الله بنُ دينار مولياه، وزيدُ بنُ أسلم، وخالدُ بنُ أسلم، والزُّبيري (١)؛ المدنيون. وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعَمرو بنُ دينار، وكُريب، وعكرمة، وصدقة بن يسار، وعبد الله بن أبي مُلَيكة، وأبو الزُّبير محمَّد بن مسلم؛ المكِّيُّون. وسعيدُ بنُ جبير، والشَّعبي، وعَوْن بن عبد الله بن عُتبة، ومحارب بن دِثار، وموسى بن طلحة بن عُبيد الله، وعبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، وأبو البَخْتَريّ سمعيدُ بنُ فيروز الطائي، ومسروق، وجَبَلة بن سُحيم، وزاذان أبو عمر، ويزيد بن صُهيب الفقير (٢)؛ الكوفيون. والحسنُ البصريّ، وابنُ سِيرِين، وأخوه أنس بنُ سِيرِين، وصفوان بن مُحرز المازنيّ، وعبدُ الله بن شقيق، وبكر بن عبد الله المُزَنيّ، وثابت البُناني، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو مِجْلَز، وأبو غَلَّاب يونُس بن جُبير، وأبو الصِّدِّيق النَّاجيّ، وقاسم بنُ ربيعة بن جَوْشَن؛ البصريُّون. وجُبير بن نُفير الحضرمي، وعبدُ الله بن مَوْهَب، والزُّبير بن الوليد، وكثير بن مُرَّة، وعُمير بن هانئ الدَّاراني، ويحيى بن راشد؛ الشاميُّون. وميمون بنُ مِهْران الرَّقِّيُّ، في خلق كثير من أهل الأمصار. ولما نزل مصر؛ روى عنه أكثر من أربعين رجلًا، ﵁. ومن مسانِيده: عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان أبي إذا أتى الرجلَ وهو يريدُ السفرَ قال له: ادْنُ حتى أودِّعَك كما كان رسولُ الله ﷺ يُودِّعُنا فيقول له: "أستودعُ اللهَ دِينَكَ وأمانتَكَ وخَواتيمَ عملِك" (٣).

стр. 4111

[قال الإِمام أحمد بإسناده عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمرَ سمعَ صوتَ زَمَّارةِ راعٍ، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعَدَلَ براحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ وأنا أقول: نعم. فمضى حتى قلت: لا. فرفع يديه عن أذنيه، ورجع إلى الطريق، ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وقد سمعَ صوتَ زَمَّارةِ راعٍ، فصنع مثلَ هذا. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" بهذا الإسناد (١). وقال الإِمام أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لُعِنتِ الخمرة على عشرة أوجه، لُعنت الخمرة بعينها، وشاربُها وساقيها، وبائعُها، ومبتاعُها، وعاصِرُها ومعتصِرُها، وحاملُها، والمحمولةُ إليه، وآكلُ ثمنِها" (٢). وفي رواية: وحاضرها (٣). وفي المتفق عليه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب"] (٤). وعن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون بعدي أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمَنْ صدَّقهم بكذبهم، وأعانَهم على ظُلمهم، فليس مني، ولن يَرِدَ عَلَيَّ الحوضَ". وقال سالم بن عبد الله بن عمر: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "ستخرجُ نارٌ قَبْلَ يومِ القيامةِ من نحو حضرموت -أو من حضرموت- تحشرُ الناس". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "عليكم بالشام" (٥). [وليس في الصحابة مَن اسمه عبد الله بن عمر سواه].

стр. 4112

وممَّن اسمُه عبد الله بن عمر [من غير الصحابة] عبد الله بن عمر بن عبد الله ابن عليّ العبشمي أبو عديّ (١) العَبْليّ، شاعر مخضرم في الدولتين. وفدَ على هشام بن عبد الملك، فامتدحَه بقصيدة منها. عَبْدُ شمسٍ أبوك وَهْوَ أبونا … لا نُناديك من مكانٍ بعيدِ والقَراباتُ بينَنا واشِجاتٌ … مُحْكَماتُ القُوَى بِعَقْدٍ شديدِ (٢) فأعطاه ابنُ عبد الملك عطيَّةً لم يَرضَها، وفَرَّقَ في بني مخزوم أخوالِه أموالًا، فقال: خَسّ (٣) حظِّي أَنْ كنتُ من عَبْدِ شمسٍ … ليتني كنتُ من بني مخزومِ فأفوزَ الغَداةَ فيهم بسهمٍ … وأبيعَ الأبَ الكريمَ بِلُومِ وكان العَبْليُّ يُنكرُ على بني أمية شَتْمَ عليٍّ ﵇، فنفَوْه عن الشام، فانتقلَ إلى المدينة وقال: شرَّدُوني (٤) عند امتداحي عليًّا … ورأَوْا فيَّ ذاك داءً دَوِيَّا فَوَرَبِّي لا أبْرَحُ الدَّهْرَ حتّى … تُخْتَلَى مهجتي أُحِبُّ (٥) عليَّا وبَنِيهِ لِحُبِّ أحمدَ إنِّي … كنتُ أحْبَبْتُهمْ بحبِّي (٦) النبيَّا حبَّ دينٍ لا حبَّ دنيا وشرُّ … الحُبِّ حبٌّ يكونُ دُنْياويَّا فنفَعَه ذلك لما ظهر بنو العباس فأمَّنوه.

стр. 4113

ثم خرج بعد ذلك مع محمد بن عبد الله بن حسن على أبي جعفر، فلما قُتل طَلبه أبو جعفر، فهرب. عبد الله بن عمر بن أيوب ابن المُعَمر بن قَعْنَب. قال: نهبَ الناسُ دارَ أبي الحُسين بن مكلاح النصرانيّ الكاتب بدمشق، وقصدوا قتله في سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة، فهربَ وكتبَ على باب داره: ونَفْسَك فُزْ بها إنْ خِفْتَ ضَيمًا … وخَل الدارَ تبكي مَنْ بكاها فإنك واجدٌ دارًا بدار … ولستَ بواجد نفسًا سواها (١) عوف بن مالك الأشجعي [وكنيتُه] أبو عَمرو، وقيل: أبو عبد الرحمن (٢)، من الطبقة الثالثة من المهاجرين [وذكره ابن سُميع في الخامسة]. شهد فتح خيبر [مسلمًا]، وكانت بيده يوم الفتح راية أشجع، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين الصَّعب بن جَثَّامة (٣). [وقال ابن سعد: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدرداء] (٤). وغزا مع يزيد بن معاوية القسطنطينيَّة. [وقال ابن منده:] وقدم مصر. [وقال ابن سميع:] وكانت له دار بحمص وعقب. وقال ابن عساكر: كانت له دارٌ بدمشق عند سوق الغزل (٥). ومات بحمص في سنة ثلاث وسبعين. وقيل: في سنة أربع وسبعين. وقيل: سنة خمس وسبعين، وقيل سنة خمس وثلاثين، وهو وهم.

стр. 4114

أسند الحديث عن رسول الله ﷺ [وأخرج له في "الصحيحين" ستة أحاديث، منها حديث للبخاري وخمسة لمسلم (١). وليس في الصحابة من اسمه عوف بن مالك سواه]. وروى عنه من الصحابة: أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدي كرب (٢)، وأبو هريرة. ومن غيرهم: جُبير بن نُفير، وأبو بُرْدَة بن أبي موسى، والشعبي (٣)، وأبو مسلم وأبو إدريس الخَوْلانيَّان. وكان أبو مسلم إذا حدثَ عنه يقول: حدَّثني الحبيبُ الأمين -فأما هو إليَّ فحبيب، وأما هو عندي فأمين- عوفُ بنُ مالك الأشجعي. ثم روى عنه حديثًا؛ أخرجه مسلم بإسناده إلى أبي مسلم الخَوْلاني قال: حدَّثني عوفُ بنُ مالك قال: كنَا عند رسول الله ﷺ تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال: "ألا تُبايعون رسول الله؟ "، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعة، فقال: "ألا تُبايعون رسول الله؟ " فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، علام نُبايعُك؟ قال: "أن تعبدوا اللهَ ، ولا تُشركوا به شيئًا، والصلواتِ الخمس، وتطيعوا -وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناسَ شيئًا". قال: فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَر يسقُطُ سَوْطُ أحدِهم، فما يسألُ أحدًا أن يُناولَه إيَّاه حتى ينزل فيأخذَه (٤). [قال ابن سعد:] وجاء عوف يومًا إلى عمر بنِ الخطاب رضوان الله عليه وبيده خاتمٌ من ذهب، فضرب يدَه وقال: أتلبس الذهب؟! فرمى به، فجاء من الغد وبيده خاتم من حديد، فقال عمر ﵁: حِلْيةُ أهلِ النار. فجاءه من الغد وبيده خاتم من وَرِق، فسكت عمر ﵁ (٥).

стр. 4115

مَعْبَد بن خالد أبو زُرْعة الجُهَني، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. [قال ابن سعد:] أسلم قديمًا [وكان] مع كُرز بن جابر الفِهْري حين بعثه رسولُ الله ﷺ إلى العُرَنيِّين الذين أغاروا على لِقاح النبي ﷺ بذي الجَدْر (١)، وهو أحد الأربعة الذين حملوا ألوية جُهينة التي عَقَدَها لهم رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح. وكان ألزمَهم للبادية. وقيل: إنه مات في سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة أربع وسبعين (٢). [وليس في الصحابة مَن اسمُه معبد بن خالد غيره. وله رؤية، وليس له رواية. وجملةُ مَن في الصحابة ممّن اسمُه معبد فثلاثة عشر: أحدهم هذا. والثاني: معبد بن مسعود السلمي. والثالث: معبد بن هُوذة الأنصاري. وهذان لهما صحبة ورواية. والرابع: معبد بن أكثم الكعبي. والخامس: معبد بن الحارث بن قيس. والسادس: معبد بن خليد بن أثبة (٣). والسابع: معبد بن عبادة بن قشعر. واختلفوا فيه؛ قال الواقدي: كنيتُه أبو خميصة؛ بخاء معجمة، وقيل: أبو حميصة؛ بحاء مهملة. وقال أبو معشر: أبو عُميصة؛ بعين مهملة مضمومة. وقال ابن إسحاق: هو معبد بن عبَّاد بن بشير. والثامن: معبد بن عبد سعد (٤) بن عامر.

стр. 4116

والتاسع: معبد بن قيس بن صيفي بن صخر الأنصاري، واختلفوا فيه؛ فنسبه الواقدي كذا وابنُ عمارة. وأما ابنُ عقبة وابنُ إسحاق وأبو معشر فلا يذكرون في نسبه صيفيًّا. والعاشر: معبد بن مخرمة بن قلع. والحادي عشر: معبد بن وهب العبدي. والثاني عشر: معبد بن أبي معبد الكعبي الخُزاعي، وأمّه أمّ معبد، ويقال: معبد بن صُبيح. والثالث عشر: معبد بن العبّاس بن عبد المطلب. وكلهم له رؤية، وليس له رواية، إلا مَنْ سمينا، وهما اثنان. والله أعلم] (١). السنة الخامسة والسبعون فيها خرج ملك الروم بجيوشه، فنزل مَرْعَشَ، فجهَّرْ إليه عبدُ الملك أخاه محمد بنَ مروان، فهزمَ الروم وغَنِمَهم. وفيها ولَّى عبد الملك الحجَّاج بنَ يوسف العراق دون خُراسان وسِجِسْتان، وولَّى المدينةَ يحيى بن الحكم بن [أبي] العاص؛ [عمَّ عبد الملك بن مروان]. وقدم الحجَّاجُ الكوفة في شهر رمضان. واختلفوا في سبب توليته [على] العراق على قولين: أحدهما: شَغَب أهل العراق وطمعُهم في الولاة. والثاني: إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التَّيميّ (٢).

стр. 4117

وهل سارَ الحجَّاج من الحجاز إلى العراق، أم وَفَدَ من الحجاز على عبد الملك، ثم سار إلى العراق؟ فيه قولان: فقال عبد الله بن [أبي] عُبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر: خرج الحجاج (١) من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان والمهلبُ [بن أبي صُفرة] يقاتلُ الخوارج وقد تقاعد عليه أهل البصرة والكوفة، فلما ورد الحجَّاجُ القادسية سار في اثني عشر راكبًا، فوافى مسجد الكوفة وقت الأذان، فبدأ بالمسجد وهو متعمِّم بعمامة خَزٍّ حمراء، فصَعِدَ المنبر، فجلس وهو ساكت، وقال: عليَّ بالناس، فحسِبُوه خارجة (٢)، فهمُّوا به وقالوا: لعنَ الله من بعث بهذا. وكان قبيحَ الصورة، دميمًا، وهمُّوا بِحَصْبِهِ، فقال لهم محمد بن عُمير: اصبروا حتى تسمعوا ما يقول (٣)، فقام وكشف عن وجهه، وأنشد: أنا ابنُ جَلَا وطلَّاع الثَّنايا (٤) … متى أَضَعِ العِمامَةَ تعرفوني صليبُ العُودِ من سَلَفَي نزارٍ (٥) … كنَصْلِ السَّيفِ وَضَّاحُ الجبينِ ثم قال: يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق والنِّفاق، إني (٦) أرى رؤوسا قد أينعَتْ وحانَ قِطافُها، وإنِّي -واللهِ- لَصاحبُها، أنا الحجَّاج بن يوسف الثقفي، إني (٧) -واللهِ- لأنظرُ إلى الدِّماء بين العمائم واللِّحَى.

стр. 4118

قد شمَّرَتْ عن ساقها تشميرا (١) هذا أوانُ الشَّدِّ فاشْتَدِّي زِيَمْ … قد لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعي إبلٍ ولا غَنَمْ … ولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمْ (٢) باتُوا نِيامًا وابنُ هِنْدٍ لم يَنَمْ قد لَفَّها الليلُ بِعَصْلَبِيِّ … مُهاجِرٍ ليس بأعرابي أرْوَعَ خرَّاجٍ من الدوي (٣) يا أهل الشِّقاق ومساوئ الأخلاق، إنَّ أمير المؤمنين نثلَ (٤) كِنانتَه بين يديه، فعَجَم عِيدانَها عُودًا عُودًا، فوجدَني أمرها، وأحدَّها نَصْلًا، وأقومَها قَدْحًا (٥)، فبعث بي إليكم، فإنْ تستقيموا تستقم [لكم الأمور] وإن أخذتُم بثنيَّات الطريق لا أقلتُكم عَثْرَة، ولا قبلتُ منكم معذرة، ولأَعْصِبنكم عَصْبَ السَّلَم، ولأضربنَّكم ضَرْبَ غرائب الإبل، ولأَقْرَعَنَّكم قَرْعَ المَرْوَة، فطالما ارتضعتُم ثديَ الضلالة (٦)، وسلكتم سبيل الغَواية، وتماديتُم في الجهالة، يا عَبِيد العصا، ويا أولاد الإماء، أنا الغلام الثقفيّ، لا أَعِدُ إلا وفَيت، ولا أَخْلُقُ إلا فَرَيت (٧)، فإياكم وهذه الزَّرافات، يا بني اللَّكيعة (٨)، ما أنتم وذاك؟ إنما مَثَلُكم كما قال الله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا

стр. 4119

رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] شاهَت الوجوه، فأنتُم أشباهُ أولئك، فاستوسقوا واستقيموا، فواللهِ لأُذِيقنَّكُمُ الهَوان حتى تَدِرُّوا، ولأعْصِبنَكُم عَصْبَ السَّلَمة حتى تنقادوا، فطالما أوْضَعْتُم في الفتن، وسننتُم سنن الغَيّ (١)، أُقسم بالله لَتَدَعُنَّ الإرجاف، ولَتَقْبَلُنَّ الإنصاف، ولَتَدَعُنَّ الخلاف ولتَنْزِعُنَّ عن قِيل وقال، وكان وكان، وأخبرَني فلان عن فلان، والهن وما الهن (٢)، أو لأَهْبِرَنَّكم بالسيف هَبْرًا يدعُ النساءَ أَيَامَى، والولْدانَ يتامى، وحتى تمشوا السُّمَّهَى (٣)، وتُقلعوا عن ها وها، لا يركبنَّ أحدٌ منكم إلا وحدَه، وإياكم وهذه الزَّرافات، فلو ساغ لأهل المعصية معصيتُهم ما جُبِيَ فَيء، ولا قُوتِلَ عدوّ، ولتعطَّلت الثُّغور، وقد بلغني رَفْضُكُم المهلَّب وإقبالُكم إلى مِصْركم عصاة مخالفين، وإني أُقسم بالله إن وجدتُ مِن بعثِ المهلَب بعد ثالثة أحدًا ضربتُ عنقَه، واللهِ لقد سألتُ اللهَ أن يبتليَكُم بي، وإنّي سريتُ البارحة، فسقطَ سوطي، وهذا سيفي عِوَضُه، وقد بان الصبح لذي عينين، وليس ممَّن يُقَعْقَعُ لي بالشِّنان (٤)، ولا أُغمَزُ تغماز التِّين (٥). فتساقطت الحجارة التي أرادوا أن يحصبوه بها من أيديهم، وذلُّوا، ثم قرأ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ الآيات (٦). ثم قال: يا غلام، هاتِ كتابَ أمير المؤمنين. فأخرجَ الكتابَ ونَشَرَهُ، وقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الملك أمير المؤمنين إلى [أهل] العراق، سلام عليكم.

стр. 4120

فلم يردَّ أحد السلام، فغضبَ الحجَّاج وقال: يا أهل الضلالة، ومعدن الغَي والجهَالة، أيُسَلِّم عليكم أميرُ المؤمنين ولا تردُّون سلامَه؟! واللهِ لأُؤَدِّبنكم غير هذا التأديب. ثمَّ أعاد قراءة الكتاب ثانيًا، فلما بلغ إلى قوله: يسلِّمُ عليكم أمير المؤمنين، قالوا بأجمعهم: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. [وفي رواية: أنه لما صعد المنبر سكت، فأطال، فتناول محمد بن عمير حصىً، وأراد أن يَحْصِبَهُ وقال: قاتله الله ما أعياه وأذمَّه! فلما تكلّم الحجاج وقع الحصى من يده] (١). ثم دعا العُرفاء وقال: ألْحِقُوا الناسَ بالمهلَّب، ولا تُغلِقُنَّ بابَ الجسر ليلًا ولا نهارًا حتى تنقضيَ المدَّة. ثم نزل. قال القاسم بن سلَّام لما بلغَه قولُ الحجَّاج: قاتلَ اللهُ أهلَ الكوفة، استٌ في الماء وأنفٌ في السماء (٢)! أين قبائلُهم وعشائرُهم وأهلُ الأَنَفَة منهم؟! وأين تجبُّرهم وتغطرفُهم؟! قتلُوا عليًّا ﵇، وطعَنُوا الحسن ونهبُوه، وقتلُوا الحسين، وقاتلُوا المختار، وفعلُوا بالوُلاة ما فعلُوا، وعَجَزُوا عن قتل الملعون الأخفش، الدميم الصورة، القبيح الخِلْقة، وقد قدم عليهم في اثني عشر راكبًا وهم في سبعين ألف مقاتل؟! ولكن الله تعالى أذاقَهم لباسَ الجوع والخوف، وجعل الحَجَّاجَ عليهم نِقْمةً، وأظهر مصداق قول أمير المؤمنين على ﵇: اللَّهم سَلِّطْ عليهم الغلامَ الثقفي. [قلت: وفي قول عليّ ﵇: الغلام الثقفي، نظر، وإنما هو من كلام عمر بن الخطاب، ذكره ابن سعد في آخر "الطبقات" فيمن كان بالشام بعد الصحابة في ترجمة أبي عَذَبَة.

стр. 4121

فقال: قال أبو اليمان، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة] (١) قال أبو عَذَبَة الحضرمي: قدمتُ على عمرَ بنِ الخطَّاب رابعَ أربعةٍ من أهل الشام ونحن حُجَّاج، فبينما نحن عنده إذ أتاه خبر من أهل العراق أنهم قد حصبُوا إمامَهم، وكان قد بعث إليهم إمامًا قبلَه فحصبوه، فخرج عمر إلى الصلاة مُغْضَبًا، فَسَها في صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: مَنْ هاهنا مِنْ أهل الشام؟ [فقال أبو عَذَبة:] فقمتُ أنا وأصحابي، فقال: يا أهل الشام، تجهَّزوا لأهل العراق، فإنَّ الشيطان قد باضَ فيهم وفرَّخ، ثم قال: اللهم إنهم قد ألبسوا عليَّ، فَأَلْبِسْ عليهم، اللهم عجِّل لهم الغلام الثقفيَّ الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبلُ من محسنهم، ولا يتجاوزُ عن مسيئهم. [وأخرج ابنُ عساكر في "تاريخه" عن الحسن بن سفيان طرفًا منه]. فأما ما يُروى عن عليّ ﵇ في هذا الباب، فمن رواية الحسن البصري قال: خطبَ أمير المؤمنين عليٌّ ﵇ على منبر الكوفة وقال: اللهم إني ائتمنتُ أهل العراق فخانوني، ونصحتُهم فغشُّوني، اللهم فَسَلِّطْ عليهم غلامَ ثَقِيف، يحكُم في دمائهم [وأموالهم] بحكم الجاهلية؛ لَيُقال له يومَ القيامة: اكْفِنَا زاوية من زوايا جهنم، لا يدعُ معصيةً إلا ارتكبها، يقتلُ بمن أطاعه من عصاه (٢). [وهذا قول من قال: إن الحجَّاج سار من الحجاز إلى العراق. أمَّا على قول مَنْ قال: إنه سارَ من الشام إلى العراق؛ كالهيثم بن عديّ وغيره؛ فإنهم قالوا: لما قَتَلَ الحجَّاجُ ابنَ الزُّبير؛ استدعاه عبد الملك بن مروان إلى الشام، فلما دخل عليه؛ أدناه وأكرمه، ووصلَه، وأقام عنده. فجاء كتابٌ من الكوفة من عمرو بن حُريث يُخبر عبد الملك أنهم حصبوه، وعَصَوْا على المهلَّب، وأنَّ المهلَّب في وجوه الأزارقة. فخطب عبد الملك وقال: إن العراق قد علا لهيبُها، وسطع وميضُها، فجمرُها ذَكيّ، وزِنادُها وَرِيّ، فهل من ذي قلب شديد،

стр. 4122

وسلاح عتيد ينتدب لها، فيُخمِدَ نيرانَها ويُبيدَ شُبَّانها؟ فلم يُجبه أحد، فأعاد القول مرارًا، فلم يُجبه أحد، فقام الحجَّاج فقال: أنا لها. فقال وهو يعرفه: انتسبْ. وإنما أراد أن يبيّن للناس فصاحتَه. فقال: أنا الحجَّاج بن يوسف بن الحَكَم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفيّ صاحبِ رسول الله ﷺ وعظيمِ القريتين. قال: فما أعددتَ لهم؟ قال: ألبَسُ لهم جلد النَّمِر، وأخوضُ الغَمَرات، وأقتحم المهالك، فمن خالفني طلبتُه، ومن لحقتُه قتلتُه، أسومُهم بعَجَلة وريث، وتبسُّم وازورار، وطلاقة وتجافي، وصلة وحرمان، فإن استقاموا كنتُ لهم واليًا حفيًّا، وإن لم يستقيموا لم أُبقِ منهم طُورِيًّا (١)، ولا عليك يا أمير المؤمنين أن تُجرِّبَني، فإن كنتُ للأموال جمَّاعًا، وللأيدي قطَّاعًا، وللأرواح نزَّاعًا، وإلا فاستبدلْ بي، فإنَّ الرجال كثير. فقال عبد الملك: أنت لها. وقال الزُّبير بن بكَّار: لما قَتَلَ الحجَّاجُ ابنَ الزبير استدعى إبراهيمَ (بنَ محمد) بن طلحة التيميّ، فقرَّبه وأدناه، ورفع منزلته، فلم يزل على حالِهِ تلك حتى خرجَ الحجَّاج إلى عبد الملك في آخر سنة أربع وسبعين (٢)] ذكلر قصة إبراهيم بن محمد بن طلحة مع عبد الملك بن مروان: قال الزُّبير بن بكَّار: فلمَّا خرج الحجَّاج إلى الشام استصحب (٣) معه إبراهيم بن محمد، وكان من رجالات قريش علمًا وعملًا، وزُهْدًا ووَرَعًا وعبادة، وكان الحجَّاجُ لا يتركُ من إجلاله وبِرِّه شيئًا، فلما قَدِما على عبد الملك؛ أذن للحجاج في الدخول عليه، فلما دخل سلَّم، ولم يبدأ بشيءٍ إلا أن قال: يا أمير المؤمنين، قدمتُ عليك برجلِ أهل الحجاز، لم أَدَعْ له فيه نظيرًا في كمال المروءة والأدب والذيانة والسِّتر، وحُسْنِ المذهب، والطاعةِ والنصيحة، مع القرابة ووجوبِ الحقّ. قال: ومَنْ هو؟ قال: إبراهيمُ بن محمد بن طلحة، فليفعل معه أميرُ المؤمنين ما يفعلُه بأمثاله. فقال عبدُ الملك: ذكَّرتَنا حقًّا واجبًا، ورَحِمًا قريبة. ثم أذن له [في الدخول].

стр. 4123

فلما دخل قرَّبَهُ وأدناه، ثم قال له: إنَّ أبا محمد ذكَّرَنا ما لم نزلْ نعرفُك به من الفضل والأدب، وحُسن المذهب، مع قرابة الرَّحم، ووجوبِ الحقّ، فلا تدعَنَّ حاجةً من خاصِّ أمرك إلا ذكرتَها، فقال إبراهيم: إن أولى الأمور أن تفتح به الحوائج، وتُرجى به الزّلَف ما كان لله فيه رِضي، ولحقِّ رسولِ الله ﷺ أداء، ولجماعة المسلمين فيه نصيحة. قال: وما هو؟ قال: إن عندي نصيحة لا أجدُ مِنْ ذِكْرِها بدًّا، ولا يُمكن البَوْحُ بها إلا وأنا خالٍ، فأخْلِني. فقال: أوَ دون أبي محمد؟ قال: نعم. فأشارَ عبدُ الملك إلى الحجَّاج فخرج، فقال: قُلْ. فقال: يا أمير المؤمنين، إنك عَمَدْتَ إلى الحجَّاج مع تغطرسه وتعترسه وتعجرفه لِبعده عن الحقّ وركوبِه إلى الباطل، فولَّيتَه الحَرَمَين، وبهما من أولاد المهاجرين والأنصار والصحابة مَنْ قد علمتَ، يسومُهم الخسفَ، ويقُودُهم بالعنف، ويحكمُ فيهم بغير الحقّ، ويطؤهم بطَغَام أهلِ الشام، ورَعاع لا رَوِّيَة لهم في حقّ، ولا في إزاحة باطل، ثم تظن أن ذلك يُنجيك غدًا من عذاب الله تعالى! فكيف بك إذا جاءك (١) غدًا محمدٌ (٢) ﷺ للخصومة بين يدي الله تعالى في أمَّته (٣)؟ أما والله إنَّك لن تنجوَ هناك إلا بحجَّةٍ تضمنُ لك النجاة، فأبق (٤) على نفسك، أو دَعْ، فقد قال رسول الله ﷺ : "كلّكم راع، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته". قال إبراهيم: وكان عبدُ الملك متَّكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: كذبتَ ومِنْتَ (٥) فيما جئتَ به، ولقد ظنَّ بك أبو محمد ظنًّا لم نجده فيك، وربَّما ظُنَّ الخيرُ بغيرِ أهله، قُمْ فأنتَ الكاذب المائن الحاسد. قال: فقمتُ وواللهِ ما أُبْصِرُ شيئًا، فلما جاوزتُ السِّتر لحقني لاحقٌ من ورائي، فقال للحاجب: احبس هذا، وائذنْ للحجَّاج. فدخل، فلبثتُ مَلِيّا ولا أشكّ أنهما في أمري، ثم خرج الإذْن لي فدخلتُ، فلما كشف السِّتر؛ إذا أنا بالحجَّاج وهو خارج،

стр. 4124

فاعتَنَقَني، وقبَّل ما بين عينيّ وقال: إذا جزى الله المتآخِيَين بفضل تَواصلِهما، فجزاك الله أفضلَ الجزاء، فواللهِ لئن سلمتُ لك؟ لأرفعنَ ناظريك، ولأُعْلِيَنَّ كَعْبَك، ولأُتبِعنَّ الرجال غُبارَ قدميك. قال: فقلت في نفسي: إنه ليسخرُ بي، فلما وصلتُ إلى عبد الملك أدنى مجلسي كما فعلَ في الأوَّل، ثم قال: يا ابنَ طلحة، هل أعلمتَ الحجَّاج بما جرى، أو شاركك أحدٌ في نصيحتك؟ فقلت: لا والله، ولا أعلمُ أحدًا أظهرَ يدًا عندي من الحجَّاج، ولو كنت مُحابيًا بديني أحدًا لكان هو، ولكني آثَرْتُ اللهَ ورسولَه والمسلمين، فقال: قد علمتُ صِدْقَ مقالتِك، ولو آثرتَ الدنيا لكان لك في الحجَّاج أمل، وقد عزلتُه عن الحَرَمَين لمَّا كرهتَ ولايتَه عليهما، وأخبرتُه أنك أنتَ الذي استنزلتني [له] عنهما استصغارًا لهما، وولَّيتُه العراقَين لِما هنالك من الأمور التي لا يُرخِصُها إلا مثلُه. وإنما قلتُ له ذلك ليؤدِّيَ ما يلزمُه من ذِمامك [فيؤدّيَ به إليك عني أجرَ نَصِيحتِك] فاخْرُجْ معه، فإنك غيرُ ذام لصحبته مع يدك عنده. قال: فخرجتُ مع الحجاج، فأكرمَني أضعافَ إكرامِه وإحسانِه إليّ (١). وقد دَلَّت هذه الحكاية على مكارم عبد الملك، وحسنِ أخلاقه، واعترافِهِ بالحقّ، وتلطُّفه في الأمور. [وقد أساء إبراهيم حيث قابل إحسان الحجَّاج إليه وثناءه عليه عند عبد الملك بمثل هذا، وقد كان الواجب عليه أن يتلطَّف في القضيَّة، ويتوصَّل إلى عبد الملك في عزل الحجَّاج عن الحَرَمَين بالوجه الذي ذكره عبد الملك وغيره] (٢). [قال البلاذري:] ولما فرغ الحجاج من خطبته قال: قُوموا إلى البيعة. فقاموا قبيلةً قبيلة، فبايعوا، حتى جاءت قبيلةُ النَّخَع، فقال: أمِنكم الكُمَيل بن زياد؟ قالوا: نعم. قال: لا بيعةَ لكم عندي حتى تأتوني به، فقالوا [له]: إنه شيخ كبير، فقال: لا بدَّ منه. فجاؤوا به على نعش، فوضعوه إلى جانب المنبر، فقال الحجَّاج: لم يبق ممن دخل على عثمان غير هذا، فقدمه فضرب عنقه.

стр. 4125

وقيل: إنه قتله بعد سنة ثمانين (١). [وحكى عمر بن شبَّة عن أشياخه قالوا:] وأقام الحجاج بالكوفة ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرًا في السوق، فصَعِدَ المنبر، فقال: قد سمعتُ تكبيرًا، وليس بالذي يُرادُ به وجهُ الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يُراد به الترهيب، وقد عرفتُ أنها عَجاجة تحتَها قصف، يا عَبِيد العصا، لا يتخلَّفنَّ أحذ ممَّن ضُربْ عليه البعث في التوجُّه إلى المهلَّب إلا قتلتُه. فقام إليه عُمير بن ضابئ التميمي (٢)، فقال: أصلحَ الله الأمير، أنا في هذا البعث وأنا شيخٌ كبير عليل، وهذا ابني أشدّ (٣) مني. قال: ومن أنت؟ قال: عُمير بن ضابئ. قال: ألستَ الذي غزا عثمان بالأمس؟ قال: بلى. قال: ما حملك على ذلك؟ قال: حبسَ أبي حتى مات وكان شيخًا كبيرًا. فقتله. [وسنذكر عُمير بن ضابئ في آخر السنة]. ولما قتل عُميرًا نادى منادي الحجَّاج: ألا إنَّ عُمير بن ضابئ أتى بعد ثالثة، وكان قد سمع النداء، فأمَرْنا بقتله، ألا فإنَّ ذِمَّة الله بريئةٌ ممَّن باتَ الليلة من جند المهلَّب في المصر. فخرج الناسُ فازدحموا على الجسر حتى وقع جماعة منهم في الماء، وعبر الجسرَ أربعةُ آلاف من مَذْحِج في تلك الليلة. وبلغَ المهلَّب وهو برامَهُرْمُز، فقال: قدم العراق رجل ذكر، اليوم قُوتل العدّو (٤). ولقيَ إبراهيمُ بنُ عامر بن غاضرة عبدَ الله بنَ الزَّبِير الأسديّ الشاعر، فقال له إبراهيم: ما الخبر؟ فقال عبد الله:

стр. 4126

تَجهَّزْ وأسْرِعْ والْحَقِ الجيشَ لا أَرَى … سوى الجيشِ إلا في المَهالكِ مَذْهَبا تَخَيَّرْ فإما أنْ تزورَ ابنَ ضابئٍ … عُميرًا وإمَّا أن تَزُورَ المُهَلَّبا فحال ولو كانَتْ خُراسانُ دونَه … رآها مكانَ السُّوقِ أو هيَ أقْرَبا من أبيات (١) [واختلفوا في قدوم الحجَّاج الكوفة، فقد ذكرنا أنه قدمها في رمضان، وقيل: في رجب]. وفيها بعد استقرار الحجاج بالكوفة بعثَ الحكمَ بنَ أيوب بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي ابنَ عمِّ الحجَّاج أميرًا على البصرة، وأمرَه أن يشتدَّ على خالد بن عبد الله بن أسيد، فخرج خالدٌ قبل وصول الحكم، فنزل الجلحاء، وخرجَ أهلُ البصرة يُودِّعونَه، فقسَمَ فيهم ألفَ ألفِ درهم، ثم انصرف (٢). وكان الحكم بنُ أيوب هذا قد تزوَّج زينبَ أختَ الحجَّاج. [ذكر أخبار الحكم: ذكر المدائني قال:] وقد كان الحجَّاج عرض عليها محمدَ بنَ القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، وهو ابنُ سبعَ عشرةَ سنة، وكان محمدٌ أشرفَ أهلِ زمانه في ثَقِيف، وعرضَ عليها الحكم بن أيوب وهو شيخ كبير، فاختارت الحَكَم على محمد، فزوَّجه إيَّاها، وولَّاه البصرة سنة خمس وسبعين، فأقامَ بها إلى سنة اثنتين وثمانين حتى خلعَ ابنُ الأشعث عبدَ الملك، فلحق بالحجَّاج. وولَّاه الحجاجُ البصرة بعد ما قُتل ابنُ الأشعث مرة ثانية (٣). ويقال: إنَّ الحكم قتلَه صالح بنُ عبد الرحمن الكاتب مع جماعة من آل الحجَّاج في العذاب على المال الذي أخذوه في أيام الحجَّاج بأمر سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة (٤). وقد روى الحكم عن أبي هريرة ﵁.

стр. 4127

وفيها سار الحجَّاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلفَ على الكوفة أبا يعفور عروةَ بنَ المغيرةِ بن شعبة، فلم يزل عليها حتى رجع الحجاج إليها بعد ما أوقع بأهل البصرة (١). [قال هشام:] ولما قدم الحجَّاج البصرةَ خطب بنحو ما خطبَ بالكوفة، وتوعَّد الناس، وجاءه شريك بن عمرو اليشكري وهو مريض به فتق وهو أعور، وعينُه الصحيحةُ عليها قطنة (٢)، وكان من أشراف أهل البصرة، فقال له الحجَّاج: ألم آمُرْك بالمسير إلى المهلَّب؟! فقال: أيُّها الأمير، قد ترى حالي وما أنا فيه، وقد عَذَرَني بِشْرُ بنُ مروان، وهذا عطائي مردود في بيت المال. فضرب عنقه، فأفزعَ ذلك أهل البصرة. وخرج الحجَّاج فنزل رُسْتقاباذ، وبينها وبين الأهواز ثمانيةَ عشرَ فرسخًا، وإنما قصد أن يشدَّ ظهر المهلَّب، ويُضعف أمرَ الخوارج (٣). [وقال الهيثم:] ثم إنَّ الحجَّاج خطبَ وقال: هذا واللهِ مُقامكم جمعةً بعد جمعة، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يُهلك الله، الخوارج المطلِّين عليكم (٤). وقال [هشام: قال الواقدي: قال الحجاج] في خطبته: ألا وإنَّ الزيادة التي زادكم ابنُ الزبير في العطاء زيادةُ فاسق، فلا أُجيزُها. وكانت مئة مئة، فقام إليه عبد الله بنُ الجارود العبدي، فقال: إنها ليست زيادةَ فاسق ولا منافق، وقد أمضاها أمير المؤمنين على يد أخيه بشر بن مروان، فأثبتَها لنا. فكذَّبه الحجَّاج وتَوَعَّده [فكان ذلك سببًا لخروجه عليه. وقال البلاذُري:] وقال له: ما أنتَ والكلام؟ لتُحسنَنَّ حملَ رأسك وإلا سلبناك إيَّاه. فقال: والله إنني لك لناصح، وإنه لَقولُ مَنْ ورائي (٥).

стр. 4128

ثم أقام شهرًا لا يذكرها (١)، ثم ذكرها، فردَّ عليه ابنُ الجارود، فقام مصقَلَة (٢) بن كرب بن رَقَبة العبدي -وهو أبو رَقَبة بن مَصقَلَة (٣) المحدث- فقال: إنه ليس للرعيَّة أنْ تَرُدَّ على راعيها، وسمعًا لما قال الأمير وطاعةً. فصاح ابن الجارود: يا ابن الجرمقانيَّة، وما أنتَ وهذا؟! ومتى كان مثلكم يتكلَّم؟! ثم اتفق وجوهُ أهلِ البصرة على قتال الحجَّاج، وقدَّموا عليهم ابنَ الجارود، منهم الهُذيل بنُ عمران البُرْجُميّ، وعبدُ الله بن حكيم المجاشعيّ، وتحالفوا على إخراج الحجَّاج من البصرة والعراق، ومكاتبةِ عبد الملك أن يولِّيَ عليهم غيرَه، فإنْ أَبَى خلعوه وحاربوه. ثم اجتمعوا، ورتَّبَ ابنُ الجارود عبد القيس على راياتهم، ومال الناس إليه، وانفرد الحجَّاج في خواصِّه وأهلِ الكوفة، وقطع ابن الجارود الجسر، وكانت خزائنُ الحجَّاج وأموالُه من ورائه، فغلبوا عليها وعلى السلاح، فأرسل الحجَّاج أعين، صاحبَ حمَّام أعين -[قال ابن الكلبي:] وهو مولى بشر بن مروان، وقيل: مولى سعد بن أبي وقاص- إلى ابنِ الجارود، فقال: أجب الأمير، فقال ابنُ الجارود: لعن الله مَنْ ذكرتَ ومن بعثَه إلينا، ليخرج ابنُ أبي رِغال عبدُ ثقيف عنَّا مذمومًا مدحورًا، وإلا قتلناه. فأغلظَ له أعين، فقال ابن الجارود: يا ابن الخبيثة، لولا أنك رسولٌ لقتلتُك، ثم أمر به فُوجئت عنقُه، وطردَه (٤). وجاءت (٥) قيس، فانتهبَتْ متاعَ الحجَّاج كلَّه، وسُرادقَه، ودوابَّه، وجاءت اليمانية، فاحتملوا امرأةَ الحجَّاج بنتَ النعمان بن بشير الأنصاري، وجاءت مُضَر، فاحتملوا امرأتَه الأخرى أمَّ سلمة بنتَ عبد الرحمن بن عَمرو بن سهل -ويقال: بنت عبد الرحمن بن عمرو بن سهل بن عمرو، فحصَّنوهما مخافةَ السفهاء. [وتزوَّجَ الوليد بن عبد الملك

стр. 4129

أمَّ سلمة (١) بنت عبد الرحمن بن عَمرو بن سهل- ويقال: من غير ذكر: عمرو وتزوَّجها أيضًا هشام بن عبد الملك بعد الوليد]. وتوقَّف ابنُ الجارود عن قتال الحجَّاج، فقال له الغضبان بن القَبَعْثَرَى الشيباني: تَعَش بالجَدْي قبل أن يتغدَّى بك، والله لئن أصبح ليكثُرَنَّ ناصرُه، ولَتَضْعُفَنَّ. واستشار الحجَّاجُ عثمانَ بنَ قَطَن الحارثي، وزياد بنَ عَمرو العتكي -وكان [زياد] على شرطته- فقال: ما تريان؟ فقال زياد: قد ترى ميلَ الناس إلى ابنِ الجارود، وقد انفضَّتْ عنك الجُموع، والرأيُ أن نأخذ لك منه أمانًا، وتنصرف إلى عبد الملك، ثم ترى رأيك بعد ذلك. فقال عثمان بن قَطَن: بئس الرأي هذا، إنك سرتَ إلى ابن الزُّبير، وكان أعظَم خطرًا من هذا، وأكثرَ عَدَدًا وأموالًا، وأعظمَ في صدور الناس، فقتَلْتَه؛ فرفعَك عبدُ الملك إلى ولاية العراقَين، فلما جريتَ إلى الأمَدِ الأقصى، وأصبْتَ الغَرَضَ الأسنى، وهابَتْك العربُ؛ تُعطي بيدك! واللهِ لئن فعلتَ هذا لا نلتَ من عبد الملك مثلَ الذي أنتَ به من السلطان أبدًا، ولتهونَنَّ عليه، ولتسقطَنَّ منزلتُك عنده وعند كل عدوّ، ولكن الرأي أن نمشيَ بسيوفنا إلى هؤلاء، فنضربَهم بها، فإمَّا أن نظفر، وإما أن نموت كرامًا. فأَعجَبَ الحجَّاجَ قولُه، وأعرض عن قول زياد، وبات الناس على تعبئة (٢). فلما أصبح الناس مال إلى الحجاج قُتيبة بنُ مسلم، وعبَّاد بنُ الحُصين الحَبَطي، وكان قد يئس من الحياة، فاشتدَّ قلبُه، وصار في ستة آلاف. وجعل ابن الجارود على ميمنته الهُذيل بنَ عمران [وعلى ميسرته عُبيد الله بن زياد بن ظَبْيان، وعلى ميمنة الحجَّاج قتيبة بن مسلم] وعلى ميسرته سعيد بنُ أسلم الكلابي، واقتتلُوا، فظهر ابنُ الجارود على الحجَّاج، ولم يبقَ إلا أن ينهزم الحجَّاج، فجاء ما لم يكن في الحساب؛ بينما ابنُ الجارود قائمٌ في القلب، والقتالُ يعمل؛ جاءه سَهْمُ

стр. 4130

غَرْبٌ (١) [فوقع في نحوه] فذبحَه، فسقط، وقاتل أصحابُه قتالًا شديدًا، فقُتل الهذيل (٢) وأعيانُ أصحابه، وانهزم الباقون، وبعثَ الحجاج برؤوسهم إلى المهلَّب ليقوِّيَ قلبه. وكتب الحجَّاج إلى عبد الملك: الحمدُ للهِ الذي حفظَ أمير المؤمنين في سلطانه، وجعلَ دائرةَ السَّوْء على مَنْ خالفه، أخْبِره أنَّ أهلَ العراق نهبُوا خزائني وأموالي، ودخلوا فسطاطي ومتاعي، وقالوا: اخْرُجْ من بلادنا إلى مَنْ بعثَك إلينا، ففارقَني البعيد، وأَسْلَمَني القريب، وقلاني الصديق، وغَصَصْتُ بالرِّيق، فلقيتُهم بأهلي وخاصَّتي ومن أطاعني، وقلت: الموتُ تحتَ أطراف الأَسَل (٣) خير من الحياة في ذُلّ، وأُخْبِرُه بقتلِ ابن الجارود وأصحابه. فكتب إليه عبد الملك: أنت الأمينُ على الغيب، القليلُ العيب، فإنْ رابَك منهم شيء فاقتُلْ أدناهم يَرْعَبْ منك أقصاهم، والسلام (٤). [وقد ذكرنا الجارود فيما تقدَّم، واسمه بشر بن عموو بن حنش بن المعلَّى، وكان نصرانيًّا، والجارود لقب له]. وقُتل مع ابن الجاوود عبدُ الله بنُ أنس بنِ مالك الأنصاري، وكان شجاعًا، فلما عاد الحجَّاج إلى البصرة استصفى أموال أنس وقال: ما أُراه إلا يعين علينا. [وسنذكر القصة فيما بعد إن شاء الله تعالى]. [ذكر] قصة عبد الله بنِ فَضَالة [ذكر هشام والهيثم وابن أبي الدنيا قالوا:] نادى منادي الحجَّاج يوم رُسْتَقَاباذ: أمِنَ الناسُ كلّهم إلا أربعةً: عبدَ الله بنَ الجارود، وعبدَ الله بنَ فَضَالة، وعكرمة بنَ رِبْعيّ، وعُبيدَ الله بنَ زياد بن ظَبْيان.

стр. 4131

[قال:] فأُتيَ برأسِ ابنِ الجارود، فلم يصدِّق فَرَحًا، فقال: عَمِّمُوه لي أعرفْه، فلم أره قطُّ إلا مُعَمَّمًا، فعمَّموه فعرفَه. وأما عُبيد الله بنُ زياد بن ظَبْيان؛ فمضى إلى عُمان، فأصابه الفالج، ومات بها. [وهو الذي قتل مصعب بن الزبير] وأمَّا عكومة بنُ رِبْعي، فلحقته خيل الحجاج فقاتل، وقَتَلَ منهم جماعة، وقُتل. وأمَّا عبدُ الله بنُ فَضَالة؛ فهربَ إلى خُراسان، فأقامَ بها حتى وليَها المهلَّب، فأمرَه الحجَّاج بأخذه أينَ أصابَه، وكان بمرو، فبعث المهلبُ إليه ابنَه حبيبًا، فأخذَه غارًّا (١) وهو لا يشعرُ به، وكتب المهلَّب إلى الحجَّاج يُخبره به. وعلم به المغيرة بن المهلَّب، فجاء إلى منزل حَبَّة بنت الفضل امرأةِ عبد الله بن فَضَالة -وكان عبدُ الله ابنَ عمِّها- فقال لها المغيرة: إنَّ حَبِيبًا قد أخذَ عبدَ الله، وقد كتب [أبي] إلى الحجَّاج يُعلمُه بذلك، فإن كان عندكِ خبرٌ؛ فشأنُك، وعندي من المال ما بدا لك. فقالت: لا ولا كرامة، تأخذونه أسيرًا غِيلَةً، وآخذُ منكم المال! ثم خرجَتْ مع خادم لها إلى الشام، فقَدِمَتْ دمشق، فدخلَتْ على أمِّ أيوب بنت عَمرو بن عثمان، وكانت أمُّها زينب بنت ذؤيب (٢) الخُزاعي، فأخبرَتْها الخبر، وقالتْ: إنما قصدتُك لأمرٍ بَهَضني وغَمٍّ كَظَّنِي (٣)، فقالتْ لها: قد كنتُ أسمعُ عبدَ الملك يتلظَّى (٤) على صاحبك. قالتْ: فأين رحلتي إليكِ من خُراسان؟! فأجْلَسَتْها مكانَها [أو: مَجْلِسَها]، فلما دخل عليها عبدُ الملك؛ أخذَتْ حَبَّةُ بثوبه وقالت: هذا مَقَامُ العائذِ بك. فأنكر كلامَها وقال: لقد عُذْتِ بمَعَاذ، فمَنْ أنتِ؟! قالتْ: تُؤَمنُ مَنْ جئتُ لأجله كائنًا مَنْ كان؟ قال: نعم. قالتْ: عبدُ الله بنُ فَضالة. فذَعِرَ عبدُ الملك، وكان حَنِقًا عليه، فقالتْ له أمُّ أيوب: ما يُذعِركَ من كرامة ساقَها الله إليك؟! قال: أو لم أُولِّهِ السوس وجُنْدَيسابور، وأقطعتُه كذا وكذا؟!.

стр. 4132

فقالت: ألم تعلم أنَّ دارَه هُدمت ثلاث مرَّات لأجلك؟! ألم تكتب إلى وجوه أهل البصرة، فلم يُجِبك غيرُه؟! ألم تعلم أنه كان سيفًا قاطعًا لأعدائك، سِلْمًا لأوليائك؟! أفيذهب صالحُ أيامه بطالحها؟! قال: هو آمن. قالت: اللهَ اللهَ في الدماء، فإنَّه الحجَّاج. فكتب لها على البريد إلى الحجَّاج بالإحسان إليه وإكرامه، ثم قال لها: ما أنتِ منه؟ قالت: ابنةُ عمِّه وزوجتُه، نشأتُ في حجر أبيه، فقال: واللهِ لأنتِ أعربُ منه وأفصحُ لسانًا، فهل معه غيركِ (١)؟ قالت: نعم، ابنةُ عُبيد بن كلاب النميري، وكذا وكذا جارية. قال: فأنا أُوليك طلاقَ زوجتِه وعتقَ جواريه، فقالت: بل تهنئه نساءَه كما هنأتَه دمَه. فقال عبد الملك لأمِّ أيوب: لا نساءَ إلا بناتُ العمّ. وقدم البريدُ على الحَجَّاج بالكتاب وقد أقام عبدَ الله بنَ فَضَالة في سراويل ليعذِّبه، ثم ليقتلَه، فأطلقَه وكساه وحملَه، وانصرف إلى أهله، فسأل عن حبَّة، فقالوا: لا ندري إلى أين توجَّهت. وبلغه ما صنعت، فأرسل إليها: أخبريني بقدومك حتى ألقاك، فقدمت ولم ترسل إليه. وكان قدومُها ليلًا وهو عند ضَرَّتِها، فقالت: لا تُؤذنوه، فلما أصبحَ أتاها فشكرها (٢). وفيها كتبَ الحجَّاجُ إلى المهلَّب بمناهضة الخوارج، فسارَ إليهم ومعه عبد الرحمن بنُ مِخْنَف على جند الكوفة، فأجلَوْهم عن رامَهُرْمُز، وقُتل عبدُ الرحمن بن مِخْنَف. قال هشام بن محمد: ناهضَ المهلَّبُ الخوارجَ يوم الاثنين لعشر بقين من شعبان سنة خمس وسبعين، فأجْلَوْهُم عن رامَهُرْمُز، فخوجوا على حامية، فنزلوا أرض سابور بمكان يقال له: كازرون، وسار المهلَّب وعبدُ الرحمن خلفَهم، فنازلوهم غرَّة رمضان، فخندقَ المهلَّبُ عليه، وما كان ينزلُ بمكانٍ إلا خندقَ عليه احترازًا من البيات، وأراد

стр. 4133

عبدُ الرحمن أن يُخندق عليه، وأشارَ المهلَّبُ بذلك، فأبى أصحابُ عبد الرحمن عليه، وقالوا: إنما خندقُنا سيوفُنا (١). وأراد الخوارجُ تبييتَ المهلَّب، فمنعَهم الخندق، فمالُوا نحو عبد الرحمن، فوجدوه لم يُخندق، فقاتلوه فانهزمَ عنهْ أصحابُه، فقاتل في بقية أصحابه فقُتل وقُتِلُوا حولَه، فقال شاعر الخوارج: لِمَنِ العَسْكَرُ المُكلَّلُ بالصَّرْ … عَى فهُمْ بين ميِّتٍ وقَتِيلِ فتراهُمْ تَسْفِي الرِّياحُ عليهِمْ … حاصِبَ الرَّمْلِ بعد جَرِّ الذُّيُولِ (٢) وقيل: جاءهما كتاب الحجَّاج يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان هذه السنة، فأوقعوا بالخوارج، واقتتلوا قتالًا شديدًا لم يقتتلوا قبلَه مثلَه، وكان بين الظهر والعصر، ومالت الخوارج بحدِّها وحديدها على عسكر المهلب، فأرسل المهلَّبُ إلى عبد الرحمن يستمدُّه، فأمدَّه بالخيل بعد الخيل، والقتالُ يعمل (٣)، فلما كان بعد العصر؛ رحَلَ الخوارج إلى عسكر عبد الرحمن وقد خَف، فجعلوا في مقابلة المهلَّب كتائب منهم، ومالُوا بحدِّهم وحديدهم إلى عبد الرحمن، فلما نظر إليهم عبدُ الرحمن، ترجَّل، وترجَّل معه القراء، وكان عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخُزيمة بن نصر العَبْسي الذي قُتل مع زيد بن علي وصُلب معه بالكوفة، ونزلَ خواص عبد الرحمن معه واقتتلوا، وقد حالت الخوارج بين العسكرين، وبعثَ عبدُ الرحمن ابنه جعفرًا إلى المهلب يخبره، فنادى المهلب في عسكر البصرة: سيروا معه إلى أبيه، فلم يسر معه إلا أُناس قليل، وجاء جعفر إلى ناحية أبيه، فحالت الخوارج بينهم، فقاتل جعفر حتى ارْتُثّ، وصعد عبد الرحمن ومن معه -وكانوا نحوًا من سبعين رجالةً- على تلّ هناك، وجاء الليل والقتال يعمل إلى الثُّلث (٤)، وقد حال الليل بين المهلَّب وعبدِ الرحمن، فمالت الخوارج على عبد الرحمن وأصحابه، فقتلوهم.

стр. 4134

فلما طلع الصبح جاء المهلَّب يطلب عبد الرحمن، فوجَده قتيلًا بين أصحابه، فصلَّى عليه ودفنَه، وكتب إلى الحجَّاج يخبره. فبعث الحجَّاج إلى عبد الملك، فوافاه كتابُه بمنى وقد حجَّ بالناس في هذه السنة، فخطبَ، وترحَّم على عبد الرحمن، وذمَّ أهلَ الكوفة (١). وقال حُميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن: إنْ يقتُلُوكَ أبا حكيمٍ غِرَّةً (٢) … فلقد تَشُدُّ وتقتلُ الأبطالا أو يُثْكِلُونا سَيِّدًا لِمُسَوَّدٍ … سَمْحَ الخليقةِ ماجدًا مِفْضالا فلَمِثْلُ قَتْلِكَ هَدَّ قومَكَ كلَّهم … مَنْ كان يحملُ عنهم الأثقالا مَنْ كان يكشفُ غَمَّهم (٣) وقتالهم (٤) … يومًا إذا كانَ الضِّرابُ نِزَالا أقسمتُ ما نِيلَتْ مَقَاتِلُ نَفْسِهِ … حتى تَدَرَّعَ من دَمٍ سِرْبَالا وتكشَّفَتْ عنه الصفوفُ وخَيلُهُ … فهناك نالتْهُ الرِّماحُ فَمَالا من أبيات. وقال سُراقة بنُ مِرْداس البارقي: ثَوَى سَيِّدُ الأزْدَيْنِ أَزْد شَنُوءةٍ … وأزد عُمانَ رَهْنَ رَمْسٍ بكازِرِ وضارَبَ حتى ماتَ أكْرَمَ مِيتةٍ .. بأبيضَ صافٍ كالعقيقةِ باترِ وصُرِّعَ حول التَّلّ (٥) تحت لوائِهِ … كِرامُ المساعي من كِرَامِ المعاشرِ قَضَى نَحْبَهُ يومَ اللقاءِ ابنُ مِخْنَفٍ … وأدبرَ عنه كلُّ ألْوَثَ داثرِ أمدَّ ولم يُمْدَدْ فَرَاحَ مُشمِّرًا … إلى الله لم يذهبْ بأثوابِ غادرِ وبعث الحجَّاج على عسكر الكوفة بعد عبد الرحمن عتَّاب بن وَرْقاء، فلم يَطِبْ له حُكْمُ المهلَّب عليه، وجرى بينَهما الكلام؛ نال منه المهلَّبُ فيه، وقال: يا ابنَ

стр. 4135

اللَّخْنَاء (١). وردَّ على المهلَّب، فرفع المهلَّبُ القضيب عليه، وأراد أن يضربه، فقبضَ المغيرةُ بنُ المهلَّب على أبيه (٢) وقال: إنه شريف من أشراف العرب، وشيخٌ من شيوخهم، تفعلُ به كذا! احْتَمِلْه، فأنتَ أهلٌ لذلك. ففعل. وبلغ الحجَّاجَ، فكتبَ إلى عتَّاب بن ورقاء يأمرُه أن يلحقَ به، ويُضيف جيش الكوفة إلى المهلَّب، ففعل (٣). وفيها بنى الحجَّاجُ واسطًا؛ شَرعَ فيها في هذه السنة، وفرغَ منها سنة ثمان وسبعين. [وقال الطبري: إنما بناها في سنة ثلاث وثمانين. وهو وهم]. [قال الأصمعي:] مرَّ الحجَّاج بدَيرٍ عند مكان [يقال له:] واسط [القصب، وقيل: واسط القصب غيرها]، فنزل عند الدَّير، وإذا براهب قد أقبلَ راكبًا على حمار، فلما وصلَ إلى موضعها بال الحمار، فنزل الراهب، فجمع البول من مكانه ورمَى به في دجلة، فدعا به الحجَّاج، فسأله عمَّا فعل، فقال: إنَّا وجدنا في كتبنا أنه يُبْنَى ها هنا مسجد يُعبد اللهُ فيه ما دام في الأوض أحد. فشرعَ الحجَّاج في بنائها (٤)! وقيل: إنما بناها لتكون بين الكوفة والبصرة، فلا تنقطعُ عنه أخبار المِصْرينِ. [وسنذكرها في سنة ٧٧]. وفيها ضرب عبدُ الملك على الدينار والدرهم اسمَ الله تعالى. [قال الهيثم:] وسببُه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخُها قبل الإسلام بأربع مئة سنة مكتوب عليها: بسم الأب والابن وروح القدس، فسبَكَها، ونَقَشَ عليها اسم الله تعالى، وآياتٍ من القرآن، واسم رسول الله ﷺ . [واختلفوا في صورة ما كتب على أقوال:]
следующие страницы →