← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

[قال:] فأُتيَ برأسِ ابنِ الجارود، فلم يصدِّق فَرَحًا، فقال: عَمِّمُوه لي أعرفْه، فلم أره قطُّ إلا مُعَمَّمًا، فعمَّموه فعرفَه. وأما عُبيد الله بنُ زياد بن ظَبْيان؛ فمضى إلى عُمان، فأصابه الفالج، ومات بها. [وهو الذي قتل مصعب بن الزبير] وأمَّا عكومة بنُ رِبْعي، فلحقته خيل الحجاج فقاتل، وقَتَلَ منهم جماعة، وقُتل. وأمَّا عبدُ الله بنُ فَضَالة؛ فهربَ إلى خُراسان، فأقامَ بها حتى وليَها المهلَّب، فأمرَه الحجَّاج بأخذه أينَ أصابَه، وكان بمرو، فبعث المهلبُ إليه ابنَه حبيبًا، فأخذَه غارًّا (١) وهو لا يشعرُ به، وكتب المهلَّب إلى الحجَّاج يُخبره به. وعلم به المغيرة بن المهلَّب، فجاء إلى منزل حَبَّة بنت الفضل امرأةِ عبد الله بن فَضَالة -وكان عبدُ الله ابنَ عمِّها- فقال لها المغيرة: إنَّ حَبِيبًا قد أخذَ عبدَ الله، وقد كتب [أبي] إلى الحجَّاج يُعلمُه بذلك، فإن كان عندكِ خبرٌ؛ فشأنُك، وعندي من المال ما بدا لك. فقالت: لا ولا كرامة، تأخذونه أسيرًا غِيلَةً، وآخذُ منكم المال! ثم خرجَتْ مع خادم لها إلى الشام، فقَدِمَتْ دمشق، فدخلَتْ على أمِّ أيوب بنت عَمرو بن عثمان، وكانت أمُّها زينب بنت ذؤيب (٢) الخُزاعي، فأخبرَتْها الخبر، وقالتْ: إنما قصدتُك لأمرٍ بَهَضني وغَمٍّ كَظَّنِي (٣)، فقالتْ لها: قد كنتُ أسمعُ عبدَ الملك يتلظَّى (٤) على صاحبك. قالتْ: فأين رحلتي إليكِ من خُراسان؟! فأجْلَسَتْها مكانَها [أو: مَجْلِسَها]، فلما دخل عليها عبدُ الملك؛ أخذَتْ حَبَّةُ بثوبه وقالت: هذا مَقَامُ العائذِ بك. فأنكر كلامَها وقال: لقد عُذْتِ بمَعَاذ، فمَنْ أنتِ؟! قالتْ: تُؤَمنُ مَنْ جئتُ لأجله كائنًا مَنْ كان؟ قال: نعم. قالتْ: عبدُ الله بنُ فَضالة. فذَعِرَ عبدُ الملك، وكان حَنِقًا عليه، فقالتْ له أمُّ أيوب: ما يُذعِركَ من كرامة ساقَها الله إليك؟! قال: أو لم أُولِّهِ السوس وجُنْدَيسابور، وأقطعتُه كذا وكذا؟!.

стр. 4132

فقالت: ألم تعلم أنَّ دارَه هُدمت ثلاث مرَّات لأجلك؟! ألم تكتب إلى وجوه أهل البصرة، فلم يُجِبك غيرُه؟! ألم تعلم أنه كان سيفًا قاطعًا لأعدائك، سِلْمًا لأوليائك؟! أفيذهب صالحُ أيامه بطالحها؟! قال: هو آمن. قالت: اللهَ اللهَ في الدماء، فإنَّه الحجَّاج. فكتب لها على البريد إلى الحجَّاج بالإحسان إليه وإكرامه، ثم قال لها: ما أنتِ منه؟ قالت: ابنةُ عمِّه وزوجتُه، نشأتُ في حجر أبيه، فقال: واللهِ لأنتِ أعربُ منه وأفصحُ لسانًا، فهل معه غيركِ (١)؟ قالت: نعم، ابنةُ عُبيد بن كلاب النميري، وكذا وكذا جارية. قال: فأنا أُوليك طلاقَ زوجتِه وعتقَ جواريه، فقالت: بل تهنئه نساءَه كما هنأتَه دمَه. فقال عبد الملك لأمِّ أيوب: لا نساءَ إلا بناتُ العمّ. وقدم البريدُ على الحَجَّاج بالكتاب وقد أقام عبدَ الله بنَ فَضَالة في سراويل ليعذِّبه، ثم ليقتلَه، فأطلقَه وكساه وحملَه، وانصرف إلى أهله، فسأل عن حبَّة، فقالوا: لا ندري إلى أين توجَّهت. وبلغه ما صنعت، فأرسل إليها: أخبريني بقدومك حتى ألقاك، فقدمت ولم ترسل إليه. وكان قدومُها ليلًا وهو عند ضَرَّتِها، فقالت: لا تُؤذنوه، فلما أصبحَ أتاها فشكرها (٢). وفيها كتبَ الحجَّاجُ إلى المهلَّب بمناهضة الخوارج، فسارَ إليهم ومعه عبد الرحمن بنُ مِخْنَف على جند الكوفة، فأجلَوْهم عن رامَهُرْمُز، وقُتل عبدُ الرحمن بن مِخْنَف. قال هشام بن محمد: ناهضَ المهلَّبُ الخوارجَ يوم الاثنين لعشر بقين من شعبان سنة خمس وسبعين، فأجْلَوْهُم عن رامَهُرْمُز، فخوجوا على حامية، فنزلوا أرض سابور بمكان يقال له: كازرون، وسار المهلَّب وعبدُ الرحمن خلفَهم، فنازلوهم غرَّة رمضان، فخندقَ المهلَّبُ عليه، وما كان ينزلُ بمكانٍ إلا خندقَ عليه احترازًا من البيات، وأراد

стр. 4133

عبدُ الرحمن أن يُخندق عليه، وأشارَ المهلَّبُ بذلك، فأبى أصحابُ عبد الرحمن عليه، وقالوا: إنما خندقُنا سيوفُنا (١). وأراد الخوارجُ تبييتَ المهلَّب، فمنعَهم الخندق، فمالُوا نحو عبد الرحمن، فوجدوه لم يُخندق، فقاتلوه فانهزمَ عنهْ أصحابُه، فقاتل في بقية أصحابه فقُتل وقُتِلُوا حولَه، فقال شاعر الخوارج: لِمَنِ العَسْكَرُ المُكلَّلُ بالصَّرْ … عَى فهُمْ بين ميِّتٍ وقَتِيلِ فتراهُمْ تَسْفِي الرِّياحُ عليهِمْ … حاصِبَ الرَّمْلِ بعد جَرِّ الذُّيُولِ (٢) وقيل: جاءهما كتاب الحجَّاج يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان هذه السنة، فأوقعوا بالخوارج، واقتتلوا قتالًا شديدًا لم يقتتلوا قبلَه مثلَه، وكان بين الظهر والعصر، ومالت الخوارج بحدِّها وحديدها على عسكر المهلب، فأرسل المهلَّبُ إلى عبد الرحمن يستمدُّه، فأمدَّه بالخيل بعد الخيل، والقتالُ يعمل (٣)، فلما كان بعد العصر؛ رحَلَ الخوارج إلى عسكر عبد الرحمن وقد خَف، فجعلوا في مقابلة المهلَّب كتائب منهم، ومالُوا بحدِّهم وحديدهم إلى عبد الرحمن، فلما نظر إليهم عبدُ الرحمن، ترجَّل، وترجَّل معه القراء، وكان عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخُزيمة بن نصر العَبْسي الذي قُتل مع زيد بن علي وصُلب معه بالكوفة، ونزلَ خواص عبد الرحمن معه واقتتلوا، وقد حالت الخوارج بين العسكرين، وبعثَ عبدُ الرحمن ابنه جعفرًا إلى المهلب يخبره، فنادى المهلب في عسكر البصرة: سيروا معه إلى أبيه، فلم يسر معه إلا أُناس قليل، وجاء جعفر إلى ناحية أبيه، فحالت الخوارج بينهم، فقاتل جعفر حتى ارْتُثّ، وصعد عبد الرحمن ومن معه -وكانوا نحوًا من سبعين رجالةً- على تلّ هناك، وجاء الليل والقتال يعمل إلى الثُّلث (٤)، وقد حال الليل بين المهلَّب وعبدِ الرحمن، فمالت الخوارج على عبد الرحمن وأصحابه، فقتلوهم.

стр. 4134

فلما طلع الصبح جاء المهلَّب يطلب عبد الرحمن، فوجَده قتيلًا بين أصحابه، فصلَّى عليه ودفنَه، وكتب إلى الحجَّاج يخبره. فبعث الحجَّاج إلى عبد الملك، فوافاه كتابُه بمنى وقد حجَّ بالناس في هذه السنة، فخطبَ، وترحَّم على عبد الرحمن، وذمَّ أهلَ الكوفة (١). وقال حُميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن: إنْ يقتُلُوكَ أبا حكيمٍ غِرَّةً (٢) … فلقد تَشُدُّ وتقتلُ الأبطالا أو يُثْكِلُونا سَيِّدًا لِمُسَوَّدٍ … سَمْحَ الخليقةِ ماجدًا مِفْضالا فلَمِثْلُ قَتْلِكَ هَدَّ قومَكَ كلَّهم … مَنْ كان يحملُ عنهم الأثقالا مَنْ كان يكشفُ غَمَّهم (٣) وقتالهم (٤) … يومًا إذا كانَ الضِّرابُ نِزَالا أقسمتُ ما نِيلَتْ مَقَاتِلُ نَفْسِهِ … حتى تَدَرَّعَ من دَمٍ سِرْبَالا وتكشَّفَتْ عنه الصفوفُ وخَيلُهُ … فهناك نالتْهُ الرِّماحُ فَمَالا من أبيات. وقال سُراقة بنُ مِرْداس البارقي: ثَوَى سَيِّدُ الأزْدَيْنِ أَزْد شَنُوءةٍ … وأزد عُمانَ رَهْنَ رَمْسٍ بكازِرِ وضارَبَ حتى ماتَ أكْرَمَ مِيتةٍ .. بأبيضَ صافٍ كالعقيقةِ باترِ وصُرِّعَ حول التَّلّ (٥) تحت لوائِهِ … كِرامُ المساعي من كِرَامِ المعاشرِ قَضَى نَحْبَهُ يومَ اللقاءِ ابنُ مِخْنَفٍ … وأدبرَ عنه كلُّ ألْوَثَ داثرِ أمدَّ ولم يُمْدَدْ فَرَاحَ مُشمِّرًا … إلى الله لم يذهبْ بأثوابِ غادرِ وبعث الحجَّاج على عسكر الكوفة بعد عبد الرحمن عتَّاب بن وَرْقاء، فلم يَطِبْ له حُكْمُ المهلَّب عليه، وجرى بينَهما الكلام؛ نال منه المهلَّبُ فيه، وقال: يا ابنَ

стр. 4135

اللَّخْنَاء (١). وردَّ على المهلَّب، فرفع المهلَّبُ القضيب عليه، وأراد أن يضربه، فقبضَ المغيرةُ بنُ المهلَّب على أبيه (٢) وقال: إنه شريف من أشراف العرب، وشيخٌ من شيوخهم، تفعلُ به كذا! احْتَمِلْه، فأنتَ أهلٌ لذلك. ففعل. وبلغ الحجَّاجَ، فكتبَ إلى عتَّاب بن ورقاء يأمرُه أن يلحقَ به، ويُضيف جيش الكوفة إلى المهلَّب، ففعل (٣). وفيها بنى الحجَّاجُ واسطًا؛ شَرعَ فيها في هذه السنة، وفرغَ منها سنة ثمان وسبعين. [وقال الطبري: إنما بناها في سنة ثلاث وثمانين. وهو وهم]. [قال الأصمعي:] مرَّ الحجَّاج بدَيرٍ عند مكان [يقال له:] واسط [القصب، وقيل: واسط القصب غيرها]، فنزل عند الدَّير، وإذا براهب قد أقبلَ راكبًا على حمار، فلما وصلَ إلى موضعها بال الحمار، فنزل الراهب، فجمع البول من مكانه ورمَى به في دجلة، فدعا به الحجَّاج، فسأله عمَّا فعل، فقال: إنَّا وجدنا في كتبنا أنه يُبْنَى ها هنا مسجد يُعبد اللهُ فيه ما دام في الأوض أحد. فشرعَ الحجَّاج في بنائها (٤)! وقيل: إنما بناها لتكون بين الكوفة والبصرة، فلا تنقطعُ عنه أخبار المِصْرينِ. [وسنذكرها في سنة ٧٧]. وفيها ضرب عبدُ الملك على الدينار والدرهم اسمَ الله تعالى. [قال الهيثم:] وسببُه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخُها قبل الإسلام بأربع مئة سنة مكتوب عليها: بسم الأب والابن وروح القدس، فسبَكَها، ونَقَشَ عليها اسم الله تعالى، وآياتٍ من القرآن، واسم رسول الله ﷺ . [واختلفوا في صورة ما كتب على أقوال:]

стр. 4136

فقيل: جعل في وجهٍ: لا إله إلا الله، وفي الآخر: محمد رسول الله، وأرَّخ وقتَ ضربها. وقيل: إنه جعلَ في وجه: قل هو الله أحد، وفي الآخر: محمد رسول الله. وقيل: كتبَ على [أحد] الوجهين: الله أحد، من غير: قُلْ (١). وقيل: كتبَ في الوجه الآخر: محمد رسول الله (٢)، ﷺ . ولما وصلت إلى العراق، أمرَ الحجَّاج فزيدَ فيها -في الجانب الذي فيه: محمد رسول الله؛ في جوانب الدرهم مستديرًا: أرسلَه بالهدى ودين الحق. الآية (٣). فقال الناس: قاتلَ اللهُ الحجاج؛ كتب القرآن على الدنانير والدراهم، ويأخذها الجنُبُ والحائض. وكان زياد قد جعل العشرة دراهم وزن ستة مثاقيل، فردَّها عبد الملك إلى وزن سبعة، كما كانت على عهد عمر ﵁ (٤). [وقال أبو اليقظان:] ولما محا عبد الملك صورةَ الأب (٥) والابن وروح القدس؛ أرسل إليه قيصر بهدايا كثيرة وأموال، وقال له: غير اسم الله تعالى، ورُدَّ الدراهم إلى ما كانت عليه. فلم يفعل. وقال الزّهري: كانت الدراهم ثلاثة أصناف. الوافية؛ وزن الدرهم مثقال، والبغليَّة (٦)؛ وزن الدرهم نصفُ مثقال، والزياديَّة؛ وزنُ العشرة ستة مثاقيل، فجمع عبد

стр. 4137

الملك الأصناف الثلاثة، فأخذ [من] كل صنف ما عَدَلَ به الآخر، فجعل العشرة وزن سبعة مثاقيل، ونَقَشَها (١) بالعربية على ما وصفنا، واستقرَّ الأمر عليه إلى هلم جرًّا (٢). فلما وليَ هارون الرشيد أراد تغييرها، فقيل له: هذا أمرٌ قد استقرّ، وألِفَه الناس، فأبقاها على ما هي عليه اليوم، ونقشَ عليها اسمَه. وقيل: أول من غيَّر نقشها من بني العباس أبو جعفر المنصور، وكتبَ عليها اسمه، أما الوزن فما تعرض أحد لتغييره. وحجَّ بالناس عبد الملك [بن مروان. وقال الواقدي:] ولما وصل [إلى] المدينة نزل بدار أبيه مروان، وأحرمَ من البيداء، ودخلَ مكة محرمًا، وأقام للناس المناسك. وحجَّ في هذه السنة جماعة من رؤوس الخوارج؛ صالحُ بن مُسرِّح أحدُ بني امرئ القيس، وشبيب بن يزيد، وسُويد، والبَطين، وكان صالح يرى رأي الصُّفْريَّة، ويقال: إنه أوَّلُ من خرج منهم (٣). [وقد ذكرهم الجوهريّ، فقال: والصُّفْريةُ؛ بالضم: صنف من الخوارج، نُسبوا إلى زياد بن الأصفر رئيسهم. قال: وزعم قوم أن الذي نُسبوا إليه هو عبد الله بن الصفّار، وأنهم الصِّفْرية (بكسر الصاد)] (٤). وعزم شبيب (٥) على الفتك بعبد الملك في هذه الحجة فلم يقدر، ولما انصرف من الحج؛ بلغه ذلك، فكتب إلى الحجاج يأمره بطلبهم، فخرجوا إلى الجزيرة. وكان صالح لما أتى الكوفة من مكة واعدَ جماعة من الخوارج وقتًا بعينه يخرج فيه، وكان معه شبيب بن يزيد بن نُعيم الشيباني.

стр. 4138

وقال ابن الكلبيّ: كان يزيد بن نُعيم سَبَى سبايا من الروم، وكان فيهم جارية حسناء، فوقعَ عليها، فولَدَتْ شبيبًا في سمنة خمس وعشرين في أيام عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه في يوم النحر، فقال أبوه: إنا لله، وُلد في يومٍ تُهراقُ فيه الدماء، سيكون صاحبَ دماء. [قال البلاذري: واسم أمه جهيرة] (١) وأسم امرأته غزالة، وكان أبوه قد انتقل من الكوفة، فنزل الموصل. وكان شبيب صاحبَ فتك وغارات على الأكراد، فسمع يومًا قارئًا يقرأ: ﴿وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ﴾ لآيات، فوقعَ في قلبه الخوف والزُّهد فتنسَّك، وتعبَّد، وأتى الكوفة، فسأل عن أعبد الناس، فدُلَّ على صالح [بن مُسرّح- كان يرى رأي الخوارجِ الصُّفْرية] فأقامَ عنده، وسمع قولَه، ووافقه على رأيه، ثم خرج صالح إلى الجزيرة، وخرجَ معه شبيب، فأقام صالح بنَصِيبِين ودَارَا (٢). وجاء شبيب إلى عبد الملك، فطلب منه ديوانه، فتهدَّده، ولم يعطه شيئًا (٣)، فعاد إلى صالح، فأقام معه وبايعه، وخرجوا بعد ذلك. وكان على المدينة أبان بن عثمان [وكان عبد الملك قد ولَّى يحيى بن الحكم المدينة. قال أبو معشر: فوفد يحيى على عبده الملك بغير إذن منه، فقال: من استخلفتَ على المدينة؟ قال: أبان بن عثمان. قال: لا جرم لا ترجعُ إليها. وأقرَّ أبانًا على المدينة] وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى العراق الحَجَّاج، وعلى خُراسان أمية بن عبده الله، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى (٤).

стр. 4139

وفيها توفي الأسود بن يزيد ابن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سَلامان بن كَهْل بن بكر بن عَوْف بن النَّخَع بن مَذْحِج، أبو عَمرو، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وهو ابنُ أخي علقمة بن قيس، وكان أكبرَ من علقمة. وكان الأسود يصومُ الدهر، وكان يصوم في الحرّ حتى يسودَّ لسانه، وكان يصومُ في السفر، فيقال له: لِمَ تُعذبُ هذا الجسد؟! فيقول: إنما أريدُ له الراحة. وذهبت إحدى عينيه من الصوم في الحرّ، وطافَ بالبيت ثمانين حجةً وعمرةً. وكان يُهلُّ من الكوفة، ومن باجُمَيرا. وحجَّ نيِّفًا وسبعين حجةً، وكان لا يصلِّي على من مات وهو مُوسِرٌ ولم يحجَّ. وكان يختم القرآن في شهر رمضان في كل ليلتين. وكانت عائشة رضوان الله عليها تقول: ما بالعراق رجل أكرمَ عليّ من الأسود. وكان يُصَفِّرُ رأسَه ولحيتَه، وكان يقالُ له: رأسُ مالِ أهل الكوفة. [وقال علقمة بن يزيد:] انتهى الزُّهد إلى ثمانية من التابعين؛ الأسود منهم. [وحكى ابن سعد عن الواقدي قال:] توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، وكان ثقة، وله أحاديثُ صالحة (١). وقد سمع من معاذ باليمن لما بعثَه رسول الله ﷺ ، وروى عن أبي بكر، وعمر (٢)، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، وسلمان، وعائشة، ﵃. وولدُه عبدُ الرحمن بنُ الأسود مات في سنة ثمان وتسعين في أيام سليمان بن عبد الملك.

стр. 4140

تَوْبَة بنُ الحُمَيِّر ابن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الخَفاجيّ (١)، أحدُ عُشَّاق العرب، صاحبُ ليلى الأَخْيَلِيَّة بنتِ عبد الله بن الرحَّالة بن شدَّاد بن كعب بن معاوية، وهو الأَخْيَل بنُ عُبادة بن عُقيل، وكانت أشعرَ النساء في زمانها، لا يقدَّم عليها غير الخنساء [وقد هاجت النابغة (الجعدي). وقال أبو عبيدة معمر:] كان توبة يشنُّ على بني الحارث بن كعب الغارات، ويفتك بهم، وكان قد رأى ليلى، فهَوِيَها، وعلم به إخوتُها، فنذروا دمَه، وارتحلوا بها، وبَعُدوا عن حيِّه، فقال: نَأَتْكَ بليلى دارُها لا تَزُورُها … وشَطَّت نَواها واسْتَمَرَّ مَرِيرُها يقولُ رجالٌ لا يَضِيُرك حبُّها (٢) … بلى كلُّ ما شَفَّ (٣) النفوسَ يَضيرُها أظنُّ بها خيرًا وأعلمُ أنها … ستُنْعِمُ يومًا أو يُفَكُّ أسيرُها وقيل: إنَّ أولها: حمامةَ بَطْنِ الوادِيَينِ تَرَنَّمِي … سُقِيتِ من الغُرِّ الغوادي مَطِيرُها أبِينِي لنا لا زال رِيشُكِ ناعمًا … ولا زِلتِ في خضراءَ عالٍ بَرِيرُها وقد زَعَمَتْ ليلى بأنيَ فاجرٌ … لنَفْسِي تُقاها أو عليها فُجورُها وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ … وقد رابَني عندَ الغَداةِ سُفُورُها [وقال ابن الكلبي: كان يقال: ما رآها إلا مُبَرْقَعةً، فجاءها يومًا وقد سَفَرَتْ عن وجهها، فأنكر ذلك، وكان إخوتُها قد نذروا دمه، فعلم أنه قد حدث أمر. وقال:] (٤)

стр. 4141

أرى اليومَ يأتي دونَ ليلى كأنّما … أتَتْ حِجَج من دويها وشهورُها عليَّ دماءُ البُدنِ إنْ كان بَعْلُها … يرى ليَ ذنبًا غيرَ أني أزورُها وأشْرِفُ بالقَوْز اليَفَاع (١) لعلَّني … أرى نارَ ليلى أو يراني بصيرُها [وقال ابن الكلبيّ: وتوبةُ هو القائل: فإنْ تمنعُوا ليلى وحُسْنَ حديثها … فلن تمنعوا عني البكا والقوافيا فهلَّا منعتُمْ إذْ منعتُمْ حديثها (٢) … خيالًا يوافيني مع الليل هاديا] (٣) وكان توبة يُغير (٤) على الأحياء، ويحمل معه الماء في المفاوز، فخرج مرة يُغير على هَمْدان وبني عقيل ومعه أخوه عبدُ الله وابنُ عمٍّ له، ففقدوا الماء، وطلبوهم فقتلُوهم، فقالت ليلى تبكيه: فآلَيْتُ أبكي بعد توبةَ هالكًا … وأندبُ إن دارَتْ (٥) عليه (٦) الدوائرُ لَعَمْرُكَ ما بالقتلِ عارٌ على الفتى … إذا لم تُصبه في الحياة المعايرُ [وقال ابن الكلبي: أغارت بنو الحارث بن كعب على قوم توبة، فخرج يدافع عنهم، وقاتل، فقُتل، وكانت وفاته في هذه السنة] (٧). وأما ليلى فإنها ماتت في هذه السنة (٨). [وقال ابن الكلبي:] وهجت النابغةَ [الجعدي] وهجاها، فقال: وكيف أُهاجي شاعرًا رُمْحُهُ أسْتُهُ … خضيبَ بنانِ لا يزالُ مُكَحَّلا

стр. 4142

فأجابَتْه: وعَيَّرْتَنْي داءً بأمك مثلُهُ … وأي حَصَانٍ لا يُقالُ لها هلا (١) [وكانت ليلى تفدُ على عبد الملك والحجَّاج]؛ دخلت [يومًا] على عبد الملك بعد ما أسنَّت، فقال لها: ما رأى منكِ توبةُ حتى عَشِقَكِ؟! فقالت: ما رأى الناس منك حيث جعلوك خليفة! والذي فرق بيننا ما كلَّمني يومًا بكلمةِ سوء قط. [وقال الخرائطي بإسناده عن عبد الله (٢) بن أبي الليث قال: قال عبد الملك بن مروان لليلى الأخيلية: باللهِ هل كان بينَكِ وبين توبة سوء قَط؟ فقالت: والذي ذهب بنفسه وهو قادر على الذهاب بنفسي ما كان بيني وبينه سوء قطّ، إلا أنه قدم من سفر، فصافحتُه، فغمز يدي، فظننتُ أنه يخنع لبعض الأمر] قال: فما معنى قولك (٣): وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بها … فليس إليها ما حييتَ سبيلُ لنا صاحب لا ينبغي أنْ نخونَهُ … وأنتَ لأُخرى فاعلمنَّ حليلُ فقالت: لا والله ما كان شيءٌ قطّ. وقال الشعبي (٤): دخلَتْ ليلى الأخيليَّة على الحجَّاج وأنا حاضر، فقال: ما الذي أقدمَكِ علينا؟ فقالت: إخلافُ النجوم، وقلَّةُ الغيوم، وكَلَبُ البَرْد، وشدَّةُ الجَهْد، وأنْتَ لنا بعد الله الرِّفْد. فقال لها: صِفِي حال البلاد. فقالت: أمَّا الفِجاج فمُغْبَرَّة، وأمَّا الأرضُ فمقشعرة، وأمَّا المَبْرَكُ فمعتلّ، وأمَّا ذو العيال فمختلّ، وأمَّا الناسُ فمُسْنِتُون، ولرحمة (٥) الله راجون، وقد أصابنا سِنونَ لم تدع لنا هُبَعًا ولا رُبَعًا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزَّقت الرجال، وأهلكت العيال (٦). وأنشدت:

стр. 4143

أحجَّاج لا يُفْلَلْ سلاحُك إنَّما … المنايا بكفِّ الله حيث يَرَاها هو القَرْمُ (١) لا يُعطي العصاةَ مُناهُمُ … ويعطي نفوسَ الطائعين (٢) مُناها (٣) إذا وردَ الحجَّاجُ أرضًا مريضة … تَتَبَّعَ أقصى دائها فشفاها شفاها من الدَّاءِ العُضَال الذي بها … غلامٌ إذا هزَّ القناةَ ثناها (٤) [فقال الحجَّاج: لا تقولي: غلام، وقولي: هُمام] فما ولدَ الأبكارُ والعُونُ (٥) مثلَه … ببحرٍ ولا بَرٍّ تجفُّ ثراها فقال الحجاج: ما وصفَني شاعرٌ وأصابَ [مثل] صفتي غيرها [بهذا البيت]. فقال لحاجبه: اقْطَعْ لسانها. فأخَذَها وخرجَ ودعا بالحجَّام، فرجعت إلى الحجَّاج وقالت: كاد هذا الأبْلَهُ أن يقطعَ مِقْولي! فدعاه وقال له: ويحك! مثلُ هذه تَقطَعُ لسانَها [لِمَ لا عاوَدْتَني فيها؟!] واللهِ لولا سابقُ خدمتِك لقطعتُ لسانَك. وأمر لها بمئة ناقة سُودِ الحَدَق. ثم قال لها: سلي حاجتك. فقالت: إن النابغة قد هجاني، فادفَعْه إلي في قَرَن (٦). فقال: هو لك. وبلغ النابغةَ، فهربَ إلى ساوة، فمات بها سنة تسع وسبعين [وسنذكره] (٧).

стр. 4144

[قال ابن الكلبي.] مر بليلى زوجُها على قبر تَوْبةَ، فقالت: أنزلني. قال: ولمَ؟ فقالت: لِأُكذِّبه، أليس هو القائل: ولَو أنَّ نيلى الأخيليَةَ سلمت … عليَّ وفوقي جَنْدَل (١) وصفائحُ سلَّمْتَ تسليمَ البشاشة أو زقَا … إليها صَدىً (٢) من جانبِ القبرِ صائحُ وإذا قد خرج من قبره طائر! فضرب صدرها، فماتت، فدُفنت إلى جانبه. وهذان البيتان من [أربعة أبيات من] أبيات العرب، وهي: وأُغْبَطُ من ليلى بما لا أَنالُه … ألا كلُّ ما قَرَّتْ به العينُ صالحُ (٣) ولَوْ أنَّ ليلى في السماء لصَعَّدَتْ … بطرفِي إلى ليلى العيونُ اللوامحُ (٤) وله (٥): لا تغزوَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ … لا ظالمًا يومًا ولا مظلومًا قوم رِباطُ الخيلِ وَسْطَ بيوتهِم … وأسِنَّة زُرْق يُخَلْنَ نُجوما ومُخَرَّقٌ عنه القميصُ تَخالُهُ … وَسْطَ البيوتِ من الحياء سقيما حتى إذا رُفِعَ اللواءُ رأيتَهُ … تحتَ اللِّواءِ على الخميسِ زعيما ولقال: إنه نَبَتَتْ على قبريهما شجرتان، وطالتا، فالتفَّتا (٦)!

стр. 4145

أبو ثعلبة الخُشَنيّ القُضاعي [وخُشَيْن حيٌّ من قُضاعة. واختلفوا في اسمه ونسبه، فقال ابن سعد (١): جُرْهُم بن ناشم. قال: وأُخبرتُ عن أبي مسهر الدمشقي أنه قال: اسمُه جُرثومة بن عبد الكريم. وقيل: جرثوم بن الأشر، وقيل: لاشر بن جرثوم، وقيل: جرثومة بن ناشج، وقيل: جرثوم بن عَمرو، وقيل: جرهم بن ناشم، أو: لاشم، وقيل: ابن ناسم، بالسين المهملة] (٢). [وقال ابن سعد:] قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى حُنَين (٣). وقيل: إنه شهد بيعة الرضوان وحُنينًا، ونزلَ الشام، وتوفي به في سنة خمس وسبعين. وحكى ابنُ عساكر عن الوليد بن مسلم أن أبا ثعلبة كان يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني الله كما يخنقُكم. فبينا هو يصلي بالليل؛ قُبضَ وهو ساجد في مُصَلَّاه. [قال:] ويقال: إنه نزل داريَّا، وقيل: بالبَلاط (٤). وقيل: بحمص. وقيل: بدمشق. وأسند عن رسول الله ﷺ أحاديث، [منها في "الصحيحين" ثلاثة؛ اثنان متفق عليهما، وواحد لمسلم] (٥). فمن مسانيده قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحبكم إليَّ وأقربَكم مني في الآخرة أحسنكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوأُكم أخلاقًا (٦)، الثَّرْثَارُون المُتَفَيهِقُون المُتَشَدِّقُون".

стр. 4146

[قوله: الثرثارون: الذين يُكثرون الكلام تكلفًا، والمُتَفَيهِقُون: الذين يتوَسَّعون في الكلام، ويفتحون أفواههم. مأخوذ من الفَهْق، وهو الامتلاء. يقال: أفْهَقْتُ الإناء: إذا ملأتَه. وفي الصحابة أربعة؛ كنيةُ كل واحد أبو ثعلبة. أحدُهم هذا، والثاني: أشجعي، والثالث: أنصاري، والرابع: ابن عم كردَم (١). وقال ابن عساكر: روى أبو ثعلبة عن أبي عُبيدة، ومعاذ بن جبل. وروى عنه: أبو إدريس الخولاني، وابنُ المسيب، وعُمير بن هانئ، وأبو رجاء العُطاردي في آخرين] (٢). حُمرَان بن أبان مولى عثمان ﵁، وهو من سَبْي (٣) عين التمر؛ سباه خالد بن الوليد ومعه أربعون غلامًا، وكانوا مُخْتَتَنين، ففرَّقهم في الناس، وكان فيهم سِيرِين أبو محمد [بن سِيرين]. وسَبْي حُمران أولُ سبْيٍ دخل المدينة من المشرق. وقيل: هو من ذُرية النَّمِر بن قاسط؛ اشتراه المسيب بن نَجَبة، فابتاعَه منه عثمان ﵁، فأعتقه، وصيره حاجبَه. وهو من الطبقة الأولى (٤) من التابعين من أهل المدينة، وكان صاحب الإذن على عثمان رضوان الله عليه. وكان سيَّره إلى البصرة، وذلك لأن عثمان ﵁ مرض، فأوصى، واستخلفَ عبدَ الرحمن بنَ عوف ﵁، وكان ابنُ عوف في الحج، وكان حُمْران هو الذي كتبَ الوصية، واستسرَّ بها حُمران، وعُوفي عثمان ﵁، وقدم عبد الرحمن ﵁، فأخبره

стр. 4147

حُمران، واستسرَّه، فقال [عبد الرحمن]: لابدّ أن أُخبرَ عثمانَ لئلا يأتمنَك على سرٍّ مثلِه. فقال: لا تفعل؛ إذًا تُهلكني. فقال: أنا أسْتأمنُه لك. فاستأمنَه، فقال: إما جلد مئة، أو النَّفْي. فاختار النفي. [وذكره ابن عساكر وقال: كانت له دار بدمشق. وقال هشام]: وأغرمَه الحجاج مئة ألف درهم، لأنه وليَ سابور لخالد بن عبد الله بن أسيد، فاقتطعَ المال. وبلغ عبدَ الملك، فكتبَ إلى الحجَّاج يلومُه ويؤنِّبُه ويقول: حُمْران أخو مَنْ مضى، وعمُّ مَنْ بقي. فردَّها عليه، فتصدَّق بها. [وذكرنا أن حُمران كان عظيمًا عند بني أمية، وأنه دخل على معاوية وعنده عبد الله بن عامر، فمدَّ حُمْران رِجْلَه، فابتدره معاوية وابنُ عامر أيهما يغمزُه. وقال أبو مُسهر:] وكان حُمْران يصلي خلف عثمان رضوان الله عليه، فإذا وقف ردَّ عليه حُمْران. [قال هشام:] وتوفّي بالبصرة سنة خمس وسبعين. وقيل: بالمدينة. أدرك أبا بكر وعُمَر ﵄، وحدَّث عن عثمان، وابنِ عمر ﵄. وروى عنه عُروة بن الزُّبير، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وناقع [مولى ابن عمر] والحسنُ البصري، ومَعْبَد الجُهَنيّ، ومسلم بنُ يسار، ومحمد بن المنكدر، وزيد بنُ أسلم، وعطاء، وعبد الله بن شدَّاد، وغيرهم. وقال يعقوب بن سفيان: لم أرهم يحتجون بحديث حمران (١). قال ابن عساكر: وقد أخرج البخاري ومسلم حديثَه، وكانت له دار بدمشق (٢).

стр. 4148

سُلَيم بن عِتْر أبو سَلَمة التُّجِيبيّ المِصْريّ، قاصُّ مصر وقاضيها، وهو من الطبقة الأولى من التابعين، وكان يسمى الناسكَ لكثرة فضله وشدة عبادتِه. [وحكى ابن عساكر بإسناده:] كان يختِمُ القرآن في كل ثلاث (١). وهو أوَّلُ من قص بمصر في سنة تسع وثلاثين، وشهدَ فتح مصر، وخطبة عمر ﵁ بالجابية، وولَّاه معاوية القضاء على مصر سنة أربعين، فأقام عليها قاضيًا إلى سنة ستين. [قال]: وهو أوَّلُ من استجدَّ (٢) بمصر سجلًّا في مواريث، وكانت وفاتُه بدمياط سنة خمس وسبعين. روى عن عمر (٣)، وعليّ، وأبي الدرداء، وحفصة أمِّ المؤمنين، وأمِّ الدرداء، ﵃. وروى عنه عُلَيُّ بنُ رباح، وأبو قبيل، ومِسْرَحُ بنُ هاعان. ومن روايته عن حفصة أمِّ المؤمنين ﵄[ما رواه ابن عساكر] قال: صَدَرْنا مع حفصة من الحجّ وعثمانُ محصور، فلما دنَونا من المدينة إذا راكبان، فسألَتْهما عن عثمان، فقالا: قُتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده، إنها القرية التي قال الله فيها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية. [قال:] وكان سُليم يستقيل معاوية من القضاء، ولا يُقيلُه. قال [ابن عساكر عن] حرملة بن عمران: كان يوسُف الثقفيُّ جالسًا في مسجد الفسطاط، ومعه ابنُه الحجَّاج بن يوسف الثقفي جالسًا، فمرَّ سُلَيم بنُ عِتْر، فقام إليه يوسف فسلّم عليه وقال: هل لك حاجة إلى معاوية، فإنّي على عزم القدوم عليه. قال: نعم، حاجتي إليه أنْ يعزلَني عن القضاء. فقال له: وَدِدْتُ -واللهِ- أنَّ قضاة المسلمين كانوا كلُّهم مثلَك، فكيف أسألُه أن يعزلك؟!.

стр. 4149

ثم عاد يوسف إلى مجلسه، فقال له ابنُه: الحجاج: مَنْ هذا الذي قُمْتَ إليه من مجلسك؟ قال: سُلَيم بن عِتر قاصُّ مصرَ وَقاضيها. فقال: أنتَ ابنُ أبي عقيل، تقومُ إلى رجلٍ من تُجِيب! فقال له أبوه: ويلَك! إني والله لا أرى الناس يُرحمون إلا بهذا وأمثالِه. فقال له الحجَاج: واللهِ ما يُفْسِدُ الناسَ على أمير المؤمنين إلا هذا وأشباهُه؛ يقعدُ إليهم، فيحدثُهم بسيرة أبي بكر وعمر، فيخرجون على أمير المؤمنين. واللهِ لو صفا هذا الأمرُ لسألتُ أمير المؤمنين أن يأذنَ لي في قتلِ هذا وأشباهِه. فقال له أبوه: لعنَك الله، واللهِ ما خلقَكَ اللهُ إلا شقيًّا. شرَيح [القاضي] ابن الحارث بن قيس بن الجَهْم بن معاوية بن عامر بن الرايش (١) بن الحارث بن معاوية بن ثَوْر بن مُرَتع (٢)، من كندة، أبو أمية القاضي الكوفي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. [وقال ابن سعد:] سُئل شُريح: ممن أنتَ؟ قال: من اليمن، وعِدادي في كندة (٣). وقال ابنُ عساكر: أسلم على يد رسول الله ﷺ ، وقال: إنَّ لي أهلَ بيت ذوي عددِ باليمن، فقال: "جئ بهم". فجاء بهم ورسولُ الله ﷺ قد قُبض (٤). وقال ابنُ منده: أدركَ زمنَ رسول الله ﷺ ولم يَلْقَه [وهو الأصح. وقال أبو القاسم ابن عساكر: ويقال: من أولاد الفُرس الذين كانوا باليمن. أدرك النبي ﷺ ولم يلقه] ويقال: بل لقيه، واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة [وأقره علي] وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة (٥).

стр. 4150

[وقال ابن سعد:] وكان قائفا شاعرًا كوسجًا. وقيل: لم يكن له لحية (١) [وقد ذكرناه. وقال ابن منده:] ولاه عمر رضوان الله عليه القضاء وله أربعون سنة، وعاش عشرين ومئة سنة. [وقال أبو نُعيم:] وليَ القضاء لعُمر، وعثمان، وعلي ﵃، وعزلَه علي ﵇، ثم أعاده معاوية، ووليَ لزياد وابنِه عُبيد الله، وعبدِ الملك بنِ مروان. وكان له في كل شهر على القضاء خمس مئة درهم. قال ابنُ سعد: إن عليًّا ﵇ رزقه ذلك، وأمرَه أن يصليَ بالناس في رمضان (٢). [ذكر طرف من أخباره، وسبب ولايته القضاء قال ابن سعد بإسناده عن الشعبي قال: ساومَ عمر بن الخطاب ﵁ بفرس، فركبه ليَشُوره (٣)، فَعَطِبَ، فقال للرجل: خُذ فرسك. فقال الرجل: لا. قال: فاجعل بيني وبينك حكمًا. قال الرجل: شُرَيح. فتحاكما إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، حُزْ ما ابتعتَ، أو رُد كما أخذتَ. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا. سِرْ إلى الكوفة. فبعثه قاضيًا عليها، وإنه لَأولُ يومٍ عَرَفَه فيه. وروى عنه ابنُ سعد قال: قال شُريح: ما شَدَدْتُ على لَهَوات خصم قظ كلمة. وما كان يلقِّنُ خصمًا حجةً قط] (٤). وشُريح أولُ مَنْ سألَ في السّرّ، فقيل له: يا أبا أمية، أحدَثْتَ! فقال: أحدثَ الناسُ فأحدَثْنا (٥).

стр. 4151

وقال له ابنُه: بيني وبين قوم خُصومة، فانظر، فإن كان الحقُّ لي خاصمتُهم، وإنْ لم يكن الحقّ لي، لم أُخاصمهم. وقصَّ قصَّتَه عليه. فقال: انطلِقْ فخاصمْهم. فتخاصموا إليه، فقضى على ابنه، فقال له: يا أبه، فضحتَني. فقال: يا بنيّ، واللهِ لأنتَ أحبّ إلي من مِلْءِ الأرض مثلهم، ولكنَّ اللهَ أعزُّ عليَّ منك، خشيتُ أن أخبرَك أنَّ القضاء عليك، فتُصالحَهم، فتذهبَ ببعض حقّهم (١). [قال:] (٢) وكان إذا خرجَ إلى القضاء قال: سيعلم الظالم حظَّ مَنْ نَقَص، إن الظالم ينتظرُ العقاب، والمظلوم ينتظر النصر. [قال]: واختصم إليه رجلان، فقضى على أحدهما، فقال: قد علمتُ من حيث أُتيت. فقال شُريح: لعن الله الراشيَ والمرتشيَ والكاذب (٣). وأقرَّ رجل عنده بحقّ، ثم ذهب لينكر، فقال له شُريح: قد شهد عليك ابنُ أختِ خالتِك (٤). [قال: فكان إذا غضب أو جاع قام. قال: ولبث شُريح في فتنة ابن الزبير تسع سنين لا يستخبر ولا يخبر بشيء. قال: وكان أبيض الرأس، وكان إذا ماتت له سنّور دفنها في داره. وهذه روايات ابن سعد (٥). وقال الشعبي: جاءت امرأة إلى شُريح، فخاصَمَتْ وجعلَتْ تبكي. قال: فقلتُ: ما أظنُّها إلا مظلومة. فقال: يا شعبيّ، إخوةُ يوسفَ جاؤوا عشاءً يبكون! وحكى ابن عساكر عن الشعبيّ قال (٦): خرج علي ﵇ إلى السُّوق، فإذا بنصرانيّ يبيع دِرْعًا، فعرفَ عليّ الدِّرْع. فقال: هذه دِرْعي. فأنكر النصرانيّ وقال: بيني

стр. 4152

وبينك قاضي المسلمين. فقدَّمَه إلى شُرَيح، فلما رآه قام من مجلس القضاء، وأجلس عليًّا في مجلسه، وجلس شُرَيح قُدامه إلى جنب النصرانيّ. فقال علي: لو كان خصمي مسلمًا لقعدتُ إلى جنبه. واحتكما عنده. فقال شُريح: يا أمير المؤمنين، ألكَ بيّنة؟ فسكت عليّ. فقال النصرانيّ: أشهدُ أن هذه أحكام النبيين، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! هي -واللهِ- دِرْعُك يا أمير المؤمنين من جملك الأورق ليلة كذا وكذا، فأخذتُها. ثم أسلم النصرانيّ، فوهبَ له علي الدِّرْع، وحملَه على فرس لإسلامه، فأُصيب معه في صفّين. وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني القصة، وقال (١): فشهد لأمير المؤمنين ابنهُ الحسن، وغلامه قنبر، فقال شُريح: زِدْني شاهدًا آخر. فقال له علي: أتردُّ شهادة الحسن؟ قال: لا، ولكن أنتَ حدَّثتَني أنه لا يجوز شهادة الولد لوالده. قال: أما سمعتَ ابنَ عمر (٢) يقول: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة" أفلا تُجيزُ شهادتهما؟! واللهِ لتخرجنَّ (إلى) بانِقْيا، فلتقضينَّ بين أهلها أربعين يومًا (٣). وروى أبو القاسم ابن عساكر عن ابن قتيبة في امرأتين اختصمتا إلى شُريح في ولدِ هِرَّة، فقال: ألقوها مع هذه، فإن هي قرَّت ودرَّت واسْبَطَرَّت، فهي لها، وإن هي فرَّت وهرَّت واقشعرَّت، فليست لها. ومعنى اسْبَطَرَّت: امتدَّت للرضاع (٤). وقال الشعبي: جاءت امرأة إلى عليّ تخاصمُ زوجها وقد طلَّقها، فادَّعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، وكان شُريح عنده، فقال له: قُلْ فيها، فقال: أقول وأنت شاهد؟ قال: قل. قال: إن جاءت بامرأة من أهلها ممن ترضى دينها وأمانتها؛ تزعم أنها حاضت ثلاث حيض، تطهر عند كلّ قَرْء طهرًا وتصلّي؛ قبلتَ قولَها، وإلا

стр. 4153

فلا. فقال أمير المؤمنين: قالون. وهو بلسان الروم: أحسنت، أو: أصبت، أو: جيّد. وقد ذكر محمد ﵀ هذه المسألة في الأصل وقال بمعناه. وقد ذكره ابن عساكر (١)، وفيه: فقال شُريح: إن جاءت بنسوة من بطانة أهلها] (٢). ونظر إلى رجل قائم على رأسه وهو يضحك، فقال له: ما يُضحكك وأنت تراني أتقلَّبُ بين الجنة والنار (٣)؟!. وكان يجعل مَيَازِيبَهُ في داره ويقول: أخافُ أن أوذِيَ جيراني (٤). وكان يقبلُ الهديَّة ويُثيب عليها (٥). وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يُصبح مَنْ شَطْرُ الناس عليه غِضابًا (٦)؟!. وتقدّم إليه رجلٌ فقال له: أين أنتَ؟ فقال شُرَيح: بينك وبين الحائط. [قال:] إني رجل من أهل الشام. فقال: بعيدٌ سحيق. قال: إني تزوَّجْتُ امراة. قال: بالرفاء والبنين. قال: فإني شرطْتُ لها دارًا. قال: الشرط أمْلَك. قال: اقضِ بيننا. قال: قد فعلت (٧). وافتقد ابنًا له، فلم يجده، فجاؤوا به. فقال: أين وجدتُموه؟ قالوا: رأيناه يُهارش الكلاب. قال له: أصليتَ؟ قال: لا. فكتب له إلى المعلم صحيفة فيها: تركَ الصلاةَ لأكْلُبٍ يسعى لها … طلبَ الهِراش مع الغُواةِ النُّجسِ فإذا أتاك فعَضَّهُ بملامةٍ … وَعِظَتْهُ (٨) موعظةَ الأديبِ الكيِّسِ

стр. 4154

فإذا هَمَمْتَ بضربِهِ فَبِدِزَةٍ … وإذا ضَرَبْتَ بها ثلاثًا فاحْبِسِ واعْلَمْ بأنَّك ما أتيتَ فنفسهُ … مع ما يُجَرِّ عُني أعزُّ الأنفسِ فليأتينَّكَ عامدًا بصحيفةٍ … نَكْداءَ مثلِ صحيفةِ المُتَلَمِّسِ فلما قرأ المعلم الصحيفة ضربه ستًّا، فأرسل إليه شريح: أمرتُك أن تضربَه ثلاثًا، فلِمَ ضربتَه ستًّا؟! فقال: ثلاثة لأمرك، وثلاثة لكونه حمل صحيفةً لا يدري ما فيها (١). وقيل: بعث شُريح إلى المعلم البيتَ الأول، والثاني، والخامس، فحمل الغلامُ الخوف على أنه فتحها، وزاد فيها البيت الثالث والرابع. ومرَّ شُريح على المؤدِّب، فقال: ما صنعت؟ قال: ضربتُ ثلاثًا ولم أتجاوزْ ما قلتَ. فقال: ما أمرتُ بثلاثٍ ولا بغيرها، فأخرجَ الرقعة وقال: هذه رقعتُك، فنظر إليها وقال: أمَّا الثلاث، فأنا قلتُها، وأما الثالث والرابع، فلا أعرفهما. فقال للغلام: مَنْ عملَ هذَين؟ قَررَه، فقال: أنا. فقال: أردِفْهما بشيءٍ حتى نعلمَ صدقَك. فأخذ الرقعة، وكتب على ظهرها: يا أيها القاضي الذي ما مثلُه … ممَّن تراهُ قاضيًا في مجلس ارْفُقْ بمن أسعرتَ خوفًا قلبَهُ … وتركتَه قلقًا بعقلِ مُوَسْوَسِ إنَّ المعلم لا يقومُ لضربهِ … أحد ومَنْ يصبرْ عليه ينكَسِ رجلٌ إذا أخذَ العصا فمَدَارُها … ما بين أسْوُقِنا وبين الأرْؤُسِ لا يرحمُ الطفلَ الصغيرَ لضعفِهِ … وكذا الكبيرُ بكأس ذُل يحتسي سبحانَ مَنْ خَلَقَ المُعَلم قاسيًا … أهونْ عليك بطَب كل منكَس فدمعت عينا شُريح. وقال للمعلم: الزَمْ بيتَك. وأحسَنَ جائزَتَه (٢). وقع الطاعون بالكوفة، فخرجَ صديق لشُرَيح إلى النَّجَف، فكتب إليه شُرَيح:

стр. 4155

أمَّا بعد، فإنَّ المكان الذي فررتَ منه لم يسق إلى غير من جاءه حِمامُه، ولم تتعدَّاه (١) أيامُه، وإنَّ الموضعَ الذي أنتَ فيه لَبِعَينِ مَنْ لا يُعجزُه طَلَب، ولا يفوتُه هَرَب، ونحن وإيَّاك على بساط، وإنَّ النَّجَف من ذي قدرة لَقريب. فرجع الرجل (٢). وقيل: توفّي سنة ستٍّ وسبعين بالكوفة وله مئةٌ وثمانِ سنين (٣). وقيل: توفي سنة ثمانين، أو تسع وسبعين (٤). وقيل: سنة ثمان وسبعين (٥). وقيل: سنة خمس وسبعين. وقيل: عاش مئة وسبعًا وعشرين سنة (٦). [وقال ابنُ عبد البَرّ: ولَّاه عمر بن الخطاب القضاء، فأقام قاضيًا ستين سنة] (٧). [وقال ابن قُتيبة:] وأقام قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، لم يتعطَّل سوى ثلاث سنين في فتنة ابن الزُّبير، فلمَّا وليَ الحجَّاجُ الكوفةَ سألَه أن يُعْفِيَهُ، فأعفاه (٨). وقال الفَضْل بن دُكين: خرج شُرَيح يومًا من عند زياد وهو على الكوفة، فقال له رجل: يا شُريح، كَبِرَتْ سِنُّك، ورقَّ عظمُك، وارتشى ابنُك. فعاد إلى زياد، فأخبره، واستقاله، فقال: لا أَقيلُك حتى تَدُلَّني على رجل يصلحُ. فقال: عليك بأبي بُرْدَة بن أبي موسى. فولَّاه وعزلَ شُريحًا (٩)، ثم عاد شُريح بعد ذلك إلى القضاء.

стр. 4156

أسند شُريح الحديث عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ﵃، وزيدِ بن ثابت. وقيل: لم يُسند عن أبي بكر ﵁، وأسند عن عُروة بن أبي الجَعْد البارقيّ. وروى عنه النَّخَعي والشعبي، وكان ثقةً كثير الحديث، وروى عنه محمد بنُ سِيرِين، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. وقدم دمشق في أيَّام معاوية، وحاكم رجلًا عند قاضيها [وقد ذكرناه]. وكان سبب سفره عن المدينة أن أمَّه تزوجت بعد أبيه، فاستحيى من الناس، فخرج. صِلَةُ بنُ أشيم العدويّ من بني عديّ بن عبد مناة، أبو الصهباء، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، كان له فضل وورع، وكان ثقةً. وقد ذكره النبيُّ ﷺ ؛ قال ابن سعد (١): حدثنا عتَّاب بنُ زياد، عن عبد الله بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن النبي ﷺ قال: "يكون في أمتي رجل يقال له: صِلَة، يدخل بشفاعته الجنةَ كذا وكذا". وقالت مُعاذةُ العدويَّة زوجة صِلَة: كان أبو الصَّهباء يصلِّي حتى ما يأتي فراشَه إلا زَحْفًا (٢). وجاءه رجل وهو يَطْعَم، فأخبره بموت أخيه، فقال: تعال فكُلْ، فقد نُعيَ لنا قُدْمًا (٣). فقال: واللهِ ما سبَقَني إليك أحد، فمن نعاه؟ قال: الذي يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٤). وقال ثابت البُناني (٥): كان صلة يخرج إلى الجبَّانة، فيتعبَّد فيها، وكان يمر على الصبيان وهم يلعبون، فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سَفَرًا، فحادوا بالنهار عن الطريق، وناموا

стр. 4157

بالليل، متى يقطعون سفرَهم؟ قال لهم ذلك مرارًا، فقال شابُّ منهم: واللهِ ما يعني بذلك غيرَنا. ثم اتبعَ ذلك الشاب صِلَةَ، قكان يتعبد معه في الجبان إلى أن مات (١). [قال الجوهري: والجَبان والجَبانة: الصحراء، فسُمِّيت المقابر جَبَّانة]. وقال جعفر بن زيد: خرجنا في غَزاة (٢) إلى كابُل، وفي الجيش صِلةُ بن أشْيَم، فنزلَ الناس عند العَتَمة، فقلت: لأرْمُقَنَّ عَمَلَه، فأنظرُ ما يذكرُ الناسُ من عبادته. فصلَّى العتمةَ، ثم اضطجع، فالتمسَ غفلةَ الناس حتى إذا هدأتِ العيون، وثبَ، فدخلَ غَيضةً قريبًا منه، ودخلتُ في أثره، فتوضأ، ثم قام يصلِّي. [قال:] وجاء أسدٌ، فدنا منه. [قال:] فَصعِدْتُ في شجرة. قال: فتراه التفتَ، أو عنده خبر؟! حتى سجد! فقلت: الآنَ يفترسُه. فجلس، ثم سلم، فقال: أيها السبُع اطلب الرزق من مكان آخر. فولى، وإنَّ له زئيرًا تُصدع الجبالُ منه، وما زال يصلي حتى [أضاء] الصبح، فجلس، فحمد اللهَ بمحامدَ لم أسمع بمثلها. ثم قال: اللهم إني أسألُك أن تُجيرني من النار، فمثلي لا يسألُك الجنَّة. [ثم رجع] وأصبح كأنه باتَ على الحشايا (٣)، وأصبحتُ وبي من الفترة ما اللهُ به عليم (٤). ونادى الأمير: لا يشدَّنَّ أحد من العسكر، وقد دنونا من أرض العدو. فقام صِلَةُ يصلِّي، وذهبَتْ بغلتُه وعليها ثَقَلُه (٥)، فلما فرغَ من صلاته قال: اللهم بغلتي. فجاءت حتى وقفت بين يديه، والتقينا العدوّ، فهزمناهم. وقال أبو السَّليل: إنَّ صِلَةَ بنَ أشْيَم حدَّثَه قال: كنتُ أسيرُ على دابة لي؛ إذْ جُعتُ جوعًا شديدًا، ولم أجد أحدًا يبيعُني طعامًا، وجعلتُ أتحرج أنْ أُصيبَ من أحدٍ من الطريق شيئًا، فبينا أنا أسيرُ أدعو ربي وأستطعمُه؛ إذْ سمعتُ وَجْبَةً من خلفي، فالتفتُ،

стр. 4158

فإذا بمنديل أبيض، فنزلتُ عن دابتي، وأخذتُ المنديل، وإذا فيه دُوْخَلَةٌ (١) مَلْأَى رُطَبًا، فأخذتُه وركبتُ دابتي، وأكلتُ منه حتى شبعتُ (٢). وأدركني المساء، فنزلتُ على راهب في دَير له، فحدَّثتُه الحديث، فاستطعمني من الرُّطَب، فأطمعتُه رُطَبات. [قال:] ثم إني مررتُ على ذلك الراهب، فإذا نخلاتٌ حِسان حمالات [-أو: نخل حمال-] فقال: إنهن لمن رُطَباتك التي أطعمتتي. وجاء بالثوب (٣) إلى أهله، فكانت امرأتُه تُريه الناس (٤). [وكانت معاذة العدويَّة زوجة صلة بن أشيم، فروى أبن أبي الدنيا عن رجل من بني عدي- قال:] ولما أُدخلت (٥) مُعاذةُ العدويَة إلى صِلَة؛ أدخلَه ابنُ أخيه الحمَّام، ثم أدخلَه بيتًا مُطَيَّبًا، فقام يصلِّي، فقامَتْ مُعاذة فصلَّتْ خلفَه، فلم يزالا كذلك حتى برقَ الفجر. قال ابنُ أخيه: فأتيتُه فقلت: أي عمّ، أُهدِيَتْ لك ابنةُ عمك الليلةَ، فقمتَ تصلي وتركتَها! فقال: إنك أدخلْتَني أَمْسِ بيتًا أذكرتَني به النار، ثم أدخلتَني بيتًا أذكَرْتَني به الجنَّة، فما زلتُ مفكِّرًا فيهما حتى أصبحتُ (٦). وقال الحسن البصري: ماتَ أخٌ لنا، فصلينا عليه، فلمَّا وُضع في قبره ومُد عليه الثوب؛ جاء صِلَة بنُ أشيم، فأخذَ بناحية الثوب، ثم نادى: يا فلان بن فلان: فإنْ تَنْجُ منها تَنْجُ من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالُك ناجيا قال: وبكى وأبكى الناس (٧).

стр. 4159

وكان صلةُ في مغزًى له (١) ومعه ابنه، فقال له: أي بنيّ، تقدَّمْ فقاتلْ حتى أحتسبَك. فتقدَّمَ فقاتلَ حتى قُتل [ثم تقدَّم فقتل] فاجتمعَ النساءُ عند امرأته مُعاذة العدويَّة، فقالت: إنْ كنتنَّ جئتُنَّ لتُهنِّئْنني؛ فمرحبًا بكنَّ، وإنْ كنتنَّ جئتُنَّ لغير ذلك؛ فارْجِعْن (٢)، [قال حُميد بنُ هلال: خرجَ صلةُ بنُ أشيم في جيش ومعه ابنُه وأعرابيّ من الحيّ، فقال الأعرابي: يا أبا الصَّهباء، رأيتُ كأنك أتيتَ على شجرةٍ ظليلةٍ، فأصبتَ منها ثلاث شَهَدات (٣)، فأعَطْيتَني واحدة، وأمسكتَ اثنتين، فوجدتُ في نفسي أن لا تكون قاسَمْتَني الأخرى. فَلَقُوا العدوَّ، فقال صلةُ لابنه: تَقَدَّمْ. فتقدَّم فقُتل. [وقُتل صلة، وقُتل الأعرابي] (٤). [وقال ابن سعد:] وقُتل صلةُ [في بعض مغازيه شهيدًا] في أول إمرة الحجَّاج على العراق (٥). أسندَ صِلَةُ عن ابنِ عبَّاس، وابنِ عُمر، وأنس وغيرهم (٦). وتوفِّيت معاذةُ زوجتُه سنة ثلاث وثمانين، وسنذكرها [هناك]. أبو عثمان [النَّهْديّ واسمه] عبد الرحمن بن مَلّ بن عَمرو بن عديّ بن وَهْب بن رَبيعة النَهْديّ القُضاعي الحِمْيَريّ. كان في عهد رسول الله ﷺ ، ولم يلقه.

стр. 4160

وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، صحب (١) سلمانَ الفارسي اثنتي عشرة سنة. قال: كنا في الجاهلية (٢) نعبدُ حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرِّحال، إنَّ ربكم قد هلك، فالتمِسوه. فخرجنا على الصَّعْبِ والذَّلُول (٣)، فبينا نحن كذلك نطلب؛ إذا منادٍ ينادي: إنَّا قد وجَدْنا ربَّكم أو شِبْهَه. [قال:] فجئنا، فإذا حجرٌ، فنحرنا عليه الجُزُر. وقال: أتَتْ عليَّ مئة وثلاثون سنة وما منِّي شيءٌ إلا قد أنكرتُه إلا أملي، فإنّي أجدُه كما هو (٤). وكان أبو عثمان يسكنُ الكوفة، فلما قُتل الحسين ﵁ تحوَّل إلى البصرة، وقال: لا أسكنُ بلدًا قُتِل فيه ابن بنت رسولِ الله ﷺ (٥). وكان إذا دعا يقول: واللهِ لقد استجابَ اللهُ لكم؛ قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦). أسلم أبو عثمان على عهد رسول الله ﷺ ، وصدَّق به، وأدَّى إليه صدقات مالِه (٧).

стр. 4161

وغزا القادسية، وجَلُولاء، وتُسْتَر، ونَهاوند، وأَذَرْبيجان، ومِهْران، وحج حَجَّتَيْن في الجاهلية قبل مبعث رسول الله ﷺ ، وقَدِمَ المدينة في أيام عمر بن الخطاب ﵁ (١). وكان كثير العبادة، حسنَ القراءة، ثقةً ثَبْتًا، عالمًا زاهدًا، عابدًا. وروى ابن أبي الدنيا عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: إني لأحبُّ أبا عثمان، كان لا يصيب دنيا (٢)، كان ليلُه قائمًا ونهارُه صائمًا. [وذكره الخطيب فقال: نزل الكوفة، ثم سار إلى البصرة] ووردَ المدائن غازيًا بلاد فارس (٣). ذكر وفاته واختلفوا فيها، فقال ابن سعد: توفّي أول ولاية الحجاج بن يوسف العراق بالبصرة وهو ابنُ ثلاثين ومئة سنة. وقال الهيثم: في سنة ست وسبعين. وقال أبو نُعيم: في إحدى وثمانين. وقال خليفة وابنُ معين والمدائني: مات سنة مئة هو وشَهْر بن حَوْشَب وأبو الضُّحى واسمه مسلم بن صُبيح. وقد عاش جماعة مئةً وثلاثين سنة، منهم بيادوق (٤) طبيب الحجَّاج؛ أدرك كسرى بن هرمز، وكذا الحارث بن كَلْدة (٥).

стр. 4162

و [أسند] أبو عثمان، عن عمر، وعليّ، وسَعْد، وسعيد، وابنِ مسعود، وابن عُمر، وأبي موسى، وأبي بن كعب، وبلال، وأسامة بن زيد، وابنِ عباس، وعمران بن حُصين، وعَمرو بن العاص، وأبي هريرة، وغيرهم. العِرباض بن سارية أبو نَجِيح السُّلَمي، من الطبقة الثالثة من الصحابة، وكان من المهاجرين (١)، ومن أهل الصُّفة. أسلمَ قديمًا، وكان يقوله: أنا رُبْعُ الإسلام، وهو أحد البكَّائين الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] (٢). وبعثه رسول الله ﷺ لما أراد غزو مكة إلى بني سُليم ومعه الحجاجُ بن عِلَاط السلمي (٣). وسكن العِرْباضُ حمصَ بقرية خارجَها يقال لها: مَرِيمِين، وبها عَقِبُه إلى اليوم (٤). وكان يقول: لولا أنْ يُقال: فعل أبو نَجيح؛ لألحقتُ مالي سبيلَه، ثم لحقت واديًا من أودية لبنان، فعبدتُ الله فيه حتى أموت (٥). أسندَ العِرباضُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ . ومن مسانيده: قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا معاوية بن صالح (٦)، عن سعيد بن سُويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلَمي، عن العِرْباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : "إني

стр. 4163

عبد اللهِ وخاتم النبيين (١)، وإنَّ آدمَ لَمُنْجَدِلٌ (٢) في طِينتِه، وسأُنبئكم بأوَّلِ (٣) ذلك: دعوة أبي إبراهيم (٤)، وبِشارةُ عيسى، ورؤيا أمي التي رأَتْ، وكذلك أمَّهاتُ النبيين تَرَينَ". [وقد رواه ليث عن معاوية، فقال: وإنَّ أمَّه رأت حين وضَعَتْه نورًا أضاءت منه قصور الشام.] (٥) روى عنه جُبَير بن نُفَير، وأبو رُهْم، وغيرهما. عَمرو بن ميمون الأودي أودِ بني صَعْب بن سعد العشيرة، من مَذْحِجِ، أبو عبد الله. [وهو] من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، أدركَ رسولَ الله ﷺ ولم يلقَه، وأدرك الجاهلية والإسلام (٦). [وحكى ابن عساكر عن عمرو بن ميمون] قال: قدم علينا معاذُ بنُ جبل إلى اليمن رسولًا من رسول الله ﷺ ، فرفع صوته في السَّحَر بالتكبير، فما سمعتُ صوتًا أحسنَ منه، فأُلْقِيَتْ عليه محبَّةٌ منِّي، فخرجتُ معه إلى الشام، فما فارقتُه حتى حثَوْتُ عليه التراب. ثم سألتُ عن أفقه الناس بعدَه، فقيل: ابنُ مسعود، فلزمتُه (٧).

стр. 4164

وحجَّ عمرو بنُ ميمون مئة حَجَّة وعُمرة، وقيل: ستين حَجَّة وعمرة (١). وكان يقول: ما يسرُّني يومَ القيامة أنَّ أمري إلى أبويّ (٢). [وقال هشام:] ولما كبر ربط حبلًا، فكان إذا أعيا في صلاته أمسكه. واختلفوا في وفاته، فقال ابن سعد عن الواقدي: إنه مات في سنة أربع -أو خمس- وسبعين في أول خلافة عبد الملك بن مروان، وقال خليفة: في سنة ست وسبعين بالكوفة (٣). وأسند عن عُمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي مسعود الأنصاري، وابن عبَّاس، وابن عَمرو، وأبي هريرة، ﵃، في آخرين. وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعي، وعَبْدة بن أبي لبابة، وسعيد بن جبير، والنَّخَعيّ، ومحمد بنُ سوقَة، وغيرهم (٤). عُمير بن ضابيء (٥) التميميّ البُرجميّ. قتلَه الحجّاج [بن يوسف. واختلفت الروايات فيه. فحكى عُمر بن شبَّة عن أشياخه قالوا:] لما قدم [الحجاج] الكوفة [واليًا عليها في سنة خمس وسبعين] وخطب خطبته التي ذكرناها، وأمر الناس بالخروج إلى المهلّب لقتال الأزارقة [قام إليه عُمير بن ضابئ، فقال: أصلح الله الأمير، إني شيخٌ كبير، وهذا ابني هو أشدُّ منّي. قال له الحجَّاج: من أنت؟ قال: عُمير بن ضابئ التميمي.

стр. 4165

فقال: أنت الذي غزا أمير المؤمنين عثمان؟ قال: بلى. قال: وما حملَك على ذلك؟ قال: حبس أبي بغير ذنب وكان شيخًا كبيرًا حتى مات. قال: ألستَ القائل: هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني … تركتُ على عثمان تبكي حلائلُهْ إني لأحسبُ في قتلك صلاحَ المِصْرَين. قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه. فقام فضرب عنقه، ونهب ماله. وفي رواية عمر بن شبَّة أن عنبسة بن سعيد كان إلى جانب الحجاج، فقال: هذا الذي دخل على عثمان قتيلًا فلطم وجهه. فأمر به الحجاج، فضُربت عنقه، فكان أوَّلَ من قتله الحجاج بالكوفة، فقال الناس: قدم الكوفة رجل من شرّ أحياء العرب من هذا الحيّ من ثمود، دقيق الساقين، ممسوح الجاعرتين، أخفش العينين، فقدَّم سيّدَ الحيّ عميرَ بن ضابئ، فقتله (١). وذكر أبو عبيدة معمر قصته أتمّ من هذا فقال: لما] نزل من المنبر جاءه عُمير بن ضابئ، ومعه ابنانِ له، وقد ركبَ معه من البراجمة ألفا فارس وقالوا له: إنْ رابَكَ من الحجَّاج أمرٌ فَدَمُنا دونَ دمك. وكان الحجَّاج في القصر. فدخلَ عليه فقال: إني شيخ كبير، وقد خرجَ اسمي في هذا البعث، وليس لي قوة على المسير، وهذا ابني أقوى مني، فإنْ رأيتَ أن تمنَّ عليَّ بلزومي منزلي، وتُسيِّرَ ابني عوضي. فقال له الحجَّاج: نعم، انطلق راشدًا، وابعثْ ابنك بديلًا. فلما ولَّى قال عنبسة بن سعيد: أيُّها الأمير، أتعرفُ هذا الشيخ الذي جاءك آنفًا؟ قال: لا. قال: هذا عُمير بن ضابئ البُرْجُمي الذي هجا أبوه بني قَطَن بسبب كلب لهم يقال له: قُرْحان، وكان يصيد حُمُر الوحش، فاستعارَه منهم، فطلبوه، فمنعهم منه؛ فركبوا إليه، فثاوروه، فقال: تكلَّف دوني وَفْدُ قُرْحانَ شُقَّةً … تظلُّ لها الوجناءُ وهي حَسِيرُ

стр. 4166

فاردَفْتُهم كلبًا فراحوا كأنما … حَباهُمْ بتاج الهُرْمُزان أميرُ فيا راكبًا إمَّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ … ثُمامةَ عني والأمورُ تدورُ فأمُّكُمُ لا تتركُوها وكلبَكم … فإنَّ عقوق الأمَّهاتِ كبيرُ إذا ما انتشى من آخرِ الليلِ نَشْوةً … يبيتُ له (١) فوق الفراشِ هريرُ فاستَعْدَوْا عليه عثمان، فحبَسه، فمات في الحبس. وكان قد اتَّخَذَ مشاقص ليقتلَ بها عثمان، فلم يقدر، فقال في مرضه: وقائلةٍ لا يُبعدُ اللهُ ضابئًا … إذا اخضرَّ من وقت الشتاء أصائلُهْ وقائلةٍ لا يبعد الله ضابئًا (٢) … إذا القِرْنُ لم يوجد له مَنْ ينازلُهْ هممتُ ولم أفعلْ وكِدْتُ وليتني … تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُهْ ولما قُتل عثمان دخل عليه عمير هذا، فكسرَ ضِلَعًا من أضلاعه بثأر أبيه، وقال: أنتَ حبستَ ضابئًا يا نَعْثَل. فقال الحجَّاجُ: ردُّوه. فردُّوه، فقال: أتشهدُ يوم الدار بنفسك، وتبعثُ عنك في غيرها بديلا؟! إني لأحسب في قتلك صلاحَ المِصْرَين، قم يا حَرَسيّ فاضربْ عُنقَه. فقامَ فضرب عنقه. وسمع ضوضاء على الباب، فقال: ما هذا؟ فقالوا: البراجم ينتظرون عُميرًا. فقال: أتحفوهم (٣) برأسه. فألَقوْه إليهم، فولَّوْا هاربين، ولحقوا بمراكزهم، فكان أوَّل من قتله الحجاجُ بالكوفة، فقال الناس: قدم الكوفة رجلٌ من شرِّ أحياء العرب من هذا الحيّ من ثمود، دقيق الساقين، ممسوح الجاعِرَتَين، أخفش العينين، فقدَّم سيِّد الحيِّ عُميرَ بنَ ضابئ، فقتله (٤).

стр. 4167

السنة السادسة والسبعون (١) قال هشام: وفيها خرج صالح بن مُسَرِّح التميمي بالجزيرة وأرض الموصل، وكان رجلًا مُتعبّدًا مُتَزَهّدًا، يُزهّد أصحابَه في الدُّنيا، ويُرَغِّبهم في الآخرة، ويُفَقِّههم في مذهب الخوارج، ويقول: إن فراقَ الفاسقين حقٌّ على المؤمنين، ويذكر أفعالًا منسوبة إلى عثمان رضوان الله عليه، واستئثارَه بالأموال، وتقريبَ بني أمية، ورفعَهم على رؤوس الناس، وقصّة الحكَمين ونحو ذلك. ومن جملة كلامه: أوصيكم بتقوى الله، والزّهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت؛ فإن الزهد في الدنيا يُرَغّب العبد فيما عند الله، ويُفرغ بدنه لطاعته، وإن كثرة ذكر الموت تُخيف العبدَ من ربه حتى يَنقاد إليه، ويحب المؤمنين، ويبغض الفاسقين المُحِلّين، واعلموا أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، فقام يُعلّم الناس الكتاب والحكمة، وَيسُنّ لهم السنن، حتى قبضه الله إليه. ثم ولي الأمرَ بعدَه صِدِّيقُه، فاقتدى بسيرته، واهتدى بهَديه، واستنَّ بسُنته، حتى لحق بالله. ثم استَخلف عمر، فعمل بكتاب الله، وأحيا السُّنن، وأمات البِدع، ولم تأخذه في الله لومةُ لائم حتى لحق بربه. وقام عثمان فاستأثر بالفيء، وعَطّل الحدود، وجار في الأحكام، واستذَلّ المؤمنين، ولم يعاقب المجرمين، فسار المسلمون إليه فقتلوه. ثم ولي أمر الأمة علي بن أبي طالب، فلم يَنشَب أن حَكّم في أمر الله الرجال، وشكّ في [أهل] الضّلال، وداهن في دين الله، ونحن منه ومن أشياعه بُرآء، فاستعِدّوا لجهاد هذه الأحزاب المُتَحزِّبة، وأئمة الضّلال الظَّلَمة، والخروجِ من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاقِ بإخواننا المؤمنين المُوفِين بعهودهم؛ الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم

стр. 4168

التماسَ رضوانِ الله في العاقِبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن الموت نازلٌ بكم وإن كنتم كارهين، فبيعوا النفوس لله طائعين؛ لتدخلوا الجنة آمِنين، وتُعانقوا الحور العِين، جَعَلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يَقضون بالحق وبه يَعدِلون. وكان يَتردَّد من المَوصل إلى نَصيبين ودارا وبلاد الجزيرة، فاستجاب له خلقٌ كثير، فجمع خواصّ أصحابه وقال لهم: إلى متى نحن مُقيمون على الجَور والنّفاق لأئمّة الضلال؟ ابعثوا إلى إخواننا، وواعِدوهم يومًا ومكانًا بعينه. وجاءه كتاب شبيب بن يزيد مع المُحَلّل بن وائل اليشكُريّ يَستَحِثُّه على الخروج، فكتب إليه: اقدم علينا لنَنظر في الأمر -وكان شبيب مُقيمًا بأذربيجان- فقدم (١) على صالح، وقال له: إلى متى نحن هكذا؟ فوالله ما تزداد السُّنَّةُ إلا دُروسًا، والمجرمون إلا طُغيانًا. واتفق رأيُهم على الخروج لهِلال صَفَر ليلةَ الأربعاء، في سنة ست وسبعين. وسأل فَروَة بن لقيط الأزدي صالحًا فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترى في قتال هؤلاء الظَّلَمة؟! أنَدعوهم قبل القتال، أو نقاتلهم من غير أن ندعوهم؟! فقال: لا، بل نَدعوهم، فلَعَمري لا يُجيبُنا إلا مَن يرى رأيَنا، ولا يقاتلنا إلا مَن يُزري علينا، فالدُّعاء لهم أَقطَعُ لحجتهم، قال. فقلتُ: فكيف ترى فيمَن قاتلَنا فظفرنا به؟ ماتقول في دمائهم وأموالهم؟ قال: إن قَتَلْنا وغَنِمنا فلنا، وإنْ تجاوَزْنا وعَفونا فموَسَّع علينا ولنا، قال فَروة: فلقد أصاب وأحسن في القول. وأقاموا بأرض دارا لما خرجوا ثلاثةَ عشر يومًا، وتحصَّن منهم أهلُ داوا ونَصيبين وسِنْجار، وكانوا في مئة وعشرة، وكان محمد بن مروان يومئذ أميرَ الجزيرة، فلم يحفل بأمرهم، وبعث إليهم عَديّ [بن عدي] بن عميرة الحارِثي في خمس مئة، فقال عدي لمحمد: أتبعثني إلى رأس الخوارج من عشرين سنة، ومعه من رجال ربيعة؛ الرجل منهم خير من مئة فارس؟! فزاد خمس مئة أخرى. فسار إليهم من حرّان في ألف، وكام محمد بن مروان في حرّان، وسار عدي وكأنما يُساق إلى الموت، وكان عَديّ رجلًا ناسكًا، فلما نزل دَوْغان بعث زياد بنَ عبد

стр. 4169

الله من بني خالد دَسيسًا إلى صالح يقول له: إنني للقائك كاره، فإن رأيتَ أن تخرج من هذا البلد إلى بلدٍ آخر فافعل، فقال صالح للرسول: ارجعْ إليه وقل له: إن كنتَ ترى رأيَنا فأرِنا من ذلك ما تعرف، وإن كنتَ على رأي أئمة السُّوء فإن شئنا نابَذْناك، وإن شئنا رَحَلْنا عنك إلى غيرك. فعاد الرسول فأخبر عديًا بما قال، فقال له: ارجع إليه وقل له: والله ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك، فقاتِلْ غيري. فحبس صالح الرسول عنده، وقال لأصحابه: اركبوا، فركبوا، وجعل شَبيبًا في الميمنة، وسُويد بن سليم النَهدي (١) في الميسرة، ووقف صالح في القلب، فأتوا سوق دَوْغان، فلم يَشعر بهم عَديّ وهو قائمٌ يصلي الضُّحى إلا وقد دَهموه، وطَلعت الخيل، وحملوا على القوم فانهزموا، ونجا عديّ على فرسٍ له، وجاء صالح فنزل عَسكرَهم وحوى ما فيه. وبلغ محمد بن مروان فغضب، وبعث إليهم خالد بن جَزْء السُّلَمي في ألف وخمس مئة، وأردفه بالحارث بن جَعْوَنَة العامريّ بمثلها، وقال لهما: أغِذّا السير حتى تلحقا بهذه الطّائفة الخبيثة الحقيرة الذليلة القليلة، فخرجا وأغَذّا السَّير. وأما صالح فإنه لما غَنِم ما كان في العسكر سار بأصحابه حتى نزل على آمِد، وبلغ خالدًا والحارث فسارا إليه، فقسم صالح أصحابَه قسمين؛ بعث إلى خالد شَبيبًا، وسار هو إلى الحارث، وقيل: بعث شبيبًا إلى الحارث، وسار هو إلى خالد، واقتتلوا قتالًا شديدًا لم يُسمع بمثله، وحال بينهم الليل، وقد كثرت الجِراحات في الفريقين، وخندق خالد والحارث، فقال شبيب لصالح: هؤلاء قد اعتصموا بخندقهم، ولا سبيل لنا إلى بَياتهم فارتفعوا بنا، وكان قد قُتل منهم أكثر من سبعين ووَهَنوا، فساروا تحت الليل، ولم يتبعهم أحد، فسلكوا أرض الجزيرة، وقطعوا أرضَ المَوصل، ونزلوا الدَّسْكرة فأقاموا بها، وبلغ الحجاج، فبعث إليهم الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهَمْداني، في ثلاثة آلاف، فساروا إلى الدَّسكرة. وخرج صالح إلى جَلولاء وخانِقين، واتّبعه الحارث إلى قريةٍ من قُرى المَوصِل يقال لها: المرج (٢)، على تخوم أرض جُوْخى، وصالح يومئذٍ في تسعين رجلًا، فكَرْدَس

стр. 4170

أصحابَه ثلاثة كراديس: كردوس فيه شبيب، وكردوس فيه سُويد بن سليم، وكردوس فيه صالح، واقتتلوا والحارث في ثلاثة آلاف، وقد انْضاف إليه جماعة، وحميت الحرب، فانكشف سويد، وثبت صالح، وكشف رأسعه ونادى: أنا صالح؛ يا أعداء الله المحلِّين، يا أعداء دينِ محمد، لا حُكم إلا لله، وخَرق الصفوف، وقتل جماعة وقتلوه. وكان إلى جانبهم حصن قريب منهم، فقال شبيب: ليُسْنِد كلُّ واحدٍ منكم ظهرَه إلى ظهر صاحبه، وليُطاعِنْ عدوَّه؛ حتى ندخل هذا الحِصن، ففعلوا ودخلوا الحصن وهم سبعون رجلًا، وجاء الحارث (١) فأحدق بالحصن (٢)، وأمر بحريق بابه ليبقى جَمْرًا فلا يقدرون على الخروج منه، وكان قد جَنّ الليل، فأحرق أصحابُه الباب، ثم انصرفوا إلى عسكرهم، فقال شبيب لأصحابه: والله لئن طلع الفجر لنُقْتَلَنّ كلنا، قالوا: فما الحيلة؟ قال: نبلُّ اللَّبابيد بالماء، ونلقيها على الجَمْر، ثم نحمل على القوم وهم غارُّون (٣)، فقالوا: افعل، فبلّوا اللبابيد فرموها على الجَمْر، وخرجوا فكَبَسوا العسكر، وضربوهم بالسيوف فانهزموا، وصُرع الحارث، فاحتمله أصحابه وهربوا به إلى المدائن، وخَلّوا لهم العسكر بما فيه، وأخذ شبيب وأصحابه الجميع. وكان مقتل صالح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جُمادى الآخرة (٤) سنة ست وسبعين. وبُويع شبيب بإمرة المؤمنين، وكان ذلك أول جيش هزمه شَبيب. وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه امرأته غزالة: قال علماء السير كهشام وأبي مخنف والهيثم بن عديّ: وسار شَبيب في أصحابه وهم سبعون، وانضاف إليه من بني شيبان تسعون رجلًا، فصار في مئة وستين، وكان قد خفف أمَّه جَهيرة (٥) بساتيدَما، فأسرى إليها جَريدة (٦)، فضمّها إلى عسكره.
следующие страницы →