← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

فاردَفْتُهم كلبًا فراحوا كأنما … حَباهُمْ بتاج الهُرْمُزان أميرُ فيا راكبًا إمَّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ … ثُمامةَ عني والأمورُ تدورُ فأمُّكُمُ لا تتركُوها وكلبَكم … فإنَّ عقوق الأمَّهاتِ كبيرُ إذا ما انتشى من آخرِ الليلِ نَشْوةً … يبيتُ له (١) فوق الفراشِ هريرُ فاستَعْدَوْا عليه عثمان، فحبَسه، فمات في الحبس. وكان قد اتَّخَذَ مشاقص ليقتلَ بها عثمان، فلم يقدر، فقال في مرضه: وقائلةٍ لا يُبعدُ اللهُ ضابئًا … إذا اخضرَّ من وقت الشتاء أصائلُهْ وقائلةٍ لا يبعد الله ضابئًا (٢) … إذا القِرْنُ لم يوجد له مَنْ ينازلُهْ هممتُ ولم أفعلْ وكِدْتُ وليتني … تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُهْ ولما قُتل عثمان دخل عليه عمير هذا، فكسرَ ضِلَعًا من أضلاعه بثأر أبيه، وقال: أنتَ حبستَ ضابئًا يا نَعْثَل. فقال الحجَّاجُ: ردُّوه. فردُّوه، فقال: أتشهدُ يوم الدار بنفسك، وتبعثُ عنك في غيرها بديلا؟! إني لأحسب في قتلك صلاحَ المِصْرَين، قم يا حَرَسيّ فاضربْ عُنقَه. فقامَ فضرب عنقه. وسمع ضوضاء على الباب، فقال: ما هذا؟ فقالوا: البراجم ينتظرون عُميرًا. فقال: أتحفوهم (٣) برأسه. فألَقوْه إليهم، فولَّوْا هاربين، ولحقوا بمراكزهم، فكان أوَّل من قتله الحجاجُ بالكوفة، فقال الناس: قدم الكوفة رجلٌ من شرِّ أحياء العرب من هذا الحيّ من ثمود، دقيق الساقين، ممسوح الجاعِرَتَين، أخفش العينين، فقدَّم سيِّد الحيِّ عُميرَ بنَ ضابئ، فقتله (٤).

стр. 4167

السنة السادسة والسبعون (١) قال هشام: وفيها خرج صالح بن مُسَرِّح التميمي بالجزيرة وأرض الموصل، وكان رجلًا مُتعبّدًا مُتَزَهّدًا، يُزهّد أصحابَه في الدُّنيا، ويُرَغِّبهم في الآخرة، ويُفَقِّههم في مذهب الخوارج، ويقول: إن فراقَ الفاسقين حقٌّ على المؤمنين، ويذكر أفعالًا منسوبة إلى عثمان رضوان الله عليه، واستئثارَه بالأموال، وتقريبَ بني أمية، ورفعَهم على رؤوس الناس، وقصّة الحكَمين ونحو ذلك. ومن جملة كلامه: أوصيكم بتقوى الله، والزّهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت؛ فإن الزهد في الدنيا يُرَغّب العبد فيما عند الله، ويُفرغ بدنه لطاعته، وإن كثرة ذكر الموت تُخيف العبدَ من ربه حتى يَنقاد إليه، ويحب المؤمنين، ويبغض الفاسقين المُحِلّين، واعلموا أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، فقام يُعلّم الناس الكتاب والحكمة، وَيسُنّ لهم السنن، حتى قبضه الله إليه. ثم ولي الأمرَ بعدَه صِدِّيقُه، فاقتدى بسيرته، واهتدى بهَديه، واستنَّ بسُنته، حتى لحق بالله. ثم استَخلف عمر، فعمل بكتاب الله، وأحيا السُّنن، وأمات البِدع، ولم تأخذه في الله لومةُ لائم حتى لحق بربه. وقام عثمان فاستأثر بالفيء، وعَطّل الحدود، وجار في الأحكام، واستذَلّ المؤمنين، ولم يعاقب المجرمين، فسار المسلمون إليه فقتلوه. ثم ولي أمر الأمة علي بن أبي طالب، فلم يَنشَب أن حَكّم في أمر الله الرجال، وشكّ في [أهل] الضّلال، وداهن في دين الله، ونحن منه ومن أشياعه بُرآء، فاستعِدّوا لجهاد هذه الأحزاب المُتَحزِّبة، وأئمة الضّلال الظَّلَمة، والخروجِ من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاقِ بإخواننا المؤمنين المُوفِين بعهودهم؛ الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم

стр. 4168

التماسَ رضوانِ الله في العاقِبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن الموت نازلٌ بكم وإن كنتم كارهين، فبيعوا النفوس لله طائعين؛ لتدخلوا الجنة آمِنين، وتُعانقوا الحور العِين، جَعَلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يَقضون بالحق وبه يَعدِلون. وكان يَتردَّد من المَوصل إلى نَصيبين ودارا وبلاد الجزيرة، فاستجاب له خلقٌ كثير، فجمع خواصّ أصحابه وقال لهم: إلى متى نحن مُقيمون على الجَور والنّفاق لأئمّة الضلال؟ ابعثوا إلى إخواننا، وواعِدوهم يومًا ومكانًا بعينه. وجاءه كتاب شبيب بن يزيد مع المُحَلّل بن وائل اليشكُريّ يَستَحِثُّه على الخروج، فكتب إليه: اقدم علينا لنَنظر في الأمر -وكان شبيب مُقيمًا بأذربيجان- فقدم (١) على صالح، وقال له: إلى متى نحن هكذا؟ فوالله ما تزداد السُّنَّةُ إلا دُروسًا، والمجرمون إلا طُغيانًا. واتفق رأيُهم على الخروج لهِلال صَفَر ليلةَ الأربعاء، في سنة ست وسبعين. وسأل فَروَة بن لقيط الأزدي صالحًا فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترى في قتال هؤلاء الظَّلَمة؟! أنَدعوهم قبل القتال، أو نقاتلهم من غير أن ندعوهم؟! فقال: لا، بل نَدعوهم، فلَعَمري لا يُجيبُنا إلا مَن يرى رأيَنا، ولا يقاتلنا إلا مَن يُزري علينا، فالدُّعاء لهم أَقطَعُ لحجتهم، قال. فقلتُ: فكيف ترى فيمَن قاتلَنا فظفرنا به؟ ماتقول في دمائهم وأموالهم؟ قال: إن قَتَلْنا وغَنِمنا فلنا، وإنْ تجاوَزْنا وعَفونا فموَسَّع علينا ولنا، قال فَروة: فلقد أصاب وأحسن في القول. وأقاموا بأرض دارا لما خرجوا ثلاثةَ عشر يومًا، وتحصَّن منهم أهلُ داوا ونَصيبين وسِنْجار، وكانوا في مئة وعشرة، وكان محمد بن مروان يومئذ أميرَ الجزيرة، فلم يحفل بأمرهم، وبعث إليهم عَديّ [بن عدي] بن عميرة الحارِثي في خمس مئة، فقال عدي لمحمد: أتبعثني إلى رأس الخوارج من عشرين سنة، ومعه من رجال ربيعة؛ الرجل منهم خير من مئة فارس؟! فزاد خمس مئة أخرى. فسار إليهم من حرّان في ألف، وكام محمد بن مروان في حرّان، وسار عدي وكأنما يُساق إلى الموت، وكان عَديّ رجلًا ناسكًا، فلما نزل دَوْغان بعث زياد بنَ عبد

стр. 4169

الله من بني خالد دَسيسًا إلى صالح يقول له: إنني للقائك كاره، فإن رأيتَ أن تخرج من هذا البلد إلى بلدٍ آخر فافعل، فقال صالح للرسول: ارجعْ إليه وقل له: إن كنتَ ترى رأيَنا فأرِنا من ذلك ما تعرف، وإن كنتَ على رأي أئمة السُّوء فإن شئنا نابَذْناك، وإن شئنا رَحَلْنا عنك إلى غيرك. فعاد الرسول فأخبر عديًا بما قال، فقال له: ارجع إليه وقل له: والله ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك، فقاتِلْ غيري. فحبس صالح الرسول عنده، وقال لأصحابه: اركبوا، فركبوا، وجعل شَبيبًا في الميمنة، وسُويد بن سليم النَهدي (١) في الميسرة، ووقف صالح في القلب، فأتوا سوق دَوْغان، فلم يَشعر بهم عَديّ وهو قائمٌ يصلي الضُّحى إلا وقد دَهموه، وطَلعت الخيل، وحملوا على القوم فانهزموا، ونجا عديّ على فرسٍ له، وجاء صالح فنزل عَسكرَهم وحوى ما فيه. وبلغ محمد بن مروان فغضب، وبعث إليهم خالد بن جَزْء السُّلَمي في ألف وخمس مئة، وأردفه بالحارث بن جَعْوَنَة العامريّ بمثلها، وقال لهما: أغِذّا السير حتى تلحقا بهذه الطّائفة الخبيثة الحقيرة الذليلة القليلة، فخرجا وأغَذّا السَّير. وأما صالح فإنه لما غَنِم ما كان في العسكر سار بأصحابه حتى نزل على آمِد، وبلغ خالدًا والحارث فسارا إليه، فقسم صالح أصحابَه قسمين؛ بعث إلى خالد شَبيبًا، وسار هو إلى الحارث، وقيل: بعث شبيبًا إلى الحارث، وسار هو إلى خالد، واقتتلوا قتالًا شديدًا لم يُسمع بمثله، وحال بينهم الليل، وقد كثرت الجِراحات في الفريقين، وخندق خالد والحارث، فقال شبيب لصالح: هؤلاء قد اعتصموا بخندقهم، ولا سبيل لنا إلى بَياتهم فارتفعوا بنا، وكان قد قُتل منهم أكثر من سبعين ووَهَنوا، فساروا تحت الليل، ولم يتبعهم أحد، فسلكوا أرض الجزيرة، وقطعوا أرضَ المَوصل، ونزلوا الدَّسْكرة فأقاموا بها، وبلغ الحجاج، فبعث إليهم الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهَمْداني، في ثلاثة آلاف، فساروا إلى الدَّسكرة. وخرج صالح إلى جَلولاء وخانِقين، واتّبعه الحارث إلى قريةٍ من قُرى المَوصِل يقال لها: المرج (٢)، على تخوم أرض جُوْخى، وصالح يومئذٍ في تسعين رجلًا، فكَرْدَس

стр. 4170

أصحابَه ثلاثة كراديس: كردوس فيه شبيب، وكردوس فيه سُويد بن سليم، وكردوس فيه صالح، واقتتلوا والحارث في ثلاثة آلاف، وقد انْضاف إليه جماعة، وحميت الحرب، فانكشف سويد، وثبت صالح، وكشف رأسعه ونادى: أنا صالح؛ يا أعداء الله المحلِّين، يا أعداء دينِ محمد، لا حُكم إلا لله، وخَرق الصفوف، وقتل جماعة وقتلوه. وكان إلى جانبهم حصن قريب منهم، فقال شبيب: ليُسْنِد كلُّ واحدٍ منكم ظهرَه إلى ظهر صاحبه، وليُطاعِنْ عدوَّه؛ حتى ندخل هذا الحِصن، ففعلوا ودخلوا الحصن وهم سبعون رجلًا، وجاء الحارث (١) فأحدق بالحصن (٢)، وأمر بحريق بابه ليبقى جَمْرًا فلا يقدرون على الخروج منه، وكان قد جَنّ الليل، فأحرق أصحابُه الباب، ثم انصرفوا إلى عسكرهم، فقال شبيب لأصحابه: والله لئن طلع الفجر لنُقْتَلَنّ كلنا، قالوا: فما الحيلة؟ قال: نبلُّ اللَّبابيد بالماء، ونلقيها على الجَمْر، ثم نحمل على القوم وهم غارُّون (٣)، فقالوا: افعل، فبلّوا اللبابيد فرموها على الجَمْر، وخرجوا فكَبَسوا العسكر، وضربوهم بالسيوف فانهزموا، وصُرع الحارث، فاحتمله أصحابه وهربوا به إلى المدائن، وخَلّوا لهم العسكر بما فيه، وأخذ شبيب وأصحابه الجميع. وكان مقتل صالح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جُمادى الآخرة (٤) سنة ست وسبعين. وبُويع شبيب بإمرة المؤمنين، وكان ذلك أول جيش هزمه شَبيب. وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه امرأته غزالة: قال علماء السير كهشام وأبي مخنف والهيثم بن عديّ: وسار شَبيب في أصحابه وهم سبعون، وانضاف إليه من بني شيبان تسعون رجلًا، فصار في مئة وستين، وكان قد خفف أمَّه جَهيرة (٥) بساتيدَما، فأسرى إليها جَريدة (٦)، فضمّها إلى عسكره.

стр. 4171

وجَهّز الحجاج عبدَ الله بن عَلْقمة الخَثْعَميّ إلى الدَّسْكرة (١)، وقال: أقم بها حتى يأتيَك فَلُّ جيش الحارث بن عُميرة الهمْدَاني، وسر إلى شبيب فناجِزْه، ونادى الحجّاج: مَن بات من جيش الحارث الليلة بالكوفة فقد بَرِئت منه الذّمّة، وخرج منهم خمس مئة ولحق الباقون، والتَقَوا على خانِقين، فرتّب شبيب أخاه في الكَمين، والتقَوا فهزمهم شبيب، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وجاء شبيب إلى المدائن، فقتل وسبى، وجهّز إليه الحجاج سَوْرَة بن أَبْجَر في جند كثيف، وقيل لشبيب: جاءك سَورة بن أبجر، فخرج حتى نزل النهروان، وجاؤوا إلى مصارع إخوانهم الذين قتلهم أمير المؤمنين ﵁، فبكوا عليهم وأطالوا البكاء، وترحّموا عليهم، واستغفروا لهم، وتبرَّؤوا من أمير المؤمنين ﵁ وأشياعه، ثم قطعوا جسر النَّهروان، ونزلوا من جانبه الشرقي. وجاء سورة فنزل قريبًا منهم، وقال لوجوه أصحابه: إنهم إن لَقَونا على ظهور الخيل ربما ظهروا علينا، وقد بلغني أنهم في مئة رجل يزيدون قليلًا، وقد رأيت أن أسيرَ إليهم في ثلاثة مئة رجل من أقواكم وأشجعكم فأُبَيتهم؛ فإنهم الآن آمنون أن نأتيهم، فلعل الله أن يَصرعهم في مصارع إخوانهم بالنهروان، فقالوا: افعل، فاستخلف على عسكره حازم بن قُدامة الخَثْعَميّ، وسار في ثلاث مئة رجل، وشبيب قد أذكى الحرس (٢)، فلما وصلوا إليهم ركبوا خيولَهم والتقوا، وحمل سَورة وأصحابُه عليهم فثبتوا لهم، وحمل شبيب وهو يقول: [من الرجز] مَن يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نَيَّاكا فلم يظفروا منهم بشيء، ورجع سَورة إلى عسكره وقد أُصيب فرسانه، فعاد إلى المدائن، وجاء شبيب إلى المدائن وقارب البيوت، فخرج الناس، ورَمَوه من السُّطوح بالنَّبْلِ والحجارة، فسار إلى كِلْواذى، ثم منها إلى تكريت وقد خاف الناس منه. وجاء فَلُّ جيش سَورة إلى الكوفة، فبعث الحجاج الجَزْلَ بن سعيد الكِندي -واسم الجَزْل عثمان- وقال الحجاج: قَبَّح الله سَوْرة؛ ضَيّع العسكر، وخرج يُبيّت الخوارج،

стр. 4172

وتوعّده، وقال للجزل: سِرْ إلى دير عبد الرحمن حتى يَلْحقك العسكر، فقال: أيها الأمير لا تبعثْ معي من الجند المَفْلول أحدًا؛ فإن الرُّعب قد دخل قلوبهم، فلا ينتفع منهم أحد، فقال الحجاج: لقد أحسنتَ الرَّأي ووُفّقت. فجهز معه أربعة آلاف ليس فيهم أحد من ذلك الفَلّ، وسار الجَزْل، وقدّم بين يديه (١) عياض بن أبي لينة الكِندي، فخرج حتى أتى المدائن، وسار يطلب شبيبًا في أرض جوخى، وشبيب ينتقل من رُسْداق إلى رسداق، ويماطل الجَزْل لعلَّه يُفَرّق أصحابه، ويتعجّل إليه، والجَزْل لا يَثْبت بمكان إلا وخَنْدَق عليه، ولا يسير إلا على تعبية. وكان شبيب في مئة وستين رجلًا، وجاءه الخبر أن الجَزْل قد نزل ديرَ يَزْدَجِرد قريبًا من أصحابه، وقال: أريد أبيّتهم الليلة على كلّ حال، وجعل على كل أربعين من أصحابه رجلًا، فجعل أخاه مَصادًا في أربعين، وسُويد بن سُلَيم في أربعين، والمُحَلّل ابن وائل في أربعين، وبقي هو في أربعين، وقال لأخيه مصاد: ائتِهم من قِبل حُلوان، وآتيهم أنا من قِبل الكوفة، وأنت يا سُويد من قِبل المشرق، وأنت يا مُحَلِّل من قبل المغرب. فلما هَدَأت العيون، واستوفت دوابُّهم عَليفها؛ ركبوا وساروا نحو الجَزْل، فوجدوا الجَزْلَ قد أقام عِياض بن أبي لينة (٢) مَسْلَحةً، فقاتلوه حتى ألجؤوه إلى عسكر الجزل، وكان الجزل قد خَنْدَق عليه، فلم يظفروا منه بشيء، وعادوا إلى مواضعهم، ثم عادوا مرةً أُخرى، والجَزْل يُخَندق عليه، وكلما جاؤوا رَشَقوهم بالنَّبل، فساروا إلى جَرْجَرايا والجزل في طلبهم، فلما طال ذلك على الحجاج كتب إلى الجزل يقول: أما بعد، فإني بعثتُك إلى هذه الطّائفة المارقة الضَّالة المُضلّة، حتى تلقاها فتستأصلها، فوجدت الاحترازَ بالخنادق، والتَّعريس في القُرى أهون عليك، امضِ لما أمرتك به من مُناجزتهم والسلام.

стр. 4173

فقرأ كتابَه على الناس، وشقّ على الجَزْل، وبعث الحجّاج سعيد بن المُجالد أميرًا على عَسْكر الجَزْل، وقال له: لا تُناظر المارِقة، وازحف إليهم، واطلُبْهم طَلَبَ السَّبع، وحِدْ عنهم حَيَدان الضَّبع. وجاء سعيد بن المجالد، فدخل عسكرَ أهل الكوفة، فقام خطيبًا، فوبّخ العسكر وأنَّبهم، وقال: عَجَزْتُم عن طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين، وقد أخربوا بلادكم، وكسروا خراجَكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخَنادق لا تُزايلونها، اخرجوا على اسم الله، ثم خرج وأخرج الخيل، وكان الجزل قد خَنْدق عليه بالنّهروان، وشبيب قريب منه، ولما أخرج سعيد بن المجالد الخيل والناسَ من الخنادق قال له الجَزْل: ما تريد أن تصنع؟ قال: اُقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجزل: أقِم أنت في جماعة الجمش، ولا تُفَرّق أصحابَك، وأصْحِر لهم -أي: اخرج من الخنادق إلى الصَّحراء- فوالله ليَقدُمَنّ عليك، فلا تُفَرّق أصحابَك، فقال له ابن المجالد: قِف أنت في الصف، فقال الجزل: يا سعيد، ليس [لي] فيما صنعتَ رأي، أنا برئٌ من رأيك، وسمعه الجيش ومَن حضر من المسلمين، فقال ابن المجالد: هو رأيي، فإن أصَبتُ كان من الله، وإن يكن غيرَ صواب فأنتم بُرآء. فوقف الجَزْل في صفّ أهل الكوفة وقد أخرجهم ابن المُجالد من الخنادق، وجعل ابن المجالد على ميسرته عبد الرحمن بنَ عَوف أبا حُميد الرُّواسي (١)، وعلى ميمنته عياض بن أبي لينة الكِندي، والجَزْل في جماعتهم. وكان شبيب قد نزل بَراز الرُّوز بمدينة يُقال لها: قَطُفْتا (٢)، وأغلق بابها، فصعد دِهقانُها إلى السّطح، فرأى العسكر قد أقبل، وكان قد أعطى الدِّهقان ما يشتري لهم غَداءً، فنزل الدّهقان وقد امتُقِع لَونُه، قال له شبيب: مالك؟! [قال] قد جاءك جمع عظيم، فقال له شبيب: بلغ الشواء بعد؟ قال: لا، قال: دعه، ثم قال: أشْرِف إشرافة أخرى، فقال: قد أحاطوا بالجَوْسَق، فقال: هات شِواءك، فقرّبه فأكلوا، وجعل

стр. 4174

شَبيب يأكل غير مُكْتَرث، وصلّى ركعتين (١)، ودعا ببَغْل له فركبه، ثم أمر بفتح الباب ففُتح، وخرج على بغله، فحمل عليهم وهو يقول: لا حُكم إلا لله، إن الحكم إلا للحكيم، أنا أبو المُدَلَّه، اثبتوا إن شئتم، وجعل ابن المجالد يجمع خيله، ثم يدلفها في أثره وهو يقول: إنما هم أَكلة رأس، فلما رآهم شبيب قد تقطّعوا وانكسروا جمع خيلَه وعارضهم، فانهزموا، وكشف ابن المجالد رأسَه وصاح: إليّ إلي، فحمل عليه شبيب، فضربه بالسيف فخالط دماغَه، فوقع ميتًا، وانهزم الجيش، وقُتلوا شرَّ قِتلة، وانتهوا إلى الجَزْل، فناداهم عياض بن أبي لينة: أيها الناس، هذا أميركم الجزل المَيمون النَّقيبة، السَّديد الرأي، فأَقبِلوا إليه، فقاتل حتى ارتُثّ، وجُرح عدَّة جراحات (٢)، وكذا عياض بن أبي لينة، وحملا إلى المدائن، فكان قتالهم ما بين دَير أبي مريم إلى بَراز الرّوز، وغنم شبيب أموالهم ودوابهم. وسار الفَلّ إلى الكوفة، وجاء شبيب فقطع دِجلة عند الكَرْخ، وكان يومَ سوق بغداد، وكانوا يخافونه، فبعث إليهم فأمّنهم (٣)، واشترى أصحابه منهم دوابًّا وسلاحًا وما لا بُدّ لهم منه من طعام وغيره. وسار شبيب إلى الكوفة، فلما دَنا منها وبلغ الحجّاجَ؛ بعث إليه سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي فارس من فرسان بني سعد وشجعانهم، فعسكر بالسَّبْخَة، وبعث عثمان بن قَطَن (٤) في ألفين (٥).

стр. 4175

وأقام الجزل بالمدائن يداوي نفسه، وكتب إلى الحجاج: أما بعد أيها الأمير، فإنني خرجتُ في الجُنْد الذي وَجَّهتني فيه إلى العدو، فكنت أخرج إليهم إذا وَجَدْتُ الفُرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيتُ الوَرْطة، وأرادني العدوُّ بكل كيد فلم يُصب مني غِرّة، حتى قدم علينا سعيد بن مجالد، فأمرتُه بالتُّؤدَة، ونهيتُه عن العَجَلة، وأمرتُه أن لا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامّة، فعصاني وتَعَجّل إليهم في الخيل، فأشهدتُ عليه أهل المِصرَين أني بريءٌ من رأيه فلم يلتفت، ومضى فأُصيبَ تجاوز الله عنه، ودُفع الناس إليّ (١)، فتَرجَّلتُ وصِحتُ: يا حُماةَ الأدبار، إليّ فأنا الجَزْل، وأخذتُ رايتي بيدي، وقاتلتُ حتى جُرِحتُ عدةَ جِراحات، وحملني أصحابي من بين القتلى إلى المدائن، وبي جراحات قد يموت الرجلُ من دُونها، ويُعافى من مثلها، فليسأل الأمير جُندَه عن نصيحتي له وللمسلمين، وعن مُكايدتي العدوّ، وعن مَوقفي يومَ البأس؛ ليَتَبيّن له أني صَدَقتُه، ونصحتُ له، والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني قد صَدَّقتُك في جميع ما قلت ووَصفتَ به نفسك، وما ذكرتَه من أمر سعيد وعَجَلَتِه إلى عدوه، وقد حَمِدْتُ عليه عَجَلَتَه وتُؤدتك؛ أما عَجَلتُه فإنها أفضتْ به إلى الجنة إن شاء الله، وأما تؤدتك فإنها حَزم، وقد أحسنتَ (٢) البَلاء، وأنت عندي من أهل السَّمع والطاعة والنَّصيحة. وبعث إليه حَيَّان بن أَبْجر، وكان طبيبًا فداواه، وبعث إليه بألفي درهم. قال: وأقبل شَبيب إلى المدائن، فعلم أنه لا طاقةَ له بأهلها، فسار إلى الكوفة، فاجتاز ببعض بيوتها، ومضى إلى الحيرة، ثم أتى (٣) القادسية، فأصاب هناك أقوامًا من

стр. 4176

الأعراب فأنكى فيهم، ثم عاد إلى طَفّ الفُرات، ووصل إلى الأنبار وقطع الفرات (١)، ووصل إلى دِجلة فعبرها، ومضى على دَقُوقاء إلى أذربيجان. ولما بلغ الحجاج (٢) ارتفاعُ شبيب إلى أذربيجان سار إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، فبينا هو كذلك جاءه كتاب مَهرُوذ؛ دهقان بابل، يُخبره أنه بلغه أن شبيبًا قد عاد يريد الكوفة. وجاء شبيب فنزل خانيجار، فأرسل عروة إلى الحجاج يُخبره وهو بالبَصرة، فأقبل مسرعًا حتى دخل الكوفة. وجاء شبيب إلى دجلة، إلى قرية من أعمال دُجَيل يقال لها: حَرْبَى، فقال: ما اسمُ هذه [القرية]؟ قالوا: حَرْبَى، فتطيَّر أصحابه منها، فعَبر من عندها وقال: حَرْبٌ لنا على أعدائنا، وإنما يتطيَّر مَن يَقوف وَيعيف. ثم أقبل حتى نزل العَقْر، فقال له سُويد بن سليم: لا تنزل ها هنا؛ فهذان اسمان مَشؤومان، فقال شبيب: الشُّؤم والعَقْرُ لأعدائنا لا لنا، ولم يعلم شَبيب أن الحجاج قد دخل الكوفة، فقال لأصحابه: إن الحجّاج بالبصرة، وليس دون الكوفة مانع، فسيروا بنا إليها. وكان الحجّاج قد طوى المنازل، فوصل إلى الكوفة الظهر، ونزل شبيب السَّبْخَة وقتَ المغرب، فصلى المغرب والعشاء، وركب في أصحابه، وهجم الكوفة، وجاء إلى باب القَصْر والحجاج فيه، فضربه بالعمود ضربة أثّرت فيه، ثم اقتحموا المسجد الأعظم، فقتلوا جماعة من المصلين، وعاثوا في أسواق الكوفة ليلًا، وقتلوا مَن قدروا عليه، وعادوا إلى السَّبْخة، وهذه روايات هشام. وأما أبو اليقظان فإنه قال: دخل شبيب الكوفة في مئة وخمسين رجلًا، وفي الكوفة ثلاثون ألف مقاتل، فجاء إلى باب القصر، فضربه بعموده، فكاد أن يخسفه، والحجاج فيه، ونادى (٣) شبيب الحجَّاج: يا مَلعون، يا عبد بني ثَقيف، يا بقايا قوم ثمود، يا ابن

стр. 4177

أبي رِغال، لعنك الله، ولعن ابن مَروان الفاسق معك، وَيلك، كم أقتلُ الرجال، وأنهب الأموال، وأسبي النساء، ومعي نَفرٌ يسير، ثم أنت الحاكم على العراقَين، وجُندك مئة ألف، اخرج إلي وأرح الناس مما هم فيه، إلى كم تختفي خلفَ الجدران مثل النساء الغوازل، أبْرُز إليَّ حتى أُذيقَك كأسًا مُرَّة. وكانت امرأتُه غزالة قد نذرت أنها تُصلّي ركعتين بجامع الكوفة، فوقف شبيب على باب الجامع، ودخلت غَزالة فصَلّت ركعتين قرأت فيهما سورة البقرة وآل عمران، والحجّاج يُنادي من فوق القصر: يا خيلَ الله اركبي. وذكر جدّي في كتاب "تقويم اللسان" وقال: كان للحجاج عبد أو غلام يُشبهه، فلما اشتد عليه أمرُ شَبيب وحصره بالقصر بالكوفة، أمر ذلك الغلام -وكان شجاعًا- فلبس ثيابَ الحجاج وسلاحَه، وركب فرسَه، وصاح في الجند فجمعهم وخرج، فقال الناس: قد خرج الحجاج، فأقبل شبيب وقال: أين الحجّاج، فأومؤوا إليه، فحمل عليه حتى ضربه بالعمود على رأسه، فلما أحسَّ بوقعه قال: أخ، بالخاء المعجمة، فانصرف شبيب وقال: قَبّحك الله يا ابن أم الحجّاج، اتقى الناس بالعبيد، وفي رواية: أتَّقى الأحرارُ بالعبيد -أشار شبيب إلى أن أخ بالخاء المعجمة ليس من كلام العرب، فإن العرب تقول عند الحزم ولَذع الحرارة المُمِضّة: أح بالحاء المهملة، والعامّة تقوله بالخاء المعجمة (١). وأخرج له الحجاج عَبيدًا وهو يقتلهم، ثم بعث الحجاج جماعةً من فرسان الكوفة إلى شبيب، فخرج إليه زَحْر بن قيس في ثلاثة آلاف، فعطف عليهم شبيب فبدَّد جمعَهم، وجُرح زَحْر في رأسه عدَّةَ جراحات، ورجع إلى الكوفة ماشيًا مُثْخَنًا. ونزل شبيب الفرات والحجّاج يُجَهّز إليه الجيوش، وهو يهزمها وهم ألوف، وهو في أصحابه مئةً وخمسين رجلًا، وبعث إليه الحجاج محمد بن موسى بن طلحة (٢) بن عبد الله التَّيمي فقتله، وبعث إليه زائدة بن قدامة فقتله، وعدة من الفرسان، ويقال: إن الحجاج جهز إليه في هذه السنة سبعين جيشًا وهو يهزمهم، منهم أَعْيَن صاحب حمام

стр. 4178

أعين، مولى بشر بن مروان في ألف، وبُسْر بن غالب الأسدي في ألف، وسنذكر محمد بن موسى بن طلحة في آخر السنة. وبعث جماعة من أَعيان الكوفة. وأتى شبيب المَرْدَمَة (١)، فلقي جماعة بها فقتلهم، منهم: ناجية بن مَرْثَد الحَضرميّ وكان على العُشور، ووَجَّه الحجَّاج زَخر بن قيس وهو مجروح في ألف وثمان مئة فارس، وبلغ السَّيلحين، فعطف (٢) عليه شبيب وقاتله، فترَجَّل زَحْر وقاتله حتى ارتُثّ، وانهزم أصحابُه، وبقي بين القتلى طَريحًا، فحُمل إلى الكوفة وهو مُثخَن. ونزل شبيب طَفَّ الفُرات، فقال له أصحابه: قد أفنيناهم وقتلنا أمراءهم ودخلنا الكوفة؛ فارجِعْ بنا، فقال: ذلك أرْعَبُ لمن بقي منهم، وقد خلت الكوفة، ولم يَبْقَ بها سوى الحجّاج، فاقصدوا إليه، وقد حكمتم على العراق. وكان جماعة من أصحاب الحجاج قد أخذوا طريقًا غير الذي قصد شبيب إليه إلى الكوفة، وبلغ الحجاج أن شبيبًا يقصده من غير ناحية الأمراء، فبعث إليهم يُخبرهم بقصده إياه -وكان عليهم زائدة بن قدامة- وعلم بهم شبيب فقصدهم؛ وقد عبّأ زائدة أصحابه، فجعل على ميمنته زياد بن عَمرو العَتَكي، وعلى ميسرته بِشر بن غالب الأسديّ. وجاء شبيب على فرس كُمَيت أغرّ، وهناك تلّ، فصعِد وحده، وأشرف على العسكر، وعاد إلى أصحابه، وأقبل وقد كتَّبهم ثلاث كتائب، فجعل سُويد [بنَ سُليم] في ميمنته، ومَصادًا أخاه في ميسرته، ووقف هو في القلب في كتيبة، وخرج زائدة بن قُدامة يسير بين الصُّفوف يُحرِّض الناس ويقول: يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيِّبون، وقد نزل بكم القليلون الخبيثون، وإنما جاؤوكم ليُهريقوا دماءكم، ويأخذوا أموالكم، ويَسبوا ذَراريكم ونساءَكم، غُضُّوا أبصارَكم، واستقبلوهم بالأسنّة، ولا تحملوا عليهم حتى آمُركم، ثم عاد إلى موقفه.

стр. 4179

ثم اقتتلوا، وحمل عليهم شبيب فانضموا إلى زائدة بن قُدامَة، وقد قتل مَصَاد أخو شبيب منهم جماعة، فترجّل زائدة ونادى: يا أهل الإسلام، يا أهل الحِفاظ، إليَّ إليّ، وجاء الليل والقتال يعمل إلى السَّحَر، ثم إن شبيبًا شدَّ على زائدة بن قدامة في جماعة من أصحابه، فقُتل زائدة مقبلًا غير مُدبر وجماعة من أهل الحفاظ معه، وهناك جَوْسَق عظيم فدخله أَعْين صاحب حمام أعْين ومعه أبو الضُّرَيس وجماعة (١)، ونادى شبيب: ارفعوا السيفَ عنهم، فرفعوه عند الفجر، وقال: ادعوهم إلى البيعة. ووقف شبيب على فرسه وأصحابه حوله، فكلّ مَن بايعه بإمرة المؤمنين أخذ سلاحه وأطلقه، ولما طلع الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله واقف في أقصى عسكر الحجَّاج، أمر محمد مؤذّنه فأذّن، فقال شبيب: ما هذا؟ قالوا: محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي في أقصى العسكر، معه عِصابةٌ من قومه قد صبروا، فقال شبيب: قد ظننتُ أن حُمقه وخُيَلاءه سيَحمله على هذا. ثم صلّى شبيب الفجر بأصحابه، وركب فعطف على محمد، وحمل عليه محمد وأصحابه -ومحمد يقرأ: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] الآيات، فقتله شبيب كَرهًا لما نذكر. ثم هرب الذين بايعوا شبيبًا إلى الكوفة، وكان ممن بايعه تلك الليلة أبو بُردة بن أبي موسى، فلما بايعه قال له شبيب: من أنت؟ قال: أبو بردة بن أبي موسى، فقال شبيب لأصحابه: أبو هذا أحد الحَكَمين ألا أقتله؟ قالوا: لا ذنبَ له، ولا تزر وازِرَةٌ وزْرَ أخرى، فتركه. ولما ارتفع النهار أقبل شبيب على الجَوْسَق الذي فيه أعين وأبو الضُّرَيس وقد تحصّنا منه، فرَمَوه بالنَبْلِ، فأقام عليهم يومَه، فلم يقدر منهم على شيء، فرجع عنهم، فقال له أصحابه: اطلب بنا الكوفة فما دونها مانع، فقال: فيكم جِراحات، فاصبروا حتى تَبرأ. وسار نحو المدائن، فجهّز الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في ستة آلاف من فرسان الكوفة ووجوه الناس وأشرافهم، وخرج معه ست مئة من كِندة وحَضْرَمَوت، فخرج فعسكر بدَيْر عبد الرحمن، وخرج إليه الناس فكتب إليه الحجاج كتابًا، وأمره أن يقرأه على أصحابه، يقول فيه:

стр. 4180

أما بعد، فقد ولَّيتم الأدبار يومَ الزَّحْف دَأب الكُفّار، مع كثرتكم وقلّة عدوّكم، وَصفَحتُ عنكم مرّة بعد مَرّة، وإني أقسم بالله يمينًا بَرَّةً؛ لئن عُدتم لمثلها لأُوقعنّ بكم إيقاعًا يكون أشدّ عليكم من هذا العدو؛ الذي تهْربون منه في بطون الأودية والشّعاب، وتَسَتّرون منه بأفناء الأنهار والخنادق، ثم كتب في آخره: [من الوافر] لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا (١) فسار ابن الأشعث إلى المدائن، وعاد الجَزْلُ من جراحاته، فقال له الجزل: يا ابن العمّ، إنك سائر إلى فُرسان العرب، وأبناء الحرب، وأَحْلاس الخيل، والله لكأنما خُلقوا من ضلوعها، ثم بُنوا على ظهورها، وإن الفارس منهم أشدّ من مئة، إنْ لم تَبدأ به بدأ، وإن أحْجَمتَ أَقْدم، وإني قد قاتلتُهم وبَلَوتُهم، فإذا أصْحَرتُ لهم انتصفوا مني، وكان لهم الفضلُ عليّ، وإذا قاتلتُهم في مَضيق، أو خَنْدَقْتُ عليَّ نلتُ منهم ما أُحبّ، فلا تَلْقَهم إلا على تَعْبيَة، أو في خندق، ودفع له فرسه، ويقال لها: الفُسَيفساء، وقال: خُذْها فإنها لا تُجارى، ولا يُقاومُها فرس. وسار خلفَ شَبيب، فارتفع عنه [شبيب] إلى دَقُوقاء، ثم إلى شَهْرَزُور، وعبد الرحمن خلفَه؛ لا يسير إلا على تَعبية، ولا ينزل إلا ويُخَندِق عليه، وشَبيب يُراوغه، حتى عَنّى ذلك الجيش ولقوا منه كلَّ بَليّة (٢)، وعبد الرحمن يتبعه من مكان إلى مكان، حتى نزل شبيب على قرية يقال لها: البَتّ، من أعمال العراق على تُخوم المَوصل، وبينها وبين سَواد الكوفة نهر يقال له: حَولايا -ودجلة والبَتّ اليوم من أعمال الرّاذان وأرض جُوخى-. وجاء عبد الرحمن فنزل في عَواقيل نهر حَولايا -وهو مثل الخندق- وتحصَّن به، وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إن هذه الأيام أيامُ عِيدٍ لنا ولكم، فإن رأيتم أن تُوادعونا هذه الأيام فافعلوا حتى يَنقضي العيد، فأجابه عبد الرحمن، وكان يُحبّ مُطاوَلَتَه ومُوادَعَتَه.

стр. 4181

وكتب عثمان بن قَطَن عامل المدائن إلى الحجاج: أما بعد، فإن عبد الرحمن قد حَفَر أرضَ جُوخى كلّها خندقًا واحدًا، وخلّى شبيب يَفعل ما يُريد، وقد كسر الخَراج، والسلام. فكتب إليه الحجاج: سِر إلى المارِقة حتى تَلقاهم؛ فأنت أميرُ الناس، والسلام. وولّى الحجاج على المدائن مُطَرِّفَ بن المغيرة بن شُعبة. وسار عثمان بن قَطَن إلى عسكر عبد الرحمن لما وَرد عليه كتابُ الحجاج، فوافى عَسْكرَ ابنِ الأشعث ليلةَ التَّروية عَشِيةَ الثُّلاثاء، فوقف على الناس وقال: اخرجوا إلى قتال عدوّكم، فناشده اللهَ الناسُ أن يَصبر عليهم إلى الغد، وهو يَأبى، فقال له عبد الرحمن: انزل، فالذي تُريده الساعةَ من مُناجزتهم أنت قادر عليه غدًا، والناس غير مُوَطّني أنفسهم على القتال (١)، وما زالوا به حتى نزل، وبات طول الليل يُعَبِّئ الناس، فأصبح الناس على تَعبية في يوم التَّروية، فثارت ريحٌ شديدة في وجوه الناس وغَبَرة، فصاحوا: يا عثمان، خَفِ اللهَ فينا، فعاد بهم إلى المنزل، فلما طلع الصباح يوم الخميس خرج بهم على التَّعبية التي كان يسير عليها عبد الرحمن. وجاء شبيب في مئة وثمانين (٢) رجلًا، فصف أصحابه على العادة، ووقف هو في القلب، واقتتلوا فهزمهم شبيب، وقتل أعيانَ أهل الكوفة: عَقيل بن شَدّاد، ومالك بن عبد الله الهَمْداني عم عَيّاش بن عبد الله بن عيَّاش المَنتوف، وقتل شبيب خالد بن نَهيك الكِندي وكان على ميمنة عثمان بن قطن، وقَتل مَصَاد أخو شَبيب عثمان بنَ قَطَن الأمير، وقُتل الأَبْرَد بن رَبيعة الكندي، ووقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ فرآه ابنُ أبي سبْرَةَ الجُعْفِيّ وهو على بَغْلَةٍ فعرفه، فنزل وقال له: أنت الأمير فاركب على مُقَدَّم البغلة، وأردفه ابنُ أبي سَبْرة، وجالت الفسيفساء فرس الجَزْل الذي أعطاها لعبد الرحمن في العسكر، فأخذها رجل من أصحاب شَبيب.

стр. 4182

وأمر شبيب أصحابَه، فرفعوا السَّيف عن الناس، وطلب البَيعة فبايعه مَن بَقي، وسار الفَلّ إلى الكوفة، وقُتل من أهل الكوفة ألف وسبع مئة (١). وجاء عبد الرحمن فنزل بدير أبي مريم، واجتمع إليه النّاس، فقيل له: إنْ سَمع شَبيب بمكانك أتاك؛ فكنت له غَنيمة، وقد تفرَّق الناس، وقُتل خِيارُهم، فالحق بالكوفة، فدخلها ليلًا، واختفى من الحجاج حتى أخذوا له منه أمانًا. وفيها وُلد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ويقال له: الجَعدي، آخر ملوك بني أمية. قال الواقدي: وحجّ بالناس أبان بن عثمان بن عفان وهو على المدينة، وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أُميّة بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء البصرة زُرارة بن أوفى (٢). فصل: وفيها استشهد زهير بن قيس البَلَوي المصري وكنيته أبو شدّاد. ذكره أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" وقال (٣): جاء الصَّريخ إلى فُسطاط مصر بنزول الرُّوم على بَرْقة، فأمره عبد العزيز بن مروان بالنهوض إليهم -وكان عبد العزيز واجِدًا عليه لأنه قاتله بناحية أَيلة، لما قدم مروان لأخذ مصر- فسبق زهير الجيش على البريد في أربعين رجلًا، فلما أشرف على الروم أراد أن يتوقّف حتى يَلحقَه الجيش، فقال له فتى حَدَثٌ: أجَبُنْتَ يا أبا شَدّاد، فقال له زهير: قَتلتَنا وقتلتَ نَفْسك، ثم قرأ سورة السجدة، وسجد وسجد أصحابه فقتلوهم. قال: وكان لزهير مسجد وقصْرٌ معروف بالمَعافر.

стр. 4183

قال الجوهري: والمعافر: حي من هَمْدان تُنسب إليهم الثياب المعافرية (١). وحدَّث زهير عن عَلْقمة بن رِمثَة البَلَوي، وروى عنه سُويد بن قيس التُّجِيبي (٢). فصل: وفيها توفي محمد بن موسى ابن طلحة بن عبيد الله التَّيمي، قال هشام بن محمد: كان عبد الملك بن مروان قد ولّى محمد بن موسى على سِجستان، وكتب له عهدَه عليها، وكتب إلى الحجّاج بأن يجهّز معه ألفي رجل، وأن يعجّل سراحه، فحسده الحجاج، وقال لمحمد: جاهد هذه المارقة، واذهب إلى عملك، وأخرجه فيمن أخرج، فقتله شبيب على ما ذكرنا. وقال الهيثم: كتب عبد الملك عهدَ محمد بن موسى على سجستان، وقدم على الحجّاج، فقال له: إنك عامل على كل بلدٍ مررتَ به، وهذا شبيب في طريقك، فاعدل إليه. فلما سار من الكوفة عدل إلى شبيب، فأرسل إليه شبيب: إنك أمير مخدوع، وقد لعب بك الحجاج، وقد كنت جاري، وللجوار حقٌّ، فانطلق لما أُمرت به؛ فإني أكره قتالك، فأبى إلا البراز، فبرز إليه شبيب، فضربه بالعمود الحديد، وكان وزنه اثني عشر رطلًا، فهشم البيضة ورأسَه، ثم كفّنه ودفنه، وابتاع ما غَنِم من عسكره، وبعث به إلى أهله، واعتذر إليهم، وقال لأصحابه: إني أَهَبُ ما غنمتُ من أهل الرِّدَّة. وقال أبو عُبيدة مَعْمَر: كان محمد بن موسى مع عمر بن عبيد الله بن مَعْمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فُدَيك، وكان على مَيمنته، وكان شجاعًا شديدَ البأس، وزوّجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان، وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان، فولّاه سجستان، فمرّ بالحجاج، فقيل له: إن صار هذا إلى سجستان مع نَجدته وشجاعته وصهوه لعبد الملك، فلجأ إليه أحد ممن تطلبه؛ منعه منك، قال: فما الحِيلة، قيل: تأتيه فتسلّم عليه، وتذكر له نجدته وبأسَه، وأن شَبيبًا في طريقه وقد أعياك، وأنك ترجو أن يُريح الله منه على يده، ويكون له ذكر ذلك وشُهرته.

стр. 4184

فأتاه الحجاج فذكر له ذلك، فقال: نعم، فلما خرج من الكوفة تعرّض لشبيب، فأرسل إليه: اذهب لشأنك؛ فإن الحجاج قد خَدَعك، ووقى بك نَفْسَه، وكأني بأصحابك لو قد التقت حَلقتا البِطان قد أسلموك، فصُرعتَ مَصرعَ أصحابِك، فأطعني وانطلق لشأنك، فأبى، فبارزه فقتله. وقيل: إن شبيبًا قال لأخيه مَصَاد: بارِزْه؛ حياءً منه، وما كان يريد قتلَه، فبارزه مصاد فأبى، وبارزه سويد فأبى، وقال: ما أريد إلا شبيبًا، [فبرز إليه شبيب وقال: أُناشدك الله في دمك؛ فإن لك جِوارًا، فأبى إلا قتاله] فبارزه شبيب فقتله. وذكر الموَفَّق ﵀ القصة بمعنى ما ذكرنا، وقال في آخرها: فقال له شبيب: أما إذ أَبَيتَ فسأنظر لك، معك جمع كثير، وأنا ذو عَددٍ يسير، فالْقَ القليلَ بكثيرك، ولا تلْقَ رجلًا بالمبارزة، فإنك لا تدري لمن تكون الدائرة، فأبى فقتله شبيب. والله أعلم (١). السنة السابعة والسبعون من الهجرة وفيها قتل شبيب جماعةً من أعيان أهل الكوفة (٢). وفيها غرق شبيب. لما هزم شَبيب الجيش الذي بعثه إليه الحجاج، وَقَتَل عثمانَ بنَ قَطَن أتى ماه بَهْزاذان -وكان الحرُّ شديدًا- فأقام مُصَيّفًا بها ثلاثة أشهر، والتجأ إليه ناسٌ كثير ممّن يطلب الدنيا، وناس كان الحجاج قد طلبهم بمال وتَبِعات، فلما انقضى زمان الحَرّ خرج شبيب في نحو ثمانِ مئةِ رجل، فأقبل نحو المدائن، وعليها مطَرّف بن المغيرة بن شعبة، وجاء شبيب حتى نزل قناطر حُذيفة بن اليَمان، ولا يعلم الناس أين يريد.

стр. 4185

وبلغ الحجّاجَ فخطب وقال: والله لتُقاتِلُنّ عن بلادكم وفيئكم؛ أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على الأذى منكم، فيقاتلون عدوَّكم، ويأكلون فَيئكم، فصاح الناس من كل جانب: ابعَثْنا إليهم فنحن نقاتلهم. فقام إليه زُهْرة بن حَويّة -وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على القيام حتى يُؤخذ بيده- فقال له: أيها الأمير، إنما تبعث الناس منقطعين، فاستنفر إليهم كافة الناس، وابعث عليهم رجلًا قويًّا شجاعًا مجرّبًا للحرب، ممّن يرى الفرار هَضْمًا، والصبرَ مجدًا وكَرمًا، فقال له الحجاج: فأنت ذاك، فقال: إنما يصلح ذلك لرجل يحمل الرمح، ويلبس الدّرع، ويهز السيف، ويثبت على متن الفرس، وأنا شيخ كبير ضعيف، لا أقدر على شيءٍ من ذلك، ولكن ابعث أميرًا قادرًا على ما ذكرت، وأنا أخرج بنفسي معه؛ فأشير عليه برأيي، فقال له الحجاج: جزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا في أول الأمر وآخره؛ فلقد نصحتَ وصدقتَ، سوف أفعل ما ذكرت. ونزل الحجاج، فكتب إلى عبد الملك: أما بعد، فإن أهل الكوفة قد عجزوا عن قتال شبيب، وقد هزمهم وقتلهم في مواطن كثيرة، وأباد أُمراءهم وفُرسانهم، وقد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليهم أهل الشام، فيقاتلون عدوَّهم، ويأكلون فَيئهم، فليَفْعل والسلام. فدعا عبد الملك سفيان بنَ الأَبْرَد، فأمره أن يسير إلى الكوفة في أربعة آلاف، وحَبيب بنَ عبد الرحمن الحَكَميّ، فسار في ألفين، وسرَّحهم حين أتاه كتاب الحجاج. وأقام أهل الكوفة يتجهَّزون ولا يَدرُون مَن أميرُهم. وكان الحجاج قد كتب إلى عتَّاب بن وَرْقاء ليأتيه، وكان على خيل الكوفة مع المُهَلَّب في قتال الأزارِقَة، وذلك الجيش هو الذي أُصيب فيه عبد الرحمن بن مِخْنَف، وقد ذكرنا ما جرى بين عتَّاب والمهلَّب، وأقام عتَّاب عند المهلّب على كُره، وكتب إلى الحجاج يَسأله أن يكون عنده، واتّفق قضية شبيب وتجهيز هذا الجيش، فكتب الحجاج إلى عَتّاب يطلبه إليه، فَسُرَّ.

стр. 4186

[ودعا الحجاج أشراف أهل الكوفة فقال لهم: مَن ترون أن أبعث على هذا الجيش؟ فقالوا: رأيك] (١) أيها الأمير أفضل، قال: فقد كتبت إلى عَتَّاب بن وَرْقاء، وهو قادمٌ عليكم الليلة أو القابلة، فيكون أمير الناس، فقال له زُهْرة بن حَويّة: أصبتَ، والله لا يرجع إليك حتى يَظفر أو يُقتل، فقال له قَبيصة بن وَالق: إني مُشيرٌ عليك أيها الأمير برأي، فإن يك صوابًا فالله سَدَّدني له، وإن يكن خطأ فبعد اجتهادي في النّصيحة لك، ولأمير المؤمنين، و [لعامة] المسلمين، قال: قُلْ، قال: قد تحدَّث الناس أن جيشًا قد أقبل من الشام، وأن أهل الكوفة قد هُزموا غير مَرّة، وهان عليهم عارُ الفِرار، فإن رأيتَ أن تبعث إلى الجيش القادم من الشام الذي أُمدِدْتَ به، فيأخذوا حِذرَهم خوفًا من البَيات؛ فإنك إنما تحارب حُوَّلًا قُلَّبًا، ظُعّانًا رُحَّالًا، فافعل. فجزاه الحجاج خيرًا وقال: لله أنت، ما أحسنَ ما رأيت، وما أشرتَ به. فأرسل الحجاج إلى الجُنْد القادمين من الشام مع عبد الرحمن بن الغَرِق مولى بني عَقيل: إذا حاذيتم بلدَ هِيت فدعوا طريقَ الفرات، وخذوا على عين التَّمر حتى تَقدموا الكوفة، وأسرِعوا، فأسرَعوا. وقدم عتّاب الكوفة في الليلة التي أَخبر فيها الحجاج بقدومه، فأمره الحجاج، فخرج فعَسْكَر بحمّام أَعْيَن، وأقبل شبيب فنزل بَهُرَسِير من غربيّ دجلة، فقطع مُطَرّف بن المغيرة الجِسْرَ بينه وبينهم، وأَرسل إليه مُطَرّف يقول: ابعث إلي رجالًا من أصحابك أُدارِسهم القرآن، وأنظر فيما تدعو إليه، فأرسل إليه شبيب رجالًا من قومهم، فيهم قَعْنَب وسُوَيد والمُحلّل، فلما ركبوا في السفينة أرسل إليهم شَبيب: تَأنَّوا إلى حين رجوع رسولي من عند مُطَرِّف، وبعث إلى مُطَرّف: ابعث إليَّ رجالًا عِدّةَ أصحابي الذين أبعث بهم إليك ليَكونوا رُهونًا إلى أن يَرجع أصحابي، فقال مُطَرّف لرسوله: قل له: كيف آمَنُك على أصحابي إذا صاروا في يديك، وأنت لا تأمنني على أصحابك، فرجع الرسول إلى شبيب، فأخبره فقال: قل له: قد علمتم أننا ما نَستحِلُّ الغدرَ في ديننا، وأنتم تَستَحِلُّونه، فبعث إليه مُطَرِّف الرّبيع بنَ يَزيد الأزدي، وسُلَيم (٢) بن حُذَيفَة

стр. 4187

المزني، ويزيد بن أبي زياد مولاه وصاحبَ حَرَسِه، فلما صاروا في يدي شبيب سَرّح إليه أصحابه، فأقاموا يتناظرون أيامًا، والرسل تتردّد بينه وبين شبيب. وكان مُطَرِّف نازلًا بالمدينة العَتيقة التي فيها مَنزِل كسرى والقصر الأبيض، وشبيب نازلٌ بهرسير المدينة الغربيّة، فكان من جملة الرّسالة إلى مُطَرِّف أنهم لما دخلوا عليه قال سُويد: السلام على مَن خاف مقام ربّه، ونهى النَّفْس عن الهوى، وعرف الحقَّ وأهلَه، فقال مُطَرِّف: أجل، فسَقَم الله على أولئك، ثم جلسوا، فقال لهم مُطَرِّف: أخبروني إلامَ تَدعون؟ فقال سويد: إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وإنا نقمنا (١) على الظَّلَمة تَعطيل الحدود، والاستئثار بالفيء، فقال مُطَرِّف: ما دعوتُم إلا إلى الحق، وأنا مُتابعٌ لكم على ذلك، فبايعوني على ما أدعوكم إليه، فقال: قُل، قال: نقاتل هؤلاء الظَّلمة العاصين، وندعوهم إلى ما ذكرتَ، وأن نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين، يُولُّون مَن يختارون؟ ممن يكون على الحال التي كان عليها عمر بن الخطاب، فإذا وافقتموني على ذلك صارت كلمتنا واحدة، وأمرنا واحدًا، وتَبعتنا العرب، فكثر أتباعُنا، فقالوا: لا نرضى بهذا وقاموا، فلما صاروا في آخر الصُّفَّة التفت إليه سُويد وقال: يا ابن المغيرة، لو كنّا قومًا غُدُرًا أليس قد أمكنتَنا من نفسك، وكانوا جماعةً عليهم السلاح، ومُطَرّف عنده اثنان بغير سلاح، ففَطِن مُطَرِّف وقال: صدقتَ والله. وانصرفوا إلى شَبيب فأخبروه بما جَرى بينهم وبين مُطَرِّف، فأعاد إليه القومُ رسائلَ وشُبَه قَرَّرت في نفسِ مُطَرّف مذهبَ الخوارج؛ حتى خرج في هذه السنة فقُتل، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وبلغ شبيبًا وصولُ جُند الشام وأن عتّاب بنَ وَرْقاء بحمّام أَعْيَن، فقال لأصحابه: سيروا بنا إليهم؛ فإن هذا الثَّقَفيّ -يعني مُطَرف بن المغيرة- قد ثبَّطني عن المسير إليهم، وقد نزل جيش أهل الشام بالكوفة، وقد سار عَتّاب بن وَرْقاء فنزل الصَّراة في جُند أهل الكوفة، فاقصدوه.

стр. 4188

وخرج مطرّف من المدائن، وقصد الجال (١) خوفًا من الحجاج. فعقد شبيب الجسر وبعث على المدائن أخاه مَصَادًا، وكان أهل الكوفة في أربعين ألفًا من المقاتلة، وعشرة آلاف من الشام، فصاروا خمسين ألفًا، ولم يُبْقِ الحجاج بالكوفة قُرشيًّا ولا رجلًا من أهل الشَّرف إلا أخرجه. ثم إن شَبيبًا عرض أصحابَه بالمدائن فكانوا ألفَ رجل، فقام فيهم خطيبًا وقال: إن الله كان يَنصُركم عليهم وأنتم مئة وهم ألوف، فسيروا وأبشِروا بالنصر. وسار حتى نزل ساباط في ست مئة، وترك مع أخيه مصَادٍ أربع مئة بالمدائن، ووافى عَسْكرَ عَتَّاب بن وَرْقاء، فصفَ عَتَّاب عَسكره، وجعل على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وجعل عُبَيد بن الحُلَيس على مَيسرته، ووقف هو في القلب، ورتَّبهم ثلاثة صفوف: صفٌّ فيه الرجال معهم السيوف، وصف معهم الرِّماح، وصفٌّ معهم النَّبْل، ثم سار بين الصفوف يُحَرِّضهم ويُصَبِّرهم ويقول: عليكم بهؤلاء كلاب أهل النار، وشرار خلق الله، أين القُصَّاص؟ فلم يُجبه أحد، فقال: كأني والله بكم قد فَرَرْتُم عن عتَّاب بن وَرْقاء، وتركتموه تسفي في اسْتِة الرِّيح، ثم عاد إلى القلب فوقف فيه، ومعهم زُهْرَة بن حَويّة، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. وأقبل شبيب في ست مئة، وتخلَّف عنه أربع مئة فقال: لقد تَخلَّف عنا من لا أُحِبُّ أن يُرى فينا؛ فإنا ما نَغلِبُ النّاسَ بكثرة، ثم بعث سُويد بن سُلَيم في مئتين إلى الميسرة، والمُحلّل بن وائل في مئتين إلى الميمنة، ووقف هو في مئتين في القلب (٢)؛ وذلك فيما بين المغرب والعشاء حين أضاء القمر، فمشى شبيب بين الصُّفوف وصاح: أنا أبو المُدَلَّه، لا حُكمَ إلا لله، ثم حمل عليهم فانهزمت الميسرة، وقُتل شجعانها عُبَيد بن الحُلَيس وغيره، ثم حمل شبيب على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن فثبت، وهرب أبوه من القلب.

стр. 4189

وكان عَتَاب بن وَرْقاء وزُهْرة بن حَوِيّة جالسَين في القلب على طِنْفِسَة، فغشيهم شبيب، فقال عثمان بن يزيد الكلبي (١) لعتَّاب: يرحمك الله، قد هرب عنك عبد الرحمن بن محمد، وهرب معه أناسٌ كثير فاذهب، فقال عَتّاب: إنه قد فرَّ قبل اليوم، وقاتل عتاب فأبلى بلاءً حسنًا، وانهزم الناس فقال عَتّاب: لم أرَ والله مثلَ اليوم؛ أقلّ مُقاتلًا، وأكثر هُرَّابًا، فسمعه رجل من بني تغلب من أصحاب شَبيب يُقال له: عامر بن عُبَيد بن عمرو (٢)، فقال لشبيب: أظنُّ هذا المتكلّم عَتابَ بنَ وَرْقاء، فقصده شبيب، وحمل عليه، فطعنه فوقع، فكان شبيب هو الذي وَلي قتلَه. ووَطِئت الخيلُ زُهْرة بن حَوِيّة -وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يقوم- فجاءه الفضل بن عامر الشَّيباني فقتله، فجاء شبيب، فوقف عليه فعرفه، فقال: مَن قتل هذا؟ فقال الفضل: أنا فقال: هذا زُهْرة بن حَوية، أما والله لئن قُتلتَ على ضلالة فلَرُبّ يوم من أيام المسلمين قد حَسُن فيه بَلاؤك، وعَظُم فيه غناؤك، ثم كان في علم الله أن تقتل ناصرًا للظالمين، فقال رجل من بني بكر بن وائل: إن أمير المؤمنين لَيَتَوَجَّعُ لرجلٍ من الكافرين! فقال شبيب: إني لأعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف، ولو ثبتوا عليه لكانوا إخوانًا. ثم أمر شبيب برَفْع السيف عن الناس، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه، وهربوا من تحت ليلتهم، وكانوا يُبايعون شَبيبًا وشبيب يقول: إلى بعد ساعة يهربون، فكان كما قال. وحوى شبيب ما في عسكرهم، وأرسل إلى المدائن فجاءه أخوه مَصاد، فسار نحو الكوفة؛ وكان قد دخل سُفيان بنُ الأَبْرَد وعَسْكَرُ الشام الكوفة، فقوي قلب الحجّاج، واستظهر بهم، واستغنى عن أهل الكوفة، فقام خطيبًا فقال: يا أهل الكوفة، لا أعَزَّ الله مَن طلب منكم العِزّ، ولا نَصَر مَن طلب منكم النَّصر، اخرجوا عنا فلا تَشهدوا معنا قتال عدوّنا، الحقوا بالحيرة، فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا يُقاتلنّ معنا إلا مَن لم يشهد قتال عَتَّاب بن وَرْقاء.

стр. 4190

وأقبل شبيب حتى نزل الصَّراة، ومضى أخوه مَصَاد وقَعْنَب إلى سُورت - وبها أموال الخراج- فقتلوا عاملها، وأخذوا الأموال، وجاؤوا بالبِدَرِ (١) إلى شبيب، وقالوا: هذه الأموال، فقال: أتيتمونا بفتنة الناس (٢)، فقدف بها في الماء، وتناثر البعض على وجه الأرض. [ذكر دخول شبيب الكوفة مرّةً ثانية: قال هشام:] وأقبل شبيب حتى نزل بحمّام أَعْيَن، فدعا الحجاج الحارثَ بنَ معاوية بن أبي زُرعة بن مسعود الثقَفي، وبعث معه ألفَ رجلٍ لم يكونوا شهدوا قتل عَتّاب، وفيهم مئتا رجلٍ من أهل الشام، وبلغ شبيبًا فالتقاه، فقتله وهزم أصحابَه، فعادوا إلى الكوفة. وجاء شبيب فنزل السَّبَخَة، وبنى مسجدًا في أقصاها، يقال: إنه قائم إلى اليوم، وخرج إليه الحجّاج في أهل الشام، فكَرْدَس شَبيبٌ أصحابَه وكانوا ست مئة، مَصَاد أخوه في مئتين (٣)، وهو في مئتين، وسويد في مئتين، وقال لسويد: احمِل عليهم، فحمل عليهم، فالتَقَوه بأطراف الأسنة، وثبتوا، ثم طعنوهم فانصرفوا، وجاء المحلّل ففعلوا به مثل ذلك، وجاء شبيب ففعلوا به كذلك، وطاعنوه بالرّماح حتى ألحقوه بأصحابه، فنادى شبيب: يا أهل الإسلام؛ إنما شَرَينا أنفُسنا لله تعالى، ومَن شَرَى نفسَه لم يَكْثر (٤) عليه ما أصابه من الألم في جنب الله، الصبر الصبرَ، شَدّةٌ كشَدّاتكم في مواطنكم الكريمة، وحملوا معه على أصحاب الحجاج، واقتتلوا قِتالًا لم يُرَ مِثلُه، وأهل الشام يَدفعون شبيبًا وأصحابه، فلما رأى ذلك صاح: الأرضَ الأرضَ، فترجَّلَ وتَرجَّلَ أصحابُه، وقد دفعهم أهل الشام إلى آخر السَّبَخة.

стр. 4191

وجاء الحجاج فوقف عند مسجد شبيب، ثم صاح: يا أهل الشام، يا أهل السَّمعِ والطّاعة، هذا أوّلُ الفتح، وقال خالد بن عَتَّاب بن وَرْقاء للحجاج: ائذن لي في قتالهم فأنا مَوْتُور، فأذن له، فخرج في جماعة من أهل الكوفة، حتى أتى القومَ من ورائهم وقاتل. فقُتل مَصَاد أخو شبيب، وقُتلت غزالة [امرأة شبيب، قتلها فَرْوَة بن الدّفَّان الكلبي، وحَرّق في عسكره. قال الهيثم: قَتلت غزالةُ في ذلك اليوم، من أهل الكوفة مئةَ فارس، فجاءها فَروةُ بن الدَّفّان الكلبي من خلفها، فطعنها. فوقعت، فقتلها وحَرّق في عسكره. [قال الهيثم:] ولم يلق أحد ما لقي الحجاج منها، فرُوي أنه خرج في الليلة التي دخلت فيها [إلى] المسجد، وصلّت [ركعتين قرأت فيهما البقرة وآل عمران، وخرج الحجاج، مُستخفيًا، فلما خرجت من المسجد رأته، فقالت: الحجاج ورَبّ الكعبة، أين شَبيب؟ وكان شبيب واقفًا على رأس السكّة، فحملت على الحجاج فولّى، فدَقّته بالرُّمح بين كَتِفيه، فكان يُعيَّر بها، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل] أَسَدٌ عليَّ وفي الحروب نَعامَةٌ … رَبْداءُ تَجفُلُ من صَفيرِ الصَّافرِ هلّا بَرَزْتَ إلى غزالةَ في الوَعَى … بل كان قلبُك في مَخالبِ طَائِرِ فزعَتْ غَزالةُ قلبَه بفَوارس … تركتْ كَتائبَهُ كأمْسِ الدَّابرِ (١) [وقال أبو اليقظان:] كان عبد الملك إذا غضب عليه عَيَّره بها، فيكتب إليه: هلّا برزتَ إلى غزالة في الوَغَى الأبيات، ويقول: قَبَّح الله الأُخَيفش، أيختبئ من امرأة، فلما بلغ عبدَ الملك قتلُها، وقيل له: إن الحجاج يقول: إنني قتلتُها، فقال: كذب، والله ما قتلها إلا أنا (٢)، يعني أن جَيشَه قتلها. [وقال أبو اليقظان:] كانت مدّةُ شبيب التي سُلِّم عليه فيها بإمرة المؤمنين ثلاثَ سنين وشهورًا. ولما بلغ الحجاج الخبرُ كبّر وكبّر أصحابُه.

стр. 4192

وأما شبيب فلما رأى ذلك ركب فرسه، وأمر أصحابه بالرُّكوب، وصاح الحجّاج: شُدُّوا عليهم فشَدّوا، فانهزا أصحابه، وتخلَّف شَبيب في حاميةٍ من أصحابه، وقطع الجسر، وتبعَتْه خيل الحجاج، فجعل يَخفق برأسه، فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين، التَفتْ فانظر مَن خلفك، فالتفت غير مُكترث، ثم أكبَّ يَخفق برأسه، فدَنَوا منه، فقيل له: التفت، فلم يكترث، وبعث إليهم الحجاج: ارجعوا ودعوه في خزي الله، فرجعوا. وصعد الحجاج المنبر فقال: والله ما قوتل شبيب مثلَها، هرب وترك امرأته يُكْسَر في استها القَصَب. وبعث خلفه حَبيب بن عبد الرحمن الحَكمي في ثلاثة آلاف من أهل الشام، وقال له: احذرْ بَياتَه، وحيثما لَقيتَه فنازلْه، فسار حبيب حتى نزل الأنبار، فبيّتهم شبيب، واقتتلوا طُولَ الليل، فقُتل من أصحاب حبيب مئة، وقُتل من أصحاب شَبيب ثلاثون، وكانت ليلةً مثلَ ليلةِ الهرير (١)، فُقئت فيها العيون، وقُطعت فيها الأيدي، وكَثُرت القَتْلى بين الفريقين، فلما كان عند الصُّبح انصرف شَبيب عنهم، وسار إلى الأَهْواز، ثم إلى فارس، ثم إلى كِرْمان فأقام بها، وتراجع إليه بعض أصحابه، وقَويت شوكتُه. وغَرِق شبيب في هذه السنة [في قول هشام بن محمد، وفي قول غيره] سنة ثمان وسبعين. [وسنذكره في آخر هذه السنة]. وفيها خرج مُطَرّف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك، ورأى رَأْيَ الخوارج، وسنذكره في آخر هذه السنة. وفيهما وقع الاختلاف بين الأزارقة الذين كانوا يُحاربون المُهَلَّب بن أبي صُفرة (٢). أقام المهلّب بسابور يُقاتل قَطَرِيّ بن الفُجاءة من الأزارقة -بعدما سار عتّاب بن وَرْقاء إلى الكوفة- سنةً، ثم زحف إليهم في يوم البُستان، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وكانت كرمان في يد الأزارقة، وفارس في يد المُهَلّب، فحسَم عنهم المُهَلَّب مَوادّ فارس، فضاق بهم الأمر [في مكانهم الذي هم به، فخرجوا إلى كرمان، وتبعهم المهلّب فنزل

стр. 4193

بجِيرَفْت مدينة كرمان، وأقام يقاتلهم سنة، وحاز فارس بأسرها، وصارت في يديه، فبعث الحجاج عُمّاله عليها، وبلغ عبد الملك فأرسل إلى الحجاج يُنكر عليه ويقول: دع للمهلب خراج جبال فارس فلا بدّ للجيش من قوة، فتركها للمهلب، وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قَبيصَة، وكتب إليه: أما بعد، فإنك لو شئتَ لقد اصطَلَمْتَ هذه الخارقة المارقة، ولكنّك تحب طُولَ بقائهم لتأكلَ بهم الأرض، فانهض إلى قتالهم وجهادهم، ودع عنك العلَل والأباطيل، والأمور التي ليست عندي بسائغة، وقد بعثتُ إليك البراء ليُنهِضَك إلى قتالهم، والسلام. فلما قرأ الكتاب أخرج المهلَّب الناس على راياتهم، وأخرج أولادَه، كلّ ولدٍ في كتيبة، وأوقف البراء على تلٍّ عالٍ، وقال له: انظر، والتقت الكتائب، واشتد القتال كأشدِّ ما يكون، والكتائب تتصادم من أول النهار إلى الظُّهر، وافترقوا فلما كان وقت العصر عادوا إلى القتال، فأقاموا على ذلك أيامًا، فجاء البراء إلى المهلب فقال: والله إن رأيتُ كذا قط، فإنك والله لمَعذور، فأحسن إليه المُهَلّب ووَصله، وقال: احْكِ للحجاج ما رأيت، وكتب معه كتابًا إلى الحجاج يقول فيه: أما بعد، فقد أتاني كتاب الأمير بسبب هذه المارقة ومناهضَتِهم، وقد شاهد رسولُه ما صنعتُ، فلو قدرت على استئصالهم وإزالتهم عن مكانهم ولم أفعل ذلك لقد غَشَشْتُ المسلمين، وما وَفيت للأمير، ولا لأمير المؤمنين، والسلام. وأقام المهلَّب يُقاتلهم ثمانية عشر شهرًا، ثم إن عاملًا لقَطَرِيّ على بعض نواحي كِرمان قتل رجلًا من بني ضَبَّة من الخوارج خطأ، فطلب الخوارج إلى قَطَري أن يُقِيدَه منهم، فأبى وقال: قتله بتأويل؛ لأنه التقاه في سريّة، ولم يعرفه فأخطأ، فخذوا الدِّيَة، فأبوا وقالوا: لابُدَّ من قتله، فامتنع فافترقوا عليه، وخلعه بعضهم، ولم يَخلَعْه البعض، ووَلَّوا عليهم عبد الكبير (١) رجلًا منهم، وصاروا فريقين يقتتلون، فأقاموا على ذلك شهرًا، وبلغ الحجاج فكتب إلى المهلّب: لستُ أرى قتالهم مع اختلافهم، فربما مالوا إلى الصُّلح عند مناهضتهم، وأما الآن فهم يقاتل بعضهم بعضًا، فإن تمّوا على ذلك،

стр. 4194

فهو الذي نريد من هلاكهم، وإن اجتمعوا بعد ذلك اجتمعوا وقد ضعفوا ووَهنوا، فكان ذلك عونًا لنا على قتالهم واستئصالهم (١). ثم إنهم افترقوا، فخرج قَطَري إلى طَبَرِسْتان، وبقي عبد الكبير فنهض إليه المُهَلّب، فقاتله ققالًا شديدًا، فنصره الله عليهم، فلم يَنْجُ منهم إلا اليسير، وهلك قَطَرِيّ وعبد الكبير ومَن كان معهم من الأزارقة. وسبب هلاكهم أن الحجاج لما بلغه اختلافُهم وجَّه سفيان بن الأَبْرَد في جيشٍ عظيم في طَلب قطري، فتبعه إلى الرَّيّ، وكتب الحجاج إلى إسحاق بن محمد بن الأشعث وهو على جيش لأهل الكوفة بطَبرستان: أن يتّفق مع سفيان ولا يُخالفه، فسارا جميعًا، فلحقوا قَطَريًّا في بعض الشِّعاب، فقاتلوه، فتفرَّق عنه أصحابه، ودخل الشِّعْب، فوقع من دابته، فرآه عِلْجٌ من أهل تلك البلاد، فنذر به ولم يعرفه، وكان قد عطش، فطلب منه ماءً فلم يسقه، ودَهدَه عليه العِلْجُ حَجرًا عظيمًا، فأصابه فأثبته ولم يقدر على القيام، وجاءه جماعة من أهل الكوفة فقتلوه، وخرج برأسه إلى الحجاج أبو الجَهْم بن كِنانة الكَلْبيّ بعد أن ادّعى قتلَه جماعة، فأحسن إليه الحجاج وزاده عبد الملك في العطاء فصار في ألفين. وكان مع قَطَري عُبَيدة بن هلال الخارجيّ، فلما قُتل قطري سار عبيدة فتحصّن بقصر قُومِس، فحصره فيه سفيان بن الأبْرد، وأقاموا أيامًا، فنادى سفيان: أيما رجل قتل صاحبه ثم خرج إلينا فهو آمن، وقال عبيدة بن هلال: [من الطويل] لَعَمري لقد قام الأَصَمُّ بخُطبةٍ … لذي الشَّكّ منها في الصُّدور غَليل لَعَمري لئن أعطيتُ سُفيانَ بَيعتي … وفارقت دِيني إنني لَجَهولُ إلى الله أشكو ما أرى بجِيادنا … تَسَاوَكُ (٢) هَزْلَى مخهُنَّ قليلُ وأقام عبيدة أيامًا في الجَوْسَق، فاشتدَّ بهم الحصار، فكسروا جفون سيوفهم، وخرجوا إلى سفيان بن الأبرد، فقاتلوا حتى قُتلوا، وبعث سفيان برؤوسهم إلى الحجّاج.

стр. 4195

وفيها قَتَلَ أميةُ بنُ عبد الله بن خالد بن أسيد بُكيرَ بنَ وشاح التّميمي (١)، وكان أمية قد قطع النهر غازيًا، وولّاه خراسان، وجعله مع ابنه زياد بن أمية، فقبضَ (٢) عليه، ثم عاد أمية من بُخارى وقد بلغه عصيان بُكير إلى النهر، فوجده قد أحرق السُّفُن، فجدَّدها، وجمع أمية بني تميم وقال: هذا جزاء إحساني إلى بُكير، أكل أموال خُراسان ورفع إلي منه أشياء فيما سمعت، وفي آخر الأمر وَلَّيتُه مَرْو، وجعلتُه خليفتي، ففعل بي ما تَرون. ثم سار إلى مرو، فقاتله مدّة، فطال الحِصار على بُكير فصالح أمية، فأحسن إليه، ووَصَله بأربعمئة ألف درهم، وكان أمية سَهْلًا سمْحًا كريم الأخلاق، فواطأ بكير بعد ذلك جماعة على قتل أمية، فوَشَوا به إلى أمية، فقال: ما أُصدّق فيه؛ مع إحساني إليه، فشهد جماعة كثيرة على بُكير أنه عَزم على الفتك بأمية، فأحضره، فشهدوا عليه في وجهه، فسلَّمه إلى بَحِير بن وَرْقاء (٣) الصَّريمي، وكان عدوَّ بُكَير، فقتله. وحجَّ بالناس أبان بن عثمان، وكان على المدينة، وكان العمال في هذه السنة على ما كانوا عليه في السنة الماضية. وفيها تُوفّي زِرُّ بن حُبَيش ابن حُباشة الأسَدي، أبو مريم، وقيل: أبو المُطَرِّف، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. مرَّ عليه رجلٌ من الأنصار وهو يُؤذّن، فقال: يا أبا مريم، قد كنتُ أكرِمُك عن هذا، فقال: إذًا لا أكلّمك كلمة حتى تلحقَ بالله. وقال عاصم بن أبي النَّجود: لقد أدركتُ أقوامًا يتَّخذون هذا الليل جَملًا، منهم [زر] وأبو وائل.

стр. 4196

وكتب زر إلى عبد الملك كتابًا يَعِظه فيه ويقول: لا يُطمِعَنّك في طول الحياة ما ترى من صحّةِ بَدَنك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما قال الأوَّلُون: [من الرجز] إذا الرجالُ ولدت أولادُها … وبَلِيت من كِبرٍ أجسادُها وجَعلت أسقامُها تَعتادُها … تلك زُروعٌ قد دنا حصادُها فبكى عبد الملك حتى بَلّ طرفَ ثوبه، فقال: صدق زر، لو كتب إلينا بغير هذا كان أرْفَق. عاش زر مئةً واثنتين وعشرين سنة، وافتضّ جارية وهو ابن عشرين ومئة سنة، وتوفي في سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وثمانين، وقيل: يوم الجَماجِم. وأسند عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عوف، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، والعبّاس، وصفوان، وحُذيفة، وعائشة ﵃، وغيرهم. وروى عن أُبيّ بن كعب قال: سمعته يقول: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. وروى عنه النَّخَعي، وأبو بُردة بن أبي موسى، وعاصم بن أبي النَّجود، في آخرين، وكان ثقةً كثير الحديث (١). [وفيها توفي] شبيب بن يزيد (٢) ابن نُعيم الشّيباني الخارجي، قد ذكرنا بداية أمره (٣) [وما جهَّز إليه الحجّاج من الجيوش، وأنه دخل الكوفة مرتين]، وأنه مضى إلى كرمان [فأقام بها. ذكر علماء السِّير منهم هشام بن محمد، عن أشياخه قالوا:] لما أقام [شبيب بكرمان] جَهَّز الحجّاج إليه سفيان بن الأبرد إلى الأَهْواز في أربعة آلاف، وكتب [الحجاج إلى البصرة] إلى الحكم بن أبيّوب بن أبي عَقيل [زوج أخت الحجاج و] عامله على البصرة أن

стр. 4197

يُجهِّز أربعة آلاف [أُخر] مع رجل شجاع شريف، فليلحق بسفيان بن الأبرد لقتال شبيب، فجهّز زياد بن عمرو العتَكي، فلم ينته (١) إلى سفيان حتى التقى سفيان وشَبيب على جسر دُجَيل الأهواز، وعبر إليه شَبيب في ثلاثة كراديس، شَبيب في كُردوس، وسويد في كردوس، وقَعْنَب في كرودس، وخَلّف المحلّل [بن وائل] في باقي عسكره. وبعث سفيان على ميمنته بشر بن حَسّان الفِهريّ، وعلى ميسرته عُمر بن هُبَيرة الفَزاري، وعلى الخيل ناصر (٢) بن صَيفي العُذري، ووقف سفيان في القلب، ثم اقتتلوا، فقال سفيان: لا تتفَرّقوا، وازحفوا إليهم زَحْفًا، فما زالوا يقاتلونهم حتى ألجؤوهم إلى الجسر، وكان نصف النهار، فاقتتلوا إلى الليل، وترجّل شبيب في مئة من أصحابه، وقاتل قتالًا شديدًا حتى اختلط الظلام، وانصرفوا فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم، فإذا كان من الغد نازَلْناهم، وكان الجسر من السُّفن، فقال شبيب لأصحابه: اعبروا فإذا كان من الغد باكَرْناهم، ولم يقل: إن شاء الله تعالى، فعبروا وتَخَلّف هو في آخرهم وتحته حصان، وبين يديه فرسٌ أنثى ماذيانة، فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الماذيانة، ونزل حافِرُ فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء، فقال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، فغاص في الماء، ثم ارتفع وقال: ذلك تقدير العزيز العليم، ثم غاص، وهذا هو المشهور. وروى أبو مخنف عن أشياخه: أن شبيبًا كان معه قومٌ (٣) قد وَتَرهم وهم خائفون منه، فاتفقوا في تلك الليلة عليه، فلما تخلّف في أخريات الناس قال بعضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به (٤) الجسر فندرك ثأرنا الساعة، فقطعوا الجسر، فمالت السُّفن، ففزع فرسُه فنَفر، فوقع في الماء فغرق، ولما غرق تنادَوا فيما بينهم: غرق أمير المؤمنين، وبلغ سفيان بن الأَبْرد غرق شبيب، فأتى إلى الجسر فأقام عليه باقي الليل إلى الصباح، ثم أصبح فاستخرجه وعليه الدّرع، فشقّ بطنَه وأخرج قلبه، فكان مجتمعًا صُلبًا كأنه صَخرة، فضرب به الأرض فوثب قامةَ الإنسان، وكلما ضرب به الأرض وثَب كذلك.

стр. 4198

وقيل لأمّه: مات شبيب، فقالت: ما مات، فقيل: قُتل، فقالت: ما قُتل، قيل: غَرِق، قالت: نعم، قيل لها: ومن أين لك هذا؟ قالت: لما وَلَدتُه خرج مني شهاب من نار، فعلمتُ أنه لا يُطفئه إلا الماء. [وذكر القصة هشام، عن أشياخه قالوا:] كان يزيد بن نعيم أبو شَبيب في الجيش الذي دخل الروم مع سَلْمان بن ربيعة، [إذ بعث به الوليد] بن عقبة بأمر عثمان ﵁، فرأى يزيد بن نُعيم [جارية حمراء، لا شهلاء] ولا زرقاء، طويلة جميلة، فابتاعها [وذلك] في سنة خمس وعشرين، فلما حَملها إلى الكوفة قال لها: أسلمي، فأبتْ، فضربها فلم تُسلم، فوطئها فولدت شبيبًا يومَ النحر يوم السبت، في سنة خمس وعشرين، وأحبّت مولاها حبًّا شديدًا، [وأسلمت] وولدت شبيبًا وهي مُسلمة، قالت: رأيتُ فيما يرى النائم كأنه خرج من قُبلي شهابٌ، فسطع منه ضَوءٌ إلى عَنان السَّماء، وبلغ الآفاق، ثم سقط في ماء كثير جار فخبا، وقد ولدتُه في يومكم هذا الذي تُهرقون فيه الدّماء، وقد أوَّلتُ رُؤياي أنه سيُريق الدّماء، ويعلو شأنُه وأمرُه، ثم يَغرق، [وقد ذكرنا مقتل غزالة زوجته بالكوفة] (١). فصل: وفيها توفي] عُبيد بن عُمير ابن قتادة الليثي المكي [وكنيته] أبو عاصم، من الطبقة الأولى من أهل مكة. [وقال ابن سعد بإسناده عن ثابت قال: أول من قصَّ عُبيد بن عُمير الليثي، على عهد عمر بن الخطاب ﵁. وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الملك عن عطاء قال:] دخلت أنا وعُبيد بن عُمير على عائشة ﵂ فقالت: مَن هذا؟ فقال: أنا عُبيد بن عُمير، قالت: أقاصُّ أهل مكة؟ قال: نعم، قالت: خَفِّف فإن الذّكر ثَقيل (٢).

стр. 4199

[وحكى أبو نعيم، عن] مجاهد قال: كنا نفتخر بفقيهنا ابن عباس، وقاصِّنا (١) عُبيد بن عُمير. [وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن مجاهد قال:] قال عُبيد بن عمير: ما المجتهدُ فيكم إلا كاللاعب فيمن مضى. [وروى أبو نعيم عن قيس بن سعد قال: قال عبيد بن عمير:] إن أهل القبور ليَتَلقَّون الميت كما يُتَلقَّى الراكب؛ يسألونه، فإذا سألوه ما فعل فلان؟ ممن كان قد مات، فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهب به إلى أُمِّه الهاوية. [وعُبيد بن عُمير صاحب المرأة، حدثنا غير واحد، عن ثابت بإسناده، عن صالح ابن] أحمد بن عبد الله العجلي، عن أبيه قال (٢): كانت امرأة جميلة بمكة، أخذت المرآة يومًا فَنظرت فيها وقالت لزوجها: أتُرى يرى هذا الوجه أحدٌ ولا يَفتتن به؟ قال: نعم، عُبيد بن عُمير، قالت: فأذَن لي في إتيانه لأَفتنه، فأذِن لها، فجاءت إليه وهو قاعد في المسجد الحرام في صورة مُستَفْتية، فسَفرت عن وجهها وكأنه فَلْقة قمر، فقال لها: يا أمَة الله استتري، فقالت: إني قد فُتِنتُ بك فاقض حاجتي، فقال لها: فإني أسألُك عن شيء، فإن صدقتيني قضيتُ حاجتك، قالت: سَلْ، قال: أخبريني لو نزل بك المرض فغيّر ما أرى من صورتك، وشغلك عمّا أنت فيه، هل كان يَسرُّكِ أن أقضيَ حاجتَك؟ قالت: لا، قال: فلو نزل بك الموت، وجاء مَلَك الموت ليَقبض روحك، أكان يَسرُّك أن أقضي حاجتك؟ قالت: لا، قال: أرأيت لو جاءك منكر ونكير للمساءلة، أكان يسرُّكِ أن أقضيَ حاجتك؟ قالت: لا، قال: أرأيتِ لو وقفْتِ بين يدي الله تعالى للحساب، ثم عدَّد عليها أهوال [يوم] القيامة، ودخول النار، وهو يقول لها في كل فَصْلٍ أيَسرُّكِ أن أقضيَ حاجتَكِ؟ وهي تقول: لا، فقامت من عنده باكية، فدخلت على زوجها، فقال لها: ما قال لك؟ أو: ما لك؟ فقالت: نحن بَطّالون، ولَزِمت الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجُها يقول: ما لي ولعُبيد بن عمير؟! أفسد عليّ زوجتي، كانت في كل ليلة عَروسًا، فصيَّرها راهبةً. [وقال الواقدي:] توفي عُبيد بن عُمير سنة سبع وسبعين بمكة.

стр. 4200

وأسند عن أُبيّ بن كعب، وأبي ذَرّ، وأبي قَتادة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ في آخرين. وروى عنه من كبار التّابعين: مجاهد، وعطاء، وأبو حازم. [قال ابن سعد:] وكان ثقةً كثير الحديث (١)، [انتهت ترجمته والحمد لله وحده]. قَطَريّ بن الفُجاءَة المازني وقيل: التميمي، كان أحدَ رؤوس الخوارج، عليه فيها بإمرة المؤمنين. ومن شعره في "الحماسة" (٢): [من الوافر] أقول لها وقد طارت شَعاعًا … من الأبطال وَيحك لا تُراعي فإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ … على الأجَلِ الذي لكِ لم تُطاعي فصَبْرًا في مجالِ الموت صَبْرًا … فما نَيلُ الخلودِ بمُستطاعِ ولا ثوبُ البَقاءِ بثَوب عِز … فيُطْوَى عن أخي الخَنَع اليَراعِ سَبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حَيٍّ … فداعِيه لأهلِ الأرضِ دَاعي ومَن لا يغتبطْ يَهرَمْ وَيسقم … وتُسلِمْه المنونُ إلى انقِطاعِ وما للمرء خيرٌ في حياةٍ … إذا ما عدَّ من سَقَطِ المتاعِ وله: [من الكامل] لا يَركننْ أحدٌ إلى الإحجام … يوم الوَغى مُتَخَوِّفًا بحِمامِ فلقد أُراني للرماح دريئةً … من عن يميني مَرَّةً وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمي … أكنافَ سَرْجي أو عِنانَ لِجامي ثم انصرفت وقد أَصبت ولم أصبْ … جذعَ البصيرةِ قارحَ الإقدامِ (٣) وله: [من الطويل]

стр. 4201

فما في تَساقي الموتِ في الحرب سُبَّةٌ … على شارِبيه فاسقني منه واشرَبا (١) وفيها توفي مُطَرِّف بن المغيرة ابن شعبة (٢) الثَّقَفي. [لأبيه صحبة، وقد ذكرناه]. كان هو وأخواه عروة وحمزة نبلاء أشراف من وجود أهل الكوفة، ولما قدم الحجاج الكوفة راعى فيهم عهدَ أبيهم المغيرة، ومَيلَه إلى معاوية وبني أمية، فاستعمل عروة على الكوفة، ومُطَرِّفًا على المدائن، وحمزة على هَمَذان. وكان مطرِّف حسنَ السيرة، قامعًا للمفسدين، مُبيدًا للظالمين، ولما جرى بينه وبين رُسُلِ شَبيب ما جرى من المناظرة، وقال لسويد بن سُليم: أنا معكم على قَمْعِ الظالمين والمفسدين، وأعمل بكتاب الله وسنّة رسوله؛ طمع فيه شَبيب، وأعاد سويدًا إليه، وعند مُطَرِّف النَّضْر بن صالح، وكان عنده عزيزًا، فأراد أن يقوم، فقال له مطرف: اجلس فما دونَك ستر، وكان النَّضْر من بني جَذِيمة شريفًا جميلًا، فقال له سويد: إنا عَرَضْنا على أمير المؤمنين شَبيب ما ذكرت، فذكر لنا فصولًا منها أنه قال: قولوا له: أليس قد مَضَت السُّنَّة أن المسلمين إذا اختاروا خيرًا وأجمعوا عليه؛ وجب المصير إليه، ونحن من أهل الحق، وقد اختَرْنا مَن رأيناه أهلًا، فما لم يُغيِّر أو يُبدِّل فهو وليُّنا، وأما حديث الشُّورى؛ فنحن أهل الشُّورى، وقد اخترنا مَن رأيناه صالحًا لهذا الأمر، ولو دخلْنا في الشُّورى مع غيرنا كنا مُخطئين؛ لأن فيه عَوْنًا للظالمين، وذكر كلامًا ليس له حاصل. فقال له مُطَرِّف: ارجع إلى صاحبك لننظر في أمرنا. ودعا مُطرِّف رجالًا من ثقاته وأهل بطانته، فقال لهم: أنتم نُصحائي، وأهل مَودَّتي، ومَن أثق به، والله إنني كاره لأفعال هؤلاء الظَّلَمة المُستَحِلّين، وإنني لأرى قتالهم فرضًا عليّ وعلى المسلمين، فلما مرَّ بي هؤلاء القوم دعوتُهم إلى كتاب الله، وسنَّةِ رسوله، وجعلِ الأمر شورى بين المسلمين، ولو بايعوني على ذلك لخلعتُ الحجاج

стр. 4202

وعبد الملك، ولسِرتُ إليهم فجاهدتُهم، فقال له سُلَيم بن حُذَيفة المُزَنيّ: إنهم لا يبايعونك ولا تُبايعهم (١)؛ فأَخْفِ هذا الكلام ولا تظهره، وقال له الربيع بن يزيد الأسَدي مثل ذلك، وجثا مولاه يزيد بن أبي زياد، وكان صاحبَ شُرطته على ركبتيه، وقال له: والله إنه ما يخفى على الحجاج مما جرى بينك وبين القوم كلمة، وأهل المدائن من الجانبين قد تحدّثوا بذلك، ولو كنتَ في السحاب لطلبك الحجّاج، فاطلب النَّجاة من ساعتك هذه لنَفْسك، واتَّخذ غير المدائن دارًا، فإن في يومك هذا الحديثُ عند الحجاج، فقال للمُزَنيّ والأسدي: ما تقولان؟ قالا: هو كما قال، ولكنا معك نُواسيك بأنفسنا، ونقاتل الحجاج وغيره، وقال نَضر بن صالح كذلك. فأرسل مطرف إلى أصحابه وقال: أدلجوا بنا الليلة لأمر حَدَث، فخرجوا معه فسار بهم حتى نزل الدَّسكَرة، ولما أراد أن يَرْتحل منها خطبهم وقال: إنني قد خلعتُ الحجاج وعبدَ الملك، ودخلت في حزب أهل الحق، وجهادِ الظالمين المُحلّين، فبايعوه على ذلك ما عدا سَبْرَة بن عبد الرحمن بن مِخْنَف وعبد الله بن كَنَّاز النَّهدي؛ فإنهما أجاباه وأظهرا الرضى بذلك، ثم خرجا في الليل فسارا إلى الكوفة، فشهدا مع الحجاج وَقعةَ شبيب. وسار مُطَرّف إلى حُلْوان وعليها سُويد بن عبد الرحمن عامل الحجاج، فخاف من الحجاج، فجمع لمطرّف جَمْعًا وخرج يريده، وكان يكره قتاله. وكان الحجَّاج بن جاريَة الخثعمي حين سمع بخروج مُطَرّف لحقه في ثلاثين من قومه إلى حُلوان، فشهد معه قتال سويد، وكان قد أقعد لهم الأكراد على ثَنيَّة حُلوان فحملوا على الأكراد فقتلوهم، وانهزم الباقون، ولما بلغوا من هَمذان حادوا عنها، وكره دخولها خوفًا على أخيه حمزة من الحجاج أن يتهمه به، وكتب إليه كتابًا يشكو قلَّة النَّفَقة ويقول: أَمِدَّ أخاك بما قَدَرتَ عليه. وبعث بالكتاب مع يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة الذي شهد مراسله الخوارج، فدخل على حمزة ليلًا بكتاب مُطَرِّف، فلمارآه قال له: ويحك، ثكلتك أُمّك أنت قتلت مطرفًا، فقال يزيد: إن مطرفًا قتل نفسه وقتلني، وليته لا يقتلك، فقال: مَن سوَّل له هذا

стр. 4203

الأمر؟ قال: نفسُه، ثم دفع إليه كتابَ مُطرّف، فقرأه وقال: إن أنا بعثتُ له بمال وسلاح هل يخفى على الحجاج؟ قال: ما أظن، فقال: والله لئن خَذلتُه في أنفعِ النَّصْرَين له نصر العلانية؛ لا خذلتُه في أيسر النَّصْرين نصر السريرة، ثم بعث له مالًا وسلاحًا، فسار حتى لحقه بأرض أصبهان. وسار حتى نزل بقُم وقاشان، وأمِنَ، فكتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد (١) بن سِرْحان الثَّقَفي وبُكير بن هارون البَجليّ يدعوهم إلى ما خرج لأجله، فأجابوه، وقدموا عليه في نحو من مئة رجل، وأطاعه أهل الريّ وأصبهان وتلك النّواحي. وكان البَراء بن قَبيصَة عاملَ الحجاج على أصبهان، فكتب إليه: الحق بأصبهان وغيرها، وأخبره الخبر، فكتب إليه: عَسْكِرْ بظاهر أصبهان، وبعث الحجاج الرجال مُقَطَّعين: خمسة وعشرة وعشرين، حتى صار عنده خمس مئة رجل. وبلغ الحجاج فِعل حمزة بن المغيرة، فكتب إلى قيس بن سعد العِجليّ صاحب شُرطته: أن أوثق حمزة بن المغيرة في الحديد، واحبسه حتى يأتيك أمري، وكتب له بعهده على هَمذان فأوقف العجليُّ حمزةَ على كتاب الحجاج: فقال: سَمْعًا وطاعة افعل، فأوثقه في الحديد وحبسه، وكتب إلى الحجاج يُخبره ويقول: إن رأيتَ أن تأذنَ لي في قتال المُطَرّف فافعل، فلم يجبه الحجاج، وكتب إلى عديّ بن وَتَّاد الإيادي عامل الري: سِرْ إلى قتال مُطَرِّف أنت والبراء (٢) بن قَبِيصَة عامل أصبهان، وأنت الأمير على الناس. فسار عدي في ثلاثة آلاف من أهل الرَّيّ، وابن قَبِيصَة في ألف، والأكراد وأهل الشام، فصاروا في ستة آلاف مقاتل. وبلغ مطرّفًا فخندق عليه وعلى أصحابه حين قدموا عليه، وجعل عدي بن وَتّاد على ميمنته عبد الله بن زهير، وعلى الميسرة البراء بن قبيصة فغضب، فبعث على الميسرة عمر بن هُبَيرة، ووقف عَديّ في القلب. وبعث المطرف على ميمنته الحجاج بن جارية، وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الأسدي، ونزل هو يمشي في الرجّالة ورايته مع يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة، ثم قال مُطَرّف لبُكير بن هارون البَجَليّ: اخرج فادْعُهم إلى كتاب الله وسنة

стр. 4204

رسوله، فخرج إليهم، فوعظهم فلم يلتفتوا، وسَبُّوه وحملوا عليه، وقتلوا يزيد بنَ أبي زياد صاحب راية مُطرّف ومُعظمَ أصحابه، وحمل مطرف فغاص بينهم، وقاتل [قتالًا عظيمًا] حتى قتل، فنزل عمر بن هُبَيرة فاحتزَّ رأسَه، وبعثوا به إلى الحجّاج. السنة الثامنة والسبعون [من الهجرة النبوية] وفيها فرغ الحجاج من بناء واسط (١)، وإنما سمّاها واسطًا لأنها بين المِصرَيْن الكوفة والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخًا، وإلى البصرة كذلك. قالوا: وأنفق على بنائها خراج العراق خمس سنين، وبنى بها قُبَّةً ضاهى بها إيوان كسرى، وقصرًا عظيمًا، فهدمها الله لظلم الحجاج، وأبقى الإيوان لعدل كسرى، ونقل إليها وجوه الناس من المِصرَين والشام والجزيرة وخراسان. وحكى العُتْبي، عن جامع المحاربي -وكان خطيبًا لبيبًا جريئًا على السلطان- أنه دخل على الحجاج فقال له (٢): ما تقول في هذه البلدة والقصر؟ قال: بنيتهما في غير بلدك، وتُورثهما غير ولدك (٣). وكان جامع يوم دَيْر الجَماحِم والمصاف قائم (٤)، وهو إلى جانب الحجاج، فقال: يا جامع، أشكو إليك سُوءَ طاعةِ أهل العراق، وقبحَ مذهبهم، فقال له: لو أحبُّوك لأطاعوك، على أنهم ما شَنؤوك لنَسَبك، ولا لذات نفسك، فدع ما يُبعدهم عنك إلى ما يُقَرِّبهم إليك، والتمس العافية ممن هو دونك تُعطَها ممن هو فوقك، وليكن إيقاعُك بعد وعيدِك، ووَعيدُك بعد وَعْدِك، فقال الحجاج: ما أرى أن أردَّ بني اللَّكِيعَةِ إلى طاعتي إلا بالسيف، فقال جامع: إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخِيار، فقال: الخيار يومئذٍ لله، قال جامع: أجل، ولكنك لا تدري لمن يَجعله، فغضب الحجاج وقال: يا هَناه، إنك من مُحارب، فقال جامع: [من الطويل]

стр. 4205

وللحرب سُمِّينا وكنا مُحارِبًا … إذا ما القَنا أمسى من الطَّعنِ أحمرا فنال منه الحجاج، فقال: إن صَدَقناك أغضبناك، وإن غَشّيناك أغضبنا الله، وغضبك علينا أهون من غضب الله، قال: أجل. وشُغل عنه الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع من وراء الصُّفوف التي لأهل الشام، حتى خالط صفوف أهل العراق، فأبصر كَبْكَبةً عظيمة من بكر وقيس وتميم والأزد، فلما رأوه انحازوا إليه، وقالوا له: ما عندك؟ فقال: دعوا التَّعادي فيما بينكم، فإذا ظفرتم تراجعتم، وهل ظَفِر الحجاج بمَن ظفر منكم إلا بمن بقي معه منكم؟! ثم هرب جامع إلى الشام، فاستجار بزُفَرَ بنِ الحارث، أو ببعض وَلَده، فاجاره. [وحكى الخطيب، عن الرِّياشِيّ قال:] قال الحجاج للحسن البصري لما فرغ [من بناء واسط]: كيف ترى هذا البناء؟ فقال الحسن: إن الله أخذ العهود والمواثيق على العلماء ألا يقولوا إلا الحق، أما أهل السماء فمَقَتوك، وأما أهل الأرض فغَرُّوك، أنفقتَ مال الله في غير طاعته، وفعلت وفعلت، فنكس الحجاج رأسَه، وقام الحسن فخرج، فقال الحجاج: يا أهل الشام، يشتِمني عبدٌ من عبيد أهل البصرة في مجلس ولا يكون لذلك تغيير ولا نكير؟! رُدُّوه، ودعا بالنِّطع والسيف، فلما دخل الحسن عليه ورآه الحجاج؛ قام من مَجلِسه، وأجلسه معه على سريره، ودعا بغالية فغلَّف بها لحيته، وصرفه مكرمًا. فلما خرج أتبعه الحجاج حاجبَه وقال له: قل له: لما دخلت عليّ وقد عزمتُ على قتلك رأيتُك حرَّكت شفتيك، فما الذي قلت؟ فقال الحسن: وما عليه مما قلت؟ فقال الحاجب: اللهَ الله، إنه الحجاج، فقال الحسن: دعوتُ الله فقلت: يا عُدَّتي عند شِدَّتي، ويا وليَّ نعمتي، ويا صاحبي عند كُربَتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ويا كهيعص، بحقّ طه وياسين والقرآن العظيم؛ ارزقني معروفَ الحجاج ومودَّتَه، واصرف عني أذاه ومَعَرَّتَه، فقال الحاجب: بخٍ بخ، بهذا نجوتَ، وأعاد على الحجاج ما قال، فقال: اكتبوها. قال الريِّاشي: فوالله ما وقعتُ في شدّة فدعوت الله بها إلا فَرَّج عني (١).
следующие страницы →