← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

فما في تَساقي الموتِ في الحرب سُبَّةٌ … على شارِبيه فاسقني منه واشرَبا (١) وفيها توفي مُطَرِّف بن المغيرة ابن شعبة (٢) الثَّقَفي. [لأبيه صحبة، وقد ذكرناه]. كان هو وأخواه عروة وحمزة نبلاء أشراف من وجود أهل الكوفة، ولما قدم الحجاج الكوفة راعى فيهم عهدَ أبيهم المغيرة، ومَيلَه إلى معاوية وبني أمية، فاستعمل عروة على الكوفة، ومُطَرِّفًا على المدائن، وحمزة على هَمَذان. وكان مطرِّف حسنَ السيرة، قامعًا للمفسدين، مُبيدًا للظالمين، ولما جرى بينه وبين رُسُلِ شَبيب ما جرى من المناظرة، وقال لسويد بن سُليم: أنا معكم على قَمْعِ الظالمين والمفسدين، وأعمل بكتاب الله وسنّة رسوله؛ طمع فيه شَبيب، وأعاد سويدًا إليه، وعند مُطَرِّف النَّضْر بن صالح، وكان عنده عزيزًا، فأراد أن يقوم، فقال له مطرف: اجلس فما دونَك ستر، وكان النَّضْر من بني جَذِيمة شريفًا جميلًا، فقال له سويد: إنا عَرَضْنا على أمير المؤمنين شَبيب ما ذكرت، فذكر لنا فصولًا منها أنه قال: قولوا له: أليس قد مَضَت السُّنَّة أن المسلمين إذا اختاروا خيرًا وأجمعوا عليه؛ وجب المصير إليه، ونحن من أهل الحق، وقد اختَرْنا مَن رأيناه أهلًا، فما لم يُغيِّر أو يُبدِّل فهو وليُّنا، وأما حديث الشُّورى؛ فنحن أهل الشُّورى، وقد اخترنا مَن رأيناه صالحًا لهذا الأمر، ولو دخلْنا في الشُّورى مع غيرنا كنا مُخطئين؛ لأن فيه عَوْنًا للظالمين، وذكر كلامًا ليس له حاصل. فقال له مُطَرِّف: ارجع إلى صاحبك لننظر في أمرنا. ودعا مُطرِّف رجالًا من ثقاته وأهل بطانته، فقال لهم: أنتم نُصحائي، وأهل مَودَّتي، ومَن أثق به، والله إنني كاره لأفعال هؤلاء الظَّلَمة المُستَحِلّين، وإنني لأرى قتالهم فرضًا عليّ وعلى المسلمين، فلما مرَّ بي هؤلاء القوم دعوتُهم إلى كتاب الله، وسنَّةِ رسوله، وجعلِ الأمر شورى بين المسلمين، ولو بايعوني على ذلك لخلعتُ الحجاج

стр. 4202

وعبد الملك، ولسِرتُ إليهم فجاهدتُهم، فقال له سُلَيم بن حُذَيفة المُزَنيّ: إنهم لا يبايعونك ولا تُبايعهم (١)؛ فأَخْفِ هذا الكلام ولا تظهره، وقال له الربيع بن يزيد الأسَدي مثل ذلك، وجثا مولاه يزيد بن أبي زياد، وكان صاحبَ شُرطته على ركبتيه، وقال له: والله إنه ما يخفى على الحجاج مما جرى بينك وبين القوم كلمة، وأهل المدائن من الجانبين قد تحدّثوا بذلك، ولو كنتَ في السحاب لطلبك الحجّاج، فاطلب النَّجاة من ساعتك هذه لنَفْسك، واتَّخذ غير المدائن دارًا، فإن في يومك هذا الحديثُ عند الحجاج، فقال للمُزَنيّ والأسدي: ما تقولان؟ قالا: هو كما قال، ولكنا معك نُواسيك بأنفسنا، ونقاتل الحجاج وغيره، وقال نَضر بن صالح كذلك. فأرسل مطرف إلى أصحابه وقال: أدلجوا بنا الليلة لأمر حَدَث، فخرجوا معه فسار بهم حتى نزل الدَّسكَرة، ولما أراد أن يَرْتحل منها خطبهم وقال: إنني قد خلعتُ الحجاج وعبدَ الملك، ودخلت في حزب أهل الحق، وجهادِ الظالمين المُحلّين، فبايعوه على ذلك ما عدا سَبْرَة بن عبد الرحمن بن مِخْنَف وعبد الله بن كَنَّاز النَّهدي؛ فإنهما أجاباه وأظهرا الرضى بذلك، ثم خرجا في الليل فسارا إلى الكوفة، فشهدا مع الحجاج وَقعةَ شبيب. وسار مُطَرّف إلى حُلْوان وعليها سُويد بن عبد الرحمن عامل الحجاج، فخاف من الحجاج، فجمع لمطرّف جَمْعًا وخرج يريده، وكان يكره قتاله. وكان الحجَّاج بن جاريَة الخثعمي حين سمع بخروج مُطَرّف لحقه في ثلاثين من قومه إلى حُلوان، فشهد معه قتال سويد، وكان قد أقعد لهم الأكراد على ثَنيَّة حُلوان فحملوا على الأكراد فقتلوهم، وانهزم الباقون، ولما بلغوا من هَمذان حادوا عنها، وكره دخولها خوفًا على أخيه حمزة من الحجاج أن يتهمه به، وكتب إليه كتابًا يشكو قلَّة النَّفَقة ويقول: أَمِدَّ أخاك بما قَدَرتَ عليه. وبعث بالكتاب مع يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة الذي شهد مراسله الخوارج، فدخل على حمزة ليلًا بكتاب مُطَرِّف، فلمارآه قال له: ويحك، ثكلتك أُمّك أنت قتلت مطرفًا، فقال يزيد: إن مطرفًا قتل نفسه وقتلني، وليته لا يقتلك، فقال: مَن سوَّل له هذا

стр. 4203

الأمر؟ قال: نفسُه، ثم دفع إليه كتابَ مُطرّف، فقرأه وقال: إن أنا بعثتُ له بمال وسلاح هل يخفى على الحجاج؟ قال: ما أظن، فقال: والله لئن خَذلتُه في أنفعِ النَّصْرَين له نصر العلانية؛ لا خذلتُه في أيسر النَّصْرين نصر السريرة، ثم بعث له مالًا وسلاحًا، فسار حتى لحقه بأرض أصبهان. وسار حتى نزل بقُم وقاشان، وأمِنَ، فكتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد (١) بن سِرْحان الثَّقَفي وبُكير بن هارون البَجليّ يدعوهم إلى ما خرج لأجله، فأجابوه، وقدموا عليه في نحو من مئة رجل، وأطاعه أهل الريّ وأصبهان وتلك النّواحي. وكان البَراء بن قَبيصَة عاملَ الحجاج على أصبهان، فكتب إليه: الحق بأصبهان وغيرها، وأخبره الخبر، فكتب إليه: عَسْكِرْ بظاهر أصبهان، وبعث الحجاج الرجال مُقَطَّعين: خمسة وعشرة وعشرين، حتى صار عنده خمس مئة رجل. وبلغ الحجاج فِعل حمزة بن المغيرة، فكتب إلى قيس بن سعد العِجليّ صاحب شُرطته: أن أوثق حمزة بن المغيرة في الحديد، واحبسه حتى يأتيك أمري، وكتب له بعهده على هَمذان فأوقف العجليُّ حمزةَ على كتاب الحجاج: فقال: سَمْعًا وطاعة افعل، فأوثقه في الحديد وحبسه، وكتب إلى الحجاج يُخبره ويقول: إن رأيتَ أن تأذنَ لي في قتال المُطَرّف فافعل، فلم يجبه الحجاج، وكتب إلى عديّ بن وَتَّاد الإيادي عامل الري: سِرْ إلى قتال مُطَرِّف أنت والبراء (٢) بن قَبِيصَة عامل أصبهان، وأنت الأمير على الناس. فسار عدي في ثلاثة آلاف من أهل الرَّيّ، وابن قَبِيصَة في ألف، والأكراد وأهل الشام، فصاروا في ستة آلاف مقاتل. وبلغ مطرّفًا فخندق عليه وعلى أصحابه حين قدموا عليه، وجعل عدي بن وَتّاد على ميمنته عبد الله بن زهير، وعلى الميسرة البراء بن قبيصة فغضب، فبعث على الميسرة عمر بن هُبَيرة، ووقف عَديّ في القلب. وبعث المطرف على ميمنته الحجاج بن جارية، وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الأسدي، ونزل هو يمشي في الرجّالة ورايته مع يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة، ثم قال مُطَرّف لبُكير بن هارون البَجَليّ: اخرج فادْعُهم إلى كتاب الله وسنة

стр. 4204

رسوله، فخرج إليهم، فوعظهم فلم يلتفتوا، وسَبُّوه وحملوا عليه، وقتلوا يزيد بنَ أبي زياد صاحب راية مُطرّف ومُعظمَ أصحابه، وحمل مطرف فغاص بينهم، وقاتل [قتالًا عظيمًا] حتى قتل، فنزل عمر بن هُبَيرة فاحتزَّ رأسَه، وبعثوا به إلى الحجّاج. السنة الثامنة والسبعون [من الهجرة النبوية] وفيها فرغ الحجاج من بناء واسط (١)، وإنما سمّاها واسطًا لأنها بين المِصرَيْن الكوفة والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخًا، وإلى البصرة كذلك. قالوا: وأنفق على بنائها خراج العراق خمس سنين، وبنى بها قُبَّةً ضاهى بها إيوان كسرى، وقصرًا عظيمًا، فهدمها الله لظلم الحجاج، وأبقى الإيوان لعدل كسرى، ونقل إليها وجوه الناس من المِصرَين والشام والجزيرة وخراسان. وحكى العُتْبي، عن جامع المحاربي -وكان خطيبًا لبيبًا جريئًا على السلطان- أنه دخل على الحجاج فقال له (٢): ما تقول في هذه البلدة والقصر؟ قال: بنيتهما في غير بلدك، وتُورثهما غير ولدك (٣). وكان جامع يوم دَيْر الجَماحِم والمصاف قائم (٤)، وهو إلى جانب الحجاج، فقال: يا جامع، أشكو إليك سُوءَ طاعةِ أهل العراق، وقبحَ مذهبهم، فقال له: لو أحبُّوك لأطاعوك، على أنهم ما شَنؤوك لنَسَبك، ولا لذات نفسك، فدع ما يُبعدهم عنك إلى ما يُقَرِّبهم إليك، والتمس العافية ممن هو دونك تُعطَها ممن هو فوقك، وليكن إيقاعُك بعد وعيدِك، ووَعيدُك بعد وَعْدِك، فقال الحجاج: ما أرى أن أردَّ بني اللَّكِيعَةِ إلى طاعتي إلا بالسيف، فقال جامع: إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخِيار، فقال: الخيار يومئذٍ لله، قال جامع: أجل، ولكنك لا تدري لمن يَجعله، فغضب الحجاج وقال: يا هَناه، إنك من مُحارب، فقال جامع: [من الطويل]

стр. 4205

وللحرب سُمِّينا وكنا مُحارِبًا … إذا ما القَنا أمسى من الطَّعنِ أحمرا فنال منه الحجاج، فقال: إن صَدَقناك أغضبناك، وإن غَشّيناك أغضبنا الله، وغضبك علينا أهون من غضب الله، قال: أجل. وشُغل عنه الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع من وراء الصُّفوف التي لأهل الشام، حتى خالط صفوف أهل العراق، فأبصر كَبْكَبةً عظيمة من بكر وقيس وتميم والأزد، فلما رأوه انحازوا إليه، وقالوا له: ما عندك؟ فقال: دعوا التَّعادي فيما بينكم، فإذا ظفرتم تراجعتم، وهل ظَفِر الحجاج بمَن ظفر منكم إلا بمن بقي معه منكم؟! ثم هرب جامع إلى الشام، فاستجار بزُفَرَ بنِ الحارث، أو ببعض وَلَده، فاجاره. [وحكى الخطيب، عن الرِّياشِيّ قال:] قال الحجاج للحسن البصري لما فرغ [من بناء واسط]: كيف ترى هذا البناء؟ فقال الحسن: إن الله أخذ العهود والمواثيق على العلماء ألا يقولوا إلا الحق، أما أهل السماء فمَقَتوك، وأما أهل الأرض فغَرُّوك، أنفقتَ مال الله في غير طاعته، وفعلت وفعلت، فنكس الحجاج رأسَه، وقام الحسن فخرج، فقال الحجاج: يا أهل الشام، يشتِمني عبدٌ من عبيد أهل البصرة في مجلس ولا يكون لذلك تغيير ولا نكير؟! رُدُّوه، ودعا بالنِّطع والسيف، فلما دخل الحسن عليه ورآه الحجاج؛ قام من مَجلِسه، وأجلسه معه على سريره، ودعا بغالية فغلَّف بها لحيته، وصرفه مكرمًا. فلما خرج أتبعه الحجاج حاجبَه وقال له: قل له: لما دخلت عليّ وقد عزمتُ على قتلك رأيتُك حرَّكت شفتيك، فما الذي قلت؟ فقال الحسن: وما عليه مما قلت؟ فقال الحاجب: اللهَ الله، إنه الحجاج، فقال الحسن: دعوتُ الله فقلت: يا عُدَّتي عند شِدَّتي، ويا وليَّ نعمتي، ويا صاحبي عند كُربَتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ويا كهيعص، بحقّ طه وياسين والقرآن العظيم؛ ارزقني معروفَ الحجاج ومودَّتَه، واصرف عني أذاه ومَعَرَّتَه، فقال الحاجب: بخٍ بخ، بهذا نجوتَ، وأعاد على الحجاج ما قال، فقال: اكتبوها. قال الريِّاشي: فوالله ما وقعتُ في شدّة فدعوت الله بها إلا فَرَّج عني (١).

стр. 4206

فصل: وفيها عزل عبد الملك أميةَ بن عبد الله عن خُراسان، وضمَّ ولايتها وولاية سجستان إلى الحجاج، فسار الحجاج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عَقيل. [قال هشام:] قدم الحجاج البصرة وقد فرغ المهلَّب من حرب الأزارِقة، فقدم المهلَّب على الحجاج، فأجلسه معه على سريره، وأعطى أصحابه الأموال، وأحسن إليهم، وأثنى عليهم وقال: هؤلاء حماة الثُّغور، وغَيظ الأعادي، أهل الحرب والجهاد، فهم أَولى بالعطاء من غيرهم. ثم مَدح المهلَّب وأثنى عليه (١)، وقال: هو والله كما قال الشاعر: [من البسيط] فقَلِّدوا أمرَكُم لله دَرّكُمُ … رَحْبَ الذِّراعِ بأمرِ الحَرْبِ مُضطَلِعا لا مُترَفًا إن رَخاءُ العيشِ ساعدَه … ولا إذا عَضَّ مَكروهٌ به خَشَعا فقال رجل ممن كان مع المهلب: لكأني والله أسمع قَطَريَّ بنَ الفُجاءة وهو يقول: والله ما حارَبَنَا مثلُه قطّ، هو والله كما قال لَقِيط الإياديّ: [من البسيط] صُونوا جيادَكمُ واجْلُوا سلاحَكمُ … ثم اقْنَعوا قد ينالُ الأمرَ مَن قَنَعا ما انْفَكَّ يَحلُبُ هذا الدَّهرَ أَشْطُرَهُ … يكون مُتَّبِعًا يومًا ومُتَّبَعا حتى استمرَّتْ على شَزْرٍ مَريرتُه (٢) … مُسْتَحكِمَ السِّنِّ لا فَانٍ ولا ضَرَعا فأعجب الحجاج موافقةُ قطري إياه. والأبيات بأسرها للَقِيط الإيادِي من قَصِيد، ولقيط شاعر جاهلي قديم، كتب بها إلى قومه يُنذرهم جيش كسرى (٣). ثم إن الحجاج ولّى المهلَّب خراسان وسجستان، وقيل إنه خَيَّره بين الولايتين فاختار خُراسان (٤)، وقال المهلَّب للحجاج: ألا أدلك على رجل يصلح لسِجِسْتان؟

стр. 4207

قال: ومَن هو؟ قال: عبيد الله بن أبي بَكرة -وَلي سجستان في سنة إحدى وخمسين، فقلَّدَهم الصَّنائع؛ فأحبوه لأياديه فيهم- فهو خيرٌ لك مني في سجستان، وأنا في خُراسان خير لك من غيري؛ لأنها ثَغْر التُّرك، وسجستان ثغر كابُل، فولَّى عبيد الله بن أبي بَكْرَة سجستان، والمهلّب خراسان، فأقام بها حتى مات. وروى المفضَّل (١): أن الحجاج استعمل المهلّب على سجستان، وابنَ أبي بَكرة على خُراسان، فقال المهلب لعبد الرحمن بن عبيد بن طارق صاحب شُرطة الحجاج: أنا أعرَفُ بخراسان؛ فإني كنتُ مع الحكم بن عمرو الغفاري بها قديمًا، وإن أبا بَكرة أقوى على سجستان مني، فأخبر الحجّاج فولّاه خُراسان، وولّى ابنَ أبي بَكرة سجستان. ثم إن الحجاج أَغْرم المهلب ألفَ ألفِ درهم كان أخذها من الأهواز لما ولاه إياها خالد بن عبد الله، فلم يكن عند المهلب ما يُعطيه، فساعده ابنُه المغيرة بخمس مئة ألف، وباعت زوجةُ المهلب خَيرة القُشيريّة حُليَّها بخمس مئة ألف، وقيل: استسلف المهلَّب البعض، وأكمل ألفَ ألفِ درهم، وبعث بها إلى الحجاج. وبعث المهلَّبُ ابنَه حَبيبًا في مُقدّمته إلى خراسان، فسار إليها، ولم يعرض لأُميَّة ولا لعُمّاله فأقام بها عشرة أشهر، حتى قدم عليه أبوه المهلّب في سنة تسعٍ وستين. [وقال أبو معشر:] وحجَّ بالناس الوليد بن عبد الملك، وقال غيره: حج أبان (٢) بن عثمان وكان على المدينة، والوليد بن عبد الملك كان ببلاد الروم غازيًا، وكان على العِراقَين الحجاج، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس على ما قيل. [قال الطبري: وكان على قضاء الكوفة شُرَيح (٣). وهو وهم، وقد ذكرنا وفاة شريح]. فصل: وفيها توفي جابر بن عبد الله ابن عمرو الأنصاري، [وقد ذكرنا نسب أبيه في شهداء أُحُد،] وأمُّه أنيسة بنت عَنَمة بن عدي، من بني سَلِمة، [وكنيته] أبو عبد الله.

стр. 4208

وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة الثانية مع الأنصار، وكان أصغرهم سنًّا. [وقال ابن عبد البر:] أسلم جابر قبل العقبة الأولى بعام، وأراد أن يشهد بدرًا، فخَلَّفه أبوه على أخواته -وكنّ تسعًا- وخلَّفه أيضًا لما خرج إلى أحد، وشهد ما بعد أُحد من المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ . [وحكى البخاري عن جابر أنه قال: شهدتُ العقبة مع السبعين أنا وأبي وخالي، وكان خاله البراء بن مَعْرور (١). وقال قوم: إنه شهد العقبة الأولى، وهو وهم، الذي شهد العقبتَين جابر بن عبد الله بن رِئاب. وقال الواقدي: غزا جابر بن عبد الله مع رسول الله تسع عشرة غزوة، وأول غزواته معه حَمراء الأَسَد وما بعدها، ولم يشهد بدرًا في الأصحّ من الروايات. قال ابن سعد: فقلت للواقدي: فقد روي عن جابر أنه قال: كنت أمتَحُ لأصحابي الماء يوم بدر، فقال الواقدي: هذا غلط من أهل العراق في جابر وأبي مسعود البدريّ، يجعلونهما فيمن شهد بدرًا، ولم يرو ذلك موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق، ولا أبو معْشر، ولا أحدٌ من أرباب السِّيَر (٢). قلت:] وقد أخرج مسلم عن أبي الزبير، عن جابر قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ تسعَ عشرة غزوة، ولم أشهد بدرًا، ولا أُحُدًا، كنتُ مَشغولًا بأَخَواتي، فلما قُتل أبي بأُحد لم أتخلَّفْ عن رسول الله ﷺ في غَزاةٍ قط (٣). وجاء رسول الله ﷺ يعوده وهو مويض، فسأله: ما أصنع في مالي، فنزلت آية الميراث (٤). [قال ابن سعد:] وكان جابر ﵁ ممن بايع تحت الشجرة على الموت، [وقد ذكرناه].

стр. 4209

وروى ابن سعد عن جابر قال: دخلتُ على الحجّاج فما سلَّمتُ عليه، وكان لا يصلي خلفه، وكان الحجاج قد ختم في يد جابر بالمدينة، يعني بالرصاص. قال: وكان يقول (١): يا ليت سمعي ذهب كما ذهب بَصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئًا، [قال:] وكان قد ذهب بصَرُه، [قال:] وكان أبيض الرأسِ واللّحية، وقيل (٢): كان يُصَفِّر لحيته، وكان بين عينيه أَثَر السُّجود، وكان يَؤُمُّ الناس وهو أعمى. ذكر وفاته ﵁: [واختلفوا فيها؛ فروى ابن سعد، عن الواقدي أنه قال:] مات جابر سنة ثمان وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، [وكان واليًا على المدينة، وهو الذي] كفّنه. [وقال ابن منده: في سنة سبع وسبعين. وقال الهيثم: سنة تسع وسبعين. وحكى ابن عساكر، عن معاوية بن مَعْبد: أن الحجاج صلى عليه، ونزل في حفرته. وهو وهم؛ لأن الحجاج كان بالبصرة في هذه السنة، ولم يكن على المدينة]. وجابر آخر من مات من أهل العقبة (٣). ذكر أولاده ﵁: [قال ابن سعد:] فولد (٤) جابر بن عبد الله ﵄: عبد الرحمن، وأم حبيب، وأمُّهما سُهيمة بنت مسعود بن أوس، أَوْسِيَّة. ومحمد وحميدة، وأمُّهما أم الحارث بنت محمد بن مَسلمة الأنصاري، وميمونة لأمّ وَلَد (٥).

стр. 4210

وقال ابن قتيبة: عبد الرحمن ومحمد ابنا جابر بن عبد الله ضعيفان في الحديث (١). أسند جابر عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمس مئة وأربعين حديثًا. [أخرج له في "الصحيحين" منها مئتا حديث وعشرة، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، وأخرج مسلم مئة وستة وعشرين (٢). وأخرج له الإمام أحمد نيِّفًا وثلاث مئة حديث]. وروى جابر عن: أبي بكر، وعمر، وأبي عُبيدة، ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق [وهي من التابعيات] (٣) ﵃. وروى عنه [أبو جعفر، محمد (٤) بن علي بن الحسين [بن علي]﵇، والحسن بن محمد بن الحنفية، ومحمد بن المُنْكَدِر، وزيد بن أسلم، وابن المسيب، وسليمان بن يَسار، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن المدنيُّون. وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وأبو الزُّبير المكيُّون. وسالم بن أبي الجَعْد، والشَّعبي، ومُحارب بن دِثار الكوفيُّون. والحسن البصري، وأبو المُتَوكّل علي بن داود، وسليمان بن قيس البصريّون. وشَهْر بن حَوْشَب، وعووة بن رُوَيم الشاميّان. وأبو عيَّاش المَعافِريّ، وعمرو بن جابر الحَضْرميّ، وأبو مَعْشَر الحَضْرميّ المصريون. وقال أبو سعيد بن يونس: قدم جابر مصر في أيام مَسْلَمة بن مَخْلَد، فحدَّث عنه الناس [قال:] وقد روى عنه خلق كثير من أهل الأمصار (٥).

стр. 4211

وليس في الصحابة مَن اسمه جابر بن عبد الله سوى رجلين (١)، أحدهما هذا، والثاني: جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سِنان بن عُبيد، أنصاري أيضًا، من بني عبيد، من الطبقة الأولى. وأمه أم جابر بنت زهير، من بني سلمة. قال ابن سعد: وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان من الستة نفر الذين لقوا رسول الله ﷺ في صدر الإسلام وأسلموا. وشهد جابر هذا بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وروى عنه أحاديث، ولم يُعقب (٢). ولم يخرج له الإمام أحمد في "المسند" شيئًا، وأخرج له ابن سعد حديثين في تفسير آيتين. أما الأول فقال: حدثنا عفان بن مسلم، أخبرنا همّام بن يحيى (٣)، عن الكلبي في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، قلت: مَن حدّثك؟ قال: حدثني أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري، عن النبي ﷺ . [وأما الثاني فقال: أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن ابن صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري، أن النبيّ ﷺ ] قال في هذه الآية ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: إنها الرؤيا الصالحة، يراها العبد، أو تُرى له (٤). وأما مَن اسمه جابر بن عبد الله من غير الصحابة فخمسة؛ أحدهم: جابر بن [عبد الله بن] عمرو السُّلَمي، روى عن أبيه، عن كعب الأحبار. والثاني: جابر بن عبد الله بن عِصمة المحاربي، روى عنه الأوزاعي.

стр. 4212

والثالث: جابر بن عبد الله، روى عن الحسن البصري. والرابع: جابر بن عبد الله، أبو الخير المصري، روى عنه يونس بن عبد الأعلى. والخامس: جابر بن عبد الله [الغَطَفانيّ]، روى عن عبد الله بن الحسين العَلَويّ (١). وقد ذكرنا من مسانيد جابر بن عبد الله الأنصاري مفرقًا في الكتاب، ومن مسانيده: قال الإمام أحمد بإسناده، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله بن عمرو قال: استأذنتُ على النبي ﷺ فقال: "مَن ذا؟ " قلت: أنا، فقال رسول الله ﷺ : "أنا أنا! "، قال محمد: كأنه كره قوله: أنا. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). قال المصنف ﵀: دقّ بعض الأشخاص على رجل الباب، فقال الرجل: مَن ذا؟ فقال: أنا، فقال صاحب المنزل: هذا دَقٌّ ثانٍ. فصل: وفيها توفي عبد الرحمن بن غَنْم ابن كُرَيب الأشعري، واختلفوا في صحبته، فقال البخاري، وابن منده، والليث بن سعد، وابن لَهيعة: له صحبة، وكذا قال أبو سعيد بن يونس، قال: هو ممن قدم على رسول الله ﷺ في السفينة. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الشام بعد الصحابة، وكذا قال ابن أبي حاتم، والدارقطني، وأحمد العجلي: هو تابعي ثقة. وكذا حكى ابن عساكر أنه ذكره في الطبقة التي تلي الصحابة. وقال ابن عبد البر (٣): كان على عهد رسول الله ﷺ

стр. 4213

مسلمًا، ولم يلقه، ولم يَفِد عليه، ولازم معاذ بن جبل منذ بعثَه رسولُ الله ﷺ إلى اليمن إلى أن مات، وسمع من عمر بن الخظاب وبعثه يُفقه أهل الشام. [وقال ابن سعد:] قدم أبوه غَنْم على عهد رسول الله ﷺ مع أبي موسى الأشعري، وصحبه، وقُتل غَنْم في بعض المغازي بعد وفاة رسول الله ﷺ . [وقال هشام:] توفي عبد الرحمن بن غَنْم بفلسطين، وبها كان يسكن. [وقال ابن عساكر:] أسند أعبد الرحمن بن غَنْم، (١) عن علي، وأبي ذَرّ، وأبي الدَّرداء، ومعاذ بن جبل ﵃، وغيرهم. وروى عنه: ابنُه محمد، وأبو سلام الحَبَشي، ورجاء بن حَيوة، وشهر بن حَوْشب، وصفوان بن سُلَيم (٢)، وعُبادة بن نُسَيّ، ومكحول، في آخَرين. قال المصنف ﵀ (٣): وقد أخرج له الإمام أحمد ﵁ في "المسند" سبعة أحاديث عن رسول الله ﷺ ، منها: قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا رَوْح، حدثنا عبد الحميد بن بَهرَام، عن شَهْر بن حَوْشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غَنْم (٤): أن تميمًا الداري كان يُهدي لرسول الله ﷺ كلَّ عام راويةَ خَمرٍ، فلم كان العام الذي حُرِّمت فيه جاء براوية، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ ضحك وقال: "هل شعرتَ أنها حُرِّمت بعدك"، فقال: يا رسول الله، أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ دقال رسول الله ﷺ : "لعين الله اليهود؛ حُرِّمت عليهم شحومُ البقر والغنم، فأذابوها وباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام" قالها ثلاثًا.

стр. 4214

فصل: وفيها توفي كُريب بن أَبْرهة أبو راشد ويقال: أبو رِشدين. [ذكره أبو زرعة الدمشقي] في الطبقة الأولى، وهي العليا التي تلي الصحابة. وكان من كبار التّابعين، ثقةً فاضلًا. [وقال ابن عبد البر:] في صحبته نظر (١). شهد خطبة عمر ﵁ بالجابية، وولي لعبد العزيز بن مروان رابطة الإسكندرية. [وحكى ابن عساكر، عن] يعقوب بن عبد الله الأَشَج قال: رأيتُ كُرَيب بن أَبرهة قد خرج من قصر عبد العزيز بن مروان؛ وفي رِكابه خمس مئة يمشون. وذكره أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" قال: أدركتُ قصرَه قائمًا لجِيزة الفُسطاط (٢)، حتى هدمه ذكاء الأعور -أمير مصر- ونقل عُمده وطُوبه، فبنى به القَيساريّة الجديدة، المعروفة بقَيسارية ذكاء بمصر، يُباع فيها البزّ. [قال ابن يونس:] ومات كُرَيب في سنة خمس وسبعين. [وقال ابن بكير. في سنة سبع أو] (٣) ثمان وسبعين. أسند كُرَيب عن حُذيفة بن اليمان، وأبي الدَّرداء، وكعب الأحبار. ووَفد على معاوية وعبد الملك بن مروان [، والله أعلم. انتهت ترجمته والحمد لله وحده]. السنة التاسعة والسبعون من الهجرة النبوية وفيها وقع طاعون عظيم بالشام أفنى الناس، ونزلت الروم على أنطاكية فأصابوا من أهلها. وفيها غزا عُبيد الله بن أبي بَكرة بلاد رُتْبيل، وقيل في سنة ثمانين، وسنذكره هناك.

стр. 4215

وفيها قَتَلَ عبد الملك بن مروان الحارثَ المتنبّي، ووصل المهلب إلى خراسان. [قال الطبري (١): وفيها استعفى شُريح بن الحارث من القضاء، وأشار بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فأعفاه الحجاج، وولّى أبا بردة. وقد وهم الطبري؛ فإن شُريحًا تقدمت وفاته على هذه السنة، وقد ذكرناه. وقال أبو معشر والواقدي:] وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة، وكان على العراق الحجاج، والمهلَّب نائبه بخراسان، وعلى قضاء الكوفة أبو بُردة، وعلى البصرة موسى بن أنس [والله أعلم]. فصل: وفيها توفي أوسط بن عمرو [ويقال: ابن عامر، وكنيته: أبو عمرو] البَجَليّ. من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الشام. [قال ابن عساكر:] كانت له دار بدمشق بالباب الشرقي، واستعمله يزيد بن معاوية على حمص. أسند أوسط عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وكبار الصحابة ﵃. وروى عنه سُليم بن عامر وغيره (٢). [فصل: وفيها توفي] الحارث بن عبد الرحمن ابن سعد الدمشقي الذي ادَّعى النبوّة [في هذه السنة]. حكى ابن عساكر [بإسناده إلى عبد الرحمن بن حسان (٣) قال: كان] الحارث المتنبي الكذّاب من أهل دمشق، ووإن مولًى لأبي الجُلاس، وقيل: لمروان بن الحكم، وكان

стр. 4216

لو لَبِس جُبَّة من ذهب لرؤيت عليه زَهادة، وكان إذا أخذ في التسبيح لم يسمع الناس كلامًا أفصح منه ولا أحسن (١)، وكان يسكن حُولَة بانياس وأبوه بدمشق (٢). فعرض له إبليس، فأراه أشياء، فكتب إلى أبيه إلى دمشق: يا أبتاه، عَجِّل علي واقدم، فقد رأيتُ أشياء، وأخاف أن يكون الشيطان عرض في، فزاده أبوه طغيانًا، وكتب إليه: يا بني، أَقبِل على ما أنت عليه؛ فإن الله لا يُنَزّل الشياطين إلا على كلّ أفَاك أثيم، ولستَ بأفّاك ولا أثيم. فادّعى النبوَّة، وأظهر العجائب، فكان يأخذ بيده رُخامة؛ فينقرها فتسبّح، ويطعم الناس فاكهة الشتاء في الصّيف، وفاكهة الصَّيف في الشتاء، ويريهم رجالًا على خيل بُلْق، ويقول: هذه الملائكة. فتبعه خلق كثير، وكان يأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره. وشاع خبرُه، وبلغ عبد الملك بن مووان فاتّهم عامة عسكره به وأنهم على رأيه، فدعا أبا إدريس الخَولاني، وكان على قضاء دمشق، وجمع الفقهاء فأفتَوا بقتله، فطلبه فلم يقدر عليه، فخرج عبد الملك فنزل الصِّنَّبْرَة (٣)، وهرب الحارث من بانياس إلى البيت المقدس فاختفى فيه. وكان للحارث أصحابٌ يدخلون عليه سرًّا، وكان قد أتى رجل من أهل البصرة إلى البيت المقدس زائرًا، وبلغه خبره، فتحيّل عليه حتى اجتمع به، فقال: من أين أنت؟ قال: من البصرة، فأنِس به وباسطه، فقال له البصري: ما أنت؟ فقال: نبيٌّ مُرسَل، قال: فقد آمنتُ بك وصدَّقت؛ فلا تحجبني عنك، فأجابه إلى ذلك، فكان البصري يتردّد إليه. وكان قد حفر أسْرابًا مثل أسراب اليربوع ليهرب منها إذا اطُّلع عليه، فما زال البصري يتردّد إليه حتى عرف الأماكن التي يهرب منها، وقال له: ائذن لي في المسير إلى البصرة لأدعو الناس إليك منها، فأذن له.

стр. 4217

فخرج فأتى سُرادق عبد الملك وهو بالصِّنَّبرة، فصاح: نصيحة، فأدخل عليه، فقال له: ما نصيحتُك؟ قال: أخلِني، فأخلى المكان، فدنا منه، وكان عبد الملك على سريره، وقال: ما عندك؟ قال: الحارث، فلما ذكر الحارث رمى عبد الملك بنفسه عن السرير وقال: أين هو؟ قال: بالقُدس، وقصّ عليه قصَّتَه، فقال: أنت أمير على من هنا وعلى من بالقدس، فمرني بما شئت، قال: ابعث معي أربعين رجلًا لا يفهمون الكلام، فبعث معه أربعين من فَرْغانة، وكتب إلى والي القدس: إن فلانًا الأمير عليك حتى يخرج، فأَطِعه فيما يأمرك به. وجاء إلى القدس، فرتّب الرجال على الأماكن التي يهرب منها ليلًا، ودفع إلى كل واحد تسعة، ثم دخل عليه، فطلبه فلم يجده، فسأل عنه فقالوا: رُفِع، فدخل بعض الأسراب فرآه، فأخذه وأوثقه، ووكل به الفَرغانيين، وسار إلى عبد الملك فأخبره، فنصب له خشبة، فقال الحارث للفَرغَانيين: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]، فقا لوا: هذا كُرآننا -بالكاف- فأين كرآنك؟ ولما وصل إلى الصِّنَّبرة أمر عبد الملك رجالًا، فدخلوا عليه فوعظوه ونهوه، وخوَّفوه الصَّلْب فلم يقبل، فأمر بصَلْبِه، وطُعن برُمح فانثنى الرُّمح ولم يعمل فيه، وكانت قد أصابت الحربة ضِلعه، فصاح الناس: الأنبياء لا يَعمل فيهم السلاح، فقال عبد الملك للذي طعنه: اذكر اسم الله وقد نفذت الحربة، فذكر وطعنه فقتله. ولم يكن خالد بن يزيد بن معاوية حاضرًا، فلما حضر قال لعبد الملك: لو كنت حاضرًا لما مكَّنتُك من قتله، قال: ولم؟ قال: كان يَعتادُه المُذهب -يعني: الشيطان- فلو جَوَّعتَه ذهب عنه. ولما قتله عبد الملك قال العلاء بن زياد: ما غَبطتُ عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله الحارث؛ لحديث رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالًا كذابون، كلّهم يزعم أنه نبي، فمن قتل واحدًا منهم دخل الجنة". قلت: وقد أخرج البخاري ومسلم بمعناه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالًا كذابون، كلّهم يزعم أنه رسول الله".

стр. 4218

هذا لفظ المتفق عليه (١)، ولم يذكر فيه: فمن قتل واحدًا منهم دخل الجنة. عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهُذَلي من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. روى عن علي ﵇ وعبد الله بن مسعود، وكان ثقة، وقد تكلَّموا في روايته عن أبيه من قِبل صِغره، فإن عبد الله ﵁ مات وابنه عبد الرحمن بالكوفة ابنُ ست سنين أو نحوها. قال الواقدي: مات عبد الرحمن بالكوفة سنة تسع وسبعين (٢). النابغة الجَعْدي واسمه قيس بن عبد الله بن عُدَيس (٣)، وقيل: عبد الله بن قيس، وقيل: حَبَّان بن قيس، وكنيته أبو ليلى. وكان من شعراء الجاهلية، ولحق الأخطل ونازعه الشّعر، ووفد على رسول الله ﷺ ، ومدح عبد الله بن الزُّبير، وفد عليه مكة فأنشده في المسجد الحرام: [من الطويل] حَكيتَ لنا الصِّديقَ لما وَليتَنا … وعثمانَ والفاروقَ فارتاحَ مُعدِمُ وسَوَّيتَ بين الناس في الحقِّ فاستوَوْا … وعاد صباحًا حالِكُ الليلِ مُظلِمُ أتاك أبو ليلى يَجوبُ به الدُّجى … دُجى الليل جَوَّابُ الفَلاةِ عَثمثَمُ

стр. 4219

لتَجبُرَ منه جانبًا ذَعْذَعَتْ به (١) … صُروفُ الليالي والزمانُ المُصمصِمُ فقال له ابن الزبير: هوِّن عليك أبا ليلى؛ فإن الشعر أهونُ وَسائلك عندنا، أما صَفْو مالنا فلآل الزُّبير، وأمّا عَفْوُه فإن بني أسد وبني تَيم تَشْغَلُنا عنك، ولكن لك في مال الله حَقَّان: حقٌّ برؤيتك رسول الله ﷺ ، وحقٌّ بشَرِكتك أهل الإسلام في فَيئهم. ثم قام وأخذ بيده؛ فدخل به دار النَّعَم، فأعطاه قَلائص سَبْعًا، وجَملًا وخَيلًا، وأَوْقَر له الرِّكاب بُرًّا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحبَّ صِرفًا، فقال له ابن الزيبر: ويحَ أبي ليلى، لقد بلغ منه الجَهْدُ!. ذكر وفاته: مات بأصبهان، وقال الهيثم: لما سألتْ ليلى الأخيَلِيَّة الحجاج، أجابها (٢) إلى ذلك، وبلغ النابغة فخرج هاربًا من الحجاج، فمات بسَاوَة. وعاش مئة وستين سنة، لم يتغيّر منه سِنّ ولا غيره بدعاء رسول الله ﷺ ، وقيل: عاش مئتي سنة، قال النَّضْر بن شُمَيل: قال النابغة الجَعدي: عِشت دارَين، ثم أدركتُ محمدًا ﷺ فأسلَمتُ، الدَّاران: مئتا سنة (٣). وقال النابغة: كنتُ أجيبُ عن رسول الله ﷺ حتى قبضه الله. وقال يَعلي بن الأشْدَق: سمعتُ النابغة الجَعدِيّ يقول: أنشدتُ رسول الله ﷺ : [من الطويل] بلغْنَا السماءَ مجدُنا وجدودُنا … وإنا لنرجو فوق ذلك مَظهرا فقال: "إلى أين يا أبا ليلى؟ " فقلت: إلى الجنّة، فقال رسول الله ﷺ : "إن شاء الله"، ثم قال النابغة:

стр. 4220

ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم يكن له … بَوادِرُ تحمي صَفْوَهُ أن يُكَدَّرا ولا خيرَ في جَهلٍ إذا لم يكن له … حَلِيمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمرَ أصدَرا فقال رسول الله ﷺ : "لا يفضض الله فاك" مرتين (١)؛ فعاش مئة وعشرين سنة، وكان من أحسن الناس ثَغْرًا، وللنابغة صُحبة ورواية. السنة الثمانون من الهجرة النبوية اختلفوا فيها؛ هل كانت غزاة عُبيد الله بن أبي بَكْرة بلاد التُّرك في هذه السنة، أم في سنة تسع وسبعين؟ [على قولين]. وكان الحجاج قد ولَّى عُبيد الله سِجستان، قال المدائني: لما قدم (٢) ابن أبي بكرة سجستان لم يُؤدّ إليه رُتْبيل (٣) ما كان يُؤدّيه إلى العمال قبلَه من الإتاوة -وهي الخراج- فكتب إلى الحجاج يُخبره، فكتب إليه: اغزُهم، وبعث إليه من أهل الكوفة (٤) عشرين ألفًا، عليهم شُرَيْح بن هانئ، فأوغل عبيد الله في بلاد التُّرك، وغنم غنائم كثيرة، فقال له شريح: قد غنمنا وسلمنا وذلَّ عدوُّنا، فارجع بنا ونحق ظاهرون، فلم يلتفت إلى قوله. وسار حتى قَرُب من كابُل، وتفَرّق أصحابُه في شِعاب ضَيّقة، يطلبون النَّهب والعَلَف فأخذ عليهم رُتبيل الطُّرُق، وعلم عبيد الله، فأرسل إلى رُتْبيل يسأله الصُّلح، وأن يُخلّي بينه وبين الخروج، ويعطيه ابنُ أبي بَكْرة عِدَّةً من وجوه أصحابه رهائن، ومن ولده ثلاثة وهم: الحجاج ونهار وأبو بكرة بنو عبيد الله، وسبع مئة ألف درهم، وأنه لا يغزوه أبدًا، ولا يأخذ منه خراجًا. وعلم شُريح بن هانئ فقال له: يا ابن أبي بَكْرة، اتّقِ الله، ولا تشتر الكفر بالإيمان وزيادةِ سبع مئة ألف درهم، وأعيانِ ولَدك والمسلمين رهائن، ثم تشترط على نفسك

стр. 4221

ألا تأخذَ منهم خراجًا، كل هذا هربًا من الموت الذي أنت صائر إليه. وانفرد عنه شُريح بأعيان أهل الكوفة والبصرة. وبعث عبيد الله إلى رُتْبيل: إني قد صالحتُك على ما صالحتك عليه، وهذا رجل واحد من أصحابي قد عصاني -يعني شُريحًا- ولست ناصره عليك. فخذل شُريحًا. وكان شريح شجاعًا، فكتَب الكتائب؛ فجعل أهل الكوفة كتيبة، وأهل البصرة كتيبة، وأهل الشام كتيبة، وانحاز عنه عبيد الله ناحية، ثم قاتل شريح قتالًا لم يقاتله أحد، فقُتل وأعيانُ الناس معه. وأَذِن رُتبيل لابن أبي بَكْرة فخرج، فجعل أصحابه يأكلون الطعام، فإذا أكلوه ماتوا، فلم يصل [إلى بُسْت] إلا في خمسة آلاف رجل؛ بعد أن كانوا ثلاثين ألفًا، وبيع الرغيف بأربعين دِرهمًا، ولَقُوا ما لم يلقه أحد. [قال المدائني:] ولما رأى عُبيد الله ما جُنده فيه من الجوع والجهد باعهم الطعام والتبن والعَلَف والحِصرم وغيره، فقال أعشى همدَان -واسمه عبد الرحمن بن الحارث- من قصيدة: [من الكامل] أسمعتَ بالجيشِ الذين تَمزَّقوا … وأصابهم رَيبُ الزمانِ الأعوجِ حُبِسوا بكَابُلَ يأكلون جِيادَهم … بأضَرِّ منزلةٍ وسُوء مُعَرّجِ لم يَلْقَ جيشٌ في البلاد كما لَقُوا … فلمثلهم قُل للنَّوائحِ تَنْشِجِ واسأل عُبيدَ الله كيف رأيتَهم … عشرين ألفَ مُجَفْجِفٍ ومُدَجَّجِ ما زلتَ تُوغلهم كما زَعموا لنا … وتَرُومُهم وتَسيرُ سيرَ الأَهْوَج وتَبيعُهم أَتْبانَهم وشعيرَهم … وتَجرتَ بالعِنَبِ الذي لم يَنْضُجِ (١) ومات عبيد الله في هذه السنة كَمَدًا، [وقتل شريح بن هانئ بسجستان]. قال المصنف ﵀: المنقول (٢) عن عبيد الله خِلافُ هذا؛ فإنه لم يكن في زمانه أسخى منه [لما نذكر في ترجمته].

стр. 4222

فصل: وفيها كان السَّيلُ الجُحاف. [حكى ابن سعد، عن الواقدي قال:] جاء سَيْل بمكة، فذهب بالحاجّ والإبل والحَمُول والنساء، فأغرق خلقًا عظيمًا، وبلغ الماء الرُّكنَ الأسود وجاوزه، ولم يقدروا على منعه؛ فسُمِّي الجحاف [لأنه جحف كل شيء مَرّ به، فسُمّي ذلك العام: عام الجُحَاف]. وفيها جهَّز الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعَث إلى قتال التُرك (١)، وأمره أن يُوغل في بلاد رُتبيل. قال علماء السير: لما بلغ الحجاج ما جرى على جيش ابن أبي بَكْرة أخذه ما قَدُم وما حَدُث، ولم يَصدع قلبه شيءٌ مثل ذلك، فكتب إلى عبد الملك يُخبره بهلاك جيش ابن أبي بكرة، وأنه لم يَسْلم منهم إلا القليل، وأن العدوّ قد طمع في بلاد الإسلام، واستأذنه أن يبعث إليهم جيشًا؛ خوفًا من استيلاء العدو على البلاد، فأذن له وقال: الرأي إليك، فأَمضِ رأيَك موفَّقًا راشدًا، وأما مَن قُتل من المسلمين فأولئك قوم كُتب عليهم القتلُ فبرزوا إلى مَضاجعهم، وعلى الله ثوابُهم، والسلام. فخطر للحجاج أن يبعث عبد الرحمن -وكان أبغض خلق الله إلى الحجاج، وكان يقول: ما رأيتُه قط إلا أردتُ قتلَه. قال الشعبي: دخل عبد الرحمن يومًا على الحجاج وأنا عنده، فلما رآه قال لي: انظر إلى مِشيته، والله لقد هممتُ أن أضربَ عُنُقه، قال الشعبي: وخرجتُ من عند الحجاج، وخرج بعدي عبد الرحمن، فقلت له: في معك حديث وهو أمانة، قال: نعم فأخبرتُه بما قال الحجاج، فقال: والله وأنا كذلك، والله لأجتهدنّ في زوال سُلطانه. وجهَّز الحجاج من الكوفة عشرين ألفًا، ومن البصرة مثلها، وأعطى الناس أُعطياتهم، وخرجوا بالخيول والسلاح الكامل، فلم يُجَهَّز في الإسلام جيشٌ كان أحسنَ منه، كان يقالماله: جيش الطَّواويس، أنفق عليه الحجاج ألفي ألف درهم خارجًا عن العطاء.

стр. 4223

وجاء إسماعيل بن الأشعث عَمُّ عبد الرحمن إلى الحجاج فقال له: لا تبعثْه فإني أخاف خِلافه، فوالله ما جاوز الفرات فرأى لوالٍ عليه ولاية، فقال الحجاج: هو أهيبُ لي من ذلك. وكان عبد الرحمن حسودًا أحمق أهوج حقودًا، وكان الزهريّ يقول: أبوه محمد سلب الحسين ﵁ ثيابَه وقاتله، ودلَّ ابن زياد على مُسْلم بن عقيل حتى قتله، وجدُّه الأشعث ارتدَّ عن الإسلام. وقال الشعبي: كنت عند الحجاج، فدخل ابن الأشعث، فقال لي الحجاج: انظر إلى مِشْيَةِ المقيت، فلما سلَّم قال له الحجاج: إنك لمَنظرانيّ، فقال ابن الأشعث: ومَخْبَرانيّ (١)، فغضب الحجاج. وخرج عبد الرحمن ينزل بدير عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، وخرج الحجاج يُودِّعه، وسار عبد الرحمن بالجيش حتى قَدِم سجستان، فقام خطيبًا وقال: أيها الناس، إن الأمير الحجاج قد وَلّاني ثَغْرَكم، وأمرني بجهاد عدوّكم؛ الذي استباح بلادَكم، وقتل خيارَكم، فإياكم أن يتخلّف رجلٌ منكم؛ فيُحِلَّ بنفسه العقوبة. فشرع الناس في الجهاد، وبلغ رُتبيل، فكتب إلى عبد الرحمن يعتذر إليه من مُصاب المسلمين، وأن ذلك لم يكن عن رأي منه، ولقد كره ذلك، وإنما هم ألجؤوه إلى قتالهم، وسأله الصّلح، وأن يُؤدّي إليه رُتبيل الخراج. فلم يُجبه عبد الرحمن، ودخل بلادَه، وداسها، وفتح حصونها، وكان كما فتح بلدًا أو حِصنًا ولّى عليه عاملًا، ووضع البُرد فيما بين كل بلدٍ وبلد، والمسالح على العِقاب والشِّعَاب، وحاز من المواشي والغنائم والسَّبي شيئًا عظيمًا، وقال لأصحابه: قد أصبنا ما أصَبْنا، ودسنا بلادَهم ودوّخناها، فارجعوابنا إلى العام المقبل، فقد حَصَّلنا على الغرض، وفي كل عام نفعل بهم كذا حتى نستأصلَهم. وعاد إلى سجستان، وكتب إلى الحجاج بما فتح الله على المسلمين، وبما راه من الرأي.

стр. 4224

ولما عاد ابن الأشعث إلى بُسْت كتب إليه رُتْبيل: أما بعد، فقد كان من مُصاب إخوانكم ما قد علمتم، وما كان عن إرادة مني، وكان مَن يقدم منكم معنا على أمر، ونحن نطلب تلك القاعده، فهي أرفق بنا وبكم، يعني الصلح، فلم يلتفت ابن الأشعث إليه. وقدم على ابن الأشعث أخوه القاسم بأن محمد من طَبَرِستان، فأعطاه جيشًا، وأمره بالغارة على رُتبيل، فجاء إلى رتبيل رجل من العوب يقال له عُبيد بن أبي سُبيع (١) يرى رأي الخوارج، فقال لرُتبيل: قد جاءك أغدرُ العوب، فتحوَّلْ من مكانك قبل أن يأتيك وأنت غارٍ، فتحوّلَ رُتبيل، وجاء القاسم فلم يجد إلا شيوخًا وعجائز. وجعل رُتبيل يتأخر، ويدع البلاد وراءه طمعًا أن ينال من ابن الأشعث ما قال من ابن أبي بَكرة، وابن الأشعث لا يُوغل في بلاده، وهو مقيم ببُست، وأخوه القاسم يُغير على أطراف البلاد، لا يوغل خوفًا مما جرى على ابن أبي بكوة، وكتب إلى الحجاج يُخبره الخبر، وأنه لم يَر من المصلحة أن يوغل بالجيش في أرض رتبيل؛ لأنها كثيرة المضايق والشعاب، وأن رتبيل قد ضم جيشه إليه، وهو ينتظر الفرصة، وإنما المصلحة التأني، وفتح بلاده أولًا أولًا. فكتب إليه الحجاج: يا ابن الحائك الغادر المرتدّ، امضِ لما أمرتُك به من الإيغال في أرض العدو، والسلام. فغضب ابن الأشعث وقال: يكتب إليَّ ابنُ أبي رِغال بمثل هذا، هو والله الجبان صاحب غَزالة، وأبوه الذَّليل الفار من قتله. وأضمر في نفسه خَلْع الحجاج. وفيها وُلد أبو حنيفة النعمان بن ثابت. [واختلفوا فيمن حجّ بالناس في هذه السنة؛ فقال الهيثم:] سليمان بن عبد الملك، [وقال الواقدي وأبو معشر:] أبان بن عثمان بن عفّان، [وكان على المدينة]. وكان على العراق والمشرق كلّه الحجاج، وعلى خراسان المهلّب من قِبل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس (٢).

стр. 4225

فصل: وفيها توفي أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ - وكنيته أبو زيد. من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وقيل: كنيته أبو خالد. وحكى ابن سعد أنه حبشي بِجاوي من بِجاية، وقال غير ابن سعد: هو من اليمن، وقيل: من سَبْي عين التَّمر، سباه خالد بن الوليد، فاشتراه عمر سنة إحدى عشرة لما بعثه أبو بكر على الحج، رآه بذي المجاز يُباع. وحكى ابن سعد، عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: اشتراني عمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة، وهي السنة التي قُدم فيها بالأشعث بن قيس أسيرًا، وأنا أنظر إليه في الحديد يكلم أبا بكر الصديق ﵁، وأبو بكر يقول له: فعلتَ وفعلتَ، حتى كان آخر ذلك أسمع الأشعث بن قيس يقول: يا خليفة رسول الله، استَبْقِني لحرب عدوّك، وزوجني أختَك، ففعل أبو بكر، ومَنَّ عليه، وزوَّجه أخته أمَّ فَروة بنتا أبي قُحافة، فوَلَدت له محمد بن الأشعث. وقال الهيثم: كان عبد الله يُعظِّمه ويَعرف حُرمته، وشهد أسلم خطبة عمر بالجابية. وقال ابن سعد: مات أسلم في خلافة عبد الملك بن مروان بالمدينة، ولم يُعيّن له وقتًا. وقال ابن عساكر، عن أبي عبيد القاسم بن سلام: مات أسلم سنة ثمانين، وله مئة وأربع عشرة سنة، ولم يتغيّر منه شيء. أسند أسلم عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، وعن أبي عبيدة، ومعاذ، وابن عمر، وحفصة بنت عمر، وأبي هريرة. وأسلم هو الذي روى أنه رأى أبا بكر الصديق ﵁ آخذًا بطَرف لسانه، وهو يقول: هذا أوردني الموارد (١).

стр. 4226

جُبَير بن نُفَير بن مالك ابن عامر (١) اليَحْصُبي، أبو عبد الله الحَضْرَميّ، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الشام، كان جاهليًّا، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وكان ثقة فيما يروي من الحديث، ومات سنة ثمانين، روى عن عمر، ومعلى، وأبي الدرداء، وغيرهم. جُنادة بن أبي أميّة الأزدي من الطبقة الأولى من التابعين، من أهل الشام، لقي أبا بكر، وعمر، ومعاذًا، وحفظ عنهم، وكان ثقةً صاحب غزو، شهد فتح مصر، وكان أميرًا على الغزوات في البحر لمعاوية، ومات سنة ثمانين، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة سبعين (٢). حسان بن النعمان الغسَّاني من أولاد ملوك غسان، ويقال: إنه ابن المنذر. صاحب الفتوحات بالمغرب، بعثه معاوية بن أبي سفيان إلى إفريقية، فأقام واليًا عليها يجاهد إلى أن توفي معاوية، وأقام هناك إلى سنة ثمان وسبعين، وقفل من إفريقية إلى الشام، واستخلف سفيان بن مالك الثقفي، وقدم على عبد الملك فردّه إلى إفريقية، وزاده أَطرابُلُس، فعاد إلى مصر ليتوجّه إلى المغرب، فضبطه عبد العزيز بن مروان، وولّى على المغرب موسى بن نُصير، فعاد حسان، إلى عبد الملك فأمره بلزوم بيته. وقال خليفة: وفي سنة أربع وسبعين أغزى عبد الملك حسّان بن النعمان المغرب، فوصل إلى موضع القيروان، فخلّف بها خيلًا، فبعثت الكاهنة (٣) ابنَها فأجلى الخيل،

стр. 4227

وخرج في طلب حسّان، فلقيه بنهرٍ يقال له نهر البلاء (١)، فانهزم حسّان، وكتب إلى عبد العزيز بن مروان يَستمدّه، فأمدّه بجمع كثير، فسار إلى الكاهنة فانهزمت، فبعث عُبيد بن أبي هفان الخيبري (٢) في طلبها، فأدركها فقتلها وقتل ابنها، وفتح حصونًا كثيرة، وصالح البربر من لدن الزّاب إلى أطرابُلُس، ثم بعث إلى فاس خيلًا فافتتحها، وبنى القيروان في رمضان سنة أربع وسبعين. وفي سنة تسع وسبعين عقد عبد العزيز لموسى بن نُصَير على المغرب، وجاء حسان إلى الشام، فخرج غازيًا إلى أرض الروم، فتوفي بها سنة ثمانين. حدّث عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. ولما عُزل عن المغرب قال أبو عَتيك: [من الطويل] أقول لأصحابي عشيَّةَ جاءنا … بغير الذي نَهوى البريدُ المبشّرُ فإن يكُ هذا الدهرُ جاء بدولةٍ … عليه فإن الدَّهْر بالمرءِ يَعثُرُ من أبيات. زيد بن وَهْب بن خالد الجُهنيّ أبو سليمان، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. عن زيد بن وهب قال: غَزَوْنا أذربيجان في إمارة عمر، وفينا يومئذٍ الزبير بن العوّام، فجاءنا كتاب عمر: بلغني أنكم في أرضٍ يُخالط طعامَها الميتة، ولباسَها الميتة، فلا تأكلوا إلا ما كان ذكيًّا، ولا تلبسوا إلا ما كان ذكيًّا. [قال ابن سعد: وكان يصفّر لحيته. وقال الواقدي:] شهد زيد مشاهدَ علي ﵇ كلها، وتوفّي سنة ثمانين. وروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة ﵃، وكان ثقةً كثير الحديث (٣).

стр. 4228

[فصل: وفيها توفي] السَّائب بن يزيد ابن سعيد بن ثُمامة الكِندي، [وكنيته] أبو يزيد (١). [ذكره ابن سعد] في الطبقة الخامسة فيمن مات رسول الله ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان. وهو ابن أُخت النَّمِر الحضرمي، وكان جدّه سعيد حَليفَ بني عبد شمس. وقد رأى السائبُ رسولَ الله ﷺ وحفظ عنه. وولد في أول السنة الثالثة من الهجرة. [قال: وقال السَّائب:] أعقِل قدومَ رسول الله ﷺ من تَبوك، فخرجتُ مع الغِلمان نَستقبله أَبى ثنيّة الوداع. وحدثنا عكرمة بن عمار، عن عطاء مولى السائب به. يزيد قال: كان (٢) رأس السائب بن يزيد من هامته إلى مقدَّم رأسه أسود، وسائرُ رأسِه ولحيته وعارضه أبيض، فقلت له: يا مولاي، إن هذا لَعَجب، فقال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الصبيان، فقال: "مَن أنت؟ " فقلت: السائب بن يزيد ابن أُخت النَّمر، فمسح يدَه على رأسي فقال: "بارك الله فيك"، فهو لا يَشيب أبدًا. وقال الخطيب: أخت نَمِر اسم جده، وهو رجل وليس بامرأة. [وحكى ابن سعد عنه أنه] قال: حَجَّت بي أمي في حجّةِ رسول الله ﷺ يعني حجّةَ الوَداع- وأنا ابنُ سبع سنين. [قال:] وكنت غُلامًا مع عبد الله بن عُتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب، فكنا نأخذ من النَّبَطِ العُشْر مما يتَّجروا به من الحِنطة، وفي رواية: نصف العُشر.

стр. 4229

وقال الزهريّ: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيًا، ولا أبو بكر ولا عمر، حتى قال عمر للسائب بن أخت نمر: لو رَوَّحْتَ عني بعضَ الأمر، حتى كان عثمان (١). واختلفوا في وفاته؛ قال الهيثم: مات في سنة ثمانين (٢). وحكى ابن سعد عن الواقدي: أنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ﵀ (٣). وقيل: توفي قبل الحرَّة، وهو وهم، قد عاش بعد ذلك دهرًا طويلًا. أسند السائب الحديث. انتهت ترجمته، والله أعلم. شُرَيح بن هانئ ابن يزيد بن نَهيك (٤) بن دُريد، من بني الحارث بن كعب، من الطبقة الأولى من أهل الكوفة. كان من أصحاب علي ﵇، وشهد معه مشاهدَه كلَّها، وكان ثقةً، وله أحاديث، وكان كبيرًا، قُتل بسجستان مع عُبيد الله بن أبي بَكْرة. [فصل: وفيها توفي] شقيق بن سَلَمة الأَسَدي [أحد بني مالك، من أسدِ خزيمة، وكنيته] أبو وائل، أدرك رسول الله ﷺ ولم يَرَه، [وقيل: إنه رآه، والأول أصحّ] وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. [وحكى ابن سعد عنه أنه،] قال: بُعث رسول الله ﷺ وأنا غلام شابٌّ أمرد، فلم يُقضَ لي أن أراه. [وفي رواية: وأنا ابن عشر سنين.

стр. 4230

قال:] وجاءنا مُصدِّق رسول الله ﷺ ، فأعطيناه شاةً لم يكن لنا غيرها، فقال: ليس في هذه صَدقة. وقال: أعطاني عمر أربعة أعطية، وخرجتُ معه إلى الشام (١). وكان لشقيق خُصُّ من قَصب، يكون فيه هو وفرسُه، فإذا غزا نَقضه وتصدَّق به، وإذا رجع بنى غيره. [وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي بإسناده، عن عاصم قال:] ما رأيت أبا وائل التفت قط في صلاة ولا في غيرها. [وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي قال: حدثنا علي بن ثابت، ثنا سعيد بن صالح قال: رأيت أبا وائل يستمع النَّوح ويبكي. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده إلى] مغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يذكر في منزل أبي وائل، وكان أبو وائل ينتفض انتفاض الطَّير. وقال عاصم: كان أبو وائل إذا خلا نَشَج، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل (٢). [وقال ابن سعد (٣): كان قد ذهب بصره. وحكى عنه ابن عساكر (٤) قال: خرجتُ مع عمر إلى الشام، فنزلنا منزلًا، فجاء دِهقان فسجد لعمر، فقال له: ما هذا؟ فقال: هكذا نفعل بالملوك، فقال له: اسجد لله الذي خلقك، قال: قد صنعتُ لك طعامًا فأتني، قال: أفي بيتك تصاوير؟ قال: نعم، قال: لا حاجة لنا في تصاويرك ولا في بيتك، اذهب فأتنا بلون من طعام، ولا تزدنا عليه. وقال الخطيب:] سكن أبو وائل الكوفة، وورد مع علي رضوان الله عليه إلى المدائن، وشهد صِفّين والخوارج معه (٥).

стр. 4231

وكان من أكابر أصحاب ابن مسعود، وأقعد الناس بعده بعلمه. [واختلفوا في وفاته؛ قيل: إنه] توفي في زمن الحّجاج سنة ثمانين، [وحكاه جدي في "الصفوة"، وقال خليفة:] في سنة اثنتين وثمانين أو ثلاث وثمانين. [وقال هشام: سنة ثمانين.] وقال سعيد بن صالح: عاش خمسين ومئة سنة، وهو وهم؛ لما حكينا عن شقيق أنه قال: بعث رسول الله ﷺ وأنا أمرد، فيكون قد عاش قريبًا من تسعين سنة أو نحوها، والله أعلم (١). أسند شقيق عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، وحذيفة، وأبي موسى، وابن عباس، وغيرهم، وحضر بَلَنْجَر مع سلمان بن ربيعة. وروى عنه أعيان التابعين مثل: الشعبي، والحكم، والأعمش، وحمّاد بن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت، وعاصم بن أبي النّجود، والثوري، وخلق كثير، وكان ثقة كثير الحديث، ولما مات قبَّل أبو بردة بن أبي موسى جَبْهته (٢). [فصل: وفيها توفي] أبو إدريس الخَولانيّ واسمه عائذ الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن إدريس بن عائذ الله، قاضي دمشق في أيام معاوية [بن أبي سفيان]، ويزيد [بن معاوية]، ومعاوية بن يزيد، ومروان [بن الحكم]، وعبد الملك [بن مروان. وذكره ابن سعد في] الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، قال: وولد عام حُنَين، وكان ثقة (٣)، صدوقًا، زاهدًا، عابدًا، عالم الشام بعد أبي الدرداء، وكان عظيمًا بالشام. [وذكره أبو زُرعة الدمشقي فقال:] كان يَقصُّ على الناس، فعزله عبد الملك [بن مروان] عن القصص، وأقرّه على القضاء فقال: عَزَلَني عن رغبتي، وتركني في رهبتي،

стр. 4232

وكان يقول: ما تقلَّد امرؤ بقِلادة أفضل من سكينة، وما أوتي الإنسان أفضلَ من حلم إلى علم. [قال الواقدي:] مات في سنة ثمانين بغير خلاف. أسند عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وأبي موسى، وحُذيفة، وأبي هريرة، وأبي أُمامَة، وعُبادة بن الصامت، وابن عباس، ومعاوية، ووَاثِلة، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. وروى عنه عطاء، وأبو حازم، وشَهْر بن حَوْشَب، وأبو قِلابة الجَرميّ، ومَكحول، وخلق كثير. وحكى ابن عساكر، عن أبي مُسْهر أنه قال: ليس (١) لأهل الشام أشرفُ من حديث أبي إدريس، عن أبي ذَرّ، عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عن الله تعالى [أنه قال: يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا، الحديث. قلت:] والحديث أخرجه مسلم (٢) فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدّارميّ، حدثنا مروان بن محمد الدِّمَشقي، حدثنا سعيد بن جد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريسَ الخَوْلاني، عن أبي ذَرّ، عن النبي ﷺ مما روى عن الله تعالى أنه قال: يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلْمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحَرَّمًا، فلا تَظالموا. يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُه، فاستهدوني أهدِكُم يا عبادي، كلُّكم جائع إلا مَن أطعَمتُه، فاستطعموني أُطعمكم يا عبادي،

стр. 4233

كلُّكم عارٍ إلا مَن كَسوتُه، فاستكسوني أكْسُكُم. يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغْفِر لكم. يا عبادي، إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجنَّكم؛ كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أوّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجنكَم؛ كانوا على أفْجَرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما نَقَص ذلك من مُلكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنكَم؛ قاموا في صَعيدٍ واحدٍ وسألوني، فأعطيتُ كل إنسانٍ مسألَتَه؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنقص المِخْيَطُ إذا أُدخِل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالُكم؛ أُحصيها لكم، ثم أُوَفّيكم إيّاها، فمن وَجَد خيرًا فلْيَحمَد الله، ومَن وَجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه. فكان أبو إدريس الخَوْلاني إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على رُكبتَيه. انفرد بإخراجه مسلم. وأخرج الإمام أحمد ﵀ طريقًا لبعضه: حدثنا ابن نُمير، حدثنا موسى بن المسيّب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذَرّ، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: يا عبادي، كلّكم مُذنب إلا مَن عافَيتُ، فاستغفروني أغفِر لكم، وكلكم فقير إلا مَن أغنيتُ، إني جَواد ماجِد واجد، أفعل ما أشاء، عَطائي كلام، وعَذابي كلام، إذا أردتُ شيئًا إنما أقول له: كن فيكون" (١). وقال يزيد بن عبيدة: رأيتُ أبا إدريس الخَوْلاني في زمان عبد الملك بن مروان وإن حِلَق المسجد بدمشق يقرؤون القرآن جميعًا يدرسونه، وأبو إدريس جالس إلى بعض العُمُد، فكلما مَرَّت آيةُ سجدة بحلقة بعثوا إليه، فيقرأ بها، ثم يسجد فيسجدون جميعًا بسجوده، وربما سجد بهم اثنتي عشرة سجدة. وقال يزيد بن أبي مالك: جلسنا يومًا إلى أبي إدريس، فحدَّثَنا عن بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فقال له رجل من ناحية المجلس: أحضرتَ هذه الغزاة؟ قال: لا، فقال الرجل: قد حضرتُها مع رسول الله ﷺ ، ولأنتَ أحفظُ لها منيّ (٢).

стр. 4234

وفيها توفي عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَناف، وكنيته أبو جعفر، وقيل: أبو محمد. وأمّه أسماء بنت عُمَيس، وَلَدته بالحبشة في الهجرة الثانية. وهو أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة. وهو من الطبقة الخامسة، ممن تُوفي رسول الله ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان، ويقال: إنه كان له يوم توفّي رسول الله ﷺ عشر سنين. وقال ابن سعد: وُلد للنّجاشي بعدما وَلدت أسماء ابنَها عبد الله بأيام ابنٌ، فأرسل إلى جعفر فقال: ما سَميتَ ابنَك؟ قال: عبد الله، فسمَّى النَّجاشي ابنَه عبد الله، وأخذت أسماء ابنَ النجاشي، فأرضعتْه حتى فَطَمَتْه بلبن عبد الله بن جعفر، وحَظِيت بذلك عندهم، [وولدت أسماء لجعفر بالحبشة عونًا أيضًا] (١). وقال الزبير بن بكار: وأخو عبد الله بن جعفر لأمه محمد بن أبي بكر الصديق، بن علي بن أبي طالب (٢). وكان أبو بكر رضوان الله عليه يُسمّي عبد الله: ابني ابني. ذكر طرفٍ من أخباره: [قال الموفق ﵀:] كان عبد الله جوادًا، ظريفًا، حليمًا، عفيفا، يُسمَّى بحرَ الحود، ولم يكن في الإسلام أسخى منه. [وقال ابن سعد بإسناده إلى] يحيى بن سعيد بن دينار قال: حجَّ معاوية فنزل في دار مروان بالمدينة، كما عليه النهار يومًا، [وفزع من القائلة] فقال: يا غلام انظر مَن بالباب هل ترى الحسن بن علي، أو الحسين، أو عبد الله بن، جعفر أو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، فأدخِله عليَّ. فخرج الغلام فلم يرهم، فسأل عنهم، فقيل:

стр. 4235

هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدّون، فأخبره فقال: والله ما أنا إلا كأحدهم، ولقد كنتُ أُجامعهم في مثل هذا. فقام، فأخذ عصا فتَوَكَّأ عليها وقال: مُرّ يا غلام، فخرج بين يديه حتى دخل عليهم، فقال: هذا أمير المؤمنين بالباب، فدخل، فأوسع له عبد الله بن جعفر عن صدر فِراشه فجلس، فقال: غَداءَك يابن جعفر، فقال: ما تشتهي من شيء فادعُ به، فقال: أطعمنا مخًّا، فقال: يا غلام، هات مخًّا، فأتى بصَحفَةٍ فيها مُخّ، فأقبل معاوية يأكل، ثم قال عبد الله: يا غلام، زدنا مُخًّا فزاده، قالها ثلاثًا، وهو يزيد، فقال معاوية: إنما كنا نقول: زدنا سخينًا، أما زدنا مخًّا فلم أسمع به قبل اليوم، يابن جعفر ما يَسَعُك إلا الكثير، فقال عبد الله: يُعين الله، فامر له معاوية بأربعين ألف دينار [وكان قد ذبح كذا وكذا شاةً (١). وأيضًا حدثنا سعيد بن جبير، عن رجل من أهل المدينة (٢) قال:] خرج عبد الله بن جعفر حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق، وقد تقدّم ثَقَله، مَرّ بأعرابية جالسة على باب خَيمة، فنزل قريبًا منها، فقامت وقالت: إليّ إليّ، بَوَّأك الله منازل الأبرار، فأعجبه مَنطِقُها، فتحوّل إليها، فألقت له وسادة من أَدَمٍ، وقامت إلى عُنَيزة لها في كِسْر الخيمة، فما شعر حتى قدَّمت إليه عضوًا منها، فنهس منه (٣). وأقبل أصحابه فنزلوا، وأتتهم بما بقي منها فأكلوا، وقدَّموا سُفْرَتَهُم، فقال عبد الله: ما لنا حاجة إلى طعامكم سائر اليوم، فلما ارتحلوا أمر صاحب نفقته أن يعطيها خمس مئة دينار، فأبت أن تقبلها وقالت: أخاف عَذْلَ بعلي، فما زال بها حتى قبلتها، وسار فلم يلبث إلا قليلًا وإذا بأعرابي يسوق إبلًا له، فقال عبد الله: ما أظنه إلا المحذور، وجاء إلى امرأته، فأخبرتْه الخبر، وأنشدته [قصيدة بشرح الحال]: [من الطويل] توسَّمتُه لما رأيتُ مهابةً … عليه فقلتُ المرءُ من آل هاشمِ

стр. 4236

وإلا فمِن آل المُرار فإنّهم … ملوكٌ عظامٌ من كُماةٍ ضَراغمِ فقمتُ إلى عَنْزٍ بقيةُ أعنُزٍ … فأذبحُها فعلَ امرئ غيرِ نادمِ فعوَّضني منها غَنائي ولم يكن … يُساوي لُحيمُ العنزِ خمس دراهمِ بخمس مئينٍ من دنانيرَ عَوَّضَتْ … عن العَنْزِ ما جادتْ به كفُّ آدمي ثم أرته الدنانير فقال: بئس مَعقِلُ الأضيافِ والله أنتِ، أبعتِ معروفَك بما أرى من الأحجار؟! فقالت: قد امتنعتُ من قَبولها مخافة العَذْل، فقال: أخِفتِ العذلَ وما خِفتِ العار؟ كيف أخذ الرَّكب؟ قالت: كذا، فركب فرسه وقال: أنا ذاهب إليهم، فإن سَلَّموا إلي معروفي وإلا حاربتُهم، فقالت: ناشدتك الله أن تَسُوْءهم. فركب وأخذ الدّنانير، فربطها في رأس رُمحه، ولحقهم فقال: خذوا أحجارَكم ورُدُّوا عليَّ معروفي، فلاطفه عبد الله وقال: كيف يرجع إلينا شيءٌ قد أمضيناه، فقال خذوها وإلا حاربتكم، وتهيّأ للقتال، فلما رأى عبد الله ذلك قال لغلمانه: خذوها، ثم قال له: هل لك أن نُزَوّدك من طعامنا؟ فقال: لا، الحيُّ قريب. ثم سار والتفت فقال لعبد الله: هل لك حاجة؟ قال عبد الله: نعم، تخبر المرأة بسوء صَنيعك معنا، فضحك الأعرابي ثم انصرف، [وفي رواية: تخبر المرأة ما لقينا منك. وحدثنا غير واحد، عن أبي الفضل محمد بن ناصر بإسناده، عن] إسحاق بن عبد الله بن جعفر قال: جاءت امرأة إلى عبد الله فقالت: يا سيدي،، وهبتْ في بعضُ جاراتي بيضة، فحضنتُها تحت دجاجة، فخرجت فرّوجة، فغذوتها بأطيب الطعام، وذبحتُها وشويتُها، وجعلتُ لله عليَّ أن أدفِنها في أكرم بُقعة في الدنيا، ووالله ما أرى بُقعةً أكرم من بطنك، فقال: يا بُدَيح، خذها منها، وامض إلى الدار التي هي فيها، فإن كانت لها فاشتر ما حولها من الدّور، كان لم تكن لها فاشترها لها وما حولها، واحمل إليها ثلاثين بعيرًا عليها حنطةً وشعيرًا وأرزًّا وزبيبًا وثيابًا ودراهم ودنانير، فقالت العجوز: يا سيدي، لا تُسرف إن الله لا يحب المسرفين (١). وقال إسحاق بن عبد الله بن جعفر [وقد رواه أيضًا ابن ناصر قال:]: خرج أبي في سفر، فمر بحديقة، فنزل إلى جانبها، وإذا بعبد أسود بين يديه رغيفان، فجاء كلب

стр. 4237

فربض بإزائه، فألقى إليه رغيفًا، وأكل العبد نصف رغيف، وجاء كلب آخر، فرمى إليه بالنصف الآخر، فقال له عبد الله: مَن أنت؟ فقال: عبد لصاحب هذه الحديقة، قال: كم قُوتُك كل يوم؟ قال: ما ترى رغيفان، قال: فما هذا الكلب؟ قال: كلب يجيء من مكان بعيد، فأستحي منه أن آكل وعيناه ترمقني، فأنا أقاسِمُه قُوتي، قال. وهذا الكلب الآخر؛ قال: غريب ما رأيتُه قبل اليوم، قال: وما تأكل بقية النهار؟ قال: ما رأيت، أشُدُّ صُلبي بنصف رغيف إلى غدٍ حتى يأتيني قُوتي، فافعل فيه ما ترى، فبكى عبد الله وقال: أُلام على السَّخاء!؟ إن هذا العبد لأَسْخى مني، ثم اشترى الحديقة بخمس مئة دينار والعبد، ووقفها عليه (١). [وقال الهيثم:] كتب إليه أقوام يُخَوفونه الفقر، فكتب على الورقة: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] إن الله قد عوَّدني أن يتَفضَّل عليَّ، وعوَّدتُه أن أتَفضَّل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فتنقطع عنّي المادَّة. وقال الزبير بن بكار: دخل أعرابيٌّ على عبد الله بن جعفر، فرآه مَحمومًا فقال: [من المنسرح] كم لوعةٍ للنَّدى وكم قَلَقٍ … للجُودِ والمَكْرماتِ من قَلَقِكْ ألبَسَك اللهُ ثوبَ عافيةٍ … في نَومك المُعتري وفي أَرَقِكْ أخرجَ من جسمك السَّقامَ كما … أخرج ذمَّ الفِعال من عُنقِكْ فأمر له بثلاثين ألفًا (٢). ودخل عليه زياد الأعجم، فسأله خمسَ ديات فأعطاه إياها، ثم سأله خمسة أخرى فأعطاه إياها، ثم مسألة عشر ديات فأعطاه إياها فقال: [من الوافر] سألْناه الجَزيل فما تَلكَّا … وأعطى فوق مُنْيَتِنَا وزادا وأحسَنَ ثم أحسَنَ ثم عُدْنا … فأحسَن ثم عُدتُ له فعادا مِرارًا لا أعودُ إليه إلا … تَبسَّم ضاحكا وثَنى الوسادا (٣)

стр. 4238

وقد مدحه جماعة من الشعراء، منهم عبيد الله بن قيس الرُّقيات، له فيه قصائد، منها: [من الطويل] تَقَدَّتْ (١) بيَ الشَّبهاءُ نحو ابنِ جعفرٍ … سواءٌ عليها ليلُها ونهارُها تزورُ امرأً قد يعلَمُ الله أنه … يَجودُ له كفٌّ قليلٌ غِرارُها أتيتُك أُثني بالذي أنتَ أهلُه … عليك كما أَثنى على الرَّوضِ جارُها ذكرتُكَ إذ فاض الفُراتُ بأرضنا … وجَلَّل أعلى الرَّقْمَتَينِ بحارُها قال عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس: ويحك، أما استحيَيتَ من الله حيث تقول: تزور امرأ قد يعلم الله أنه، ألا قلت: قد يعلم الناس، ولم تقل: يعلم الله، فقال له ابن قيس الرقيّات: والله لقد علم الله والناس وأنت (٢). مرَّ ابنُ قيس على ابن أبي عَتيق، فسلّم عليه فقال: وعليك السلام يا فارس العَمياء، فقال له: وما هذا الاسم؟ فقال: أنت سمَّيتَ به نفسَك حيث تقول: سواء عليها ليلُها ونهارُها، وما يستوي الليل والنهار إلا على الأعمى، فقال: ما أردتُ إلا التَّعَب، قال: فهذا يحتاج إلى تَرجُمان يترجم عنه (٣). وكان عبد الله بن جعفر صديقًا لمعاوية، وكان يَفِد عليه كلّ سنة، فيعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة ويقول: والله ما في قريش أحبّ إلي أن يكون ابن هند منك، وكان يُنزله معه في داره، ولما حضرت معاويةَ الوفاةُ قال ليزيد: يا بُنيّ، إن لي خليلًا بالمدينة، فاستوصِ به خيرًا، واعرف له مكانَه مني -يعني عبد الله بن جعفر- فلما مات معاوية رحل عبد الله إلى يزيد، فأكرمه وألطَفَه، وقال له: يا أبا جعفر، كم كان أمير المؤمنين يُجيزك كلّ سنة؟ قال: بكذا وكذا ألف دينار، قال: قد أضعَفْتُها لك، فقال له عبد الله: بأبي أنت وأمي، ما قلتُها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحدٍ بعدك. وقال الزبير بن بكّار (٤): اجتمع عبد الله بن جعفر بيزيد بن معاوية عند أبيه معاوية، فأخذ يزيد يَعرض لعبد الله بن جعفر وينسبه إلى الإسْراف، فقال له عبد الله: يا يزيد،

стр. 4239

[إني] لأرفع نفسي عن جوابك، ولو كلّمني أبوك لأجبتُه، فقال معاوية: كأنك تظن أنك أشرف منه؟ قال: إي والله، ومنك ومن أبيك وجدِّك، فقال معاوية: ما كنتُ أظنُّ أن أحدًا في عصر حَرْب بن أمية أشرف منه، قال. بلى، مَن أكفأ عليه إناءه، وأجاره بردائه، قال: صدقتَ. قال الزبير: ومعنى هذا أن حرب بن أمية كان إذا خرج في سفر فعَرَضت له ثنيّة أو عقبة تَنحنَح، فلم يتجاسر [أحد أن] يربأها حتى يجوز حرب، فعرضت له ثنيّة، فتقدَّمه غلامٌ من تميم، فتهدّده حرب، فلما قدم مكة التقاه حرب فشدّ عليه، فاستجار الغلام بالزبير بن عبد المطلب فأجاره، وأراد حرب بعد ذلك قتلَ الغلام، فلقي الزبير حربًا، فشدّ عليه ليقتله، فدخل دارَ عبد المطلب مُستجيرًا، فأكفأ عليه عبد المطلب جَفنةَ هاشم التي كان يَهشم فيها الثَّريد، وجمع الزبير إخوتَه، وجلسوا على الباب ينتظرون خروج حَرْب، فأعطاه عبد المطَّلب (١) رداءه وقال: البس هذا فإنهم إذا رأوه عليك لا يَهيجونك، فلبسه حرب، وخرج فنظروا إليه فلم يَهيجوه. وقال [ابن] سَلّام الجُمحي: اجتمع عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص عند معاوية، فقال عمرو لعبد الله: يابن جعفر، ليَضع منه، فقال له عبد الله: يابن النّابغة، لئن نسبتَني إلى جعفر الطيّار فلستُ بدَعي ولا أبتر، وقد ادّعاك جماعة، ووُلدتَ على فراش مشرك، وفي أبيك العاص نزل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] (٢). [حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن دُلَف المقرئ قال: أخبرتنا شُهدة بنت أحمد الكاتبة بإسنادها، حدثنا] أبو نضر العُقيلي، عن جماعة من مشايخ أهل المدينة قالوا: كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنّية؛ [يقال لها: عمارة، وكان يَجِد بها وَجْدًا شديدًا، فقدم بها الشام]، فحضر عنده يزيد، فغَنّت الجارية، فعشقها يزيد عشقًا عظيمًا، ولم يُمكنه أن يَبوحَ بما في نفسه خوفًا من أبيه، وأقام على ذلك مدَّةً، ولم يطلبها من ابن جعفر خوفًا أن يمنعه إياها، فلم تزل في نفسه حتى مات معاوية، وولي

стр. 4240

يؤيد، فأحضر رجلًا عراقيًّا ظريفًا، وباح إليه بما في نفسه، فقال له: إن عبد الله لا يبيعها ولا يُعتقها أبدًا بملك الدينا، ولكن سأتلطَّف لك، ادفع إليّ التُّحَفَ والهدايا والمال، فدفع إليه جملةً من ذلك. فقدم المدينة، فنزل في جِوار عبد الله بن جعفر، وأهدى إليه من ذلك شيئًا كثيرًا، فأنِس به، وأحضر يومًا عمارة بحضرة العراقي، فغَنّت فعجب بها، وقال له ابن جعفر: هل رأيتَ في الدنيا مثلها؟ قال: لا والله ما تَصلُح إلا لك، قال: فكم تُساوي؟ قال الرجل: لا أجِدُ لها ثمنًا غير الخلافة، فقال له ابن جعفر: إنما قلتَ ذلك لتزداد رَغبتي فيها (١)؟! فقال: لا والله، وإنني رجل تاجر، ولو أُعطيتُها بعشرة آلاف دينار لاشتريتُها، فقال ابن جعفر: وهل تساوي في هذا الزمان جاريةٌ عشرة آلاف دينار؟! [قال: هذه، فقال ابن جعفر. قد بعتكها بعشرة آلاف دينار]، فقال: اشتريتُها وأوجب البيع. وقام العراقي من ساعته وبعث بالمال، فقال ابن جعفر: إنما كنتُ مازحًا، فقال العراقي: البيعُ جِدُّه وهزْلُه سواء، فقال: ما بعتك ولا أبيعُها بالدنيا وما فيها، قال الرجل: "استحلفتُك عند القبر والمنبر، ففكَّر ابن جعفر وقال: يُحَلِّفني فيقول الناس: قهر عبدُ الله ضيفَه وظَلمه حتى ألجأه إلى اليمين، ما ثَمَّ غير الصبرِ وحُسنِ العَزاء، خُذها، ودفعها إليه، فأخذها من وقته، وخرج إلى الشام، وقال لها: استتري، فوالله ما اشتريتُك لنفسي، وإنما اشتريتُك للخليفة، ولستِ من جَواريَّ، وأخاف أن تَتوقَ إليكِ نفسي، فاحتجبي. وسار إلى دمشق، فلما قَدِمها إذا بجنازة يزيد، وقد استخلف ابنَه معاوية، فأقام أَيامًا، وتلطَّف حتى دخل عليه، فقص عليه القصّة -وكان عبد الله بن جعفر قد جهَّزها بثلاثة آلاف دينار- فقال معاوية بن يزيد للعراقي: الجارية وما معها لك، وارْحَل من يومك عن الشام؛ لا أسمع لك فيه خبرًا، فرحل وقال لها: قد قلتُ لك: إنكِ ليزيد، وقد صرتِ الآن لي، وإني أشهد الله أنني قد رددتُكِ على عبد الله بن جعفر، فاستتري مني إلى المدينة.
следующие страницы →