وإلا فمِن آل المُرار فإنّهم … ملوكٌ عظامٌ من كُماةٍ ضَراغمِ
فقمتُ إلى عَنْزٍ بقيةُ أعنُزٍ … فأذبحُها فعلَ امرئ غيرِ نادمِ
فعوَّضني منها غَنائي ولم يكن … يُساوي لُحيمُ العنزِ خمس دراهمِ
بخمس مئينٍ من دنانيرَ عَوَّضَتْ … عن العَنْزِ ما جادتْ به كفُّ آدمي
ثم أرته الدنانير فقال: بئس مَعقِلُ الأضيافِ والله أنتِ، أبعتِ معروفَك بما أرى من الأحجار؟! فقالت: قد امتنعتُ من قَبولها مخافة العَذْل، فقال: أخِفتِ العذلَ وما خِفتِ العار؟ كيف أخذ الرَّكب؟ قالت: كذا، فركب فرسه وقال: أنا ذاهب إليهم، فإن سَلَّموا إلي معروفي وإلا حاربتُهم، فقالت: ناشدتك الله أن تَسُوْءهم.
فركب وأخذ الدّنانير، فربطها في رأس رُمحه، ولحقهم فقال: خذوا أحجارَكم ورُدُّوا عليَّ معروفي، فلاطفه عبد الله وقال: كيف يرجع إلينا شيءٌ قد أمضيناه، فقال خذوها وإلا حاربتكم، وتهيّأ للقتال، فلما رأى عبد الله ذلك قال لغلمانه: خذوها، ثم قال له: هل لك أن نُزَوّدك من طعامنا؟ فقال: لا، الحيُّ قريب.
ثم سار والتفت فقال لعبد الله: هل لك حاجة؟ قال عبد الله: نعم، تخبر المرأة بسوء صَنيعك معنا، فضحك الأعرابي ثم انصرف، [وفي رواية: تخبر المرأة ما لقينا منك.
وحدثنا غير واحد، عن أبي الفضل محمد بن ناصر بإسناده، عن] إسحاق بن عبد الله بن جعفر قال: جاءت امرأة إلى عبد الله فقالت: يا سيدي،، وهبتْ في بعضُ جاراتي بيضة، فحضنتُها تحت دجاجة، فخرجت فرّوجة، فغذوتها بأطيب الطعام، وذبحتُها وشويتُها، وجعلتُ لله عليَّ أن أدفِنها في أكرم بُقعة في الدنيا، ووالله ما أرى بُقعةً أكرم من بطنك، فقال: يا بُدَيح، خذها منها، وامض إلى الدار التي هي فيها، فإن كانت لها فاشتر ما حولها من الدّور، كان لم تكن لها فاشترها لها وما حولها، واحمل إليها ثلاثين بعيرًا عليها حنطةً وشعيرًا وأرزًّا وزبيبًا وثيابًا ودراهم ودنانير، فقالت العجوز: يا سيدي، لا تُسرف إن الله لا يحب المسرفين (١).
وقال إسحاق بن عبد الله بن جعفر [وقد رواه أيضًا ابن ناصر قال:]: خرج أبي في سفر، فمر بحديقة، فنزل إلى جانبها، وإذا بعبد أسود بين يديه رغيفان، فجاء كلب
стр. 4237
فربض بإزائه، فألقى إليه رغيفًا، وأكل العبد نصف رغيف، وجاء كلب آخر، فرمى إليه بالنصف الآخر، فقال له عبد الله: مَن أنت؟ فقال: عبد لصاحب هذه الحديقة، قال: كم قُوتُك كل يوم؟ قال: ما ترى رغيفان، قال: فما هذا الكلب؟ قال: كلب يجيء من مكان بعيد، فأستحي منه أن آكل وعيناه ترمقني، فأنا أقاسِمُه قُوتي، قال. وهذا الكلب الآخر؛ قال: غريب ما رأيتُه قبل اليوم، قال: وما تأكل بقية النهار؟ قال: ما رأيت، أشُدُّ صُلبي بنصف رغيف إلى غدٍ حتى يأتيني قُوتي، فافعل فيه ما ترى، فبكى عبد الله وقال: أُلام على السَّخاء!؟ إن هذا العبد لأَسْخى مني، ثم اشترى الحديقة بخمس مئة دينار والعبد، ووقفها عليه (١).
[وقال الهيثم:] كتب إليه أقوام يُخَوفونه الفقر، فكتب على الورقة: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] إن الله قد عوَّدني أن يتَفضَّل عليَّ، وعوَّدتُه أن أتَفضَّل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فتنقطع عنّي المادَّة.
وقال الزبير بن بكار: دخل أعرابيٌّ على عبد الله بن جعفر، فرآه مَحمومًا فقال: [من المنسرح]
كم لوعةٍ للنَّدى وكم قَلَقٍ … للجُودِ والمَكْرماتِ من قَلَقِكْ
ألبَسَك اللهُ ثوبَ عافيةٍ … في نَومك المُعتري وفي أَرَقِكْ
أخرجَ من جسمك السَّقامَ كما … أخرج ذمَّ الفِعال من عُنقِكْ
فأمر له بثلاثين ألفًا (٢).
ودخل عليه زياد الأعجم، فسأله خمسَ ديات فأعطاه إياها، ثم سأله خمسة أخرى فأعطاه إياها، ثم مسألة عشر ديات فأعطاه إياها فقال: [من الوافر]
سألْناه الجَزيل فما تَلكَّا … وأعطى فوق مُنْيَتِنَا وزادا
وأحسَنَ ثم أحسَنَ ثم عُدْنا … فأحسَن ثم عُدتُ له فعادا
مِرارًا لا أعودُ إليه إلا … تَبسَّم ضاحكا وثَنى الوسادا (٣)
стр. 4238
وقد مدحه جماعة من الشعراء، منهم عبيد الله بن قيس الرُّقيات، له فيه قصائد، منها: [من الطويل]
تَقَدَّتْ (١) بيَ الشَّبهاءُ نحو ابنِ جعفرٍ … سواءٌ عليها ليلُها ونهارُها
تزورُ امرأً قد يعلَمُ الله أنه … يَجودُ له كفٌّ قليلٌ غِرارُها
أتيتُك أُثني بالذي أنتَ أهلُه … عليك كما أَثنى على الرَّوضِ جارُها
ذكرتُكَ إذ فاض الفُراتُ بأرضنا … وجَلَّل أعلى الرَّقْمَتَينِ بحارُها
قال عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس: ويحك، أما استحيَيتَ من الله حيث تقول: تزور امرأ قد يعلم الله أنه، ألا قلت: قد يعلم الناس، ولم تقل: يعلم الله، فقال له ابن قيس الرقيّات: والله لقد علم الله والناس وأنت (٢).
مرَّ ابنُ قيس على ابن أبي عَتيق، فسلّم عليه فقال: وعليك السلام يا فارس العَمياء، فقال له: وما هذا الاسم؟ فقال: أنت سمَّيتَ به نفسَك حيث تقول: سواء عليها ليلُها ونهارُها، وما يستوي الليل والنهار إلا على الأعمى، فقال: ما أردتُ إلا التَّعَب، قال: فهذا يحتاج إلى تَرجُمان يترجم عنه (٣).
وكان عبد الله بن جعفر صديقًا لمعاوية، وكان يَفِد عليه كلّ سنة، فيعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة ويقول: والله ما في قريش أحبّ إلي أن يكون ابن هند منك، وكان يُنزله معه في داره، ولما حضرت معاويةَ الوفاةُ قال ليزيد: يا بُنيّ، إن لي خليلًا بالمدينة، فاستوصِ به خيرًا، واعرف له مكانَه مني -يعني عبد الله بن جعفر- فلما مات معاوية رحل عبد الله إلى يزيد، فأكرمه وألطَفَه، وقال له: يا أبا جعفر، كم كان أمير المؤمنين يُجيزك كلّ سنة؟ قال: بكذا وكذا ألف دينار، قال: قد أضعَفْتُها لك، فقال له عبد الله: بأبي أنت وأمي، ما قلتُها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحدٍ بعدك.
وقال الزبير بن بكّار (٤): اجتمع عبد الله بن جعفر بيزيد بن معاوية عند أبيه معاوية، فأخذ يزيد يَعرض لعبد الله بن جعفر وينسبه إلى الإسْراف، فقال له عبد الله: يا يزيد،
стр. 4239
[إني] لأرفع نفسي عن جوابك، ولو كلّمني أبوك لأجبتُه، فقال معاوية: كأنك تظن أنك أشرف منه؟ قال: إي والله، ومنك ومن أبيك وجدِّك، فقال معاوية: ما كنتُ أظنُّ أن أحدًا في عصر حَرْب بن أمية أشرف منه، قال. بلى، مَن أكفأ عليه إناءه، وأجاره بردائه، قال: صدقتَ.
قال الزبير: ومعنى هذا أن حرب بن أمية كان إذا خرج في سفر فعَرَضت له ثنيّة أو عقبة تَنحنَح، فلم يتجاسر [أحد أن] يربأها حتى يجوز حرب، فعرضت له ثنيّة، فتقدَّمه غلامٌ من تميم، فتهدّده حرب، فلما قدم مكة التقاه حرب فشدّ عليه، فاستجار الغلام بالزبير بن عبد المطلب فأجاره، وأراد حرب بعد ذلك قتلَ الغلام، فلقي الزبير حربًا، فشدّ عليه ليقتله، فدخل دارَ عبد المطلب مُستجيرًا، فأكفأ عليه عبد المطلب جَفنةَ هاشم التي كان يَهشم فيها الثَّريد، وجمع الزبير إخوتَه، وجلسوا على الباب ينتظرون خروج حَرْب، فأعطاه عبد المطَّلب (١) رداءه وقال: البس هذا فإنهم إذا رأوه عليك لا يَهيجونك، فلبسه حرب، وخرج فنظروا إليه فلم يَهيجوه.
وقال [ابن] سَلّام الجُمحي: اجتمع عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص عند معاوية، فقال عمرو لعبد الله: يابن جعفر، ليَضع منه، فقال له عبد الله: يابن النّابغة، لئن نسبتَني إلى جعفر الطيّار فلستُ بدَعي ولا أبتر، وقد ادّعاك جماعة، ووُلدتَ على فراش مشرك، وفي أبيك العاص نزل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] (٢).
[حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن دُلَف المقرئ قال: أخبرتنا شُهدة بنت أحمد الكاتبة بإسنادها، حدثنا] أبو نضر العُقيلي، عن جماعة من مشايخ أهل المدينة قالوا:
كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنّية؛ [يقال لها: عمارة، وكان يَجِد بها وَجْدًا شديدًا، فقدم بها الشام]، فحضر عنده يزيد، فغَنّت الجارية، فعشقها يزيد عشقًا عظيمًا، ولم يُمكنه أن يَبوحَ بما في نفسه خوفًا من أبيه، وأقام على ذلك مدَّةً، ولم يطلبها من ابن جعفر خوفًا أن يمنعه إياها، فلم تزل في نفسه حتى مات معاوية، وولي
стр. 4240
يؤيد، فأحضر رجلًا عراقيًّا ظريفًا، وباح إليه بما في نفسه، فقال له: إن عبد الله لا يبيعها ولا يُعتقها أبدًا بملك الدينا، ولكن سأتلطَّف لك، ادفع إليّ التُّحَفَ والهدايا والمال، فدفع إليه جملةً من ذلك.
فقدم المدينة، فنزل في جِوار عبد الله بن جعفر، وأهدى إليه من ذلك شيئًا كثيرًا، فأنِس به، وأحضر يومًا عمارة بحضرة العراقي، فغَنّت فعجب بها، وقال له ابن جعفر: هل رأيتَ في الدنيا مثلها؟ قال: لا والله ما تَصلُح إلا لك، قال: فكم تُساوي؟ قال الرجل: لا أجِدُ لها ثمنًا غير الخلافة، فقال له ابن جعفر: إنما قلتَ ذلك لتزداد رَغبتي فيها (١)؟! فقال: لا والله، وإنني رجل تاجر، ولو أُعطيتُها بعشرة آلاف دينار لاشتريتُها، فقال ابن جعفر: وهل تساوي في هذا الزمان جاريةٌ عشرة آلاف دينار؟! [قال: هذه، فقال ابن جعفر. قد بعتكها بعشرة آلاف دينار]، فقال: اشتريتُها وأوجب البيع.
وقام العراقي من ساعته وبعث بالمال، فقال ابن جعفر: إنما كنتُ مازحًا، فقال العراقي: البيعُ جِدُّه وهزْلُه سواء، فقال: ما بعتك ولا أبيعُها بالدنيا وما فيها، قال الرجل: "استحلفتُك عند القبر والمنبر، ففكَّر ابن جعفر وقال: يُحَلِّفني فيقول الناس: قهر عبدُ الله ضيفَه وظَلمه حتى ألجأه إلى اليمين، ما ثَمَّ غير الصبرِ وحُسنِ العَزاء، خُذها، ودفعها إليه، فأخذها من وقته، وخرج إلى الشام، وقال لها: استتري، فوالله ما اشتريتُك لنفسي، وإنما اشتريتُك للخليفة، ولستِ من جَواريَّ، وأخاف أن تَتوقَ إليكِ نفسي، فاحتجبي.
وسار إلى دمشق، فلما قَدِمها إذا بجنازة يزيد، وقد استخلف ابنَه معاوية، فأقام أَيامًا، وتلطَّف حتى دخل عليه، فقص عليه القصّة -وكان عبد الله بن جعفر قد جهَّزها بثلاثة آلاف دينار- فقال معاوية بن يزيد للعراقي: الجارية وما معها لك، وارْحَل من يومك عن الشام؛ لا أسمع لك فيه خبرًا، فرحل وقال لها: قد قلتُ لك: إنكِ ليزيد، وقد صرتِ الآن لي، وإني أشهد الله أنني قد رددتُكِ على عبد الله بن جعفر، فاستتري مني إلى المدينة.
стр. 4241
فلما قدم المدينة نزل قريبًا من عبد الله بن جعفر، فدخل عليه بعضُ خدمه، فأخبره بقدومه وقال: ضَيفُك العراقي الذي صنع بك ما صنع، قد قدم ونزل بالعرصَة لا حَيَّاه الله -وكان ابن جعفر قد وَجَد لفراقها وَجْدًا عظيمًا- فقال عبد الله: أكرموه.
وجاء الرجل يطلب الإذنَ على عبد الله، فأذن له، فدخل وقَبَّل يده، وقص عليه القصة، وقال: قد وَهبتُها لك، والله ما وضعتُ يدي عليها، ولا رأيتُ وَجهها إلا عندك، وأحضر الجارية وما معها من الجَهاز، فلما رأت ابن جعفر خرَّت مغشيًّا عليها، وخرج العراقي، وصاح أهل الدار: عمارة عمارة، وجعل ابن جعفر يقول: أحلم هذا؟ أحق هذا؟ أصدق هذا؟
ثم بعث إلى العراقي فأحضره، ودفع له عشرة آلاف دينار وقال: هذه ثمنُها، وهذه ثلاثة آلاف أخرى لك، ولو وصلتُكَ بالدنيا وما فيها لرأيتُك أهلًا لذلك، فقال العراقي: والله ما ردّها عليك إلا عملُك بالحقّ، وصبُرك عليه، ووفاؤك بقولك، وانقيادُك إليه، وتورُّعك عن اليمين، وانصرف العراقي شاكرًا (١).
[واختلفوا في وفاته، فحكى ابن سعد، عن الواقدي قال:] مات عبد الله بن جعفر سنة ثمانين، وهو عام الجُحاف [؛ سيل كان بمكة، جَحف الحاج وذهب بالإبل وعليها الحُمولة]، وكان الوالي يومئذ على المدينة أبان بن عثمان، وهو صلى عليه، [وكان يوم مات ابن تسعين سنة، قال:] وكان أبان صديقًا له كثير الغِشْيان لداره، فحمل سريرَه بين العمودين، فما فارقه حتى وضعه بالبقيع؛ وإن دموعَه لتسيلُ على خدَّيه، وهو يقول: كنتَ والله خيرًا لا شرَّ فيك، وكنتَ والله شريفًا واصلًا برًّا، كنتَ والله وكنت، [قال:] والوَلائدُ خلف سريره قد شَقَقْن الجُيوب، والناس يَزدحمون على سريره.
[وقال الواقدي: وكان ابن جعفر] قد خَرِب فوه، وسقطت أسنانه من الكبر، فكان يُعمَل له الثَّريد والشيء الليّن فيأكله، وكان إذا قيل له: إنك ليس تأكل؛ شقَّ عليه ذلك.
[هذا صورة ما حكاه ابن سعد (٢)، عن الواقدي في وفاته، وسنه، والصلاة عليه].
стр. 4242
وقيل: توفي سنة اثنتين أو أربع وثمانين، وقيل: خمس وثمانين، وقيل: سنة تسعين.
[قال أبو بكر محمد بن الأنباري: إن] عبد الملك بن مروان أمسك عنه عطاءه، فأضاق إضاقةً شديدة، فلقيه رجل يومًا وقد خرج من المسجد، فشكا إليه الحاجة، فقال: اصبِر حتى تأتيَ غَلَّتي وأواسيك، قال: ما لي صبر، وكان عليه بُردان، فقال له: أينفعك أحدهما؟ قال. نعم، فدفع إليه البرد، ثم استقبل ابن جعفر القبلة وقال: اللهم إن لم يكن إلا ما أرى؛ فاقبضني إليك، فحُمَّ من ساعته، ولم يخرج من منزله بعد هذا حتى أُخرجت جنازته (١).
ذكر أولاده:
فولد جعفراً الأكبر، وبه كان يُكنى، أمُّه أم عمرو بنت خِراش، واسمها الأُميَّة.
وعليًّا، وعونًا الأكبر، ومحمدًا، وعباسًا، وأمَّ كلثوم، وأمهم زينب بنت علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأمها فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ .
وحسينًا؛ دَرَج، وعونًا الأصغر؛ قُتل مع الحسين ﵁ ولا بقيّةَ له، أمهما جُمانة بنت المسيب بن نَجَبة الفَزاري.
وأبا بكر، وعُبيد الله، ومحمدًا، أمُّهم الخَوْصاء بنت خَصَفَة من بكر بن وائل.
وصالحًا، ويحيى، وهارون، وموسى، لا بقيَّةَ لهم، وجعفرًا، وأمّ أبيها (٢)، وأم محمد، أمهم ليلى بنت مسعود بن خالد، من بني دارِم، في رواية: خلف عليها عبد الله بعدما استشهد علي ﵇ (٣).
وحميدًا، والحسن لأمّ ولد.
وجعفرًا وأبا سعيد، أمهما أم الحسن بنت عمرو (٤)، من بني عامر بن صَعصَعة.
стр. 4243
ومعاوية، وإسحاق، وإسماعيل وقُثَم لا بقيَّةَ له، وعباسًا، وأمَّ عَوْن لأمَّهات أولاد شَتّى.
فنذكر أعيان أولاده فنقول:
أما جعفر الأكبر فانقرض عَقِبه.
وأما علي فكان جوادًا، وفيه يقول مُساحِق بن عبد الله بن مَخْرَمة- وقد حمل أهل أبيات من قريش في سُنَيّات خالد: [من الطويل]
أبا حسَن إني رأيتُك واصِلًا … لهلْكى قُريشٍ حين غُيِّر حالُها
سعيتَ بهم سَعيَ الكريمِ ابنِ جعفرٍ … أبيك وهل من غايةٍ لا ينالُها
فما أصبحتْ في ابنَي لؤيٍّ فَقيرةٌ … مُدَفَّعةٌ إلا وأنت ثِمالُها
وكان علي هذا، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعلي بن الحسين زين العابدين إذا قَدِموا على الوليد بن عبد الملك يقول لولده العباس بن الوليد: جالسْ عُمومتَك (١).
وأما عون الأكبر فقتل مع الحسين ﵁ يوم الطّفوف، وكان أبوه عبد الله يحبّه حبًّا شديدًا، فحزن عليه حُزنًا عظيمًا عُرف فيه، ولا بقيَّةَ له.
وأما إسحاق فضربه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه الحَدّ، فقال له إسحاق: يا عمر، ليس ثَمَّ قرشيّ إلا وقد حُدَّ، أشار إلى عبد العزيز بن مروان، فإنه ضُرب الحدّ.
وولد إسحاق: القاسم بن إسحاق، أمّه أمّ حَكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (٢).
وأما معاوية بن عبد الله بن جعفر فذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وأمه أم وَلَد، وكان صديقًا ليزيد بن معاوية خَصيصًا به، ولما سمّاه أبوه عبدُ الله معاويةَ؛ هجره بنو هاشم قاطبةً، فلم يُكلِّمه أحد منهم حتى مات، ولما رأى ذلك معاوية بن عبد الله وُلد له ولدٌ، فسمّاه يزيد محبةً ليزيد بن معاوية.
وكان معاوية وَصيَّ أبيه، وكان بخيلًا، وكان له أولاد منهم: عبد الله الخارج بالكوفة في آخر زمان مروان بن محمد، وجعفر؛ لا بقيَّةَ له، ومحمد، وأمّهم أتم عَون
стр. 4244
بنت عَون بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وسليمان لأم ولد، والحسن، ويزيد، وصالح، وحمَّادة، وأُبَية، وأمهم فاطمة بنت حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وعلي قتله عامر بن ضُباره، لأمّ ولد (١).
فأما عبد الله بن معاوية فإنه مضى إلى أصبهان، وطلب الخلافة، فاستولى على فارس، فقتله أبو مسلم، وله عَقِب، وعبد الله بن معاوية هو القائل: [من الطويل]
رأيتُ فُضيلًا كان شيئًا مُلَفَّفًا … وكشَّفه التمحيصُ حتى بدا ليا
أأنتَ أخي ما لم تكن ليَ حاجة … فإن عَرضَتْ أيقنتُ أن لا أخا ليا
فلا زادَ ما بيني وبينك بعدما … بدا ليَ في الحاجاتِ إلا تَماديا
فلستُ بِراءٍ عيبَ ذي الوُدِّ كلَّه … ولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضيا
فعينُ الرِّضى عن كلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ … ولكنَّ عينَ السُّخطِ تُبدي المَساويا
كلانا غَنيٌّ عن أخيه حياتَه … ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تغانيا (٢)
وهو القائل (٣): [من الوافر]
أرى نَفسي تَتوقُ إلى أُمورٍ … يُقَصّر دون مَبْلَغِهِنَّ مالي
فنَفسي لا تطاوعني لبُخْلٍ … ومالي لا يُبَلِّغُني فَعالي (٤)
حدّث معاوية بن عبد الله عن: أبيه، والسائب بن يزيد، ورافع بن خَديج، وروى عنه الزُّهري، والحسن بن زيد بن الحسن بن علي.
وأما أمُّ كُلثوم بنت عبد الله بن جعفر فأمُّها زينب بنت علي بن أبي طالب ﵇، وكانت عند القاسم بن محمد بن جعفر بن علي بن أبي طالب، ثم زوّجها أبوها عبد الله بن جعفر من الحجاج بن يوسف، فسقطت منزلتُه عند الناس، وجفاه الخلق، وكان إذا مَرَّ في المدينة فسلَّم لا يردُّ عليه أحد، وإذا دخل المسجد خرج منه الناس ويقولون: صاهر مَن قال: يا خبثة، ومَن فعل بالصحابة ما فعل، وسلَّطه على بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
стр. 4245
[وقال الزبير بن بكار:] فلما بلغ الوليد بن عبد الملك هذا عزَّ عليه، وكان وليَّ عهد أبيه، فوفد ابنُ جعفر على عبد الملك، فالتقاه ظاهرَ دمشق، فسلَّم عليه فقال الوليد: لا سَلَّم الله عليك، ولا قَرَّب دارَك، ولا أدنى مَزارَك، وَيْحك، عَمَدتَ إلى عَقيلة آل جعفر، وابنة رسول الله ﷺ ، تدفعها إلى عبد ثقيف يَتَفَخَّذُها، والله لئن عشتُ لأُرينَّك العَجبَ، فاعتذر إليه بضيقِ ذات يده، وبجفاء عبد الملك إياه، فلم يقبل عُذْرَه، ومات ابن جعفر قبل أن يُفضي الأمر إلى الوليد.
[قال الزبير بن بكار:] وكان الحجاج يقول: إنما تزوَّجتُها لأُذِلَّ آل أبي طالب، وكان الحسن البصري يَذمُّ عبد الله بن جعفر ويقول: أما كفاه سماعُ الغناء واللهو، وشَريُ المولَّدات بالألوف؛ حتى يزوّج ابنة رسول الله ﷺ بالحجاج (١).
وأما أمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر فتزوَّجها عبد الملك بن مروان، فكانت تُبغِضُه لبَخَره، ويقال: إنها التي عضَّ عبد الملك على تُفَّاحة، ورمى بها إليها، فقوَّرَتْها بالسِّكين، ورمت مكان العَضَّة، فقال: ما هذا؟ فقالت: أمِيطُ عنها الأذى، فطلَّقها، فتزوجها علي بن عبد الله بن العباس، فتوفِّيت عنده.
وأما أم محمد بنت عبد الله بن جعفر فتزوَّجها يزيد بن معاوية (٢)، [وقد ذكرناها في ترجمة يزيد، وهذا ما انتهى إلينا، والله أعلم].
أسند عبد الله بن جعفر الحديث عن رسول الله ﷺ .
أخرج له الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" ثلاثة عشر حديثًا.
وروى عن أمه أسماء بنت عُميس، وروى عنه بنوه: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية، ومحمد بن علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والشَّعبي، وغيرهم (٣).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا يزيد بن زُرَيع وحُمَيد بن الأسود، عن حَبيب بن الشَّهيد، عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لعبد الله
стр. 4246
ابن جعفر: أتذكر إذ تلقَّيْنا رسولَ الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ فقال ابن جعفر: نعم، فحمَلَنا وتركَك (١).
وليس في الصحابة عبد الله بن جعفر غيره. وأما من غيرهم فثلاثة:
عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر (٢) بن مَخْرَمَة الزّهريّ، من الطبقة السادسة من أهل المدينة، وأمُّه بُرَيْهة بنت محمد، من ولد عبد الرحمن بن عوف ﵁. وكان من رجالات قريش، من أشراف المدينة، عالمًا بالفتوى والمغازي وغيرها.
وكان محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن إذا دخل المدينة مُستخفيًا نزل عليه، وكان من ثِقاته وخَواصّه، ينقل إليه الأخبار، ولما خرج محمد خرج معه، ولما قُتل محمد اختفى.
وكان محمد لما خرج بالمدينة تبعه مع أخيه موسى بن عبد الله إلى الشام ليدعُوَا إليه، فرجعا من دُومَةِ الجَنْدل خوفًا على أنفسهما، ثم أقام مُستخفيًا، وقد خرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن، فخرج معه، فقتل معه بفَخّ (٣).
وسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ عن محمد الله بن جعفر هذا فقال: ثقة ثقة.
وإنما كره أهل المدينة روايته لخروجه مع محمد، والحسين.
قال الواقدي: كنتُ بالمدينة وجاءني نَعيُ أبي عمر، فخرجتُ إلى السّوق، فإذا أنا بالمَخْرميّ -يعني عبد الله بن جعفر هذا- راكب على بغلته واقف، فسلّم علي وقال: ما رأيتُك منذ أيام! فقلت: جاء نَعيُ أبي، فلم يكلّمني حتى رَدَّ رأسَ بَغْلته إلى داره فنزل، ثم جاءني ماشيًا إلى بيتي فعزَّاني، فشَقَّ عليَّ مَجيئُه، فقلت: ما أحبُّ أن تَتَعنَّى وتجيءَ ماشيًا، فقال: إنَّ أحبَّ إليّ ما أقضي فيه الحقّ أشقُّه علي، ألم تسمع حديث أم بكر بنت المِسْوَر؟ قلت: لا، قال: حدَّثتني أم بكر: أن المِسْوَر اعتَل، فجاءه ابنُ عباس يَعوده في وقتِ القائلة، فقال له المِسْوَر: يا أبا عباس، هلّا في ساعةٍ غير هذه، فقال ابن عباس: أَن أحبّ الساعات إليَّ أن أُؤدّي فيها الحقّ أشقّها علي.
стр. 4247
والثاني عبد الله بن جعفر بن محمد الطبري، سمع عبد الله بن بكر الطّبراني بجبل لبنان، والحسن بن عبد الله بن سعيد ببعلبك وغيرهما.
والثالث عبد الله بن جعفر المالكي، كنيته أبو القاسم، الضّرير (١).
[وفيها توفي]
عُبيد الله بن أبي بَكرَة الثَّقَفي
وكنيته أبو حاتم [ذكره ابن سعد] في الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وأمُّه هوْلَة بنت غليظ، من بني عِجْل (٢).
وكان أحد الأجواد، [وقال ابن قتيبة:] وهو أول من قرأ القرآن بالألحان (٣).
وولي عبيد الله القضاء على البصرة، وأوفده الحجاج على عبد الملك يسأله أن يولي الحجَّاج خُراسان وسجستان، فلما خاطب عبد الملك قال له: أتحبُّ أن أُوَلِّيَكَهُما؟ فامتنع وقال: والله لا خُنتُ رجلًا بعثني في حاجة، فعظم في عين عبد الملك.
قال خليفة: وفي سنة خمسين ولَّى زياد بن أبيه عبيد الله بنَ أبي بَكْرة سجستان، وأمره أن يقتل الهرَابِذَة (٤)، وأن يُطفئ النيران ما بينه وبين سجستان، ولما مات زياد سنة ثلاث وخمسين عزل معاوية عُبيدَ الله عن سجستان، وولاها عباد بن زياد، وفي سنة ثلاث وسبعين (٥) ولّى الحجاجُ عبيد الله على سجستان، والمهلّب على خُراسان.
[وقال المدائني:] كتب عبد الملك إلى الحجاج: لا تُوَلِّ عبيد الله خراجًا ولا بيتَ مال، فإنه أَريَحيٌّ (٦).
стр. 4248
[وقال المدائني أيضًا عن] سُليم مولى عبيد الله: ختمتُ بخاتمي هذا على أربعين ألف ألفِ درهم، فما حال الحول وفي بيت مال عُبيد الله منها درهم (١).
[وحكى المعافى بن زكريا بمعناه فقال:] دخل عبيد الله على الحجاج وفي يده خاتم فقال: يا عُبيد الله، كم ختمتَ بخاتمك هذا؟ فقال: على ثلاثين ألف ألف درهم، قال: ففيم أنفقتَها؟ قال: على تزويج العقائل، والمكافأة بالصّنائع.
[وحكى ابن عساكر، عن] محمد بن سلام قال (٢): اشترى عبيد الله جارية نفيسةً بمال عظيم، فلم يجد دابّةً يحملها عليها، وإذا برجل على دابة، فنزل وقال لعبيد الله: احملها عليها، فقال له عبيد الله: احملها إلى منزلك فهي لك.
[قال:] وكان عبيد الله يُنفِق على جيرانه، أربعين دارًا عن يمينه، وأربعين عن شماله، وأربعين خلفه، وأربعين أمامه، يبعث إليهم بالطعام والكسوة والأضاحي، ويزوّج منهم مَن طلب التزويج.
وكان يقول: موتُ الوالد مِلكٌ حادث، وموت الولد صَدع في الفؤاد لا يَنجبر أبدًا، وموت الأخ قَصُّ الجناح، وموت المرأة عرسٌ جديد (٣).
وحكى القاضي التنوخي في كتاب "الفرج بعد الشدة"، عن رجل من أهل الكوفة، أنه ضاق به الحال (٤) حتى نقض منزله، وباع خَشَبه، وفقد القوت، فخرج على حمار إلى البصرة، فصادف مَوْكبًا فدخل في غمارهم، فجاء صاحب المَوْكب فنزل في داره، قال الرجل: ونزلتُ معهم، فدعا بطيب فغَلَفَهم بالغالية وغَلَفني معهم، ودعا بسَفَط ففتحه وأخرج منه أكياسًا؛ في كلّ كيسٍ ألف درهم، فبدأ بيمينه ففرَّق على الحاضرين، حتى انتهى إليّ فأعطاني كيسًا، ثم دار الدّور عليّ فأعطاني كيسًا آخر، ودار الدور
стр. 4249
فأعطاني آخر، ثم صعَّد النظر فيَّ وقال: من هذا الذي لا أعرفه؛ ورمى إليّ كيسًا آخر، فأخذتُ أربعة أكياس، وخرجت فقلت لرجل: مَن هذا؟ فقال: عبيد الله بن أبي بَكْرة.
[وقال المدائني:] عطش عبيد الله يومًا، فاستسقى [ماءً]، فأخرجت له امرأة كُوزًا من ماء، فأعطاها ثلاثين ألفًا (١).
وقال أبو اليقظان: كان عبيد الله من أشْجعِ الناس وأجوَدِهم، أقْطَع عمر بنَ عُبيد الله بن مَعمر بالبصرة سبع مئة جَريب، فحلف عمر عُمُرَه لا يرى عبيد الله إلا أخذ بركابه، ولا يزوّج ولدًا حتى يكون عبيد الله هو الذي يُزوّجه، ولا يُولد له مولود فيُسميه غير عبيد الله (٢).
ولما ولّاه الحجاج سجستان قدم عليه عمر هذا، فأقام عنده شهرًا، فلم يُعطه شيئًا، واشتغل عنه، فطلب عمر الرجوع إلى أهله، فاعتذر إليه عبيد الله وقال: انظروا في بيت المال، فنظروا فيه فإذا فيه ألف ألف وسبع مئة ألف، فدفعها إليه (٣).
قال المدائني (٤): مرض رجل بتَشَنُّج العَصَب، فوَصَف له الأطباء لبن الجاموس والقعود فيه، فقال: ومَن لي بذلك؟ قيل: فعليك بعبيد الله فله جَواميس، فحُمِل على سرير، وألقي على باب عبيد الله، فأطلق له ثمان مئة جاموسة بأولادها.
وكان عبد الملك بن مروان إذا ذكره قال: ذاك الأسود الأَدغَم، سيّد أهل المشرق، وكان عبيد الله أسمر اللون جدًّا (٥).
وقال المدائني: كان عبيد الله جالسًا في أصحابه، فأُهدي إليه وَصيف ووَصيفة، فقال لبعض جلسائه: خُذهما لك، ثم فكَّر وقال: إيثار بعض الجلساء على بعض قبيح، ثم قال: يا غلام، ادفع لكلّ واحدٍ من جُلسائي وَصيفًا ووَصيفة، قال: فأحصيَ ما دَفع إليهم فكان ثمانين وصيفًا ووصيفة.
стр. 4250
وقال الهيثم: انقطع رجلٌ إلى عبيد الله، فألحقه بحَشَمه وخاصّته، فبطر وكفر النعمة، وسعى به إلى زياد بن أبيه (١)، وبلغ عبيد الله ففكّر ساعة، فقيل له: فيم تفكّر؟ فقال: أخاف أن أكون قَصَّرتُ في حقه في الإحسان، فحمله ذلك على مَساوئ أخلاقه.
ذكر وفاته:
قد ذكرنا ما جرى على جيشه من الضّائقة [والجهد والقتل، فيقال: إنه] لما وصل إلى بُسْت مات كَمدًا، وقيل: [إنه] اشتكى أُذُنه فمات [في هذه السنة].
أسند الحديث عن أبيه، وعلي ﵇، وروى عنه ثابت ابنُه، وابن سيرين، وغيرهما.
وقال ابن سعد: كان ثقةً قليلَ الحديث (٢).
ورثاه شعراء عصره، ويقال: مات بزَرَنْج من أعمال بُسْت.
قال مجاهد المقرئ: [من الكامل]
إن الجَوادَ إذا الرِّياحُ تَناوَحَتْ … بزَرَنْجَ أصبحَ ما يُثَمِّرُ مالا
لو صاحب السُّمَحاءَ كعبٌ ذو النَّدى … أو حاتمٌ كانوا (٣) عليه عِيالا
أو طلحةُ الطَّلحاتِ في عِدَّانه … أيامَ يُطعم ما تَهبُّ شمالا
ما أكبرَ الأُمراء في سُلطانه … وأشدّهم رأيًا خُلِقْتَ ثِمالا (٤)
قد طال ما سُسْتَ الجنودَ فلم تكن … نَزِقًا تُسيء بهم ولا تِنْبالا
قد فُقْتَ بالمِصرَيْن كلَّ سَمَيدَعٍ … وغلَبْتَ مَن نزلَ الحجازَ فِعالا
والشام لو قاسوا به سُمحاءَهم … لسبَقْتَ حَلْبَتَهم معًا أمْيَالا
[فصل: وفيها توفي]
العلاء بن زياد
ابن مَطَر بن شُرَيح العَدَويّ، من بني عديّ بن عبد مَناة من مضر، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان من العُبَّاد الخائفين.
стр. 4251
[وحكى أبو نُعيم الأصفهاني قال: تعبَّد العلاء، فكان يأكل في كل ليلة رغيفين]، وترك مجالسة الناس فلم يكن يجالس أحدًا، كان يخرج إلى المسجد فيصلّي، ويرجع إلى أهله، فاجتمع إخوانه: أنس بن مالك والحسن البصري والناس، فدخلوا عليه وقالوا: رحمك الله، أهلكتَ نفسَك، وهو ساكت، فلما فرغوا من كلامهم قال: إنما أتَذَلَّل لله تعالى لعله يَرحَمُني (١).
[وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن] حُميد بن هلال (٢) قال: دخلت مع الحسن على العلاء بن زياد نعوده وقد سَلَّه الحُزن، وكانت له أخت يُقال لها: شادة، تَندف القطن تحته غُدوةً وعشية، فقال له الحسن: كيف أنت يا علاء؟ فقال: واحُزناه على الحُزن، فقال الحسن: قوموا، فإلى هذا [والله] انتهى استقلالُ الحزن.
[وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن هشام بن زياد؛ أخي العلاء بن زياد] قال: كان أخي العلاءُ يُحيي كلَّ ليلة جمعة، فوجد فترة، فأتاه آتٍ في منامه فجذب بناصيته وقال: قم يا ابن زياد فاذكُر الله يَذكُرك [قال:] فقام، فما زالت تلك الشّعرات التي أُخِذ بها قائمة إلى أن مات.
وقال قتادة: كان زياد العدويّ قد بكى حتى عَمِي، وبكى ابنُه العلاء حتى عَشِيَ بصَرُه، وكان إذا أراد أن يتكلّم أو يقرأ أَجْهشَه البكاء (٣).
[وروى أبو نعيم الحافظ] عن هشام بن حسّان العدويّ قال: تجهز رجل من أهل الشام يريد الحج، فأتاه آتٍ في منامه فقال: ائتِ العراق، ثم ائتِ البصرة فبَشِّر العلاء بنَ زياد بالجنة.
فتجهّز الرجل بعد أن رأى المنامَ ثلاثًا، فرحل إلى البصرة، فدخل على العلاء فبَشّره برؤياه، ثم خرج من وقته، وركب وسار من البصرة، فأقام العلاء سبعة أيام يبكي ليلًا
стр. 4252
ونهارًا، ولا يذوق طعامًا، ولا يُسيغ شرابًا، ولا يفتح بابه، فأتى أهلُه إلى الحسن، وقالوا له: أدرِكْه وإلا مات، فجاء الحسن إليه ولامه، فقال: لا أجد ريح الجنة وثوابها ما دمتُ حيًّا (١).
قال ابن سعد: توفي العلاء في ولاية الحجاج على العراق (٢).
وقال الهيثم: في سنة ثمانين، رحمه الله تعالى (٣).
وأسند عن أنس، وعمران بن الحُصَين، وأبي هريرة. وأرسل عن معاذ، وأبي ذَرّ، وعُبادة بن الصّامت وغيرهم. وروى عنه الحسن، وابن سيرين، وعلماء البصرة. وكان ثقة، وله أحاديث (٤).
[وفيها توفي]
معاوية بن قُرَّة
ابن إياس بن هلال المُزَنيّ [وكنيته] أبو إياس، وهو من الطبقة الثانية من أهل البصرة.
وكان زاهدًا، خائفًا، وَرِعًا.
[روى عنه أبو نعيم أنه] كان يقول: لقد أدركتُ سبعين رجلًا من الصحابة، لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئًا مما أنتم عليه إلا الأذان. وكان يقول: مَن يدلُّني على بكَّاءٍ بالليل، بسَّامٍ بالنهار.
[وروى أبو نعيم عنه أيضًا أنه] كان يقول: إن القوم ليَحُجُّون ويَعتمرون، ويجاهدون، ويصلّون، ويصومون، وما يُعطَونَ يوم القيامة إلا على قدرِ عقولهم.
стр. 4253
[وحكى عنه أيضًا أنه] قال: إن الله يرزق العبدَ رزقَ شهر في يوم واحد، فإن أصلح أصلح الله على يديه، وعاش هو وعياله بقيّةَ شهرهم بخير، وإن هو أفسد أفسد الله على يديه، وعاش هو وعياله بقيّةَ شهرهم بشَرّ (١).
[وقال ابن سعد بإسناده قال:] سئل معاوية: كيف ابنُك لك؟ قال: نِعمَ الابن، كفاني أمر دنياي، وفرَّغني لآخرتي.
ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته، وقال: كان ثقة، وله أحاديث (٢).
وقال غير ابن سعد: مات سنة ثمانين (٣).
أسند عن الحسن، وابن عباس، ومعقِل بن يَسار، وخلقٍ من الصحابة.
السنة الحادية والثمانون
فيها أغزى عبد الملك ابنَه عُبيد الله بلادَ الرُّوم، فوصل إلى قَالِيقَلا ففتحها، ويقال: إن الفرات من عندها يجتمع.
وفيها خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجّاج وخَلَعه، وقيل: في سنة اثنتين وثمانين.
قد ذكرنا فيما تقدَّم مَقْتَ الحجاج لابن الأشعث، وتجهيزَه له إلى سجستان، وأنه رأى المصلحةَ أن يُغير على أطراف البلاد؛ إلى أن تلوح فرصة، فكتب إليه الحجاج في هذه السنة:
إني لا أرى رأيك الذي رأيتَه صوابًا، وإنما حَمَلك عليه ضَعفُ عزيمتك، وخوفُك، فأوغِل في بلاد القوم، ومُرْ مَن قِبَلَك من المسلمين أن يَحرُثوا ويَزْرعوا، ويقيموا، فإنها دارُهم حتى يفتحها الله عليهم، فإن أبيتَ فأخوك إسحاق الأمير على الناس، فخَلِّه وما وُلّيتَه.
стр. 4254
فجمع ابن الأشعث الناس، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني لكم ناصح، وعليكم مُشفق، وقد كان من رأيي ورأيكم ما اتَّفقْنا عليه من صلاح الأحوال، وقد جاءني كتابُ الحجاج يُعجِّزني ويضعفُني، ويأمرني بالوُغول في الأرض التي هلك فيها إخوانكم المسلمون بالأمس، لنَهلِك كما هلكوا، فرَوْا رأيَكم، فنادوه: لا سمعَ لعدوِّ الله ولا طاعة.
وقيل: إن الحجّاج بعثَ إسحاقَ إلى عبد الرحمن في جيش، وكتب إلى عبد الرحمن أن: سر إلى بلاد التُّرك، وإلا فقد وَلَّيتُ أخاك إسحاق أميرَ الجند. فعزَّ على ابن الأشعث، وخلع الحجاج، وصعد المنبر وقال (١): أيها الناس، إن الحجاج لا يُبالي أن يُخاطر بكم فتَقتَحموا البلاد، فإن ظَفِرتم أكل بكم البلاد، وإن ظَفر بكم العدوّ كنتم الأعداء البُغَضاءَ. اخلعوا عدوّا الله، فنادى [الناس] من كل جانب: قد خلعناه.
وقام عبد المؤمن بن شَبَث بن رِبعيّ التَّميمي -وكان على الشرطة- فقال: إنكم إن أطعتُم الحجاج جعل هذه البلاد بلادَكم ما بقيتم، ولم تُعاينوا الأحبة، أو يموتَ أكثرُكم، بايعوا أميرَكم، وانصرفوا إلى بلادكم فانْفُوا عدوَّ الله منها، فبايعوه على خَلْعِ الحجاج وجهادِه، ونفيِه من أرض العراق، ولم يذكروا عبدَ الملك حينئذ بشيء.
وبعث ابنُ الأشعث إلى رُتْبيل فصالحه على أنه إنْ ظهر على الحجَّاج وضع عنه خراجَه، كان لم يَطْهر أو هُزِم والتجأ إليه حَماه من الحجاج، وتعاهدا وتعاقدا، ثم سار ابنُ الأشعث بجيوشه من بُسْت، وبين يديه الأعشى (٢) على فرسٍ وهو يرتجز ويقول:
شَطَّتْ نَوى مَن دارُه بالإيوان … إيوانِ كِسرى ذي البُنا بالرَّيحانْ (٣)
من عاشقٍ أمسى بزابُلِسْتان … إنّ ثَقيفًا منهم الكَذَّابانْ
كَّذابُها الماضي وكذابٌ ثانْ … أمكن ربّي من ثَقيفِ همدَان
إنا صَمدنا للكَفورِ الفَتَّان … لما طَغى في الكُفْرِ بعد الإيمان
стр. 4255
يا سيِّدَ الفِتيانِ عبدَ الرحمن … هذي الجُموع سِر بها من قَحطان
ومن مَعَدٍّ قد أتتْ وعدنان … وقُل لحجَّاجٍ وليِّ الشَّيطان
جاءت مَذْحِجٌ وهمدان (١) … وإنَّهم ساقوه كأسَ الذِّيفان
ويُلحِقوه بقُرى ابنِ مَرْوانْ
ولما سار ابن الأشعث إلى العراق هرب منه إخوته: إسحاق، والصباح، والمنذر، والقاسم بنو محمد، فأما القاسم فعاد إلى أخيه عبد الرحمن، وأما الثلاثة الأُخَر فلَحِقوا بالحجّاج، وجعل ابنُ الأشعث على مُقدِّمته عَطيّة بن عمرو العَنْبري، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يلتقي له خيلًا إلا هزمها، فقال الحجاج: مَن هذا؟ قالوا: عطيّة، قال: نعم، وفيه يقول الشاعر (٢): [من مجزوء الكامل]
فإذا جعلتَ دُروبَ فا … رسَ خلفَهم دَربًا فدَرْبا
فابعَثْ عَطيَّةَ في الخيو … لِ يَكُبُّهنّ عليه كَبَّا
ولما نزل ابن الأشعث بكَرمان وَلّى عليها خَرَشَة بن عمرو التَّميمي، وكان بها أبو إسحاق السَّبيعي، وكان ابنُ الأشعث يقول له: خالي خالي، فقيل لأبي إسحاق: قد سأل عنك أفلا تأتيه؟ قال: لا، فلم يَقْرَبْه في الفتنة حتى كانت الجماجِم.
ولما دخل الناس فارس اجتمعوا وقالوا: إنا إذا خلَعنا الحجاج فقد خَلَعنا عبدَ الملك، فقام يحيى بن أَبْجَر (٣) من تَيم الله بن ثعلبة فقال: أيها الناس، إني قد خلعتُ أبا الذِّبَّان كما خلعتُ قميصي هذا، فخلعه الناس إلا قليلًا، وبايعوا ابنَ الأشعث على كتاب الله، وسنَّةِ رسوله ﷺ ، وخلعِ أئمةِ الضَّلالة، وجهادِ المُحِلِّين.
ولما بلغ الحجاج ذلك كتب إلى عبد الملك يُخبره، ويسأله تعجيلَ الجنود، وسار من الكوفة حتى نزل البصرة.
وبلغ المهلَّب ما فعل ابن الأشعث، فكتب إليه: الله الله في دماء المسلمين لا تَسفِكْها، وأمة محمد ﷺ لا تُفَرِّقْها، وبيعتك لا تَنْكُثْها.
стр. 4256
وقيل: إن ابن الأشعث كتب إلى المهلَّب وهو على خراسان ليُوافقه على الحجاج، فكتب إليه: يا ابنَ الأشعث، لقد وضعتَ رِجْلَك في غَززٍ طويلَ الغَيِّ على أمة لمحمد ﷺ .
وكتب المهلَّب إلى الحجاج: إن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثلَ السَّيلِ المُنْحَدر من عَلٍ، لا يَرُدُّه شيء حتى ينتهي إلى قراره، وإن لهم شِرَّةً في أول مَخرجهم، وبهم صَبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فلا يَرُدُّهم شيء حتى يَنتهوا إليهم، فخلِّ لهم عن البصرة حتى يأتوها فيُواقِعوا نساءهم، وَيشمُّوا أولادهم، فترِقّ قلوبُهم، فيخلدوا إلى المقام في منازلهم، فيتفرَّقوا عن ابن الأشعث، ثم واقِع مَن جاءك منهم، فإن الله ناصرُك عليهم.
فلما قرأ الحجاج كتابَه قال: فعلَ الله به وصنع، ما في نظر، ولكن لابن عمِّه نَصح، وبعث بكتابه إلى عبد الملك، فلما قرأه نزل عن سريره، وبعث إلى خالد بن يزيد، فأقرأه الكتاب، فلما قرأه ورأى ما به من الخوف والجزع؛ قال له: لا تخف، لو كان الفَتْقُ من خراسان كان، أما من سجستان فلا بأسَ عليك.
ثم قام عبد الملك خطيبًا وقال: أما بعد، فإن أهلَ العراق طال عليهم عُمري؛ فاستعجلوا عليّ، اللهم سلِّطْ عليهم سيفَ أهل الشام حتى يَبلغوا رِضاك، فإذا بلغوا رِضاك لم يَتجاوزوا إلى سُخْطك.
ثم سَرَّب عبد الملك الجيوشَ إلى الحجاج، وعزَم الحجاج على لقاء ابنِ الأشعث، فسار من البصرة، فنزل إلى تُسْتَر، وقدَّم بين يديه مظهر بن حيّ (١) الجُذَاميّ، وعبد الله بن رِمْث (٢) الطّائيّ في خيل، فالتقوا على دُجَيل الأهواز بأصحاب ابن الأشعث؛ وعليهم عبد الله بن بيان (٣) الحارثي في خيل، فهزموا أصحابَ الحجاج، وذلك في يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين، وقتلوا منهم خلقًا عظيمًا.
وجاء الحجاج الخبرُ وهو يخطب، فنزل وعاد إلى البصرة، وخيلُ ابن الأشعث في طلبه، وكان عامله على البصرة الحكم بن أيوب ابن أبي عقيل الثقفي، وجاء أهل العراق إلى البصرة، فخرج الحجاج فنزل الزّاوية، وجاء أهل البصرة فنزلوا دورهم،
стр. 4257
فقال الحجاج: لله درُّ المهلب، لقد أشار علينا بالرأي فلم نقبل، وكان يقول الحجاج بعد ذلك: رحم الله المهلَّب؛ لقد كان ناصحًا للإسلام.
وفي رواية: أن الحجاج نزل رُسْتُقباذ، وعامله على البصرة الحكم على الصلاة، وعلى الشرطة عبد الله بن عامر بن مِسْمَع، وجاء ابن الأشعث فنزل تُسْتَر، وبينهما نهر، وذلك عشية يوم الأضحى، فواقعَهم، فقتل من أهل الشام ألفًا وخمس مئة، وانهزم الباقون، وكان مع الحجاج يومئذ خمسون ألف ألف درهم (١)، ففرَّق الجميعَ في قُوَّاده، وضمَّنهم إياها، وأقبل مُنهزمًا إلى البصرة، فقال ابن الأشعث: أما الحجّاج فليس بشيء، وإنما يزيد غزوَ عبد الملك.
وبلغ أهلَ البصرة هزيمةُ الحجاج، وأراد عبد الله بن عامر بن مِسْمَع أن يقطع الجسرَ دونه، فرَشَاه الحكم بن أيوب مئة ألف درهم فكفَّ عنه، ودخل الحجاج البصرة، وعرفه الحكم، فأرسل إلى ابن عامر فأخذ منه المثة ألف، وجاء ابن الأشعث فدخل البصرة، وهرب الحجاج إلى ناحية العراق، وبايع أهلُ البصرة ابنَ الأشعث على قتال الحجاج وحربِ عبد الملك، من القُرَّاء وغيرِهم.
ذكر أسامي أعيان مَن بايعه من أهل العراق:
مسلم بن يَسار، وجابر بن زيد أبو الشَّعثاء، وأبو الجوزاء وقتل معه، وأيّوب بن القِرِّيَّة، وماهان العابد، قتلهما الحجاج، وأنس بن مالك في جملة القُرّاء.
ومن أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر الشعبي، وطَلحة بن مُصَرّف، وذرّ، وعبد الله بن شدّاد، وأبو البَخْتَري الطائيّ، والحكم بن عُتبة، وعون بن عبد الله بن مَسعود الهُذَليّ، في خلقٍ عظيم.
وكان ابن الأشعث في مئتي ألف فارس، وعشرين ومئة ألف راجل، وكان دخوله البصرة في آخر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين.
فصل: [قال أبو معشر:] وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك.
стр. 4258
وكان على المدينة أبان بن عثمان، وعلى العراق الحجاج دون البصرة، والمهلب على خراسان، وعلى قضاء الكوفة أبو بُردَة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أُذَينة.
[قال الواقدي:] وفيها ولد ابن أبي ذئب.
[فصل:] وفيها توفي
بَحِير بن وَرقاء (١) الصُّرَيمي
وهو الذي تولَّى قتلَ بُكَيْر بن وشاح بامر أميَّة بن عبد الله لما كان بخراسان.
قال علماء السير: ولما عزل أميّة عن خراسان تواعد بنو سعد بَحِيرًا بالقتل، وقال عثمان بن رجاء -من بني عوف بن سعد- يحرِّض الأبناء من آل بُكَير على قتل بَحِير، من أبيات: [من الطويل]
فلو كنت من سعدِ بنِ عوفٍ ذؤابةً … تركتَ بَحِيرًا في دمٍ مُقرقْرِقِ
فقل لبَحِيرٍ نَمْ ولا تَخْشَ ثائِرًا … بعَوفٍ فعوفٌ أهلُ شَاةٍ حَبَلَّقِ (٢)
دَع الضَّأنَ جذعًا قد سُبِقتم بوتْرِكم … وصرتُم حديثًا بين غربٍ ومَشرِقِ
وبلغ بَحيرًا فقال: [من الطويل]
تواعَدَنْي الأبناءُ جهلًا كأنما … يَرَون فنائي مُقْفِرًا من بني كَعبِ
رفعتُ له كَفّي بحَدِّ مُهنَّدٍ … حُسامٍ كلَونِ الثَّلْجِ ذي رَوْنَقٍ عَضْبِ
فتعاقد سبعة عشر رجلًا من بني عوف بن كعب بن سعد على الطَلَبِ بدم بُكَير بن وشاح، واتَّخذَ رجلٌ منهم يقال له: صَعصَعة بن حرب العَوْفيّ خنجرًا وسمّه، وقيل: غَمَسه في لبن أتانٍ مرارًا، وكان بَحير في عسكر المهلَّب وقد قطع النهر، فتلطّف صعصعة حتى أخذ كتابًا من أهل بحير إلى بحير بالوصية به، فلما قدم على بَحير أقام عنده شهرًا، ثم طعنه بالخنجر فقتله، وقُتل صعصعة.
стр. 4259
[فصل: وفيها توفي]
سُوَيد بن غَفَلَة
ابن عَوْسَجَة بن عامر بن وَدَاع بن معاوية بن سعد بن المغيرة بن مَذْحِج (١)، وكنيته أبو أمية، كناه بها عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
[وذكره ابن سعد] في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقال: أدرك رسول الله ﷺ ، ووفد عليه فوجده قد قبض، فصحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضوان الله عليهم، وشهد مع علي ﵇ صفين، وسمع ابن مسعود، [ولم يسمع من عثمان شيئًا، وهذا قول ابن سعد (٢).
وقال ابن منده: أدرك دفن رسول الله ﷺ وهم ينفضون أيديهم من التراب.
قال ابن منده:] وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام.
وكان يقول: أنا لِدَةُ رسول الله ﷺ ، لأنه وُلد عامَ الفيل، وقيل: قبله بسنتين.
قال الشعبي: قال سويد: أنا أصغر من رسول الله ﷺ بسنة.
وشهد خطبة عمر رضوان الله عليه بالجابية، وقال: أتانا مُصَدِّق رسول الله ﷺ فأخذتُ بيده، فقرأتُ في عهده، فإذا فيه: أن لا يُفَرَّقَ بين مجتمع، ولا يُجمَع بين مُتَفَرِّق، فأتاه رجل بناقةٍ عظيمةٍ مُلَملَمَة، فأبى أن يأخذها، ثم أتاه آخر بناقة دونَها، فأبى أن يأخذها، ثم قال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا أتيتُ رسول الله ﷺ وقد أخذتُ خيارَ إبل امرئٍ مسلم.
وقال ابن سعد: كان سويد متواريًا من الحجاج، فكان يُصلّي الظهر يوم الجمعة في جماعة.
[وحكى ابن سعد بإسناده إلى] الحارث بن لَقِيط قال: كان سويد [بن غفلة] يمرُّ بنا في المسجد إلى امرأة له من بني أسد هاهنا، وهو ابن سبع وعشرين ومئة سنة.
стр. 4260
وقال ابن سعد: أذَّن يومًا بالهاجرة، فسمعه الحجاج وهو بالمَدَرَة (١) فدعاه وقال: ما حملك على الصلاة بالهاجرة؟ فقال: صليتُها مع أبي بكر وعمر وعثمان، فقال الحجاج: لا تُؤذّن لقومك ولا تَؤُمَّهم.
وقال [ابن أبي الدنيا بإسناده إلى] عمران بن مسلم قال: كان سويد بن غَفَلة إذا قيل له: أعطِ فلانًا، ووَلِّ فلانًا، يقول: حسبي كِسرتي ومِلحي، قال: وكان سويد يقول: إذا أراد الله أن ينسى أهلَ النار؛ جعل كلَّ واحدٍ منهم في تابوت من نار على قَدره، ثم أقفل عليهم بأقفال من نار، ثم يُجعل التابوت في تابوتٍ آخر، ثم يُضرم بينهما نارًا، فلا يرى أحدٌ منهم أنه قد بقي في النار غيره.
[وروى أبو نعيم قال:] كان سويد يؤمُّ الناس في رمضان وقد أتت عليه عشرون ومئة سنة، وكان يمشي إلى الجمعة ماشيًا (٢).
وقال علي بن المديني: دخلتُ منزلَ أحمد بن حنبل، فما شتهت بيتَه إلا بما وُصِف لنا من بيت سُويد بن غَفَلة من زهده وتواضعه (٣).
وقال ابن عبد البر (٤): شهد سويد القادسية، فصاح الناس: الأسدَ الأسدَ، فخرج إليه سويد، فضربه بالسيف على رأسه، فمر في فَقار ظهره، فخرج من ذَنَبه، وأصاب حَجرًا ففلقه.
وحكى ابن عساكر عنه أنه افتض جارية بكرًا وهو ابن سبع وعشرين ومئة سنة.
[ذكر وفاته:
حكى ابن سعد، عن الواقدي قال:] توفي سُويد بن غَفَلة بالكوفة، سنة إحدى -أو اثنتين- وثمانين، وهو ابن مئة وثمان وعشرين سنة (٥)، وأوصى أن لا يُؤْذَن بموته أحد، وأن يُكَفّن في ثوبيه، ولا تتبعه امرأة.
стр. 4261
[وذكر جدّي ﵀ في "أعمار الأعيان" أن سُويد بن غَفَلة توفي وله سبع (١) وعشرون ومئة سنة، قال. وماتت سارة زوجة الخليل ﵇ لهذا السنّ. وقيل: مات سويد وهو ابن ثلاثين ومئة سنة، والله أعلم.]
أسند عن عمر، وعلي، وبلال، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبيّ بن كعب ﵃. وصحب أبا بكر رضوان الله عليه.
وروى عنه الشعبي، وعَبْدة بن أبي لُبابَة، وطلحة بن مصرف وغيرهم. وكان ثقةً، زاهدًا، كثيرَ الحديث.
[فصل: وفيها توفي]
محمد بن الحَنَفيَّة
وهو محمد الأكبر بن علي بن أبي طالب، وأمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يَرْبوع بن ثعلبة بن الدُّول بن حَنيفة بن لُجَيْم بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل، ويقال: بل كانت من سَبْي اليمامة، فصارت إلى علي ﵇.
ومحمد من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكنيته أبو القاسم.
[وقد ذكرنا قول النبي ﷺ لعلي: "سيولد لك من بعدي، قد نحلته اسمي وكنيتي" (٢).
واختلفوا في مولده، فقال قوم:] ولد في خلافة أبي بكر رضوان الله عليه.
[وقال ابن أبي حاتم: ولد] لثلاث سنين، أو لسنتين بَقِين من خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، في السنة التي ولد فيها سعيد بن المسيب (٣).
[ذكر طرف من أخباره:
قال علماء السير، منهم الشيخ الموفق: كان محمد بن الحنفية] عاقلًا، فاضلًا، ذا دين وعلم وعبادة، وكان حامل راية أبيه يوم الجمل، وكان أيِّدًا، [أي:] قويًّا، ذكر أن
стр. 4262
أباه عليًّا رضوان الله عليه كان بين يديه درع فقال: ينبغي أن يُقَصَّر هذا الدرع من هذا المكان، فأخذه محمد فشرطه بيده من ذلك الموضع (١).
[وقال الهيثم:] كان من عقلاء الناس [وأجوادهم]، معتزلًا للفتن وما الناس فيه من طلب الدنيا، وكانت القلوب مائلة إليه.
[وقال ابن سعد: كان محمد حاملَ راية أبيه يوم صفّين] (٢).
وكان المختار يدعو إليه ويقول: إنه المهديّ، وهذا مذهب الكَيسانيّة؛ وهم طائفة من الشيعة من أصحاب المختار، وكان المختار يُلَقَّب بكَيسان، وقيل: الكيسانية أصحاب كيسان مولى علي ﵇، وقيل: كان تلميذَ محمد بن الحنفية، وأما المختارية فأصحاب المختار، وجماعة منهم يزعمون أن محمد بن الحنفية بجبل رَضْوى في شعب منه مقيم لم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، فلم يُوقف لهم على خبر، وأنهم أحياء يُرزَقون، وممن كان يذهب إلى هذا المذهب كُثَيِّر عَزَّة، والسيِّد الحِميريَّ، ولهما فيه أشعار كثيرة (٣).
قال كُثَيّر (٤): [من الوافر]
ألا إن الأئمّةَ من قُريشٍ … وُلاةُ الأمرِ أربعةٌ سَواءُ
عليٌّ والثلاثةُ من بَنيهِ … هم الأسباطُ ليس بهم خَفاءُ
فسِبطٌ سِبطُ إيمان وبِرٍّ … وسِبطٌ غيَّبَتْهُ كَربَلاءُ
وسبطٌ لا يذوقُ الموتَ حتى … يَقودَ الخيلَ يَقْدُمُها اللِّواءُ
يَغيبُ فلا يُرى فيهم زمانًا … برَضوَى عنده عَسَلٌ وماءُ
ومنهم من يقول: إنه برَضْوى مقيم بين أسد ونمر، وعنده عينان نضَّاختان تجريان عسلًا وماءً، وأنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلًا كما مُلئت جَورًا، ومن أشعار السيِّد الحِميَريّ، وهو إسماعيل بن محمد: [من الوافر]
стр. 4263
ألا قلْ للإمامِ فَدَتْكَ نَفسي … أطلْتَ بذلك الجبلِ المُقاما
أضرَّ بمعشَرٍ والوْكَ منّا … وسَمَّوك الخليفةَ والإماما
وعادوا أهلَ هذي الأرضِ طُرًّا … مُقامُك فيهمُ ستّين عاما
وما ذاق ابنُ خَولَةَ طَعْمَ مَوْتٍ … ولا وارتْ له أرضٌ عِظاما
لقد أمسى بمَوْرِقِ شِعْبِ رَضْوى … تُراجعهُ الملائكةُ الكلاما
هدانا الله إذ حِرْنا لأمرٍ … به ولدَيه نَلْتَمِسُ التّماما
وقال السيّد أيضًا: [من الكامل]
يا شِعْبَ رَضْوى ما لمَن بك لا يُرى … وبنا إليه من الصَّبابةِ أوْلَقُ
حتّى متى وإلى متى وكم المدى … يا ابن الوَصِيِّ وأنت حيٌّ تُرزَقُ (١)
قال ابن سعد: جاء رجل إلى ابن الحنفيّة، فسلم عليه وقال: كيف أنتم؟ فقال محمد: إنما مَثَلُنا في هذه الأمة مثل بني إسرائيل في آل فرعون، كان يُذَبِّح أبناءهم، ويَستحيي نساءهم، وإن هؤلاء يُذَبِّحون أبناءنا، ويَنكحون نساءنا بغير أمرنا (٢).
وكان محمد يقول: ليس بحكيم مَن لم يعاشر بالمعروف مَن لم يجد من معاشرته بُدًّا، حتى يجعل الله له فَرَجًا ومَخْرجًا.
[وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه] قال: مَن كَرُمَتْ نفسُه عليه؛ لم يكن للدنيا عنده قَدْر.
وقال: إن الله جعل الجنةَ ثَمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها.
وقال: كلُّ ما لا يُبتَغى به وَجهُ الله يَضْمَحل (٣).
[وروى أبو نعيم أيضًا بإسناده إلى] علي بن الحسين ﵄ قال: كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يتهدَّدُه ويتوعَّدُه، ويحلف أنه يبعث إليه مئة ألف في البحر، ومئة ألف في البر، أو يُؤّدي إليه الجِزية، فسقط في ذَرْعه، وكتب إلى الحجاج: أن اكتُب إلى ابن الحنفيّة فتوعَّدْه وتَهَدَّدْه، ثم أخبرني بما يَرُدُّ عليك، فكتب الحجاج إليه يتوعَّده بالقتل، فكتب إليه ابن الحنفية. إن لله في كل يوم إلى خلقه ثلاث مئة وستين [لحظة،
стр. 4264
أي:] نظرة، وأنا أرجو أن يَنظرَ الله إليّ نظرة يمنعني بها منك. فبعث الحجاج بكتابه إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك نسخته إلى ملك الروم، فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك ولا من أهل بيتك، ما خرج إلا من بيت نُبُوّة (١).
[ذكر ابن عساكر القصة، وقال: إن عبد الملك استقدم محمدًا إلى دمشق، وسأله عن جواب ملك الروم. وذكر القصة (٢).]
وذكر ابن عساكر أيضًا أن محمد بن الحنفية وفد على عبد الملك (٣) بدمشق في سنة ثمان وسبعين، فأنزله قريبًا منه، وأكرمه وأحسن إليه، فأقام عنده شهرًا، فأجازه وقضى حوائجه، وقال له: أتذكر يومَ صرعتَ مروان وجلست على صدره يوم الجمل، فقال محمد: عفوًا (٤)، فقال عبد الملك: ما ذكرت لك ذلك وأنا أريد أن أكافئك، وإنما أردتُ إعلامَك أني قد علمتُ.
وذكر ابن سعد عن محمد ابن الحنفية قال: وفدتُ على عبد الملك فقضى حوائجي، وودَّعتُه، فلما كدتُ أن أتوارى عنه ناداني: يا أبا القاسم، مرتين، فكررت إليه، فقال لي: أما إن الله يعلم أنك يوم صنعت بالشيخ ما صنعت أنك كنت ظالمًا له، يعني حين أخذ ابنُ الحنفية مروانَ يوم الدار، فلَبَّبَه بردائه، قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولي يومئذ ذؤابة (٥).
وقيل لمحمد: ما بالُ أبيك كان يرمي بك في أماكن لا يرمي فيها الحسن والحسين؟! فقال: كانا خدَّيه، وكنتُ يدَه، فكان يتَوقَّى بيده عن خدَّيه (٦).
وكان محمد بن الحنفية يخضب بالحِنّاء والكَتَم، فقيل له: أكان أبوك يَخْضِب؟ قال: لا. قيل: فما بالك؟ فقال. أتشَبَّب للنساء.
стр. 4265
[وقال ابن سعد:] كان يَلبَس الخَزّ، ويتعمَّم بعمامة سوداء، ويتختَّم في يساره، وكان يَفلي رأسَ أُمِّه ويُمَشِّطها (١).
ذكر وفاته:
حكى ابن سعد عن الواقدي قال (٢): مات محمد في سنة إحدى وثمانين وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقيل: ابن خمسر وستين سنة، وكانت وفاتُه في المحرَّم، ودُفن بالبقيع، وجاء أبان بن عثمان، وهو والي المدينة ليصلّي عليه، فقال أبو هاشم بن محمد: لا تُصَلِّ عليه حتى تطلب ذلك منا، فقال أبان: أنتم أولى بجنازتكم، فقدِّموا مَن شئتم. فقال أبو هاشم: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك لما قدَّمْناك، فقَدَّموه، فصلّى عليه (٣).
وقيل: مات سنة ثلاث وثمانين أو اثنتين وثمانين. وقيل: إنه توفي بأيلة. وقيل: بين الشام والمدينة، والأول أشهر (٤).
ذكر أولاده:
فولد محمد بن الحنفية عبد الله وهو أبو هاشم، وحمزة، وعليًّا، وجعفرًا الأكبر، وأمُّهم أمُّ ولد.
والحسن، وكان من ظرفاء بني هاشم، وأهل العقل منهم، وهو أول مَن تكلَّم في الإرجاء، ولا عقب له. وأمه كمال (٥) بنت قيس بن مَخْرَمَة بن المطَّلب بن عبد مَناف.
وإبراهيم، وأمُّه مُسْرِعَة بنت عبَّاد بن شيبان، من قيس عيلان.
والقاسم، وعبد الرحمن، لا بقيّةَ لهما، وأمَّ أبيها، وأمهم أم عبد الرحمن، واسمها بَرَّة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.
стр. 4266
وجعفرًا الأصغر، وعونًا، وعبدَ الله الأصغر، وأمهم أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب.
وعبد الله، ورقيَّة لأمّ وَلَد (١).
فأما أبو هاشم فأكبر ولده، وكان من العلماء الأشراف، نذكره سنة تسع وتسعين.
قال الزبير بن بكار: وأمُّه أمُّ وَلَد تُدعى نائلة، وولدت لمحمد بن الحنفية جعفرًا الأكبر [وحمزة] درجا، وعليًّا بني محمد (٢).
وأما الحسن فكان يُقدَّم على أخيه عبد الله، مات وليس له عقب، وسنذكره سنة أربع وتسعين.
وأما إبراهيم فكان يلقب شعيرة (٣).
وأما القاسم [فكان] مُؤَخَّذًا عن مسجد رسول الله ﷺ لا يقدر أن يدخُلَه (٤).
أسند محمد بن الحنفية ﵁ عن أبيه علي ﵇، وجماعة من الصحابة، ومعظم رواياته عن أبيه رضوان الله عليه.
السنة الثانية والثمانون
فيها كان وقائع الحجاج وابن الأشعث، منها وقعة الزَّاوية، وكانت في أول المحرَّم، اقتتلوا قتالًا شديدًا، وقال الحجاج: لله درُّ مصعب بن الزبير ما كان أكرمه! فعلم أهل الكوفة أنه لا يفر حتى يُقتَل، فقاتلوا دونه هم وأهل الشام، منهم سفيان بن الأَبْرد، فحمل على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، وقتل جماعة من القراء، وقُتِل ابن المنذر بن الجارود (٥)، وعبد الله بن عامر بن مِسْمَع، وقُتل الطُّفَيل بن عامر بن واثِلة، وانهزم ابن الأشعث والناس معه إلى الكوفة، وبلغ أهل الكوفة فخرجوا إليه، فاستقبلوه وفرحوا به، وكان القصر قد عصى فيه مَطر بن ناجية، فأخذوه وأتوا به ابن الأشعث
стр. 4267
فأراد قتلَه، فقال: استَبْقِني فإني أعظمُ فُرسانك، فاستبقاه وبايعه، ودخل وجوه أهل الكوفة فبايعوا ابن الأشعث، وأتاه العلماء والزُّهَّاد من الأمصار.
وقتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفًا، نادى مناديه بالأمان، ثم قتلهم إلا واحدًا كان ابنه معه (١). وأقام الحجاج بالبصرة إلى أوَّل صفر، واستخلف عليها أيّوب بن الحكم أبن أبي عقيل، وسار من البصرة في البرّ حتى مرَّ بين القادسية والعُذَيب، فبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في خيل عظيمة، فمنعه من نزول القادسية، ثم سايروه إلى دَير قُرَّة، فنزل الحجاج به، وجاء ابن الأشعث فنزل دير الجَماجم، وكان نزول ابن الأشعث بدير الجماجم في شعبان.
وتفاءل الحجاج بذلك، فكان يقول بعد الوقعة: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يَزجُر الطيرَ حتى رآني قد نزلتُ بدير قُرَّة، ونزل هو بدير الجَماجم، أي: أستقرُ بالبلاد، وتقر عيني، وتكثر جماجم أصحابه، ودير قُرَّة مما يلي الكوفة-.
واجتمع أهل الكوفة والبصرة، وأهل الأمصار والثغور، والقراء من المصريين على حرب الحجاج والبغضِ له، وكانوا مئةَ ألف مقاتل ممَّن يأخذ العطاء، ومعهم مثلُهم من مواليهم، وأما المطَّوِّعة فخلقٌ لا يُحصَون، جاءت أمداد الشام إلى الحجاج، وكان في عزمه أن ينزل قريبًا من الجزيرة والشام، أو يرتفعَ إلى هِيت ليكون قريبًا من عبد الملك، فلما مر بدير قُرَّة تفاءل به وقال: عينُ التَّمْرِ قريبةٌ منا، وخندق على عسكره، وخندق ابن الأشعث أيضًا، وكانوا يخرجون من الخنادق فيقتتلون.
وكان على ميمنة ابن الأشعث الحجاج بن جارية الخَثْعَميّ، وكان على ميسرته الأَبْرَد بن قُرَّة التَّميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس الهاشمي، وعلى رجَّالته محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى القُرَّاء جَبَلَة بن زَحْر بن قيس الجُعْفِيّ، وكان فيهم عامر الشَّعبيّ، وسعيد بن جُبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو البَخْتَري الطائي وغيوهم.
وكان على ميمنة الحجاج عبد الرحمن بن سليمان (٢) الكنانيّ، وعلى ميسرته عُمارة بن تميم، وعلى خيله سفيان بن الأَبْرد، وعلى الرجَّالة عبد الله بن حبيب، ودام القتال
стр. 4268
بينهم أيامًا، فقال رؤساء قريش ووجوه أهل الشام لعبد الملك: إن كان إنما يُرضي أهلَ العراق عَزْلُ الحجاج عنهم؛ فإن نَزْعَه أيسرُ من حربهم؛ فاعزله عنهم تَخلص لك به طاعتُهم، وتحقن به دماء الفريقين.
فأجابهم وبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمد بن مروان -وكانا بأرض الموصل- وأمرهما أن يَعرضا على أهل العراق عَزْلَ الحجاج عنهم، وأن يُجري عليهم أعطياتهم على عادتهم وزيادة، وأن يَنزل ابنُ الأشعث أيَّ بلد اختار، يكون عليه واليًا ما دام حيًّا، فإن قبلوا ذلك فانزع الحجاج عنهم، ويكون محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبَوا فالحجاج أميرٌ عليهم ووليُّ القتال، وعبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان في طاعته.
فلم يأت الحجاجَ أمرٌ كان أشدّ عليه ولا أعظم؛ مخافةَ العَزْل، فكتب إلى عبد الملك: والله لئن عزلتَني عن العراق لا تزيد أهلَه إلا جَراءة عليك، وقد رأيتَ عثمان لما سألوه عَزْلَ سعيد بن العاص فعزله عنهم كيف ساروا إليه فقتلوه، إن الحديدَ بالحديدِ يُفلح، والسلام.
فلم يلتفت عبد الملك إلى قوله طلبًا للعافية، وخرج عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان إلى صفوف أهل العراق، وذكرا ما قال لهما عبد الملك، فقالوا: حتى ننظر ونرى، واجتمعوا العشية عند ابن الأشعث، فقال لهم: إنكم قد أُعطيتم أمرًا انتهازُكم له فُرصة، وأنتم اليوم على النّصف، فاقبلوا ما عَرض عليكم وأنتم أعزَّاء أقوياء، ويوم تُسْتَر بيوم الزّاوية، والقوم لكم هائبون، فاقبلوا العافية، فوثب الناس من كل جانب وقالوا: إن الله قد أظهرنا عليهم، وقد ذَلُّوا واستكانوا، وأهلكهم الجوع والضِّيق، ونحن في كثرة من العَدَد والمادة.
وقيل: إن ابن الأشعث قال: ألا إن بني (١) مروان يُنسبون إلى الزّرقاء، وهم أعلاجٌ من أهل صَفُّورِية، ونحن أصل العرب ومادَّتها. ونال من بني أبي العاص، وردُّوا عليهم، فقال عبد الله ومحمد للحجاج: دونك والجيش فأنت الأمير، ثم أخذوا
стр. 4269
يَقتتلون كل يوم، والمادة تأتي ابن الأشعث من البصرة والكوفة والسواد، وأهلُ الشام في قلّة من الزاد وغيره، فأقاموا على هذا مدّة هذه السنة.
وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة في جمادى الآخرة، وولَّى هشامَ بنَ إسماعيل المخزومي، فكانت ولايةُ أبان سبعَ سنين وثلاثة أشهر وأيامًا، وكان قد استقضى نَوفل بن مُساحق العامري على المدينة.
وقيل: إنما استقضاه يحيى بن الحكم، وأقرَّه أبان، فعزله هشام بن إسماعيل، واستقضى مكانه عمرو بن خالد الزُّرَقيّ.
وحجَّ بالناس هشام بن إسماعيل، وقيل: أبان، وكان العراق فيه من الفتن ما فيه، وكان المغيرة بن المهلب قد مات في هذه السنة، وكذا المُهَلَّب، فولّى الحجاج خراسان يزيد بن المُهَلَّب.
فصل: وفيها توفي
أسماء بن خارجة
أبو مالك (١) الفَزاري الكوفي، أحد الأجواد.
وفد على عبد الملك بن مروان فقال له: بلغني عنك خصال شريفة، فأخبرني بها، فقال: إن استماعَهنّ من غيري أحسن من استماعهنّ مني، فقال: أقسمتُ عليك إلا أخبرتني بهنّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما سألني أحدٌ حاجة إلا وقضيتُها كائنة ما كانت، ولا أكل رجلٌ من طعامي إلا رأيتُ له الفضلَ علي، ولا أقبلَ عليّ رجلٌ بحديث إلا وأقبلت عليه بسمعي وبصري، حتى يكون هو المولّي عني، فقال: حقّ لك أن تشرف وتسود وهذه خصالك.
وجاء أسماء يومًا فرأى على بابه شابًا فقال له: ما يُقعدك ها هنا؟! فقال: حاجة. فألحّ عليه، فقال: خرجت من هذه الدار جارية فاختطفت قلبي، فأدخله الدار وعرض عليه كل جارية له وهو يقول: لا، حتى مرت عليه جارية فقال: هي هذه، فقال له:
стр. 4270
اخرج واجلس على الباب، فخرج وجلس، وخرج إليه بعد ساعة وهي معه، فقال: ما أبطأتُ عليك إلا لأنها لم تكن لي، وإنما هي لأختي ساومتني (١) ثمنًا كبيرًا، فاشتريتها بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف.
[وفيها توفي]
أبو الشَّعْثاء
[واسمه] سُلَيم بن أسود بن حَنْظلة المُحاربي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة.
روى عن ابن عمر، وابن مسعود، وحُذَيفة، وأبي هريرة، وغيرهم، وروى عنه ابنُه أشعث، وأبو مالك الأشْجَعيّ، والنخعي، وغيرهم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما: سئل أبي عن أبي الشَّعْثاء: أثقة هو؟ قال: بخ بخ. توفي بالكوفة زمنَ الحجّاج (٢).
عبد الرحمن بن يزيد
ابن قيس النَّخعَي، أبو بكر، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، كان يسجد على كُورِ عمامته، قد حالت بين جبهته والأرض.
روى عن ابن مسعود، وتوفّي في ولاية الحجاج قبل الجماجم، وكان ثقة وله أحاديث، وكان يَلْبَس عمامة سوداء (٣).
[فصل: وفيها توفي]
عمر (٤) بن عُبيد الله
ابن مَعْمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيمْ بن مُرَّة [وكنيته] أبو حفص [التيّمي]، أحد أجواد قريش.
стр. 4271
ولد بعدما استشهد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
قال محمد بن قدامة (١): كان يقال: ما مات رجل نَبيهٌ قطّ فسُمِّي أولُ مولود باسمه إلا نَبَه.
ولما قتل عمر بن الخطاب وَلَدت زوجة عثمان بن عفان، فقال لها: سَمِّيه عمر، فقالت له: قد سبقتْك زوجةُ عُبيد الله بن مَعْمَر.
[وقال المدائني: وُلد سنة ثلاث وعشرين، مَقَتلَ عمر ﵁].
وكان عمر بن عبيد الله جوادًا شجاعًا مُمَدَّحًا، ولي البصرة لابن الزبير وفارس أيضًا، وكان يُقاوم قَطَرِيَّ بن الفُجاءة، وهو الذي ضرب جَبينه ففَلَقه، فلذلك قيل لقَطَري: المُفَلَّق، قال الشاعر: [من الطويل]
وشَدّوا وثاقي ثم أَلْجَوا خُصومتي … إلى قَطَرِيِّ ذي الجَبينِ المُفَلَّقِ (٢)
وشهد عمر مع عبد الرحمن بن سمرة فتح كابل شاه، وهو كان صاحب الثُّغْرَة، قاتل إلى الصباح.
ووَلّاه عبد الملك بن مروان قتال أبي فُدَيك الخارجيّ والبحرين، فامتنع، فقال له عبد الملك: أرأيتَ لو كان بين عينيَّ وَتِد أكنتَ تَنْزِعُه؟ قال: نعم، قال: فهذا أبو فُدَيك هو ذاك، فسار إليه في جماعةٍ من أهل الحِفاظ، والتقَوا بالبحرين، فانكشف أصحابُ عمر، فثبت عمر في خواصّ أصحابه، ودعا (٣) ابنَ الحُصين، ومجاهد بن بَلْعَاء (٤) وغيرهم، وقُتل أبو فُدَيك.
ولما سار إلى أبي فُدَيك التقاه العَجَّاج في طريقه، فمدحه بأرجوزة طويلة منها:
قد جَبَر الدِّين (٥) الإلهُ فجَبَرْ … وعَوَّرَ الرحمنُ مَن ولَّى العَوَرْ
стр. 4272
وحدثنا غير واحد عن شُهدة بنت أحمد، بإسنادها عن الرِّياشيّ -وذكر القاضي التنوخي الحكاية عن الرياشي- أن بعض أهل البصرة اشترى جارية (١)، فأحسن تأديبَها، وأحبَّها حبًّا شديدًا، وأنفق عليها ماله حتى أَمْلَق، فقالت له: قد أرى ما بك من سوء الحال، فلو بِعتَنْي فانتفعتَ بثمني، وصَلَح حالي أيضًا، فباعها من عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر بمئة ألف درهم، وعمر أمير البصوة يومئذ، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فبكت وقالت (٢): [من الطويل]
هنيئًا لك المال الذي قد أصبتَهُ … ولم يَبقَ في كفَّيَّ إلا تَفكُّري (٣)
أقول لنَفْسي وهي في غَشْيِ كُربَةٍ … أقلِّي فقد بان الخليطُ أوَ اكْثِري
إذا لم يكن في الأمر (٤) عندكِ حِيلةٌ … ولم تجدي بُدًّا من الصَّبر فاصبري
فأجابها مولاها وهو يبكي ولقول: [من الطويل]
ولولا قُعودُ الدَّهرِ بي عنكِ لم يكن … يُفَرِّقُنا شيءٌ سوى الموتِ فاعْذُري
أروحُ بحُزنٍ من فِراقِكِ مُوجِعٍ … أُناجي به قلبًا طويلَ التَّحَيُّرِ
عليكِ سلامٌ لا زيارةَ بيننًا … ولا وَصْلَ إلا أن يَشاءَ ابنُ مَعْمَرِ
وسمعهما ابنُ مَعْمر فقال: قد شئتُ، والله لا فَرَّقْتُ [بينهما أو] بين مُحِبَّين، خُذِ الجاريةَ والمال فهما لك، فأخذهما وانصرف.
[وقال الرياشي:] لقي زياد الأعجم [عمر بن] عبيد الله قبل أن يليَ البصرة، وكان صديقًا له، فقال له عمر: يا أبا أميّة، لو وَليتُ لم أَدَعْك تحتاج إلى أحد أبدًا، فلما ولي عمر البصرة جاءه زياد فقال (٥): [من الطويل]
أبلغْ أبا حَفْصٍ رسالةَ مُحْضرٍ … أتتْ من زيادٍ مُسْتَبينًا كَلامُها
فإنكَ مثل الشمسِ لا سِترَ دونها … وكيف أبا حَفصٍ عليَّ ظَلامُها
стр. 4273
فقال عمر: لا يكون عليك ظَلامُها أبدًا، فقال زياد:
وقد كنتُ أدعو اللهَ في السرِّ أن أرى … أُمورَ مَعَدٍّ في يدَيك نِظامُها
قال عمر: قد رأيتَ ذلك، فقال زياد:
فلما أتاني ما أردتُ تباشَرَت … بَناتي وقُلْنَ (١) العامَ لا شَكَّ عامُها
فقال عمر: هو عامُهنَّ إن شاء الله تعالى، فقال زياد:
وإني وأرض أنتَ فيها ابنَ مَعْمَرٍ … أُقيمُ بها لا يَطْرُقَنَّي حَمامُها (٢)
فقال ابنُ مَعْمَر: إن شاء الله، فقال زياد:
إذا اخترتُ أرضًا للمُقامِ رَضيتُها … لنفسيَ لم يَثقُلْ عليَّ مُقامُها
فقال عمر: وأنا كذلك، فقال زياد:
وكنتُ أُمَنِّي النفسَ فيك ابنَ مَعْمَرٍ … أمانيَّ أرجو أن يَتمَّ تَمامُها
فقال له عمر: قد تمَّتْ فسَلْ حاجَتَك، فقال زياد: نَجِيبةٌ وخادمُها، وفرس وسائسُه، وخادمة ودابّتها، وبَدْرَةٌ وحاملُها، وتَخْتُ ثياب ووَصيفٌ يحمله، فقال عمر: قد أمرنا لك بجميع ذلك، وهو لك علينا في كلِّ سنة.
ذكر وفاته:
[اتفقوا على أنه توفي بالشام، وإنما اختلفوا في أي مكان، فذكر البلاذري أنه] قَدِم على عبد الملك، فنزل مَرْج العَذْراء في سنة اثنتين وثمانين؛ والطاعون يغلي بالشام، فمات في المَرْج، وخرج عبد الملك من دمشق فصلّى عليه، ومشى إلى قبره، وجلس عليه، فقالت امرأة: واسيِّد العرب، فقال لها رجل: أتقولين هذا وأمير المؤمنين يستمع؟! فقال له عبد الملك: اسكتْ، فقد صدقت والله، ولما قام من عند قبره قال: السلام عليك أبا حفص، لقد كنتَ والله لا تَحسُد غنيَّنا، ولا تَحتَقِر فقيرنا، وقال: لقد علمتْ قريش أنها فقَدَتْ اليوم نابًا من أنيابها (٣).
стр. 4274
وقال شيخنا موفق الدين رحمة الله عليه: مات بضُمَير على خمسة عشر ميلًا من دمشق، وهو ابن ستين سنة، وسبب موته أن ابن أخيه عمر بن موسى خرج مع ابن الأشعث، فأخذه الحجاج، فبلغ عمر وهو بالمدينة، فخرج إلى عبد الملك بسببه، فلما بلغ ضمَير (١) وصله خبرٌ بأن الحجّاج ضرب عُنُقَ ابن أخيه، فمات كَمدًا، ورثاه الفرزدق فقال: [من البسيط]
يا أيُّها الناسُ لا تَبْكُوا على أحدٍ … بعد الذي بضُمَيرٍ وافقَ القَدَرا
كانت يداه لنا سَيفًا نَعوذُ به … على العدوِّ وغَيثًا يُنبتُ الشَّجَرا
أمَّا قريشٌ أبا حفص فقد رُزِئتْ … بالشّامِ إذ فارقَتْك البَأْسَ والظَّفَرا (٢)
ولما مات عمر لطَمتْ عليه امرأتُه عائشة بنت طلحة قائمة، وذلك أمارة أن لا تتزوّج بعده أبدًا (٣)، [وسنذكره في ترجمتها في سنة ثلاث وعشرين ومئة إن شاء الله].
ذكر أولاده:
[ذكرهم الموفق]؛ منهم طلحة، وكان من سادات قريش، تزوج فاطمة بنت القاسم ابن محمد بن جعفر، وكانت قبله عند حمزة بن عبد الله بن الزبير، فلما احتُضر حمزة قال لفاطمة: كأني بك قد تزوجت طلحة بن عمر، فحلفت له بعَتْقِ رقيقها، وصَدقةِ ما تملك إن تزوَّجته، فلما حلَّت للأزواج خطبها فأخبوته بيمينها، فأضعف لها ذلك، فبلغ عشرين ألف دينار، وأصدقها أربعين ألف دينار، وتزوَّجها، فأولدها إبراهيم ورَمْلة، فزوَّج طلحةُ رَمْلةَ من إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس بمئة ألف دينار، فقال إسماعيل بن يسار لطلحة: أنت أتجر الناس، فقال: والله ما عايَنْتُ تجارةً قط، قال: وأيُّ تجارة أربح من كونك تزوَّجتَ فاطمة بنت القاسم على أربعين ألف [دينار، فولدت لك إبراهيم ورَمْلة، فزوَّجتَ رملة على مئة ألف] دينار، فربحت إبراهيم وستين ألفًا.
وكان إبراهيم بن طلحة هذا من أشراف قريش وساداتهم، وكانت قريش كأنهم عبيد بالنسبة إليه، وكان إذا مشى في طريق أو رَكْبٍ لا يَبْتَدِره أحد من قريش إعظامًا له،
стр. 4275
وسقط سوطه يومًا من يده فابتدره ثلاثون من ولد طلحة بن عمر يأخذونه.
وكان لإبراهيم بن طلحة هذا ولد اسمه إسحاق بن إبراهيم، من سَرَوَات قريش، دعاه حسن بن زيد لما كان عاملًا على المدينة إلى القضاء فامتنع، فحبسه، فجاء بنو طلحة كلّهم فدخلوا معه السجن، وبلغ حسن بن زيد فأرسل إلى إسحاق وقال: إنك قد تلاجَجْتَ عليّ، وقد حلفتُ أن لا أُطلِقَك حتى تعمل، فبِرَّ يميني. وأرسل معه جُنْدًا إلى مجلس القضاء، فجلس فيه ساعة والجند على رأسه، وجاءه داود بن سَلْم فأنشده: [من الخفيف]
طلبوا الفقهَ والمروءةَ والفضـ … ـلَ وفيك اجتمعْنَ يا إسحاقُ
وقام من مجلسه فأعفاه حسن بن زيد، فأرسل إلى داود بخمسين دينارًا، وقال للرسول: قل له: ما الذي حملك على أن تَمدحني بما أكره (١)؟
وكان لطلحة بن عمر أولاد غير إبراهيم بن طلحة وهم: محمد، وعبد الرحمن، وعثمان، وجعفر بنو طلحة، وكانوا أشرافَ قريش وساداتهم وسَراتهم.
ولَّى المهديُّ قضاءَ المدينة لعثمان بن طلحة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا توَرُّعًا، واستعفى فأعفاه المهدي.
وأوصى جعفر بن طلحة إلى أخيه عثمان بن طلحة بابنه عبد العزيز بن جعفر، فزوّجه عثمان امرأةً من أهل المدينة، وأصدقها عمُّه عثمان صداقًا صالحًا، وماتت المرأة وتركت حُليًّا وفَرْشًا وأثاثًا له قَدْر، فجاء عبد العزيز إلى عمه عثمان بمفاتيح دارها، فقال: هذه المفاتيح، وقد أغلقتُ الباب على ما خَلَّفَتْ، فقال له عثمان: يا ابن أخي، ابعث بالمفاتيح إلى أهل المرأة، وأعرض عما تركتْ، فبعث عبد العزيز بالمفاتيح إلى أهل المرأة، ولم يأخذ من التّرِكة شيئًا.
وكان جعفر بن طلحة من الأجواد، استدان أخوه عثمان دَينًا يبلغ ألفي دينار، فعزم عثمان على الخروج إلى العراق؛ يتعرَّضُ للسلطان ليَقضيها عنه، وبلغ جعفرًا فقال: لا بارك الله في مالي بعد أخي عثمان، فدخل على نسائه، فجعل يأخذ الأَسْورَةَ من أيديهن، والخَلاخِل من أرجُلهنّ، والحلق من آذانهن، وباع أثاثهن، وقضى دَينه (٢).