ولد بعدما استشهد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
قال محمد بن قدامة (١): كان يقال: ما مات رجل نَبيهٌ قطّ فسُمِّي أولُ مولود باسمه إلا نَبَه.
ولما قتل عمر بن الخطاب وَلَدت زوجة عثمان بن عفان، فقال لها: سَمِّيه عمر، فقالت له: قد سبقتْك زوجةُ عُبيد الله بن مَعْمَر.
[وقال المدائني: وُلد سنة ثلاث وعشرين، مَقَتلَ عمر ﵁].
وكان عمر بن عبيد الله جوادًا شجاعًا مُمَدَّحًا، ولي البصرة لابن الزبير وفارس أيضًا، وكان يُقاوم قَطَرِيَّ بن الفُجاءة، وهو الذي ضرب جَبينه ففَلَقه، فلذلك قيل لقَطَري: المُفَلَّق، قال الشاعر: [من الطويل]
وشَدّوا وثاقي ثم أَلْجَوا خُصومتي … إلى قَطَرِيِّ ذي الجَبينِ المُفَلَّقِ (٢)
وشهد عمر مع عبد الرحمن بن سمرة فتح كابل شاه، وهو كان صاحب الثُّغْرَة، قاتل إلى الصباح.
ووَلّاه عبد الملك بن مروان قتال أبي فُدَيك الخارجيّ والبحرين، فامتنع، فقال له عبد الملك: أرأيتَ لو كان بين عينيَّ وَتِد أكنتَ تَنْزِعُه؟ قال: نعم، قال: فهذا أبو فُدَيك هو ذاك، فسار إليه في جماعةٍ من أهل الحِفاظ، والتقَوا بالبحرين، فانكشف أصحابُ عمر، فثبت عمر في خواصّ أصحابه، ودعا (٣) ابنَ الحُصين، ومجاهد بن بَلْعَاء (٤) وغيرهم، وقُتل أبو فُدَيك.
ولما سار إلى أبي فُدَيك التقاه العَجَّاج في طريقه، فمدحه بأرجوزة طويلة منها:
قد جَبَر الدِّين (٥) الإلهُ فجَبَرْ … وعَوَّرَ الرحمنُ مَن ولَّى العَوَرْ
стр. 4272
وحدثنا غير واحد عن شُهدة بنت أحمد، بإسنادها عن الرِّياشيّ -وذكر القاضي التنوخي الحكاية عن الرياشي- أن بعض أهل البصرة اشترى جارية (١)، فأحسن تأديبَها، وأحبَّها حبًّا شديدًا، وأنفق عليها ماله حتى أَمْلَق، فقالت له: قد أرى ما بك من سوء الحال، فلو بِعتَنْي فانتفعتَ بثمني، وصَلَح حالي أيضًا، فباعها من عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر بمئة ألف درهم، وعمر أمير البصوة يومئذ، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فبكت وقالت (٢): [من الطويل]
هنيئًا لك المال الذي قد أصبتَهُ … ولم يَبقَ في كفَّيَّ إلا تَفكُّري (٣)
أقول لنَفْسي وهي في غَشْيِ كُربَةٍ … أقلِّي فقد بان الخليطُ أوَ اكْثِري
إذا لم يكن في الأمر (٤) عندكِ حِيلةٌ … ولم تجدي بُدًّا من الصَّبر فاصبري
فأجابها مولاها وهو يبكي ولقول: [من الطويل]
ولولا قُعودُ الدَّهرِ بي عنكِ لم يكن … يُفَرِّقُنا شيءٌ سوى الموتِ فاعْذُري
أروحُ بحُزنٍ من فِراقِكِ مُوجِعٍ … أُناجي به قلبًا طويلَ التَّحَيُّرِ
عليكِ سلامٌ لا زيارةَ بيننًا … ولا وَصْلَ إلا أن يَشاءَ ابنُ مَعْمَرِ
وسمعهما ابنُ مَعْمر فقال: قد شئتُ، والله لا فَرَّقْتُ [بينهما أو] بين مُحِبَّين، خُذِ الجاريةَ والمال فهما لك، فأخذهما وانصرف.
[وقال الرياشي:] لقي زياد الأعجم [عمر بن] عبيد الله قبل أن يليَ البصرة، وكان صديقًا له، فقال له عمر: يا أبا أميّة، لو وَليتُ لم أَدَعْك تحتاج إلى أحد أبدًا، فلما ولي عمر البصرة جاءه زياد فقال (٥): [من الطويل]
أبلغْ أبا حَفْصٍ رسالةَ مُحْضرٍ … أتتْ من زيادٍ مُسْتَبينًا كَلامُها
فإنكَ مثل الشمسِ لا سِترَ دونها … وكيف أبا حَفصٍ عليَّ ظَلامُها
стр. 4273
فقال عمر: لا يكون عليك ظَلامُها أبدًا، فقال زياد:
وقد كنتُ أدعو اللهَ في السرِّ أن أرى … أُمورَ مَعَدٍّ في يدَيك نِظامُها
قال عمر: قد رأيتَ ذلك، فقال زياد:
فلما أتاني ما أردتُ تباشَرَت … بَناتي وقُلْنَ (١) العامَ لا شَكَّ عامُها
فقال عمر: هو عامُهنَّ إن شاء الله تعالى، فقال زياد:
وإني وأرض أنتَ فيها ابنَ مَعْمَرٍ … أُقيمُ بها لا يَطْرُقَنَّي حَمامُها (٢)
فقال ابنُ مَعْمَر: إن شاء الله، فقال زياد:
إذا اخترتُ أرضًا للمُقامِ رَضيتُها … لنفسيَ لم يَثقُلْ عليَّ مُقامُها
فقال عمر: وأنا كذلك، فقال زياد:
وكنتُ أُمَنِّي النفسَ فيك ابنَ مَعْمَرٍ … أمانيَّ أرجو أن يَتمَّ تَمامُها
فقال له عمر: قد تمَّتْ فسَلْ حاجَتَك، فقال زياد: نَجِيبةٌ وخادمُها، وفرس وسائسُه، وخادمة ودابّتها، وبَدْرَةٌ وحاملُها، وتَخْتُ ثياب ووَصيفٌ يحمله، فقال عمر: قد أمرنا لك بجميع ذلك، وهو لك علينا في كلِّ سنة.
ذكر وفاته:
[اتفقوا على أنه توفي بالشام، وإنما اختلفوا في أي مكان، فذكر البلاذري أنه] قَدِم على عبد الملك، فنزل مَرْج العَذْراء في سنة اثنتين وثمانين؛ والطاعون يغلي بالشام، فمات في المَرْج، وخرج عبد الملك من دمشق فصلّى عليه، ومشى إلى قبره، وجلس عليه، فقالت امرأة: واسيِّد العرب، فقال لها رجل: أتقولين هذا وأمير المؤمنين يستمع؟! فقال له عبد الملك: اسكتْ، فقد صدقت والله، ولما قام من عند قبره قال: السلام عليك أبا حفص، لقد كنتَ والله لا تَحسُد غنيَّنا، ولا تَحتَقِر فقيرنا، وقال: لقد علمتْ قريش أنها فقَدَتْ اليوم نابًا من أنيابها (٣).
стр. 4274
وقال شيخنا موفق الدين رحمة الله عليه: مات بضُمَير على خمسة عشر ميلًا من دمشق، وهو ابن ستين سنة، وسبب موته أن ابن أخيه عمر بن موسى خرج مع ابن الأشعث، فأخذه الحجاج، فبلغ عمر وهو بالمدينة، فخرج إلى عبد الملك بسببه، فلما بلغ ضمَير (١) وصله خبرٌ بأن الحجّاج ضرب عُنُقَ ابن أخيه، فمات كَمدًا، ورثاه الفرزدق فقال: [من البسيط]
يا أيُّها الناسُ لا تَبْكُوا على أحدٍ … بعد الذي بضُمَيرٍ وافقَ القَدَرا
كانت يداه لنا سَيفًا نَعوذُ به … على العدوِّ وغَيثًا يُنبتُ الشَّجَرا
أمَّا قريشٌ أبا حفص فقد رُزِئتْ … بالشّامِ إذ فارقَتْك البَأْسَ والظَّفَرا (٢)
ولما مات عمر لطَمتْ عليه امرأتُه عائشة بنت طلحة قائمة، وذلك أمارة أن لا تتزوّج بعده أبدًا (٣)، [وسنذكره في ترجمتها في سنة ثلاث وعشرين ومئة إن شاء الله].
ذكر أولاده:
[ذكرهم الموفق]؛ منهم طلحة، وكان من سادات قريش، تزوج فاطمة بنت القاسم ابن محمد بن جعفر، وكانت قبله عند حمزة بن عبد الله بن الزبير، فلما احتُضر حمزة قال لفاطمة: كأني بك قد تزوجت طلحة بن عمر، فحلفت له بعَتْقِ رقيقها، وصَدقةِ ما تملك إن تزوَّجته، فلما حلَّت للأزواج خطبها فأخبوته بيمينها، فأضعف لها ذلك، فبلغ عشرين ألف دينار، وأصدقها أربعين ألف دينار، وتزوَّجها، فأولدها إبراهيم ورَمْلة، فزوَّج طلحةُ رَمْلةَ من إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس بمئة ألف دينار، فقال إسماعيل بن يسار لطلحة: أنت أتجر الناس، فقال: والله ما عايَنْتُ تجارةً قط، قال: وأيُّ تجارة أربح من كونك تزوَّجتَ فاطمة بنت القاسم على أربعين ألف [دينار، فولدت لك إبراهيم ورَمْلة، فزوَّجتَ رملة على مئة ألف] دينار، فربحت إبراهيم وستين ألفًا.
وكان إبراهيم بن طلحة هذا من أشراف قريش وساداتهم، وكانت قريش كأنهم عبيد بالنسبة إليه، وكان إذا مشى في طريق أو رَكْبٍ لا يَبْتَدِره أحد من قريش إعظامًا له،
стр. 4275
وسقط سوطه يومًا من يده فابتدره ثلاثون من ولد طلحة بن عمر يأخذونه.
وكان لإبراهيم بن طلحة هذا ولد اسمه إسحاق بن إبراهيم، من سَرَوَات قريش، دعاه حسن بن زيد لما كان عاملًا على المدينة إلى القضاء فامتنع، فحبسه، فجاء بنو طلحة كلّهم فدخلوا معه السجن، وبلغ حسن بن زيد فأرسل إلى إسحاق وقال: إنك قد تلاجَجْتَ عليّ، وقد حلفتُ أن لا أُطلِقَك حتى تعمل، فبِرَّ يميني. وأرسل معه جُنْدًا إلى مجلس القضاء، فجلس فيه ساعة والجند على رأسه، وجاءه داود بن سَلْم فأنشده: [من الخفيف]
طلبوا الفقهَ والمروءةَ والفضـ … ـلَ وفيك اجتمعْنَ يا إسحاقُ
وقام من مجلسه فأعفاه حسن بن زيد، فأرسل إلى داود بخمسين دينارًا، وقال للرسول: قل له: ما الذي حملك على أن تَمدحني بما أكره (١)؟
وكان لطلحة بن عمر أولاد غير إبراهيم بن طلحة وهم: محمد، وعبد الرحمن، وعثمان، وجعفر بنو طلحة، وكانوا أشرافَ قريش وساداتهم وسَراتهم.
ولَّى المهديُّ قضاءَ المدينة لعثمان بن طلحة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا توَرُّعًا، واستعفى فأعفاه المهدي.
وأوصى جعفر بن طلحة إلى أخيه عثمان بن طلحة بابنه عبد العزيز بن جعفر، فزوّجه عثمان امرأةً من أهل المدينة، وأصدقها عمُّه عثمان صداقًا صالحًا، وماتت المرأة وتركت حُليًّا وفَرْشًا وأثاثًا له قَدْر، فجاء عبد العزيز إلى عمه عثمان بمفاتيح دارها، فقال: هذه المفاتيح، وقد أغلقتُ الباب على ما خَلَّفَتْ، فقال له عثمان: يا ابن أخي، ابعث بالمفاتيح إلى أهل المرأة، وأعرض عما تركتْ، فبعث عبد العزيز بالمفاتيح إلى أهل المرأة، ولم يأخذ من التّرِكة شيئًا.
وكان جعفر بن طلحة من الأجواد، استدان أخوه عثمان دَينًا يبلغ ألفي دينار، فعزم عثمان على الخروج إلى العراق؛ يتعرَّضُ للسلطان ليَقضيها عنه، وبلغ جعفرًا فقال: لا بارك الله في مالي بعد أخي عثمان، فدخل على نسائه، فجعل يأخذ الأَسْورَةَ من أيديهن، والخَلاخِل من أرجُلهنّ، والحلق من آذانهن، وباع أثاثهن، وقضى دَينه (٢).
стр. 4276
ذكر إخوة عمر:
كان له إخوة، منهم: عثمان، ومعاذ، وموسى بنو عبيد الله بن مَعْمَر.
فأما عثمان فخرج إلى الأزارقة، فلما رآهم استقلَّهم وقال: ما هم إلا هؤلاء؟! فقيل له: حسبك بهؤلاء شرًّا، فقال: أبيتُم يا أهل العراق إلا جُبنًا، والله لا أصلّي الظهر حتى أَفرغ منهم، ثم حمل عليهم بعسكره فقتلوه.
وأما معاذ بن عبيد الله فكان من وجوه قريش، وابنُه محمد بن معاذ هو القائل فيمن أُصيب بقُدَيد، وهم الذين قتلهم أبو حَمزة الخارجيّ: [من الخفيف]
بعد رُزْءٍ أُصِبتُه بقُدَيدٍ … هَدَّ رُكني وهاضَ منّي جَناحي
لخِيار الجميعِ قومي بني عُثْـ … ـمانَ كانوا ذَخيرتي وسِلاحي
فهمُ بعد سُؤددٍ وبَيانٍ … وفعالٍ عند النَّدى وارْتياحِ
أَقْبُرٌ بالمَحلِّ تَسفي عليها … بدُقاقِ التُّرابِ هُوجُ الرِّياحِ
من أبيات (١).
وأما موسى بن عبيد الله فكان من وجوه قريش، وذكر الطَّبريُّ أن يزيد بن المهلب لما هزم عبد الرحمن بن العباس الهاشمي؛ بعث بموسى إلى الحجاج في جُملة الأَسرى، فقتله وقتل عُمر بن موسى (٢).
وابن ابنه عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله كان على قضاء المدينة زمن محمد بن مروان، ثم ولّاه إيّاه المنصور.
وكان ابنه عمر بن عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله من وجوه قريش، ولاه هارون الرشيد البصرةَ على القضاء، فكان يتواضع، فقيل له في ذلك، فقال: أنتم إذا وَليتم القضاء تركتموه ها هنا، وأشار إلى رأسه، ونحن إذا وَليناه تركناه هاهنا، وأشار إلى قدميه.
стр. 4277
وخرج حاجًّا، ولم يرجع إلى البصرة خوفًا من القضاء، وأقام بالمدينة، فأعفاه هارون، فأقام بالمدينة حتى توفي بها.
وخاصمه بعض القُرشيِّين، وتَسرَّع إليه القُرَشيّ، فقال له عمر: على رِسْلك، فإنك سريع الإنفاذ، وَشيكُ الصّرمة، وإني والله ما أنا بمُكافيك دون أن أبلُغَ غاية التِّعدّي، وأبلُغَ غاية الإعذار (١).
المغيرة بن المُهَلَّب
ابن أبي صُفْرة: ظالم بن سَرَّاق، وكنيته أبو خِداش، كان خليفةَ أبيه على مَرْو، فمات في رجب، وأبوه قد قطع النهر غازيًا، وكان المغيرة جوادًا شجاعًا سيِّدًا، ووصل الخبر إلى أبيه فاسترجع، وبكى وحزن عليه حزنًا أثَّر فيه، وبعث ابنَه يزيد بن المهلّب إلى مرو، وبلغ الحجاج فكتب إلى المهلب يُعَزّيه، وكان المهلّب على مدينة كِيش وراء النهر يحارب أهلَها.
وسار يزيد إلى مرو في ستين راكبًا، فلقيهم خمس مئة من الترك في مَفازة نَسَف، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجار. قالوا: فأين أمتعتُكم؟ قالوا: قدَّمْناها، فطلبوا منهم شيئًا، فأبى يزيد أن يُعطيهم، وأعطاهم مُجَّاعة بن عبد الرحمن العَتَكي ثيابَ كَرابيس وقوسًا، وقيل: أعطاهم عِمامةً صفراء وانصرفوا، ثم غدروا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنتُ أعلمُ بهم، فقاتلوهم فهزمهم يزيد، وكان يزيد قد رُمي في ساقه، فقال له مُجَّاعة: ناشدتُك الله فقد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على قلب أبيك بسببه، فاللهَ اللهَ في نفسك أن تُصاب اليوم، فقال: إنما هلك المُغيرة بأجَلِه، ولن أَعْدُوَ أجَلي، فمازال مُجَّاعةُ به حتى صَرفه عن قتال التُّرك، وافترقوا، وفيه يقول الشاعر (٢): [من البسيط]
والتُّرْكُ تَعلمُ إذ لاقى جُموعَهمُ … أَنْ قد لَقَوهُ شِهابًا يَفرِجُ الظُّلَما
بفِتيةٍ كأُسودِ الغابِ لم يَجدوا … غيرَ التَّأسِّي وغيرَ الصَّبْرِ مُعْتَصَما (٣)
стр. 4278
وقد رثى زياد الأَعْجم المغيرة فقال: [من الكامل]
قُلْ للقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا … والباكِرِينَ وللمُجِدِّ الرَّائحِ
إن السمَّاحةَ والمروءةَ ضُمِّنا … قَبْرًا بمَرْوَ على طريقِ الواضحِ
مات المغيرةُ بعد طُولِ تَعَرُّضٍ … للموت بين أسِنَّةٍ وصَفائحِ
فإذا مَرَرْتَ بقَبره فاعقِرْ به … كُومَ الهِجانِ وكلَّ طِرْفٍ (١) سابحِ
وانضَحْ جوانبَ قبرِه بدمائها … فلقد يكونُ أخا دَمٍ وذَبائحِ
فقال يزيد بن المُهَلّب، وقيل: قَبيصة بن المُهَلَّب: هل عَقَرْتَ؟ قال: لا. قال: ما منعك؟ قال: كنتُ على همة (٢) الهمارة، يريد الحمارة، وكان يَرتاد لُكْنَةً، فقال: أما والله لو عَقَرتَ، ما أصبح في آل المهلَّب صاهِلٌ إلا على مِزْوَدِك.
وقال ثعلب: أُنشِدْتُ لبعض المحدثين في معنى ما قال زياد الأعجم: [من الخفيف]
أيُّها النَّاعِيان مَن تَنْعَيان … وعلى مَن أراكما تَبكيانِ
اندُبا الماجدَ الكريمَ أبا إسـ … ـحاقَ ربَّ المعروفِ والإحسانِ
واذهبا بي إن لم يكن لكما عَقْـ … ـرٌ إلى قُربِ قَبرِه فاعقِراني
وانْضَحا من دَمي عليه فقد كا … نَ دَمي من نَداه لو تَعلمانِ (٣)
وهو زياد بن سليمان، كان ينزل اِصْطَخْر، غلبت الأعجميَّةُ على لسانه فقيل: الأعجم.
وقيل: مَولدُه ومَنشؤه بخُراسان، وقيل: بأصبهان، ثم انتقل إلى خُراسان ومات بها، وكان شاعرًا مُفْلِقًا، وديوانُه مشهور (٤).
وكان المهلب لما بلغه وفاةُ ابنه المغيرة بعث يزيد إلى مرو، وصالح أهلَ كِيش، وأخذ منهم رُهونًا ليُؤَدُّوا إليه الفِدْيَة، وسار عن كِيش، واستخلف مع الرُّهون حُرَيثَ بنَ قُطْبَة مولى خُزاعة، وقال: إذا استوفيتَ الفِديةَ فسَلِّم إليهم الرُّهون والحَقْني.
стр. 4279
وسار فقطع النَّهر، ونزل بَلْخ فأقام بها، وكتب [إلى] حُرَيث: لستُ آمنهم عليك إن رَدَدْتُ عليهم الرُّهون من الغارة، فإذا قَبضتَ الفِديةَ فلا تُسلم إليهم الرُّهون حتى تَقدم أرض بَلْخ، فأرسل حُرَيث إلى ملك كِيش يخبره أنه سائر بالرُّهون إلى بَلْخ، فإن عجَّلتَ ما عليك دفعتُ لك الرهون. فعجَّل ما صالح عليه، وردَّ عليهم الرهون، وسار يطلب النَّهر، فعَرض له الترك وقالوا: افْدِ نفسَك ومَن معك، فقد لَقينا يزيد بنَ المهلَّب ففدى نفسَه، فقال حُرَيث: ولَدَتْني إذًا أمُّ يزيد، ثم قاتلهم فقتلهم، وأسر منهم جماعة ففَدَوْهُم، فمنَّ عليهم، وردَّ عليهم الفِداء، وبلغ المهلَّبَ قولُه: وَلَدَتْني أمُّ يزيد إذًا، فعزَّ عليه، وقال: يَأنَفُ العبدُ أن تَلِدَه رَحِمُه! وغضب.
فلما قدم حُرَيْث على المهلَّب قال له: أين الرُّهُن؟ قال: قبضتُ ما عليهم وخلَّيتُهم، قال: ألم أكتب إليك لا تُخَلّيهم؟ قال: جاءني كتابُك وقد خلَّيتُهم، وكُفيتُ ما خِفتُ منهم، قال: كذبتَ، ولكنك تقرَّبتَ إلى مَلِكهم، وأطلعتَه على كتابي.
ثم أمر بتَجريده فجُرِّد، وكان يَظُنُّ أن به بَرَصًا (١)، فضربه ثلاثين سَوطًا، فكان حُريث يقول: وَدِدتُ أنه ضَربني ثلاثَ مئةٍ سَوْطٍ ولا جَرَّدَني، واستحيى من التَّجريد، وحلف ليَقْتُلَنَّ المهلَّب، وأمر غُلامَين بقتله، وركب يومًا وراء المهلَّب، وأشار إلى الغُلامَين أن يَقتُلاه، فأبى أحدهما وتركه وانصرف، وبقي الآخر وحدَه، فلم يُقدم على المهلّب، فلما نزل حُريث قال لهما: ما منعكما من قتله؟ قالا: خفنا والله عليك لا على أنفسنا، لعلمنا أنك ستُقْتَل.
وترك حُريث إتيانَ المهلَّب وتمارض، وعلم المهلَّب بما عَزم عليه من الفَتْك به، فقال لأخيه ثابت بن قُطْبَة: أحضِر أخاك، فإنما هو عندي كبعض وَلَدي حتى أُؤدِّبَه، فأتى ثابت أخاه، فناشده الله أن يَركبَ إلى المهلب، فأبى وخافه على نفسه، فقال ثابت: فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فخرجا إليه.
وتوفي المهلب في سنة اثنتين -وقيل في سنة ثلاث- وثمانين، فنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
стр. 4280
السنة الثالثة والثمانون
فيها كانت وَقْعةُ دَير الجَماجم، كان جَبَلَة بن زَحْر وكُمَيل بن زياد على القُرَّاء، وكان الكُمَيْل له صَولةٌ في الحرب، وخرج ابن الأشعث وقد عَبَّى أصحابَه سبعَ صفوف بعضها في إثر بعض، وبعث الحجاج إلى كَتيبة ابنِ زَحْر ثلاث كتائب، عليها الجَرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ.
ونادى عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه: يا معاشر القُرَّاء، إن الفِرارَ ليس بأحد من الناس أقبح به منكم، قاتلوا هؤلاء المُحِلِّين الظالمين المبتَدِعين.
ونادى أبو البَخْتَري: أيها الناس، قاتلوا عن دينكم ودنياكم، فوالله لئن غَلبوا عليكم ليُفْسِدُنَّ عليكم دينكم، وليَغْلِبُنَّ على دُنياكم.
ونادى الشعبي: يا أهل الإسلام (١): قاتلوا أهلَ العُدوان، ولا تأخُذْكم فيهم لَومةُ لائم، فوالله ما أعلم على بَسيط الأرض قومًا أعمَلَ بظُلمٍ ولا جَورٍ منهم.
ونادى سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثَّموا في قتالهم على جَورهم في الأحكام، وتجَبّرِهم في الدين، واستِذلالهم الضُّعفاء، وإماتتهم الصلاة، وإحيائهم البدع.
واشتدّ القتال، فحمل جَبَلَةُ بن زَحْر عليهم، وغاص فيهم فقتلوه، ولما رآه الوليد بن نجيب (٢) الكلبي -وكان رجلًا جَسيمًا، وجَبَلَةُ رَبْعة- فالتقاه، فضربه الوليد على رأسه، فوقع (٣)، وقيل: قتله الحارث بن جَعْوَنة (٤)، وقيل: لم يُعرف قاتُله، وحُزَّ رأسُه، وحُمل إلى الحجاج، فحمله على رمحين وقال:
يا أهل الشام، أبشِروا، فهذا أوَّلُ الفتح، والله ما كانت فتنةٌ قط فخَبَتْ حتى يُقتَل فيها عظيمٌ من عُظماء أهل اليمن، وهذا من عظمائهم، فسُقط في يد أصحاب جبل،
стр. 4281
وفشل القُرّاء، ووَهَنوا وضعفوا، فصاح بهم أبو البَخْتَريّ الطائي: ويحكم، لا يُؤثّر فيكم قتلُ جبلة، إنما هو كرجلٍ منكم، أتته مَنيَّتُه لوَقْتها.
وفرح أهل الشام وقالوا: قد هلك طاغيتُهم، وقَدِم في تلك الحال بِسطام بنُ مَصْقَلَة بن هُبَيرة الشَّيباني، فشَجَّع الناسَ قدومُه وقالوا: هذا عِوَضُ جَبَلَة.
وكان مَقدَمُ بِسطام من الرّيّ، والتقاه قُتَيبةُ بن مُسلم في الطريق، فدعاه إلى الحجاج، ودعاه بِسطام إلى ابن الأشعث، فلم يُجِب كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه.
وجاء بِسطام إلى ابن الأشعث، فأمَّره على خيل ربيعة، ثم اقتتلوا أيامًا في هذه السنة مُبارزةً وغيرها، وربما عفا بعضُهم عمَّن يَعرفه ولم يقتُلْه.
وأمر ابنُ الأشعث الكُمَيلَ بن زياد أن يَصعد المِنبر، ويحرِّضَ الناس على قتال الحجاج، ويَذكر مَساوئه، فخطب فقال: أيها الناس: إنكم قد غُلبتم على فيئكم وبلادكم، وحكم فيكم أهل الشام، وإنه والله لا يَنفي عنكم الظُّلمَ والعُدوان إلا التَّناصُحُ واجتماعُ الكلمة، والصَّبرُ على الضَّربِ بالسيف والطَّعنِ بالرُّمحْ، يا أهل العراق إنكم قد مُنيتُم (١) بشَرِّ أهل بيتين في العرب آل الحكم بن [أبي] العاص بن أمية، وآل أبي رِغال من ثَقيف، فتناصَحوا وتواسَوْا بالنفوس والأموال.
ونادى عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢): أيُّها الناس، إني سمعتُ أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب -رفع الله درجتَه إلى عِلَّيين، وأثابه جَزاء الشُّهداء والصِّدِّيقين- يقول ونحن بصفِّين نُحارب أهلَ الشام: قال رسول الله (٣): "مَن رأى مُنكرًا فأنكره بقلبه فقد سَلِم، ومَن أنكره بلسانه فقد أُجِر، وهو أفضلُ ممَّن أنكره بقلبه، ومَن أنكره بالسَّيف لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، وكلمةُ الظالمين هي السُّفلى؛ فذلك الذي نَوَّر الله قلبَه، وسلك به مَسْلَك اليقين والهُدى".
ثم حرَّض الناس على القتال، وما زال القتال يَعمل بينهم [إلى] اليوم الذي انهزم فيه ابن الأشعث.
стр. 4282
قال هشام: نزل ابن الأشعث بدير الجَماجم يوم الثلاثاء لليلةٍ مضت من شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وثمانين، وهُزم يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة.
وقال الهيثم: نزلوا بدير الجماجم في سنة اثنتين وثمانين، وافترقوا عنه في سنة ثلاث وثمانين، وهو الأصح.
وقيل: أقاموا بدير الجماجم مئةَ يوم، كان بينهم فيه ثمانون وَقْعة.
وقيل: أقاموا به أربعة أشهر.
ولما كان في آخر الوقائع ظهر ابن الأشعث وكاد الحجاج أن ينهزم، وكان سُفيان بن الأَبْرد الكَلْبي على الخيل في ميمنة الحجاج، والأَبْرَد بن قُرَّة التميميّ على ميسرة بن الأشعث، فقاتله ساعة، فانهزم الأبرد وكان شجاعًا، وليس من عادته الهزيمة، وإنما نافق على ابن الأشعث، وأصلح حاله مع الحجاج.
ولما انهزم الأبرد انتقضت صفوف ابن الأشعث، وركب الناس بعضهم بعضًا، فصعد ابن الأشعث المنبر وجعل يصيح: إليَّ إلي يا عباد الله، أنا ابن محمد، فأتاه عبد الله بن رِزام الحارثي، فوقف عند المنبر، وجاءه عبد الله بن ذُؤاب السُّلَمي في أصحابه، فوقف قريبًا منه، وجاء أهل الشام فدخلوا العسكر وكبَّروا، فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغَفَّل الأزديّ -وكانت مُليكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن- فقال له: انزل فإني أخاف عليك القتلَ أو الأسْرَ، فنزل وخلَّى العسكر بما فيه، وانهزم أهل العراق لا يَلْوُون على شيء.
وجاء ابن الأشعث مع ابن جَعْدة بن هُبَيرة في ناس من أهله، فعبروا الفرات من عند الفَلُّوجة، وهي قرية بني جَعْدَة، وجاء بِسطام بن مَصْقَلَة فقال: هل في السفينة عبد الرحمن بن محمد؟ فلم يكلّموه، فقال: [من المتقارب]
ضَرَّمَ قيس عليَّ البلا … دَ حتى إذا اضْطَرَمَتْ أجْذَمَا
وقال الحجاج: اتركوهم فليَتَبَدَّدوا ولا تتبعوهم، ونادى منادي الحجاج: مَن رجع فهو آمن.
стр. 4283
ورجع محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وخلَّيا العراق للحجاج.
وجاء الحجاج حتى دخل الكوفة، وجاء الناس يبايعونه، فكان يقول للذي يبايعه: اشهَدْ على نفسك بالكفر، فإن شهد وإلا قتله، فأتاه رجل من خَثْعَم كان قد اعتزل الناس من وراء الفرات، فقال: اشهد على نفسك بالكفر، فقال: ما زلتُ معتزلًا للناس من وراء هذه النُّطْفَة، منتظرًا ما يكون، حتى ظهرتَ فأتيتُك، فقال: اشهْد على نفسك بالكفر، فقال: إن كنتُ عبدتُ ربّي ثمانينَ سنة، ثم أشهد على نفسي بالكفر؛ لبئس العبدُ أنا، والله ما بقي من عُمري إلا ظِمْءُ حِمار، وإنني أنتظر الموتَ صباحًا ومساء، فأمر به فضرب عنقه (١).
وأُتي بآخر بعده فقال الحجاج: ما أظنُّه يَشهد على نفسه بالكفر، فقال: يا حجَّاج، أخادعي أنت عن نفسي، أنا أعرف بها منك، بلى، أنا أكفَرُ من فرعون وهامان، فضحك الحجاج وخلَّى سبيله، وأقام الحجاج بالكوفة.
وفيها كانت الوقعة بمَسْكِن بين الحجاج وابن الأشعث بعد الجماجم.
خرج عبد الرحمن بن الأشعث حتى قدم البصرة، واجتمع إليه فَلُّ أهل الكوفة والبصرة والأمصار، وتلاوموا على الِفرار، وبايع أكثرهم على الموت، وجاء الحجاج بجيوشه، ونزل ابن الأشعث بمَسْكِن على دُجَيل الأهواز، وخَنْدَق عليه، وبَثَق الماء من جوانبه، فلم يجعل القتال إلا من مكان واحد، فاقتتلوا خمسَ عشرة ليلة من شعبان أشدَّ القتال.
وكان على مَسالح الحجَّاج زياد بن غُنَيم القمي (٢)، وكان شجاعًا، فقُتل، فهدَّ قتلَه الحجّاج، وأصبح الحجاج ذات ليلةٍ وقتَ السحر، فقاتلهم فظَهر عليهم، وقُتل أبو البَخْتَريّ الطّائي وابن أبي ليلى وقالا [قبل أن يُقتلا]: إن الفِرار (٣) بنا كلَّ ساعةٍ لَقَبيح.
وانهزم أصحابُ ابنِ الأشعث، فلما رأى ذلك بِسطام بن مَصْقَلَة الشَّيبانيّ؛ بايع على الموت أربعةَ آلاف من أهل الحِفاظ من أهل المِصْرَين، وكَسروا جُفونَ سيوفهم، وقال
стр. 4284
لهم بسطام: لو كنا إذا فَررنا بأنفُسنا من الموت نَجونا منه لفررنا، ولكنا قد علمنا أنه نازِلٌ بنا عن قليل، فأين المَحِيد عما لا بدَّ لنا منه، والله إنكم على الحق، ولو لم تكونوا عليه لكان موتٌ في عز (١)؛ خير من حياة في ذل، فحملوا فكشفوا أهلَ الشام مِرارًا، فقال الحجاج: عليَّ بالرُّماة، فجاؤوا فرشقوهم مِرارًا حتى قتلوا أكثرهم.
وأما ابن الأشعث فإنه مضى ومَن معه إلى سجستان، فأتبعهم الحجاج عُمارةَ بنَ تميم اللَّخمي، ومعه ابنه محمد بن الحجاج، وعُمارة هو الأمير على الجيش، فأدركوا ابنَ الأشعث بالسُّوس فقاتلوه، ثم انهزم فأتى سابور، واجتمع إليه الأكراد والفُلول، وقاتلهم عُمارة قِتالًا عظيمًا وجُرح جراحات كثيرة، ثم انهزم عمارة وأصحابه، وأتى ابن الأشعث كَرْمان، وعامِلُه بها عَمرو بن لَقيط العَبْديّ، فأكرمه، وأقام له الضيافة، ثم سار في مَفازة كَرمان فإذا بقَصرٍ في المَفازة، فدخله بعضُ أصحابه، وإذا على حائطه مكتوب: [من الوافر]
أيا لَهفا ويا حزنا جميعًا … ويا حَرَّ الفؤادِ بما لَقِينا
تركْنا الدّينَ والدُّنيا جميعًا … وأسْلَمْنا الحَلائلَ والبَنِينا
فما كُنَّا أُناسًا أهلَ دينٍ … فنَصبِرَ في البلاء إذا ابتُلِينا
وما كنَّا أُناسًا أهلَ دُنيا … فتَمنَعَنَا (٢) ولو لم نَرْجُ دِينا
تَرَكْنا دُورَنا لطَغامِ عَكٍّ … وأنباطِ القُرى والأَشْعَرِينا
والشعر لأبي جِلْدَةَ (٣) اليَشْكُريّ من أبيات كتبها بعض أهل الكوفة.
ثم سار ابن الأشعث حتى أتى زَرَنْج مدينة سِجستان، وبها عاملُ ابن الأشعث عبد الله بن عامر من بني مُجاشع، فعصى عليه وأغلق الأبوابَ دونَه، فأقام أيامًا رَجاء فتحها فلم تُفتح له، فسار إلى بُسْت، وعليها عاملُه عِياض بن هبان (٤) السَّدُوسيّ -وقيل: من بكر بن وائل- فاستقبله وأنزله، وانتظر غَفْلَةَ أصحاب ابن الأشعث عنه وتَفَرُّقَهم، ثم وَثَب عليه فأوثقه؛ ليتَّخذَ به عند الحجاج يدًا، وأغلق باب البلد.
стр. 4285
وكان رُتبيل لما بلغه مَقدَم ابن الأشعث خرج بجنوده ليستقبله، فأُخبر بخبره، فجاء فأحاط ببُسْت، وأرسل إلى العامل: والله لئن آذيتَه بما يُقْذي عينَه؛ لا أبرحُ حتى آخُذَ البلد، وأقتُلَك وجميعَ من معك، وأَسبي ذَراريكم، وأقسم أموالكم، فأرسل إليه العامل يَطلب أمانًا على نفسه وماله وأهل البلد، فأعطاهم وأطلق ابن الأشعث، فجاء إلى رُتبيل، فخرج فالتقاه، وأكرمه، وأحسن إليه، وسار معه إلى بلاده، فأنزله وعظَّمه، ودفع إليه الأموال والخيلَ والعبيد.
وأقبل فَلُّ ابنِ الأشعث وكانوا ستين ألفًا، فنزلوا على عبد الله بن عامر بزَرَنْج وحصروه، وكتبوا إلى ابن الأشعث: أقبلْ إلينا فنحن في ستين ألفًا، وفيهم وجوه الأشراف ممَّن لم يُعطهم الحجاجُ الأمان، فأَخبر رُتبيل فقال: أقم عندي، فأهلُ العراق غُدُر، وقد خانوك، فلم يلتفت، فسار إليهم، فحصَروا عبد الله بن عامر حتى أنزلوه، وضَربوه وعَذَّبوه، وأقبل نحوهم عُمارة بن تميم في جيش أهل الشام، فقالوا لابن الأشعث: اخرُجْ بنا عن سجستان فلنَدَعْها لعُمارة، ونأتي (١) خراسان، فقال لهم: عليها يزيد بن المُهَلَّب، وهو شابٌ شُجاع صارم، وليس بتارك لكم سُلطانَه، ولن يَدَعَ أهلُ الشام اتِّباعكم، فأكره أن يَجتمع علينا أهلُ خراسان وأهلُ الشام، فقالوا: أهلُ خراسان منا، وهي أرض عَريضة طويلة، نسير فيها حيث شئنا؛ إلى أن يُهلك الله الحجاج أو عبد الملك، فقال لهم: فسيروا على خِيرة الله.
فساروا حتى بلغوا هَراة، وخرج عُبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ القُرشيّ في ألفين، ففارق ابنَ الأشعث، وسلك غير [طريقهم] ليلًا، فلما أصبح ابن الأشعث قام فيهم خطيبًا فقال:
أما بعد، فقد جَرَّبْتُكم في مواطنَ ليس فيها مَوطنٌ إلا وأصبِر لكم فيه حتى لا يبقى فيه منكم أحد، فلما رأيتُ أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون؛ أتيتُ مَلْجأ ومَأمَنًا يُغني عند رُتْبيل، فكنتُ فيه، فجاءتني كُتبُكم أن أقبِل إلينا فقد اجتمعنا وأمرُنا واحد، ثم تتفرَّقون
стр. 4286
عليّ! اصنعوا ما بدا لكم، فإني مُنصَرِفٌ إلى صاحبي الذي أتيتُ من عنده، فمَن أحبَّ أن يَتبعني، ومن أحبَّ فلْيَذْهب حيث شاء.
وسار إلى رُتْبيل، وسارت معه طائفة، وبقي مُعظم العسكر، فبايعوا عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ومضى ابن الأشعث إلى رُتْبيل، ومضوا هم إلى خراسان، حتى انتهوا إلى هراة وبها الرّقَّاد الأزديّ (١)، فقتلوه وأقاموا. وهذه رواية (٢) الكلبي.
وأما المدائني فحكى أن ابن الأشعث لما هُزم من مَسْكِن مضى إلى كابُل، وأن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة أتى هَراة، فذمَّ ابن الأشعث، وعاب عليه فِراره، وأن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة أتى سِجستان، فانضمَّ إليه فَلُّ ابنِ الأشعث، فسار في عشرين ألفًا إلى هَراة، وبها الرّقَّاد بن عُبيد العَتَكيّ فقتلوه، وكان مع عبد الرحمن بن العباس من عبد القيس: عبد الله بن المنذر بن الجارود (٣)، فأرسل إليه يزيدُ بن المهلَّب:
قد كان لك في البلاد متَّسَعٌ، فارتحِلْ إلى مكان ليس فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أحببتَ أن أُمدَّك بمالٍ لسَفَرِك أمدَدْتُك.
فأرسل إلى يزيد بن المهلب: ما نزلنا هذه البلاد لمحاربةٍ ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نَستريح ثم نَرحل، وليس لنا إلى ما عرضتَ علينا حاجة.
وانصرف رسول يزيد، وأقبل الهاشمي على جباية الخَراج، وبلغ يزيد فقال: من يريد أن يستريح ثم يرحل يجبي الخراج؟!
فجهز المفضَّلَ أخاه في أربعة آلاف، ويقال: في ستة آلاف، وسار هو في أربعة آلاف، ووزن نفسَه وعليه سلاحُه فكان أربع مئة رطل، فقال: ما أراني إلا قد ثَقُلتُ عن الحرب، فأيُّ فرسٍ يُقِلُّني؟! ثم دعا بفرسه الكامل فركبه، واستخلف على مرو خاله
стр. 4287
جُدَيْع بن يزيد، ومرَّ على مَرْو الرُّوذ، فنزل عند قبر أبيه، فأقام ثلاثًا، ثم سار إلى هَراة، وأرسل إلى عبد الرحمن بن العباس يقول: قد جَبَيتَ وأخذتَ وأرحْتَ واسترحتَ، وإن أردتَ زيادةً زِدناك، فاخرج فوالله ما أحبّ قتالكَ.
ودسَّ عبد الرحمن إلى جيش يزيد يدعوهم إلى نفسه، فأخبروه، فقال يزيد: جلّ الأمر عن العتاب (١)، أتغدَّى به قبل أن يتعَشَّى بي، وسار إليه، وتقاتل العسكران، ووُضع ليزيد كرسي، وتولّى الحربَ أخوه المفضَّل بن المهلَّب، واقتتلوا، وصبر عبد الرحمن ساعة ثم انكشفوا، فقال يزيد: لا تَتبعوهم، وأخذ ما كان في عسكرهم، وأَسَروا منهم أُسارى.
وأمر يزيد عطاءَ بنَ أبي السَّائب بأن يتولّى أمرَ العسكر وإحصاءَ ما فيه، وكان في الأسرى: محمد بن سعد بن أبي وقاص، وموسى بن عُبيد الله بن مَعْمر التَّيمي، وعيَّاش بن الأسود بن عَوف الزُّهوي، والهِلْقام بن نُعيم، وعبد الله بن فضالة الزهراني، والقعقاع بن مَعْبَد بن زُرارة (٢)، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خَلَف، في آخرين. فسأله محمد بن سعد وقال: يا يزيد، أسألك بدعوة أبي لأبيك، فأطلقه، والأصح أن الحجاج قتله، وأطلق عبد الرحمن بن طلحة وعبد الله بن فضالة، وبعث بالباقين مع سَمُرة بن مِخْنَف بن المهلَّب (٣) إلى الحجاج، ثم عاد يزيد إلى مَرْو، ومضى عبد الرحمن بن العباس إلى السِّند.
وقال مَعْمَر (٤): إن يزيد لما أراد أن يَبعث الأسرى إلى الحجاج قال له أخوه حَبيب: بأيِّ وجه تَنظر إلى اليَمانية وقد بعثتَ ابنَ طلحة؟! فقال يزيد: هو الحجاج! فقال: وَطِّن
стр. 4288
نفسَك على العَزْل ولا تَبعث به، فإن له عندنا يَدًا، قال: وما يَدُه؟ قال: لَزم المهلَّبَ مئتا ألفِ دينار، فأداها طلحة عنه، فأرسله يزيد. وفيه يقول الفرزدق: [من الكامل]
وجدَ ابنُ طلحةَ يومَ لاقى قومَه … قَحطانَ يوم هَراةَ نِعمَ المَعْشَر (١)
وبلغ الحجاج ذلك، فحقد على يزيد وعزله بعد ذلك.
قال هشام: ولما قُدم بالأسرى على الحجاج قال له موسى بن عبيد الله بن معمر (٢): أصلح الله الأمير، كانت فتنةً شَمِلت البرَّ والفاجر، فدخلنا فيها، وقد أمكنك الله منا، فإن عفوتَ فبحلمِك وفَضلِك، وإن عاقبتَ عاقبتَ ظَلَمةً مُذنِبين، فقال الحجَّاج: أما قولُك: شَمِلت البرَّ والفاجر فكذبتَ، ولكنها شَمِلت الفُجَّار وعُوفي منها الأبرار، وأما اعترافُك بذَنْبِك فعسى أن يَنفعك، فرجا الناسُ له العافية.
وقُدِّم إليه الهِلْقَام بن نعيم، فقال له الحجَّاج: أخبرني، ما رَجوتَ من اتِّباعك ابنَ الأشعث، أرجوتَ أن يكون خليفة؟ قال. نعم، وطمعتُ أن يُنْزِلَني منزلتَك من عبد الملك، فغضب الحجاج وقال: اضربوا عُنقه فقُتل، ونظر إلى موسى فقال: اضربوا عُنقه. فقُتل، وقَتلَ بقيَّتَهم.
ذكر حضور الشَّعبي عند الحجّاج:
قال المدائني: ونادى الحجَّاج بعد يوم الجَماجم: مَن لَحق بقُتيبةَ بنِ مُسلم بالرّيّ فهو آمن، فلحق به ناسٌ كثير منهم عامر الشَّعبي، فذكره الحجاج يومًا وقال: أين هو؟ قالوا: عند قُتيبة، فقال لكاتبه يزيد بن أبي مُسلم: اكتب إلى قُتيبة يُسَرِّح إلينا (٣) عامرًا، فكتب إليه، قال الشعبي: وكنتُ صديقًا لابن أبي مسلم، فلما قدم بي على الحجاج لقيتُ ابن أبي مُسلم فقلت: أشرْ عليَّ، فقال: والله لا أدري بمَ أُشير عليك به، غير أنك اعتذِرْ ما استطعتَ، وأشار علي، أصحابي وإخواني بذلك، قال: فلما دخلتُ سلمتُ عليه وقلت: أيها الأمير، إن الناسَ أمروني أن أعتذرَ إليك بغير ما تَعلَمُ مني، وإن الله غيَّرَ ما عزمتُ
стр. 4289
عليه، والله لا أقول في هذا المقام إلا حقًّا، والله لقد حرَّضنا وجَهِدنا عليك كلَّ الجهد، فما ألَوْنا، وما كنَّا بالأقوياء الفَجَرَة، ولا الأتقياء البَرَرَة، ولقد نَصرك الله علينا وظَفَّرك بنا، فإن سَطَوتَ فبذنوبنا، وما جَرَّت إليه أيدينا، وإن عَفوتَ فبحلمك، وبعد الحجَّة لك علينا، فقال له الحجاج: أنت والله أحبُّ قولًا إلينا ممَّن يَدخُلُ علينا يَقطُر سيفُه من دمائنا، ثم يقول: ما فعلتُ ولا شَهِدتُ، انصرف فقد أَمِنت.
فلما مشيتُ قليلًا قال: هلمَّ يا شعبيّ، فوَجِل قلبي، ثم ذكرتُ أمانَه فاطمأنَّتْ نفسي، فقال: كيف وَجَدَت الناسَ بعدنا؟ فقلت: أصلَح الله الأمير، اكتحلتُ والله بعدك (١) السَّهَر، واستوعَرْتُ الجَنَاب، واستحلستُ (٢) الخوفَ، وفقدتُ صالحَ الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا، فقال: انصرِفْ، وكان له مُكرمًا.
وقال الطبري (٣): كان الشعبي ممَّن خرج على الحجاج مع القُرَّاء، وشهدَ ديرَ الجماجم، وكان ممَّن أفلتَ فاختفى زمانًا، وكان يكتب إلى يزيد بن أبي مُسلم أن يُكلِّم له الحجَّاج، فأرسل إليه يزيد: إني والله ما أَقدر على ذلك، ولا أجترئُ عليه، ولكن تحيَّنْ جلوسَه للعامَّة، ثم ادخُل عليه فامثُلْ بين يديه واعتَذرْ، واستشهِدْ بي على ما أحببتَ أشهدْ لك، ففعل الشعبيُّ، فلم يشعر الحجاج به إلا وهو قائمٌ بين يديه، فقال: أشعبيّ؟ قال: نعم أصلح الله الأمير، قال: ألم أقدَم البلدَ وعطاؤك كذا وكذا، فزدتُ في عطائك ولا يُزادُ مثلُك؟ قال: بلى، قال: ألم آمُر أن تَؤمَّ قومَك ولا يؤمُّ مثلُك؟، قال: [بلى، أصلح الله الأمير، وقال:]، ألم أُعَرِّفْك على قومك ولا يُعَرَّف مثلُك؟ قال: بلى، قال: ألم أُوفِدْك على أمير المؤمنين ولا يُوفَدُ مثلُك؟ قال: بلى، قال: فما الذي أخرجك عليَّ؟ قال: أصلح الله الأمير، خَبَطَتْنا فِتنة، فما كنا فيها بأبرار أتقياء، ولا فُجَّارٍ أقوياء، وقد كتبتُ إلى يزيد بن أبي مسلم أعلمه ندامتي (٤) على ما فَرط منّي،
стр. 4290
ومَعرفتي بالحقّ الذي خرجتُ منه، وسألتُه أن يُخبر بذلك الأمير، ويأخُذَ لي منه أمانًا فلم يفعل، فالتفت الحجَّاج إلى يزيد فقال: أهكذا هو؟ قال: نعم، قال: فما مَنَعك أن تُخبِرَني بكتابه؟ قال: الشُّغْلُ الذي كان فيه الأمير، فقال الحجاج: انصرف آمنًا.
وقال مجالد: قال الشعبي: لما قَدِم الحجَّاجُ الكوفةَ واليًا عليها عُرض عليه الناس، فكنتُ فيمن عُرض عليه، فقال: مَن أنت؟ قلتُ: عامر الشعبي، قال: اجلس، فجلستُ، فقال: أقرأتَ القرآن؟ قلت: نعم، قال: ففرضْتَ الفرائض؟ قلت: نعم، قال: أنظَرْتَ في العربية والشعر؟ قلت: نعم، قال: ففي المغازي، قلت: نعم، قال: فحدِّثْني حديثَ بَدْرٍ، فحدَّثْتُه من رُؤيا عاتكة، إلى أن أذَّن المُؤذِّنُ للظُّهر، فقام فدخل وقال: لا تبرَحْ، وخرج فصلّى الظهر وقال: تَمِّم، فأتممتُها له، فجعلني عَريفًا على الشَّعْبيين، ومَنكِبًا (١) على هَمْدان، وفرض لي في الشَّرف من العطاء، فلم أزل عنده على أحسن حال حتى خرج ابن الأشعث، فأتاني قُرَّاء الكوفة وقالوا: يا عامر، إنك زعيم القراء، وأنت كذا وكذا، فلم يزالوا بي حتى أخرجوني معهم، فكنتُ أقوم بين الصفَّين فأذكُر الحجاج، فأَعيبُه بأشياء كنت أعرفُها فيه، وبلغ الحجاج فقال: ألا تَعجبون من هذا الخبيث؟! جاءني وهو وَضيعٌ فرفعتُه، وفعلتُ معه وفعلت، ثم خرج عليَّ ويقول ما يقول، أما والله لئن مَكَّنني الله منه لأجعلَنَّ عليه الدنيا مثلَ مَسْكِ حَمَل (٢).
قال: فما لَبثنا أن هَزَمنا الله، فدخلتُ بيتي، وأغلقتُ بابي، وأقمتُ مُستخفيًا تسعةَ أشهر، فكانت الدنيا عليَّ أضيَقَ من مَسْك حَمَل، ثم هربتُ إلى خُراسان وقد نادى مناديه: مَن التجأ إلى قُتيبة بن مُسلم فهو آمِنٌ، فركبتُ حمارًا، وسرتُ إلى فَرْغَانة، فدخلتُ على قُتيبة فلم يعرفْني، وكنتُ أغشى مَجْلِسَه.
ثم إنه فُتح عليه فَتْحٌ فلم يَدْرِ ما يَكتب إلى الحجاج، فكلَّمني في ذلك فقلت: عندي كلّ ما تريد، فقال: مَن أنت؟ قلت؟ لا تسأل عن ذلك، فقال: اكتُب كتابَ الفتح لأكتُبَ منه، فقلت: لا أحتاج، اكتب وأنا أُملي، فأخذ يكتب وأنا أُملي عليه، وهو ينظر إليّ، حتى فَرَغْتُ، فحَمَلَني على بَغْلة، وأعطاني بُرْنُسًا وسَرَقًا من حرير، وكنتُ عنده في أعلى منزلة.
стр. 4291
فبينا أنا عنده ذات يوم إذ جاءه كتابُ الحجَّاج يقول: صاحبُ كتابك عامر الشَّعبي، فإذا نظرتَ في كتابي فابعثْ به إليَّ؛ وإلا عَزَلْتُك وفعلتُ بك وفعلتُ، فاحذر أن يَفوتَك، فالتفت إليّ وقال: ما عَرفتُك قبل هذه الساعة، وهذا كتابُه، فاذهب حيث شئتَ من الأرض، ولأحلفنَّ له بكلِّ يمينٍ أنني ما عرفتُك قبل هذه الساعة، فقلت له: مثلُ هذا لا يَخفى، فابعث بي إليه، فقال: أنت أعلم.
ثم بعث معي جماعةً وأوصاهم بي، ثم قال: إذا وصلتُم به إلى الحجّاج فأدخلوه عليه مُقَيَّدًا، ثم قال: قُل ما شِئتَ واستشْهِد بي.
فلما وصلتُ إلى باب الحجاج لَقِيَني يزيدُ بن أبي مُسلم، فقال لي: إنا لله لما بين دَفَّتَيكَ من العلم، قلت: فاشفع لي، قال: ليس بيوم شفاعة، قلت: فخُذْ لي أمانًا، قال: لا أقدر، ولكن إذا دخلتَ عليه فبُؤْ له (١) بالكُفر؛ فبالحريّ أن تَنجو، وما أُراك بنَاجٍ، ولكن استشهِدْ بي، قال: ولقيتُ محمد بن الحجَّاج فقال لي مثلَ ذلك وأُدخِلتُ علية فقال: هية يا عامر، أكرمتُك، وأحسنتُ إليك؛ وتخرج علي وتقول ما قلت؟! قال: فذكرتُ له بمعنى ما تقدَّم، واستشهدتُ بيزيد بن أبي مسلم، فسأل يزيدًا: أكذا؟! قال: نعم، فقال: انصرِفْ راشِدًا، وأمرني بلُزوم بابه.
ذكر جماعة أُتي بهم إلى الحجاج:
منهم: عبد الرحمن بن عائذ الحمصي، أبو عبد الله، من الطبقة الثانية من التابعين، ويقال: إنه أدرك رسول الله ﷺ وروى عنه، واتّفقوا على أنه سمع من عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي ذَرّ ﵁، وغيرهم، وحضر خطبة عمر رضوان الله عليه بالجابية.
وكان قد خرج مع ابن الأشعث، فجيء به إلى الحجاج وكان يعرفه، فقال له: كيف أصبحتَ يا أبا عبد الله؟ فقال: كما لا يريد الله، ولا الشيطان، ولا أنا، قال: وكيف؟ قال: يريد الله أن أكون عابدًا زاهدًا، والله ما أنا بذاك، ويُريد الشيطان أن أكون فاسقًا وما أنا بذاك، وأُريد أن أكون آمِنًا في سِرْبي وما أنا بذاك، فقال الحجاج: مَولِدُ شاميّ، وأدبٌ عراقيّ، وجارُنا إذ كنا بالطّائف، خَلُّوا عنه (٢).
стр. 4292
قوله: كما لا يريد الله: خطأ، فإنه لا يكون إلا ما يُريد الله، وربما أنه قال: كما لا يُحبّ الله، أو كما لا يُرضي الله، فحرَّفَتِ الرُّواةُ قولَه.
وجيء بجماعة من الأَسرى، فأمر الحجَّاج بقتلهم، فقال له رجلٌ منهم: أصلح الله الأمير، لي عندك حُرمة، قال: وما هي؟ قال: شُتم أبوك في عسكر ابن الأشعث فقلت: والله ما في نسبه مَطْعَن، قال: ومَن يعلم هذا؟ فالتفت إلى أقرب أسيرٍ منه فقال: هذا، فقال له الحجاج: ما تقول؟ قال: صدق، فقال: خَلُّوا عن هذا لنُصْرَتِه، وعن هذا لشهادتِه.
ولما دخل الحجَّاج البصرة بعد الجَماجم دخل عليه الحسن البصري فقال: أنتَ الذي حملتَ علينا السلاح؟ فقال الحسن: لا والله، فأخرج الحجَّاج إليه كفَّه، فمسح عليها، فقيل للحسن: لا تَأُمَنْه، فتوارى عنه تسعَ سنين؛ ينتقل من منزلٍ إلى منزل، حتى هلك الحجّاج (١).
وروى هشام: أن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص جيء به في الأسرى، فأُوقف بين يدي الحجاج (٢)، فقال له: يا ظلَّ الشيطان، أتأبى بيعةَ يزيد بن معاوية، وتتشبَّه بحُسين وابن عمر؟! يا أعظم الناس كبرًا، فقال له محمد: أيُّها الرجل، مَلكْتَ فأسْجِح، فضرب عُنُقَه.
ثم دعا بموسى بن عُبيد الله بن مَعْمر، فقال: يا عبدَ المرأة، أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك، وتشرب معه الشَّراب في حمَّام فارس، وتقول المقالة التي قلتَ؟ فقال: والله لقد دَفعتُه عن عقائلِ نسائك، فضرب عُنقه (٣)، وقيل: إن الذي قتله الحجاج: عمر بن موسى بن عُبيد الله بن مَعْمر (٤).
وقتل الحجاج في وقعة الجَماجم أربعة آلاف من أعيان الناس، منهم: عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وبِسْطام بن مَصْقَلَة، وبِشْر بن المُنذر بن الجارود وغيرهم.
стр. 4293
قال الطبري: وفي هذه السنة بنى الحجاج واسِطًا، وسببُه أنه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خُراسان، فعسكروا بحمَّام أَعْيَن (١).
وكان فتًى من أهل الكوفة حديثَ عهدٍ بعُرسٍ، فكان يأتي ابنةَ عمِّه ثم يعود إلى العسكر، وكان رجل من أهل الشام يأتي إلى منزل الفتى، فيتعرَّض لامرأته كلَّ ليلةٍ، فشكت إلى ابنِ عمّها فقال: إذا جاء الليلة فأدخليه، ووقف له خلفَ الباب، فلما دخل قتلَه، وأخبر الحجاج فأهدَر دمَه وقال: لا يَنزلَنَّ أحدٌ على أحد.
ثم أمر الرُّوَّاد فارتادوا له مكانَ واسِط.
والأصح: أنه شرع فيها في سنة خمس وسبعين (٢)، وفرغ منها في سنة ثمان وسبعين.
وحجَّ بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان واليًا على المدينة.
فصل: وفيها توفي
أبو الجَوزاء
[واسمه] أوس بن خالد الرَّبَعيّ البصري، وقيل: خالد بن سُمَير (٣).
[ذكره ابن سعد] من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، [وحكى أنه] قال: صحبتُ ابنَ عباس اثنتي عشرة سنة، فما بقي في القرآن آية إلا سألتُه عنها.
[وذكر ابن سعد أن أبا الجوزاء] لم يلعن شيئًا قطُّ، ولا أكل طعامًا ملعونًا.
[قال:] وكان يقول: لأن تمتلئ داري قردةً وخنازير؛ أحبُّ إليَّ من أن أجاور رجلًا من أهل الأهواء.
стр. 4294
وكان يقول: ما مارْيتُ أحدًا قط، ولا كذَّبتُ أحدًا قط (١).
[وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بإسناده إلى سليمان الرَّبَعيّ قال: كان أبو الجوزاء] يواصل في الصوم بين سبعة أيام، ثم يَقبض على ذِراع الشابّ فيكادُ يَحْطِمُها (٢).
وقال ابن سعد: خرج أبو الجَوزاء مع ابن الأشعث، فقتل أيام الجَماجم، سنة ثلاثة وثمانين (٣).
وأسند عن ابن عباس وعائشة وغيرهم.
إياس بن قتادة
ابن أوفى بن عَبْشَمْس (٤) بن سعد بن زيدِ مَناة بن تميم، وأمُّه الفارِعة بنت حِمْيَريّ، من بني مُرَّة.
وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، ولأبيه قَتادة صُحبة.
وكان إياس شريفًا في قومه، اعتَمَّ وهو يُريد بِشرَ بن مروان، فنظر في المرآة، فإذا بشَيبةٍ في ذَقنه، فقال: يا جارية، افليها، فإذا أخرى فقال: انظري مَن بالباب من قومي، فأُدخلوا عليه، فقال لهم: يا بني تَميم، إني كنتُ قد وهبتُ لكم شَبابي، فهبوا لي مَشيبي، ألا تراني حُمَيِّرَ الحاجات (٥) وهذا الموت يقرب إلي، ثم نَقض عِمامته، واعتزل يُؤَذِّن لقومه، ويعبد ربه حتى مات (٦).
قال ابن سعد: سمعتُ أنه خرج من المسجد يوم الجمعة، فقرَّبوا إليه أَتانًا له ليركَبَها، فلما اغترز في الرِّكاب نظر (٧) إلى شيبه فقال: مرحبًا بك، طالما انتظرتُك، ثم انصرف فاضطجع على شِقِّه الأيمن، فمات في خلافة عبد الملك بن مروان.
стр. 4295
رَوْحُ بن زِنْباع
أبو زُرْعَةَ الجُذاميّ الشامي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الشام، ولم تكن له صُحبة، وكان ذا منزلة عند الناس، فخاف منه معاوية، فعزم على قتله، ففهم رَوْح فقال له: لا تَهدِم رُكنًا بنيتَه، ولا تُحزِن صاحبًا أنت سَرَرْتَه، ولا تُشْمِت عدوًا أنت كَبَتَّه، فكفَّ عنه معاوية.
قال المصنف ﵀: وأحسنُ من هذا قولُ الشَّريف الرَّضِيّ: [من السريع]
لا تُعْطِشِ الزَّرْعَ الذي نَبْتُه … بصَوْبِ إنعامِكَ قد رَوَّضا
لا تَبْرِ عُودًا أنت رَيَّشْتَهُ … حاشا لباني المَجْدِ أن يَنْقُضا
من أبيات (١).
ولما طَلب مروان الخلافة قام رَوْح معه حتى وَليها، ثم صار خصيصًا بعبد الملك، وكان يكتب له، ويثني عليه عبد الملك ويقول: هو عراقيُّ الخَطّ، حجازيُّ الفقه، فارسيُّ الكتابة.
أسند روح عن جماعة من الصحابة (٢).
زاذان الكوفي
أبو عبد الله، مولى كِندة (٣). من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة.
وكان بَزَّازًا يبيع الكَرابيس. [قال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده إلى سالم بن أبي حفصة، عن زاذان أنه] كان يبيع الثياب، فإذا عرض الثوب على المُشتري ناولَه شرَّ الطَّرفَين، [وفي روايه] وسامَه (٤) مَرَّةً واحدة.
وكان صالحًا مُجابَ الدَّعوة، [روى أبو نعيم عنه أنه] جاع يومًا فقال: يا ربِّ، إني جائع فأطعمني، فسقط عليه رَغيفٌ مثلُ الرَّحىَ من الرّوْزَنَة (٥).
стр. 4296
وكان سببُ إقبالِه على الله تعالى ما قرأتُه على شيخنا الموفَّق ﵀ في كتاب "التَّوابين" قال: مَرّ ابن مسعود بالكوفة (١)، وإذا بشباب مُجتمعين يشربون، ومعهم زاذان يَضرب بالعود، ويغنِّي بصوتٍ حَسَن، فسمعه ابن مسعود فقال: ما أحسن هذا الصَّوتَ لو كان بكتاب الله، وسمعه زاذان، فقام وضرب بالعود الأرض فكسوه، ثم جعل منديله في عُنقه، وأدرك ابنَ مسعود وهو يبكي، فاعتنقه ابنُ مسعود، وجعلا يبكيان، وابن مسعود يقول: كيف لا أحبُّ مَن قد أحبَّه الله تعالى، ثم تاب وحَسُنَت توبتُه، ولزم ابنَ مسعود حتى صار إمامًا في العلم (٢).
وقال أبو أحمد بن عدي: تاب زاذان على يد ابن مسعود، وسمع منه (٣).
ذكر وفاته:
قال خليفة: مات زاذان وأبو وائل في سنة اثنتين وثمانين.
وقال جدِّي في "الصَّفوة": تُوفّي زاذان بالكوفة أيام الحجّاج، بعد الجَماجم (٤).
أسند زاذان عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، والبراء بن عازب، وسلمان الفارسي، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ في آخرين.
وقد تكلَّم فيه أبو عبد الله الحاكم فقال: زاذان ليس بالقوي عندهم.
ووثقه ابن مَعين، والنسائي، وأبو أحمد بن عدي، وابن سعد (٥).
سفيان بن وَهْب
أبو أيمن الخَولانيّ، شهد حجَّةَ الوداع مع النبي ﷺ ، ووفد عليه، وله أحايث.
стр. 4297
وقال ابن سعد: هو من ثقات التابعين (١).
وبعثه عبد العزيز بن مروان إلى إفريقية غازيًا.
وقال: حضرت مع عمر بالجابية، فجاءه قوم من أهل الذِّمَّة فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد فَرَضْتَ علينا أن نَرزُقَ المسلمين العَسَل، ولا نجده عندنا، وإن عندنا شرابًا يشبه العسل، فقال: ائتوني به، فأتوه به فجعل يرفعه على إصبعه، فيمتدّ كهيئة العسل، فقال عمر: إن هذا يشبه طِلاء الإبل، فأتوه بماءٍ، فصبّ (٢) عليه وشرب منه، وسقى أصحابَه وقال: ما أطيب هذا، ارْزُقونا منه وارزقوا المسلمين منه.
عبد الله بن الحارث
ابن نَوْفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبو محمد الهاشمي، من الطبقة الأولى من التابعين، وأمه هند بنت أبي سفيان بن حَرْب، وهو الملقَّب: بَبَّة.
وُلد في زمن رسول الله ﷺ ، فأتت به أمُّه إلى أختها أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ عليها فقال: من هذا؟ فقالت: ابنُ عمّك وابن أختي، فتَفَل في فيه ودعا له. وقد ذكرنا طرفًا من أخباره، ووفاته بعُمان.
وكان له من الولد: عبد الله، ومحمد، أمهما [خالدة بنت مُعَتِّب بن أبي لَهب ابن عبد المطلب، وأمُّها] عاتكة بنت أبي سفيان بن الحارث (٣).
وإسحاق، وعبيد الله وهو الأرْجُوان، والفضل، وأمّ الحَكَم ولدت لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس: يحيى ومحمدًا والعالية بني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وأمّ أبيها (٤) بنت بَتَّة.
وزينب، وأم سعيد، وأم جعفر، وأمهم أم عبد الله بنت العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
стр. 4298
وعبد الرحمن، وأمُّه بنت محمد بن صَيفيّ المخزومي.
وكان لبَبَّة ضرَيبة، وأم عَون (١)، وهند، وعون، لأمَّهات أولاد شتّى (٢).
أسند بَبَّة عن عمر، وعثمان، وأُبيّ بن كعب، بن زيد، والمغيرة بن شُعبة، وصفوان بن أمية، وميمونة زوج النبي ﷺ ، وعن كعب الأحبار، فأرسل الحديثَ عن رسول الله ﷺ وله إدراك.
وكان ثقةً قليلَ الحديث، وروى عنه ابناه إسحاق وعبد الله، وسليمان بن يسار، وعبد الحميد (٣)، وعبد الملك بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السَّبيعي، وعمر بن عبد العزيز، في خلق.
وكان من أفاضل المسلمين، شهد مع عمر رضوان الله عليه الجابية، وسمع خطبته قال: فقال عمر فيها: مَن يَهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وكان هناك جاثَليق النصارى، فنَفَض ثوبَه، وقام كالمُنكِر لقول عمر، فقال عمر: ما يقول عدوُّ الله؟ قالوا: إنه يقول: إن الله لا يهدي ولا يضل، فقال: كذبت يا عدو الله، بل الله خَلَقك، ثم أضلَّك، ولولا وَلْثٌ (٤) من عَهْدٍ لضَرَبْت عُنقَك، ثم قال عمر رضوان الله عليه: إن الله لمَّا خلَق آدم بَثَّ ذُرِّيتَه في الأرض وقال: هؤلاء وما كانوا عاملين للجنة، وهؤلاء وما كانوا عاملين للنار، وأشار بالجنة لأهل اليمين، والنار لأهل الشمال، قال: فافترق الناس وما يختلف اثنان في القَدَر (٥).
عبد الله بن شداد بن الهاد
واسم الهاد عَمرو اللَّيثي، وسمي الهادي لأنه كان يوقد نارَه للأضياف ليلًا، ولمن سلك الطريق.
стр. 4299
وعبد الله من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه سَلْمى بنت عُمَيس الخَثْعَميَّة أخت أسماء.
روى عبد الله عن عمر، وعلي ﵄.
وكان شيعيًّا ثقةً قليلَ الحديث، وهو أخو بنت حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه لأمها.
وكان يأتي الكوفة كثيرًا فينزلها، وخرج فيمن خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث فقتل يوم دُجَيل.
وقال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصُّفوف، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [٨٦].
وكان عابدًا فقيهًا كثير الحديث، شهد مع علي ﵇ النهروان، وخالته ميمونة زوج النبي ﷺ أخت سلمى وأسماء ابنتي عُمَيس، وأمهن هند بنت عوف.
وكان شريفًا مُطاعًا، ولقي معاذًا، وابنَ عباس، وابن عمر، وعائشة وأم سلمة، وميمونة ﵄، وغير واحد من الصحابة.
وكان من كبار التابعين وثِقاتهم، وروى عنه طاووس، والشّعبي، وابن عَون، وأبو إسحاق الشَّيباني وغيرهم (١).
عبد الرحمن بن حُجَيرَة
أبو عبد الله الخَوْلاني، كان يقصُّ بمصر على الناس، وهو قاضيها، وكان يلي بيت المال، وهو من الطبقة الأولى من التابعين، وكان رزقُه في كلِّ سنةٍ ألفَ دينار: مئتان عن القضاء، ومئتان عن القصص، ومئتان عن ولاية بيت المال، ومئتان عن رزقه، ومئتان جائزة، فلا يَحول الحَوْل وعنده دِرهم، ومات في المحرَّم، وروى عن ابن عمرو، وأبي هريرة وغيرهما (٢).
стр. 4300
[فصل: وفيها توفي]
أعشى هَمْدان
واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، [وكنيته] أبو المُصَبَّح الكوفي الهَمْداني، كانت أخت الشعبيّ تحته، وأختُه تحت الشعبي.
وكان الأعشى قارئًا لكتاب الله تعالى، فقيهًا، فترك ذلك واشتغل بالشعر.
[وحكى الهيثم عنه] قال: رأيت في المنام كأني دخلت بيتًا فيه حِنطة وشَعير، [فقبضتُ بيدي اليمنى على الحنطة، والأخرى على الشعير، فقصصتها على الشعبي، وفي رواية:] فتركتُ الحِنطةَ وأخذتُ الشعير، فقال له الشعبي: لئن صدقتْ رؤياك لتَسْتَبدِلَنَّ القرآن بالشعر (١)، [ويقال: إنه نسي القرآن وقال الشعر.
ذكر طرف من أخباره:
وهو أعشى هَمْدان، قال الجوهري: والأعشى هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار] (٢).
وقد ذكرنا أنه خرج مع ابن الأشعث، قال المبرّد: أُتي الحجاجُ بأعشى هَمْدان، فقال له: يا عدوَّ الله، الحمد لله الذي مَكَّنني منك، وشفى صدري، ألست القائل: [من الرجز]
إن ثَقيفًا منهم الكَذّابانْ … كذَّابُها الماضي وكَذَّابٌ ثان
وذكر الأبيات، ألستَ القائل في ابن الأشعث: [مجزوء الكامل]
يابن الأَشَجِّ قَريعَ كِنْـ … ـدَةَ لا أُبالي فيك عَتْبا
أنت الرئيسُ ابنُ الرئيـ … ـس وأنت أعلى الناسِ كَعْبا
نُبِّئْتُ حَجّاجَ بنَ يو … سفَ خَرَّ من زَلَقٍ فتَبَّا
فانهضْ هُديتَ لعلّه … يَجلو بك الرحمنُ كَرْبا
يا عدو الله، بل ابن الأشعث خرَّ من زَلَقٍ فتَبّ، وجار وانْكَبّ، وما لقي ما أَحَبّ، ورفع بها صوتَه، وارْبَدَّ وَجهُه، واهتزَّ مَنكِباه، فلم يَبقَ في المجلس إلا مَن أهَمَّتْه نفسُه، فقال الأعشى: بل أنا القائل: [من الطويل]
стр. 4301
أبي الله إلا أن يُتَمِّمَ نُورَه … ويُطفِئَ نُورَ الفاسِقين فيَخْمُدا (١)
وينزِلَ ذُلًا بالعراقِ وأهلِه … كما نَقَضوا العَهْدَ الوَثيقَ المُؤكَّدا
وما أحدثوا من بِدعةٍ وعَظيمةٍ … من القَوْلِ لم تَصْعَد إلى الله مَصْعَدا
وما نَكَثوا من بَيعةٍ بعد بَيعةٍ … إذا ضَمِنوها اليوم خاسوا بها غدا
فكيف رأيتَ الله فَرَّق جَمْعَهم … ومَزَّقهم عُرْضَ البلادِ وشَرَّدا
فلا صِدقَ في قولٍ ولا صَبْرَ عندهم … ولكنَّ فَخْرًا فيهمُ وتَزَيُّدا
فقَتْلاهمُ قتلى ضَلالٍ وفِتْنةٍ … وحَيُّهمُ أمسى ذَليلًا مُطَرَّدا
ولما زَحَفْنا لابنِ يُوسُفَ غُدوةً (٢) … وأبْرقَ منّا العارِضان وأرْعَدا
قَطَعْنا إليه الخَنْدَقَين وإنما … قَطَعْنا وأفْضَينا إلى الموتِ مُرصِدا
فما لَبث الحجاجُ أن سَلَّ سيفَه … علينا فوَلّى جَمْعُنا وتَبَدَّدا
فيَهْنى أميرَ المؤمنين ظُهورُه … على أُمَّةٍ كانوا بُغاةً وحُسَّدا
وَجَدْنا بني مَروان خيرَ أئمَّةٍ … وأفضلَ هذي الناسِ حِلْمًا وسُؤدَدا
وخيرَ قُريشٍ في قريش أَرُومَةً … وأكرمَهم إلا النبيَّ مُحَمَّدا
إذا ما تَدَبَّرْنا عَواقِبَ أمرِه … وَجَدْنا أميرَ المؤمنين مُسَدَّدا
سيُغْلَب قَومٌ غالبوا الله جَهْرةً … وإن كايَدوه كان أقوى وأَكْيَدا
لقد تَركوا الأهْلِينَ والمال خَلْفَهمْ … وبِيضًا عليهنّ الجَلابيبُ خُرَّدا (٣)
يُنادِينَهم مُسْتَعبِراتٍ إليهمُ … ويُذْرِينَ دَمْعًا في الخُدودِ وإِثْمِدا
لقد شَأمَ المِصْرَين فَرْخُ محمّدٍ … بذُلٍّ وما لاقى من الطَّيرِ أَسْعدا
كما شَأمَ الله النُجَيرَ (٤) وأهلَه … بجَدٍّ له قد كان أَشْقى وأَنْكَدا
стр. 4302
من أبيات، فقال مَن حَضر من أهل الشام: أيها الأمير، إنه قد أحسن، فخلِّ سبيلَه، فقال الحجّاج: والله ما أراد بهذا المدح، وإنما قاله حَنَقًا وتَغَيُّظًا على أصحابه حيث لم يَظفَروا بكم، وظهرتُم عليهم، ثم قال له: ألست القائل:
بين الأشَجِّ وبين قَيسٍ باذِخٌ؟
قال: بلى، قال: فأنشِدْها، فأنشد: [من الكامل]
كم من أبٍ لك كان يَعْقِدُ تاجَه … بجَبينِ أبْلَجَ مِقْوَلٍ صِنْديدِ
وإذا سألتَ: المجدُ أين مَحَلُّه … فالمَجْدُ بين محمدٍ وسعيدِ
بين الأشَجِّ وبين قيسٍ باذِخٌ … بَخْ بَخْ لوالدِه وللمَولودِ
قال له الحجاج: وَيحك، هذا لابن الحائك، فما أبقيتَ لمَن بعده؟ والله لا تُبَخْبغُ بعدها لأحدٍ أبدًا، وضرب عُنقه.
فقال الشعبي: قدمتُ البصرةَ، فجلست في حَلقةٍ فيها الأحنف بن قيس، فقال رجل من القوم: من أين أنت؟ فقلت: من الكوفة، فالتفت إلي رجل فقال: هذا مولانا، أي: عبدنا، فقلت له: هل علمتَ ما قال أعشى هَمْدان فينا وفيكم؟ قال: وما الذي قال: قلت: [من الرمل]
وإذا فاخَرْتُمونا فاذكُروا … ما فعَلْنا بكمُ يومَ الجَمَلْ
إن ذاك اليوم لا مِثلَ له … فانتَهُوا قد سَبَقَ السَّيفُ العَذَلْ
بين شيخٍ خاضِبٍ عُثْنُونَه … وفَتىً أبيضَ وَضّاحٍ رِفَلّ (١)
جاءنا يَهْدِرُ في سابِغَةٍ … فذَبَحْناه ضُحًى ذَبْحَ الجَمَلْ
ثم ناداكُم مُنادٍ أنه … آمِنٌ مَن رَدَّ بابًا ودَخَلْ
وعَفَوْنا فنَسِيتُم عَفْوَنا … وكفَرْتُم نِعْمَة الله الأَجَلّ
أفَخَرْتُمْ أن قَتَلْتُم أعْبُدًا … وهَزَمْتُم مُرَّةً آلَ رُغَلْ (٢)
نحن قُدناكُم صغارًا عَنْوَةً … وجَمَعْنا أمرَكُمْ بعد الفَشَلْ
قال: فغضب الأحنف بن قيس وقال: هاتوا تلك الصَّحيفة، فإذا هي من المختار إلى الأحنف بن قيس ومَن قِبَلَه من مُضَر: أما بعد، فويلٌ لمُضَر من شَرٍّ قد حَضَر، ولابد
стр. 4303
أن يُورَد الأحنفُ وقومُه حرَّ سَقَرْ، لا يَقدِرُون على صَدَرْ، وقد بلغني أنكم تُكَذِّبون بي وبرُسُلي، فإن فعلتُم فقد كُذِّب الرُّسُل من قَبلي، ثم قال الأحنف: فهذا منا أو منكم؟ قال الشعبي: فلم أُحِرْ جوابًا.
وقال حمّاد بن زيد: خرج الأعشى إلى بلاد الدَّيلَم فأُسِر، فأقام عند بعض الدَّيلَم مُدةً، فهَويَتْه ابنتُه، وصارت إليه ليلًا، وأمكَنَتْه من نفسها، فواقَعها في تلك الليلة ثماني مرات، فقالت: هكذا تَصنعون بنسائكم؟ قال: نعم. قالت: فبهذا تُنْصَرون. ثم قالت: فإن أنا خَلَّصْتُك تَصطَفيني لنفسك؟ قال: نعم. فلما كان الليل حَلَّتْ قُيودَه، وأخذت به طرائق تعرفُها، فخَلَصا (١).
عبد الرحمن بن أبي ليلى
يسار بن بلال بن بُليل بن أُحَيحَة بن الجُلاح بن الحَريش بن جَحْجَبا بن كُلْفَة بن عوف بن عمرو بن عوف، من الأوس، أنصاري.
وأبو ليلى صحب رسول الله ﷺ وشهد معه أُحدًا وما بعدها من المشاهد، ثم انتقل إلى الكوفة وبنى بها دارًا في جُهينة.
روى عنه ابنُه عبد الرحمن، وشهد هو وابنه عبد الرحمن مع علي ﵇ مشاهدَه كلَّها، ووفد على معاوية، ووُلد ابنُه عبد الرحمن لستّ سنين بقيت من خلافة، عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وقدم المدائن في حياة حُذيفة وفي أيام علي ﵇.
وعبد الرحمن كُنيته أبو عيسى، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكان عالمًا زاهدًا متعبدًا، كان إذا صلى الصبح نشر المصحف، وقرأ حتى تطلع الشمس.
ولما قدم الحجاج الكوفة أراد أن يستعمله على القضاء، فقال له حَوْشَب: إن كنتَ تريد أن تبعثَ عليَّ بن أبي طالب على القضاء فافعل.
قال الأعمش: رأيتُ عبد الرحمن وقد أوقفه الحجاج فقال: الْعَن الكذَّابين: عليًّا وعبد الله بن الزبير والمُختار بن أبي عبيد، فقال عبد الرحمن: لعن الله الكذَّابين، ثم
стр. 4304
ابتدأ فقال: عليٌّ وابنُ الزبير والمختار، قال الأعمش: فعلمتُ حين ابتدأ فرفعهم أنه لم يَعْنِهم.
وولاه الحجاج قضاء الكوفة فقيل: هو شيعي، فعزله، وولّى أبا بُردة بن أبي موسى، وأقعد معه سعيد بن جُبير.
وكان عبد الرحمن عَلويًّا، وعبد الله بن عُكَيم عُثمانيًّا، اصطحبا عشرين سنة، وكانا في مسجد واحد، فما جرى بينهما كلمة في أمر عثمان وعلي رضوان الله عليهما.
ولما ماتت أمُّ عبد الرحمن قدم ابنُ عُكَيم فصلّى عليها.
وعبد الله بن عُكَيم الجُهَني من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵄، وكان كبيرًا قد أدرك الجاهلية، وتوفّي بالكوفة في ولاية الحجاج، وقال سفيان بن عُيينة: أنا غَسّلتُه (١).
ذكر وفاة عبد الرحمن:
خرج على الحجاج فقتل بدُجَيل، وقيل: غرق بدُجَيل.
أسند عبد الرحمن عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، وأُبيّ بن
كعب في آخرين، وقال: أدركت عشرين ومئةً من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ إذا
سُئل أحدُهم عن المسألة أحبّ أن يكفيه غيره، وفي رواية: ما منهم أحد يسأل عن شيء إلا أحبّ أن يكفيَه صاحبُه الفُتيا، وإنهم ها هنا يَتوثَّبون على الأمور تَوثُّبًا.
وروى عنه الشعبي، ومجاهد، والحسن البصري، وابن سيرين، والأعمش، وأقرانهم (٢).
وعبد الرحمن بن أبي ليلى والد محمد الفقيه قاضي الكوفة، توفي سنة ثمان وأربعين مئة.
عُقبة بن عبد الغافر
أبو نَهار الأزديّ، من الطبقة الثانية (٣) من أهل البصرة، كان زاهدًا عابدًا.
стр. 4305
قال ثابت البُناني: ما كان أحدٌ من الناس أحبّ إليَّ أن ألقى [الله في] مِسْلاخِه (١) إلا عُقبة بن عبد الغافر، فلما وقعت الفتنةُ أتيناه فقال: ما أعرفكم.
ولما وقعت فتنةُ ابن الأشعث خرج فيها، وقاتل الحجاج مع القرَّاء، فلما وقع جَريحًا في الخندق، وانهزم الناس؛ جعل يقول: ذهبت الدنيا والآخرة، ثم قُتل.
[وفيها توفي]
أبو البَخْتَريّ الطائيّ
[ذكره ابن سعد] في الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة، [قال:] واسمُه [فيما ذكر] عليّ بنُ عبد الله بن جعفر: [سعيد بن أبي عمران]، وقيل: سعيد بن جُبير (٢).
وهو مولى لبني نَبْهان من طَييّء.
ولما كان يوم الجَماجم أراد القُرَّاء أن يُؤمّروه عليهم فقال: لا تفعلوا فإني رجل من الموالي، فأمَّروا عليهم رجلًا من العرب.
شهد مع ابن الأشعث يوم دُجَيل الأهواز سنة ثلاث وثمانين فقتل.
وكان يسمع النَّوحَ ويبكي، وكان (٣) كثيرَ الحديث، يُرسل حديثَه [ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ]، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان مرسلًا فهو ضعيف.
[فصل: وفيها توفي]
الكُمَيل بن زياد
ابن نَهيك بن مالك (٤) النخعي، من الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وكان من أصحاب علي ﵇، شهد معه صفِّين والنَّهروان ومشاهدَه كلَّها.
стр. 4306
وكان فصيحًا شريفًا مطاعًا في قومه. [وذكره المدائني فقال: كان] من عُبّاد الكوفة ورؤساء الشيعة. [قال ابن سعد: كان] ثقةً قليلَ الحديث (١).
سيَّره عثمان ﵁ من الكوفة إلى الشام مع مَن سَيَّره، وكان عثمان رضوان الله عليه قد لَطمه، فطلب منه القِصاص، فقال: اقتصّ، فعفا عنه.
واختلفوا في كيفية قتله ومتى قُتل، فذكرنا أن الحجاج لما دخل واليًا إلى الكوفة قتله؛ لأنه لما فرغ من خطبته قال للنَّخَع: أفيكم الكميل بن زياد؟ قالوا: نعم، قال: أحضروه، فامتنوا، قال: لا عطاء لكم حتى تأتوني به، فجاؤوا به على نعش، فتركوه إلى جانب المنبر فقتله (٢).
والمشهور [أنه] قتلَه بعد دير الجماجم، وكان مع القُرَّاء، فلما انهزم ابن الأشعث، وجيء بالأسرى؛ جيء بالكُميل [بن زياد] فقال له الحجاج: أنت المُقتَصُّ من أمير المؤمنين عثمان؟ قد كنتُ أحبُّ أن أجِدَ عليك سبيلًا، فقال له الكُميل: ما أدري على أيِّنا أنت أشدُّ غضبًا، عليه حين أقاد من نفسه، أو عليَّ حين عفوتُ عنه! فقال: والله لا تركتُك تقتصُّ من خليفة أبدًا، فقال: أيها الرجل، لا تَصرِف عليَّ أنيابَك، ولا تَهَدَّم عليّ تَهدُّمَ الكَثيب، ولا تكشِرْ كَشَرَان الذِّئب، والله ما بقي من عُمري إلا ظِمْءُ الحِمار (٣)، يشرب غُدوةً ويموت عَشيَّةً، أو يشرب عَشيةً ويموت غُدوة، اقضِ ما أنت قاض [إنما تقضي هذه الحياة الدنيا]؛ فإني أنتظر الموت صباحًا ومساء، والقصاصُ أمامك، والموعد القيامة. فقال: والله لأقتلَنَّك على يدي إنسانٍ هو أشدُّ بُغضًا لابن أبي طالب من حبّك إياه، فقال: أما أمير المؤمنين فقد صار إلى جنّات النعيم، وأما أنت وبنو أمية ففي عذاب الجَحيم، والله لو علموا أكثفَ وجهًا، وأقلَّ عقلًا، وأجرأ على الله منك لما ولَّوك يا ابن أبي رِغال، يا بقية [آل] ثَمود، ولعنه لَعْنًا كثيرًا، فأمر ابنَ أدهم القيسي (٤) الحمصي -وكان أبغض الناس لأمير المؤمنين ﵇ فضرب
стр. 4307
عنقه، وقيل: إنما قتله أبو جَهْم بن كِنانة الكلبيّ [وكان] ابنَ عمِّ منصور بن جُمهور، وكان الكُميل قد جاوز التسعين.
أسند عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة ﵃، وروى عنه الأعمش، وأبو إسحاق الهَمْداني وغيرهما.
[ومن رواياته عن علي الموعظة البالغة، وقد ذكرناها في ترجمة أمير المؤمنين].
وحضر الكُميل حصار عثمان رضوان الله عليه.
محمد بن سعد بن أبي وقّاص
من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل الكوفة، وكان بالمدينة، فتحوَّل إلى الكوفة، وكان ثقةً وله أحاديث، والأصحُّ أنه قتل بعد الجَماجم، أُتي به أسيرًا إلى الحجَّاج فقتله (١).
[فصل: وفيها توفيت]
معاذة بنت عبد الله
[وكنيتها] أمُّ الصَّهباء العَدَويّة، زوجة صِلة بن أَشْيَم [وقد ذكرناها في سنة ست وسبعين].
كانت من عابدات البصرة.
[قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن فُضيل، عن أبيه قال:] كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تُمسي، وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فلا تنام حتى تُصبح، وإذا جاء البَرْدُ لبست الثيابَ الرِّقاق حتى يَمنعها البردُ من النوم (٢).
[وقال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى حكم بن سنان الباهلي، عن امرأة كانت تخدم معاذة العدوية قالت:] كانت تحيي الليل صلاةً، فإذا غلبها النوم قامت فجالت في الدار
стр. 4308
وتقول: يا نفس، النوم أمامَك، ولو قد متِّ لطالت رَقْدَتُك في القبر على حسرةٍ أو سرور، [قالت:] فهي كذلك حتى تُصبح.
[قالت:] وكانت تصلّي كلّ يومٍ وليلةٍ ستّ مئة ركعة، وتقرأ جُزأها من القرآن، تقوم به الليل وتقول: عَجِبتُ لعينٍ تنام وقد عرفتْ طُولَ الرُّقادِ في ظُلمة القبور.
[وقال ابن أبي الدنيا بإسناده: إنها] لم ترفع رأسَها إلى السماء أربعين عامًا.
[قال: وقالت معاذة لابنةٍ] أرضعتْها (١): يا بُنَيّة، كوني من لقاء الله على حذر ورجاء، فإني رأيت الراجي له مَحْفوفًا بحسن الزُّلفى لديه يوم القيامة، ورأيت الخائف له مؤمِّلًا للأمان يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم غلب عليها البكاء.
[قال:] وقالت: قد صحبتُ الدنيا سبعين عامًا، فما رأيتُ فيها قُرَّةَ عينٍ قط، وكيف أرى السرورَ فيها وقد كَدَّرَتْ على الأمم قبلَنا عيشَهم؟!
[وروى ابن أبي الدنيا أن معاذة] لم تتوسَّد فراشًا بعد أبي الصَّهْباء حتى ماتت (٢).
[قال:] وكانت تقول: والله ما أحبُّ البقاءَ في الدنيا إلا لأتقرَّبَ إلى الله بالوسائل، لعله أن يجمع بيني وبين أبي الصَّهباء وولده في الجنة، فلما احتُضرت بكت ثم ضحكت، فقيل لها في ذلك فقالت: أما بكائي فإني ذكرتُ مفارقةَ الصلاةِ والصيام والذّكر، وأما ضحكي فإني رأيتُ أبا الصهباء قد أقبلَ في صحن الدار، وعليه حُلَّتان خَضْروان ما رأيتُ في الدنيا أحسنَ منهما، ورأيت معه نفرًا ليس في الدنيا مَن يُشببهم (٣) فضحكتُ فَرَحًا بهم، ثم ماتت بعد ساعة قبل دخول وقتِ الصلاة.
[قال الواقدي: توفيت معاذة] في سنة ثلاث وثمانين، وروت عن عائشة رضوان الله عليها، وروى عنها الحسن البصري وغيره، والله أعلم (٤).
стр. 4309
مَعْبَد الجُهَنيّ
من أهل البصرة، من الفقهاء، وهو أول من تَكَلَّم في القَدَر بالبصرة، وهو من الطبقة الثانية من أهل البصرة، وحضر التَّحكيم بدُومة الجَنْدل.
روى عن عِمران بن حُصَين، وعمر بن الخطاب رضوان الله عليه مرسلًا، وعثمان بن عفان، وحُمْران بن أبان، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم، وروى عن الحسن البَصريّ، وابن سيرين (١)، وروى عنه قتادة، ومالك بن دينار، وعَوف الأعرابيّ، ومعاوية بن قُرَّةَ المُزَنيّ.
واستقدمه عبد الملك بن مروان إلى دمشق؛ ليُنْفِذَه رسولًا إلى ملك الروم، ثم جعله مع ابنه سعيد بن عبد الملك يُؤدِّبه ويُعلّمه.
وقال عبد الملك بن عمير (٢): اجتمع القُرَّاء إلى مَعْبَد الجُهنيّ -وكان ممن شهد دُومة الجَنْدل موضع الحكَمَين- فقالوا له: قد طال أمرُ هذين الرَّجُلَين، فلو لقيتَهما فسألتَهما عن بعض أمرهما، فقال: إنكم تُعَرِّضوني لأمرٍ أنا له كاره، والله ما رأيتُ مثلَ هذا الحيّ من قريش، كأنما أُقفلت قلوبُهم بأقفالٍ من حديد، وأنا صائر إلى ما سألتم.
قال مَعْبَد: فخرجتُ فلقيتُ أبا موسى، فقلت له: صحبتَ رسولَ الله ﷺ وكنتَ من صالحي أصحابه، واستعملك فكُنتَ من صالحي عُمّاله، وقُبض وهو عنك راض، وقد وَليتَ هذا الأمر، فانظر ما أنت صانع، قال: فقال لي: يا مَعْبد، غدًا ندعو الناس إلى رجلٍ لا يَختلفُ عليه اثنان، فقلت: أما هذا فقد عزل صاحبَه، فطمعتُ في عمرو، فخرجتُ فلقيتُه وهو راكب على بغلة، فأخذتُ بعِنانها، وقلتُ له كما قلتُ لأبي موسى، فخلع عنانها من يدي وقال: إيه يا تيسَ جُهَينة، ما أنت وهذا؟ لستَ من أهل السرِّ ولا من أهل العلانية، والله ما يَنفعُك الحقّ، ولا يَضرُّك الباطل. ثم مضى وتركني، فقال معبد: [من البسيط]
стр. 4310
إني لقيتُ أبا موسى فأخبرني … بما أردتُ وعَمرٌو ضَنَّ بالخَبرِ
شتّانَ بين أبي موسى وصاحِبِهِ … عمرٍو لعَمْرُك عند الفَضْلِ والخَطَرِ
هذا له غَفْلةٌ أبدتْ سريرتَه … وذاك ذو حَذَرٍ كالحيَّةِ الذَّكَرِ
وقال ابن معين: كان مَعْبد ثقةً صدوقًا في الحديث، وكان رأسًا في القَدَر.
وقال أبو زُرْعَة: كان مَعبد ضعيفًا، وقال يحيى بن يَعْمَر. زعم معبد أن الأمر أُنُف، مَن شاء عمل خيرًا، ومَن شاء عمل شرًّا.
وقال الأوزاعي: أول من تكلَّم في القَدَر رجل من أهل العراق يقال له: سُوْسَن، كان نصرانيًّا فأسلم ثم ارتدّ، فأخذ عنه مَعْبَد الجُهنيّ، وأخذ غَيلانُ عن مَعْبَد.
وروى ابن عساكر: أن مَعبد الجُهنيّ لما تكلّم في القَدَر أخذه الحجاج فقتله.
وكان مَعْبد قد قاتل الحجاج في المواطن كلها، ثم ندم على قتاله، وكان الحجاج يُعذِّبُه بأنواع العذاب فلا يَصيح، فإذا جاء الذُّباب فوقع على جُرحه يَستغيث، فقيل له في ذلك فقال: عذابُ بني آدم أصبر عليه، أما الذباب فمن عذاب الله فلا صبر لي عليه.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان قتله في القَدَر في سنة ثمانين، وصَلَبه بدمشق، وكان الحسن البصري يقول: أنهاكم عن مَعْبَد؛ فإنه ضالٌّ مُضِلّ (١).
المُهَلّب بن أبي صُفرة
ظالم بن سَرَّاق بن صُبْح بن كِنديّ بن عمرو بن عَديّ بن وائل بن الحارث بن العَتيك بن الأَسْد بن عِمران بن عمرو بن مُزَيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغِطْريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأَزْد، الأَزْديّ، العَتَكيّ، البَصْريّ، وقيل: اسم أبي صُفْرة: سارق بن ظالم، وقيل: ظالم بن سارق، وقيل طارق بن سارق، وقيل: قاطع بن سارق.
وكان له ابنة يقال لها: فاختة، فسماها صُفرة.
وكان أبو صُفْرة من أَزْدِ دَبا، ما بين عُمان والبَحرين، وكانوا قد أسلموا، وقدم وَفْدُهم على رسول الله ﷺ مُقرِّين بالإسلام، فبعث إليهم مُصَدِّقًا منهم يقال له: حُذيفةَ