وقال الحسن البصري: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر (١).
وقال مجاهد: بالنَّار.
وقال الرَّبيع: بالجبَّار الذي أخذ سارَة.
وقال مقاتل: بنمرود.
وقال مقاتل بن حيَّان: بذبح الولد.
وروي عن ابن عباس أنَّها المناسك: الطَّواف بالبيت والسَّعي ورمي الجمار والإفاضة، والغسل من الجنابة والغسل يوم الجمعة. وقال مقاتل بن سليمان: هي كل مسألة في القرآن مثل قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ونحو ذلك. (٢)
قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] الذرية: من ذرأ الله، أي: أخرج، وقال الزجاج: هي فعلية من الذرّ الذي أخرج من ظهر آدم. قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: لا ينال ميثاقي العصاة (٣).
فصل في ابتلائه بذبح ولده (٤)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية. قال علماء السِّير: كان السبب في الأمر بذبح ولده أنه لما فارق قومه مهاجرًا إلى الشام فارًّا بدينه كما قال الله تعالى: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩] دعا أن يرزقه ولدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فلمَّا أقام بفِلَسطِين ونزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكات -وهي قرى قوم لوط- وبشَّروه بغلام حليم، قال: هو لله ذبيح، فلمَّا ولد له الغلام من سارَة وصلح أن يسعى معه أتاه آتٍ في منامه فقال له: أوفِ بنذرك. وقال ابن عباس: وكان عمره يومئذٍ ثلاث عشرة سنة،
стр. 457
وهذا الزَّمان أحبُّ ما يكون الولد إلى والده، لأنَّه قد استغنى عن الحضانة وكلفة التربية، ولم يبلغ إلى حالة العقوق، فكانت البلوى به أشدَّ. فقال له: يا بنيَّ، انطلق بنا نقرِّب قربانًا، فأخذ سكينًا وحبلًا وانطلق معه، حتى إذا كان بين الجبال قال له الغلام: يا أبتِ، أين قربانك؟ فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية.
فإن قيل: فهل يجوز ذبح مثل ذاك الغلام بمنام، وقد كان جبريل يأتيه بالوحي شفاهًا لا في الأحلام؟ فالجواب: إنَّ الإنسان يكره أن يواجه بذبح ولده، فترك مخاطبة جبريل بذلك من باب الاحترام والإجلال والإعظام، وأمَّا منامات الأنبياء ﵈ فحقّ لأنها وحي على لسان ملك الرؤيا، وتارة يخاطبهم الله تعالى بما فيه مصالح الأنام.
وقال علماء السِّير ممن سمَّينا: لمّا رأى إبليس ذلك قال: لئن لم أفتنْ إبراهيم اليوم وولده وسارَة، وإلا لم أظفر منهم بشيء أبدًا، فأتى أتمَ الغلام فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب يحتطب لنا من هذا الشعب، قال: والله ما ذهب به إلا ليذبحه، فقالت: كلَّا هو أرحم به وأشدّ حبًّا له، قال: يزعم أنَّ الله أمره بذلك، فقالت: إن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربَّه، سلَّمنا لأمر الله وقضائه. فلمَّا يئس منها أتى الغلام وهو يمشي وراء أبيه فقال له: يا غلام، هل تدري أين يَذْهَبُ بك أبوك؟ قال: نعم يحتطب لأهلنا من هذا الشعب، فقال: لا والله، ما يريد إلّا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره ربّه به، سمعًا وطاعةً. فلمَّا يئس من الغلام أتى إبراهيم فقال: أيها الشيخ، أين تريد بهذا الغلام؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لنا فيه، فقال: والله إني لأرى أن الشيطان جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك، فعرفه إبراهيم فقال له: إليك يا خبيث عني، فو الله لأُمضينَّ أمر ربي. فرجع عدوّ الله خاسئًا خاسرًا لم يبلغ من سارَة والغلام وإبراهيم ما أراد (١).
وقال ابن عباس: فلمَّا علم الغلام أنه ذابحه قال له: يا أبة، اشدد رباطي لئلا أضطرب، واكفف ثيابك عن دمي لئلا يصيب ثوبك فتراه أمي فتحزن، وأسرعْ مرَّ
стр. 458
السكين على حلقي ليكونَ أهونَ للموت عليَّ، وإذا أتيت أمِّي فأقرئها السَّلام عني، واذكرْ لها ثواب الصابرين. فأقبل إبراهيم يقبِّله ويبكي ويقول: نعم العونُ أنت يا بُنيَّ على أمري، والغلام يبكي، وضجَّتْ ملائكة السماء بالبكاء، فقال الله: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي استحقَّ الخُلَّة أم لا؟ فقالوا: إلهنا، لو كنَّا مكانه لم نصبر.
وإنما قال له: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] ليختبر ما عنده من الرَّأي في أمر الله فإن أجاب حزن عليه، وإن امتنع لم يحزن عليه. فلمَّا قال له: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ازداد بلوى بفراقه. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه على جنبه فصار أحد جَبينَيهِ على الأرض -وهما جبينان والجبهة بينهما، والعوام تسفي الجبهة جبينًا- فأمرَّ السِّكين على حلقه فلم تعمل شيئًا، وضرب الله على حلقه صفيحة نحاس فانقلبت السكين، فناداه الغلام: يا أبت، اقلبني على وجهي فلعلك تستحي أو تدرك رقة فتحول بينك وبين أمر الله وضجَّت السَّماوات والأرض ومن فيهما لما رأوا من صبر الغلام. فبينما هو كذلك قلب الله الشفرة ونودي الخليل ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] فالتفت فإذا بكبش أملح من الجنَّة قد رعى فيها أربعين خريفًا. وقال مقاتل: هو الكبش الذي قرَّبه هابيل، جاء به جبريل.
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أنَّ إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين حكاه جدِّي ﵀ في "التبصرة" (١).
فخلى عن الغلام وجعل يقبِّله ويبكي ويقول: اليومَ وُهبت لي يا بنيَّ، واشتغل بذبح الكبش عنه، فحلَّ جبريل كتافه فالتفت إبراهيم فرآه فقال: من حلَّ كِتافك؟ فقال: الذي جاءك بالكبش.
وقال أهل المعاني: هذا جواب إبراهيم لما ذهب إسماعيل ليأتيه بالحجر الأسود وجاءه جبريل به، وجاء إسماعيل فقال: يا أبت، من أين لك هذا؟ قال: جاءني، به من لم يكلني علي بنائك (٢).
стр. 459
فإن قيل: فكيف لم تقطع السكين حَلْقَ الغلام، وقطعت حلق الحسين ﵇؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: لأنَّ النبي ﷺ كان في ظهر الذبيح على قول من يقول إنه إسماعيل، فلم تعمل السكين فيه احترامًا لرسول الله ﷺ .
والثاني: لأنها لو قطعت عنق الذبيح لاحتاج النَّاس في كل سنة إلى ذبح أولادهم أسوةً به، ففداه الله بالكبش لطفًا منه ورحمة، فكان الكبش فداء للنَّاس كلهم إلى يوم القيامة.
والثالث: لأنَّ الذابح للغلام كان شفيقًا، والذابح للحسين كان عدوًّا، العدوُّ ما في قلبه رحمة بخلاف الوالد.
والرَّابع: أنَّ الحسين وافق أولاد الأنبياء كيحيى بن زكريا، ولهذا عدد حروف اسم الحسين على عدد حروف يحيى، فجعلت الموافقة في الاسم والرَّسم والشَّهادة، وحظي قاتل الحسين باللعنة إلى يوم القيامة من عالم الغيب والشهادة.
قال علماء السِّير: فلمَّا رجع الغلام إلى أمّه رأته ممتقعَ اللون، فسألته فأخبرها فقالت: أردتَ يا إبراهيم أن تذبح ولدي ولا تخبرني؟! فيقال: إنَّها انفطرت مرارتها فماتت بعد ثلاثة أيَّام (١).
وقال مقاتل: إنما رأى مقدِّمات الذَّبح من المعالجة ولم ير الإراقة، فلمَّا فعل في اليقظة ما رآه في المنام قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] أي الاختبار الخالص.
وقال الزهري: وفي ذلك يقول أميَّة بن أبي الصَّلت (٢): [من الخفيف]
ولإبراهيمَ المُوَفِّي بالنَّذ … رِ احتسابًا وحاملِ الأثقالِ
стр. 460
يا بُنيَّ إني نَذرتُكَ لِلـ … ـهِ ذبيحَّا فاصبرْ على الأهوالِ
بينما يَنزعُ السرابيلَ عنهُ … فكَّهُ ربُّهُ بكبش جُلالِ
رُبَّما تَجزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمـ … ـر لهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقَالِ
من أبيات.
﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أراد الاسم، وهو ما هُيِّئَ للذبحِ من الحيوانات، وهو ما يذبح إلى يوم القيامة، وهذا أبلغ. وقيل: إنما وصفه بالعِظَم، لأنه رعَى في الجنَّة مدَّة، وقيل: لأنَّه متقبَّل (١).
ذكر اختلاف العلماء في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟
ذهب عامَّة الصحابة والتَّابعين ومن بعدهم إلى أنه: إسحاق، وهو قول العباس بن عبد المطلب، وعلي، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، وكعب الأحبار، والحسنِ البصري، ومسروق، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بَزة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن ساباط، والزهري، والسُّدي، وعبيد بن عمير، ووهب، وأبي ميسرة، وقول أهل الكتابين التوراة والإنجيل، ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وعن ابن المسيِّب روايتان (٢).
وقالت طائفة: هو إسماعيل، وبه قال عبد الله بن عمر، وأبو الطفيل واثلة بن الأسقع، ومعاوية، وعبد الله بن سلَام، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والشعبي، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وابن المسيّب ومالك والشافعي، والحسن البصري في رواية (٣).
وجه قول القائلين إنه إسماعيل
قال أبو إسحاق الثعلبي: روى عمر بن عبد الرحمن الخطَّابي [بإسناده عن الصُّنابحي] قال: كنَّا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟
стр. 461
فقال معاوية: على الخبير سقطتم، كنت عند النبيِّ ﷺ فجاءه رجل فقال: عُدْ عليَّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك رسول الله ﷺ ، فقيل له: يا رسول الله، وما الذبيحان؟ فقال: "أبي عبد الله وجدِّي إِسماعيل" (١) مختصر.
وروى أبو جمرة (٢) -واسمه نصر بن عمران الضُّبَعيُّ- عن ابن عباس أنه قال: المفديُّ إِسماعيل، وزعمتْ اليهود أنه إسحاق وكذَبت (٣).
وقال محمد بن كعب القرظي: إنَّا لنجد في كتاب الله أنَّ الذبيح إسماعيل، وذلك لأنَّ الله تعالى لما فرغ من قضَة الذبيح قال: وبشَّرناه بإسحاق، فدلَّ على أنَّ قصَّة الذبيح كانت متقدِّمة على البشارة بإسحاق (٤).
وقال مقاتل: سأل عمر بن عبد العزيز [أحد] أحبار اليهود -وكان قد أسلم- عن الذبيح فقال: هو إسماعيل، قال: فما بال اليهود يقولون إنه إسحاق؟ قال: يعلمون أنه إسماعيل ولكنهم يحسدونكم فيقولون: هو أبونا إسحاق (٥). ولأن الأمم توارثت النحر بمنىً من زمان الخليل ﵇ إلى هلم جرَّا، وموضع النَّحر بمنىً مشهور، وهو من شعائر الحجِّ، فإنَّ النَّحر هناك واجب حتى لو تركه لزمه دم.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده لقد كان أوَّل الإسلام، وإنَّ رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وحش، أي يبس (٦).
وقال الشعبيُّ: أنا رأيت قرنيه وكان يتوارثهما بنو إسماعيل كابرًا عن كابر إلى أن احترق البيت في أيام الحجَّاج فاحترق القرنان.
وروي عن عليٍّ كرَّم الله وجهه أنَّه قال: الكبش الذي فُدِيَ به إسماعيل نزل من ثَبِير فنحره إبراهيم بمنىً.
стр. 462
وقال الأصمعيُّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح أكان إسحاق أم إسماعيل؟ قال: أين ذهب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكَّة؟ وإنما كان بها إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والنحر بمنىً لا شك فيه.
وقال أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحَبِيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير يقول: سمعت أبا محمد الزنجاني المؤذن يقول: سئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فقال:
إنَّ الذَّبِيح -هديت- إسماعيلُ … نطق الكتابُ بذاك والتَّنزيلُ
شرفٌ به خصَّ الإله نبيَّنا … وأبانَهُ التفسيرُ والتأويلُ
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لما أُمِرَ إبراهيم بذبح ولده عرض له الشَّيطان عند المشعر [الحرام] فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فذهب، ثم عرض له عند الجمرة الثانية والثالثة وهو يرميه بسبع حصيات حتى مضى إبراهيم لأمر الله تعالى (١).
وجه قول القائلين بأنه إسحاق
قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن الأحنف بن قيس عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الذي أرَادَ إبراهيمُ ذبحه إسحَاق" (٢).
وقال أبو إسحاق بإسناده أيضًا عن عمر بن حفص عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يَشفَعُ إسحاقُ بعدي فيقُولُ: يا ربِّ، صدَّقتُ نبيَّكَ وَجُدتُ، بنفسي للذَّبحِ فلا تُدخِلِ النَّارَ من لا يُشرِكُ بِكَ شَيئًا، فيقولُ اللهُ: لا أُدخِلُ النَّارَ من لا يشرِكُ بِي شَيئًا" (٣).
وروى العباس عن النبي ﷺ أنه قال: "الذَّبيحُ إسحَاق". وأسنده جدي في "التبصرة"
стр. 463
ولم يتكلم عليه ولا بيَّن ما فيه، وذكر في إسناده المبارك بن فَضَالة عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس (١)، وفيه نظر لما نذكره ولأنَّ الله أخبر عن خليله حين فارق قومه مهاجرًا إلى الشام مع لوط وسارة فقال: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١٠١].
وروى الثعلبي عن ابن مسعود قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (٢).
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن موسى مولى أبي بكر الصديق عن سعيد بن جبير قال: أُري إبراهيم ذَبْح ولده إسحاق في المنام فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنىً، فلمَّا صرف الله عنه الذَّبح وأمره بذبح الكبش فذبحه سار به في روحة واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال.
وقال أبو إسحاق: وروى عبيد بن عُمير عن أبيه قال: قال موسى: يا ربِّ، يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم ذلك؟ فقال الله: لأنَّ إبراهيم لم يعدل بي شيئًا قط إلَّا اختارني عليه، وإنَّ إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود، وإنَّ يعقوب كلَّما زدته بلاءً زاد بي حسن ظن (٣).
وذكر جدي في "التبصرة" هذا الحديث على غير هذا الوجه، عن العباس عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "قال داود: إلهي، أسمع الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني رابعًا. قال الله: لست هناك، إنَّ إبراهيم لم يعدل بي شيئًا إلا اختارني عليه، وإنَّ إسحاق جاد لي بنفسه، وإنَّ يعقوب في طول ما كان لم ييأس من يوسف" (٤).
قال: وروى حمزة الزيَّات عن ابن إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال يوسف للملك: تستنكف أن تأكل معي وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيُّ الله، ابن إسحاق ذبيحُ الله، ابن
стр. 464
إبراهيم خليلُ الله (١).
وقد روي أن المذبح كان بالقدس. وقال كعب الأحبار: نصُّ التوراة أنَّ الله قال لإبراهيم: خذ وحيدك الذي أحببته وامض إلى أرض الموريا -يعني صخرة القدس- وأصعدهُ على الصخرة صعيدة، أي قربه، فخرج وصاح بغلمانه: ابعدوا، مخافة أن يستغيث الولد بواحد منهم فيمنعه ممَّا يريد، فيبطل ثمرة قبول الأمر -وهو الثَّواب الدَّائم- فقال له: يا بنيَّ، انطلق بنا نقرِّب قربانًا، فأخذ السكين والحطب والنَّار، فقال الولد: وأين الصعيدة؟ قال: هي أنت، فقال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين فصعد على الصخرة وبنى عليها مذبحًا، وكتَّف الولد وجعله فوق الحطب، وأخذ المدية ليذبح الولد، فناداه الربُّ من السماء: يا إبراهيم، لا تمدَّ يدك إلى ولدك بسوء، فإني قد علمتُ وجميع ملائكتي وإنسي وجني أنك لم تمنع وحيدك عني، وإني قد باركت عليكما وفيكما. ثم التفت إبراهيم فأبصر كبشًا مربوطًا بقرنيه فأخذه وذبحه صعيدة عوض الغلام، ورجع الغلام إلى أمِّه سارة (٢).
وقال وهب: كان المذبح بإيلياء من أرض فلسطين.
قلت: والواجب التوقُّف في هذا، فإنَّ الأدلة متعارضة من الجانبين: أمَّا على قول من قال إنه إسماعيل:
أمَّا الصُّنابحي فضعيف، وضَحِكُه ﷺ -إن ثبت الحديث- كان تعجُّبًا من قول الرجل، ولو كان ابن الذبيحين لما ضحك.
وأمَّا رواية أبي جمرة (٣) عن ابن عباس أنَّه قال: الذبيح إسماعيل، فقد روى عنه الوالبي أن الذبيح إسحاق.
وأمَّا قول محمد بن كعب القرظي: إن الله قال بعد قصَّة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] فقد قال: نبيًّا وهذا لا ينفي أن يكون ذبيحًا.
стр. 465
وقولهم: إنَّ الأمَّة توارثت النحر بمنًى فلا يدلُّ على أن الذَّبيح لم يكن إسحاق لوجهين:
أحدهما: لأنه يحتمل أنَّ اللهَ تعالى أمر الخليل بنحر كبش (١) بمنًى، وجعل ذلك من شعائر الإسلام ومناسك الحج.
ويحتمل أنَّ إبراهيم سار بإسحاق إلى منى وعاد كما ذكر سعيد بن جبير (٢)، وأخرجه أحمد في "المسند" أنه إسحاق (٣).
وأمَّا قول ابن عباس: لقد كان رأس الكبش معلَّقا بقرنيه في أوَّل الإسلام. فبعيد لأنَّ بين إبراهيم ونبيَّنا محمد ﷺ ثلاثة آلاف سنة، لما نذكر فيما بين الأنبياء من السنين، فكيف يبقى رأس الكبش هذه المدَّة؟ ويحتمل أنه رأس كبش آخر.
وما روي عن عليٍّ كرَّم الله وجهه فقد روي عنه أنَّ الذَّبيح إسحاق. وقول ابن عباس عرض له الشيطان عند العقبة لا ينفي أن يكون إسحاق.
وأمَّا على قول القائلين بأنه إسحاق، فالأخبار التي ذكرها الثعلبي غريبة جدًّا. وأمَّا حديث العباس فلا يصحُّ مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، قال محمد بن إسحاق: رواه المبارك بن فضالة عن الحسن فوقفه على العباس، وكذا رواه عكرمة عن ابن عباس عن أبيه، وعكرمة ضعيف.
وقولهم: ليس في القرآن أنه بُشّر بولد إلا بإسحاق، فقد ثبت في الصحيح: أنَّ إسماعيل وُلدَ له أوَّلًا على ما رواه البخاري، فنزل منزلة المتواتر، ولا يختلفون فيه.
وأمَّا الآثار فمعارضة بمثلها.
قلت: وإذا وقع التعارض وجب التوقف، أو نطلب الترجيح، فنقول: مذهب من قال بأنه إسحاق مذهب الجمِّ الغفير من الصحابة وغيرهم، ومن خالفهم مثل على وابن عبّاس فقد روينا عنهما مثل قول الجميع.
стр. 466
ونطلبه أيضًا من التاريخ فإنَّ علماء السِّير لا يختلفون أنَّ أوَّل ولد إبراهيم إسماعيل وأنه حمله صغيرًا مع أمِّه إلى مكَّة، وأنه غاب ععْه مدة بحيث تزوَّج امرأتين، وأنَّ إبراهيم جاءه وهو ابن ثلاثين سنة ولإبراهيم مئة سنة؟ واتفقوا أيضًا على أنَّ هاجر ماتت بمكة ولها تسعون سنة، واتفقوا أيضًا على أن الملائكة بشَّرت سارة بالولد وقد أتى عليها تسعون سنة، وأتت على إبراهيم مئة وعشرون سنة، وأنَّ إبراهيم لما بشَّروه بالولد قال: هو لله ذبيح. واتفقوا على أنَّ سارة لم تدخل الحجاز، وأنَّ إسماعيل لم يدخل الشام؛ وقال جدِّي في "التبصرة": والأصحّ أنَّ الذَّبيح إسحاق (١). فبان بما ذكرنا من الترجيح أن الذبيح إسحاق.
واختلف العلماء في مَنْ نذر أن يذبح ولده أو ينحره؛
فقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد: يصحُّ نذره ويلزمه ذبح شاة ويخرج عن العهدة استحسانًا. والقياس أن لا يصح، وبه قال أبو يوسف وزفر ومالك والشافعي، وجه قولهم أنَّ النذر بهذه الأشياء ليس بقربة ولا طاعة، وصار كما لو قال: لله عليَّ أن أقتلَ ولدي أو أذبحَ والدي أو جدِّي أو عمِّي أو خالي أو عبدي. ولنا قصَّة الخليل ﵇، فإنَّه نذر أن يذبح ولده ففدي بكبش ولنا به أسوة.
وقولهم ليس بقربة، قلنا: نفس النذر ليس بقربة، لكنَّ النذر يوجب ذبح شاة، والذبح قربة بخلاف ما ذكروا من الأحكام، فإنَّ النَّذر بها لا قربة فيه، غلى أنَّ لأصحابنا فيه منعًا. وأمَّا العبد فيصحُّ عند محمد لأنه مال، والمال محبوب، وعند أبي حنيفة إنما لا يصحُّ لأنَّ النصَّ ورد في الولد، والعبد ليس في معناه.
قصة (٢) الخليل ﵇ مع العابد
روى وهب بن منبِّه قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا قال: يا ربِّ، أرني وليًّا من أوليائك، فأوحى الله تعالى إليه: اطلبه على ساحل البحر، فنزل يمشي على السَّاحل وإذا بكهلٍ قائم يصلي، فلمَّا رآه أوجز في صلاته، فسلَّم عليه إبراهيم وقال: سلامٌ
стр. 467
عليكَ يا وليَّ الله، فردَّ عليه¬ السَّلام وقال: وعليك السَّلام يا خليل الله، فقال: من أين علمتَ أني خليل الله؟ فقال: أخبرني الذي أخبرك أني وليّ الله، وهناك شجرة خضراء شديدة الخضرة، والسَّاحل يشرق من نور وجه الوليِّ، فأخذا يتذاكران، فمرَّت بينهما غزالة فوقعت مشويَّةً بين أيديهما، فقال الخليل: بسم الله، فقال الوليّ: والذي دلَّك عليَّ ما أفطرتُ نهارًا منذ أربعين سنة، ولولا كرامتك لما أفطرت، فأكلا منها، فلمَّا فرغا قال الوليُّ: عودي كما كنت بإذن الله، فقامت الغزالة تمشي. ثم قام الولى وودَّع الخليل ودخل البحر يمشي على الماء، فعجب الخليل وقال: يا ربِّ، ما كنت أقول إنَّ في عبادك من يشبهني فبمَ أعطيتَ هذا العبدَ ما أعطيته؟ فقال الله: بحسنِ يقينه، ولو ازداد يقينا لطار في الهواء.
قصة إبراهيم ﵇ مع العبد الحبشي
روى السُّدي عن أشياخه قال: خرج إبراهيم ﵇ في السياحة فوقع في مفازة، فعطش ولم يقدر على الماء، فإذا بعبدٍ حبشي يرعى غنما، فقال: أنا عطشان، فقال: يا خليل، أيما أحبُّ إليك اللبن أم الماء؟ فعجب الخليل لما ذَكر اسمه وقال: الماء، فضرب الأرض بقدمه، فنبع ماءٌ أحلى من العسل، وأبرد من الثلج فشرب إبراهيم وبكى، وقال: إلهي، عبدٌ حبشيٌّ له عندك هذه المنزلة، وأنا خليلك أعطش ولا أقدر على الماء. فأوحى الله إليه: وعزَّتي وجلالي لو سألني هذا العبد الحبشي أن أزيلَ السماوات والأرض لفعلت، إنه لا يريد من الدنيا والآخرة سواي.
قصة الخليل ﵇ مع المجوسي
حكى وهب بن منبِّه عن مجاهد قال: كان إبراهيم ﵇ لا يُضيف من يكفر بالله، فنزل به مرَّة مجوسيّ فأضافه ولم يعلم أنه مجوسي. فلمَّا جاء وقت الصلاة قام إبراهيم يصلي، والمجوسي جالس، فقال له: يا شيخ، لم لا تصلي؟ فقال: هو مجوسي، فطرده وقال: لا أضيف من يكفر بالله، فقام وخرج وهو منكسر القلب. فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، أنا منذ سبعين سنة أرزقه على كفره وأنت بخلتَ عليه بلقمة؟! فقام إبراهيم وخرج يعدو خلفه، ارجع (١)، فقال: لا حاجة لي في ضيافتك بعد
стр. 468
أن طردتَني، فقال: إنَّ ربي عاتبني فيك فقال لي: كذا وكذا، فبكى المجوسي وقال: نِعم الرَّب ربٌّ يعاتب وليَّه (١) في عدوّه، ثم أسلم.
قصة الخليل ﵇ مع المَلَك
روى وهب بن منبِّه عن أشياخه قالوا: أقام الخليل بالشَّام، فكثرت أمواله (٢) ومواشيه وعبيدُه، فجلس يومًا على تلٍّ عالٍ وبين يديه ألف قطيع من الغنم، في كل قطيع عبد وكلبٌ في عنقه طوق من ذهب، وما شاء الله من الخيل والإبل. فقال بعض الملائكة: أيتَّخذ ربُّنا من نطفة آزر خليلًا ويؤتيه هذا الملك العظيم؟! -وفي رواية: فقالت الملائكة ذلك- فأوحى الله إليهم: اعتمدوا على من شئتم ينزل إلى الأرض يختبره، فاختاروا بعض الملائكة، وقيل: اختاروا جبريل وميكائيل، فنزلا في صورة فقيرين، فقال لهما الله: اذهبا فاذكراني عنده، فجاء جبريل فوقف عن يمينه وميكائيل عن شماله، فقال جبريل بصوت رخيم: قدوس قدوس، وقال ميكائيل: ربُّ الملائكة والرّوح، فانتفض إبراهيم انتفاضة وقال: ما تريدان؟ فقالا: قطيعًا من الغنم، فقال: خذا مهما شئتما أن تأخذا. ثم لم يزالا حتى أخذا الجميع فقال: أعيدا ما قلتما وخذا جميع أهلي وأولادي وما أملك، ففعلا. فضجَّت الملائكة والسماوات والأرض والجبال والشجر والدَّواب وقالوا: هذا والله الكرم، وقال قائل: الخليل موافق لخليله. ثم ارتفعا إلى السماء وهما يقولان: حق لك يا ربَّنا، أن تتخذ هذا خليلًا، فقال الله: رُدَّا عليه ما أخذتما وأضعفا له ذلك.
فصل في وفاة سارة وأولاد إبراهيم ﵇ -
قد حكينا أنها توفيت بعد قصَّة الذبح بثلاثة أيام (٣)، ودفنت في المغارة التي اشتراها الخليل ﵇. قال جدِّي ﵀ في "أعمار الأعيان": وعاشت مئة وسبعًا وعشرين سنة (٤).
стр. 469
قال وهب. فتزوَّج إبراهيم بعدها امرأة من الكنعانيين من العرب العاربة، فولدت له ستة نفر، منهم مدين الذي أرسل شعيب إلى أولاده، واسم هذه المرأة: قنطوراء بنت يقطان، وقيل: بنت منطور. قال ابن الجواليقي: وقال حذيفة: يوشك بنو قنطوراء بالمذار أن يُخرِجوا أهل البصرة منها كأني بهم خُزْرَ العيون عِراضَ الوجوه. قال ابن الجواليقي: ويقال: إن قنطوراء كانت جارية إبراهيم فولدت له أولادًا والترك من نسلها (١).
وقال أبو السائب المخزومي: تزوَّج إبراهيم امرأة أخرى يقال لها: حجون أو حجورا، فولدت له خمسة بنين، وقال ابن قتيبة: فجميع أولاد إبراهيم ثلاثة عشر رجلًا (٢).
قلت: وقد حكى ابن سعد عن هشام ابن الكلبي عن أبيه عن أولاد إبراهيم (٣) فقال: إسماعيل أكبر ولده وأمُّه هاجر قبطيَّة، وإسحاق وأمُّه سارة. وقد ذكرناه (٤).
وقال ابن عباس: فرَّق إبراهيم أولاده فبعث إسماعيل إلى جرهم، وإسحاق إلى الشام، ولوطأ ابن أخيه إلى سدوم. وفي أيَّام الخليل أهلك اللهُ قوم لوط لما نذكر.
فصل في وفاة الخليل ﵇ - (٥)
روى الضحَّاك عن ابن عباس قال: لما أراد الله قبض روح إبراهيم أوحى إلى الأرض إني دافن فيكِ خليلي، فاضطربت الدنيا وتشامخت الجبال، وتواضعت منها بقعة يقال لها: حِبْرَى، فأوحى الله إليها: يا حِبْرَى، أنت شعشوعي، وأنت قدسي، وفيك خزانة علمي، وعليك أُنزلُ رحمتي، وأسوق إليك خيار عبادي، فطوبى لمن وضع جبهته فيك، فيك أدفق خليلي وصفييِّ، فمن صلى فيك أمنته يوم الفزع الأكبر.
стр. 470
وقال الربيع بن أنس: كانت حَبْرون لجبَّار يقال له: عَفْرون، ومسكنه حِبْرَى، فاشتراها منه إبراهيم بأربع مئة درهم، واشترط عليه عَفرون كل درهم وزن خمسة دراهم، كل مئة منها ضرب ملك، فلم يقدر عليها، فجاءه جبريل بها، فقال عفرون: من أين لك هذه؟ فقال: بعث بها إليَّ خليلي رب العالمين مع أمينه على وحيه جبريل، فأسلم عفرون على يده. وجعلها إبراهيم لمن مات من أهله، فماتت سارَة فدفنها بها.
وروى مقاتل عن أبي إدريس الخولاني قال: لما أراد الله سبحانه أن يقبض روح إبراهيم أمر ملَك الموت أن يتلطَّف به، فجاءه في صورة شيخ ضعيف يرتعش، فقدَّم له طعامًا، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها في فيه فيدخلها في عينه أو أذنه أو أنفه. وكان إبراهيم قد سأل ربَّه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأل ربَّه الموت، فقال للشيخ: ما الذي بك؟ فقال: الهرم، قال: كم أتى عليك من السنين، فذكر مثل سني إبراهيم إلا سنة (١)، فقال إبراهيم: قد بقي لي سنة وأصير مثل هذا، اللهم اقبضني إليك، فقام الشيخ فقبضه.
وذكر عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا الصَّلت بن مسعود بإسناده عن كعب الأحبار، وذكر بمعناه، وأن إبراهيم كان في كرم وقدَّم للشيخ عنبًا، وذكره.
وبهذا الإسناد عن كعب قال: كان إبراهيم يقري الأضياف، فأبطؤوا عليه، حتى إنه استراب بذلك، فخرج إلى الطريق فطلب ضيفًا، فمرَّ به ملَك الموت في صورة مسكين، فانطلق به إلى البيت فرآه إسحاق فعرفه فبكى، وبكى إبراهيم، وبكى ملَك الموت لبكائهما. ومضى ملك الموت، فقال له إسحاق: يا أبةِ أوصِ فما أرى أجلك إلَّا قد حضر، وهذا ملك الموت.
وحكى السّدي عن أشياخه قال: كان لإبراهيم بيت يتعبَّد فيه ولا يدخله غيره، فجاءه ملك الموت فدخله، فجاء إبراهيم فقال: كيف دخلت بيتي بغير إذني؟ فقال: ما دخلت إلَّا بإذنٍ، فعرفه، فقال: أرني الصورة التي تقبض فيها أرواح المؤمنين، فأراه إياها، فقال له: اقبض، فقبضه، وصعد بروحه إلى السماء فقال: يا إلهي قد جئت بروح من ليس في الأرض بعده خير.
قال وهب: فقال الله تعالى لإبراهيم، كيف وجدت الموت؟ فقال: كأن روحي تنزع
стр. 471
بالسُّلَّاء (١). فقال الله: قد هوَّنَّا عليك.
وحكى الحافظ في "تاريخ دمشق" عن ابن عمر قال: قال الله تعالى: يا جبريل، خذ ريحانةً من رياحين الجنَّة وانطلق بها مع ملك الموت إلى خليلي وحيِّه بها، وقل له: الخليل إذا طال به العهد أما يشتاق إلى خليله؟ ففعل، فقال الخليل: بلى قد اشتقت إلى لقائه. ثم شمَّ الريحانة فمات (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن محمد عن أبيه قال: خرج إبراهيم إلى مكة ثلاث مرات، ودعا الناس إلى الحج في آخرهن، فأجابه كلّ شيء سمعه، فاوَّل من أجابه جرهم قبل العماليق ثم أسلموا ورجع إبراهيم إلى الشام فمات به وهو ابن مئتي سنة (٣).
وقال مجاهد: مات جماعة من الأنبياء فجأة، منهم الخليل وداود وسليمان والصالحون، وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الفاجر.
وقال وهب: دفن إبراهيم في مغارة حِبْرَى بإزاء سارَة، ثم دفن أولاده وأولاد أولاده وأهله في المغارة، وبينها وبين القدس عشرة أميال. ولما طال الزمان عفت آثارها. فلما بعث سليمان أوحى الله إليه بعد ما بنى البيت المقدس أنْ ابنِ على خليلى حَيْرًا عاليًا يعرف به قبره، فخرج سليمان فأتى القرية التي شمالي حِبْرَى، ويقال لها: بيت الرَّامة، فبنى هناك بنيانًا وآثاره فيه، فأوحى الله إليه: ليس هو ها هنا ولكن انظر إلى النور المتدلي من السماء فاتْبَعْهُ، فنظر فإذا هو بالنور على حِبْرَى، فبنى عليه البنيان القائم اليوم، أمر الشياطين فبنته.
وفي حديث المعراج عن النبي ﷺ أنه قال: "مرَرتُ بقبرِ أبي إبراهيمَ فقال لي جبريلُ: انزلْ فصلِّ هنا ركعتين" (٤).
стр. 472
وقال كعب الأحبار: في بعض انكتب يقول الله تعالى: مَنْ حِيل بينه وبين زيارة قبر محمد ﷺ فعليه بزيارة قبر إبراهيم.
وقال عبد الله بن سلام: زيارة قبر إبراهيم والصلاةُ عنده حجُّ الفقراء ودرجات الأنبياء.
فأمَّا ما يروى عن النبيّ ﷺ : "من زارني وزار قبر أبي إبراهيم في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنَّة" (١)، ففيه للمحدثين نظر.
فصل في مبلغ سنّه
واختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: مئة وخمس وسبعون سنة، قاله الكلبي.
والثاني: مئة وتسعون سنة، قاله مقاتل.
والثالث: مئتا سنة، وهو الأصحُّ، وحكاه الخطيب عن ابن عباس، وذكره جدي ﵀ في "أعمار الأعيان" وذكر جماعة عاشوا مائتي سنة منهم النابغة الجعدي وأدرك الإسلام وأسلم، وكذا الجعشم (٢) بن عوف بن جَذِيمة، ومحصن بن عبسان (٣) بن ظالم، وسيف بن وهب بن جَذِيمة، وعامر بن جُوَين، والنَّمر بن تَوْلَب، وجَناب بن مَصاد بن مُرارة، وثُوَب بن تُلْدة ووفد على معاوية، وأمية بن الأسْكر (٤)، والقُدار العَنَزي، وسويد بن خَذَّاق بن عبد قيس، وامرؤ القيس بن حُمام، وأبو الطَّمَحان القَيني من بني القَين واسمه حنظلة، وهو القائل: [من الوافر]
حنتني حانياتُ الدَّهر حتَّى … كانِّي خاتلٌ يَدْنُو لصَيْد
قصيرُ الخطو يحسبُ من يَراني … ولست مقَيَّدًا أنِّي بقَيدِ (٥)
انتهت سيرة الخليل ﵊.
стр. 473
فصل في هلاك نمرود وبنائه للصرح وحديث النسور
قال علماء السِّير: وفي أتام الخليل ﵇ احتال نمرود في صعوده إلى السَّماء لما شاهد نجاة إبراهيم، فازداد عتوًّا، وحلف ليطلبنَّ إله إبراهيم.
فحكى جدي ﵀ في "التبصرة" عن السدي قال: فأخذ أربعة أفراخ من النُّسور، فربَّاهم باللحم والخمر حتى كبروا واستفحلوا، فجوعهم أيَّامًا وقرنهم بتابوت، ونصب أربعة رماح في جوانب التابوت، وربطها في التابوت بسلاسل، وجعل على رأس كلِّ رمح فخذًا من اللحم، وربط أعينها، وقعد في التابوت، ثم أمر بإزالة العصائب عن عيونها جملةً. فلمَّا رأت اللحمَ طارت بالتَّابوت فعلَت به حتّى نظر إلى الأرض كأنّها فلكة في ماء. وصعدت النسور فغابت عنه الأرض حتى وقع في ظلمة وريح ونار، فلم يرَ ما فوقه ولا ما تحته، فخاف ونودي أيها الطاغية: إلى أين تريد؟ فنكّس الرماح باللَّحم فأهوت النسور منقضَّات، فلقَا رأت الجبال ذلك كادت أن تزول (١). قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
وقد حكى القصة أبو إسحاق الثعلبي عن علي ﵇ قال: قال علي وغيره: إنَّ نمرود الجبَّار قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقًّا فلا أنتهي حتى أعلم ما في السماء، فأعدَّ النسور وقعد في التابوت وجعل معه رجلًا آخر، وجعل له بابًا من فوق وبابًا من أسفل. فلمَّا طارت النسور طمعًا في اللحم وأبعدت في الهواء قال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا منها؟ ففتح وقال: إن السماء كهيئتها، فقال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض، ففتح وقال: أراها مثل اللُّجَّة والجبال مثل الدخان. قال: وقال عكرمة: وكان معه في التابوت غلام معه قوس ونشَّاب، فرمى سهمًا فعاد إليه السهم ملطخًا بالدم فقال: كفيت شغل إله السماء.
قال: واختلفوا في ذلك السهم من أي شيء تلطخ؟ فقال عكرمة: سمكة من السمك فدت نفسها لله تعالى من بحرٍ في الهواء معلَّق.
стр. 474
وقال بعضهم: من دم طائر أصابه السهم (١).
قلت: وقول الثعلبي: إنَّ السمكة فدت نفسها لله تعالى، كلام ساقط وأين سبع سماوات والعرش والكرسي وسبعون ألف حجاب حتى يصل إليها سهم نمرود، هانما يقال في هذا: إمَّا أن يكون استدراجًا لنمرود، أو اتفق أنَّ السهم أصاب طائرًا.
وقال الثعلبي أيضًا: ولما هبطت النسور بالتابوت سمعت الجبال حفيفَ النسور ففزعت، وظنَّت أنه قد حدث بها حدث من السماء، أو أنَّ السَّاعة قد قامت فذاك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (٢).
وقال الربيع بن أنس: لما رأى أنه لا يطيق شيئًا أخذ في بناء الصرح، قال الجوهري: الصرح كلُّ بناء عال (٣). ويقال للقصر: الصرح.
وقال مقاتل: بناه في ارتفاع ثلاثة أميال. فبينما الناس ذات يوم في ما هم إذ سقط الصرح، ففزعوا وتبلبلت ألسنتهم، وكان الصرح من الطين والآجر.
قلت: والعجب من سفه نمرود فإنه صعد إلى السماء حتى غابت عنه الأرض، ووقع في الظلمة ولم يظفر بطائل، فما قدر ارتفاع الصرح وهو مقدار فرسخ صف يظفر بمطلوبه؟
وقوله: تبلبلت الألسن، وهمٌ، لأنها إنما تبلبلت في زمان أولاد نوح كما ذكرنا.
وذكر جدّي في "التبصرة" وقال: وأمَّا نمرود فإنه بقي بعد إلقاء الخليل في النار أربع مئة عام لا يزداد إلَّا عتوًّا، ثم حلف ليطلبنَّ إله إبراهيم وذكر حديث النسور والصَّرح. قال: وقال زيد بن أسلم: بعث الله إلى نمرود ملكًا فقال له: آمنْ بي وأترك عليك ملكك، فقال: وهل ربٌّ غيري؟ فأتاه ثانيًا وَثالثًا، فعْتح عليه بابًا من البعوض، فأكلَت لحوم قومه وشربت دماءهم، وبعث الله بعوضة فدخلت في دماغه فمكث أربع مئة عام يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، فعذّب
стр. 475
بذلك إلى أن مات، هذا صورة ما حكى جدي ﵀ (١).
وذكر وهب بن منبِّه القصَّة وقال: قال نمرود للملَك: ألربِّكَ جنود؟ قال: ولم؟ قال: ليقاتلني، فإني ملك الملوك، وإنَّ الملوك يقاتل بعضهم بعضًا، فقال: اجمع جنودك إلى ثلاثة أيَّام، فجمع وحشد، وأمر الله خَزَنَةَ البعوض أن يفتحوا منها بابًا، ففتحوا، فلمَّا كان في صبيحة اليوم الثالث نظر نمرود إلى الشمس وقال: ما لها لا تطلع؟ ظنًّا منه أنَّها أبطأت، فقال الملك: حالت دونها جنود ربي. فأحاطت بهم البعوض فأكلت اللحوم وشربت الدماء، فلم يبق من الناس والدواب إلا العظام، ونمرود بحاله لم يصبه شيء فقال له الملك: أتؤمن؟ قال: لا، فأمر الله بعوضةً فقرضت شفته العليا أو السُّفلى فحكّها فشريت وعظمت، ثم دخلت منخريه ووصلت إلى دماغه فأكلت منه حتى صارت كالفأرة فأقام أربعين سنة يُضرب رأسُه بالمطارق.
وقال مقاتل: أربعين يومًا، وقيل: ست مئة سنة، قال السُّدي: والأصحُّ أربعين سنة، حتى هلك (٢).
وقال السُّدي: نمرود أوّل ملوك بابل، وهم النبط الذين شقُّوا الأنهار، وأن الفرس الأول إنما انتقل الملك إليهم منهم، كما أخذت الروم الملك من اليونان. وقال ابن الكلبي: من زعم أن نمرود كان عاملًا للضحَّاك فقد وهم، لأنَّ نمرود أوَّل ملوك النبط، والضحَّاك ينسب إلى الفرس، والله أعلم (٣).
* * *
стр. 476
فصلٌ في ذِكر إسماعيل ﵇ (١)
إسماعيل ﵇ اسم أعجمي، وفيه لغتان: إسماعيل باللام، وإسماعين بالنون.
وحكى ابن سعد عن هشام والواقدي: أن اسمه كان اشمويل فأعرب (٢).
وقد أثنى الله سبحانه على إسماعيل فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤] قال ابن عباس: كان إذا وعد أنجز وعده، وعد رجلًا أن يلتقيه بمكان فأقام سنة ينتظره ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وفي مصحف ابن مسعود: وكان يأمر قومه (٣).
ونبَّأه الله في حياة أبيه وكان بكر إبراهيم، ولد ولإبراهيم تسعون سنة في قول السُّدي، وولد إسحاق بعده بثلاثين سنة، وحمله إبراهيم على البُراق مع أمِّه وله سشتان، حكاه ابن سعد عن الواقدي (٤).
وقال وهب: لما توفي إبراهيم قام إسماعيل مقامه، وبعث إلى العماليق وجرهم وقبائل اليمن، وكانوا يعبدون الأوثان، فآمن بعضهم.
وقال ابن سعد: حدَّثنا الواقديّ عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما بلغ إسماعيل عشرين سنة توفيت هاجر بمكة وهي بنت تسعين سنة فدفنها في الحِجر (٥).
وشكا إلى الله حرَّ مكة فأوحى الله إليه إني أفتح لك بابًا في الحِجر تجري عليك منه الروح إلى يوم القيامة فيقال: إنه قريب من هاجر.
وقال عبد الملك ابن هشام في "السيرة": العرب تقول: هاجر وآجر، فيبدلون
стр. 477
الألف من الهاء، كما قالوا: أهْرَاق الماء وأراق الماء (١).
وحكى ابن سعد عن محمد بن علي بن الحسين ﵈: أوَّل من تكلَّم بالعربية إسماعيل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، قيل له: فما كان كلام الناس يومئذ؟ قال: العبراني، وكذا الكلام الذي أنزله الله على أنبيائه إبراهيم وغيره (٢). وكان كلام الناس السُّرياني والعبراني.
وقال السدي: إنما نطق بلغة جرهم. وقال مقاتل: لما نزلت جرهم تكلَّم كما يتكلَّمون به، واختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن معه جماعة من أولاد العرب. ووهب له مُضاض بن عمرو الجرهمي سبعة أعنز.
وذكر محمد بن عبدوس الجَهْشَياري في "كتاب الوزراء" عن كعب أنه قال: أوَّل من وضع الكتاب العربي والسُّرياني آدم قبل موته بثلاث مئة سنة، كتبها في الطين. فلما انقضى الطوفان أصاب كل قوم كتابهم، فكان الذي وجد كتاب العربية إسماعيل. قال: وقال ابن عباس: أوَّل من وضع العربية إسماعيل، ثم تكلَّم بها الناس (٣).
ذكر أولاده
ذكر جَدي ﵀ في "التبصرة" وقال: وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدًا، ولم يسمِّ منهم أحدًا (٤). وذكر الواقدي فقال: منهم نبت وقيل: نابت وقيذار، وقيل: إن نبت ابن قيذار، وهو أبو العرب كلهم.
وكان لإسماعيل أذبل وأميم وتيم ومسمع ودوما ودوام ومنشا وجداد وقيم ونطور ونافس وميسم، وكل هؤلاء لهم نسل (٥).
وذكر عبد الملك بن هشام في "السيرة" أولاد إسماعيل فقال: نبت أو نابت وقيذر (٦)
стр. 478
وماشي وكدما (١) وأذر وطيما (٢) وقنطور (٣) ونبش وقيذما، وأمهم بنت مُضاض بن عمرو الجُرهمي. وفي مضاض لغتان: كسر الميم وضمها، قال: وجرهم من قحطان، وقحطان أبو اليمن كلهم، وإليه تنتهي أنسابها (٤).
وذكر ابن سعد عن هشام بن محمد الكلبي قال: ولد لإسماعيل اثنا عشر ولدًا وهم نياوذ وهو نبت وهو نابت وهو أكبر ولده، وقيذر، وأذبل، ومنشى، ومسمع، وهو مشماعة، ودما -وهو دوما- وبه سميت دومة الجندل، وماشي، وأذر -وهو أذور- وطيما، ويطور، ونبش، وقيذما، وأمهم في رواية محمد بن إسحاق رعلة بنت مُضاض بن عمرو الجُرهمي، وفي رواية الكلبي: رعلة بنت يشجب بن يعرب. قال: وقال الكلبي: وكانت لإسماعيل امرأة من العماليق ابنة صدى (٥) قبل الجرهميَّة، وهي التي جاء إبراهيم لزيارة ابنه فجَفَتْه في القول، وأمره إبراهيم بفراقها ففارقها ولم تلد لها شيئًا.
وقال ابن سعد بإسناده عن بكر بن سويد عن علي بن رباح اللخمي قال قال رسول الله ﷺ : "كلّ العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉" (٦).
فصل في وفاة إسماعيل ﵇ -
قال هشام بن محمد: لما احتضر أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوَّج ابنته من العيص بن إسحاق.
وقال جدي: عاش إسماعيل مئة وسبعًا وثلاثين سنة، ودفن في الحِجر عند أمّه، فقبره ما بين الميزاب إلى الحِجر (٧).
وقال خالد المخزومي: ولما حفر ابن الزبير أساس الكعبة وجد سفطًا من مرمر
стр. 479
أخضر، فسأل العلماء بالأخبار فقالوا: هذا قبر إسماعيل وأمّه، قالوا: والمحدودب مما يلي الركن الشامي فيه قبور العذارى من بنات إسماعيل وكلَّما سوّي مع أرض المسجد عاد محدودبًا كما كان (١).
وذكر محمد بن سعد في "الطبقات" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: ما يعلم موضع قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة: قبر إسماعيل فإنه تحت ميزاب الكعبة بين الركن والمقام، وقبر هود فإنه في حقف من الرمل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة خضراء تندَى دائمًا، وموضعه أشدّ الأرض حرًّا، وقد ذكرناه، وقبر رسول الله ﷺ (٢).
قلت: كذا ذكر ابن سعد ولم يذكر الخليل وهو ثابت أيضًا بالتواتر أكثر من قبر إسماعيل وهود.
فصل في قيذار ونبت، وجرهم وأمر الكعبة
واختلفوا فيهما على قولين: أحدهما: أنَّ نَبْت بن إسماعيل وقيذار أخوه. والثاني: أن قيذار بن إسماعيل ونبت بن قيذار.
ولما ماتا غلبت جُرهم على البيت، وكانت أم نبت جُرهميَّة، وأبوها مُضاض بن عمرو الجرهميِّ، وولده الحارث بن مُضاض، تولى البيت والحارث أوَّل مَن وليه من جرهم، وقيل مُضاض، وكان ينزل بقُعَيقعان، وكل من دخل مكة يعشِّره. وملَّكتِ العماليق السَّمَيدَعَ بن هوبر فنزل أجياد أسفل مكة، فكان كل من خرج منها يعشِّره، وجرت بينهم حروب كثيرة. وإنما سمي قُعَيقِعان لأنه لما خرج الحارث بن مُضاض لحرب العمالقة تقعقعت هناك الدَّرَق والسيوف والرِّماح، وخرج السَّمَيدَع ملِك العمالقة فنزل بالجياد من الخيل هناك فقيل أجياد، وإلى هلمَّ جرًّا، ثم بعد ذلك اصطلحوا ونحروا الجزر هناك فسمي ذلك الموضع طابخ (٣).
وكانت ولاية جرهم البيت ثلاث مئة سنة وآخر ملوكهم الحارث بن مُضاض الأصغر
стр. 480
وهو الحارث بن عمرو بن عوف بن الحارث بن مُضاض الأكبر، وزاد في البيت ورفعه، ثم طغت جرهم وبغت حتى فسق رجلٌ منهم في الكعبة بامرأة، وقد ذكرهما الجوهري فقال: وإساف ونائلة صنمان كانا لقريش وضعهما عمرو بن لُحَيٍّ على الصفا والمروة، فكان يذبح عليهما تُجاه الكعبة، قال الجوهري: وزعم بعضهم أنهما من جرهم، إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل، ففجرا في الكعبة فمسخا حجرين فعبدتهما قريش (١).
وقال ابن الكلبي (٢): لما طال العهد عليهما عُبِدا، قال: وسلَّط الله على جرهم الرعاف فهلكوا، وبقيت منهم بقيَّة.
وقال ابن إسحاق: ثم غلب بنو إسماعيل -لما كثروا وصاروا ذوي قوّة ومنعة- على أخوالهم جرهم فأخرجوهم من الحرم، فلحقوا ببلاد جهينة فأتاهم سيلٌ في الليل فاجتاحهم بمكان يُدعَى بإضم وفيهم يقول القائل: [من الطويل]
كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
من أبيات، قلت: وقد اختلفوا في قائل هذه الأبيات، فقال قوم: هي لمضاض الأكبر، وقال عبد الملك بن هشام: هي لعمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر وليست لمضاض الأكبر، وذكرها، وقال بعد البيت الذي قاله (٣):
كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصفا
ولم يتربع واسطًا فجنوبه … إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضرُ
بلى نحن كنَّا أهلها فأبادنا … صُروف الليالي والجدود العواثرُ
وكنا لإسماعيل صهرًا وجيرة … ولما تَدُرْ فيها علينا الدّوائرُ
وكنا ولاةَ البيت من بعد نابت … نطوفُ ببيت الله والأمرُ نطاهرُ
ملكنا فعزَّزنا فأعظم بمُلكِنا … فليس لحيٍّ غيرنا ثَمَّ فاخرُ
ألم تنكحوا من خير شخص علمتم … فأبناؤه منا ونحن الأصاهرُ
стр. 481
فإن تَنثنِ الدنيا علينا بحالها … فإن لها حالًا وفيها التَّشاجُرُ
فأخرَجَنا منها المليكُ بقدرة … كذلك بالأحوال تجري المقادرُ
أقول إذا نام الخليُّ ولم أنم … إذا العرشِ لا يبعدْ سهيلٌ وعامرُ
وبُدِّلت منها أوجهًا لا أحبها … قبائل منها حميرٌ ويَحابرُ (١)
وصرنا أحاديثًا وكنَّا بغبطة … إلى أن أذلَّتنا السنونَ الغوابرُ
فسحّت دموعُ العين تبكي لبلدةٍ … بها حرمٌ أَمْنٌ وفيها المشاعرُ
قلت: وقول ابن هشام إنّها ليست لمضاض الأكبر فصحيح، لأن الملك الأول يقال له: الحارث بن مُضاض الأكبر في قول ابن إسحاق، والبلاذُري يقول: مضاض، لما نذكر. وهذه الأبيات لآخر ولده هو عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر، وفي أيَّامه زال ملك جرهم فرثاهم بها.
وحكى ابن هشام في "السيرة" أيضًا قال: وجدت مكتوبة باليمن في حجر ولا يعرف قائلها، وهي أوّل شعر قيل في العرب.
وقال البلاذُري: نزلت جرهم بمكة وما والاها، وسمَّوها صلاح مثل قطام، ثم إنهم استخفُّوا بحرمة الحرم وأضاعوا حق الكعبة فوقع فيهم طاعون يعرف بداء العدسة، وقويت عليهم خزاعة فأخرجوهم من الحرم، فنزلوا بين مكة والمدينة فهلكوا بذلك الداء (٢).
وقال البلاذري (٣): وكان أوَّل ملوك جرهم مِضاض -بكسر الميم- بن عمرو بن سعد بن الرفيت بن هي (٤) بن نجت بن جرهم بن قحطان، ملك مئة سنة، ثم ملك بعده ولده عمرو بن مضاض مئة وعشرين سنة، ثم ملك بعده الحارث بن عمرو مئتي سنة، ثم ملك مضاض بن عمرو الأصغر أربعين سنة. وانقضت العرب العاربة من عاد وعبيل وطَسْم وجَدِيس وثمود والعماليق، وانمحت آثارهم وانقطعت أنسابهم، ولم يبق إلا من كان من عدنان وقحطان. ثم صارت ولاية البيت في ولد نزار، وكانت بينهم وبين مضر حروب وبين إياد، فكانت لمضر على إياد فأجلوهم إلى العراق، لما نذكر.
стр. 482
فصل في ذكر إسحَاق ﵇ - (١)
قال الجوهري: إسحاق اسم رجل (٢).
وقال ابن الجواليقي: إسحاق اسم أعجمي (٣).
وذكر في "التوراة" أن إسحاق تزوج رفقا بنت ناحور بن تارَح، وهي ابنة عمه فولدت له عيصو ويعقوب توأمين في بطن واحد، خوج عيصو أوَّلًا ويعقوب بعده ويده عالقة بعقبه فسمّي يعقوب. وكان لإسحاق عند مولدهما سبعون سنة (٤).
وقال السُّدي: أراد يعقوب أن يخرج قمل عيصو، فقال له عيصو: والله إن خرجت قبلي لأعترضنَّ في جوف أمي فأقتلها، فسمِّي عيصو لأنه عصى أخاه.
قلت: والعجب من ولدين يقتتلان في ظلمة الأحشاء. وإنما عيصو ويعقوب، اسمان أعجميان.
وتزوَّج عيصو ابنة عمه إسماعيل بن إبراهيم فولدت له الروم بن عيصو، فكان أصفر في بياض، فهو أبو الروم كلِّهم، فكل مَا كان مِن بني الأصفر فهو من ولده. وكثُر أولاده حتى غلبوا الكنعانيين بالشام على وادي كنعان، وسكنوا على الساحل على جانب البحر الرومي إلى الإسكندرية، وصمار المُلك (٥) في ولده وهم اليونان.
وقال وهب: ذهب بصر إسحاق قبل موته، فدعا ليعقوب بالرياسة على إخوته والنبوة، ودعا لعيصو بالملك.
وكان إسحاق يميل إلى العيص ويحبه، فقال إسحاق للعيص: أطعمني لحم صيدٍ حتى أدعو لك، فسمعه يعقوب فجاءه بصيد، فقال: اقترب مني حتى أدعو لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيصو أحمر أشعر الجلد ويعقوب أجرد، فقالت أمُّ يعقوب: اذبح
стр. 483
شاةً والبس جلدها، وتقدَّم إلى أبيك وقل: أنا عيصو، ففعل، فمسَّه إسحاق وقال: المسُّ مس عيصو والريح ريح يعقوب، فأكل ثم دعا له أن يجعل في ذريته الأنبياءَ والملوك. وذهب يعقوب وجاء عيصو بالصَّيد فقدَّمه وقال: هذا الذي طلبت فقال إسحاق: يا بنيَّ، قد بقيتْ لك دعوة، فدعا له أن يجعل الله ذريته عدد التراب وأن لا يملكهم أحد غيرهم. فقالت أم يعقوب ليعقوب: الْحق بخالك لايان (١)، فكان يكمن نهارًا ويَسري ليلًا مخافةً من عيصو، فسمي إسرائيل لأنه كان يَسري ليلًا، وهذا أحد الأقوال، لما نذكر.
ذِكر وفاة إسحاق ﵇
قال محمد بن إسحاق: وكانت وفاة إسحاق بفلسطين، ودفن بحِبْرى عند أبيه بالمغارة.
واختلفوا في سنِّه على قولين: أحدهما: أنه عاش خمسًا وثمانين سنة، قاله وَهْب بن منبه. والثاني: مئة وستين سنة ذكره جدي في "أعمار الأعيان" (٢). وقيل: مئة وثمانين سنة.
وقال ابن الكلبي: عاش عيصو مئة وسبعًا وعشرين سنة، ودفن في المغارة عند أبيه وجده. ويقال: إن الأسبان من ولد عيصو.
* * *
стр. 484
فصلٌ في ذِكْر يَعقوب ﵇ (١)
يعقوب: اسم أعجمي. وفي "التوراة" إسرائيل رجل رزين، ويعقوب أبو الأسباط كلِّهم.
واختلفوا في تسميته إسرائيل على أقوال:
أحدها: أنه "إسرا" بمعنى عبد و"إيل" هو الله، مثل جبريل وميكائيل، قاله ابن عباس (٢).
والثاني: أنَّ معناه صفوة الله، قاله مجاهد.
والثالث: أنه كان يخدم بيت المقدس ويوقد قناديله فيظهر جنيٌّ فيطفئها، وكَان اسم الجني إيل، فكمن له يعقوب ليلة فأسره وشدَّه بسلسلة، وأصبح الناس يقولون يعقوب أسرإيل، ثم قالوا: إسرائيل.
وفيه لغات تكلَّمت بها العرب ذكرها في "المعرَّب" فقال: إسرائيل وإسرال وإسرائين بالنون، كما قالوا: جبرين وإسماعين (٣).
وقال الجوهري: إسرائيل اسم، يقال: هو مضاف إلى إيل (٤).
واتفقوا على أن يعقوب ولد في زمان الخليل ﵇، وأنه أرسله إلى الشام، وكان إسحاق قد أوصاه أن لا يتزوَّج امرأة من الكنعانيين، وأمره أن يتزوَّج إلى خاله لابان بن ناهر بن آزر، وكان يسكن الفَدَّان من أرض حرَّان.
وقد ذكرنا أنَّ يعقوب هرب من عيصو إلى حرَّان، فبينا هو في بعض المنازل نائم لحى حَجَر رأى سلمًا منصوبًا من السماء إلى الأرض، والملائكة تنزل منه وتعرُج فيه، وقال له الله تعالى: يا يعقوب، قد أورثتك الأرض المقدَّسة وذريَّتك من بعدك،
стр. 485
وباركتُ فيك وفيهم، وجعلت فيكم الكتاب والحُكمَ والنبوَّة، ثم أنا معك حتى أردَّك إلى ذلك المكان، فانتبه وكان قد قرب من خاله، فلما جاء إليه زوّجه ابنتيه راحيل وليا، وكانت ليا هي الكبرى وراحيل هي الصغرى، وكانوا يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى ونزلت التوراة بتحريم ذلك.
ويقال: إنه لم يكن له مال، فزوَّجه ليا على خدمة سبع سنين، فرعى له الغنم ثم زوَّجه راحيل بعد ذلك، وكانت أحسن من ليا -وقيل: لايا- فلمَّا رآها لم تعجبه وقال: زوِّجني راحيل الحسناء فزوَّجه إيَّاها.
وقال السُّدي: لما قال له: زوّجني إحدى ابنتيك على رَعْيِ سَبْع سنين قال: قد زوَّجتك، فلمَّا دخل بها لم تعجبه لأنها كانت دميمةً، فقال: وأين الحسناء؟ يعني راحيل فقال له: هل رأيت أحدًا يزوّج ابنته الصغرى قبل الكبرى؟ فاستخدمه سبع سنين، ثم دفع إليه راحيل.
وقال السُّدي: كانت راحيل غنية جميلة، ولايا -وقيل: رامين- فقيرة قبيحة، فاختار رامين لفقرها، فجمع الله له بين الأختين، ثم حُرِّم ذلك على لسان موسى، وقيل على لسان نبينا ﷺ .
ذكر أولاد يعقوب ﵇ -
قال وهب: ولَدت راحيل من يعقوب يوسف وبنيامين، ومعناه: ابن الوجعة، لأنها ماتت في نفاسها. وقال ابن جرير الطبري: معناه بالعربية شدَّاد (١)، والأول أصح.
وولد من لايا أو من رامين ليعقوب أربعة من الأسباط: روبيل ويهوذا وشمعون ولاوي. قال وهب: ولد ليعقوب من غير هاتين ستة أولاد منهم زبالون ويسجر. وقيل: إن زبالون ويسجر من لايا. وقيل: لايان، وأن لايا وهبت ليعقوب أمَتين إحداهما يقال لها: زلفى، والثانية: بلهة، فولدتا ستة من الأسباط كل واحدة ثلاثة، فأولاد يعقوب الذكور اثنا عشر ولدًا. وكانت له ابنة يقال لها: رحمة، وقيل: دينا، وهي زوجة أيوب ﵇.
стр. 486
وقال علماء السير وابن عباس: وهؤلاء الأسباط في بني يعقوب كالقبائل في بني إسماعيل.
وقال السُّدي: أهل الكتاب يذكرون أن أولاد يعقوب كانوا أنبياء، وأن روبيل أكبرهم ثم شمعون ثم يهوذا، وكان رئيسهم لاوي. وأن داود وعيسى من ولد يهوذا، وأن موسى وهارون من ولد لاوي بن يعقوب.
وقال السُّدي: ولما عاد يعقوب من عند خاله لابان خاف من أخيه عيصو فأعطاه من غنمه خمس مئة وخمسين، قاسمه ماله دفعًا لشره. وكان الله تعالى قد أوحى إلى يعقوب: لا تخف من عيصو فإني أحفظك منه كما حفظت أباك، فلما صانعه أوحى الله إليه: صانعت بالغنم ولم تطمئنَّ إلى قولي، وعزَّتي لأملِّكن ولد العيص ولدَكَ عدد ما صانعت، فملكت الروم -وهم من ولد عيصو- هذا المقدار، فأوَّل مُلْكهم إياهم خراب القدس، أخربوه واستعبدوا بني إسرائيل إلى زمان عمر بن الخطاب فكان خمس مئة وخمسين سنة (١)، وسنذكر وفاة يعقوب في أيَّام يوسف ﵉.
* * *
стр. 487
فصل في ذِكر لُوط ﵇ (١)
قال مقاتل: ذُكِر لُوط في سبعة عشر موضعًا من القرآن العزيز.
ولوط اسم أعجمي وكذلك نوح، وقد ذكرناه.
ولوط هو ابن هاران بن آزر، وقد ذكرنا أنه ابن أخي إبراهيم، وكانت الروم قد أسرت لوطًا فغزاهم إبراهيم حتى استنقذه منهم.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] وكان هلاك قومه في أيام الخليل ﵇، وكان ينبغي أن يذكر في سيرة إبراهيم، وإنما جعلنا له بابًا مفردًا.
قال علماء التأويل: "البشرى": هي البشارة، وكانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل: كانوا تسعة مع هؤلاء المذكورين، وكانت البشارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبإهلاك قوم لوط لما نذكر.
وذكر ابن إسحاق القصة فقال: كان لوط قد هاجر مع الخليل إلى الشام، واختتن لوط مع إبراهيم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فنزل إبراهيم فلسطين، ونزل لوط الأُردُنَّ. فأرسل الله لوطًا إلى أهل سَدُوم، وكانت عدة قرى: سَدُوم، وعَامُورا، وصبرانة، وصَفراء، ودوما، وصابورا، وداذُوما وصبواس (٢) وصبعة وصعرة (٣).
وقال مقاتل: وبلادهم ما بين الشام والحجاز بناحية زُغَر (٤). قال: وكانت اثنتي عشرة قرية، وتسمَّى المُوتَفِكات، من الإفْك، وكان في كل قرية مئة ألف، وكانوا
стр. 488
يعبدون الأوثان، ويأتون الفواحش، ويسافد بعضهم بعضًا على الطرق والمجامع، وكانوا أهل كروم وبساتين، قال: وسبب إتيانهم الفاحشة أن إبليس تصوَّر لهم في صورة غلامٍ أمرد من أحسن الغلمان، فجاء إليهم وكانت بلادهم أخصبَ البلاد، وكان الأُردُنُّ -وهو النهر الخارج من بحيرة طبرية- يقطع الغَوْر ويصل إليهم، وكانت منازلهم زُغَر قبل أن تكون البحيرة المنتنة، وكانت الكروم موضع البحيرة، والنخل محدقٌ بها، ولم يكن لهم حيطان وكان بعضهم يأكل فاكهة بعض، فزجر بعضهم بعضًا فما انزجروا، فقال لهم إبليس: ألا تمنعون كرومَكم من السُّراق؟ قالوا: قد اجتهدنا فلم نقدرْ على ذلك، فقال: أنا أعرِّفكم طريقًا ينزجرون بها، ثم أمْكَنهم من نفسه وقال: كل من أكل من كرومِكُم فاصنعوا به كذا. وإبليس أوَّل من فُعِل به هذا الفعل في الدنيا (١).
وقال ابن عباس: وكان الله تعالى قد أمر الملائكة الذين أرسلهم لعذاب قوم لوط أن يجعلوا طريقهم على إبراهيم ﵇، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ فلما دخلوا عليه ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا عليه سلامًا ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] وهو المشوي بالحجارة المحماة ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر وظنهم لصوصًا، لأنه كان إذا نزل به ضيف ولم يأكل من طعامه ظن أنه قد جاء بشرّ فلهذا قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فنحن ملائكة ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] بالعذاب ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] قال قتادة: كانت واقفةً من وراء الستر تخدم الأضياف وتسمع ما يجري بينهم وبين إبراهيم.
واختلفوا في معنى قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قال مجاهد: إنما ضحكت تعجبًا من الملائكة، قالت: ما رأيت مثل هؤلاء نخدمهم بنفوسنا ولا يأكلون طعامنا.
وقال ابن عباس: معناه حاضت، وفي الآية تقديم وتأخير، ومعناه: وامرأته قائمة فبشَّرناها بإسحاق فحاضت، والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت، قال الشاعر: [من المتقارب]
стр. 489
وضِحْكُ الأرانبِ فوقَ الصَّفا … كمثلِ دمِ الجوفِ يومَ اللّقا
وهذا أصحُّ، لأنه أمارة على وجود الولد، والذي بشَّرها جبريل، قال: أيتها الضاحكة أبشري.
وقال الحسن: لما قدَّم إليهم الطعام امتنعوا فقال: ألا تأكلون قالوا: لا نأكل طعامًا إلا بثمنه قال: إنَّ له ثمنًا، قالوا: وما هو؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى من معه وقال: حُق لهذا أن يتخذه الله خليلًا.
فلمَّا بشَّروها: ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ قال ابن إسحاق: كانت بنت تسعين سنة، وقال مجاهد: بنت تسع وتسعين ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا﴾ [هود: ٧٢] لأنه كان ابن عشرين ومائة سنة، فقالت لها الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: من صنعه ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [هود: ٧٣] ويدخل في هذا رسول الله ﷺ وأهل بيته. ثمَّ قالت سارَة: وما آية ذلك؟ فأخذ جبريل بيده عودًا يابسًا فاهتزَّ في الحال أخضر.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أي: الخوف ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] أي: يجادل رسلنا، قال ابن عباس: قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [هود: ٣١] فقال لهم إبراهيم: أرأيتم إن كان فيها أربع مئة من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فمئتان، قالوا: لا، قال: وإن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: إنَّ فيها لوطًا، قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [هود: ٣٢] أي: الهالكين، فسكن واطمأنت نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: حزن لمجيئهم ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ هذا مثل لمن لم يجد من المكروه مخلصًا ﴿وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] أي: شديد، ومنه عصابة الرَّأس، وإنما حزن لوط لأنه لم يعلم أنهم رسل الله، وخاف عليهم من قومه إتيان الفاحشة، ولم يخف على قومه لأنه كان قد سأل الله هلاكهم.
وقال السُّدي: خرجت الملائكة فأتوا لوطًا وقت القائلة وهو في أرض له يعمل، وقد أمرهم الله أن لا يهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق معهم يمشي إلى بيته.
стр. 490
واختلفوا في قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] والظاهر أنها الفاحشة المشهورة. الثاني: أنه الرمي بالبندق. والثالث: مضغ العلك.
وقال ابن عباس: الفواحش التي كانوا يعملونها: اللواط، والوشم، والرمي بالبندق، ومضغ العلك، والبصاق في الماء، وفي وجوه بعضهم لبعض، والضُّراط بالفم، واللعب بالحمام، والنرد، والشطرنج، والتنابز بالألقاب، واستغناء النساء بالنساء.
وقال السُّدي: فقال لوط للأضياف وهو يمشي معهم إلى بيته: أما بلغكم أمر أهل هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قريةٍ في الأرض عملًا، قال ذلك أربع مرَّات، فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بهم إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته -واسمها واغلة- فأخبرت قومها وقالت: إن عند لوط رجالًا ما رأيت مثل وجوههم قط، وقيل: إنها كانت تدخِّن، وهي العلامة بينها وبينهم ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيهِ﴾ أي: يسرعون ويهرولون ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] أي: من قبل مجيء الرسل إلى لوط.
وقال الربيع: أوَّل من رأى الملائكة ابنتا لوط، واسم الكبرى ريثا وقيل: رية، واسم الصغرى: زعورا، وقيل: عروبة. فقال جبريل للكبرى: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم مكانَكُم حتى آتيكم، لا تدخلوا القرية فإني أخاف عليكم أهلها. ثم جاءت أباها فقالت: أَدْرِكْ فتيانًا على باب القرية ما رأيت أحسن وجوهًا منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحونهم. فخرج إليهم فأتى بهم منزله، وعلم قومه فجاؤوا مسرعين، فأخذ يتلطفهم ويقول: اتقوا الله ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] يعني بالنكاح، وهنَّ محل الحرث لا الفرث.
واختلفوا في بناته على قولين: أحدهما: أنه أراد بنات نفسه. والثاني: بنات القبيلة.
فإن قيل: فكيف قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ وكن كفارًا؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد بنات صلبه، فيسقط السؤال. والثاني: بناتي على شرط الإسلام. والثالث: أنه كان فيهم سيّدان معظَّمان، فأراد أن يزوِّجهما ابنتيه ويجوز تزويجه بنات الأنبياء من الكفار، فقد زوَّج النبيُّ ﷺ ابنتيه: زينب من أبي العاص ابن الربيع، ورقيَّة من عتبة بن أبي لهب، وكانا كافرين.
стр. 491
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيفِي﴾ أي: تهينوني وتذلُّوني ﴿أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] أي: صالح سديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ﴿قَال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي: منعة وعشيرة يمنعوني ﴿أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أي: وثيق. وقد ذكرنا أنَّ النبي ﷺ قال: يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، أي: الله تعالى. ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: رغبة ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] من إتيان الرجال. وأخذوا يعالجون الباب ليكسروه، ولوط يناشدهم الله تعالى. فقالت الملائكة حينئذٍ: يا لوط، إنَّ ركنك لشديد ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُود﴾ [هود: ٧٦] و ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ﴾ [هود: ٨١] فافتح الباب ودعنا وإيَّاهم، ففتح ودخلوا. ثم استأذن جبريل ربَّه في عقوبتهم فأذن له الله فقام في صورته التي خلقه الله عليها، ونشر جناحه، وعليه وشاح من درٍّ منظوم، وهو برَّاق الثنايا مشرق الجبين، [ورأسه] حُبك حُبك -الحبك: الطرائق-[مثل] المرجان كأنَّه الثلج وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحيه وجوههم فطمسها وأعمى عيونهم فصاروا لا يهتدون إلى بيوتهم، فهربوا وهم يقولون: النجاءَ النجاءَ، فإنَّ في بيت لوط أسحر قوم في الأرض، وجعلوا يتواعدونه ويقولون: كما أنت يا لوط حتى نصبح.
ثم قال لوط للملائكة: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبحُ، قال: أريد أسرع من ذلك لو أهلكتموهم الآن، قالوا: ﴿أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ثم قالت الملائكة: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ﴾ أي: بطائفة منه ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها تلتفت فتهلك. فخرج لوط ومعه أهله وامرأته ونهاهم أن يلتفتوا، إلَّا امرأته فإنه ما نهاها.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]، قال ابن عباس: أدخل جبريل جناحه تحت قراهم ورفعها حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].
وقال جدي في "التبصرة": كانت خمس قرى، أعظمها سَدُوم، في كل قرية مئة ألف، وكان الطير لا يدري أين يذهب، ثم أمطر الله على مسافريهم ومن غاب منهم ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١) وسجين -لغتان- وهي التي بعضها طين وبعضها حجر، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: على كل حجر اسم صاحبه ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]
стр. 492
وقال ابن عباس: ما من ظالم إلا وهو يخاف أن يسقط عليه حجر من ساعة إلى ساعة.
وقال مجاهد: لم ينكسرْ عند رفعهم إناء، ولم يُرَقْ عند ذلك ماء. ثم تبع جبريل رعاتهم فقتلهم. وقال مقاتل: كانت الحجارة التي رُموا بها سودًا منقَّطة ببياض مثل رؤوس الإبل (١) على كل واحد اسم صاحبه.
وقال ابن عباس: سمعتْ امرأته الهدَّة فالتفتت، فوأت العذاب، فقالت: واقوماه! فأصابها حجر فقتلها.
وروى السُّدي عن أشياخه قال: لما أهلك الله قوم لوط لحق لوط بإبراهيم، فلم يزل معه حتى توفي (٢).
وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن علي بن الجارود قال: مررت أنا وصاحب لي بمدائن قوم لوط عشيَّة عرفة، وإذا برجل كوسج أشعث أغبر على جمل أحمر، فسألَنا عن حالنا، فأخبرناه وقلنا: من أنت؟ فتغافل، فقلنا: لعلك إبليس، قال: نعم، قلنا: يا ملعون من أين جئت؟ قال: من عرفة رأيت من أذنب خمسين سعنة، فقلت: اليوم أشفي صدري منه، فنزلت عليه الرحمة، فشققت ثيابي ووضعت التراب على رأسي، وجئت إلى ها هنا أنظر إلى قوم لوط لعلَّ يسكن ما بي (٣).
وقلب الله حبوبهم (٤) حجارة وأثرها عند سَدُوم إلى الآن، وصيَّر بساتينهم بحيرة زُغَر، فجعلها منتنة لا يعيش فيها حيوان، لا من السمك ولا من غيره.
ويقال: إن في وسطها مكانًا مثل البالوعة يذهب فيه الماء لا يُدْرَى أين يذهب.
ويقال: إنه يذهب إلى اليمن. ويظهر من هذه البحيرة حجر مثل البطيخة ذو شكلين يعرف بالحجر اليهودي ينفع لمن به وجع الحصى في المثانة، وهو نوعان: ذكر وأنثى، فالذكر للذكر والأنثى للأنثى، ويخرج منها أيضًا شيء على هيئة الحيوان يقال له:
стр. 493
الحمر تُطلَى به الكروم فتخصب وتحمل.
فصل في وفاة لوط ﵇ -
قال علماء السير: مات لوط قبل الخليل بمدة سنين، وعاش ثمانين سنة (١)، ولم يكن إبراهيم اشترى المغارة فدفن على جانب البحيرة في قرية من أعمال الخليل يقال لها: بريكوت، وقبره ظاهر بها.
وقال مقاتل: أقام لوط في سَدوم بضعًا وعشرين سنة.
وقال أحمد بن حنبل وإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلعون من عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ" (٢).
وحدثنا عمر بن محمد بن معمر الدَّارَقَزِّي بإسناده عن ابن المسيَّب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من عَمِلَ من أُمتي عمَلَ قومِ لوطٍ أو ماتَ وهو يَعمَلُ عَمَلَهم نَقَله الله حتَّى يُحشَر معَهم" (٣).
* * *
стр. 494
فصل في ذِكر ذِي القَرنَين وردمه بينَ السَّدَّين ونحوه (١)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾ [الكهف: ٨٣] قال ابن مسعود: الذين سألوا رسول الله ﷺ هم اليهود.
واختلفوا في اسمه على أقوال:
أحدها: عبد الله بن الضحَّاك بن معَدّ، قاله علي كرم الله وجهه.
والثاني: الإسكندر، قاله وهب.
والثالث: عباس بن قيصر، وأبوه أوَّل القياصرة، قاله محمد بن علي بن الحسين زين العابدين.
والرَّابع: صعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة.
واختلفوا في علَّة تسميته بذي القرنين على أقوال:
أحدها: لأنَّه دعا قومه إلى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك، وغبر زمان ثم بعثه الله فدعاهم إليه، فضربوه على قرنه الآخر فهلك، قال علي ﵇: فذلك قرناه؛ وهذا القول يدلُّ على أنَّه كان نبيًّا.
والثاني: لأنَّه سار إلى مطلع الشّمس وإلى مغربها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: لأنَّ صفحتَي رأسه كانتا من نحاس، قاله مجاهد.
والرابع: لأنه رأى في المنام كأنه امتدَّ من الأرض إلى السَّماء فأخذ بقرني الشّمس، فقصَّ ذلك على قومه، فسمِّي بذي القرنين، قاله عكرمة، وكان تأويل رؤياه أنَّه طاف الدُّنيا ما بين المشرق والمغرب.
والخامس: لأنَّه ملك الروم وفارس، قاله مقاتل، قال: وهما عاليان على الأرض من الجانبين فهما قرنان.
стр. 495
والسَّادس: كان في رأسه شبه القرنين، وقد رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب أيضًا.
والسَّابع: لأنَّه كان له غديرتان من شعر، قاله الحسن وابن الأنباري، قال: والعرب تسمِّي الضفيرتين من الشعر غديرتين.
قلت: وقد أشار الجوهري إلى هذا فقال: "والقرن الخصلة من الشعر" ومنه قول أبي سفيان في الرُّوم: ذات القُرُون (١).
قال الأصمعي: أراد قرون شعورهم وكانوا يطوِّلون ذلك، يعرفون به، وللرَّجل قرنان أي ضفيرتان. وذو القرنين لقب إسكندر الرُّومي، وكان يقال للمنذر بن ماء السَّماء ذو القرنين لضفيرتين كان يضفرهما في قرني رأسه فيرسلهما. هذا صورة كلام الجوهري (٢).
والثامن: لأنَّه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف من قبل أبويه، قاله الشعبي.
والتاسع: لأنَّه انقرض في زمانه قرنان من النَّاس وهو حيٌّ، قاله ابن المسيَّب.
والعاشر: لأنَّه سلك الظلمة والضوء، قاله الرَّبيع.
والحادي عشر: لأنَّه كان إذا قاتل قاتل بيده وركائبه جميعًا.
والثاني عشر: لأنَّه أُعطي علم الظاهر والباطن جميعًا، حكاهما الثعلبي (٣).
واختلفوا في زمان كونه على أقوال:
أحدها: في القرن الأول من ولد يافث بن نوح، قاله علي ﵇، وأنه ولد بأرض الروم.
والثاني: أنَّه بعد ثمود، قاله الحسن.