← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وكان فصيحًا شريفًا مطاعًا في قومه. [وذكره المدائني فقال: كان] من عُبّاد الكوفة ورؤساء الشيعة. [قال ابن سعد: كان] ثقةً قليلَ الحديث (١). سيَّره عثمان ﵁ من الكوفة إلى الشام مع مَن سَيَّره، وكان عثمان رضوان الله عليه قد لَطمه، فطلب منه القِصاص، فقال: اقتصّ، فعفا عنه. واختلفوا في كيفية قتله ومتى قُتل، فذكرنا أن الحجاج لما دخل واليًا إلى الكوفة قتله؛ لأنه لما فرغ من خطبته قال للنَّخَع: أفيكم الكميل بن زياد؟ قالوا: نعم، قال: أحضروه، فامتنوا، قال: لا عطاء لكم حتى تأتوني به، فجاؤوا به على نعش، فتركوه إلى جانب المنبر فقتله (٢). والمشهور [أنه] قتلَه بعد دير الجماجم، وكان مع القُرَّاء، فلما انهزم ابن الأشعث، وجيء بالأسرى؛ جيء بالكُميل [بن زياد] فقال له الحجاج: أنت المُقتَصُّ من أمير المؤمنين عثمان؟ قد كنتُ أحبُّ أن أجِدَ عليك سبيلًا، فقال له الكُميل: ما أدري على أيِّنا أنت أشدُّ غضبًا، عليه حين أقاد من نفسه، أو عليَّ حين عفوتُ عنه! فقال: والله لا تركتُك تقتصُّ من خليفة أبدًا، فقال: أيها الرجل، لا تَصرِف عليَّ أنيابَك، ولا تَهَدَّم عليّ تَهدُّمَ الكَثيب، ولا تكشِرْ كَشَرَان الذِّئب، والله ما بقي من عُمري إلا ظِمْءُ الحِمار (٣)، يشرب غُدوةً ويموت عَشيَّةً، أو يشرب عَشيةً ويموت غُدوة، اقضِ ما أنت قاض [إنما تقضي هذه الحياة الدنيا]؛ فإني أنتظر الموت صباحًا ومساء، والقصاصُ أمامك، والموعد القيامة. فقال: والله لأقتلَنَّك على يدي إنسانٍ هو أشدُّ بُغضًا لابن أبي طالب من حبّك إياه، فقال: أما أمير المؤمنين فقد صار إلى جنّات النعيم، وأما أنت وبنو أمية ففي عذاب الجَحيم، والله لو علموا أكثفَ وجهًا، وأقلَّ عقلًا، وأجرأ على الله منك لما ولَّوك يا ابن أبي رِغال، يا بقية [آل] ثَمود، ولعنه لَعْنًا كثيرًا، فأمر ابنَ أدهم القيسي (٤) الحمصي -وكان أبغض الناس لأمير المؤمنين ﵇ فضرب

стр. 4307

عنقه، وقيل: إنما قتله أبو جَهْم بن كِنانة الكلبيّ [وكان] ابنَ عمِّ منصور بن جُمهور، وكان الكُميل قد جاوز التسعين. أسند عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة ﵃، وروى عنه الأعمش، وأبو إسحاق الهَمْداني وغيرهما. [ومن رواياته عن علي الموعظة البالغة، وقد ذكرناها في ترجمة أمير المؤمنين]. وحضر الكُميل حصار عثمان رضوان الله عليه. محمد بن سعد بن أبي وقّاص من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل الكوفة، وكان بالمدينة، فتحوَّل إلى الكوفة، وكان ثقةً وله أحاديث، والأصحُّ أنه قتل بعد الجَماجم، أُتي به أسيرًا إلى الحجَّاج فقتله (١). [فصل: وفيها توفيت] معاذة بنت عبد الله [وكنيتها] أمُّ الصَّهباء العَدَويّة، زوجة صِلة بن أَشْيَم [وقد ذكرناها في سنة ست وسبعين]. كانت من عابدات البصرة. [قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن فُضيل، عن أبيه قال:] كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تُمسي، وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فلا تنام حتى تُصبح، وإذا جاء البَرْدُ لبست الثيابَ الرِّقاق حتى يَمنعها البردُ من النوم (٢). [وقال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى حكم بن سنان الباهلي، عن امرأة كانت تخدم معاذة العدوية قالت:] كانت تحيي الليل صلاةً، فإذا غلبها النوم قامت فجالت في الدار

стр. 4308

وتقول: يا نفس، النوم أمامَك، ولو قد متِّ لطالت رَقْدَتُك في القبر على حسرةٍ أو سرور، [قالت:] فهي كذلك حتى تُصبح. [قالت:] وكانت تصلّي كلّ يومٍ وليلةٍ ستّ مئة ركعة، وتقرأ جُزأها من القرآن، تقوم به الليل وتقول: عَجِبتُ لعينٍ تنام وقد عرفتْ طُولَ الرُّقادِ في ظُلمة القبور. [وقال ابن أبي الدنيا بإسناده: إنها] لم ترفع رأسَها إلى السماء أربعين عامًا. [قال: وقالت معاذة لابنةٍ] أرضعتْها (١): يا بُنَيّة، كوني من لقاء الله على حذر ورجاء، فإني رأيت الراجي له مَحْفوفًا بحسن الزُّلفى لديه يوم القيامة، ورأيت الخائف له مؤمِّلًا للأمان يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم غلب عليها البكاء. [قال:] وقالت: قد صحبتُ الدنيا سبعين عامًا، فما رأيتُ فيها قُرَّةَ عينٍ قط، وكيف أرى السرورَ فيها وقد كَدَّرَتْ على الأمم قبلَنا عيشَهم؟! [وروى ابن أبي الدنيا أن معاذة] لم تتوسَّد فراشًا بعد أبي الصَّهْباء حتى ماتت (٢). [قال:] وكانت تقول: والله ما أحبُّ البقاءَ في الدنيا إلا لأتقرَّبَ إلى الله بالوسائل، لعله أن يجمع بيني وبين أبي الصَّهباء وولده في الجنة، فلما احتُضرت بكت ثم ضحكت، فقيل لها في ذلك فقالت: أما بكائي فإني ذكرتُ مفارقةَ الصلاةِ والصيام والذّكر، وأما ضحكي فإني رأيتُ أبا الصهباء قد أقبلَ في صحن الدار، وعليه حُلَّتان خَضْروان ما رأيتُ في الدنيا أحسنَ منهما، ورأيت معه نفرًا ليس في الدنيا مَن يُشببهم (٣) فضحكتُ فَرَحًا بهم، ثم ماتت بعد ساعة قبل دخول وقتِ الصلاة. [قال الواقدي: توفيت معاذة] في سنة ثلاث وثمانين، وروت عن عائشة رضوان الله عليها، وروى عنها الحسن البصري وغيره، والله أعلم (٤).

стр. 4309

مَعْبَد الجُهَنيّ من أهل البصرة، من الفقهاء، وهو أول من تَكَلَّم في القَدَر بالبصرة، وهو من الطبقة الثانية من أهل البصرة، وحضر التَّحكيم بدُومة الجَنْدل. روى عن عِمران بن حُصَين، وعمر بن الخطاب رضوان الله عليه مرسلًا، وعثمان بن عفان، وحُمْران بن أبان، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم، وروى عن الحسن البَصريّ، وابن سيرين (١)، وروى عنه قتادة، ومالك بن دينار، وعَوف الأعرابيّ، ومعاوية بن قُرَّةَ المُزَنيّ. واستقدمه عبد الملك بن مروان إلى دمشق؛ ليُنْفِذَه رسولًا إلى ملك الروم، ثم جعله مع ابنه سعيد بن عبد الملك يُؤدِّبه ويُعلّمه. وقال عبد الملك بن عمير (٢): اجتمع القُرَّاء إلى مَعْبَد الجُهنيّ -وكان ممن شهد دُومة الجَنْدل موضع الحكَمَين- فقالوا له: قد طال أمرُ هذين الرَّجُلَين، فلو لقيتَهما فسألتَهما عن بعض أمرهما، فقال: إنكم تُعَرِّضوني لأمرٍ أنا له كاره، والله ما رأيتُ مثلَ هذا الحيّ من قريش، كأنما أُقفلت قلوبُهم بأقفالٍ من حديد، وأنا صائر إلى ما سألتم. قال مَعْبَد: فخرجتُ فلقيتُ أبا موسى، فقلت له: صحبتَ رسولَ الله ﷺ وكنتَ من صالحي أصحابه، واستعملك فكُنتَ من صالحي عُمّاله، وقُبض وهو عنك راض، وقد وَليتَ هذا الأمر، فانظر ما أنت صانع، قال: فقال لي: يا مَعْبد، غدًا ندعو الناس إلى رجلٍ لا يَختلفُ عليه اثنان، فقلت: أما هذا فقد عزل صاحبَه، فطمعتُ في عمرو، فخرجتُ فلقيتُه وهو راكب على بغلة، فأخذتُ بعِنانها، وقلتُ له كما قلتُ لأبي موسى، فخلع عنانها من يدي وقال: إيه يا تيسَ جُهَينة، ما أنت وهذا؟ لستَ من أهل السرِّ ولا من أهل العلانية، والله ما يَنفعُك الحقّ، ولا يَضرُّك الباطل. ثم مضى وتركني، فقال معبد: [من البسيط]

стр. 4310

إني لقيتُ أبا موسى فأخبرني … بما أردتُ وعَمرٌو ضَنَّ بالخَبرِ شتّانَ بين أبي موسى وصاحِبِهِ … عمرٍو لعَمْرُك عند الفَضْلِ والخَطَرِ هذا له غَفْلةٌ أبدتْ سريرتَه … وذاك ذو حَذَرٍ كالحيَّةِ الذَّكَرِ وقال ابن معين: كان مَعْبد ثقةً صدوقًا في الحديث، وكان رأسًا في القَدَر. وقال أبو زُرْعَة: كان مَعبد ضعيفًا، وقال يحيى بن يَعْمَر. زعم معبد أن الأمر أُنُف، مَن شاء عمل خيرًا، ومَن شاء عمل شرًّا. وقال الأوزاعي: أول من تكلَّم في القَدَر رجل من أهل العراق يقال له: سُوْسَن، كان نصرانيًّا فأسلم ثم ارتدّ، فأخذ عنه مَعْبَد الجُهنيّ، وأخذ غَيلانُ عن مَعْبَد. وروى ابن عساكر: أن مَعبد الجُهنيّ لما تكلّم في القَدَر أخذه الحجاج فقتله. وكان مَعْبد قد قاتل الحجاج في المواطن كلها، ثم ندم على قتاله، وكان الحجاج يُعذِّبُه بأنواع العذاب فلا يَصيح، فإذا جاء الذُّباب فوقع على جُرحه يَستغيث، فقيل له في ذلك فقال: عذابُ بني آدم أصبر عليه، أما الذباب فمن عذاب الله فلا صبر لي عليه. وقيل: إن عبد الملك بن مروان قتله في القَدَر في سنة ثمانين، وصَلَبه بدمشق، وكان الحسن البصري يقول: أنهاكم عن مَعْبَد؛ فإنه ضالٌّ مُضِلّ (١). المُهَلّب بن أبي صُفرة ظالم بن سَرَّاق بن صُبْح بن كِنديّ بن عمرو بن عَديّ بن وائل بن الحارث بن العَتيك بن الأَسْد بن عِمران بن عمرو بن مُزَيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغِطْريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأَزْد، الأَزْديّ، العَتَكيّ، البَصْريّ، وقيل: اسم أبي صُفْرة: سارق بن ظالم، وقيل: ظالم بن سارق، وقيل طارق بن سارق، وقيل: قاطع بن سارق. وكان له ابنة يقال لها: فاختة، فسماها صُفرة. وكان أبو صُفْرة من أَزْدِ دَبا، ما بين عُمان والبَحرين، وكانوا قد أسلموا، وقدم وَفْدُهم على رسول الله ﷺ مُقرِّين بالإسلام، فبعث إليهم مُصَدِّقًا منهم يقال له: حُذيفةَ

стр. 4311

ابن اليَمان الأَزْدِيّ من أهل دَبَا، وكتب له فرائضَ الصدقات، فكان يأخذ صَدَقات أموالهم من أغنيائهم، ويَردُّها على فقرائهم، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدُّوا ومنعوا الصدقة، فكتب حذيفة إلى أبي بكر الصديق ﵁ بذلك، فوجه عكرمةَ بنَ أبي جَهْل إليهم، فقاتلهم فهزمهم عكرمة، وأكثر فيهم القتل، ومضى فَلُّهم إلى حِصن دَبا فتحصَّنوا فيه، وحَصرهم المسلمون في الحصن، حتى نزلوا على حكم حذيفة بن اليمان الأزديّ، فقتل مئةً من أشرافهم، وسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر الصديق رضوان الله عليه إلى المدينة، وفيهم أبو صُفرة غلامٌ لم يَبلغ يومئذ، فأراد أبو بكر ﵁ قتلَهم، فمنعه عمر بن الخطاب من ذلك وقال: هؤلاء قوم قد شَحُّوا على أموالهم، وأبي أبو بكر عليه، فوقَّف أمرَهم، وأنزلهم في دار رَمْلة بنت الحارث إلى أن توفي أبو بكر رضوان الله عليه، وولي عمر رضوان الله عليه، فدعاهم وقال: قد أفضى هذا الأمر إليّ، فانطلقوا إلى أيِّ البلاد شئتُم وأنتم أحرار لا فديةَ عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، ورجع بعضهم إلى بلاده، وكان أبو صُفرة فيمن نزل البصرة، وشَرُف بها هو وأولاده (١). وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. وأما المهلب فمن الطبقة الأولى أيضًا من التابعين من أهل البصرة، وكنيته أبو سعيد، أدرك عمر ﵁ ولم يرو عنه شيئًا، وروى عن سَمُرة بن جُنْدب وغيره، وولي خُراسان، ومات بمَرْو الرُّوذ سنة ثلاث وثمانين، واستخلف على خراسان ابنَه يزيد فأقرَّه الحجَّاج (٢). وكان المُهلَّب وأولاده من وجوه أهل البصرة وأشرافهم وشُجعانهم وفُرسانهم وأجوادهم. وقال ابن عساكر: وفد أبو صُفرة على عمر رضوان الله عليه ومعه عشرة من الولد؛ المُهلَّبُ أصغرهم، فجعل عمر ينظر إليهم ويتوسَّمُهم، ثم قال لأبي صُفرة: هذا سيدُ ولدِك، يعني المهلب (٣).

стр. 4312

وفي سنة أربع وأربعين غزا المهلَّبُ أرضَ الهند، وولاه مصعب بن الزبير الجزيرة بعد قتل المختار، وغزا في خلافة عثمان رضوان الله عليه، وولي لبني أمية ولايات كثيرة، وأوفده سالم بن زياد على يزيد بن معاوية بهدايا كثيرة، فقدم على يزيد وهو بحُوَّارِين، واعتلَّ المهلَّبُ بالشام، فكان يزيد يعودُه، ويبعث إليه في كلِّ يومٍ بدواءٍ مختوم. وقال خليفة: وَلّاه مصعب البصرة نيابة عنه، وولاه الحجاج خراسان في سنة ثمان وسبعين، وولاه إياها عبد الملك في سنة تسع وسبعين (١). وقاتل أصحابَ أبي راشد (٢) نافع بن الأزرق، وكانوا خرجوا من البصرة فغلبوا على الأهواز وكُوَرِها، وما وراءها من بلد فارس وكَرْمان في أيام عبد الله بن الزبير، وقتلوا عُمَّاله بتلك النواحي، وكان مع نافع من أمراء الخوارج قَطَريّ بن الفُجاءة، وعطيّة بن الأسود الحَنفيّ، وعُبيدة بن هلال اليَشْكُريّ، وكانوا زُهاء ثلاثين ألفًا ممّن يرى رأيَهم، وكان عبد الله بن الحارث بَبَّه قد ولي البصرة عَقِيب إخراج عُبيد الله بن زياد منها، وأقرَّه ابن الزُّبير، وكان الخوارج قد ثاروا في زمنه، فجهز إليهم الجيوش وهم يهزمونها، وذلك في سنة أربع وستين، فبعث إليهم المهلَّب فأقام يُحاربهم تسعَ عشرة سنة؛ إلى أن ظهر عليهم في أيام الحجاج، وقَدِم عليه البصرة، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، ووصل أصحابَه. ومات نافع بن الأزرق وهم في حرب المهلَّب، فولَّوْا عليهم قَطَريَّ بن الفُجَاءة، وسمَّوه أميرَ المؤمنين، فخوطب بإمرة المؤمنين ثلاثَ عشرة سنة. قال المغيرة بن محمد المُهَلَّبي (٣): لما قاتل المهلَّب الأزراقة كان يَحترز من البَيات، فكان هو وابنُه المُغيرة يَدوران في أقاصي العسكر، ويَحرُسان الناس، فبينما هما ذات ليلة يَحرسان إذ مرّ بهما فارس مُتَلَثِّم قد سَتَر وجهَه وسائرَ بدنه بالحديد، فناداهما: أيّ شعرائكم يقول: [من الكامل]

стр. 4313

وطَوى الطِّرادُ مع القِياد بطونَها … طَيَّ التجار بحضرموتَ بُرودا (١) فقال المهلّب: هو جرير، فقال: هو والله أشعرُ شُعرائكم، ثم ولى، فقال المهلب: هذا والله قَطَرِيّ بن الفُجاءة. ذكر وصية المهلب لأولاده، وطرف من كلامه وأخباره: لما مرض دعا مَن عنده من بنيه وقال: أوصيكم بتقوى الله وصلة الرَّحم، وأنهاكم عن القطيعة، واعرفوا لمَن يغشاكم حقَّه، ويكفي غُدوَّ الرجل ورَواحَه إليكم تذكرة، وعليكم في الحرب بالأناة والمَكيدة؛ فإنها أنفع من الشجاعة، وعليكم بقراءة القرآن، وتعلُّمِ السنن وآداب الصالحين، وعليكم بالصَّمت، وإياكم كثرة الكلام، وعليكم بالاجتماع، واحذروا الفُرقة. ودعا بسهامٍ فربطها وقال: اكسروها، فلم يقدروا، ففرَّقها وقال: اكسروها، فكسروها، فقال: كذا أنتم إذا اجتمعتم وتفرَّقتُم، أخذه من قول ابن عبد الأعلى الشيباني: [من الكامل] إن القِداحَ إذا اجتمَعْنَ فرامَها … بالكَسْرِ ذو حَنَقٍ وعِزٍّ (٢) أَيِّدِ عَزتْ فلم تُكْسَرْ فإن هي بُدِّدَتْ … فالكَسْرُ والتَّوهينُ للمُتَبَدِّدِ قال المهلَّب لابنه يزيد: يا بُنيّ، إياك والإسراع إلى "نَعَم" عند السؤال؛ فإن أولَها سَهْل، وآخرَها وَعْر، وإن "لا" وإن قَبُحَتْ فربما رَوَّحَتْ. وقيل للمهلب: بمَ نِلتَ ما نلت؟ فقال: بطاعة الحزم، وتجديد العزم، وعصيان الهوى. وقال: ما شيء أَبْقى للمُلك من العَفو. وقال: يُعجبني أن أرى عقلَ الكريم زائدًا على لسانه، ولا يُعجبني أن أرى لسانَه زائدًا على عقله.

стр. 4314

ولم يُحفظ عنه من الشعر سوى هذين البيتين: [من البسيط] إنّا إذا نَشَأتْ يومًا لنا نَعَمٌ … قالت أَكُفٌّ لنا أزدِيَّةٌ عودوا لا يوجدُ الجودُ إلا عند ذي كَرَمٍ … والمالُ عند لِئامِ الناسِ مَوجودُ ونزل المهلَّبُ دار محمد بن مِخْنَف، فلما أراد الرحيل قال لغلمانه: لا تحملوا من مَتاعنا شيئًا، فقُوِّم المتاعُ بثلاث مئة ألف درهم. وكان المهلَّب أعورَ، سمع رجلًا يقول: هذا الأعور ساد الناس، ولو أُخرج إلى السوق لما ساوى أكثر من مئة درهم، فبعث إليه بمئة درهم وقال: لو زِدْتَنا في القيمة زِدناك في العطيَّة. وأغلظ رجل للمهلب فلم يُجبه، فقيل له: اربَأ عليك، فقال المهلب: لم أعرف مَساوئه، أفأَبْهَتُه بما ليس فيه. وقدم زياد الأعجم خُراسان على المهلَّب، فنزل على حَبيب بن المهلَّب، فجلسا يومًا على الشراب؛ وفي الدار شجرةٌ عليها حَمامة، فجعلت تدعو، فقال زياد: [من الوافر] تَغَنَّيْ أنتِ في ذِمَمي وعَهْدي … بأن لن يَذْعَرُوكِ ولن تُطاري إذا غَنَّيتِني وطَرِبْتُ وَهْنًا … ذَكرتُ أحبَّتي وذَكَرْتُ داري فإمَّا يَقتلوكِ طَلبتُ ثأرًا … بقَتلِهمُ لأنك في جِواري فأخذ حبيبٌ سهمًا، فرماها به فقتلها، فقال زياد: قتلتَ جاري؟ بيني وبينك أبوك. فاحتكما إلى المهلب فقال: يا حَبيب ادفع إلى أبي أُمامة دِية جارته ألفَ دينار كاملة، فقال حبيب: إنما كنتُ ألعب! فقال: ليس مع جارةِ جاري لَعب. فأعطاه ألفَ دينار، فقال زياد يمدح المهلَّب: [من الطويل] فلله عَينا من رأى كقَضيَّةٍ … قضى لي بها شيخُ العراقِ المُهَلَّبُ قضى ألفَ دينارٍ بجارٍ أجرتُه … من الطير حَضّانِ على البَيضِ يَنعَبُ رماه حَبيبُ بنُ المُهَلَّب رميةً … فأنفذه بالسَّهْمِ والشمسُ تَغرُبُ فألزمه عَقْلَ القتيلِ ابنُ حُرَّةٍ … فقال حبيبٌ إنما كنتُ أَلعَبُ

стр. 4315

فقال: زيادٌ لا يُرَوَّعُ جارُه … فذلك جاري بل من الجارِ أقرَبُ وبلغ الحجاج فقال: ما أخطأتِ العربُ حيث جعلتْ المُهَلَّبَ رَجُلَها (١). وقال ابن قتيبة: لم يكن المُهلَّبُ يُعاب بشيء إلا بالكَذِب (٢). ذكر وفاته: مات بخُراسان بمرْو الرُّوذ، بقرية يقال لها: زاغول، غازيًا في ذي الحجة هذه السنة، وله ست وسبعون سنة، ويقال: إن مَولده سنة فتح مكة، وقيل: مات سنة اثنتين وثمانين. وقال المفضَّل بن محمد: سار المهلب من كِيش يريد مَرْو، فلما كان بزاغول أصابته الشَّوْصَة (٣)، وقيل: الشَّوْكَة، فدعا حَبيبًا ومَن حَضَر من وَلَده فأوصاهم، ودعا بسِهامٍ فحُزِمت، وذكر بمعنى ما تقدَّم في الوصية، وقال: وإياكم والقطيعة فإنها توجب الذِلَّة، وتُورث القِلَّة، فتحابّوا وتواصلوا، ولا تختلفوا يجتمع لكم أمْرُكم، وإن بني الأم يختلفون فكيف ببني العَلّات؟ ولتكن أفعالكم أفضلَ من أقوالكم، واتّقوا زلَّة اللسان؛ فإن الرجل تزِلُّ قدمُه فيُنْعَشُ من زَلَّته، ويزلُّ لسانه فَيَهْلك، واصطنعوا العُرفَ، وَفُوا بالمواعيد، وقد استخلفت يزيد، وجعلت حبيبًا على الجُند حتى يَقدم بهم عليه. ثم مات فصلى عليه حبيب، وكان يحبّ حَبيبًا ويقول: هو سيّد أولادي (٤). ورثاه نَهار بن تَوْسِعة التَّميمي بقصائد منها: [من الكامل] كان المهلَّبُ للعراق سَكينة … ووليَّ حادِثِها الذي يُستنكَرُ (٥) إن يَدْفِنوه فإن مثلَ بَلائه … في المسلمين وذِكْرِه لا يُقْبَرُ كان المدافِعَ دون بيضَةِ مِصْرِه … والجابرَ العَظْمِ الذي لا يُجْبَرُ

стр. 4316

وقال أيضًا: [من الطويل] ألا ذهب الغَزْوُ المُقَرِّبُ للغِنى … ومات النَّدى والجُودُ بعد المُهَلَّبِ أقام بمَرْو الرُّوذِ وهو (١) ضَريحُهُ … وقد غُيِّبا (٢) من كلِّ شرقٍ ومَغْرِبِ إذا قيل أيُّ الناسِ أولى بِنعمةٍ … على الناس قلناه ولم نَتَهَيَّبِ أباح لنا سَهْلَ البلاد وحَزْنَها … بخَيلٍ كأرْسالِ القَطا المُتَسرِّبِ يُعَرِّضُها للطَّعنِ حتى كأنّما … يُجَلِّلُها بالأُرجُوانِ المُخَضَّبِ تُطيفُ به قَحطانُ قد غَضِبَتْ له (٣) … وأَخلافُها من حيِّ بكرٍ وتَغلبِ وحيّا مَعَدّ عُوَّذٌ بلوائه … يُفَدُّونه بالنَّفسِ والأُمِّ والأبِ ذكر أولاده: وُلد للمهلب عشرة أولاد: يزيد، وزياد، ومُدرِك، وحبيب، والمغيرة، والمفضَّل، وقَبيصة، ومحمد، وهند، وفاطمة. فأما يزيد وزياد ومدرك فإنهم وُلدوا في سنة واحدة، وأعمارهم واحدة، وعاش كل واحد منهم ثمانيًا وأربعين سنة، وقتلوا في سنة اثنتين ومئة. وأما المغيرة فمات بخراسان كما ذكرنا، وابنُه بشر بن المغيرة، ومن شعره في الحماسة: [من الطويل] جَفاني الأميرُ والمغيرةُ قد جَفا … وأمسى يزيد لي قد ازْوَرَّ جانبُهْ وكلُّهمُ قد نال شِبْعًا لبطنهِ … وشِبْعُ الفتى لُؤمٌ إذا جاع صاحبُهْ فيا عَمُّ مَهْلًا واتَّخِذني لنَوْبَةٍ (٤) … تُلِمُّ فإن الدَّهرَ جَمّ نوائبُهْ أنا السيفُ إلا أن للسيف نَبْوَةً … ومثليَ لا تَنْبو عليك مضارِبُهْ أسند المهلب عن سَمُرة بن جُندب وغيره، وروى عنه أبو إسحاق الهَمْداني، وسماك بن حرب وغيرهما.

стр. 4317

السنة الرابعة والثمانون وفيها فتح يزيد بن المهلب قلعة نَيزَك بباذَغيس، [قال المفضل بن محمد:] وهي من أعظم القِلاع، وكان صاحبها نيزك شجاعًا فاتكًا، وكان ينزل فيها في بعض الأيام للصيد، فرصده يزيد، ووضع عليه العيون وكاتب مَن فيها فأجابوه، فخرج إلى الصيد، فجاء يزيد إليها وبلغ نيزك، فصالح يزيد على أن يُعطيه عياله، وما في القلعة من الخزائن، وأن يُسلِّمها إليه، ففعل، وكتب يزيد بن المهلّب إلى الحجاج بالفتح. وكان الكتاب بخطّ يحيى بن يَعْمَر العَدْواني، وفيه: أما بعد، فإنا لقينا العدوّ، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، وهربت طائفة إلى رؤوس الجبال، وعَراعِر الأودية، وأَهْضام الغِيطان، وأثناء الأنهار، فلما قرأه قال: مَن يكتب ليزيد؟ قيل: يحيى بن يَعْمَر، فكتب إلى يزيد فحمله على البريد، فقدم عليه أفصحُ الناس، فقال: أين وُلدت؟ قال: بالأهواز، قال: فهذه الفصاحة من أين؟ قال: حفظتُ كلامَ أبي وكان فصيحًا، قال: فأخبرني هل يَلْحَن عَنْيَسَةُ بنُ سعيد؟ قال: نعم كثيرًا، قال: ففلان؟ قال: نعم، فعَدَّ جماعة ثم قال: فأنا؟ قال: لا، فأقسم عليه فقال: نعم تلحن لحنًا خفيًّا؛ تزيد حرفًا وتَنقص حرفًا، وتجعل أنْ في مواضع إن، وإن في موضع أن، قال: قد أجَّلتُك ثلاثًا، فإن وُجِدتَ بعدها قتلتُك، فرجع إلى خراسان (١). وقال عاصم (٢): ذكر الحجاج يومًا الحسين بن علي ﵇ فقال: لم يكن من ذرّية رسول الله ﷺ ، فقال له يحيى بن يَعْمَر: كذبت، فقال الحجاج: لئن لم تأتني ببيِّنة من كتاب الله لأقتُلنّك، فقرأ يحيى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]، ولم يكن له أب، فأخبر الله أنه من ذرّية آدم بأمه، فكذا الحسين بن علي ابنُ رسول الله ﷺ ، فنفاه إلى مرو، وفي رواية: فقال الحجاج: والله ما كأني سمعتُ بهذه الآية قطّ، ثم قال له: قد وَلَّيتُك قضاءَ مَرو فأخرج إليها، فخرج قاضيًا عليها.

стр. 4318

وفيها فتح عبد الله بن عبد الملك المَصيصة. وفيها قتل الحجاج أيوب بنَ القِرِّيَّة، وحُطَيط الزَّيّات، وماهان العابد. وحجّ بالناس هشام بنُ إسماعيل المخزومي، وكان العمال على الأمصار بحالهم. فصل: وفيها قتل الحجاج. أيوب بن السّائب من النَّمِر بن قاسِط (١)، والقِرِّيَّة (٢) بكسر القاف وتشديد الراء أمُّه. وكان أحد الفُصحاء. وقال المدائني: وجَّه الحجاج أيوب بن القِرِّيّة إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عينًا له عليه بسجستان، فلم يلبث أن غُمز به، فأُدخِل على ابن الأشعث فقال (٣): مرحبًا بالموصوف عندنا بتَزيين البلاغة، أخْبِرني عن الحجاج؛ ما أمرُه لديك، أعلى مَحجَّةِ القَصد، أم في مُجانَبةِ الرُّشد؟ فقال: الأمان قبل مخاطبة البيان، قال: نعم، قال: إن الحجاج على احتجاجٍ في قَصد المنهاج، يلمح (٤) الظَّفر، ويَجتنب الكَدَر، لا تقطعه الأمور، وليس هو فيها بعَثور، وفي النَّعْماء شَكور، وعلى الضَّرّاء صَبور، وأنا أنهاك أن تُقاولَه، وأُعيذُك بالله أن تُطاولَه، فقال ابن الأشعث: كذبتَ يا عدوَّ الله، والله لأقتُلَنَّك، قال: فأين الأمان؟ قال: لا أمانَ لمن كذب وفجَر، وخان وغَدر، والله لأقتلنك أو لتُظاهِرَنّي على الحجاج، فلما رأى أنَّه غيرُ مُنْتَهٍ عنه

стр. 4319

بايعه (١)، وأقام مدَّةً يُصدر له الكتبَ إلى الحجاج، فقال له يومًا: قم خطيبًا فذُمَّ الحجاج، فقام فقال: أيها الناس، إن الأمر الذي يدعوكم إليه الحجاج لم يَنزل من السَّماء، ولم تَقُم به الخُطباء، ولم تَسُنَّه الأنبياء. فلم يَلبث ابن الأشعث أن انهزم، وأُخذ ابن القِرّيّة أسيرًا، فجيء به إلى الحجاج فقال له: ألم تكن في خُمول من الدَّعَة، وعُدْمٍ من المال، وكَدَرٍ من العَيش، وتَضَعْضُع من الهَيئة، ويأسٍ من بُلوغ ما بلغتَ إليه؟! فولَّيتُك ولاية الوالد ولم أكن والدًا، وولاية الرّاجي عندك الخير ولم أرجُه عندك أبدًا، حتى قمتَ خطيبًا وقلتَ كذا وكذا؟! فقال: أيها الأمير، إني أتيتُ إنسانًا في مَسْك (٢) شيطان، يَتَهَدَّدني بتَخَوُّنِه، ويَقهرني بسُلطانه، فَنَطق اللسانُ بغير ما في القلب، والنَّصيحةُ لك ثابتة، والموَدَّة باقية، قال: كذبت يا عدوَّ الله. ثم قال له: كيف عِلْمُك بالأرض؟ قال: عِلمي ببيتي، قال: فأخبرني عن الهند، قال: تُرابها مِسْك، وحَطَبُها عُود، ووَرَقُها عِط، قال: فعُمان، قال: حَرُّها شَديد، وصَيدُها عَتيد، قال: فالبصرة، قال: ماؤها مالح، وشُربُها سانح، وهي مأوى لكلّ فاجر، ومَلجأ لكلّ غادر (٣)، قال: فواسط، قال: جَنَةٌ بين حَماةٍ وكَنَّة، يعني بين الكوفة والبصرة، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن اليَمَن (٤)، وسَفُلَت عن الشّام؛ فطاب ليلُها، وكَثُر نَيلُها، قال: فمكَّة، قال: تَمْرُها دَقَل، ولصُّها بَطَل، إن كَثُرَ بها الجُند جاعوا، وإن قَلُّوا ضاعوا، قال: فاليَمامة، قال: أهلُ جَفاءٍ وجَلَد، وغِلْظَةٍ ونكَد، قال: فالمدينة، قال: رَسَخ العلمُ فيها ووَضَح، وكَثُر خَيرُها وطَفَح، قال: فاليمن: قال: أصلُ العرب، وأهلُ الحَسَب، قال: فالشام، قال: أهل النَّجْدَةِ والباس وخيار الناس، قال: فمصر، قال: عَروسٌ بين نِسوةٍ كلُّهنَ يَزُفُّها، قال: فكيف رأيتَ خُطبتي؟

стр. 4320

فسكت، فقال: أقسمت عليك، أو عَزمت عليك أَلا صَدَقْتَني، قال: تُكَثِر الرد، وتُشير باليَد، وتقول: أما بعد، فقال له الحجاج: فأنت ما تَستعينُ بيدك في كلامك؟ قال: لا أَصِلُ كلامي بيدي حتى يَضيقَ بي لَحْدي، قال: فأخبرنن عن أشعر بيت قالته العرب، قال: قول القائل: [من الطويل] فما حَملتْ من ناقةٍ فوق رَحْلِها … أبَرَّ وأوْفى ذِمَّة من مُحَمَّدِ (١) وقال المفضّل بن محمد: خرج ابن القِرِّيَّة مع ابن الأشعث، فلما كان بعد الجماجم وسار الحجاج إلى البصرة؛ استخلف على الكوفة حَوْشَب بن يزيد، فكان أيوب يَدخل على حَوْشَب فيَقفُ على رأسه، فيقول حوشب: انظروا إلى هذا الواقف، غدًا يأتي كتابُ الحجاج يَطلبه فلا أقدِر على منعه، فبينا هو واقف إذ جاء كتاب الحجاج إلى حوشب يقول: قد صِرتَ كهفًا لمنافقي أهل العراق، فابعث بابن القِوّية إليّ مَشْدودةً يده إلى عنقه، فرمى حَوْشب بالكتاب إلى أيوب فقال: سمعًا وطاعة، وحمله إليه. فلما دخل على الحجاج قال له: ما أعددْتَ لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير، ثلاثة حروف كأنهنّ رَكْبٌ وقوف، دنيا وآخرة ومعروف، قال: أخرج مما قلت، قال: أما الدنيا فمالٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر، وأما الآخرة فميزانٌ عادل، وشهادةٌ ليس فيها باطل، وأما المعروف فإن كان عليَّ اعترفتُ، وإن كان لي اغترفتُ، قال: الآن تعترف إذا وقع عليك السيف (٢)، قال: فأقِلْني عَثْرتي؛ فإنه ليس جَوادٌ إلا وله كَبْوَة، ولا شُجاعٌ إلا وله هَفْوة، فقال الحجاج: لأُزِيرَنَّك جهنّم، قال: فأرِحْني فإني أجد حَرَّها، فضرب عُنقه، فلما رآه يَتَشحَّط في دمه ندم على قتله وقال: لو تركناه لسمعنا كلامه (٣)، [وفي رواية أن أيوب قال: استَبْقِني أكن لك كما كنتُ عليك، فقال الحجاج: هيهات هيهات، ثم طعنه بالحربة فقتله.

стр. 4321

فصل: فيها توفي] حُطيط الزَّيات الكوفي مولى بني ضبّة، كان عابدًا زاهدًا يَصدَع بالحق، وكان متشيّعًا، قتله الحجاج في هذه السنة لتشيّعه أولًا، ولميله إلى ابن الأشعث أخيرًا بعد أن عذبه بأنواع العذاب. [وقد ذكرنا الإسناد فيما تقدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه قال:] (١) قال له الحجاج: اصدُقْني، قال: سَلْني؛ فقد عاهدتُ الله إن خلوتَ لي لأقتُلنَّك، وإن عذبتَني لأصبِرَنّ، وإن سألتَني لأصدُقَنّ، قال: فما قولك في عبد الملك؟ قال: ما أسْفَهك! تسألُني عن رجلٍ أنت خَطيئة من خطيئاته، وقد ملأتَ الأرضَ فسادًا، فعذّبه بأنواع العذاب وهو صابر. قال الحجاج: فهل له من حميم؟ قالوا: أمّ وأخ، فوضمع على أمَّه الدَّهَق (٢)، فقال حُطيط: يا أَمة الله اصبري، فقتلها، ثم عذّبه ولم يَنطق، فأخرجه فألقاه على مِزبلة وبه رمق، فاجتمع عليه الناس فقالوا: يا حُطيط، قل لا إله إلا الله، فجعل يُحرِّك بها شفتيه حتى مات. وقال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى عمرو بن قيس قال: لما أُتي (٣) الحجاج بحُطيط -وكان شابًّا أبيض -قال للحجاج: أما تستحي تكذب وأنت أمير؟ فقال له: أحَروريّ أنت؟ قال: ما أنا بحروريّ، ولكني عاهدتُ الله أن أُجاهدك بيدي ولساني وقلبي، فأما يدي فقد فُتَّها، وأما لساني فها تسمع ما يقول، وأما قلبي فالله أعلم بما فيه، فسارّه حَوْشب بن يزيد صاحب شُرطته بشيء، فقال حطيط: لا تسمع منه فإنه غاشٌّ لك، فقال الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أقول فيهما خيرًا، قال: ما تقول في

стр. 4322

عثمان؟ قال: ما وُلدتُ إذ ذاك، فقال الحجاج: يا ابن اللَّخْناء، وُلدتَ في زمن أبي بكر وعمر، ولم تولد في زمن عثمان؟ فقال له حُطيط: يا ابن اللَّخْناء، إني وجدتُ الناس اجتمعوا على أبي بكر وعمر فقلتُ بقولهم، واختلفوا في عثمان فوَسِعني السكوت، فقال مَعَدّ صاحب عَذاب الحجاج: إن رأيتَ أن تَدفعَه إليَّ، فوالله لأُسمعنَّك صياحَه. فسلَّمه إليه، فجعل يعذِّبه ليلتَه كلَّها وهو ساكت، فلما كان عند الصبح دعا بدَهَق، واعتمد على ساقه فكسرها، فلما أصبح دخل على الحجاج، فقال له: ما فعل أسيرُك؟ فقال: إن رأى الأمير أن يأخذَه؛ فقد أفسد على أهلَ سِجني، يَستحيون ألا يَصبروا، فقال: عليّ به، فعذّبه بأنواع العذاب وهو صابر. [وفي رواية ابن أبي الدنيا:] كان يؤتى بالمسالّ فيغرزها في جسده ولا ينطق، فلفَّه في باريَّة (١) وألقاه على كُناسة فمات. [فصل: وفيها توفي أبو عمرو الشَّيبانيّ] صاحب العربية (٢)، وإمام الناس فيها. [ذكره ابن سعد في] الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة [وقال: اسمه سعد (٣) بن إياس]. شهد القادسية، وروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، وكان كبيرًا له سن عالية، وكان ثقة وله أحاديث [منها: قال ابن سعد: وحدثنا الفضل بن دُكين، حدثنا عيسى بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا عمرو الشيباني] قال: أذكر أني سمعت برسول الله ﷺ وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة.

стр. 4323

قال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت أبا عمرو الشَّيباني -وكان قد عاش مئةً وعشرين سنة- يقول (١): تكامل شبابي يوم القادسية، فكنتُ ابنَ أربعين سنة. وقال هشام: كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على فضله وصلاحه. [فصل: وفيها توفي] عبد الله بن نَوْفَل ابن الحارث بن عبد المطلب [بن هاشم]، أبو حمزة، وأمه ظُرَيبَة بنت سعيد بن القَشِب من الأزد، وأمُّها أم حكيم بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس؛ خالة سعد بن أبي وقّاص ﵁، وأم سعد: حَمْنَة بنت سفيان (٢). وعبد الله من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال ابن سعد: ولد في عهد رسول الله ﷺ . قال: وحدثنا محمد بن عمر بإسناده إلى أبي هريرة قال: لما ولي مروان بن الحكم المدينة لمعاوية بن أبي سفيان سنة اثنتين وأربعين في الإمرة الأولى؛ استقضى عبد الله بن نَوفل على المدينة، قال أبو هريرة: فهو أول قاض رأيته في الإِسلام. قال الواقدي: فأجمع أصحابنا على أن عبد الله بن نوفل أول من قضى بالمدينة لمروان بن الحكم (٣)، قال: وأهل بيته ينكرون أن يكون ولي القضاء بالمدينة، هو ولا أحدٌ من بني هاشم. قال: وقال أهل بيته: إن عبد الله توفي في أيام معاوية بن أبي سفيان. قال الواقدي: ونحن نقول: إنه عاش بعد معاوية دهرًا طويلًا، ومات في سنة أربع وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان. قلت: والعجب من قول الواقدي، وأهل بيت الرجل أعرف به من غيرهم، وإن كان كما قال الواقدي فقضاء المدينة يُعَدُّ شرفًا لا نقيصة، فلو ولي القضاء لما نَكِره أهله.

стр. 4324

وقال الموفق ﵀: كان عبد الله يشبه رسول الله ﷺ (١). ذكر أولاده: كان له من الولد: عبد الله ومحمد، أمّهما خالدة بنت مُعَتِّب بن أبي لَهَب. وإسحاق، وعبيد الله؛ وهو الأرْجُوان. والفضل، وأمّ الحكم، وأمّ أبيها، وأمّ سعيد، وأم جعفر، أمّهم أم عبد الله بنت العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وعبد الرحمن، أمّه بنت محمد بن صَيفي بن أبي رِفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم. وعَون، وظُرَيبة، وخالدة، وأم عَون، لأمهات أولاد شتّى (٢). فصل: وفيها توفي قيس بن أبي حازم الأحْمسيّ البَجَليّ، واسم أبي حازم: عَوف بن عبد الحارث، وكنية قيس: أبو عبد الله (٣). من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، أدرك سول الله ﷺ ولم يره، وشهد مع خالد بن الوليد حروب العراق، ولأبيه صحبة. وقال هشام: وهو القائل (٤): دخلنا على معاوية في مرض موته، فأخرج إلينا ذِراعَيه كأنهما سَعْفَتان مُحترقتان، أو عَسِيبا نَخْل، فقال: ما الدنيا إلا ما ذُقْنا وجَرَّبنا، والله لَوَددْتُ أني لا أعيش فيكم إلا ثلاثًا، حتى ألحقَ بربّي، فقلنا: إلى رحمة الله، فقال: إلى ما يشاء الله.

стр. 4325

قال ابن سعد: وكان قيس يَخضب بالصُّفْرة. وقال ابن مَنْده: شهد حرب الخوارج مع علي، وكان عثمانيًّا. واختلفوا في وفاته؛ فحكى ابن سعد عن الواقدي أنه قال: مات في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. وكذا قال خليفة: في سنة ثمان وتسعين. وقال الهيثم: سنة أربع وثمانين، قال: وأسند عن العشرة المبشرين بالجنة، وليس في التابعين من أسند عنهم غيره، رحمه الله تعالى (١). قال ابن سعد: وروى عن ابن مسعود، وخَبّاب، وخالد بن الوليد، وحُذيفة، وأبي هريرة، وعُقبة بن عامر، وجَرير بن عبد الله، وعَديّ بن عَمِيرة، وأسماء بنت أبي بكر (٢). وقال ابن منده: وله أحاديث مناكير، منها حديث كِلاب الحَوْأب (٣). قال ابن عساكر: وروى عنه الحسن البصري، وابن سيرين، وأبو مِجْلَز لاحِق بن حُمَيد وغيرهم (٤). [وفيها توفي] ماهان العابد الحَنَفيّ [وكنيته:] أبو صالح، وقيل: أبو سالم. [وقيل:] اسمه: عبد الرحمن بن قيس (٥).

стр. 4326

[وهو] من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. وكان قد خرج مع ابن الأشعث، ثم هرب إلى مكة، وكان عابدًا صالحًا مجاب الدعوة. [قال أبو نعيم:] سئل [ماهان:] ما كانت أعمال القوم؟ قال: كانت أعمالهم قليلة، وقلوبهم سليمة (١). ذكر مقتله: [قال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده: ثنا أبي، حدثنا محمد بن فُضيل، حدثني] إبراهيم مؤذن مسجد بني حنيفة قال: أمر الحجاج بماهان أن يُصلب على بابه، فأتيتُه حين رُفع على خشبته؛ وهو يُسبّح ويُهَلّل ويُكَبّر، ويَعقد بيده حتى بلغ تسعًا وعشرين، فطعنه رجل على تلك الحال، فلقد رأيته بعد شهر مَعقودًا بيده تسعة وعشرين. [قال:] وكنّا نرى عنده الضوء بالليل شِبهَ السِّراج (٢). [قلت: ذكر جدي قصة ماهان، وأنه أقام شهرًا ويده معقودة بالتسبيح، وأنشد: [من البسيط] لتُحشَرَنّ عِظامي بعدما بَلِيَتْ … يومَ الحسابِ وفيها حُبُّكم عَلِقُ] (٣) وقال ابن الكلبي: كان ماهان مقيمًا بمكة، فأرسل إليه الحجاج، فأخذه من الطَّواف، فقال: أُخذت من حَرم الله، وأنا طائف ببيت الله، وأنا بعين الله، ونعم القادر الله (٤). [وروى أبو نعيم الأصفهاني،] عن أبي إسحاق الشيباني قال: دنوتُ من ماهان عند صَلبه، فقال لي: يا ابن أخي، تنحَّ لا تُسأل عن هذا المقام (٥). أسند ماهان عن علي، وابن مسعود، وحذيفة وغيرهم، رحمه الله تعالى.

стр. 4327

السنة الخامسة والثمانون وفيها عزل الحجاج يزيد بن المهلَّب عن خراسان، وولّى عليها أخاه المفضَّل بن المهلب. قال علماء السير: كان في قلب الحجاج من يزيد، حيث أطلق بعض الأسرى من أصحاب ابن الأشعث، ثم أكّد ذلك أن الحجاج وَفد على عبد الملك، ثم عاد إلى العراق، فمرَّ في طريقه بدَيْرٍ فيه راهب؛ عالم بالكتب والعلم الأوّل، فسأله: هل تَجدون أمرَنا في كتبكم؟! قال: نعم وما هو كائن، قال: فما تقول في عبد الملك؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه، قال: ومَن يقوم بعده؟ قال: رجل يُسمّى بالوليد، قال: ثم مَن؟ قال: رجل يُدعى باسم نبيّ، يفتح الله به على الناس، قال له الحجاج: فتعلم ما أَلي؟ قال: نعم، قال: فمَن يليه بعدي؟ قال: رجل اسمُه يزيد، قال: في حياتي أم بعد مماتي؟ قال: لا أعلم، قال: أتعرف صِفته؟ قال: نعم، يَغْدِر غَدرة، قال: ثم ماذا؟ قال. لا أدري. فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلَّب، فكتب إلى عبد الملك يَستعفيه من ولاية العراق، فلم يُعفه، وجلس الحجاج بعد ذلك يفكّر، فدخل عليه عبيد بن مَوْهَب وهو يَنكُت في الأرض، فقال له: ما الذي بك؟ فقال: إن أهل الكتب يذكرون أن ما تحت يدي يَليه رجل يقال له: يزيد، وإني نظرتُ في هذا الاسم فتذكَّرتُ جماعة لا يَصلحون له: يزيد بن أبي كَبْشَة، ويزيد بن حُصَين بن نُمير، ويزيد بن دينار، وليس فيهم مَن يَصلح، وما ثَمَّ غير يزيد بن المهَلّب، فقال: فأَخْلِقْ به. فنظر فلم يَجد شيئًا يَعزِلُه به، فكتب إلى عبد الملك يذمُّ يزيد ويقول: إنه يميل إلى آل الزبير، فكتب إليه عبد الملك: إن ذلك وفاء لآل الزبير من آل المهلب، وإن وفاءهم لأولئك يَدعوهم إلى الوفاء لنا، فكتب إليه الحجاج يُخوِّفه غَدْرَ يزيد وآل المهلب، فكتب إليه عبد الملك: قد أكثرتَ في يزيد، فسَمِّ لي رجلًا يَصلح لخُراسان، فسمَّى له مُجّاعة بن سِعْر السَّعديّ، فلم يَرْضَه عبد الملك، وسَفّه رأيَ الحجاج فيه، فسمّى له قُتيبةَ بن مسلم، فقال. وَلِّه.

стр. 4328

وبلغ يزيد فقال لأهله: مَن تَرون الحجاج يُوَلّى خراسان؟ قالوا: رجلًا من ثقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعَهْده، فْإذا قدمتُ عليه وَلّى رجلًا من قيس، وأخلِق بقُتيبة. وكره الحجاج أن يُواجِه يزيد بالعَزْل، فكتب إليه أن استخلِفْ أخاك المفضَّل واقدم عليّ، فاستشار يزيد حُضَين بن المنذر فقال: أقم وتعلَّل عليه، فإن عبد الملك حسنَ الرأي فيك، وإنما أُتيت من قِبلَ الحجاج، فإن أقمتَ فربما كتب إلى الحجاج بإبقائك، قال: فإنّا أهلُ بيت بورك لنا في الطاعة، وأكره المعصية والمخالفة. وشرع في جِهازه، وأبطأ على الحجاج، فكتب إلى المفضَّل بعهده على خُراسان، فجعل المفضل يَستحثّ يزيد، ففطن فقال: يا مُفَضَّل، إن الحجاج لا يُقرُّك بعدي، وإنما وَلّاك مخافةَ أن أمتنع عليه، قال المفضَّل: بل حَسَدْتَني، فقال يزيد: يا بن بَهلة، أنا أحسدُك! ستعلم. وسار يزيد من خراسان في ربيع الأول (١) هذه السنة، وعزل الحجاج المفضَّل، وولَّى قتيبة، فقال بن المنذر ليزيد: [من الطويل] أمرتُك أمرًا حازمًا فعصيتني … فأصبحتَ مَسلوبَ الإمارةِ نادِما فما أنا بالباكي عليك صبابة … وما أنا بالداعي لتَرجِعَ سالما فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضَين: كيف قلتَ ليزيد؟ فقال: أمرتُك أمرًا حازمًا فعصيتني … فنَفْسَك وَلِّ اليومَ (٢) إن كنتَ لائما فإن بلغ الحجَّاج أن قد عصيته … فإنك تلقى أمرَه مُتفاقِما فقال: فما أمرتَه به فعصاك؟ قال: أمرتُه أن يَحمل إلى الحجاج كلَّ بيضاء وصَفْراء فخالفني. ولم يُرد هذا، وإنما مَوَّه على قُتيبة فخلَصَ منه. وكانت ولاية يزيد من سنة اثنتين وثمانين، وعُزل سنة خمس وثمانين.

стр. 4329

قال هشام بن الكلبي (١): كان الحجاج قد أذَلَّ أهل العراق كلهم إلا آل المهلب، فلما فرغ من ابن الأشعث شرع فيهم خوفًا منهم، وكتب إلى عبد الملك فيهم مرارًا، حتى أجابه إلى عزل يزيد. وفيها هلك ابن الأشعث. وفيها غزا المفضَّل بن المهلَّب باذَغِيس، فغنم غنائم كثيرة، وفتح المدينة، فأصاب كلُّ فارس ثمان مئة درهم، ولم يكن للمفضَّل بيت مال، كان يعطي الناس كلَّ ما عنده، وإذا غنم شيئًا قسمه، وأقام على خراسان تسعة أشهر، وجاءها قتيبة بن مسلم. وفي المفضل يقول كَعْب الأَشْقَرِيّ: [من الطويل] ترى ذا الغِنى والفقرِ من كل مَعْشَرٍ … عَصائبَ شَتَّى يَقْصِدون المُفَضّلا فمِن زائرٍ يرجو فَواضِلَ سَيبه … وآخرُ يَقضي حاجةً قد ترحَّلا إذا ما عَدَدْنا الأكرَمِينَ ذَوي النُّهى … وما قَدَّموا من صالحٍ كنتَ أوَّلا صَفَتْ لك أخلاقُ المهلَّبِ كُلّها … وسُرْبِلْتَ من مَسعاتِه ما تَسَرْبَلا (٢) وفيها هلك موسى بن عبد الله بن خازم بالتِّرمِذ. وفيها عزم عبد الملك على خَلْع أخيه عبد العزيز بن مروان. وحج بالناس هشام بن إسماعيل المَخْزومي، وكان العامل على العراق والمشرق الحجاج. [فصل:] وفيها توفي سفيان (٣) بن الأَبرد ابن أبي أُمامة بن قابوس الكلبي، [وكنيته] أبو يحيى. [وقد ذكرناه في قصة الضحاك بن قيس ومروان، وكان بدمشق.]

стр. 4330

كان مع عبد الملك لما خرج عليه عمرو بن سعيد. وهو الذي كان على ميمنة الحجاج يوم هزم ابنَ الأشعث، وكان في حروب الحجاج حتى استقام له العراق. [وذكره ابن عساكر في "تاريخه" وقال:] كانت له دار بجَيرون، وكان له سُوق الصَّياقل قَطيعةً (١). [وقال الواقدي:] غزا مع يزيد بن معاوية القُسطنطينية في سنة خمسين، ورأى يزيد أبوابَ البلد لا تُغلق ليلًا ولا نهارًا، فقال لسُفيان وحُمَيد بن حُرَيث: ما لي أرى الأبواب لا تُغلق ليلًا ولا نهارًا؟! فقالوا: إنما يفعل الروم ذلك لعِزَّتهم؛ وأنهم لا يخافون أحدًا يدخل عليهم منها، فقال يزيد: لئن أصبحتُ صالحًا ليُغْلِقنَّ الباب أو لأدخُلَنَّ عليهم منه، ثم قال لسفيان وحُميد: إذا شددت غدًا فشُدَّا من ظَهري. فلما طلع الصباح حمل يزيد وحملا معه وهو بينهما، حتى وصلوا إلى الباب، وخرجت الروم، وعاد بعضهم فأغلقوا الباب، وحمل بطريق على سفيان فطعنه فصرعه، وشدَّ حُمَيد على البطريق فطعنه فوقع ميتًا، ووقف يزيد على الباب ساعة، ونظر إلى سفيان صريعًا فقال: خالي خالي، ثم نزل ووضع رأسه في حجره وقال: ابغوني شَحْمًا، فأبطؤوا عليه، فأخذ من شَحْم البطريق، فأدخله في جَوْف سفيان، وخَيَّطه مَوضعَ الطَّعنة، فبرئ سفيان ولم يُولد له بعد ذلك. [وفيها توفي] عبد الله بن عامر (٢) ابن ربيعة بن مالك العَدَوي، من بني ربيعة بن نزار، حليف الخَطّاب بن نُفَيل، وكنية عبد الله أبو محمد. [ذكره ابن سعد في] الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة [وقال: ولد على عهد رسول الله ﷺ ]، وكان ابن خمس سنين أو ست سنين يوم قُبض رسول الله ﷺ .

стр. 4331

وقال [ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال]: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتنا وأنا صبيٌّ صغير، فخرجتُ ألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعال أُعطيك، فقال رسول الله ﷺ : "وما أردتِ أن تُعطيه؟ " قالت: أردتُ أن أُعطيه تَمرًا، فقال: "لو لم تفعلي كُتِبت عليك كَذْبة" (١). وحفظ عن أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم، وروى عنهم وعن أبيه، وقال: أدركتُ أبا بكر وعمرَ ومَن بعدهم من الخلفاء يَضربون في قَذف المَمْلوك أربعين. وقال محمد بن عمر: مات عبد الله بن عامر بن ربيعة بالمدينة سنة خمسٍ وثمانين، وكان ثقةً كثيرَ الحديث [رحمه الله تعالى] (٢). عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث بن قيس الكندي، الخارج على الحجاج. نشأ بالكوفة، وكان مُقَدَّمًا في كِندة، وكان وُلاةُ العراق يخافون شرَّه فيُجاملونه، وكان أبغضَ خلق الله إلى الحجاج، فتمكَّن واستطال، وخرج عليه، وطمع في الخلافة، وواقع الحجّاج نيفًا وثمانين وَقعة، إلى أن انهزم وحصل عند رُتبيل. ولما رجع من هَراة يريد رُتبيل قال له علقمة بن عمرو الأَوْدي: ما أحبُّ أن أدخل معك بلاد رُتبيل، قال: ولم؟ قال: كأني وألله بكتاب الحجاج قد جاء إلى رُتبيل يُرَهِّبُه ويُرَغّبه، فإذا هو قد بعث بك إليه سَلَمًا، أو قتلك وقتل كل مَن معك، ولكن ها هنا خمس مئة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصَّن فيها، ونقاتل حتى نُعطى أمانًا، أو نقتل كرامًا، فوافِقْنا، فأبى عبد الرحمن، ودخل إلى رُتبيل، وأقام هؤلاء الخمس مئة خارجًا عن بلاد رُتبيل حتى قدم عُمارة بن تميم اللخمي، فأمّنهم ووفى لهم لما خرجوا إليه.

стр. 4332

ولما حصل ابن الأشعث عند رتبيل كتب إليه الحجاج: والله لئن لم تبعث إليَّ بابن الأشعث لأُوطِئَنَّ أرضك ألف ألف مقاتل، وإن بعثت به إليّ وضعتُ عنك خراجَك سبع سنين. فقتل رتبيل ابنَ الأشعث، وبعث برأَسه إلى الحجاج، وقيل: إنه مات بعلّة السلّ عند رُتبيل، فبعث فحزّ رأسه وبعث به إلى الحجاج، وكان قد أسر ثمانية عشر رجلًا من آل ابن الأشعث، فكتب إلى الحجاج يخبره، فخاف الحجاج أن يبعث بهم إليه أحياء؛ فيطلب منه عبد الملك تَخليتَهم، فكتب إلى رتبيل: اضرب أعناقهم، وابعث إليَّ برؤوسهم ففعل. وقال معمر: خرج عُمارة بين تميم اللخمي من كَرمان يطلب سِجستان، فأتى إليها وعلى الخمس مئة الذين ذكرناهم مَودود العَنْبريّ، فحصرهم ثم أمَّنهم، واستولى على سجستان، وبعث إلى رتبيل بكتاب الحجّاج وفيه معنى ما تقدم الترغيب والترهيب، فأبى رُتبيل أن يُسلِم ابن الأشعث. وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبَيع التميميّ، وكان خَصيصًا به، وكان رسولَه إلى رُتبيل، فخف على رُتبيل (١) واستخصّه، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: قد رابني أمرُ هذا التميميّ فاقتله، فهمّ به، وبلغ التميميَّ فخافه ووشى به إلى رُتبيل، وخوَّفَه الحجاجَ، وخرج سرًّا إلى عُمارة، فصالحه على مالٍ لرُتبيل ولنفسه؛ يقال: إنه ألف ألف درهم، ووضع الخراج عنه مدة عشر سنين، واتّفق عُمارة مع الحجاج على ذلك. جعل رُتبيل في عُنق عبد الرحمن وأخيه وأهله الجوامع (٢)، وبعث بهم إلى عمارة وكان نازلًا ما بين سجستان وبلاد رُتبيل، ولما قَرُب عبد الرحمن من عُمارة مرَّ في طريقه بقصرٍ، فصعد إلى أعلاه، ثم ألقى نفسه منه فمات، فاحتزّوا رأسَه، وأتوا به وبأهله إلى عُمارة، فقتل الأسرى، وبعث بالرأس إلى الحجاج، فبعث به إلى عبد الملك، وبعث به عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز بمصر.

стр. 4333

قال عمر بن شبّة: لما بعث الحجاج رأس ابن الأشعث بعثه عبد الملك إلى امرأة من آل الأشعث كانت تحت رجل من قريش، فلما وضع بين يديها قالت: مرحبًا بزائرٍ لا يتكلم، ملكٍ من الملوك، طلب ما هو أهله فأبت عليه المقادير، ثم طيَّبتْه بالمسك بعد أن غسلته. ونظر ابن الأشعث إلى رجل من أصحابه وهو هارب إلى بلاد رُتبيل فتمثل: [من السريع] مُنْخَرِقُ الخُفَّينِ يشكو الوَجا … تَنكُبُه أطرافُ مرْوٍ حِدادِ قد كان في الموت له راحةٌ … والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العِبادِ طَرَّده الخَوفُ وأزرى به … كذاك مَن يَكره حَرَّ الجِلادِ وسمعه الرجل فقال: هلا ثَبَتَّ في موطن من تلك المواطن فنموت بين يديك، ثم تموت أنت، فهو خيرٌ لك مما صِرتَ إليه (١). والذي حمل رأس عبد الرحمن إلى عبد الملك عِرار بن عمرو بن شأسٍ الأَسديّ الكوفي، قال عرار: لما قدمتُ على عبد الملك بكتاب الحجاج جعل يقرؤه، وكلما شَكّ في شيءٍ منه سألني فأخبرتُه، فعجب عبد الملك من فصاحتي مع دَمامتي وسوادي، فضحكت وأنشدت: [من الطويل] فإن عرارًا إن يكن غيرَ واضحٍ … فإني أحبُّ الجَوْنَ ذا المَنْكِبِ العَمَمْ فغضب عبد الملك وقال: لم ضحكتَ (٢)، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرف عِرارًا؟ قال: لا، قلت: أنا عِرار؛ كان أبي قد تزوّج امرأةً وهي أم حسان (٣)، فكانت تُؤذيني فقال: فإن كنتِ منّي أو تُريدين صُحبَتي … فكوني له كالسَّمْن مْن رُبَّتْ به الأَدَمْ وإلا فسِيري مثلَ ما سار راكبٌ … تيمَّم خَمسًا ليس في سَيره أَمَمْ أرادتْ عِرارًا بالهوان ومَن يُرِدْ … عِرارًا لعَمْري بالهوان فقد ظَلَمْ فإن عرارًا إن يكُن غيرُ واضحٍ … فإني أحب الجَوْنَ ذا المنكِبِ العَمَمْ (٤)

стр. 4334

فضحك عبد الملك وأحسنَ جائزتَه. وكان عرار دَميمًا قبيحًا أسود. ولأبيه عَمرو بن شَأس صُحبة ورواية، شهد الحُدَيبية وكان شاعرًا، ومن شعره: [من الطويل] إذا نحن أدلَجْنا وأنتِ أمامَنا … كَفى لمَطايانا بوَجهك هاديا أليس تُريد العِيشُ خِفَةَ أَذرُعٍ … وإن كنَّ حَسْرى أن تكون أمانيا (١) وقال عمرو بن شأس: خرجت مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتى وَجدتُ في نفسي عليه، فلما قدمتُ أظهرتُ شِكايته في المسجد حتى بلغ رسولَ الله ﷺ ، فدخلتُ المسجد ذاتَ غَداة ورسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فلما رآني أبَدَّني عينيه، حتى إذا جلستُ قال: "يا عمرو، والله لقد آذيتَني" فقلت: أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله! فقال: "بلى من آذى عليًّا فقد آذاني" (٢). وقال ابن عساكر (٣): كان عبد الرحمن بن الأشعث حَسودًا حَقودًا، وكان قد توجَّه إلى خراسان مع خالٍ له بطَلبِ مِيراثٍ، فجعل يختلف إلى بغيٍّ هناك يقال لها: ماهنوس، فأُخذ معها، فشهد عليه جماعة منهم كَردَم بن مَرْثَد بن نَجَبَة الفزاري، وزُفَر بن عَمرو الفزاريّ، ومحمد بن قَرَظَة، ويزيد بن زهير، فضُرب حدًّا، ولم تذهب الأيام حتى صار هؤلاء النَّفر من جُند ابن الأشعث لما ولي سجستان، فدسَّ إليهم مَن شهد عليهم بالزنى، فحدَّهم، فقال بعضهم: [من الطويل] شَهِدْنا بحقٍّ وانتقمتَ بباطلٍ … فأُبْنا بخَيرٍ واشتملتَ على وزْر [فصل: وفيها توفي] عبد العزيز بن مروان ابن الحكم [بن أبي العاص]. وأمُّه ليلى بنت زَبّان (٤) بن الأَصبغ بن عمرو الكلبيّ. وكنيته أبو الأَصْبَغ.

стр. 4335

من الطبقة الثانية من أهل المدينة ومُحدِّثيهم. وذكره ابن سُمَيع في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وكان جوادًا ذا مُروءةٍ ظاهرة، وكان أبوه قد عَقد له بولاية العهد بعد عبد الملك، وولّاه مصر فأقره عليها عبد الملك، وثَقُل عليه مكانه، فأراد خلعَه ليُبايع لابنه الوليد وسليمان بالخلافة بعده، فمنعه قَبيصَةُ بنُ ذُؤَيب -وكان على خاتم عبد الملك- وقال له: لا تفعل؛ فإنك باعث على نفسك صَوْتًا نَعّارًا، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه، فكفَّ عن ذلك ونَفْسُه تُنازعه، فدخل عليه رَوْحُ بنُ زِنْباع الجُذاميّ -وكان أجلّ الناس عنده- فشاوره فقال: لو خلعتَه ما انتَطَح فيها عَنْزان. فبينا هما على ذلك وقد نام عبد الملك وروح في تلك الليلة، إذ دخل عليهما قَبيصة ابن ذُؤيب ليلًا، وكان لا يُحجب عن عبد الملك، وكانت الأخبار والكتب تأتيه فيقرؤها قبل عبد الملك، فقيل له: قد جاء قَبيصة، فدخل فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز، فاسترجع عبد الملك وقال لرَوْح: يا أبا زُرعة، كفانا الله ما أجمعنا عليه، فقال قَبيصة: إن الرأيَ كلّه في الأناة، وفي العجلة ما فيها، فقال عبد الملك: ربّما كان في العَجَلةِ خيرٌ كثير، ألم تر أمر عمرو بن سعيد؟! ألم تكن العَجَلة فيه خيرًا من التأنّي (١)؟ ثم قال له قَبيصة: قد أتاك ما أردْتَ ولم تَقطع رَحم أخيك، ولم تأت ما تُعاب به، ولم يُظهِر عليك غدرًا، ولم يَسُؤْه عنك السَّماع. وكان الحجاج قد كتب إلى عبد الملك يُزَيّن له بيعةَ الوليد وسليمان، وأوفد إليه وَفدًا في ذلك منهم، عِمران بن عِصام العَنَزيّ، فقام عِمران خطيبًا، وتكلم للوفد في ذلك، وسألوا عبد الملك، وأنشده عمران: [من الوافر] أميرَ المؤمنين إليك نُهدي … على النَّأْيِ التحيَّةَ والسَّلاما أجِبْني في بَنيك يكن جَوابي … لهم أُمْنِيةً ولنا قِواما فإن تُؤثِر أخاك بها فإنّا … وجَدِّكَ لا نُطيقُ لها تماما ولكنا نحاذِرُ من بَنيه … بني العَلّاتِ مأثَرَةً سَماما ونخشى إن جَعلتَ المُلكَ فيهم … سَحابًا أن تَعودَ لهم جَهاما

стр. 4336

فقال عبد الملك: يا عمران، إنه عبد العزيز، قال: فاختَلْ له. وكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: يا أخي، إن رأيتَ أن تُصيَر الأمْرَ لابن أخيك فافعل، فأبى، فكتب إليه، فاجعلْه له من بعدك؛ فإنه أعزُّ الخلق علي، فكتب إليه عبد العزيز: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما تراه في الوليد، فكتب إليه: فاحمل خراج مصر إليّ، فكتب إليه عبد العزيز: إني وإياك قد بلغنا سنًّا لم يبلغها أحدٌ من أهل بيتنا إلا كان بقاؤه قليلًا، وإنا لا ندري أيّنا يأتيه الموت أولًا، فإن رأيت ألا تُغَثِّث (١) عليّ بقيةَ عُمري؛ ولا يأتيني الموت إلا وأنت واصِلٌ لي فافعل. فرقَّ له عبد الملك وقال: لا غَثَثْتُ عليه بقيَّة عُمره، وقال لابنيه الوليد وسليمان: إن يُرِد الله أن يُعطيكموها لم يَقدر أَحدٌ من الخلق على ردّها عنكما، ثم قال: هل قارفْتُما حَرامًا قطّ؟ قالا: لا والله، فقال: الله أكبر، نلتماها وربِّ الكعبة. ولما امتنع عبد العزيز من إجابة عبد الملك إلى ما التمس منه قال عبد الملك: اللهم إنه قد قَطَعني فاقطعْه، فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رَدّ على أمير المؤمنين أمرَه، فدعا عليه فاستُجيبَ له (٢). [وقال ابن عساكر:] شهد عبد العزيز قتلَ عمرو بن سعيد الأَشْدَق، وكانت دار عبد العزيز بدمشق مُلاصقة الجامع، وهي اليوم دار الصّوفية، وكانت بعده لابنه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه (٣). [أخبرنا مشايخنا، عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده إلى محمد (٤) بن الحارث المخزومي قال:] دخل رجل على عبد العزيز يشكو إليه صهرًا له فقال: إن خَتَني فعل بي كذا وكذا، فقال له عبد العزيز: مَن خَتَنَك؟ قال: الخَتّان الذي يَختنُ الناس، فقال عبد العزيز لكاتبه: وَيحك ما هذا الجواب؟ فقال: أيها الأمير، إنك لَحَنْتَ، والرجل [لا]

стр. 4337

يعرف اللَّحن، وكان ينبغي أن تقول له: مَن خَتَنُك، بالضم، فقال عبد العزيز: أُراني أتكلم بكلام لا تعرفه العرب؟ والله لا شاهدتُ الناس حتى أعرفَ اللحن، وأقام في بيته جمعة لا يظهر؛ ومعه من يعلّمه العربية، فصلّى بالناس الجُمعةَ الأخرى وهو من أفصح الناس. ثم كان بعد ذلك يُعطي على العربية، ويَحرم على اللحن، فجاءه قوم من قريش من أهل مكة والمدينة زُوّارًا، فجعل يقول للرجل منهم: من أنت؟ فيقول: من بني فلان، فيعطيه مئتي دينار، فسأل رجلًا منهم فقال: من بنو عبد الدار، فقال للكاتب: خُذها من جائزته، فأعطاه مئة دينار (١). وكان يقول: مَن أمكنني من وَضْع مَعروفي عنده فيَدُه عندي أعظم من يدي عنده، وكان يترنّم بأبيات عبد الله بن عباس: [من الطويل] إذا طارِقاتُ الهمِّ ضاجَعتِ الفتى … وأعملَ فِكرَ الليل والليلُ عاكِرُ وباكَرني في حاجةٍ لم يجدْ لها … سِوايَ ولا يُوجَدْ لها الدهرَ ناصرُ فكان له فَضْلٌ عليَّ بظَنِّه … بيَ الخيرَ إنِّي للّذي ظنَّ شاكرُ وفي هذا المعنى يقول بشار بن برد: [من الخفيف] ليس يُعطيكَ للرَّجاء ولا الخَوْ … فِ ولكنْ يَلَذُّ طَعْمَ العَطاءِ (٢) ومرض عبد العزيز، فدخل عليه كُثَيِّر عَزَّة فقال: [من الكامل] ونَعودُ سيِّدَنا وسيِّدَ غيرِنا … ليتَ التَّشَكِّي كان بالعُوَّادِ لو كان يُقْبَلُ فِدْيَةٌ لفَديتُه … بالمصطفى من طارفي وتلادي (٣) وحدَّ عمرو بن سعيد الأَشْدق عبدَ العزيز في شراب شربه، فوجد عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه لما ولي المدينة إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر في بيت خُلَيدَة العرجاء، فحدّه حدَّ الخمر، فقال له إسحاق: يا عمر، كلُّ الناس جُلِدوا في الخمر، يعرِّض بأبيه (٤).

стр. 4338

ذكر وفاته: لما احتضر عبد العزيز قيل له: مالُك بمصر (١) يبلغ ثلاث مئة مُدْيٍ من ذهب، فقال: وَدِدْتُ أنه كان بَعرًا حائلًا بنجد. وتوفي بمصر في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين، وبلغ الخبر عبد الملك ليلًا، فلما أصبح دعا الناس إلى البيعة للوليد، ثم بعده لسليمان، وقدم كُثير عَزَّة مصر وورثة عبد العزيز يقتسمون ماله، فبكى وقال: [من البسيط] أضحى تراثُ ابنِ ليلى وهو مُقْتَسمٌ … في أقرَبِيهِ بلا مَنٍّ ولا ثَمَنِ ورَثْتَهم فتَعَزَّوا عنك إذ وَرِثوا … وما وَرِثْتك غيرَ الهَمِّ والحَزَنِ فقال ورثته: لا جَرَم، والله لا تنصرف إلا بمثل نصيبِ واحدٍ منا. ولكثير فيه أشعار كثيرة منها: [من الطويل] قَليلُ الأَلايا حافظٌ ليمينه … فإن بَدَرَت منه الألِية بَرَّتِ حَليمٌ رَزينٌ ذو أناةٍ وإِربَةٍ … بصيرٌ إذا ما كِفَّةُ الحربِ جُرَّتِ ومنها: [من الطويل] شهدتُ ابنَ ليلى في مواطنَ قد خَلَتْ … يزيدُ بهذا الحلمِ حِلمًا حُضُورُها وإني لآتٍ قبرَه فمُسَلِّمٌ … وإن لم يُكلّم حُفْرَة مَن يَزورُها (٢) ذكر أولاده: كان له من الولد: عمر ﵁، ولي الخلافة، وعاصم، وأبو بكر، ومحمد، درج، أمُّهم أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب (٣). والأصبَغ، وأم عثمان، وأم محمد لأم وَلَد. وسُهيل، وسَهْل، وأمُّ الحكم، أمُّهم أم عبد الله [بنت عبد الله] بن عمرو بن العاص بن وائل.

стр. 4339

وزَبّان، وجُزَيّ لأم ولد. وأم البنين، وأمُّها ليلى بنت سُهيل بن حَنْظَلة كلابّية. روى عبد العزيز عن أبي هريرة، وكان ثقةً قليلَ الحديث (١). عمران بن عصام (٢) الضُّبَعيّ أبو عُمارة، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، كان قاضيًا عليها، وكان إمامَ مسجد بني ضُبَيْعة، يختم بهم في رمضان كلَّ ثلاث ليال، وكان قد خرج مع ابن الأشعث، فلما قتل جيء به إلى الحجّاج فقال له: اشهَدْ على نفسك بالكفر، فقال: ما كفرتُ بعد إيماني، ثم كشف رأسَه وإذا به مَحلوق، فقال: ومحلوق أيضًا؟ يعني أنه يرى رأيَ الخوارج، فقتله. عمرو بن حُرَيْث ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عُمر بن مَخزوم، أبو سعيد. من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكان زياد يَستخلفه على الكوفة إذا خرج إلى البصرة. حمله أبوه إلى رسول الله ﷺ فمسح برأسه، ودعا له بالبركة، وخطّ له بالمدينة دارًا بقَوس (٣)، ومات رسول الله ﷺ وله اثنتا عشرة سنة. وزعموا أنه أول قُرشيٍّ اتَّخذ بالكوفة دارًا. وكان له قَدرٌ وشَرَف. ومن حديثه أنه رأى النبي ﷺ يصلي في نَعلَين مَخْصُوفَين (٤). ومات بالكوفة سنة خمس وثمانين.

стр. 4340

وأبوه حُرَيث من الصحابة، روى عنه ابنُه عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "الكَمْأَةُ من المَنِّ، وماؤها شِفاءٌ للعين" (١). [فصل: وفيها توفي] واثِلة بن الأَسْقَع ابن عبد العُزَّى بن عَبدِ ياليل بن ناشِب بن غِيَرة بن سعد بن لَيث، أبو قِرصَافَةَ اللَّيثي. من الطبقة الثالثة من المهاجرين (٢)، كان ينزل ناحية المدينة، فأتى رسولَ الله ﷺ فصلى معه الصُّبح، فكان رسول الله ﷺ إذا صلى وانصرف يتصفَّح وجوه أصحابه ينظر إليهم، فلما دنا منه أنكره فقال: مَن أنت؟ فأخبره، فقال: "ما جاء بك"؟ قال: جئتُ أبايع، قال رسول الله ﷺ : "على ما أحبَبْتَ وكَرهتَ؟! " قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "فيما أطَقْتَ"؟ قال: نعم، فأسلم وبايعه. وكان رسول الله ﷺ يَتجهَّز يومئذ إلى تبوك. فخرج واثلة إلى أهله، فلقي أباه الأَسْقَع، فلما رأى حاله قال: قد فعلتَها، قال واثلة: نعم، فقال أبوه: والله لا كَلَّمتُك أبدًا، فأتى عمّه فكلمه فلم يكلمه وقال: قد فعلتَها، قال: نعم، فلامه لائمةً أيسرَ من لائمةِ أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تَسبقَنا بأمر. وسمعت أختُ واثلة كلامَه، فخرجت فحيَّتْه بتحيةِ الإِسلام، فقال لها واثلة: من أين لك هذا يا أُخَيَّة؟ قالت: سمعتُ كلامَك وكلامَ عمِّك، وكان واثلة ذكر الإِسلام ووصفه لعمِّه فأعجب أُختَه فأسلمت، فقال لها واثلة: لقد أراد الله بك خيرًا يا أُخَية؛ فجهّزي أخاك جهازَ غازٍ، فإن رسول الله ﷺ على جَناح سَفَر، فأعطته مُدًّا من دقيق وتمر.

стр. 4341

وأتى المدينة ورسول الله ﷺ قد تحمَّل إلى تبوك، وبقي بقيَّةٌ من الناس، فجعل ينادي: مَن يَحملني وله سهمي؟ وسمعه كعب بن عُجْرَة فقال: أنا أحملك عُقْبَةً بالليل، وعُقْبةً بالنهار، ويدي ويدك (١)، وسهمُك لي، فقال واثلة: نعم، قال واثلة: فجزاه الله خيرًا. قال: وسار خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُوْمَة، وخرجتُ معه، فأصَبْنا فَيئًا كثيرًا، وأصابني ستُّ قَلائص، فجئتُ أسوقُها إلى خيمة كعب بن عُجْرة فقلت: أخرج فاقبِضْ قلائصَك، فخرج وهو يتبسَّم ويقول: بارك الله لك فيها، ما حملتُك وأريد أن آخُذَ منك شيئًا. ولما أسلم واثلةَ (٢) قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فاحلق عنك شَعَر الكُفر، واغتسل بماءٍ وسِدر" ففعل. [وذكر ابن عساكر وقال:] شهد واثلة فتح دمشق، وقتل عظيمًا من عُظماء الروم وأخذ سَلَبَه، فدُفع له في سَرجه عَشْرةُ آلاف (٣). وقال خليفة (٤): كانت له دار بالبصرة. وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة (٥). واختلفوا في وفاته؛ وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الزاهرية قال: مات واثلة بن الأسقع بالشام سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة (٦). وحكى ابن عساكر عن أبي حاتم قال: كان واثلة يشهد المغازي بدمشق (٧). وحكى ابن سعد أيضًا أنه مات في سنة ثلاث وثمانين ببيت المقدس (٨). وقيل: إنه سكن

стр. 4342

البَلاط (١)؛ قرية من قرى دمشق على ثلاثة فراسخ منها، ثم تحوَّل فسكن البيت المقدس حتى مات به. [وقال ابن عساكر أيضًا:] سكن دمشق إلى أن توفي بها، وهو مدفون بالحضيرة التي بمقابر الباب الصغير، فيها قبر معاوية (٢). وهو آخر من مات من الصحابة بدمشق. وقيل: مات وهو ابن مئة وخمس سنين. وكان يتغدَّى ويتعشَّى بفِناء داره، ويدعو الناس إلى طعامه. وقيل: مات بحمص (٣)، وقيل: اغتيل بين حمص ودمشق. أسند عن رسول الله ﷺ ستة وخمسين حديثًا. موسى بن عبد الله ابن خازم السُّلَمي، خرج من مَرو ببعض ثَقَل أبيه عبد الله أمير خراسان، وقطع النهر في عشرين ومئتي فارس، فأتى آمُل (٤) وقد صار في أربع مئة فقاتلوه، فأتى بُخارى، فمنعه صاحبُها من دخولها وقال: لا مُقام لك عندي، ووصله بمال ودواب، وجعل يتنقّل في بلاد ما وراء النهر، واتَّفق عليه ملوك التُّرك، فأتى إلى التِّرمِذ وبها حصن حصين، فأقام بظاهرها، ولم يزل يُهادي صاحبها حتى صنع له طعامًا، ودعاه إلى البلد، فلما أكل الطعام قال له: أخرج، فقال: لا أجد مُقامًا أحصنَ من هذا، وقاتلهم فقتل منهم جماعة، وغلب على البلد، وأقام بها من سنة إحدى وسبعين يحارب الترك

стр. 4343

ومُلوكَهم، وهم مجتمعون على حربه، وهو يظهر عليهم، فقصدوه مرة فخرج إليهم فبيّتهم، فقتل منهم مَقتلةً عظيمة؛ بحيث إنه بنى من رؤوسهم جَوْسَقَين، وبلغ الحجاج حديث الوقعة فقال: الحمد لله الذي نصر المنافقين على الكافرين. وكان المهلَّب مدةَ إقامته بخُراسان لا يعرض لموسى؛ لكونه في وجه بلاد الإِسلام، وكذا يزيد بعده، إلى أن ولي المُفَضَّل بن المُهَلَّب، فجهّز إليه جيشًا كثيفًا، فحصروه مدَّة، فخرج إليهم فأنكى فيهم، فعَرقَبوا فرسَه وقتلوه، وفيه يقول بعض الشعراء في رجل اسمه موسى (١): [من الطويل] فما أنت موسى إذ يُناجي إلهه … ولا واهِب البَدْراتِ موسى بنُ خازمِ وكان جوادًا مُمدَّحًا شجاعًا، قال أهل خراسان: ما رأينا ولا سمعنا بمثل موسى بن خازم، قاتل مع أبيه سنتين، ثم خرج يسير في بلاد خُراسان، حتى أتى ملكًا فغلب عليه، وأخرجه من مدينته، ثم سارت إليه جنود العرب وملوك الترك، فكان يقاتل العرب أول النهار، والترك آخره، وأقام في حصنه خمسة عشر سنة وملك ما وراء النهر. ولما عَوْقَبوا فرسَ موسى أجهز عليه واصل العَنْبَرِيّ، وكان أمير جيش المفضَّل عثمان بن مسعود الثَّقفيّ، ومعه مُدرِك بن المهَلَّب. ولما قُتل موسى كتب المفضَّل إلى الحجاج بقتله متقرِّبًا إليه. ولما قُتل ضرب بعضُ الجُنْد ساقَه بسيف، فلما ولي قتيبة بن مُسلم دعا بذلك الجندي فقال له: ما حملك على ما صنعت بفتى العرب بعد موته؟ قال: قتل أخي، فأمر به قُتيبة فضربت عُنقه بين يديه. السنة السادسة والثمانون فيها غزا قُتيبة بن مسلم ما وراء النهر؛ قال علماء السير: خطب الناسَ فقال: إن الله تعالى إنما أحلّكم هذا المحل لتُعِزوا دينَه، ويَذُبَّ بكم عن الحُرُمات، ويزيد بكم للمال استفاضة، وللعدو قمعًا، ووعد نبيَّه ﷺ النَّصرَ في الكتاب الصادق فقال تعالى: ﴿هُوَ

стр. 4344

الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الصف: ٩]، ووعد المجاهدين في سبيله أحسنَ الذّكر وأعظمَ الأجر فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]؛ ثم أخبر عمَّن قُتل في سبيله وأنه حي يرزق فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]، فتنجَّزوا موعدَ ربّكم، ووَطّنوا نفوسكم على أقصى الأَثَر، وأمضّ الألم، وإياكم والهُوَينى. وكان قُدومُه خراسان والمفضَّل بن المُهَلَّب يَعرض الجُند ليَقطع النهرَ غازيًا، فغزا بهم قتيبة، ولما قطع النهر بعد ما وصل إلى الطّالقان تلقَّتْه الملوك بالهدايا، منهم تيش ملك الصَّغانيان، وكان في هداياه مفتاح بلده وكان من ذَهَب، وأذعن له الملوك بالانقياد، وأهل الطُّخارستان وغيرها فصالحوه، فخلَّف أخاه صالح بن مسلم في الجيش. وعاد قتيبة إلى مرو، وفتح صالح بعد مسير أخيه إلى مرو فتوحات، وكان في جيشه نَصر بن سَيَّار، فأبلى بلاءً حسنًا، فأعطاه ضَيعة تُدعى تنجانة، ثم رجع صالح إلى مَرو فاستعمله أخوه قتيبة على التِّرمذ. وقيل: إن قتيبة أقام في هذه السنة على بَلْخ؛ لأن بعضَها كان مُنتقِضًا عَليه، وقد حارب أهلُها المسلمين، فقاتلهم وسبى منهم، وكان فيمن سبى امرأة بَرْمَك -وكان بَرمَك [على] النُّوبَهار- فصارت إلى عبد الله بن مسلم أخي قُتيبة، وكان به طَرفٌ من الجُذام، ويُدعى بالفقير، فوقع عليها، ثم إن أهل بَلْخ صالحوا غَدَ ذلك اليوم الذي حاربهم قتيبة، فأمر بردّ السَّبْي، فقالت امرأة بَرمَك لعبد الله: إني قد عَلِقْتُ منك فلا تَرُدَّني، وأقامت عنده فاحتُضر، فأوصى أخاه قُتيبة أن يُلحق ما في بطنها بنسبه، ورُدَّت إلى بَرمَك، فولدت عنده خالدًا، وكان بَرمَك يدَّعي أنَّه وَلَده، فيقال: إن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا في أيام محمد المهديّ حين قَدِم الريّ ومعه خالد بن بَرْمَك (١)؛ فادَّعَوا أن خالدًا منهم، وأرادوا أن يُلحقوه بنسبهم، فقال مُسلم بن قتيبة: إن استلحقتموه فلا بُدَّ لكم أن تُزَوِّجوه، فتركوه وأعرضوا عن دعواهم. ويقال: إن بَرْمَك كان طبيبًا فداوى مُسلم بن قُتيبة من مرضٍ كان به.

стр. 4345

وقيل: إن قتيبة لما فارق الجند ركب في السفن، وانحدر على آمُل، فكتب إليه الحجّاج يُعَجِّزه حيث فارق جُنده وقال: إذا غزوتَ فكن في مُقَدَّم الناس، وإذا قَفَلتَ فكن في ساقَتِهم (١). وفيها توفي عبد الملك بن مروان، وولي ابنُه الوليد. الباب السادس في ولاية الوليد بن عبد الملك وكنيته أبو العبّاس، وأمه وَلّادة بنت العباس بن جَزء بن الحارث العَبْسيّ، ويقال لها: بنت السَّوداء لأن أمها كانت سوداء، وهي أم سليمان بن عبد الملك، وقيل: هي وَلادة بنت خالد بن جَزْء بن الحارث بن زهير. ولا يعرف امرأة ولدت خليفتين سوى هذه، والثانية شاه فرند بنت فيروز بن يَزدَجرد الملقّب بكسرى، ولدت يزيد وإبراهيم ابني الوليد بن عبد الملك، والثالثة الخيزران ولدت الهادي والرشيد. ذكر مولده: واختلفوا فيه على أقوال، أحدها: في سنة خمس وأربعين بالمدينة، في دار عبد الملك بن مروان؛ وتدعى دار الإمارة. والثاني: في سنة سبع وأربعين؛ ذكرهما الهيثم. والثالث: في سنة خمسين، حكاه الواقدي. والرابع: في سنة اثنتين وخمسين، ذكره ابن قتيبة (٢). ذكر بيعته: [قال الواقدي:] بويع بالخلافة يوم الخميس منتصف شوال، يوم مات أبوه.
следующие страницы →