وأتى المدينة ورسول الله ﷺ قد تحمَّل إلى تبوك، وبقي بقيَّةٌ من الناس، فجعل ينادي: مَن يَحملني وله سهمي؟ وسمعه كعب بن عُجْرَة فقال: أنا أحملك عُقْبَةً بالليل، وعُقْبةً بالنهار، ويدي ويدك (١)، وسهمُك لي، فقال واثلة: نعم، قال واثلة: فجزاه الله خيرًا.
قال: وسار خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُوْمَة، وخرجتُ معه، فأصَبْنا فَيئًا كثيرًا، وأصابني ستُّ قَلائص، فجئتُ أسوقُها إلى خيمة كعب بن عُجْرة فقلت: أخرج فاقبِضْ قلائصَك، فخرج وهو يتبسَّم ويقول: بارك الله لك فيها، ما حملتُك وأريد أن آخُذَ منك شيئًا.
ولما أسلم واثلةَ (٢) قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فاحلق عنك شَعَر الكُفر، واغتسل بماءٍ وسِدر" ففعل.
[وذكر ابن عساكر وقال:] شهد واثلة فتح دمشق، وقتل عظيمًا من عُظماء الروم وأخذ سَلَبَه، فدُفع له في سَرجه عَشْرةُ آلاف (٣).
وقال خليفة (٤): كانت له دار بالبصرة.
وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة (٥).
واختلفوا في وفاته؛ وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الزاهرية قال: مات واثلة بن الأسقع بالشام سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة (٦).
وحكى ابن عساكر عن أبي حاتم قال: كان واثلة يشهد المغازي بدمشق (٧). وحكى ابن سعد أيضًا أنه مات في سنة ثلاث وثمانين ببيت المقدس (٨). وقيل: إنه سكن
стр. 4342
البَلاط (١)؛ قرية من قرى دمشق على ثلاثة فراسخ منها، ثم تحوَّل فسكن البيت المقدس حتى مات به.
[وقال ابن عساكر أيضًا:] سكن دمشق إلى أن توفي بها، وهو مدفون بالحضيرة التي بمقابر الباب الصغير، فيها قبر معاوية (٢).
وهو آخر من مات من الصحابة بدمشق. وقيل: مات وهو ابن مئة وخمس سنين.
وكان يتغدَّى ويتعشَّى بفِناء داره، ويدعو الناس إلى طعامه.
وقيل: مات بحمص (٣)، وقيل: اغتيل بين حمص ودمشق.
أسند عن رسول الله ﷺ ستة وخمسين حديثًا.
موسى بن عبد الله
ابن خازم السُّلَمي، خرج من مَرو ببعض ثَقَل أبيه عبد الله أمير خراسان، وقطع النهر في عشرين ومئتي فارس، فأتى آمُل (٤) وقد صار في أربع مئة فقاتلوه، فأتى بُخارى، فمنعه صاحبُها من دخولها وقال: لا مُقام لك عندي، ووصله بمال ودواب، وجعل يتنقّل في بلاد ما وراء النهر، واتَّفق عليه ملوك التُّرك، فأتى إلى التِّرمِذ وبها حصن حصين، فأقام بظاهرها، ولم يزل يُهادي صاحبها حتى صنع له طعامًا، ودعاه إلى البلد، فلما أكل الطعام قال له: أخرج، فقال: لا أجد مُقامًا أحصنَ من هذا، وقاتلهم فقتل منهم جماعة، وغلب على البلد، وأقام بها من سنة إحدى وسبعين يحارب الترك
стр. 4343
ومُلوكَهم، وهم مجتمعون على حربه، وهو يظهر عليهم، فقصدوه مرة فخرج إليهم فبيّتهم، فقتل منهم مَقتلةً عظيمة؛ بحيث إنه بنى من رؤوسهم جَوْسَقَين، وبلغ الحجاج حديث الوقعة فقال: الحمد لله الذي نصر المنافقين على الكافرين.
وكان المهلَّب مدةَ إقامته بخُراسان لا يعرض لموسى؛ لكونه في وجه بلاد الإِسلام، وكذا يزيد بعده، إلى أن ولي المُفَضَّل بن المُهَلَّب، فجهّز إليه جيشًا كثيفًا، فحصروه مدَّة، فخرج إليهم فأنكى فيهم، فعَرقَبوا فرسَه وقتلوه، وفيه يقول بعض الشعراء في رجل اسمه موسى (١): [من الطويل]
فما أنت موسى إذ يُناجي إلهه … ولا واهِب البَدْراتِ موسى بنُ خازمِ
وكان جوادًا مُمدَّحًا شجاعًا، قال أهل خراسان: ما رأينا ولا سمعنا بمثل موسى بن خازم، قاتل مع أبيه سنتين، ثم خرج يسير في بلاد خُراسان، حتى أتى ملكًا فغلب عليه، وأخرجه من مدينته، ثم سارت إليه جنود العرب وملوك الترك، فكان يقاتل العرب أول النهار، والترك آخره، وأقام في حصنه خمسة عشر سنة وملك ما وراء النهر.
ولما عَوْقَبوا فرسَ موسى أجهز عليه واصل العَنْبَرِيّ، وكان أمير جيش المفضَّل عثمان بن مسعود الثَّقفيّ، ومعه مُدرِك بن المهَلَّب.
ولما قُتل موسى كتب المفضَّل إلى الحجاج بقتله متقرِّبًا إليه.
ولما قُتل ضرب بعضُ الجُنْد ساقَه بسيف، فلما ولي قتيبة بن مُسلم دعا بذلك الجندي فقال له: ما حملك على ما صنعت بفتى العرب بعد موته؟ قال: قتل أخي، فأمر به قُتيبة فضربت عُنقه بين يديه.
السنة السادسة والثمانون
فيها غزا قُتيبة بن مسلم ما وراء النهر؛ قال علماء السير: خطب الناسَ فقال:
إن الله تعالى إنما أحلّكم هذا المحل لتُعِزوا دينَه، ويَذُبَّ بكم عن الحُرُمات، ويزيد بكم للمال استفاضة، وللعدو قمعًا، ووعد نبيَّه ﷺ النَّصرَ في الكتاب الصادق فقال تعالى: ﴿هُوَ
стр. 4344
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الصف: ٩]، ووعد المجاهدين في سبيله أحسنَ الذّكر وأعظمَ الأجر فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]؛ ثم أخبر عمَّن قُتل في سبيله وأنه حي يرزق فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]، فتنجَّزوا موعدَ ربّكم، ووَطّنوا نفوسكم على أقصى الأَثَر، وأمضّ الألم، وإياكم والهُوَينى.
وكان قُدومُه خراسان والمفضَّل بن المُهَلَّب يَعرض الجُند ليَقطع النهرَ غازيًا، فغزا بهم قتيبة، ولما قطع النهر بعد ما وصل إلى الطّالقان تلقَّتْه الملوك بالهدايا، منهم تيش ملك الصَّغانيان، وكان في هداياه مفتاح بلده وكان من ذَهَب، وأذعن له الملوك بالانقياد، وأهل الطُّخارستان وغيرها فصالحوه، فخلَّف أخاه صالح بن مسلم في الجيش.
وعاد قتيبة إلى مرو، وفتح صالح بعد مسير أخيه إلى مرو فتوحات، وكان في جيشه نَصر بن سَيَّار، فأبلى بلاءً حسنًا، فأعطاه ضَيعة تُدعى تنجانة، ثم رجع صالح إلى مَرو فاستعمله أخوه قتيبة على التِّرمذ.
وقيل: إن قتيبة أقام في هذه السنة على بَلْخ؛ لأن بعضَها كان مُنتقِضًا عَليه، وقد حارب أهلُها المسلمين، فقاتلهم وسبى منهم، وكان فيمن سبى امرأة بَرْمَك -وكان بَرمَك [على] النُّوبَهار- فصارت إلى عبد الله بن مسلم أخي قُتيبة، وكان به طَرفٌ من الجُذام، ويُدعى بالفقير، فوقع عليها، ثم إن أهل بَلْخ صالحوا غَدَ ذلك اليوم الذي حاربهم قتيبة، فأمر بردّ السَّبْي، فقالت امرأة بَرمَك لعبد الله: إني قد عَلِقْتُ منك فلا تَرُدَّني، وأقامت عنده فاحتُضر، فأوصى أخاه قُتيبة أن يُلحق ما في بطنها بنسبه، ورُدَّت إلى بَرمَك، فولدت عنده خالدًا، وكان بَرمَك يدَّعي أنَّه وَلَده، فيقال: إن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا في أيام محمد المهديّ حين قَدِم الريّ ومعه خالد بن بَرْمَك (١)؛ فادَّعَوا أن خالدًا منهم، وأرادوا أن يُلحقوه بنسبهم، فقال مُسلم بن قتيبة: إن استلحقتموه فلا بُدَّ لكم أن تُزَوِّجوه، فتركوه وأعرضوا عن دعواهم.
ويقال: إن بَرْمَك كان طبيبًا فداوى مُسلم بن قُتيبة من مرضٍ كان به.
стр. 4345
وقيل: إن قتيبة لما فارق الجند ركب في السفن، وانحدر على آمُل، فكتب إليه الحجّاج يُعَجِّزه حيث فارق جُنده وقال: إذا غزوتَ فكن في مُقَدَّم الناس، وإذا قَفَلتَ فكن في ساقَتِهم (١).
وفيها توفي عبد الملك بن مروان، وولي ابنُه الوليد.
الباب السادس في ولاية الوليد بن عبد الملك
وكنيته أبو العبّاس، وأمه وَلّادة بنت العباس بن جَزء بن الحارث العَبْسيّ، ويقال لها: بنت السَّوداء لأن أمها كانت سوداء، وهي أم سليمان بن عبد الملك، وقيل: هي وَلادة بنت خالد بن جَزْء بن الحارث بن زهير.
ولا يعرف امرأة ولدت خليفتين سوى هذه، والثانية شاه فرند بنت فيروز بن يَزدَجرد الملقّب بكسرى، ولدت يزيد وإبراهيم ابني الوليد بن عبد الملك، والثالثة الخيزران ولدت الهادي والرشيد.
ذكر مولده:
واختلفوا فيه على أقوال، أحدها: في سنة خمس وأربعين بالمدينة، في دار عبد الملك بن مروان؛ وتدعى دار الإمارة.
والثاني: في سنة سبع وأربعين؛ ذكرهما الهيثم.
والثالث: في سنة خمسين، حكاه الواقدي.
والرابع: في سنة اثنتين وخمسين، ذكره ابن قتيبة (٢).
ذكر بيعته:
[قال الواقدي:] بويع بالخلافة يوم الخميس منتصف شوال، يوم مات أبوه.
стр. 4346
[وقال أبو عبيدة:] لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. [قال:] وأول من بايعه عبد الله بن همّام السَّلولي (١).
ذكر صفته:
[قال الواقدي:] كان أسمر طُوالًا جميلًا، في وجهه أثر جدري، وفي أنفه فَطَس، وفي مُقدَّم لحيته شيب يسير، وليس في رأسه منه شيء، وكان جبَّارًا ذا سطوة شديدة، لا يتوقف إذا غضب، لَجوجًا، كثير الأكل والنكاح، مِطلاقًا، فيقال: إنه تزوج ثلاثًا وستين امرأة.
[وقال أبو اليقظان:] لما وَلي فرض للناس الأُعطية، وأعطى الجُذَماء وأغناهم أن يسألوا الناس، وأعطى كلَّ مُقْعَد خادمًا يَخدمه، وكلَّ ضريرٍ قائدًا يقوده، وكان صاحبَ بناء ومصانع، وكان عند أهل الشام عظيمًا حتى سمَّوه أفضلَ الخلائف (٢).
[فصل:] وفيها ولّى الحجاج يزيد بن المُهَلّب على شُرطته (٣).
وحجَّ بالناس هشام بنُ إسماعيل المَخْزومي، فكان الحجاج على العراقَين والمشرق كله، وباشر بالبصرة أيوب بن الحكَم بن أبي عَقيل، وبخراسان قتيبة بن مسلم.
فصل: وفيها توفي
بَشير بن عَقْرَبة الجُهَنيّ
[وكنيته] أبو اليمان.
قال الواقدي: قُتل أبوه عَقربة يوم أُحُد، قال: فلقيني رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: يا حبيب، ما يُبكيك؟ قلت: قتل أبي، فقال: أما ترضى أن أكون أنا أبوك، وعائشة أُمُّك، ومسح على رأسي بيده، فكان أثر يده من رأسي أسود وسائره أبيض، وكانت بي رُتَّة، فتفل فيها فانحلّت، وقال لي: ما اسمك؟ قلت: بجير، قال: لا بل بشير.
стр. 4347
[قال الواقدي:] سكن بشير فلسطين، ومات بها سنة ست وثمانين (١).
سعيد بن وَهْب
الهَمْداني الكوفي، من الطبقة الأولى، كان يُقال له: القُراد لملازمته لعلي ﵁، وروى عنه، وعن ابن مسعود، وخَبّاب، وسليمان، وابن عمر، وابن الزبير، وسمع من معاذ لما كان باليمن في حياة رسول الله ﷺ .
وكان عَريفَ قومه، وكان يَخضب بالصُّفرة، ومات بالكوفة في سنة ست وثمانين (٢).
وفيها توفي
أبو أُمامة الباهلي
واسمه صُدَيّ بن عَجْلان، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة من باهِلة، وهي امرأة أبوها صَعْب بن سعد العشيرة (٣).
صحب رسول الله ﷺ ، وسمع منه، وروى عنه وتحوَّل إلى الشام فنزله، وشهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، وتوفي ﷺ وله ثلاثون سنة.
وشهد صفين مع علي ﵁ (٤)، ومات بحمص بعد أن أقام بمصر ودمشق، ورجع إلى حمص فمات بقرية من قراها يقال لها: دَنْوَة، على عشرة أميال من حمص، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام بحمص.
وقال: شهدتُ صفّين، فما كانوا يُجهزون على جَريح، ولا يطلبون مُوَلّيًا، ولا يَسلبون قتيلًا.
وكان يُصَفِّر لحيتَه، ويؤدّي الحديث كما سمع، ويقول: إن رسول الله ﷺ قد بَلَّغ إلينا ما أُرسل به، فبلّغوا عنا أحسن ما تسمعون.
стр. 4348
وتوفي سنة ست وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة في خلافة عبد الملك بن مروان (١).
وقال الهيثم: مات سنة إحدى وثمانين وهو ابن مئة وست سنين.
وكان من سَراة بني عَجْلان، ومرَّ برجل يبكي (٢) في المسجد وهو ساجد فقال له: ما أحسن هذا البكاء لو كان في بيتك.!
[أسند أبو أُمامة عن رسول الله ﷺ أحاديث].
ومن مسانيده أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سِياط كأنها أذبابُ البَقَر، يَغدون في سَخط الله، ويروحون في سَخَط الله" يعني الشُّرَط (٣).
[وفيها توفي]
عبد الله بن أبي أَوْفى
الأسلميّ الخزاعي، [واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث، وكنيته أبو معاوية، وقيل: أبو إبراهيم.
وهو] من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان ممن بايع تحت الشجرة، وشهد مع رسول الله ﷺ بني النَّضِير، والخندق، وقُرَيظة.
وقال: غزونا مع النبي ﷺ سبعَ غَزَوات نأكل فيهن الجَراد.
وقيل: أول مشاهده خيبر وما بعدها.
[وقال أبو نعيم:] أصابه يوم حنين ضَربةٌ في ذِراعه (٤).
стр. 4349
وكان خِضابُه أحمر، وكانت له ضَفيرتان، وهو الذي صلّى رسول الله ﷺ على آله قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بصدقة، أو إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صلّ على آل أبي أوفى"، فما زلنا نعرف فينا خيرًا كثيرًا (١).
وقدم عبد الله على أبي عبيدة ﵁ وهو محاصرٌ لدمشق بكتاب عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
وقال سعيد بن جُمهان: كانا نقاتل الخوارج مع عبد الله بن أبي أوفى، فلحق غلام له بهم، فناديناه: يا فيروز، هذا مولاك عبد الله، قال: نِعم الرجلُ هو لو هاجر، فقال ابن أبي أوفى: ما يقول عدوُّ الله؟ فأخبرناه فقال: هجرة بعد هجرتي إلى رسول الله ﷺ ! ثلاث مِرار، ثم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "طوبى لمَن قتلهم وقتلوه" (٢).
وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: لم يزل عبد الله بن أبي أوفى بالمدينة (٣) حتى قُبض رسول الله ﷺ ، فتحوّل إلى الكوفة، فنزلها حيث نزلها المسلمون، وابتنى بها دارًا في أسلم، وكان قد ذهب بصره، وتوفي بالكوفة في سنة ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة.
[قال:] وأحرم بالحج من الكوفة من مسجد الرَّمادة، وجعل يُلَبِّي.
أسند عن النبي ﷺ خمسة وتسعين (٤) حديثًا.
[فصل: وفيها توفي]
عبد الملك بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مَناف.
стр. 4350
وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مَناف.
وكنية عبد الملك: أبو الوليد.
وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة [في قول ابن سعد].
وقال ابن سُمَيع: من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام.
وُلد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان بن عفان، وقيل: في سنة خمس وعشرين هو ويزيد بن معاوية، وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين، وشَتا المسلمون بأرض الروم سنة اثنتين وأربعين، وهو أول مَشْتًى شَتَوه بها، فاستعمل معاوية عبدَ الملك على أهل المدينة، وهو يومئذ ابنُ ست عشرة سنة، فركب البحر بالناس.
[وقال أبو سعيد بن يونس:] وبعثه معاوية في سنة خمسين لغزو البحر، فدخل إفريقية مع معاوية بن حُدَيج وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة (١).
ذكر طرف من أخباره:
[قال علماء السير:] كان حازمًا لَبيبًا، لا يكل أمرَه إلى غيره، بل يتولى الأمور بنفسه.
[وقال ابن سعد بإسناده عن شيخ من أهل المدينة قال:] جلس معاوية يومًا وعنده عمرو بن العاص، فمرَّ بهما عبد الملك، فقال معاوية: ما آدبَ هذا الفتى وأحسنَ مروءته! فقال عمرو بن العاعن: إنه أخذ بخصال أربع، وترك خصالًا ثلاثًا، قال: وكيف؟ قال: أخذ بأحسن الحديث إذا حدَث، وحسن الاستماع إذا استمع، وحُسْنِ البشْرِ إذا لُقي، وخِفَّة المؤونة إذا خُولف، وتركَ من القول ما يُعتَذر منه، وتركَ مخالطة اللِّئام من الناس، وترك ممازحة من لا يُوثَق بعقله ولا مروءته.
[وقال ابن سعد:] كان عبد الملك قد جالس العلماء والفقهاء وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث (٢).
стр. 4351
وقال إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه: تهيّأ مصعب بن الزبير للقاء عبد الملك، وسار حتى نزل باجُمَيرا -قرية على شطّ الفرات دون الأنبار بثلاثة فراسخ- وجاء عبد الملك في جيوشه يَؤمُّ العراق لقتاله، فقال لرَوْح بن زِنباع وهو يتجهّز: والله إن في أمر هذه الدنيا لَعَجبًا، لقد رأيتُني أنا ومصعب أفقده الليلة الواحدة من المكان الذي نجتمع فيه، فكأني والله والِهٌ، ويفقدني فيفعل مثل ذلك، ثم صرنا إلى السيف، ولكن هذا المُلك عَقيم، [ليس] أحد يُريده من وَلَدٍ ولا والد إلا كان السَّيف (١).
[وحكى ابن سعد عن الواقدي قال:] أول من أحدث ضَرب الدنانير والدراهم ونقش عليها عبد الملك في سنة خمس وسبعين، وكانت مَثاقيل الجاهلية اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبَّة بالشامي، [قال:] وأقام الحج سنة خمس وسبعين للناس، فلما مرَّ بالمدينة نزل في دار أبيه، فأقام أيامًا، ثم خرج وخرج معه الناس إلى ذي الحُلَيفة، فقال له أبان بن عثمان: أَحْرِم من البَيداء، فأَحْرَم [عبد الملك من البيداء.
قال:] وخطب في حجته في أربعة أيام: قبل التَّروية، ويوم عَرَفة، والغد من يوم النَّحْر، ويوم النفر الأول (٢).
وقال ثعلبة بن أبي مالك القُرَظيّ: رأيت عبد الملك صلى المغرب والعشاء في الشِّعْب، فأدركني دون جَمْع، فسرتُ معه فقال: صلّيتَ بعد؟ قلت: لا لَعَمري، قال: فما منعك من الصلاة؟ قلت: إني في وقت بعد، فقال: لا لعمري ما أنت في وقت، [قال: لعلك] ممن يَطعن علي أمير المؤمنين عثمان؟ فأشهد على أبي أخبرني أنه رآه صلّى المغرب والعشاء في الشِّعب، فقلت: ومثلُك يا أمير المؤمنين يتكلم بهذا وأنت الإمام! وما لي وللطَّعنِ عليه وعلى غيره؟ قد كنتُ له مُلازمًا، ولكني رأيتُ عمر ﵀ لا يصلّي حتى يبلغ جَمْعًا، وليست سنّة أحبّ إليّ من سُنَّة عمر، قال: رحم الله عمر، فعثمان كان أعلم بعمر، ولو كان عمر فعل هذا لاتَّبعه عثمان، وما خالف عثمان عمر في شيء من سيرته إلا باللّين، فإن عثمان لان لهم حتى رُكب، ولو كان أغلظ لهم جانبه كما فعل عمر ما نالوا منه ما نالوا، وأين الناس الذين نسير فيهم بسيرة عمر بن
стр. 4352
الخطاب، والناس اليوم يا ثعلبةُ كما علمت، إني رأيتُ سيرةَ السُّلطان تدور مع الناس، إن ذهب اليوم رجل يسير بتلك السيرة أُغير على الناس في بيوتهم، وقطعت السّبُل وتظالم الناس، وكانت الفتن، فلا بدَّ للوالي أن يسير في كل زمان بما يُصلحه (١).
قال الواقدي (٢): قال عبد الملك: يا أهل المدينة، إن أحق الناس أن يلزم الأمرَ الأوّل لأنتم، وقد سالت علينا أحاديث من قبل المشرق، لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مُصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم ﵀.
وحفظ عبد الملك عن عثمان، وسمع من أبي هريرة، وأبي سعيد الخُدري، وجابر ابن عبد الله، وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ .
وكان عابدًا ناسكًا قبل الخلافة، وقال نافع: لقد رأيت عبد الملك وما بالمدينة شابّ أشدَّ تشميرًا ولا أطلبَ للعلم منه.
وقال ابن جُرَيج: سمعت ابنَ شِهاب يُسأل عن ربط الأسنان بالذَّهب، فقال: لا بأس به، ربط عبد الملك أسنانَه بالذهب.
وقال رجل من هَمْدان: كنا مع مسلم بن عقبة لما قدم المدينة، فدخلْنا حائطًا بذي المرْوَة، فإذا بشابٍّ حسنِ الوجه والهَيئة يصلّي، فطفنا في الحائط ساعة وفرغ من صلاته، فقال لي: يا عبد الله، أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم، قال: أتؤمُّون (٣) ابنَ الزُّبير؟ قلت: نعم، فقال: ما أحبُّ أن لي ما على وجه الأرض كلّه وأني سرتُ إليه، وما على ظهر الأرض اليوم أحدٌ خير منه، قال: فإذا هو عبد الملك بن مروان، فابتُلي به حتى قتله في المسجد الحرام.
وقال عبد الملك: ما غضبي على من لا أملك ويدي لا تنالُه، وما غضبي على مَن أملك ويدي تناله (٤).
стр. 4353
وكان إذا جهز جيشًا إلى الروم يقول للأمير عليهم: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمُضارِب الكيس؛ الذي إن وَجَد رِبحًا تجر، وإلا حفظ رأسَ المال، ولا تطلُب الغَنيمةَ حتى تحوزَ السَّلامة، وكن من احتيالك على عدوِّك أشدّ حذرًا من احتيال عدوِّك عليك (١).
[وقال الشعبي: أول من قال على المنبر: اللهم أصلح عبدك وخليفتك].
وقال الزهري: كان عبد الملك من الدين والورع على باب واسع، فلما وَلي الخلافة تغيرت حالُه، وهو أول خليفة أمر بالمنكر ونهى عن المعروف (٢).
لما قتل ابنَ الزبير، واستقام له الأمر، وحج في سنة خمس وسبعين؛ قدم المدينة فوبَّخ أهلها وقال: أذكرُكُم بأيام الله، فناداه رجل: ننشدك الله الذي ذكَرتَنا به، فغضب وقال: لست بالخليفة المُداهِن، يعني معاوية، ولا بالخليفة المأفون، يعني يزيد، ولا بالخليفة المُسْتَضْعَف، يعني معاوية بن يزيد، ألا وإني لا أُداري هذه الأمة إلا بالسيف لتستقيم لي قَناتُهم، ألا وإنكم تكلِّفونا أعمال المهاجرين الأوَّلين، ولا تعملون منها بشيء، وتأمرونا بتقوى الله وتنسون أنفسَكم، وإنني أقسم بالله يمينًا برَّةً؛ لا يأمرني أحدٌ بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربتُ عنقه، ثم قرأ الزُّهري: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٦].
ولما قال هذه المقالة ناداه رجل: أما والله لولا نسبك من المُداهِن، وقُربك من المأفون، وسَبيلك (٣) من المُسْتَضْعَف؛ لكنتَ أبعدَ منها من العَيُّوق، والله ما أخذتَها بوراثة سابقة، ولا بدعوى صادقة، ولا بوصيّةٍ نافذة، ولا باستحقاق، فأُفحم عبد الملك.
[قال المدائني:] وخطب يومًا فقام إليه رجل من أهل اليمن فقال له: إن محمد بن يوسف يسفك (٤) الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام، ويفعل ويفعل، فقال له: اسكت، فقد سمعتُ أنها تكون خلافةً، ثم مُلكًا، ثمَّ جَبرية، وهذه جَبريّة.
стр. 4354
وخطب يومًا فنهى عن المنكر وأمر بالمعروف، فناداه رجل من الصفّ لا يُعرف: يا عبد الملك، مهلًا مهلًا، إنكم تأمرون ولا تأتمِرون، وتنهون ولا تنتهون، وتَعِظون ولا تتَّعِظون، أفنقتدي بكم في سيركم في أنفسكم، أم نُطيع أمركم؟ فإن قلتم: أطيعوا أمرَنا، واقبلوا نُصحَنا؛ فكيف ينصح غيره مَن غشّ نفسه، أم كيف تجب طاعة مَن لم تثبت عدالته، ولا تجوز في الحكم شهادته؟! فإن قلتم: خذوا الحكمة حيث وَجدتموها، واقبلوا العِظة ممن سمعتموها؛ فعلام قَلَّدناكم أمورَنا، وحكَّمناكم في دمائنا وأموالنا؟! أما تعلمون أن فينا مَن هو أعرف بوجوه اللّغات، وصنوف العِظات منكم؟! فإن كانت الإمامةُ تُستَحقّ بذلك فتنحَّوا عنها، وأطلقوا عِقالها، وخلّوا سبيلَها؛ يبتدرْها أهلها الذين شَرَّدتموهم في البلاد، وقتلتموهم في كلّ واد، أما إنها إن بقيت في أيديكم فلاستيفاء المدَّة، وبلوغ الغاية، ووقع المحنة، وإن لكل قائم يومًا لا يَعدوه، ووقتًا لا يألوه، ثم يصير إلى يوم يندم فيه المخدوع المفتون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فأَبلس عبد الملك ونزل، وطُلب الرجل فلم يوجد، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇.
[وقال الشعبي:] كان لعبد الملك إقدام على سفك الدماء، وكان عماله على مذهبه: الحجاج بالعراق، والمُهَلَّب بخراسان.
[وقال الهيثم:] كان عبد الملك يزور أم الدرداء بمسجد دمشق، فزارها يومًا فقالت: يا عبد الملك، بلغني أنك شرِبتَ الطّلاءَ بعد النُّسْك والعبادة! فقال لها: وشربتُ الدِّماء أيضًا (١).
وقال الزهري: سَمَرتُ عنده ليلة فقال: يا بن شِهاب، أتعرف مَهبَّ الرياح؟ قلت: لا، قال: مَهَبُّ (٢) الشَّمال من بنات نَعْشٍ إلى مطلع الشّمس، ومَهبُّ الصَّبا من مطلع الشمس إلى مطلع سُهَيل، ومَهبُّ الجَنوب من مَطلع سُهيل إلى مغرب الشمس، ومَهبُّ الدَّبور من مغرب الشمس إلى بناتِ نَعْش.
стр. 4355
[وقال الهيثم:] قدم بَرْمَك [أبو خالد] الشام، فدخل على عبد الملك يوم جلوسه، فلما وقعت عين عبد الملك عليه قال: إن مع هذا سَمُّ ساعة، فدعا به وقال: كيف دخلتَ مجلسي ومعك سم ساعة؟! قال: لأنّا ملوك ونخاف من الضَّيم، فإن أُضِمنا أكلْناه فنموت ونستريح، فأُعجب عبد الملك به، وقرَّبه واختصّ به.
وإنما علم عبد الملك بذلك لأنه كان في عَضُده دُمْلُج (١) من فضة، في وسطه تمثال ثَورين، فإذا حضر مجلسَه السَّم انتطح الثوران فيعلم بذلك.
[وقال ابن الكلبي:] أتي عبد الملك بسكران فقال له: وَيحك ما هذا؟ أشربتَ المسكر؟! فقال: [من الطويل]
شربتُ على الجَوزاء كأسًا رَويَّة … وأخرى على الشِّعْرى إذا ما استَهلَّتِ
مُحَرَّمةً كانت قريش تصونُها … فلما استحلُّوا قتلَ عثمان حَلَّتِ
فقال أطلقوه.
وقال: أفضل الرجال مَن تواضع عن رِفعة، وزهد عن قُدرة، وأنصف عن قوة.
وكتب إلى الحجاج: [من المتقارب]
ولا تُفْشِ سرَّك إلا إليك … فإن لكلِّ نصيحٍ نصيحا
فإني رأيتُ غُواةَ الرِّجا … لِ لا يتركون أَديمًا صحيحًا (٢)
[وقال الأصمعي: قال عبد الملك، يومًا لجلسائه: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: مناديل اليمن التي كأنها أزهار الربيع، وقال آخر: مناديل مصر التي تضاهي نجوم (٣) السماء، وقال كل واحد شيئًا، فقال عبد الملك: ما أتيتم بشيء، أفضلُ المناديل مناديل عَبْدَة بن الطَّبيب حيث يقول: [من البسيط]
لمّا نزلنا ضَرَبْنا ظِلَّ أَخْبِيَةٍ … وفار بالغَلْي للقوم المَراجيلُ
وَردً وأشقر لم يُنضِجْه طابخُه … ما قارب النُّضجَ منه فهو مأكولُ
стр. 4356
ثمَّ انثَنينا على عُوجٍ مُسَوَّمَةٍ … أعرافُهنّ لأيدينا مناديلُ (١)
وقال [الهيثم: قال] رجل لعبد الملك: لي إليك سرّ، فصرف جلساءه، فلما أراد الرجل أن يتكلّم قال له: لا تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، ولا تكذبني فإني أَمقُت الكذاب، ولا تَغْتَب عندي أحدًا فإني أكره الغيبة، ولا تَسْعَ إليّ بأحد فإني لا أقبل السِّعاية، فبُهت الرجل، قال: وإن شئتَ أقلتُك، قال: أقِلني. فأقاله (٢).
وقال لجلسائه: لا تمدحوني في وجهي؛ فأنا أعلم بنفسي منكم، ولا تكذبوا فلا رأيَ لكَذوب، ولا تغتابوا عندي أحدًا فإني أكره الغيبة، وقولوا ما شئتم.
واحتُضر له ولد وكان يحبّه، فجعل يقول: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحن نحبه.
وبلغه أن عاملًا له ارتشى، أو أُهدي إليه هدية فقبلها، فكتب إليه: إن كنت أَثَبْتَ المُهدي من بيت مال المسلمين فقد خُنت، وإن كنت أثبتَه من مالك فقد أطمعتَ أهلَ عملك فيك، ثم عزله.
[وذكر ابن عساكر أن عبد الملك] استقضى على دمشق الحارث بن عمرو بن نَحّام الأشعري، فبلغه عنه شيء فكتب إليه: [من الطويل]
إذا رِشوةٌ من دار قومٍ تَقَحَّمت … على أهل بيتٍ والأمانةُ فيه
سَعَتْ هربًا منه ووَلَّت كأنها … حَليمٌ تولّى عن جِوار سَفيهِ (٣)
[قلت: ومن هذا المثل المضروب: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الطاقة.
وقال الهيثم:] كان عبد الملك إذا جلس للحكم يقول: [من السريع]
نخافُ أن تَسفَه أحلامُنا … فنَخْمُلَ الدَّهرَ مع الخاملِ (٤)
стр. 4357
ذكر جماعة من الوافدين عليه:
قال قَبيصة بن ذُؤيب: كان عبد الملك يحب الوافدين عليه من العلماء والشعراء، فيُذاكرهم ويُباسطهم ويَصِلهم، فمن الوافدين عليه:
أحمر بن سالم المُرِّي، قال أبو عبيدة مَعْمَر: قدم أحمر بن سالم على عبد الملك فأنشده (١): [من الطويل]
مُقِلٌّ رأى الإقلالَ عارًا فلم يزل … يَجوبُ بلادَ الله حتى تَمَوَّلا
فلما أفاد المُلكَ جادَ بفَضْلِه … لمن جاءه يَرجو نَداه مُؤَمَّلا
فأعطى جَزيلًا من أراد عطاءه … وذو البُخلِ مَذمومٌ يرى البُخلَ أفضلا
فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: إياك والإكثار؛ فإن مَن أكثر هذر، وإياك وأعراضَ الناس؛ فإن لك لسانًا لا يَدعك حتى يُلقيك تحت كَلْكَل هِزَبْرٍ يَضْغَمُك ضَغْمةً لا بقيّةَ لك بعدها، فخرج إلى العراق فهجا الحجاج بأبيات منها: [من الطويل]
ثَقيفٌ بقايا من ثَمودٍ وما لَها … أبٌ ثابتٌ في قَيس عَيلان يُنْسَبُ
وأنتَ دَعيٌّ يا بنَ يوسف فيهمُ … زَنيمٌ إذا ما حَصَّلوا يَتَذَبْذَبُ
وبلغ الحجاج فطلبه فهرب، فأدركه الطَّلبُ بهِيت، فأتي به إليه فقال: ما جزاؤك عندي إلا أن أُعذّبك بما اختاره الله لأعدائه من أليم عقابه، فأمر به فأحرق، ثم ذُري في الهواء، وتمثَّل بقول هَمّام [بن قَبيصة] النُّميري في ابنِ مِخْلاة الطائيّ، وقُتل بمرج راهط: [من الطويل]
بما اجْتَرَمَتْ كفَّاك لاقيتَ ما ترى … فلا يُبعد الرحمن غيرَك هالِكا
كفرتَ نعيمًا لم تكن أنت أهلُهُ … فصادفتَ ليثًا ثابتَ الرُّكْنِ تامِكا
فبُعدًا لمن يَبكيك ما هَبَّتِ الصَّبا … وسُحقًا فقد لاقيتَ ليثًا مُعارِكا
[وتفسير الكَلْكَل: الصَّدْر، وكذا الكَلْكال، والهِزَبْر: الأسد، والضَّغْمُ (٢): العضّ، وتَمَك السَّنام يَتْمُكُ تَمْكًا: طال وارتفع.]
стр. 4358
ومنهم الأخطل الشّاعر، وَفد عليه كثيرًا، وله فيه مدائح، قلت: واسم الأخطل غياث بن غَوث، ويقال: ابن غُوَيث التَّغلبيّ النَّصراني، وكنيته أبو مالك (١)، وقال الجاحظ: اسمُه غياث بن مُغيث (٢)، والأوّل أصح.
وكان مُقدَّمًا عند بني أمية، ومدح يزيد بن معاوية، وذَمّ الأنصار، وقد ذكرنا ذلك.
وكانا يُلَقَّب بدَوْبَل، قال أبو الحسين بن فارس: الدَّوْبَل: حمارٌ صغير مُجتمع الخَلْق (٣)، وبه لُقِّب الأخطل.
وذكره محمد بن سلّام في "طبقات الشعراء" (٤).
قال (٥): ودخل على عبد الملك فحادثه وأنشده، فأعجبه فقال له: أسلمْ تَسْلَم، فقال: إن أحلَلْتَ لي الخَمر، ولا أحجُّ البيت، ولا أصوم رمضان أسلمتُ، فقال عبد الملك: إن أسلمتَ وقصَّرتَ في شيءٍ من الشَّرائع ضربتُ الذي فيه عيناك، فقال: ضَعْ عني صومَ رمضان، فقال عبد الملك: ليس إلى ذلك سبيل، فقال الأخطل: [من الوافر]
ولستُ بصائمٍ رمضانَ طَوْعًا … ولستُ بآكلٍ لَحْمَ الأضاحي
ولستُ براحلٍ عِيسًا بِكارًا … إلى بطحاءِ مكّةَ للنَّجاحِ
ولستُ بقائمٍ أبدًا أُنادي … كمِثلِ العِيرِ حَيَّ على الفَلاحِ
ولكنِّي سأشربُها شَمولًا … وأسجُدُ عند مُبْتَلَجِ الصَّباحِ
وللأخطل في عبد الملك وفي أخيه بِشر مدائح مشهورة.
وكان ماجِنًا، وقد على عبد الملك، فدعاه الأعور بن بنان (٦) التَّغلبيّ إلى منزله وقد فرشه بأنواع الفُرش والرّيحان، وكانت امرأته بَرَّة من أحسن النساء، وكان هو من أقبح
стр. 4359
الرجال، فلما استقرَّ به المجلس قال له الأعور: يا أبا مالك (١)، إنك تدخل على الملوك، فهل رأيتَ في منزلي عَيبًا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال، أنت، قال: أخرج لَعنك الله، [الذَّنْب لي حيث أدخلتُك منزلي]، وبلغ عبد الملك فضحك حتى استلقى على ظهره، فخرج الأخطل وهو يقول (٢): [من الطويل]
وكيف يُداويني الطَّبيبُ من الجَوى … وبَرَّةُ عند الأَعْورِ بنِ بَنانِ
فيُلْصِقُ بَطنًا مُنتِنَ الرِّيح أبْجرًا … إلى بَطْنِ خَوْدٍ دائمِ الخَفَقانِ (٣)
ومنهم أيمن بن خُرَيْم بن فاتِك الأَسَديّ، وفاتك جدُّه الذي ينتهي إليه نسبه.
له صُحبة، واختلفوا في سماعه من رسول الله ﷺ . ذكره جدّي في "التلقيح" فيمن له صحبة ورواية، وكذا قال ابن عساكر.
وروى عن رسول الله ﷺ حديثين اختُلف في أحدهما.
وروى عنه الشَّعبيّ وغيره.
قال: وكان أيمن شاعرًا يسكن دمشق في القَصّاعين، ثم تحول إلى الكوفة.
وقال الترمذي: لا نعرف لأيمن بن خريم سماعًا من رسول الله ﷺ (٤).
وقال ابن عبد البَرّ: يقال: إن أيمن أسلم يوم الفتح وهو غلام (٥).
قلت: وقد أخرج عنه الإمام أحمد في "المسند" (٦) حديثًا، حدثنا بإسناده إلى أيمن بن خُريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: "أيها الناس، عَدَلت شهادةُ الزُّور إشراكًا بالله" ثلاثًا، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
стр. 4360
وقال الشعبي: قال مروان بن الحكم يوم المَرج لأيمن بن خُريم: ألا تخرج معنى فتقاتل؟ فقال: لا، إن أبي وعمي سبرة شهدا بدرًا مع رسول الله ﷺ عَهِدا إليَّ أني لا أُقاتل رجلًا يشهد أن لا إله إلا الله، فإن أَتيتَني ببَراءةٍ من النار خرجتُ معك، فسَبَّه مروان وقال: اذهب فلا حاجةَ لنا فيك، فقال: [من الوافر]
ولستُ مُقاتلًا رجلًا يُصلّي … على سلطانِ آخرَ من قريشِ
له سلطانُه وعليّ إثمي … مَعاذ الله من جَهلٍ وطَيشِ
أأقتُل مُسلمًا في غير شيءٍ … فلستُ بنافعي ما عشْتُ عيشي (١)
وله مع عبد الملك قصة حكاها قَبْيصة بن ذُؤيب قال (٢): كان عبد الملك شديدَ الشَّغَفِ بالجِماع، فلما أسنّ ضَعُفَ عنه، وازداد غَراما بالنّساء، فدخل عليه يومًا أيمن ابن خُريم فقال له: كيف قُوَّتُك يا أيمن؟ فقال: آكل الجَذَعةَ من الضَّأن بالصّاع من البُرّ، وأشربُ العُسَّ أَغُبُّه غَبًّا، وأرتَحِل البعيرَ الصَّعب فأُنضيه، وأركبُ المُهْرَ الأَرِن فأُذَلله، وأفتَضّ العّذراء لا يُقعدني عنها الكِبَر، فغاظ ذلك عبد الملك وحسده، فحرمه العطاء ومنعه إياه، فقالت له امرأته: اصدُقْني عن حالك، هل لك إليه جُرم؟ قال: لا والله، قالت: فما الذي دار بينكما آخرَ ما لَقيتَه؟ فقال: قال لي كذا وكذا، وقلت له كذا، قالت: فمن ها هنا دُهِيت (٣)، فدخلتْ على عاتكة زوجة عبد الملك، وقالت: أسألُكِ أن تسألني أمير المؤمنين أن يُعديني على زوجي (٤)، قالت. وما الذي به؟ فقالت: لا أدري أرجل هو أم امرأة؟ ولي مدة لا أعرف له فراشًا، فسليه أن يُفرِّق بيننا، وأخبرت أيمن.
ودخل عليها عبد الملك فأخبرته، فاستدعى أيمن، وسأله عما قالت امرأتُه فاعترف، فقال: ألست القائل كذا وكذا؟! قالا: إن الرجل لَيَتَجَمَّل عند سُلطانه، ويتجلد على أعدائه بأكثر ما وصفت، وأنا القائل: [من المتقارب]
لقيتُ من الغانياتِ العُجابا … لو ادْرَكَ منّي النِّساءُ الشَّابا
стр. 4361
إذا لم يُخالطْنَ كلَّ الخِلا … طِ أصبَحْنَ مُخْرَنْطِماتٍ غِضابا
فضحك عبد الملك وقال: ما ترى في زوجتك؟ قال: قد أَجَّلْتُها أجَلَ العِنين، فإن استطعتُ قُربانها وإلا فارقتُها، فأمر له بما فات من عطائه وأدناه.
ومن شعر أيمن في غَزالة وأهل العراق: [من المتقارب]
ألا يَستحي اللهَ أهلُ العرا … قِ إذْ قَلَّدوا الغانياتِ السُّمُوطا
وجيشُ غزالة يغتالُهم … ويقتل كَهْلَ الرجالِ الوَسِيطا (١)
سلمة بن زيد بن نُباتةَ الفَهْميّ، وفد على عبد الملك فقال له: أيّ الزمان أدركت أفضل؟ وأي الملوك رأيتَ أفضل؟ فقال: أما الزمان فمن شأنه أن يَرفع قومًا، وَيضع آخرين، يُبلي جديدَهم، ويُهرِم صغيرَهم، وكلُّ ما فيه مُنقطع غير الأمل، وأما الملوك فهم بين مَذموم ومَمدوح، قال: ما تقول في قومك؟ فقال: [من الخفيف]
دَرَجَ الليلُ والنَّهارُ على فَهْـ … ـم بنِ عَمرو فأصبحوا كالرَّميمِ
وخَلتْ دارُهم فأضحتْ يَبابًا … بعد عِزٍّ وثَروةٍ ونَعيم
وكذاك الزَّمانُ يَذهب بالنا … سِ وتبقى ديارُهم كالرُّسومِ (٢)
أرطاة بن زُفَر بن عبد الله، من غَطَفان، وكنيته أبو الوليد، عاش ثلاثين ومئة سنة، دخل على عبد الملك فقال له: يا أرطاة، ما بقي من شعرك؟ فأنشد: [من الوافر]
رأيتُ المرءَ تأكله الليالي … كأكْلِ الأرضِ ساقِطةَ الحديدِ
وما تبغي المنيَّةُ حين تأتي … على نفس ابنِ آدمَ من مَزيدِ
وأعلمُ أنها سَتَكُرُّ حتى … تُوفِّي نَذْرَها بأبي الوليدِ
فارتاع عبد الملك لأنه كان يُكنى أبا الوليد، فقال أرطاة: يا أمير المؤمنين، إنما عَنيتُ نفسي، فقال: يا أرطاة وأنا والله سيمرُّ بي الذي مرَّ بك (٣).
ومنهم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
стр. 4362
ذكر إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، [عن أبيه] قال: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان (١)، فأقام عنده مدة، فسَمَر ذات ليلة عنده، فذكروا الغناء فذمَّه عبد الملك وقال: قبَّحه الله، ما أوضَعَه للمروءة، وأجرْحَه للعِرْض، وأهدمَه للشَّرَف، وأذهبه للبَهاء، وابن جعفر ساكت، وإنما قال ذلك يُعَرِّض به، وأعانه من حضر (٢)، فقال عبد الملك لعبد الله: يا أبا جعفر، ما بالُك لا تتكلّم؟ فقال: ما أقول ولَحمي يَتَمزَّع، وعرضي يَتَمزَّق، وإنك لتأتي بما هو أعظمُ منه؛ يأتيك الأعرابيّ الجِلفُ الجافي؛ فيقول الزُّور، ويَقذف المُحصَنات، فتأمر له بالألوف من بيت المال، وأنا أشتري الجاريةَ الحسناء فأُؤدِّبها، وأختار لها من الشعر أجودَه، ومن الكلام أحسنَه، فتورده عليّ بصوتٍ حسن، فهل في ذلك من بأس؟ فقال عبد الملك: لا، فأخبرني بشيءٍ من ذلك، فقال:
اشتريت جاريةً حسناء، فبَرَعت في الغناء، وسمع بها يزيد بن معاوية، فبَذل لي فيها أموالًا جزيلة، فلم أبِعْه إياها، فذكرتْ لي عجوز من عجائزنا أن فتى من أهلنا قد شُغِف بها، وأنه يأتي كلَّ ليلةٍ مُستترًا، فيقف تحت الدار فيسمع غناءها، فرَصَدْتُه، فجاء مُستترًا فقعد في مكان، ومَنَعْتُ الجاريةَ من الغناء في تلك الليلة، وقعد مكانه إلى السَّحَر، فغلبته عيناه فنام، فألبستُ الجاريةَ أفخرَ الثياب والحلي، وزيَّنتها، ونزلتُ بها إليه، فأيقظتُه فقام فزعًا مرعوبًا، فقلت: لا بأسَ عليك، خُذها فهي لك، فشَهق الفتى شَهقة خرَّ مَيتًا، فأُسقط في يدي.
فقال له عبد الملك: فما فعلتَ بالجارية؟ قال: تركتُها عندي، وكلما ذكرت الفتى لم أجد لها مكانًا من قلبي، وكرهتُ أن أبعثَ بها إلى يزيد؛ فيعرف حالها فيحقِدَ عليّ، وما زال حالي كذلك حتى ماتت.
ومنهم عبد الله (٣) بن قيس بن شُريح بن مالك بن ربيعة، من بني عامر بن لُؤيّ، من أهل الحجاز.
стр. 4363
شاعر معروفٌ بجَزالةِ الشَعر، يلقَّب بالرُّقَيَّات لأنه كان يُشَبّب برُقَية بنت عبد الواحد بن قيس، وابنة عم لها يقال لها رقية، وامرأة من بني أمية يقال لها رقية (١).
وكان هواه في رُقَيّة بنت عبد الواحد، وقيل: إن أباه هو الملقَّب بالرُّقَيّات لأنَّه تزوج عدّة نِساء؟ فوافق أسماؤهن رُقَيَّة.
وكان عبد الله شاعرًا مُجيدًا فصيحا، خصيصًا بمصعب بن الزبير، ومدحه بقصائد منها قوله: [من الخفيف]
أقفَرَتْ بعد عَبد شَمْسٍ … كَداءُ فكُدَي فالرُّكْنُ فالبَطْحاءُ
فمِنَّى فالجِمارُ من عبد شمسٍ … مُقْفِراتٌ فبَلْدَخٌ فحِراءُ
فالخِيام التي بعُسْفانَ فالجُحـ … فَةُ منها فالقاعُ فالأَبْواءُ (٢)
قد أراهم وفي المواكبِ إذ يَغْـ … ــدونَ حِلْمٌ ونائلٌ وبَهاءُ
كيف نَومي على الفِراشِ ولمّا … تَشْمَلِ الشَّامَ غارةٌ شَعْواءُ
تُذهِلُ الشَيخَ عن بَنيهِ وتُبدي … عن خِدامِ العَقيلَةُ الحَمْراءُ
إنّما مُصْعبٌ شِهابٌ من اللـ … ـه تَجلَّتْ عن وَجههِ الظَلْماءُ
مَلِك سَيّدٌ جَوادٌ كريمٌ … ليس فيه عُجبٌ ولا كِبرياءُ
يَتَّقي اللهَ في الأمورِ وقد أفـ … ـلحَ مَن كان هَمُّهُ الاتّقاءُ
أنا عنكُمْ بني أُميَّةَ مُزْوَرٌّ … وأنتُم في نفسِي الأعداءُ (٣)
قال المصنّف ﵀ ما معناه: إن هذه الأبيات مَدْحٌ لبني أمية (٤)، ثم ناقض عبد الله أوَّلها بقوله: أنا عنكم بني أُميةَ مُزْوَرُّ … البيت، وبلغت عبد الملك فأَهْدَرَ دَمَه.
стр. 4364
وقال الزبير بن بكار: حدثني عبد الله بن قيس الرُّقَيّات قال (١): خرجتُ مع مصعب إلى قتال عبد الملك، فدعا مصعب بمالٍ ومَناطق، فألبسني منها، وأقمتُ معه حتى قُتل، وهربتُ إلى الكوفة، فاختفيتُ عند امرأة في مُسْتَشْرَفٍ لها سَنة، لا تسألني عن حالي ولا أخبرها بشيء، واشتدّ الطَّلَب، وكانت تأتيني بطعامٍ وشراب، فقالت: ما أكره مُقامك عندي، ولكني أخاف عليك فاذهب، فخرجتُ وقتَ السَّحَر، وإذا براحلتين وعبد وطعام، ودفعتْ إلى العبدِ نفقةً وقالت: أنفق على مولاك، وقالت: العبد والراحلتان لك، فخرجت إلى مكة، فأتيتُ منزلي ليلًا فقالوا: ما أشدَّ طلبَ القوم لك! فخرجت إلى المدينة، فأتيت عبد الله بن جعفر وقت المساء وأنا مُتَلَثِّم، وهو على المائدة، فأكلتُ معه، فلما خرج أصحابُه كشفتُ لِثامي، فقال: ابنَ قيس؟ قلتُ: نعم، قال: ما أشدَّهم في طلبك! فقلت: جئتُك عائذًا بالله وبك، فقال: ما أحرصهم على الطفَرِ بك! وقد أجرتُك، وسأكتبُ لك إلى أمّ البَنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد؛ فإن لها منزلة عند عبد الملك.
فكتب له، وخرج بكتابه فأوصله إليها، فلما دخل (٢) عليها عبد الملك سألها حوائجَها وقال: قد قَضيتُ لك كلَّ حاجة إلا ابن قيس الرقيات، فقالت: ما أريد إلا هو، فإن أبي قد كتب إليّ فيه، يعني عبد الله بن جعفر، فنفض يدَه في وَجهها فأصاب حُرّ وَجهها، فوضعت يدها على عينها، فرقّ لها فقال: قد قضيتُ حاجتَك وهو امن، فمُرِيه فليحضر العَشيَّة مجلسي.
فحضر الناس وحضرتُ، فلما أخذوا مجالسَهم قال عبد الملك: يا أهلَ الشام، هل تعرفون هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا ابنُ قيس الرّقَيات الذي يقول:
كيف نَومي على الفِراش
стр. 4365
فقالوا: يا أمير المؤمنين، اسقِنا دَمَه، فقال: الآن وقد صار على بِساطي وأَمَّنْتُه، وإنما أَخَّرتُ الإذنَ له كي تقتلوه فلم تفعلوا. فاستأذنتُه في الإنشاد فأَذِن، فقلت: [من المنسرح]
عادَله من كثيرةَ المطَّربُ … فعَينُه بالدُّموعِ تَنسَكِبُ
إن الأغرَّ الذي أبوه أبو الـ … ـعاصي عليه الوَقارُ والحُجُبُ
يَعتدِلُ التَّاجُ فوق مفْرِقِهِ … على جَبينٍ كأنَّه الذهَبُ
فقال: تَمدحُني بالتَّاج كأني من العَجَم، وتقول في حقِّ مُصعب: إنما مُصعب شهاب من الله؟! أما الأمان فقد حصل لك، ولكن لا اعطيك والله عطاءً أبدًا. وهذه رواية الزبير بن بكار.
وأما الهيثم بن عدي فإنه قال (١): قال عبد الله: لما أهدر عبد الملك دمي نادى مناديه: مَن جاء به فله ألف دينار، فكنتُ أتَنَقَّل في البلدان، وخرجتُ إلى دمشق، فسمعتُ مُناديه ينادي بذلك، فدخلتُ دَرْبًا وإذا ببابٍ مَفتوح، فدخلتُه وصَعِدتُ الحُجرة، فنظرتْ إليّ صاحبةُ الدَّار فقالت لجاريتها: أَصْعِدي له طَهورًا -ظنًّا منها أنني أحتاج إليه- ففعلتْ، فأبطأتُ عنها، فقالت المرأة: هذا رجل خائف، قومي له بالضِّيافة، فأصعدت الجارية إليَّ بساطًا وفراشًا وطعامًا، فأقمت عندهم أربعةَ أشهر يُغدى عليَّ بما أحتاج إليه ويُراح، فأرسلتْ إليَّ بمئتي دينار وقالت: لا فائدةَ لك في المقام ها هنا، اخرج إلى عبد الله بن جعفر فإن فَرَجَك عنده.
قال: فخرجتُ إلى ابن جعفر، فأخبرتُه خبري فقال: أقم عندي، فأقمتُ عنده في داره، ثم خرج عبد الله إلى عبد الملك وأخذني معه وقال: إذا أُدخِلنا عليه فكُلْ أَكْلًا شَنيعًا.
قال: فلما دخلتُ عليه جعلتُ آكُل من هنا وهنا، فقال عبد الملك: مَن هذا؟ فقال ابن جعفر: هذا الذي يقول: [من المنسرح]
ما نقموا من بني أميَّةَ إلا … أنَّهم يَحلُمون إن غَضِبوا
قال: هذا الخبيثُ ابن قيس؟ قال: نعم، وقد استجار بي، فإن قتلتَه كان كاذبًا فيما مدحكم به من الحلم، وإن استبقيتَه كان صادقًا، فقال: هو آمن، إلا أنني لا أُعطيه
стр. 4366
شيئًا، فقال: قد وَهبتَه أعزَّ من المال وهو النفس، أفتبخَلُ عليه بما هو أهون منه،
فقال: قد أمرتُ بعطائه.
وقال الزبير: قال عبد الملك: والله لا أُعطيه شيئًا أبدًا، فلما خرجا من عنده قال ابن قيس لابن جعفر: ما نفعني أماني وقد تركني حيًّا كميت، لا آخذ مع الناس عطاءً، قال له ابن جعفر: كم بلغتَ من السنّ؟ قال: ستين سنة، قال: وكم تُؤَمِّل أن تعيش؟ قال: عشرين سنة، قال: كم عطاؤك في كل سنة؟ قال: ألفان، فأعطاه أربعين ألفًا وقال: إن عشتَ بعد الثمانين أعطيتك شيئًا آخر (١).
ومنهم عُبَيد بن حُصَين بن جَنْدَل، أبو جندل، الرّاعي النّميري الشاعر، [من بكر بن هوازن]، ولُقِّبَ الراعي لكثرة وصفه للإبل.
[وذكره ابن سلَّام] من الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين (٢)، وكان يَعتَسِفُ الفَلاةَ بغير دليل [، ومعناه: لا يحتذي شعر شاعر].
وهو القائل لعبد الملك يشكو بعض عُمَّاله: [من البسيط]
أمّا الفَقيرُ الذي أَمْسَت حَلُوبَتُه … وَفْقَ العِيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ
واختل ذو المالِ والمُثْرونَ قد بَقيتْ … على التَأَثُّل من أموالهم عُقَدُ
فإن رفَعْتَ بهم رأسًا نَعَشْتَهم … وإن لَقُوا مثلَها في عامِهم فَسَدوا (٣)
وكان عبد الملك يقول: انكحوا إلى هذا الشيخ فإني أراه مُنجِبًا.
وكان الراعي في عصر جرير والفرزدق، وله معهما وقائع، فكان تارةً يُفضِّل جريرًا، وتارةً الفرزدق، فالتقاه يومًا جرير فقال: لا تدحْل بيني وبين ابن عمي (٤)، وفيه يقول جرير: [من الوافر]
стр. 4367
فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ … فلا كَعبًا بَلغتَ ولا كِلابًا
[وقال أبو الفرج الأصفهاني:] وكان ابنه (١) جَندل شاعرًا، وهو القائل: [من الطويل]
طَلَبْتُ الهوى العُذْرِيَّ حتى بلغتُه … وسَيَّرتُ في نَجْدِيَّةٍ ما كفانيا
وقلتُ لحِلمي لا تَزِعْني عن الصَّبا … وللشَّيب لا تَذْعَر عليَّ الغَوانيا
ومنهم عَزَّة بنت حُمَيد (٢) بن وَقَّاص بن حفص بن إياس (٣) الغِفاري، صاحبة كُثَيّر.
[قال أبو بكر الخرائطي بإسناده قال:] دخلت عَزةُ على عبد الملك وهو لا يعرفها ترفع ظُلامةً لها إليه، فلما سمع كلامَها أعجبه، فقال له بعض جُلَسائه: هذه عَزَّة، فقال لها: إن أحببْتِ (٤) أن أَرُدَّ إليك مَظْلِمَتَك فأنشديني ما قال فيك كُثَيِّر، فاستحيت وقالت: سمعتُهم يَحكون عنه أنه قال: [من الطويل]
قَضى كلُّ ذي دَينٍ فوَفَّى غَريمَه … وعَزةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَريمُها
فقال عبد الملك: ليس عن هذا سألتُك، ولكن أنشديني قوله: [من الطويل]
وقد زعمتْ أنّي تَغَيَّرتُ بعدَها … ومَن ذا الذي يا عَز لا يَتَغَيَّرُ
تَغَيَّر جسمي والخَليقةُ كالتي … عَهِدْتِ ولم يُخْبَر بسِرِّك مُخْبَرُ
ما كان ذاك السرّ؟ قالت: قد سمعتُ هذا، ولكني سمعتُ الناس يحكون عنه أنه قال: [من الطويل]
كأني أُنادي صَخرةً حين أَعرضَتْ … من الصُّمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زَلَّتِ
صفوحٌ فما تلقاك إلا بَخيلَةً … فمَن رامَ منها ذلك الوَصْلَ ملَّتِ (٥)
فقضى حاجتها، وردَّ مَظلِمَتَها، ووصلها وقال: أدخِلوها على الجواري يأخذن من أدبها.
стр. 4368
ومنهم عَمرو بن الوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيط، وكنيته ألو قَفِيفَة، وكان مغنيًا، وذكره أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني"، وهو صاحب الشّعر، دخل على عبد الملك فأنشده قصيدة، منها (١):
نُبئْتُ أن ابن القلَمَّسِ عابَني … ومَن ذا من الناسِ الصَّحيحُ المُسَلَّمُ
فأبصِرْ سبيلَ الرّشْدِ سَيِّدَ قومِه … وقد يُبْصِرُ الرُّشْدَ الرَّئيسُ المعَمَّمُ
فمن أنتمُ ها خَبِّرونا منَ انْتُمُ … وقد جعلتْما أشياءُ تَبدو وتُكْتَمُ
فقاك له عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال له: من أنتم؟! أما والله لولا ما تعلم لقلتُ قولًا ألحقكم بأصلكم الخبيث، ولضربتُك حتى تموت، ثم أمر بإخراجه (٢).
ومنهم الطِّرمَّاح (٣) بن حَكيم بن الحَكَم بن نَفْر بن قيس، الشاعر، [قال الأصمعي: وكنيته أبو ضَبِينَة]، الطائي، شامي المولد، ونشأ بالكوفة، وكان فصيحًا.
[والطِّرِمَّاح: الطويل القامة.
وكان من شعراء الإسلام، وقال أبو الفرج الأصفهاني (٤): كان من الخوارج، يرى رأيَ الأزارقة.
وجدُّه قيس له صُحبة.
قال الأصمعي:] وفد على عبد الملك بن مروان وأنشده: [من الكامل]
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَه … عارٌ عليك إذا فعلتَ عَظيمُ (٥)
ودخل يومًا عليه وعنده الفرزدق، وهو مُقبلٌ عليه فقال: يا أمير المؤمنين، مَن هذا الذي أَلْهاك عني؟! فغضب الفرزدق وقال: [من الوافر]
стр. 4369
أقولُ له وأنكِرُ بعضَ حالي … ألم تَعرفْ رِقابَ بني تَميمِ
فقال الطِّرِمَّاح: [من الوافر]
بلى أعرفْ رِقابَ مُخَيَّساتٍ … رقابَ مَذَلَّةٍ ورقابَ لُوْمِ
إذا ما كنتَ مُتَّخِذًا خليلًا … فلا تجعلْ خليلَك من تميمِ
بَلَوْتُ (١) صَميمَهم والعبدَ منهم … فما أدري العَبيد من الصَّمِيمِ
[وكان الطِّرِمَّاح يَذمُّ بني تميم]، فقال: [من الطويل]
تميمٌ بطُرْقِ اللُّؤْمِ أهدى من القَطا … ولو سَلكَتْ طُرْقَ المكارمِ ضَلَّتِ
ولو أنّ بُرغوثًا على ظَهْرِ قَملَةٍ … رأتْه تميمٌ يومَ زَحْفٍ لَوَلَّتِ
ولو جَمعتْ يومًا تميمٌ جُموعَها … على ذَرَّةٍ مَعقولَةٍ لاستَقَلّتِ (٢)
[وقال الأصمعي: عاش الطرماح إلى أيام هشام بن عبد الملك، ومدح خالد بن عبد الله القَسْرِيّ، فقال من قصيدة: [من الطويل]
وإن رجال المال أضحَوْا ومالُهم (٣) … لهم عند أبوابِ الملوكِ شَفيعُ
أمُختَرِمي رَيبُ المَنونِ ولم أَنَلْ … من المالِ ما أَعصي به وأُطِيعُ
فأعطاه خالد عشرين ألفًا وقال: اذهب فاعْصِ به وأطِع.
ومنهم عمرو بن عُبيد بن وُهَيب، الحَزِين الشاعر، أبو حَكَم (٤) الحجازيّ، قدم على عبد الملك ومدحه، ولأخيه (٥) عبد العزيز، وسنذكره.
ومنهم عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، الشاعر المَخْزومي، ويُلَقَّب ذا الرّمْحَين لأنه كان طويلًا كأنه يمشي على رُمْحَين، وقيل: إنه كان يُقاتل برُمحين.
стр. 4370
ذكره ابن سلّام في الشعراء الإسلاميين وقال: شاعر مُجيد من أهل مكة، كان يَقدم علي بني أمية: عبد الملك وغيره، وأدرك عمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر وَلّى أباه اليمن، وسنذكره إن شاء الله.] (١)
ومنهم محمد بن عبد الله بن نُمَير الثَّقفيّ الشّاعر [وكنيته أبو نُمير].
كان يُشَبِّب بزَينب أخت الحجّاج بن يوسف، فأراد الحجاج قتلَه، فهرب فاستجار بعبد الملك، فأجاره وقال: أنشدني ما قلتَ في زينب، فأنشده: [من الطويل]
تَضَوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمان إذ مَشتْ … به زينبٌ في نسوةٍ عَطِراتِ
فكتب له كتابًا إلى الحجاج يقول: لا سبيلَ لك عليه، فلما قدم بكتابه على الحجاج لم ينظر فيه وقال: أنا بريء من بيعة أمير المؤمنين لئن لم تُنشدني ما قلتَ في زينب لأقتلنّك، فأنشده: [من الطويل]
تَضوَّعَ مِسْكًا بَطنُ نَعْمان إذ مَشَتْ … به زينبٌ في نِسوةٍ عَطِراتِ
فقال له الحجاج: كذبتَ، ما كانت تتطيَّب إذا خرجت من بيتها، فقال:
يُخَمِّرْنَ أطرافَ البَنانِ من التُّقى … ويَخْرُجْنَ بالأسْحارِ مُعْتَجِراتِ
فقال: هكذا تفعل الحُرَّة العفيفة (٢)، فقال:
مَرَرْنَ بفَخٍّ ثم رُحْنَ عَشِيَّةً … يُلَبِّينَ للرَّحمن مُعْتَمِراتِ
فقال الحجاج: هكذا المسلمات، فقال:
تهادَيْنَ ما بين المُحَصَّب من مِنى … فأقبَلْنَ لا شُعثًا ولا غَبِراتِ
فقال الحجاج: ذاك من سَترهن، ثم قال:
خَرجْن إلى البيتِ العَتيقِ لعُمْرَة … نَواصِبُ في سُجْفٍ ومُخْتَمراتَ
стр. 4371
فلما رأتْ رَكْبَ النُّمَيريّ راعَها … وكُنَّ من اللُّقيا له حَذِراتِ
فقال الحجاج: حُقَّ لها أن تَرتاع، [أي: كانت تكره لقاءه لما شاع عنه أن يُشَبّب بها، ولهذا قال له الحجاج:، وكيف لا ترتاع وهي صَوَّامةٌ قوَّامة، وما كان ركبك؟ قال: كنت على حمارٍ هَزِيل، ومعي رفيق على حمار مثله، ومعنا حمار آخر عليه القَطِران كنا نَجلُبه فنبيعه، فقال له الحجاج: لقد عَظَّمتَ رَكبك، ثم عفا عنه (١).
[وسنذكر أبا نمير في ترجمة الحجاج.]
وقد وفد على عبد الملك خلق كثيرًا، وقد ذكرناهم في أيّامه فيما تقدّم،.
ذكر وفاته:
حكى ابن أبي الدنيا، عن سعيد بن المسيب وقيل له (٢): إن عبد الملك يقول: قد صِرتُ لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال: الآن تكامل موتُ قلبه، فمات بعد أيام.
[وقال أبو اليقظان:] قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن موسى ﵇ قد ظهر بالشام وبيده عصا. فقال: الله أكبر، مات والله فرعونها، فجاء الخبر بعد أيام بموت عبد الملك بن مروان.
[وحكى ابن عساكر عن هشام بن عمار قال:] مرض عبد الملك بوجع الكَبِد، فكان يشرب الماء فلا يروى، [فمنعوه إياه، فاشتد عطشه.
وقال المدائني:] قال الأطباء: إن شرب الماء مات من ساعته، فازداد به العطش، فقال لابنه الوليد: اسقِني، فقال: لا أُعين عليك، فقال: يا فاطمة -لابنته- اسقيني، فمنعها الوليد، فقال: دَعْها وإلا خلعتُك، فسقته فمات.
وقال أبو العباس (٣): نقلت عن أبان بن عثمان قال: لما ثقُل عبد الملك أرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية وخالد بن عبد الله [بن خالد] بن أَسِيد، فحضرا فقال: قد كان
стр. 4372
من بيعة الوليد وسليمان ما قد علمتُما، فإن شئتما أقلتُكما، قالا: فكيف تُقيلنا وقد جعلتَ لهما في أعناقنا مثل السَّواري، وفي رواية أنه قال لهما: قد حضر من الأمر ما تريان، فهل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء؟ فقالا: والله ما نرى أحدًا أحق بها منه بعدك، فقال: والله لو قلتما غير هذا لقدَّمتكما أمامي، ثم رفع فراشه فإذا سيف مَسْلُولٌ تحته.
وقال الشعبي: أرسل إليَّ عبد الملك في مرض موته، فدخلتُ عليه فقلت: كيف أصبحتَ يا أمير المؤمنين؟ فقال: كما قال زهير بن أبي سُلمى (١): [من الطويل]
كأني وقد جاوزتُ سبعين حِجَّةً … خلعتُ بها عني عِذارَ لجامي
رَمَتْني بناتُ الدهر من كل جانبٍ … فكيف بمن يُرمى وليس برام
فلو أنني أُرمى بسَهمٍ رأيتُه … ولكنني أُرمى بغيرِ سِهام
إذا ما رآني الناسُ قالوا ألم يكن … حَديدًا شَديدَ البَطشِ غيرَ كَهامِ (٢)
فأَفنى وما أُفني من الدّهر ليلةً … ولم يُغْنِ ما أفنيتُ سِلْكَ نِظامِ
على الرَّاحتَين مرةً وعلى العصا … أنوءُ ثلاثًا بعدهُنَّ قِيامي
فقلت له: لا، ولكنك كما قال لَبيد بن ربيعة أخو بني جعفر بن كلاب: "من البسيط"
باتت تَشكَّى إليَّ النَّفسُ مُجْهِشَمةً … وقد حملتُكِ سَبعًا بعد سَبعينا
فإن تُزادي ثلاثًا تُحرزي أملًا … وفي الثلاثِ تَمامٌ للثمانينا
فعاش حتى بلغ التسعين فقال: [من الطويل]
كأني وقد جاوزتُ تِسعين حِجَّةً … خلعتُ بها عن مَنكِبَيَّ ردائيا
فلما بلغ المئة قال: [من الطويل]
أليس ورائي إنْ تراختْ مَنِيَّتي … لُزوم العصا تُحْنَى عليها الأضالِعُ
أخبِّرُ أخبارَ القرونِ التي مضتْ … أدِبٌ كأنّي كلما قمتُ راكعُ
فلما بلغ مئة وعشرًا قال: "من البسيط"
وإن في مئةٍ قد عاشها رجلٌ … وفي تكامُلِ عشْرٍ بعدها عُمُرُ
стр. 4373
فلما بلغ عشرين ومئة قال: [من الكامل]
ولقد سَئمتُ من الحياةِ وطُولها … وسؤالِ هذا الناس كيف لَبيدُ
فلما بلغ ثلاثين ومئة قال: [من الطويل]
تمنَّى ابنتايَ أن يعيشَ أبوهما … وهل أنا إلا من ربيعةَ أو مُضَرْ
فقوما وقولا بالذي تَعرفانِه … ولا تَخْمِشا وَجْهًا ولا تَنتفا شَعَرْ
وقولا هو المرءُ الذي تعرفانه … وما خانَ يوما للخليل ولا غَدَرْ
إلى الحولِ ثمَّ اسْمُ السَّلامِ عليكما … ومن يَبْكِ حَوْلا كاملا فقد اعْتَذَرْ
فقال: إيه حَدِّثني يا شعبي. رجاء أن يعيشها، وفارقته في تلك الليلة فمات فيها.
وجمع عبد الملك بنيه وأوصاهم فقال: يا بَنيّ، عليكم بتقوى الله فإنه أزين حُلَّة، وأحصن كهف، وأن يَعطِف الكبير على الصغير، وأن يعرف الصغير حق الكبير، وإياكم والفُرقة والاختلاف؟ فإن به هلك الأولون، وذَل به ذوو العزّ، وعليكم بمَسْلَمة فاصدروا عن رأيه؟ فإنه مِجَنُّكم الذي تتّقون به، ونابُكم الذي تَفْتَرُّون عنه، وكونوا بني أم واحدة، ولا تُدنوا العقاربَ منكم، وكونوا في الحروب أحرارًا، وللمعروف منارًا، فإن الحرب لا تُدني مَنيَّةً قبل وقتها، واحلَولُوا في مرارة، ولينوا في شدّة، وضعوا الصَّنائع عند ذوي الأحساب، فإنهم أشكر لما يؤتى إليهم (١).
ثم تمثّل بأبيات ابن عبد الأعلى الشَّيباني: [من الكامل]
فانْفُوا الضَّغائنَ والتَّخاذُلَ عنكمُ … عند المَغِيبِ وفي حُضورِ المَشْهَدِ
بصَلاحِ ذات البَينِ طُولُ بَقائكم … إن مُدَّ في عُمري وإن لم يُمْدَدِ
وتكون أيديكم معًا في عَونكم … ليس اليَدان لذي التَّعاوُنِ كاليَدِ
إن القِداحَ إذا اجتمعْنَ فرامَها … بالكسْرِ ذو حَنَقٍ وعِزّ أَيّدِ
عَزَّتْ فلم تُكسَر وإن هي بُدِّدَتْ … فالكسرُ والتَّوهينُ للمتَبَدِّدِ
ثم قال: يا وليد، اتَّقِ الله فيما استخلفتُك عليه، واحفظ وصيَّتي، وانظر إلى أخي معاوية فإنه ابن أمّي، وقد أُصيبَ في عقله، ولولا ذلك لاستخلفتُه، وأخي محمد فأقِرَّه
стр. 4374
على الجزيرة ولا تعزِلْه، وأخوك عبد الله لا تؤاخذه، وأقِرَّه على مصر، وانظر إلى ابنِ عمِّنا علي بن عبد الله بن عباس؟ فإنه قد انقطع إلينا بمودَّته، وله نسبٌ وحق وفضل، فاعرف حقَّه وقَدْرَه، وأحسن صُحبته وجِواره، واحفظ الحجاج فإنه هو الذي وَطَّأ لنا البلاد، وذلل لنا العباد، وهو سيفُك ويدُك على مَن ناوأك، ولا تسمعنَّ فيه قول قائل، وخذ سيفي هذا، فبه قتلتُ عَمرًا، وخذ الناس بالبيعة، فمن قال برأسه كذا فقل بسيفك كذا. ثم تمثلَ بقول عَديِّ بن زيد العِباديّ: [من الوافر]
فهل من خالدٍ إمّا هَلَكْنا … وهل بالموتِ ياللناسِ عارُ
يا وليد، ليس بين السلطان وبين أن يملك رعيتَه أو تملكه إلا حَزْمٌ أو تأن، يا وليد، كلّكم يترشَّح لهذا الأمر، ولا يَصلُح له إلا من كان له سيفٌ مَسْلول، ومال مَبذول، وعَدلٌ تطمئن إليه النفس، وصدقٌ تميل إليه القلوب
ولما احتُضر كان في مَنْظَرَةٍ له تُشرف على بردى، فنظر إلى غَسَّالٍ يغسل الثياب فقال: يا ليتني مثلَ هذا الغسَّال، أكتسب ما أعيش به يومًا بيوم، ولم أَلِ الخلافة. ثم تمثّل بقول أمية بن أبي الصلت: [من الخفيف]
كلُّ عيشٍ وإن تطاولَ يومًا … صائرٌ أمرُه إلى أن يَزولا
ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي … في قِلالِ الجِبالِ أرْعى الوُعولا
فبلغ قوله أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم وقتَ الموت يتمنَّون ما نحن فيه، ولم يجعلنا نتمنّى ما هم فيه.
وقال الشعبي: بلغني أنه قال عند الموت (١): [من الطويل]
لَعَمري لقد عُمِّرتُ في المُلْكِ بُرْهَةً … ودانتْ ليَ الدُّنيا بوقْعِ البَواتِر
فأضحى الذي قدكان مما يَسُرُّني … كَلَمْح مضى في البارقات الغوابِرِ
فيا ليتني لم أَغْنَ في الملك ساعةً … ولم أَلهُ في اللذاتِ عيش النَّواضِر
وكنتُ كذي طِمْرَين عاش ببُلغَةٍ … من العيشِ حتى زار ضَنْكَ المقابِرِ
ثم جعل يبكي ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩].
стр. 4375
[وقال الشعبي:] دخل عليه الوليد يومًا عائدًا، وفاطمة ابنته عنده تبكي، فقال لها الوليد: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فأنشد عبد الملك: [من الكامل]
كم عائدٍ رجلًا وليس يعودُه … إلا ليعلم أنه سَيَموتُ (١)
ثم أنشد [من الطويل]
ومُسْتَخْبِرٍ عنّا يُريد بنا الرَّدَى … ومُسْتَعْبِراتٍ والعيونُ سَواجِمُ
وأشار بالنّصف الأول إلى الوليد، وبالثاني إلى فاطمة ومَن كان معها من النساء، ثم قال: قبَّح الله الدنيا، طويلها قصير، وقصيرها أقصر من قصير، وكثيرها يسير، والوليد يبكي فقال له: يا وليد، أتحنُّ حَنين الحمامة [والأمة] إذا تأيَّمت؟! قم فشَمِّر، والبسْ جلدَ النَّمِر، وضع سيفك على عاتقك، ومن أبدى لك صَفحَته فاضرب عُنقه.
وقال المدائني: تمثّل عند موته فقال: [من الرجز]
إن بَنيَّ صِبيةٌ صَيفيُّونْ … أفلحَ مَن كان له رِبْعيُّونْ (٢)
إن بَنيَّ صِبية صِغارُ … أفلحَ مَن كان له كبارُ
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ عنده، فقال عمر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] (٢).
[قال الشعبي:] ودخل عليه قَبيصَةُ بن ذُؤيب فقال: كيف تَجدُك؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٣) ولم يسمع منه كلام بعدها، وأُغمي عليه، فصاح ولده هشام وبكى وقال: [من الطويل]
فما كان قيس هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ … ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّما
فلطمه الوليد وقال: اسكت يا ابن الأَشجعيَّة؛ فإنك أحول أكشف، تنطق بلسان شيطان، وأنشد الوليد: [من الطويل]
إذا مُقْرَمٌ منّا ذَرى حَدُّ نابِه … تَخَمَّط منا نابُ آخر مُقْرَمِ (٤)
стр. 4376
واختلفوا في المكان الذي توفي فيه؛ فحكى أبن سعد، عن الواقدي قال: حدثني أبو معشر نجيح قال (١): مات عبد الملك بدمشق يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين.
[وقال المدائني فيما حكاه عنه البلاذري (٢): إنه] مات بالصِّنَّبْرَة من أعمال الغَور، كان يَصِيف ببعلبك، ويقيم أيام الربيع بدمشق، ويشتي بالصِّنَّبْرَة فمات بها، وقيل: بالجابية وحمل إلى دمشق.
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان" -وهو كتاب حسن، حدثنا بالكتاب غير واحد عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي- بإسناده عن ابن سابط الجُمحيّ (٣): أنه خرج من قِنَّسْرِين وهو قافلٌ، قال: فأشار لي إنسان إلى قبر عبد الملك، فوقفتُ أنظر، فمرَّ عِباديّ (٤) فقال: لمَ وقفتَ ها هنا؟ قلت: أَنظرُ إلى قبر هذا الرجل الذي قدم علينا مكة في سلطان وأمر عجيب، ثم عجبتُ إلى ما رُدَّ إليه، فقال: ألا أُخبرك خبرَه لعلك تَرهب؟ قلت: وما خبره؟ قال: هذا ملك الأرض، بعث إليه ملك السماء والأرض فأخذ روحه، فجاء به أهلُه فجعلوه ها هنا، حتى يأتي يوم القيامة مع مساكين أهل دمشق.
وقال هشام بن عمار: مات عبد الملك بمَنْظَرَةٍ له على بردى من أرض عاتكة، ودُفن بالباب الصغير عند قبور أهله.
وقال قَبيصَةُ بن ذُؤيب: ولما خرجوا بجنازته صلّى عليه ابنه الوليد، ونظر إلى سعيد بن عمرو بن سعيد الأشدق يحمل سريره، فصاح به الوليد: أشماتةً بأمير المؤمنين يا ابن اللَّخْناء؟ ثم ضربه بقَضيب كان في يده فانصرف (٥).
стр. 4377
واختلفوا [في سنّه على] أقوال؛ أحدها ستون سنة، حكاه ابن سعد عن الواقدي، ورواه الواقدي عن أبي مَعْشَر.
والثاني: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، حكاه الواقدي أيضًا (١).
والثالث: ثلاث وستون سنة، ذكره المدائني (٢).
والرابع: ثلاث وخمسون سنة، حكاه البلاذري (٣).
وقيل: ثلاث وسبعون.
وقال الواقدي: والأوّل أثبت لأنه موافق لمولده، لأنه ولد سنة ست وعشرين.
وأجمع الناس على خلافته في سنة ثلاث وسبعين، وكان قد بويع في سنة خمس وستين، قاتل ابن الزبير فيها تسع سنين، فكانت خلافته من يوم بويع إلى أن مات إحدى وعشرين سنة.
وقال المدائني: كانت خلافته بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا، وقيل: ثلاث عشرة سنة وثمانية أشهر.
ذكر خطبة الوليد بعد وفاة أبيه:
[حكى الواقدي عن أشياخه قالوا:] لما رجع الوليد من دَفْن أبيه [خارج باب الجابية] لم يأت منزله، بل أتى جامع دمشق، فصَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه لا مُقَدِّم لما أخَّر الله، ولا مُؤخَر لما قدَّم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقِ علمه وما كتب على أنبيائه وملائكته وحَمَلَةِ عَرْشه الموت، وقد صار أمير المؤمنين إلى منازل الأبرار، وأدّى الحق الذي عليه من إقامة منار الإسلام، وشعار الإيمان، وحج البيت، وغزو الثغور، والشّدَّة على المُرِيب، واللين لأهل الحق، ولم يكن عاجزًا ولا مُفَرِّطًا، فعليكم بالسَّمع والطاعة، ولُزوم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الفرد أو الفَذّ.
стр. 4378
أيها الناس، من أبدى لنا صَفْحَتَه ضربْنا الذي فيه عيناه، ومَن اعترف لنا بالطاعة أكرمناه، ومَن سكت عنا سكت على مَضض مات بدائه (١)، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
وقيل: إنه لما صعد المنبر استرجع وقال: والله المستعان على مُصيبتنا بأمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا إلى البَيعة، فكان أول من قام عبد الله بن هَمَّام السَّلوليّ الشاعر، فارتجز:
الله أعطاك التي لا فَوقَها … وقد أراد الحاسدون عَوْقَها
عنك وَيأبى الله إلا سَوْقَها … إليك حتى قَلَّدُوك طَوقَها
ثم بايعه وبايعه الناس.
وقال أبو مَعْشَر: قال الوليد على المنبر: أيها الناس، إنها مصيبة ما أعظَمَهما، ونعمة ما أَجَلَّها، فإنا لله وإنا إليه راجعون على الرَّزِيَّة، والحمد لله على العَطيّة، فقام رجل من ثقيف -والناس لا يدرون كيف يُعزُّونه ويُهَنِّئونه- فقال: يا أمير المؤمنين، أصبحتَ قد رُزئتَ خيرَ الآباء، وتسمَّيتَ بخير الأسماء، وأُعطيت خير الأشياء، فبوَّأَك الله الصَّبر، وأعظم لك الأجر، وأوزعك حُسنَ الثَّواب على المصاب، فأَعجب الوليد فقال: كم عطاءك؟ فقال: مئة، بالنصب، وكان الوليد لُحَنَة، فقيل للرجل: لمَ لَحَنْتَ؟ فقال: لأن الوليد لحن فوافقتُه، ثم نزل الوليد من المنبر فعزّاه الناس بأبيه، ثم هنَّؤوه بالخلافة، ووصل الرجلَ وزاد في عطائه (٢).
ذكر قصة عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان:
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسين، حدثنا رستم بن أسامة، محن عبد السلام (٣) بن حرب قال: لما تَصدَّع الناس عن قبر عبد الملك وقف عليه
стр. 4379
عبد الرحمن ابن يزيد -وكان خِلًّا لعبد الملك لا يروم الخلافة، وكان مشغولًا بالعبادة (١) - فقال: يا عبد الملك، أنت الذي كنت تعدُني فأرجوك، وتُوعدني فأخافك، أصبحتَ والله وليس معك من مُلكك سوى ثوبين وأربعة أذرُع في عرض ذراعين. ثم انكفأ إلى مسجده، وتعبَّد حتى صار كالشَّنِّ البالي، فعاتبه مَسْلَمة بن عبد الملك على انقطاعه عن الدنيا، فقال: يا مَسْلَمة، أسألك عن شيء أتصدُقني؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن حالك التي أنت عليها أترضاها للموت؟ قال: لا، قال: فهل عزمتَ على الانتقال منها إلى غيرها؟ قال: أنا في ذلك، قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على الحال التي أنت عليها؟! قال: لا، قال: فبعد الدارِ التي تعمل (٢) فيها دار أخرى (٢)، قال: نعم، قال: فهذه حالة ما أقام عليها عاقل، ثم عاد إلى مُصلَّاه.
ذكر أولاد عبد الملك:
[قال ابن سعد:] فولد عبد الملك: الوليد وسليمان وليا الخلافة، ومروان الأكبر، درج، وداود، درج، وعائشة، أمّهم أمّ الوليد ولَّادة بنت العباس (٣) بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جَذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث، من بني بَغيض.
ويزيد ولي الخلافة، ومروان، ومعاوية، درج، أمُّهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
وهشام ولي الخلافة، وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن [هشام بن] الوليد بن المغيرة المخزومي.
وأبا بكر، وهو بكّار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التَّيمي.
والحكم، درج، وأمُّه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفّان، وأمها أم الحكم بنت ذؤيب بن حَلْحَلَة، من بني سلول.
وعبد الله، ومَسْلَمة، وعَنْبَسَة، ومحمدًا، وسعيدَ الخير، والحجّاج، لأمهات أولاد شتّى.
стр. 4380
وفاطمة، تزوجها عمر بن عبد العزيز، وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة (١).
وقبيصة، ومروان الأصغر، وعائشة تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية.
وأم كلثوم: قال هشام: أمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
وأما الوليد وسليمان ويزيد وهشام فولُوا الخلافة، وهشام آخِرُ من وليها منهم، وقال المدائني: وأم هشام: بنت هشام بن إسماعيل المخزومية، واسمها عائشة، رأى عبد الملك في منامه كأنها لَطَعَتْ من رأسه عشرين لَطْعَة، فأرسل إلى ابن المسيب فسأله فقال: تلد منه ولدًا يملك عشرين سنة، فولدت هشامًا فولي عشرين سنة (٢).
وقال هشام بن محمد: رأى عبد الملك في منامه كأنه بال في المحراب أربع مرات، فساءه ذلك، فأرسل إلى ابن المسيب أو إلى ابن سيرين مع عمر بن حبيب بن قُلَيع الجعفي المدني، فقصّه عليه فقال ابن المسيب: يخرج من صُلبه أربعة يملكون الناس (٣). ولا يعرف أربعة أخوة ولُوا الخلافة غيرهم.
وأما أبو بكر وهو بكار بن عبد الملك؛ فأمه عائشة بنت موسى بن طلحة، وهي التي قال لها عبد الملك: لولا أن أبي أخبرني أنه قتل طلحة ما تركتُ على ظهرها طلحيًّا إلا قتلتُه، وكان مروان ينسب ما جرى على عثمان ﵁ إلى طلحة، وطلقها عبد الملك فتزوَّجها علي بن عبد الله بن عباس، وقد ذكرناها.
وكان بكار أحمق؛ طار له بازيّ بدمشق فقال: أغلقوا أبواب البلد، قتله عبد الله بن علي، وله عقب، وحج ماشيًا من المدينة إلى مكة على اللَّبون.
وفاطمة بنت عبد الملك؛ زوجها أبوها بعمر بن عبد العزيز، وأعطاها الدرّة اليتيمة وقرطي مارية.