← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

واختلفوا في المكان الذي توفي فيه؛ فحكى أبن سعد، عن الواقدي قال: حدثني أبو معشر نجيح قال (١): مات عبد الملك بدمشق يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين. [وقال المدائني فيما حكاه عنه البلاذري (٢): إنه] مات بالصِّنَّبْرَة من أعمال الغَور، كان يَصِيف ببعلبك، ويقيم أيام الربيع بدمشق، ويشتي بالصِّنَّبْرَة فمات بها، وقيل: بالجابية وحمل إلى دمشق. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان" -وهو كتاب حسن، حدثنا بالكتاب غير واحد عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي- بإسناده عن ابن سابط الجُمحيّ (٣): أنه خرج من قِنَّسْرِين وهو قافلٌ، قال: فأشار لي إنسان إلى قبر عبد الملك، فوقفتُ أنظر، فمرَّ عِباديّ (٤) فقال: لمَ وقفتَ ها هنا؟ قلت: أَنظرُ إلى قبر هذا الرجل الذي قدم علينا مكة في سلطان وأمر عجيب، ثم عجبتُ إلى ما رُدَّ إليه، فقال: ألا أُخبرك خبرَه لعلك تَرهب؟ قلت: وما خبره؟ قال: هذا ملك الأرض، بعث إليه ملك السماء والأرض فأخذ روحه، فجاء به أهلُه فجعلوه ها هنا، حتى يأتي يوم القيامة مع مساكين أهل دمشق. وقال هشام بن عمار: مات عبد الملك بمَنْظَرَةٍ له على بردى من أرض عاتكة، ودُفن بالباب الصغير عند قبور أهله. وقال قَبيصَةُ بن ذُؤيب: ولما خرجوا بجنازته صلّى عليه ابنه الوليد، ونظر إلى سعيد بن عمرو بن سعيد الأشدق يحمل سريره، فصاح به الوليد: أشماتةً بأمير المؤمنين يا ابن اللَّخْناء؟ ثم ضربه بقَضيب كان في يده فانصرف (٥).

стр. 4377

واختلفوا [في سنّه على] أقوال؛ أحدها ستون سنة، حكاه ابن سعد عن الواقدي، ورواه الواقدي عن أبي مَعْشَر. والثاني: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، حكاه الواقدي أيضًا (١). والثالث: ثلاث وستون سنة، ذكره المدائني (٢). والرابع: ثلاث وخمسون سنة، حكاه البلاذري (٣). وقيل: ثلاث وسبعون. وقال الواقدي: والأوّل أثبت لأنه موافق لمولده، لأنه ولد سنة ست وعشرين. وأجمع الناس على خلافته في سنة ثلاث وسبعين، وكان قد بويع في سنة خمس وستين، قاتل ابن الزبير فيها تسع سنين، فكانت خلافته من يوم بويع إلى أن مات إحدى وعشرين سنة. وقال المدائني: كانت خلافته بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا، وقيل: ثلاث عشرة سنة وثمانية أشهر. ذكر خطبة الوليد بعد وفاة أبيه: [حكى الواقدي عن أشياخه قالوا:] لما رجع الوليد من دَفْن أبيه [خارج باب الجابية] لم يأت منزله، بل أتى جامع دمشق، فصَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه لا مُقَدِّم لما أخَّر الله، ولا مُؤخَر لما قدَّم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقِ علمه وما كتب على أنبيائه وملائكته وحَمَلَةِ عَرْشه الموت، وقد صار أمير المؤمنين إلى منازل الأبرار، وأدّى الحق الذي عليه من إقامة منار الإسلام، وشعار الإيمان، وحج البيت، وغزو الثغور، والشّدَّة على المُرِيب، واللين لأهل الحق، ولم يكن عاجزًا ولا مُفَرِّطًا، فعليكم بالسَّمع والطاعة، ولُزوم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الفرد أو الفَذّ.

стр. 4378

أيها الناس، من أبدى لنا صَفْحَتَه ضربْنا الذي فيه عيناه، ومَن اعترف لنا بالطاعة أكرمناه، ومَن سكت عنا سكت على مَضض مات بدائه (١)، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وقيل: إنه لما صعد المنبر استرجع وقال: والله المستعان على مُصيبتنا بأمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا إلى البَيعة، فكان أول من قام عبد الله بن هَمَّام السَّلوليّ الشاعر، فارتجز: الله أعطاك التي لا فَوقَها … وقد أراد الحاسدون عَوْقَها عنك وَيأبى الله إلا سَوْقَها … إليك حتى قَلَّدُوك طَوقَها ثم بايعه وبايعه الناس. وقال أبو مَعْشَر: قال الوليد على المنبر: أيها الناس، إنها مصيبة ما أعظَمَهما، ونعمة ما أَجَلَّها، فإنا لله وإنا إليه راجعون على الرَّزِيَّة، والحمد لله على العَطيّة، فقام رجل من ثقيف -والناس لا يدرون كيف يُعزُّونه ويُهَنِّئونه- فقال: يا أمير المؤمنين، أصبحتَ قد رُزئتَ خيرَ الآباء، وتسمَّيتَ بخير الأسماء، وأُعطيت خير الأشياء، فبوَّأَك الله الصَّبر، وأعظم لك الأجر، وأوزعك حُسنَ الثَّواب على المصاب، فأَعجب الوليد فقال: كم عطاءك؟ فقال: مئة، بالنصب، وكان الوليد لُحَنَة، فقيل للرجل: لمَ لَحَنْتَ؟ فقال: لأن الوليد لحن فوافقتُه، ثم نزل الوليد من المنبر فعزّاه الناس بأبيه، ثم هنَّؤوه بالخلافة، ووصل الرجلَ وزاد في عطائه (٢). ذكر قصة عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسين، حدثنا رستم بن أسامة، محن عبد السلام (٣) بن حرب قال: لما تَصدَّع الناس عن قبر عبد الملك وقف عليه

стр. 4379

عبد الرحمن ابن يزيد -وكان خِلًّا لعبد الملك لا يروم الخلافة، وكان مشغولًا بالعبادة (١) - فقال: يا عبد الملك، أنت الذي كنت تعدُني فأرجوك، وتُوعدني فأخافك، أصبحتَ والله وليس معك من مُلكك سوى ثوبين وأربعة أذرُع في عرض ذراعين. ثم انكفأ إلى مسجده، وتعبَّد حتى صار كالشَّنِّ البالي، فعاتبه مَسْلَمة بن عبد الملك على انقطاعه عن الدنيا، فقال: يا مَسْلَمة، أسألك عن شيء أتصدُقني؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن حالك التي أنت عليها أترضاها للموت؟ قال: لا، قال: فهل عزمتَ على الانتقال منها إلى غيرها؟ قال: أنا في ذلك، قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على الحال التي أنت عليها؟! قال: لا، قال: فبعد الدارِ التي تعمل (٢) فيها دار أخرى (٢)، قال: نعم، قال: فهذه حالة ما أقام عليها عاقل، ثم عاد إلى مُصلَّاه. ذكر أولاد عبد الملك: [قال ابن سعد:] فولد عبد الملك: الوليد وسليمان وليا الخلافة، ومروان الأكبر، درج، وداود، درج، وعائشة، أمّهم أمّ الوليد ولَّادة بنت العباس (٣) بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جَذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث، من بني بَغيض. ويزيد ولي الخلافة، ومروان، ومعاوية، درج، أمُّهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية. وهشام ولي الخلافة، وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن [هشام بن] الوليد بن المغيرة المخزومي. وأبا بكر، وهو بكّار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التَّيمي. والحكم، درج، وأمُّه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفّان، وأمها أم الحكم بنت ذؤيب بن حَلْحَلَة، من بني سلول. وعبد الله، ومَسْلَمة، وعَنْبَسَة، ومحمدًا، وسعيدَ الخير، والحجّاج، لأمهات أولاد شتّى.

стр. 4380

وفاطمة، تزوجها عمر بن عبد العزيز، وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة (١). وقبيصة، ومروان الأصغر، وعائشة تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية. وأم كلثوم: قال هشام: أمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية. وأما الوليد وسليمان ويزيد وهشام فولُوا الخلافة، وهشام آخِرُ من وليها منهم، وقال المدائني: وأم هشام: بنت هشام بن إسماعيل المخزومية، واسمها عائشة، رأى عبد الملك في منامه كأنها لَطَعَتْ من رأسه عشرين لَطْعَة، فأرسل إلى ابن المسيب فسأله فقال: تلد منه ولدًا يملك عشرين سنة، فولدت هشامًا فولي عشرين سنة (٢). وقال هشام بن محمد: رأى عبد الملك في منامه كأنه بال في المحراب أربع مرات، فساءه ذلك، فأرسل إلى ابن المسيب أو إلى ابن سيرين مع عمر بن حبيب بن قُلَيع الجعفي المدني، فقصّه عليه فقال ابن المسيب: يخرج من صُلبه أربعة يملكون الناس (٣). ولا يعرف أربعة أخوة ولُوا الخلافة غيرهم. وأما أبو بكر وهو بكار بن عبد الملك؛ فأمه عائشة بنت موسى بن طلحة، وهي التي قال لها عبد الملك: لولا أن أبي أخبرني أنه قتل طلحة ما تركتُ على ظهرها طلحيًّا إلا قتلتُه، وكان مروان ينسب ما جرى على عثمان ﵁ إلى طلحة، وطلقها عبد الملك فتزوَّجها علي بن عبد الله بن عباس، وقد ذكرناها. وكان بكار أحمق؛ طار له بازيّ بدمشق فقال: أغلقوا أبواب البلد، قتله عبد الله بن علي، وله عقب، وحج ماشيًا من المدينة إلى مكة على اللَّبون. وفاطمة بنت عبد الملك؛ زوجها أبوها بعمر بن عبد العزيز، وأعطاها الدرّة اليتيمة وقرطي مارية.

стр. 4381

وحجَّ مروان مع الوليد بن عبد الملك والوليد يومئذ خليفة، فلما كان بوادي القُرى جرى بينه وبين أخيه مروان محاورة، وأغلظ له، فقال له الوليد: يا ماصّ … فأراد مروان أن يُمصَّه (١)، فأمسك عمر بن عبد العزيز على فيه، فقال مروان: قتلتَني يا عمر، ردَدْتَ غيظي في جوفي، فما برحوا من وادي القوى حتى دفنوه، فحزن عليه سليمان، وندم عمر (١). وروي أن مسلمة بن عبد الملك بعث أخاه مروان إلى يزيد بن عبد الملك يبشره بقتل يزيد بن المهلب (٢). ومروان الذي بعثه مسلمة هو مروان الأكبر، أما الأصغر فقد مات في أيام الوليد أو سليمان كما ذكرنا. وأما الحكم بن عبد الملك فكان جوادأ وفيه يقول رؤبة بن العجَّاج: [من الرجز] يا حَكَمُ الوارثُ عن عبد الملك … ميراثَ أحسابٍ وجُوب مُنْسَلِكْ إليك أشكو عَضَّ دَهْرٍ مُنْتَهِكْ … بالمنكِبَينِ والجِرانِ مُبْتَرِكْ (٣) وأما عبد الله بن عبد الملك فكان شجاعًا جَوادًا، أجملَ قُرشيٍّ في زمانه، وكان ناسكًا يختم القرآن في كلِّ جمعة. وذكره ابنُ سُمَيع في الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشام. وقال الزبير بن بكار: وأمه أم ولد، وكان يوصف بحسن الوجه وحسن المذهب (٤). وحجَّ فأوصاه أبوه وقال: إنه سيأتيك الحَزِين الشاعر بالمدينة، فإياك أن تمنعه، فلما قدم جاءه الحزين، فلما رأى حُسنه وجماله وبيده قضيب خَيزران بُهت إليه، فقال له: ما لك؟ فقال: أبهرني حُسنك وجمالك، وقد قلتُ ما حضرني، فقال: قل، فقال: [من البسيط]

стр. 4382

في كَفِّه خَيزرانٌ ريحُها عَبِقٌ … من كفِّ أزهرَ في عِرنينِه شَمَمُ يُغْضي حَياءً ويُغضَى من مَهابته … فما يُكَتَم إلا حين يَبْتَسِمُ فأجازه فقال: أخْدِمْني خادمًا -وعلى رأس عبد الله غُلامان- فقال: اختر أحدهما، فأخذ واحدًا فقال: خذ الآخر، فأخذه (١). وهذا البيت الأخير للفرزدق من أبيات قالها في زين العابدين، وسنذكره في ترجمته. وقيل: إن الأبيات للحَزين الشاعر في عبد العزيز بن مروان، منها هذه الأبيات (٢): قالوا دمشقُ يُنَبِّيك الخبيرُ بها … ثمَّ ائْتِ مصرَ فثَمَّ النائلُ العَممُ لما وقفتُ عليه في الجُموعِ ضُحًى … وقد تعرَّضَتِ الحُجَّابُ والخَدَمُ حَيَّيتُه بسَلامٍ وهو مرتَفِقٌ … وضَجَّةُ القومِ عند الباب تَزْدَحِمُ في كفّه خَيزرانٌ … البيتين. [وعبد الله هذا هو الذي بعثه أبوه مع مروان بن محمد إلى العراق في نوبة الحجاج وابن الأشعث، وقد ذكرناه. وولّاه أبوه مصو في سنة خمس -أو أربع- وثمانين، وكان أبوه قد ولاه حمص، وذكره خليفة في عمال عبد الملك على حمص. وقال خليفة: وفي سنة اثنتين وثمانين فتح عبد الله حصنَ سنان بالروم من ناحية المَصِّيصَة. قال: وفي سنة ثلاث وثمانين غزا عبد الله الروم، فلقي الرّوم بسورية فهزمهم. وفي سنة أربع وثمانين غزا عبد الله الروم فبلغ طُرَنْدَة. وفيها بنى عبد الملك المَصِّيصَة.] (٣) وقال الليث بن سعد: عبد الله هو الذي بنى المَصِّيصَة في سنة خمس وثمانين (٤).

стр. 4383

وقال ابن عساكر: كان له بدمشق دار عند باب الجامع بمحلَّة القباب. وكانت وفاته بمصر، [قتل في هذه السنة. وحكى ابن عساكر قال: مات عبد الله بن عبد الملك] وترك سبعين مُدْيًا من ذهب، ومات بُسر بن سعيد ولم يُخَلِّف كَفنًا، وبلغ عمر بن عبد العزيز فقال: لأن أعيش بعيش بُسر وأكون معه في درجته أحبّ إلي من أن أعيش بعيش عبد الله بن عبد الملك، فقيل لعمر: إنهم أهلك! فقال: لا يمنعني ذلك أن أذكر أهل الفضل بفضلهم (١). [وقال الزبير بن بكار:] وإلى عبد الله ينسب المسجد الذي بمصر في باب المعافِر، وكان مسجدًا حسنًا، ولما دخلت المسوَّدة مصر مرَّ به صالح بن علي في موكبه، فأعجبه فقال: مَن بناه؟ قالوا: عبد الله، فقال: أوَبقيَ لهم ذكر؟! لا أبرح من مكاني وفيه شيء قائم، فهدموه، وبقي خرابًا إلى أيام هارون الرشيد، فولّى على قضاء مصر عبد الرحمن بن عبد الله العمري، فبناه ظنّا منه أنه مسجد عبد الله بن عمر بن الخطاب. [واختلفوا في وفاته؛ فحكى الحافظ ابن عساكر بإسناده أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان توفي في سنة مئة. قال: وقال خليفة: قتل عبد الله في سنة اثنتين وثلاثين ومئة. وقال الحافظ: هذا وهم، والصحيح أنه مات قبل عمر بن عبد العزيز (٢). وقال ابن عبد البر (٣): كانت ولايته على مصر ثلاث سنين وعشرة أشهر.] وأما المنذر بن عبد الملك فسماه عبد الملك باسم رجل من أهل الشام كان ناسكًا، شهد المنذر قتال حُبَيش بن دُلْجَة. وأما عَنْبَسَة فمن ولده الفَيضُ بن عنبسة، ولا عقب له. وأما سعيد بن عبد الملك فقتله عبد الله بن علي بنهر أبي فُطْرُس مع من قتل من بني أمية.

стр. 4384

وولده عبد الله بن سعيد كنيته أبو صفوان، وأمُّه أمِّ جميل بنت عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية، ولما قُتل سعيد لحقت بمكة. وكان عبد الله هذا عالمًا زاهدًا فاضلًا، سمع أباه، وابن جُريج، ومُجالد بن لمعيد، ومالك بن أنس وغيرهم. وروى عنه الشافعي، وأحمد، وعلي بن المديني وغيرهم، وهو من رجال صحيح البخاري، وقال علي بن المديني: هو أقعَدُ قرشيٍّ رأيتُه. ووثّقه ابن معين، والدارقطني، وأبو مسلم المُسْتَمليّ وغيرهم (١). وأما الحجاج [فقال أبو اليقظان:] سمّاه أبوه عبد الملك باسم الحجاج بن يوسف، وقال: [من الرجز] سَمَّيته الحجَّاجَ بالحجّاجِ … النَّاصحِ المعاونِ الدُّمَّاجِ نُصْحًا لَعَمري غير ذي مُدَاج فوهب له الحجاج بن يوسف دارًا بدمشق [تعرف بدار الحجاج. وقال ابن عساكر:] وبالحجاج بن عبد الملك سمي قصر حجاج ظاهر باب الجابية. وقيل: إن أم الحجاج بن عبد الملك بنتُ محمد بن يوسف أخي الحجاج (٢). وأما قَبيصة فسماه أبوه عبد الملك باسم قَبيصة بن ذُؤيب الخُزاعي، وولد لقَبيصة بن عبد الملك الوليد بن قبيصة، ولا عقِب له (٣). ذكر نساء عبد الملك بن مروان: قد ذكرنا المشهورات منهن، وقال المدائني: كان له سوى مَن ذكرنا: شَقراء ابنة سَلَمة بن حَلْبَس الطَّائيّ، وابنة لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر (٤).

стр. 4385

قال المصنف ﵀: ولا يصحّ أنه تزوّج ابنةً لعلي بن أبي طالب، ولا لابن جعفر. وقال الهيثم: خطب عبد الملك بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقالت: والله لا تزوَّجتُ أبا الذبَّان أبدًا، وخطبها عمه يحيى بن الحكم فتزوّجته، فغضب عبد الملك وقال: لقد تزوّجَتْك أسود أَفْوه -يعني كبير الفم- فقال له يحيى: لقد أحبَّت مني ما كرهتْه منك (١). وكان قَبيصة بن ذُؤيب على خاتم عبد الملك وبيت المال، وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني إلى أن مات في سنة ثمانين، وكاتبه رَوْح بن زِنْباع حتى مات سنة ثلاث وثمانين، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحبُ شُرطته أبو الزُّعَيزِعة. أسند عبد الملك الحديث عن عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ومعاوية ﵁ وغيرهم، وروى عنه عروة بن الزبير، ورجاء بن حَيوة وغيرهما. [فصل: وقال جدي في "التلقيح" (٢): عبد الملك بن مروان ستة: أحدهم عبد الملك بن مروان صاحب هذه الترجمة. والثاني: عبد الملك بن مروان بن الحارث المديني. والثالث: عبد الملك بن مروان أبو يزيد الكوفي. والرابع: عبد الملك بن مروان بن قيراط الحذّاء. والخامس: عبد الملك بن مروان البصري مؤذن مسجد أبي عاصم. والسادس: عبد الملك بن مروان أبو بشر الرقي. هذا صورة ما ذكره جدّي. قلت (٣):] وفي الأعيان جماعة اسم كل واحد منهم عبد الملك بن مروان، منهم:

стр. 4386

عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، بن مع أبيه في الجيش الذي طلب بدم الوليد بن يزيد. ومنهم: عبد الملك بن مروان بن محمد [بن مروان] بن الحكم، كان مع أبيه مروان لما غزا الخَزَر، وكان صاحبَ ميمنته، ومات بالرقَّة في أيام أبيه مروان، وله عقب. ومنهم: عمد الملك بن مروان بن موسى بن نُصَير اللَّخْميّ مولاهم، وفد على مروان بن محمد بن مروان فولّاه مصر، وهم آخر مَن وليها لبني أمية، وكان من أعدل ولاتهم، وقد أثنى عليه الليث بن سعد بالعَدْل، وكان جوادًا، ولما دخلت المُسَوِّدة مصر -وكان واليًا عليها- أكرمه صالح بن علي لما بلغه من عدله وعفافه وحسن سيرته، ولما خرج صالح بن علي إلى العراق أخرجه معه، وأثنى عليه عند أبي جعفر، فولّاه فارس (١). [انتهت سيرة عبد الملك بن مروان. فصل: وفيها توفي] المِقداد بن مَعدِي كرِب ابن عمرو بن يزيد بن سيّار (٢) بن عبد الله ابن وَهْب بن الحارث بن معاوية بن ثَور بن مُرَتع الكندي. [ذكره ابن سعد في موضعين:] في الطبقة الرابعة من الصحابة الوافدين على رسول الله ﷺ ، وفيمن نزل الشام من الصحابة (٣). وكان يسكن حمص، وكنيته أبو يحيى]. وحضر مع رسول الله ﷺ عدة غزوات. واختلفوا في وفاته؛ فقال هشام: في سنة ست وثمانين، وقال ابن سعد: سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة (٤).

стр. 4387

أسند المقدام الحديث عن رسول الله ﷺ . [أخرج له الإمام أحمد ستة عشر حديثًا، وأخرج له البخاري حديثين عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن مَعْدِي كَرِب عن النبي ﷺ .] فمن مسانيده قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عَمل يده، وإن نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده". انفرد بإخراجه البخاري ﵀ (١). [وليس في الصحابة مَن اسمه المقدام غيره.] السنة السابعة والثمانون من الهجرة [قال الواقدي:] وفيها عزل الوليد هشام بن إسماعيل المخزومي عن المدينة، وولّى عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، فقدمها في شهر ربيع الأول في ثلاثين راكبًا، فنزل دارَ جدَّه مروان. وكانت ولايةُ هشام عليها أربع سنين إلا أيامًا، وكان عزلُه ليلةَ الأحد لسبعِ ليالٍ خلون من ربيع الأول عند قدوم عمر المدينة. وكان الوليد سيِّئ الرأي في هشام، فكتب إلى عمر أن أَوقفْه للناس، وكان قد ضرب سعيد بن المُسيّب، وآذى عليَّ بن الحسين أذى شديدًا، فلما أمر الوليد بذلك قال هشام: ما أخاف إلا من علي بن الحسين وسعيد بن المسيب، فأما علي فتقدَّم إلى خاصته وأهله وقال: لا تتعرّضوا بكلمة، وفعل سعيد بن المسيب مثل ذلك وقال: تركتُ ما فعل بي لله وللرحم، ومرَّ علي بن الحسين على هشام وهو واقف فلم يكلِّمه، فناداه هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. [قال الواقدي:] وأما عمر بن عبد العزيز ﵁ فإنه لما قدم المدينة صلى الظهر، ثم دعا عشرة من فقهاء المدينة: سالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وعبيد الله ابن عبد الله بن عُتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يَسار، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وعبد الله بن عبد الله بن عمرو، فلما دخلوا عليه حَمِد الله وأثنى عليه وقال: إني إنما دعوتكم لأمرٍ تُؤجرون

стр. 4388

عليه، وتكونون فيه أعوانًا للحق، ما أريد أن أقطع أمرًا دونكم، ولا أفعل شيئًا إلا برأيكم، وإن رأيتُم أحدًا يتعدَّى، أو بلغكم عن عامل ظُلامة، فأُحرِّج على مَن بلغه ذلك إلا يُبَلِّغني، فدَعَوا له وشكروه، وجَزَوْه خيرًا، وعلموا أنه قد فُتح عليهم بابُ خير. فأقام واليًا على المدينة سبع سنين وخمسة، أشهر، يُحضرهم ويستضيء برأيهم فيما يفعل. وفيها صالح قتيبة بن مسلم نَيزَك التُّركي، واستنقذ منه ألوفًا من الأسرى، وكتب إلى نيزك أن يَقدم عليه، وإنما أراد إذلاله، وتوعَّده في كتابه وتهدَّده إن لم يَقدم، فقدم عليه فأكرمه وأحسن إليه. ثم غزا قتيبة بِيكَنْد -وهي أدنى مدائن بُخارى إلى النهر، ويقال لها: مدينة التُّجَّار، وهي على رأس المفازة من بخارى- فلما نزل بِعَقْوَتِهم (١) استنصروا بالصُّغْد، واستنجدوا مَن حولهم، فأتوهم في جمع كبير، وأخذوا على قتيبة الطُّرُق والمضايق، فلم يصل إليه رسول، ولا قدر على إنفاذ رسول مدَّة شهرين، وأبطأ خبرُه على الحجّاج، فأشفق عليه وعلى مَن معه، فأمر الناسَ بالدعاء له، وكتب بذلك إلى الأمصار، وأقام قتيبة يقاتلهم كل يوم. وكان لقتيبة عين فيهم يقال له: تندر؛ أعجمي، فدفع إليه أهل بُخارى مالًا على أن يدفع عنهم قتيبة، فأتاه فقال: أخْلِني، فأخلى المجلس فقال: قد عزل الحجاج عن العراق، وهذا عامل جديد يقدم عليك، فارجع بالناس إلى مرو، وكان عند قُتيبة ضرار بن حُصَين الضَّبِّي، فقال قتيبة لغلامه: اقتل تندر، فضرب عنقه وقال لضرار: والله لئن علم أحدٌ بهذا الحديث قبل أن تنقضي حربُنا لألحقنَّك به؛ فإن انتشار مثل هذا الحديث يَفُتُّ في أعضاد المسلمين. ثم أصبح الناس على راياتهم، وأنكروا قتل تندر وقالوا: كان ناصحًا للمسلمين، فقال قتيبة: بل كان غاشًّا فأحانه الله بذنْبه، ثم تقدَّم فقاتل، وأنزل الله النصر على المسلمين فهزموهم، ومنح الله قتيبة أكتافهم أَسْرًا وقتلًا، ووصلوا خلفهم إلى بِيكَنْد فتحصَّنوا بها، وأمر الفَعَلَة فشرعوا في تعليقها (٢) ليَهدمَها، فسألوه الصُّلح على مال فصالحهم، واستعمل عليهم عاملًا.

стр. 4389

فلما سار عنهم قتيبة مقدار خمسة فَراسخ قتلوا العامل ومَن معه، وبلغ قتيبة فعاد إليهم فعَلّق المدينة (١)، فسألوه الصلح فلم يفعل، وهدم سورها، ودخلها عَنوة فقتل مقاتليها، وكان فيها رجل أعور، وهو استَجاشَ الترك، فأخذه قتيبة فقال: أنا أفدي نفسي بخمسة آلاف حَريرة قيمتها ألف ألف درهم، فاستشار قتيبة أصحابه فيه فقالوا: نرى أن فداءه زيادةٌ في غنائم المسلمين، وما عسى أن يَبلغ من كيد هذا؟! فقال قتيبة: والله لا تركته يُرَوِّع مسلمةً أبدًا، ثم ضرب عنقه. وأصاب قتيبة ببِيكَنْد من الذهب والفضة والجواهر والغنائم ما لم يُصبْه في بلد آخر، وكان فيها صنم فأذابوه، فخرج فيه خمسون ومئة ألف مثقال من الذهب، ورجع قتيبة إلى مرو وقد قسم الغنائم، وأعطى المقاتلة السلاح الذي كان في المدينة، وكتب إلى الحجاج بالفتح. وفي ذلك اليوم يقول الكميت (٢): [من البسيط] ويومَ بِيكَنْدَ لا تُحصى عجائبُه … وما بُخاراء مما أخطأ العَددُ وأقام قتيبة بمرو إلى زمن الربيع، ثم سار في عدّة حسنة إلى بخارى، فعبر النهر من ناحية آمُل من عند زَمّ، فوصل إلى نومُشَكَث من أعمال بُخارى، فأرسلوا إليه فصالحوه على ما أراد. واختلفوا فيمَن غزا الروم في هذه السنة على قولين: أحدهما: مَسلمة بن عبد الملك، ففتح حصونًا كثيرة. والثاني: هشام (٣) بن عبد الملك، ففتح حصن بولَق، والأَخْرَم، وبولس وغير ذلك، وكانت المستَعْرِبة في طريقه، فقتل منهم ألف مقاتل، وسبى نساءهم وذراريهم. [فصل]: وفيها شرع الوليد في عمارة جامع دمشق.

стр. 4390

[حكى ابن عساكر عن] خالد بن يزيد بن أبي مالك (١): أن معاوية أراد أن يبني جامع دمشق، فقال له كعب الأحبار: ذاك أخنس قريش وما اجتمع أبواه بعد، وكان معاوية يومئذٍ أميرًا على دمشق. وقال المغيرة مولى الوليد: دخلت عليه يومًا فرأيته مَغمومًا، فقلت: ما الذي بك يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا مغيرة، إنه قد كثر المسلمون، وضاق بهم المسجد، وقد بعثتُ إلى النصارى أصحاب هذه الكنيسة فأقطعتهم القطائع، وبذلت لهم الأموال لأُدخلها في المسجد فأبوا، فقلت له: لا تهتم، فإذا عندي ما يُزيل همَّك، قال: وما هو؟ قلت: قد دخل خالد بن الوليد من الباب الشرقي، بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان، فنماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف؟ فإن يكن لنا حقٌّ أخذناه، وإلا داريناهم حتى نأخذ باقي الكنيسة، فندخلَه في المسجد، فقال الوليد: فرَّجْتَ عني فرَّج الله عنك، فتول أنت ذلك بنفسك. فتولّاه المغيرة، ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية، فبلغت المساحة إلى سوق الرَّيحان حتى حاذت من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسر بالقاسميّ، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال: هذا حق جعله الله لنا، ولم نأخذه ظلمًا، فقالوا: قد أقطعتَنا القطائع، وأعطيَتنا الأموال فأبينا، فصالحهم على كنيسة مريم، وكنيسة حُميد بن درّة، وكنيسة المصلّبة، وكنيسة أخرى عند سوق الخبن. [وفي رواية:] ولما قام عمر بن عبد العزيز جاء النصارى إليه، وشَكَوا فعل الوليد، فقال عمر: ما كان خارجًا من دمشق فتح عنوة، فنحن نردُّ عليكم كنيستكم، ونهدم كنيسة باب توما لأنها خارج البلد، ونبنيها مسجدًا [قلما قال لهم ذلك] قالوا: بل ندع لكم ما هدمه الوليد، وتدعوا لنا كنيستنا بباب توما، فأجابهم عمر ﵁. [رجع الحديث إلى الأول:] ثم أصبح الوليد غاديًا وعليه قَباءٌ من خزٍّ، وقد شدَّ وَسَطه بمِنطَقة، وبيده فأس، وكان في أعلى الكنيسة تمثال يقال له: الشّاهد، فقال له

стр. 4391

بعض الرهبان: احذر الشّاهد، فقال: أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد، ثم كبّر الوليد، ثم ضربه فهدمه. [وفي رواية:] ولما أراد أن يهدم الكنيسة قال له كبير النَّصارى: مَن يهدا هذه الكنيسة يُجَنّ، فقال الوليد: أنا أولى مَن جُنَّ في الله، ثم أرسل إلى اليهود فجاؤوا بتوراتهم وأحبارهم فهدموها (١). وحكى ابن عساكر، عن أبي الحُسين الرّازي قال (٢): قرأت في كتاب "أخبار الأوائل" أن الدار المعروفة بالمطبق وا أورار المعروفة بدار الخيل مع موضع المسجد الجامع؛ أقاموا وقت بنائها يأخذون الطَّالع ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الحيطان، حتى وافاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن لا يخرب أبدًا، ولا يخلو موضع المسجد من العبادة أبدًا. قال المصنف ﵀ (٣): وقد ذهب المطبق ودار الخيل فلا عين ولا أَثَر، ولم ينفع الطَّالع مع جَريان القَدَر. ولما هدم (٤) الوليد الكنيسة شقَّ ذلك على ملك الروم، وجمع القِسِّيسين والرهبان وأكابر دين النصرانية وقال لهم: ما ترون؟ فقالوا: اكتب إليه، لقد هدمتَ الكنيسة التي رأى أبوك بقاءها، ولم يجدد ما قد شرعتَ فيه، فإن كان أبوك على الحق فقد خالفتَه، وإن كان على الباطل فقد أخطأ، فجمع العلماء وقال: ما ترون في جوابه؟ فلم يحضرهم جواب، فدخل الفرزدق الشاعر فقال له: يا أمير المؤمنين، اكتب إليه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فحشا الوليد فاه بالجوهر، وكتب بها إلى ملك الروم. وسنذكر تمام عمارة جامع دمشق في سنة ست وتسعين.

стр. 4392

[فصل] وحج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة، وكان على قضاء المدينة من قِبله: أبو بكر بن عَمرو بن حزم، وعلى العراق والمشرق كله الحجاج، وخليفته على البصرة الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ، وعلى قضائها عبد الرحمن (١) بن أُذينة، وخليفته على الحرب بالكوفة زياد ابن جرير بن عبد الله البَجَليّ، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى، وعلى خراسان قُتيبة بن مُسلم. [فصل] وفيها توفي أمية بن عبد الله ابن خالد بن أَسيد بن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّه أمُّ حُجَير بنت شَيبة بن عثمان بن أبي طَلحة بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ. [ذكره ابن سعد] من الطبقة الثالثة من أهل مكة. [قال:] وكان قليلَ الحديث (٢). هذا صورة ما ذكره ابن سعد. وأمية هو الذي ولاه عبد الملك خراسان. وقال المدائي: مات أمية بن عبد الله في سنة سبع وثمانين (٣)، وكان عظيمَ الكِبر، شديدَ التِّيه، موض صاحب له فلم يَعُدْه، وقال: لو عُدنا أحدًا لعُدناك. وقال سعيد بن عبد العزيز: دعا عبد الملك يومًا بغدائه وقال. ادع خالد بن يزيد، قالوا: مات، قال: ادع أمية بن عبد الله، قالوا: مات، قال: ادع رَوح بن زِنْباع، قالوا: مات فال: ارفع ارفع. قال المصنف ﵀: هذه الرواية وهم؛ لأن خالد بن يزيد مات في سنة تسعين، وأمية في سنة سبع وثمانين. كان أمية جوادًا مُمدَّحًا، مدحه نَهار بن تَوْسعَة فقال: [من الطويل] أميةُ يُعطيك اللُّها (٤) ما سألته … وإن أنت لم تسأل أميةَ أَضعفا

стр. 4393

ويعطيك ما أعطاك جَذلانَ ضاحكًا … إذا عَبَس الجَزْلُ (١) اليدين وقَفقفا هنيئًا مريئًا جُودَ كَفِّ (٢) ابنِ خالد … إذا المُمْسِكُ الرِّعْدِيدُ أعطى تَكَلُّفا أسند أمية عن ابن عمر، وروى عنه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو إسحاق السَّبيعي، والمهلَّب بن أبي صُفرة. [وقال ابن عساكر:] وهو الذي روى أن النبي ﷺ كان يستفتح العدوَّ بصعاليك المهاجرين (٣). [وفيها توفي] عبد الله بن بُسر ابن صفوان المازنيّ [وكنيته] أبو صفوان. [وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، قال:] كان يصفر رأسه ولحيته، وكان إذا مرّ بحجر في الطريق نحاه، وكان في جبهته أثر السجود. قال: وقال محمد بن عمر: توفي سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يوم مات ابنَ أربع وتسعين سنة (٤). [هذا صورة كلام ابن سعد. وقال ابن البَرْقيّ: كنيته أبو بُسْر (٥)، وأسلم هو وأبوه وأمه. وقال ابن عساكر: قال أبو زُرعة الدِّمَشقيّ: نزل الشام هو وعطيّة.] وقال أبو نُعيم: أهو آخر من مات من الصحابة بالشام،] وصلى إلى القبلتين، ووضع رسول الله ﷺ يده على رأسه، وبارك عليه، ودعا له، ومات بحمص وهو يتوضأ للصلاة (٦).

стр. 4394

وقال الواقدي: سكن حمص، وغزا مع معاوية في البحر. واختلفوا في وفاته؛ فحكينا عن ابن سعد أنه قال: مات سنة سبع وثمانين، وأنه عاش أربعًا وتسعين سنة. وقيل: مات سنة تسع وثمانين، وقيل: سنة سبع وستين، وقيل: في سنة أربع وتسعين أو ست وتسعين. قال أبو نعيم: عاش مئة سنة (١). أسند عن النبي ﷺ أحاديث نحوًا من عشرين. ومن مسانيده [قال الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن بسر] أن النبي ﷺ قال: "بين المَلْحَمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج المسيح في السابعة" (٢). عُمارة بن خُزيمة ابن ثابت بن الفاكِه الأنصاري، أبو محمد، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمه الصَّعْبة بنت عامر بن زَيد الخَطْمي (٣)، وكانت وفاته بالمدينة في هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة. سمع أباه، وعمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وعمرو بن العاص وغيرهم، وكان ثقةً قليلَ الحديث. وكان له من الولد: إسحاق، درج، وأمُّه عُبيدة بنت عبد الله بن ثابت، ومحمد وصفية، وأمهما وديعة بنت عبد الله بن مسعود بن عبد الله الخَطْمي، ومَنيعة وحَمَّادة لأم ولد. فصل: وفيها توفي قَبيصَة بن ذُؤيْب (٤) ابن حَلْحَلَة بن عَمرو الخُزاعي. وهو من الطبقة الأولى من أهل المدينة وفي الطبقة الثانية من أهل الشام من التابعين، ويكنى أبا إسحاق.

стр. 4395

وكان على خاتم عبد الملك بن مروان، وكان ثقة. روى عنه الزهري، وتوفي قَبيصة بالشام سنة ست أو سبع وثمانين في آخر خلافة عبد الملك بن مروان. وأما في طبقة المدينة فنسبه (١) إلى خزاعة. سمع من عثمان، وله دار بالمدينة في التمارين في زقاق النقَّاشِين، وتحول إلى الشام. وكان آثَر الناس عند عبد الملك بن مروان، وكان على خاتمه، وكان يقرأ الكتب إذا وردت على البريد، ثم يدخلها على عبد الملك فيخبره بما فيها. ومات قبيصة بالشام سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان. وكان لأبيه ذُؤيب صُحبة، وكان يسكن قُديدًا، وشهد الفتح مسلمًا، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وله صحبة ورواية (٢). وكان قبيصة ثقة مأمونًا كثير الحديث. هذا صورة ما ذكره ابن سعد، وقال ابن عساكر: قال أبو عبد الله (٣) الحاكم: ولد قبيصة على عهد رسول الله ﷺ عام الفتح، فأتي به رسول الله ﷺ فدعا له، وكان من علماء هذه الأمة. وقال ابن عساكر: كان الزهري يقول: إنه معلّم كتَّاب (٤). قال: وذكره أبو بكر بن عياش في العُور من الأشراف وقال: ذهبت عينه يوم الحرَّة (٥). وقال أبو الزناد: كان قبيصة من فقهاء المدينة.

стр. 4396

وقال ابن عساكر: كانت له دار بدمشق بباب البريد موضع دار الحكم. أسند قبيصة الحديث عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عوف، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وابن عباس وغيرهم، وروى عنه ابنه إسحاق، ومكحول الشامي، ورجاء بن حَيوة، وأبو الشَّعثاء، وأبو قِلابة وغيرهم. وسكن دمشق، وليس له عَقِب (١). [فصل: وفيها توفي] مُطَرِّف بن عبد الله ابن الشِّخِّيْر بن عوف بن كعب بن وَقْدان بن الحَريش، من بني عامر بن صَعْصَعة، أبو عبد الله الحَرشيّ، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة. [وأثنى عليه العلماء؛ منهم ابن سعد فإنه قال:] كان له فضلٌ ووَرَعٌ ورواية وعقلٌ وأدب، وكان بعيدًا من الفتن، قال: كنتُ في فتنة ابن الزبير تسعَ سنين، ما أخبرت فيها بشيء، ولا استخبرت عنها. [وروى ابن سعد عنه أنه] قال: ما أوتي أحدٌ من الناس شيئًا أفضلَ من عقل، وعقول الناس على قَدْر زمانهم. [قال:] وكان يقول: كأن القلوب ليست معنا، وكأن الحديث يُعنى به غيرنا، ولأن أُعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبر. وكان الطاعون إذا وقع تنحَّى. وكان يخضب رأسَه ولحيته بالحِنَّاء والكَتَم، [وفي رواية: وكان يصفّر لحيته (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده إلى] سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف بن عبد الله أَذا دخل بيته سَبَّحت معه آنيةُ بيته (٣).

стр. 4397

وقال ابن سعد. كان مطرف يلبس البَرانِسَ والمطارف، ويركب الخيل، ويغشى السلطان، غير أنك كنت إذا أفضيتَ إليه أفضيتَ إلى قُرَّةِ عين، وتزوَّج امرأة على عشرين ألفًا وزيادة (١). [وروى عنه أبو نعيم أنه] قال: ما مَدحَني أحدٌ إلا تصاغَرت نفسي إليّ (٢). [وروى عنه ابن أبي الدنيا أنه] وقف بعرفة وقال: اللهم لا تَرُدَّ هذا الجمعَ من أجلي. ومات له ابن اسمه عبد الله، فخرج على الناس في ثيابٍ حسنة وقد ادَّهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ويخرج في مثل هذه الثياب؟! فقال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي ﵎ عليها ثلاث خصال؛ كلّ خَصلة أحب إليّ من الدنيا وما فيها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] (٣). وكان يقول: حال ذِكْر النارِ بيني وبين الجنة. [وروى عنه ابن أبي الدنيا أنه كان يقول:] لو علمتُ متى أجَلي لخشيتُ على ذهاب عقلي، ولكن الله مَنَّ على عباده بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنّى أحد بعيش، ولا قامت بينهم الأسواق. وكان يقول: إذا استوت علانية العبد وسريرتُه قال الله تعالى: هذا عبدي حقًّا. [وروى عنه أبو نعيم أنه] كان يقول: اللهم ارضَ عنا، فإن لم ترضَ عنا فاعفُ عنا؛ فإن المولى قد يعفو عن عبده وهو غير راضٍ عنه (٤). وقال: إن أقبح ما طُلبت به الدنيا عمل الآخرة. وكان مجاب الدعوة؛ [وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين بإسناده إلى] حُميد بن هلال قال: كان بين مطرِّف وبين رجل من قومه شيء، فكذب على مُطَرّف، فقال له مطرِّف: إن كنت كاذبًا فعَجَّل الله حَتْفَك. فمات الرجل مكانَه، فاستعدى أهلُه

стр. 4398

زيادًا على مطرف، فقال لهم زياد: هل ضربه، هل مسه بيده؟ قالوا: لا، قال: دعوة رجل صالح وافقت قَدَرًا، فلم يجعل لهم شيئًا (١). وقال أبو نعيم: كان مطرِّف يسير بالليل [فأضاء له سَوْطه، وفي رواية:] فخرج النور من سَوْطِه. [وروى أبو نعيم عنه أنه] قال لبعض إخوانه: إذا كان لك حاجة فلا تخاطبني بها، ولكن اكتبها في رقعة ثم ارفعها إلي؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذُلَّ السّؤال، وقد قال الشاعر: [من الكامل] ما اعتاضَ باذلُ وَجْهه بسُؤاله … عِوَضًا وإن نال الغِنى بسُؤالِ وإذا السؤالُ مع النَّوال وزنْتَه … رجَحَ السُّؤالُ وخفَّ كلُّ نَوالِ فإذا ابتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِك سائلًا … فابذُلْهُ للمُتَكَرِّمِ المِفضالِ (٢) [وحكى عنه ابن أبي الدنيا أنه] قال: إن هذا الموت قد نَغَّص على أهل النعيم نعيمَهم، فاطلبوا نعيمًا لا موتَ فيه (٣). ذكر وفاته: واختلفوا فيها، فقال ابن سعد: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أبو المَليح، حدثني رجل من أهل البصرة، عن ثابت البناني ورجل آخر قد سماه، أنهما دخلا على مطرِّف وهو مُغمًى عليه (٤)، فسطعت منه ثلاثة أنوار: نور من رأسه، ونور من وسطه، ونور من رجليه، فهالهم ذلك فقالوا: كيف تجدك؟ قال: صالحًا، قالوا: لقد رأينا شيئًا هَالنا، قال: وما هو؟ قالوا: أنوار سطعت منك، قال: وقد رأيتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: تلك ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وهي تسع وعشرون آية، سطع أولها من رأسي، وأوسطها من وسطي، وآخرها من قدمي، وقد صَعدت لتشفع لي، وهذه تبارك تحرسني.

стр. 4399

[وقال ابن سعد: قالوا:] ومات في ولاية الحجاج على العراق بعد الطاعون الجارف، وكان الطاعون في سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد (١). وكان أكبر من الحسن البصري بعشرين سنة، وكان قد احتفر لنفسه قبرًا، فكان كل يوم ينزل فيصلي فيه، ويقرأ القرآن، وأوصى أن لا يُؤْذَنَ بجنازته أحد (٢). أسند عن عثمان، وعلي، وأُبيّ بن كعب، وأبي ذرّ، وأبيه عبد الله بن الشخّير وغيرهم. وقال: أتيتُ الشام فدخلت المسجد، فإذا برجل يصلي يركع ويسجد ولا يَفْصِل، فقلت: لو قعدتُ حتى أُرشد هذا الشيخ، فلما سلَّم قلتُ له: يا عبد الله، أعلى شَفْعٍ انصرفتَ أم على وتر؟ قال: قد كُفيتَ؟ قلت: ومَن يكفيك؟ قال: الكرام الكاتبون، إني لأرجو ألا أكون ركعتُ ركعة، ولا سجدتُ سجدة؟ إلا كتب الله بها لي حسنة، وحطَّ عني سيئة أو خطيئة، فقلت: ومَن أنت؟ قال: أبو ذَرّ، فقلت: ثَكِلَتْ مُطَرِّفًا أُمُّه، يُعَلّم أبا ذر صاحبَ رسول الله ﷺ السُّنَّة (٣).! وكان لمطرِّف إخوة، منهم: يزيد أبو العلاء، وهانئ، وكانا صالحين تقيين. مات يزيد في سنة إحدى عشرة ومئة. [وفيها توفي] نَوْفَل بن مُساحِق ابن عبد الله بن مَخْرَمَة القُرشيّ، [من بني عامر، وكنيته أبو مُساحِق، وذكره ابن سعد] من الطبقة الثانية من أهل المدينة، وولي القضاء بالمدينة (٤). [وقال ابن عساكر:] كانت له دار بدمشق عند دار ابن أبي العقب [بسوق البزوريين،] وكان فاضلًا ورعًا.

стр. 4400

[وحكى الزبير بن بكار قال: كانت له منزلة من الوليد بن عبد الملك بن مروان،، وكان يلي الصّدقات فلا يدفع إلى الأمراء شيئًا، بل يصرفها إلى أربابها. [وقال الزبير بن بكار:] كان الوليد مُغرًى بحبّ الحَمام يلعب بها، فاتفق أن نوفلًا جاء يومًا إلى الوليد في أمر، والوليد عند الحمام، فأذن له فدخل، فلما رأى الحمام وَجَم، فقال له: يا نوفل، قد خصصتُك بدخولك علي وأنا على هذه الحالة لمنزلتك عندي، فقال: والله ما خَصَصْتَني ولكن خَسَسْتَني؟ لأن هذه عورة، وليس لمثلي أن يدخل عليك في مثل هذه الحالة، فغضب الوليد وسيَّره إلى المدينة (١). أسند نوفل عن سعيد بن زيد [بن عمرو]﵁ وغيره، وكان صالحًا ثقة، وقيل: تأخر موته عن ذلك. فصل: وفيها توفي أبو الأبيض العَبسِي (٢) وقيل: اسمه عيسى، والأصح أنه مشهور بكنيته، وهو من التابعين (٣)، كان كثير الغَزْو. [وحكى ابن عساكر قال:] غزا مَسْلمة والعباس بن الوليد الطُّوانة، وخرج معهما [أبو الأبيض]، فجاء رجل من الليل فقال: يا أبا الأبيض، رأيتُك في المنام وفي يدك قناة يضيء سِنانها مثل الكوكب، فقال: هي والله الشهادة، فلما أصبح لقي العدو، فانهزم المسلمون، فقاتل حتى قُتل. [قال ابن عساكر:] حدّث عن أنس وحُذيفة واختصّ به فروى عنه الكثير، وروى عن أبي الأبيض إبراهيم بن أبي عَبْلة، وربعي بن حِراش، وكان ثقةً.

стр. 4401

السنة الثامنة والثمانون [قال الواقدي:] وفيها ورد كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز في شهر ربيع الأول بهدم مسجد رسول الله ﷺ وبيوت أزواجه وإدخالها في المسجد. قال الواقدي: فحدثني محمد بن جعفر بن وَرْدان بما في الكتاب، وفيه (١): أن يشتري ما حول المسجد ونواحيه، حتى يكون مئتي ذراع في مثلها، ويأمره بتقديم القبلة، وأن يُقوّم الأماكن التي حول المسجد ويدفع الأثمان إلى أربابها؟ فقد سلف لنا في ذلك سلف صدق: عمر وعثمان. وبعث الوليد بالفَعَلة من الشام، فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس، وكان فيهم سالم، والقاسم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجه بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر وغيرهم، وأوقفهم على كتاب الوليد [وشرعوا في هَدْمه. وأما هشام فروى عن أبيه قال: لما قرأ عليهم عمر كتاب الوليد] شقَّ عليهم، وهمّوا بالشَّغَب، فكتب عمر إلى الوليد يخبره ويقول: قد شق ذلك على المسلمين، وهذه حُجَر قصيرة السُّقوف، وسقوفها من جَريد النَّخْل، وحيطانها من اللَّبِن، وعلى أبوابها المُسوح، وتَرْكُها على حالها أولى؛ لينظر الحجاج والزوَّار والمسافرون إلى حُجَر أزواج رسول الله ﷺ ، وعيش رسول الله ﷺ ، فينتفعون بذلك، فلم يُجبه الوليد. وكان الوليد قد كتب إلى ملك الروم يُخبره بذلك، فبعث إليه أربعين حِملًا من الفُسيفساء، وبمئة ألف دينار، ومئة صانع، فبعث الوليد بالجميع إلى عمر، وقال: اهدمْه، فلم يجد من هدمها بُدًّا، فلما شرعوا في الهَدْم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم صيحةً واحدة، مثل يوم مات فيه رسول الله ﷺ ، وقال حبيب بن عبد الله بن الزبير: ناشدتك الله أن تهدم آية من كتاب الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية [الحجرات: ٤].

стр. 4402

[وقيل: إن حبيبًا كان بدمشق، فقال للوليد: لا تهدم آيةً من كتاب الله تعالى، فضربه الوليد حتى مات. والأصح أن حبيبًا مات بالمدينة سنة ثلاث وتسعين.] ودعا عمر أصحابَ المنازل التي أدخلها في المسجد، فدفع إليهم أثمانَها، ومن امتنع منهم أودع الثَّمن في بيت المال، فأخذوه بعد ذلك. ثم جاء كتاب الوليد أن يبنيَ في المسجد بِرْكةً بفوّارة، ويساق إليها الماء من ظاهر المدينة ففعلوا. وقيل: إنما عمل عمر البِركَةَ ظاهر المسجد عند دار مروان، فلما حج الوليد رآها فأعجبته، فأقام عليها قُوَّامًا. [قال الواقدي:] وفيها فُتح حصن الطُّوانة -وهو حصن عظيم- على يد مَسْلَمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، وكانت الهزيمة أولًا على المسلمين، فكشف العباس رأسه وصاح: يا أهل القرآن، إليّ إليّ، فأقبلوا إليه فهزموا العدوّ، وكان الفتح. وكان فتحها في جمادى الآخرة، وشَتَوا بها. [فصل]: وفيها وُلد الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. وفيها غزا قُتيبة ما وراء النهر، واستخلف على مَرْو بشار بن مسلم، ووصل إلى أعمال نُومُشكَث، فأرسل إليه أهلها فصالحوه، فانصرف عنهم. وكان على ساقته عبد الرحمن بن مسلم الباهلي، وجاء أهل فَرْغانة والسُّغْد فقاتلوه، فأرسل إلى قتيبة يخبره وبينهما قَدْر مِيل، فعاد قتيبة إليهم وعبد الرحمن يقاتلهم، وكان نيزك يومئذ مع قتيبة، فقاتل قتالًا شديدًا، فانهزم العدو وكانوا في مئتي ألف، عليهم ابن أخت ملك الصين، ويقال له: كوربغانون، وعاد قتيبة سالمًا غانمًا، فقطع النهر من التِّرمِذ، ثم أتى إلى مَرْو. [فصل]: وفيها كتب الوليد إلى البلدان بأن يُجرى على المُجَذَّمِين والعميان أرزاقًا، ولمن يقودهم ويقوم بحوائجهم ومصالحهم.

стр. 4403

واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة على أقوال؛ أحدها: عمر بن عبد العزيز، قاله الواقدي (١). وأحرم من ذي الحُلَيفة، وأحرم معه وجوه الناس، وساق بُدْنًا، فلما كان بالتَّنْعيم لقيه عبد الله بن أبي مُلَيكة، فأخبره أن مكة قليلة الماء والمطر، وأنهم يخافون على الحاجّ العطش، فقال عمر ﵁: فالمَطْلَب ها هنا بَيِّن، فتعالوا نَدْعُ الله، فدعا وأفَنوا، فما وصلوا البيت إلا وقد جاءت سحابة، وسال الوادي سيلًا خافوا منه الغرق، ومُطِرت مِنًى وعَرفة وجميع تلك الأماكن، وأخصبت مكة. والثاني: عمر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو مَعْشر (٢). والثالث: الوليد بن عبد الملك، حكاه المسعودي، والأوَّل أصحّ. وكان العمال في هذه السنة الذين كانوا في السنة الماضية. فصل: وفيها توفي عبد الله بن أبي قتادة ابن رِبْعيّ بن بَلْدَمة الأنصاريّ الخَزْرَجيّ، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه سُلافَة بنت البراء بن مَعْرور [بن صَخر، من بني سَلِمة]، وكانت وفاتُه بالمدينة. أسند عن أبيه، وكان ثقةً قليلَ الحديث، وكُنيته أبو يحيى، وله عَقِب. وأخوه ثابت بن أبي قتادة، [وكنيته] أبو مصعب، من الطبقة الثانية أيضًا، وتوفي في خلافة الوليد بن عبد الملك [أيضًا]. وأخوهما: عبد الرحمن بن أبي قتادة، قُتل يوم الحَرَّة [وقد ذكرناه] (٣).

стр. 4404

السنة التاسعة والثمانون [قال الواقدي":] وفيها افتتح العباس بن الوليد و [بن عبد الملك] سورية وعَمورية وهِرَقلَة وغيرها، ووصل مسلمة إلى أَذْرَبيجان، وبلغ قلعة باب الأبواب، وفتح حصونًا كثيرة. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بُخارى وما وراء النهر، وفتح راميثنة، والتقى بوَردان خُداه ملك بخارى، واقتتلوا على مكان يقال له: خَرْقَان، وقال نهار بن تَوْسِعة: [من الطويل] وباتت لهم (١) منا بخَرْقان ليلة … وليلتُنا كانت بخَرقانَ أَطوَلا ورجع قتيبة إلى مَرو. [وقال الواقدي:] وفيها ولّى الوليد خالد بن عبد الله القَسرِيّ مكة، فلما قدمها خطب فقال: أيها الناس، أيُّما أعظم: خليفةُ الرجل على أهله، أم رسولُه إليهم؟ وإن إبراهيم خليل الرحمن استسقى، فسقاه الله مِلْحًا أُجاجًا، واستسقى الخليفة اللهَ فسقاه عَذْبًا فُراتًا -أشار إلى بئرٍ حفرها الوليد بين ثَنتة طُوى وثَنيَّة الحَجُون، فكان يُنقل ماؤها فيوضع في حَوضٍ من أَدَم إلى جنب زَمْزم، ليُعرف فَضْلُه على زمزم، ثم غارت البئر، وذهب ماؤها فلم يوقف له على خبر. وقيل: لما قال خالد ذلك القول أصبح الناس وقد عُدمت البئر؛ فلا يُدرى أين كانت. وقيل. إنما كانت ولاية خالد مكة سنة إحدى وتسعين (٢). وحج بالناس عمر بن عبد العزيز ﵁ بالاتفاق.

стр. 4405

فصل: وفيها توفي عبد الله بن ثعلبة ابن صُعَير بن عمرو، أبو محمد العُذْري. [ذكره ابن سعد] في الطبقة الخامسة فيمن مات رسول الله ﷺ وهم أحداث (١) الأسنان، [ونسبه إلى قضاعة، قال: وكان أبوه ثعلبة بن صُعَير شاعرًا. قال: وقد رأى عبد الله رسول الله ﷺ . وقال ابن سعد بإسناده إلى الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: أعْقِل مسحة مسحَها رسول الله ﷺ على رأسي. [وقال ابن سعد بإسناده إلى الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أخرجوا زكاة الفطر صاعًا من بُر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تَمر، عن كلِّ صغير وكبير، حر أو عبد". وقد روى عبد الله بن ثعلبة عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. ومات في سنة سبع وثمانين بالمدينة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. [هذا صورة ما قاله ابن سعد (٢)]. وقيل: سنة تسع وثمانين وله ثلاث وتسعون سنة. [واختلفوا فيه؛] فقيل: ولد عام الفتح، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين أو أربع. [وحكى ابن عساكر عن المفضّل بنَ غسّان قال:] هو ابن أخت أبي هريرة وحليفُه، وكان حليفًا لبني زُهرة، فمن هنا قال الزهري: حدثنا ابنُ أختٍ لنا (٣).

стр. 4406

[وقال ابن أبي خيثمة (١):] وسبب مجالسة الزهري لعبد الملك أنه تعلم النسب من عبد الله بن ثعلبة. قال: وقال الزهريّ: تعلَّمنا منه الأنساب وغيرها، وسألتُه عن شيء من الفقه فقال: عليك بهذا الشيخ، يعني: سعيد بن المسيّب. [فصل: وفيها توفي] عِمران بن حِطّان الدوسي الخارجي، كان شاعر الخوارج (٢). [وقال أبو بكر الخرائطي بإسناده إلى أبي الحسن المدائني قال:] دخل عمران يومًا على امرأته جَمْرة وقد تزيَّنت، وكانت جميلة حسناء، وكان عمران قبيحًا دميمًا قصيرًا، فلما نظر إليها ازدادت في عينه حُسنًا، فجعل يديم النَّظرَ إليها، فقالت: ما شأنُك؟ فقال: لقد أصبحتِ والله جميلة، فقالت: أبشر فإني وإياكَ في الجنة (٣)، قال: ومن أين علمتِ؟ قالت: لأنك أُعطيت مثلي فشكرتَ، وابتُليتُ بمثلك فصبرتُ، والصابر والشاكر في الجنة، فقال لها وقد خجل: لا، بل مَثَلي ومَثَلُكِ كما قال الأحوص: [من البسيط] إن الحُسامَ وإن رَثَّتْ مَضارِبُه … إذا ضربت به مكروهة قتلا فإياك العود إلى مثل ما قلت مرةً أُخوى. أسند عمران الحديث عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وروى عنه محمد بن سيرين (٤).

стр. 4407

[فصل: وفيها توفي] يحيى بن يَعمَر أبو سليمان اللّيثيّ البَصريّ، وهو أول من نقط المصاحف. وكان عالمًا بالقرآن والعربية. [وقد ذكرنا أن الحجاج أخرجه إلى خراسان،] وولاه قضاء مرو، فأقام بها، وكان يقضي بالشاهد واليمين. وقال موسى بن يَسار: رأيتُ يحيى قاضيًا بمرو، وربما رأيتُه يقضي في السوق والطريق، وربما جاءه الخصمان وهو راكب على الحمار، فيقف فيقضي بينهما. وكانت وفاته بمرو، وقيل: بالبصرة، والأول أصح. أسند الحديث عن ابن عمر، وابن عباس، وأخذ العربية عن أبي الأسود الدُّؤلي، وروى عنه عبد الله بن بُرَيدة، وإسحاق بن سُوَيد (١). السنة التسعون من الهجرة وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله عن مصر، وولّى عليها قُرَّةَ بن شَريك، فولّى قُرَّةَ أبا عبد الرحمن الخَولاني على قضاء مصر، واسم الخولاني: عبد الله بن عبد الرحمن بن حُجَيرة (٢)، وكان أبوه قاضي مصر، وقيل: إنما ولّاه الوليد. وهو الذي قدم على سليمان وعمر بن عبد العزيز ببيعة أهل مصر، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا. [وحكى ابن عساكر عن] إبراهيم بن نَشيط قال: دخلتُ عليه وهو على قضاء مصر، فقدّم إليّ عدسًا باردًا على طبق من خُوص، وفيه كعك يابس، فقلت: ما هذا؟ فقال: بُلَّ الكعك بالماء، وكُلْه بالعدس، فلم تتركنا إقامة الحقوق نشبع الخبز.

стр. 4408

وصُرف بالقاضي عِياض بن عبد الله الأَزدي من قبل قُرَّة في سنة ثلاث وتسعين، فكانت ولايتُه ثلاث سنين، وأقام عياض أربع سنين، ثم صُرف عنها، فوليها عبد الله بن حُجَيرة (١) ثانيًا في رجب سنة سبع وتسعين من قبل الأمير عبد الملك بن رِفاعة، ثم صرف عنها في سنة ثمان وتسعين. وكان ثقةً من التابعين. وفيها فتح قُتيبة بن مُسلم بُخارى، ولما قطع قتيبة النهر قاصدًا بخارى استنجد عليه وَرْدان خُداه صاحبها السُّغْدَ والتُّركَ ومَن حوله، فأتوه، فسبقهم قتيبة فحصرهم، وجاءت الأمداد، وخرج وَرْدان خُداه، وحملوا جميعأ على المسلمين فحطموهم، ودخلوا الخيام، وقاتلهم النساء، ثم عاد المسلمون عليهم فأخرجوهم وألحقوهم بمواقفهم. ورجع قتيبة إلى مرو بعد أن فض جموع أهل بخارى، وصالح ملك السُّغْد، وعاد نيزك مع قتيبة. وقيل: إنه فتح بُخارى وحصونَها في هذه السنة. ولما رأى نيزك ما فتح قتيبة خاف على بلاده، واستأذنه في العود إلى بلاده فأذن له، فلما سار متوجهًا إلى بلاده قال لأصحابه: إن العربي بمنزلة الكلب، إن ضربتَه نبح، وإن أطعَمتَه بَصْبَص، وقتيبة كذا، يقصد الملوك، فإن أعطوه شيئًا أخذه ورجع عنهم. ثم إن قتيبة ندم على ترك نيزك، فأرسل خلفه رسولًا ففاته، ولما وصل نيزك إلى مأمنه كاتب ملوك ما وراء النهر، واتفقوا على غزو قتيبة في أيام الربيع، ويقال: إن قتيبة سار إلى الطَّالقان، فقاتلهم فنصر عليهم، فنصب منهم (٢) سِماطَين أربعة فراسخ على أسلوب واحد، وقيل: إنما كان ذلك سنة إحدى وتسعين. وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج إلى الشام، وكان قد حبسهم وضيَّق عليهم، وقيل: كان ذلك في سنة أربع وتسعين، وهو الأصح وسنذكره هناك. وحجّ بالناس عمر بن عبد العزيز ﵁، وكان على المدينة.

стр. 4409

وكان على مكة والطائف خالد بن عبد الله القَسْرِيّ (١)، وعلى العراق والمشرق الحجاج، وعلى مصر قُرَّة بن شَريك، وعلى الجزيرة محمد بن مروان. وكان العباس بن الوليد ومَسْلَمة بن عبد الملك قد دخلا بلاد الروم، وقيل: إن مَسلمة كان في ناحية القُسطَنطينيّة، وبلغ [العباس بن] الوليد إلى أَرْزَن الروم (٢). [فصل] وفيها توفي. أبو ظَبْيان حُصَين بن جُنْدب الجَنْبِيّ المَذْحِجِيّ الكوفيّ. [وذكر ابن سعد أبا ظَبيان] في الطبقة الثالثة [من أهل الكوفة] من التابعين (٣). [وقال الواقدي:] غزا الصائفة مع يزيد بن معاوية سنة خمسين حتى بلغ القسطنطينية. [وقال ابن سعد:] توفي سنة تسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين. أسند عن علي، وعثمان، وسلمان، وأسامه بن زيد، وجرير، وابن عباس ﵃. وروى عنه ابنه قابوس، والنَّخَعي، والشَّعبي، والأعمش. وكان ثقة. [فصل: وفيها توفي] خالد بن يزيد ابن معاوية [بن أبي سفيان، وكنيته] أبو يزيد (٤)، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الشام، وأمه أمُّ هاشم بنت [أبي هاشم بن] عُتبة بن ربيعة (٥). وهي ابنة خال معاوية ابن أبي سفيان، ويقال لها: أم خالد.

стр. 4410

[قد ذكرنا من أخباره عند بيعة مروان بن الحكم. ذكر طرف من أخباره: حكى أبو بكر الصولي أنه كان مولعًا بالكيمياء، وكذا قال جدّي في "المنتظم" لأنه قال:] كان من رجالات قريش، والمعدودين من كبرائهم سماحة وفصاحة وعقلًا، وكان قد شغل نفسه بالكيمياء، فضاع زمانُه (١). وقيل. إن له في الكيمياء قصيدة طويلة. وقد أنكر قوم هذا؛ فقال المَرْزُباني: كان خالد أعقل من ذلك، وإنما كان له مال كثير فنسب إلى ذلك، وإلا فهو أجلُّ من أن يُضيع عمره في ما لا محصول له، ويذهب بالمال والدين والعرض، وقد قيل عنه: إنه كان يشتغل بالنجوم. وقال الشعبي: قدم الحجاج على عبد الملك، فمر بخالد وهو يتبختر في مشيته، فقال رجل لخالد: مَن هذا؟ فقال خالد كالمستهزئ به: هذا عمرو بن العاص، وسمعه الحجاج فالتفت إلى خالد وقال: ما أنا عمرو بن العاص، ولكني ابن الغَطاريف من ثَقيف، ضربتُ بسيفي مئةَ ألف؛ كلَّهم يَشهدون أن أباك وجدَّك في النار، ثم لم أجد لذلك عندك شُكرا إلا أن تستهزئ بي! فقال له خالد: أما قولك: إنك ابن الغَطاريف؛ فما أنت إلا عبد من عبيد ثقيف من بقايا ثمود، وينتهي نسبُك إلى أبي رِغال، وأما قولك: إنك ضربتَ بسيفك مئة ألف، فما كان سيفك، وإنما كان سيف عبد الملك، وإلا فاذكر طَعنات غزالة في قَفاك وهي على باب القصر في خمسين فارسًا، وأنت في خمسين ألفًا، ثم لك عندي بشارتان، قال: وما هما؟ قال: إخبار رسول الله ﷺ أنك مُبير، والثانية النار، فوَجَم الحجاج ومضى. وقال هشام (٢): أمهر الحجاجُ ابنةَ عبد الله بن جعفر سبعين ألف دينار، فزوجه إياها، وبلغ خالدًا، فطرق باب عبد الملك ليلًا، فأذن له فقال: يا أبا يزيد، ما هذا الطُّروق؟ قال: أمر لا يُنتَظرُ له الصّباح، قال: وما هو؟ قال: هل علمتَ أن أحدًا كان

стр. 4411

بينه وبين أحد من العداوة مثل ما كان بين آل أبي سفيان وآل الزبير؟ قال: لا، قال: فقد تزوَّجتُ منهم، وما في الدنيا اليوم قبيلة أحبّ إليّ منهم، فكيف تركتَ الحجاج يتزوج إلى بني هاشم، وهو سَهْمٌ من سهامك، وقد علمتَ ما يقال لبني هاشم: إنهم يملكون الناس في آخر الزمان، وقد وليتَ الحجاج على نصف الدنيا، وبيده الأموال، وعنده الرجال؟! فجزاه عبد الملك خيرًا وقال: وصلتك رَحِم، وكتب إلى الحجاج يَعْزِم عليه بطلاق بنت ابن جعفر، فطلّقها. وبلغ الحجاج الخبر فأخذ يذم خالد بن يزيد ويقول: صيَّر الأمر إلى من هو أولى منه، ولم يكن لذلك أهلًا، فقال له عَمرو بن عُتبة بن أبي سفيان: ليس كما قلت، إن خالدًا أدرك مَن كان قبله، وأتعب مَن بعده، ولو رام الأمر لما فاته، ولكنه رأى أن يُسلمه إلى من سَلّمه إليه، فخجل الحجاج وقال: يا عمرو، إنا نَخْبُرُكم بأن نعتب عليكم، ونستنطقكم لننال منكم، وقد علمنا أنكم تحبون الحلم فعرضنا عليكم ما تحبون (١). وقال الزهري (٢): غضب عبد الملك على خالد بن يزيد، وكان يخاف منه لميل الناس إليه، فمنعه العطاء، ومنع آل حرب أيضًا، وضيق على خالد فلم يلتفت خالد وقال: أيتَهدَّدُني عبده الملك بالحرمان ويد الله فوق يده، وعطاؤه مَبذولٌ دون عطائه، ومن سأل غيره فقد بذل نفسه أكثر مما أخَذَ لها. وقال هشام بن الكلبي: أجرى عبد الله بن يزيد بن معاوية -وهو أصغر الأصاغر، ويُلقَّب بالأسوار- خيلَه مع خيل الوليد بن عبد الملك، فسبقه عبد الله، فلقي الوليد خيلَ عبد الله فعَقَرها، فقال عبد الله لأخيه خالد: لقد هممتُ اليوم أن أقتل الوليد، فقال خالد: بئس ما هَمَمْتَ به، أتقتل ابنَ أمير المؤمنين ووليَّ عهد المسلمين؟ فقال: إن خيلي سبقت خيله فعَقَرها، فدخل خالد على عبد الملك فقال له: إن الوليد عَقَر

стр. 4412

خيلَ أخي! فقال عبد الملك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُو﴾ [النمل: ٣٤]، فقال خالد: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، فقال له عبد الملك: أتُناظر عن أخيك وهو لُحَنَة، قد أعياكم تقويمُ لسانه؟! فقال خالد: أعيانا ما أعياك من الوليد -وكان لُحَنَة- فقال عبد الملك: إن يكن الوليد لَحَّانا فإن سليمانَ لفصيح، فقال خالد: إن يك عبد الله لحانًا فإن خالدًا لا يَلْحَن، فقال عبد الملك: حُقَّ لمن قتل عَمرو (١) أن يفخر، يريد نفسه، فقال له خالد: إن الغَدْرَ سُبَّة، ولَمَروان كان أطولَ باعًا، يعني أن أُمَّه قتلتْه (٢)، فقال عبد الملك: إنني لأرى ثأري في مروان صباحًا ومساءً، ولو شئتُ لأزلتُه، يعني أن أم خالد قتلته، فقال له خالد: إذا شئت أن تطفئ ثُورَتك فافعل، فقال عبد الملك: يا خالد ما أجرأك علي! خلني عنك، فقال خالد: لا والله ألم تسمع قول القائل: [من الخفيف] ويجرُّ اللِّسانُ من أَسَلَاتِ الحَرْ … بِ ما لا يَجُرُّ [منها] البَنانُ وكان الوليد بن عبد الملك حاضرًا فقال له: يا خالد، أتتكلّم ولستَ في العِير ولا في النَّفير؟ فقال خالد: يا وليد أنا والله ابنُ العِير والنَّفير، سيد العير جَدَّي أبو سفيان، وسيد النَّفير جدي عُتبة بن ربيعة، ولكن اذكروا غُنَيمات وحُبَيلات بالطائف، وترحّموا على ابن عفان -أشار إلى نَفْي رسول الله ﷺ الحكم جدّ عبد الملك إلى الطائف، يرعى غُنيمات، ويأوي إلى حُبَيلات، وهي الكُرُوم، جمع حَبَلة- فقال عبد الملك: يا وليد، إياك أن تعبث بعدها بأخيك وابن عمك خالد، فإن أباه كان يُكرم أباك، وكان جده يُكرم جدَّك. وقال أبو اليقظان: كان خالد على حمص فبنى جامعَها، وكان له فيه أربع مئة عبد يعملون، فلما فرغوا من العمل وتم البناء أعتقهم. وقال الزبير بن بكار: كان خالد وأخواه عبد الله وعبد الرحمن من صالحي القوم،

стр. 4413

وجاءه رجل فقال: قد قلتُ فيك بيتين، فقال: أنشِدْهما، فقال: على حُكمي؟ قال: نعم، فأنشده: [من الطويل] سأَلتُ النَّدى والجُودَ حُرَّانِ أنتُما … فقالا جميعًا إننا لعَبيدُ فقلت فمَن مولاكما فتطاولا … عليَّ وقالا خالدُ بنُ يزيد (١) فأعطاه مئة أَلْف. [قلت: وقد جرى مثل هذا ليحيى بن خالد بن برمك.] وقال العُتْبيّ: لزم خالد بيته، وترك مجالسة النَّاس، فقيل له في ذلك فقال: وهل بقي إلَّا حاسِدُ نعمةٍ، أو شامتٌ بنكْبَة (٢). وكان فاضلًا شاعرًا فصيحًا، ذكر البَلاذريُّ من شعره (٣): [من مجزوء الكامل] قَصْرُ الجديدِ بِلًى وقَصْرُ الـ … ـعَيشِ في الدنيا انقِطاعُهْ مَن نال في الدنيا متا … عًا ثم دامَ به انتِفاعُهْ أم أيُّ شِعْبٍ ذي التِئا … مٍ لم يُشَتِّتْه انصِداعُهْ والأوَّلُ الماضي الذي … حَقٌّ على الباقي اتِّباعُه قد قال في أمثالِه … يَكفيك من شَرٍّ سَماعُه ذكر وفاته: [واختلفوا فيها؛ ذكر الواقديّ أنَّه] مات في سنة تسعين بدمشق، فمشى الوليد في جنازته، وصلى عليه وقال: لتُلْقِ بنو أمية أرديتَها على خالد، فلن يَحسروها على مثله (٤). [وقال هشام:] مات بالصُّبَيرة (٥) في أيام عبد الملك سنة أربع وثمانين هو وأمية بن عبد الله بن خالد بن أَسيد، والأول أصح.

стр. 4414

ذكر أولاده وأزواجه: كان له من الولد: سعيد، وأُمُّه أَمَة (١) بنت سعيد بن العاص، وأمُّها أمُّ عمرو بنت عثمان بن عفان، وأمها رَمْلَة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقيل: أسمها آمنة بنون (٢)، طلَّقها خالد وقال: [من الكامل] أعطيتُ آمنةَ الطَّلاقَ عَزيمةً (٣) … عندي ولم يَكْبُرْ عليَّ طَلاقُها ولأَضْرِبَنَّ بحَبْلِ أُخرى فوقَها … يومًا إذا لم تَستَقِمْ أخلاقُها فتزوَّجها الوليد بن عبد الملك، وهي أخت عمرو بن سعيد الأشدق، ولما مات عبد الملك لم تَبْكِ عليه، فقال لها الوليد: أشماتةً بأمير المُؤْمنين؟ هلا بكيتِ عليه؟ فقالت: حتَّى يقتل لي أخًا آخر (٤)، فقال الوليد: والله لقد كسرنا ثناياه، فقالت: لقد علمتَ مَن قنعت السيوفُ رأسَه، والرماحُ اسْتَه، -تعني الوليد يوم قُتل عمرو- فقال لها: الحقي بأهلك، فقالت: ألذُّ من الدنيا وأُسَرّ. وكان لخالد من الولد: يزيد بن خالد، لأمّ وَلَد، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، أحد وجوه بني حَرْب، بايع مروان بن مُحَمَّد الجَعْديّ بالخلافة سنة سبع وعشرين ومئة. وقف موسى شَهَوات ليزيد بن خالد في الطريق، فلما مَرَّ به أخذ بعِنان دابَّته وقال: [من الخفيف] قُم فَصَوِّت (٥) إذا أتيتَ دِمَشْقًا … يَا يزيدَ بنَ خالدِ بن يزيدِ يَا يزيدَ بنَ خالدٍ إن تُجِبني … يَلْقَني طائري بسَعْدِ السُّعودِ فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة، وقال: كما شئتَ فنادِنا نُجِبْك، فقال موسى:

стр. 4415

كنتُ أرجو نَدَاك والشامُ دوني … كرَجاءِ الأَسيرِ فَكَّ القُيودِ ثم لم يُخلف الرّجاءَ ولكن … زاد فوق الرَّجاءِ كلَّ مَزيدِ ومن أولاد خالد: حَرْب بن خالد لأُمِّ ولد، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، قدم عليه داود بن سَلْم الشَّاعر، فقام غلمانه إليه، فأخذوا دوابَّه، وأنزلوه وأكرموه، فقال: [من المتقارب] ولما دفعتُ لأبوابهم … ولاقيتُ حَرْبًا لقيتُ النَّجاحا وَجَدْناه يَحْمَدُه المُرْتَجون … ويأبى على العُسْرِ إلَّا سَماحا فأجازه جائزةً سَنيّة، وارتحل فلم يقم إليه أحد من غِلمانه ولا عاونوه، فقال: ما بالكم؟ فقالوا: نحن نُكرم من ينزل بنا، أما إذا رحل عنا فلا. فلما قدم داود المدينة حكى للغاضِرِيّ فِعلَ غلمان حَرْب، وأنشده البيتين، فقال: والله إنَّ فِعلَ غِلمانه معك أحسن من شعرك فيه (١). قال ابن عساكر: وكان لخالد ولد يقال له (٢): عبد الله لأم ولد، وكان له ولد اسمه علي بن عبد الله، يُعرف بأبي العَمَيطَر، خرج في أيام المأمون بدمشق، وسنذكره. قصة تزويج خالد بن يزيد برَمْلَة بنت الزُّبير بن العوَّام: ذكر الخرائطي -وقد تقدم إسنادنا إليه- فقال: حَدَّثَنَا محمَّد بن يزيد المبرِّد، حَدَّثَنَا هشام، عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال (٣): حجّ عبد الملك بن مروان، وحج معه خالد بن يزيد -وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم، وكان عظيم القدر عند عبد الملك- فبينا هو يطوف بالبيت إذ بَصُر برَمْلَة بنت الزُّبير، فعشقها عِشقًا شديدًا، ووقعت بقلبه وقوعًا متمكّنًا. فلما أراد عبد الملك القُفول همَّ خالد بالتخلف عنه، فوقع بعبد الملك تُهمة، فبعث إليه فسأله عن أمره فقال: يَا أمير المُؤْمنين، رَمْلَة بنت الزُّبير، رأيتُها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي، والله ما أبديت إليك ما بي حتَّى عِيل صبري، ولقد عرضت النّومَ على
следующие страницы →