بينه وبين أحد من العداوة مثل ما كان بين آل أبي سفيان وآل الزبير؟ قال: لا، قال: فقد تزوَّجتُ منهم، وما في الدنيا اليوم قبيلة أحبّ إليّ منهم، فكيف تركتَ الحجاج يتزوج إلى بني هاشم، وهو سَهْمٌ من سهامك، وقد علمتَ ما يقال لبني هاشم: إنهم يملكون الناس في آخر الزمان، وقد وليتَ الحجاج على نصف الدنيا، وبيده الأموال، وعنده الرجال؟! فجزاه عبد الملك خيرًا وقال: وصلتك رَحِم، وكتب إلى الحجاج يَعْزِم عليه بطلاق بنت ابن جعفر، فطلّقها.
وبلغ الحجاج الخبر فأخذ يذم خالد بن يزيد ويقول: صيَّر الأمر إلى من هو أولى منه، ولم يكن لذلك أهلًا، فقال له عَمرو بن عُتبة بن أبي سفيان: ليس كما قلت، إن خالدًا أدرك مَن كان قبله، وأتعب مَن بعده، ولو رام الأمر لما فاته، ولكنه رأى أن يُسلمه إلى من سَلّمه إليه، فخجل الحجاج وقال: يا عمرو، إنا نَخْبُرُكم بأن نعتب عليكم، ونستنطقكم لننال منكم، وقد علمنا أنكم تحبون الحلم فعرضنا عليكم ما تحبون (١).
وقال الزهري (٢): غضب عبد الملك على خالد بن يزيد، وكان يخاف منه لميل الناس إليه، فمنعه العطاء، ومنع آل حرب أيضًا، وضيق على خالد فلم يلتفت خالد وقال: أيتَهدَّدُني عبده الملك بالحرمان ويد الله فوق يده، وعطاؤه مَبذولٌ دون عطائه، ومن سأل غيره فقد بذل نفسه أكثر مما أخَذَ لها.
وقال هشام بن الكلبي: أجرى عبد الله بن يزيد بن معاوية -وهو أصغر الأصاغر، ويُلقَّب بالأسوار- خيلَه مع خيل الوليد بن عبد الملك، فسبقه عبد الله، فلقي الوليد خيلَ عبد الله فعَقَرها، فقال عبد الله لأخيه خالد: لقد هممتُ اليوم أن أقتل الوليد، فقال خالد: بئس ما هَمَمْتَ به، أتقتل ابنَ أمير المؤمنين ووليَّ عهد المسلمين؟ فقال: إن خيلي سبقت خيله فعَقَرها، فدخل خالد على عبد الملك فقال له: إن الوليد عَقَر
стр. 4412
خيلَ أخي! فقال عبد الملك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُو﴾ [النمل: ٣٤]، فقال خالد: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، فقال له عبد الملك: أتُناظر عن أخيك وهو لُحَنَة، قد أعياكم تقويمُ لسانه؟! فقال خالد: أعيانا ما أعياك من الوليد -وكان لُحَنَة- فقال عبد الملك: إن يكن الوليد لَحَّانا فإن سليمانَ لفصيح، فقال خالد: إن يك عبد الله لحانًا فإن خالدًا لا يَلْحَن، فقال عبد الملك: حُقَّ لمن قتل عَمرو (١) أن يفخر، يريد نفسه، فقال له خالد: إن الغَدْرَ سُبَّة، ولَمَروان كان أطولَ باعًا، يعني أن أُمَّه قتلتْه (٢)، فقال عبد الملك: إنني لأرى ثأري في مروان صباحًا ومساءً، ولو شئتُ لأزلتُه، يعني أن أم خالد قتلته، فقال له خالد: إذا شئت أن تطفئ ثُورَتك فافعل، فقال عبد الملك: يا خالد ما أجرأك علي! خلني عنك، فقال خالد: لا والله ألم تسمع قول القائل: [من الخفيف]
ويجرُّ اللِّسانُ من أَسَلَاتِ الحَرْ … بِ ما لا يَجُرُّ [منها] البَنانُ
وكان الوليد بن عبد الملك حاضرًا فقال له: يا خالد، أتتكلّم ولستَ في العِير ولا في النَّفير؟ فقال خالد: يا وليد أنا والله ابنُ العِير والنَّفير، سيد العير جَدَّي أبو سفيان، وسيد النَّفير جدي عُتبة بن ربيعة، ولكن اذكروا غُنَيمات وحُبَيلات بالطائف، وترحّموا على ابن عفان -أشار إلى نَفْي رسول الله ﷺ الحكم جدّ عبد الملك إلى الطائف، يرعى غُنيمات، ويأوي إلى حُبَيلات، وهي الكُرُوم، جمع حَبَلة- فقال عبد الملك: يا وليد، إياك أن تعبث بعدها بأخيك وابن عمك خالد، فإن أباه كان يُكرم أباك، وكان جده يُكرم جدَّك.
وقال أبو اليقظان: كان خالد على حمص فبنى جامعَها، وكان له فيه أربع مئة عبد يعملون، فلما فرغوا من العمل وتم البناء أعتقهم.
وقال الزبير بن بكار: كان خالد وأخواه عبد الله وعبد الرحمن من صالحي القوم،
стр. 4413
وجاءه رجل فقال: قد قلتُ فيك بيتين، فقال: أنشِدْهما، فقال: على حُكمي؟ قال: نعم، فأنشده: [من الطويل]
سأَلتُ النَّدى والجُودَ حُرَّانِ أنتُما … فقالا جميعًا إننا لعَبيدُ
فقلت فمَن مولاكما فتطاولا … عليَّ وقالا خالدُ بنُ يزيد (١)
فأعطاه مئة أَلْف.
[قلت: وقد جرى مثل هذا ليحيى بن خالد بن برمك.]
وقال العُتْبيّ: لزم خالد بيته، وترك مجالسة النَّاس، فقيل له في ذلك فقال: وهل بقي إلَّا حاسِدُ نعمةٍ، أو شامتٌ بنكْبَة (٢).
وكان فاضلًا شاعرًا فصيحًا، ذكر البَلاذريُّ من شعره (٣): [من مجزوء الكامل]
قَصْرُ الجديدِ بِلًى وقَصْرُ الـ … ـعَيشِ في الدنيا انقِطاعُهْ
مَن نال في الدنيا متا … عًا ثم دامَ به انتِفاعُهْ
أم أيُّ شِعْبٍ ذي التِئا … مٍ لم يُشَتِّتْه انصِداعُهْ
والأوَّلُ الماضي الذي … حَقٌّ على الباقي اتِّباعُه
قد قال في أمثالِه … يَكفيك من شَرٍّ سَماعُه
ذكر وفاته:
[واختلفوا فيها؛ ذكر الواقديّ أنَّه] مات في سنة تسعين بدمشق، فمشى الوليد في جنازته، وصلى عليه وقال: لتُلْقِ بنو أمية أرديتَها على خالد، فلن يَحسروها على مثله (٤).
[وقال هشام:] مات بالصُّبَيرة (٥) في أيام عبد الملك سنة أربع وثمانين هو وأمية بن عبد الله بن خالد بن أَسيد، والأول أصح.
стр. 4414
ذكر أولاده وأزواجه:
كان له من الولد: سعيد، وأُمُّه أَمَة (١) بنت سعيد بن العاص، وأمُّها أمُّ عمرو بنت عثمان بن عفان، وأمها رَمْلَة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقيل: أسمها آمنة بنون (٢)، طلَّقها خالد وقال: [من الكامل]
أعطيتُ آمنةَ الطَّلاقَ عَزيمةً (٣) … عندي ولم يَكْبُرْ عليَّ طَلاقُها
ولأَضْرِبَنَّ بحَبْلِ أُخرى فوقَها … يومًا إذا لم تَستَقِمْ أخلاقُها
فتزوَّجها الوليد بن عبد الملك، وهي أخت عمرو بن سعيد الأشدق، ولما مات عبد الملك لم تَبْكِ عليه، فقال لها الوليد: أشماتةً بأمير المُؤْمنين؟ هلا بكيتِ عليه؟ فقالت: حتَّى يقتل لي أخًا آخر (٤)، فقال الوليد: والله لقد كسرنا ثناياه، فقالت: لقد علمتَ مَن قنعت السيوفُ رأسَه، والرماحُ اسْتَه، -تعني الوليد يوم قُتل عمرو- فقال لها: الحقي بأهلك، فقالت: ألذُّ من الدنيا وأُسَرّ.
وكان لخالد من الولد: يزيد بن خالد، لأمّ وَلَد، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، أحد وجوه بني حَرْب، بايع مروان بن مُحَمَّد الجَعْديّ بالخلافة سنة سبع وعشرين ومئة.
وقف موسى شَهَوات ليزيد بن خالد في الطريق، فلما مَرَّ به أخذ بعِنان دابَّته وقال: [من الخفيف]
قُم فَصَوِّت (٥) إذا أتيتَ دِمَشْقًا … يَا يزيدَ بنَ خالدِ بن يزيدِ
يَا يزيدَ بنَ خالدٍ إن تُجِبني … يَلْقَني طائري بسَعْدِ السُّعودِ
فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة، وقال: كما شئتَ فنادِنا نُجِبْك، فقال موسى:
стр. 4415
كنتُ أرجو نَدَاك والشامُ دوني … كرَجاءِ الأَسيرِ فَكَّ القُيودِ
ثم لم يُخلف الرّجاءَ ولكن … زاد فوق الرَّجاءِ كلَّ مَزيدِ
ومن أولاد خالد: حَرْب بن خالد لأُمِّ ولد، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، قدم عليه داود بن سَلْم الشَّاعر، فقام غلمانه إليه، فأخذوا دوابَّه، وأنزلوه وأكرموه، فقال: [من المتقارب]
ولما دفعتُ لأبوابهم … ولاقيتُ حَرْبًا لقيتُ النَّجاحا
وَجَدْناه يَحْمَدُه المُرْتَجون … ويأبى على العُسْرِ إلَّا سَماحا
فأجازه جائزةً سَنيّة، وارتحل فلم يقم إليه أحد من غِلمانه ولا عاونوه، فقال: ما بالكم؟ فقالوا: نحن نُكرم من ينزل بنا، أما إذا رحل عنا فلا.
فلما قدم داود المدينة حكى للغاضِرِيّ فِعلَ غلمان حَرْب، وأنشده البيتين، فقال: والله إنَّ فِعلَ غِلمانه معك أحسن من شعرك فيه (١).
قال ابن عساكر: وكان لخالد ولد يقال له (٢): عبد الله لأم ولد، وكان له ولد اسمه علي بن عبد الله، يُعرف بأبي العَمَيطَر، خرج في أيام المأمون بدمشق، وسنذكره.
قصة تزويج خالد بن يزيد برَمْلَة بنت الزُّبير بن العوَّام:
ذكر الخرائطي -وقد تقدم إسنادنا إليه- فقال: حَدَّثَنَا محمَّد بن يزيد المبرِّد، حَدَّثَنَا هشام، عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال (٣): حجّ عبد الملك بن مروان، وحج معه خالد بن يزيد -وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم، وكان عظيم القدر عند عبد الملك- فبينا هو يطوف بالبيت إذ بَصُر برَمْلَة بنت الزُّبير، فعشقها عِشقًا شديدًا، ووقعت بقلبه وقوعًا متمكّنًا.
فلما أراد عبد الملك القُفول همَّ خالد بالتخلف عنه، فوقع بعبد الملك تُهمة، فبعث إليه فسأله عن أمره فقال: يَا أمير المُؤْمنين، رَمْلَة بنت الزُّبير، رأيتُها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي، والله ما أبديت إليك ما بي حتَّى عِيل صبري، ولقد عرضت النّومَ على
стр. 4416
عيني فلم تَقبَلْه، والسُّلُوَّ على قلبي فامتنع منه، فأطال عبد الملك التعجُّبَ من ذلك وقال: ما كنت أقول إن الهوى يَستَأسِر مثلَك، فقال خالد: وإني والله لأشَدُّ تعجُّبًا من تعجُّبِك مني، ولقد كنت أقول: إن الهوى لا يتمكَّن إلَّا من صِنفين من النَّاس: الشعراء والأعراب.
فأما الشعراء فإنهم قد ألزْموا قلوبَهم الفِكرَ في النساء والغَزَل، فمال طَمَعُهم إلى النساء، فضَعُفَتْ قلوبُهم عن دَفْعِ الهوى، فاستسلموا إليه مُنقادين.
وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالب عليه غير حبِّه لها، ولا يشغله عنها شيء، فضَعُفوا عن دفع ذلك، فتمكَّن من قلوبهم.
وجملةُ أمري أنني ما رأيتُ نَظرةً حالت بيني وبين الحَزْم، وحسَّنت عندي ركوبَ الإثم مثل نظرتي هذه، فتبسم عبد الملك وقال: أوكلّ هذا قد بلغ بك؟! فقال: والله ما عَرفَتْني هذه البليَّة قبلَ وقتي هذا.
فوجه عبد الملك إلى آل الزُّبير يخطب رَمْلَة على خالد، فذكروا لها ذلك فقالت: لا والله أو يُطلِّقَ نساءه، فطلَّق امرأتين كانتا عنده؛ إحداهما من قريش، والأخرى من الأَزْد، وظَعَن بها إلى الشعام، وفيها يقول خالد: [من الطَّويل]
أليس يزيدُ الشَّوقُ في كُلِّ ليلةٍ … وفي كُلِّ يومٍ من حَبيبَتِنا قُرْبا
خليليَّ ما من ساعةٍ تذكُرانها … من الدَّهرِ إلَّا فَرَّجَتْ عَنِّيَ الكَرْبَا
أُحبُّ بني العَوَّامِ طُرًّا لحُبِّها … ومن أجلها أحببتُ أخْوالها كَلْبًا
تَجولُ خَلا خيلُ النِّساءِ ولا أرى … لرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجولُ ولا قُلْبا
[هذا آخر ما ذكر الخوائطي في حديث رَمْلَة، وقال أبو عبيدة مَعْمَر:] فيقال إن عبد الملك زاد فيها:
فإنْ تُسْلِمي نُسْلِم وإن تَتَنَصَّري … يَدُقُّ رجالٌ بين أعيُنها صُلْبا!
وبلغ قوله خالدًا فقال لعبد الملك: ما هذه الشَّناعة؟ قال: وما هي؟ قال. قولك: يدقُّ رجالٌ بين أعينها صُلْبا، قال: ما قلتُه، فقال خالد: فقَبَّح الله قائلَه (١).
стр. 4417
وبعث الحجاج إلى خالد لما بلغه أنَّه خطب رَمْلَة حاجبَه، فقال له: ما كنت أرى أنك تخطب إلى آل الزُّبير حتَّى تُشاورَني، وكيف خطبتَ إليهم وليسوا بأكفائك؟ وهم الذين قارعوا أَبَاك على الخلافة، ورَمَوه بكل قبيحٍ وقبيحة؟ فقال للحاجب: لولا أنك رسولٌ لضربتُ عُنقك، قل لابن أبي رِغال: ما كنتُ أظن أن الأمر بلغ بك حتَّى تؤهِّل نفسَك لأن تُشاوَر في مناكح قريش، وأما قولك: قارعوا أَبَاك ورموه بكل قبيح، فإنَّها قريش يُقارع بعضُها بعضًا، فإذا أقرَ الله الحقَّ مَقَرَّه تعاطفوا وتراحموا، وأما قولك: ليسوا بأكفائك، فقبّحك الله يَا حجّاج ما أقلَّ علمَك بأنساب قريش، أيكون العوَّام كُفؤًا لعبد المطَّلب بن هاشم حتَّى زوَّجه صفيّة، وتزوج رسول الله ﷺ خديجة، أفلا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان.
ولما تزوَّج خالد رَمْلَة قال بعض شعراء قريش يحرِّض عبد الملك على خالد:
عليكَ أميرَ المُؤْمنين بخالدٍ … ففي خالدٍ عما تُحبُّ صُدودُ
إذا ما نَظرْنا في مَناكِحِ خالدٍ … عَرَفْنا الذي يَنوي وأين يُريدُ (١)
وأشار إلى رَمْلَة، وأمِّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، فإنَّه رُوي أنَّه تزوّجها، وإلى أمة بنت سعيد بن العاص.
[وقال الزُّبير: كانت رَمْلَة أخت مصعب لأبيه وأمه، أمُّهما الرَّباب بنت أُنَيف، كلبيَّة، وكانت قبلَه عند عثمان بن عبد الله بن حَكيم بن حِزام، وكانت معروفةً بالعقل والفضل والجمال، ولما قَتل عبد الملك مصعبًا خطبها من أخيها عروة، فنهاه عنها وقال: بالأمس قتلتَ شقيقَها واليوم تخلو بها، آمَنُها عليك، فتركها، فلما تزوّجها خالد دخلت على عبد الملك يومًا، فقال لها: يَا رَمْلَة، لقد غرَّني منك عروة، فقالت: لم يَغُرَّك وكان نصحك (٢).
ومن شعر خالد في رَمْلَة: [من المتقارب]
ألا مَن لقلبٍ مُعَنًّى غَزِلْ … بحُبِّ المُحِلَّةِ أُختِ المُحِلّ
стр. 4418
تراءَتْ لنا بين فَرْعِ الأَراكِ … وبين العِشاءِ وبين الأُصُلْ (١)
أسند خالد الحديث عن دِحْيَة بن خَليفة الكَلبيّ، وأبي أُمامة البَاهِليّ، وروى عنه رجاء بن حَيوة، والزُّهري.
وكان أهل الشَّام قد عزموا على بيعته بعد أخيه معاوية، فاستصغروه، فولَّوا مروان بن الحكم، وأخذوا عليه العهود، واستوثقوا منه بالأيمان على أن يجعله وليَّ عهده، فغدر به مروان، وخلعه وبايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز [وقد ذكرناه.
فصل: وفيها تُوفِّي]
أبو العالية الرِّياحيّ
واسمُه رُفَيع بن مِهران، وإنما قيل له: الرِّياحي لأن امرأة من بني رِياح بن يَربوع [أعتقته.
وذكر الواقديّ أن امرأة من بني رياح] اشترته، ودخلت به المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر، فقبضت على يده وقالت: اللهمَّ إنِّي أَذْخَرُه عندك ذَخِيرة، أَشهدوا يَا أهل المسجد أنَّه سائبةٌ لله، لا سبيلَ لأحدِ عليه، قال: فتركتْني وذهبت، فما تراءينا بعد ذلك.
[وذكر ابن سعد بمعناه، وذكره في] الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، [وحكى عنه أنَّه] قال: ما مَسِسْتُ ذكري بيميني منذ سبعين سنة.
[قال: وقال أبو العالية:] لو مَرَرْتُ بصرَّافٍ وعَشَّارٍ ما شربتُ من مائه.
[قال:] وأوصى بثلث ماله في سبيل الله، وبثلثه في أهل رسول الله ﷺ ، وبثلثه في فقراء المسلمين، فقيل له: فأين مواليك، فقال: أنا سائبة، والسَّائبة يضع نفسه حيث شاء.
وكان إذا دخل على ابن عباس بالبصرة أجلسه معه على سريره، قال: وكان قميصه وعمامته ووداؤه بخمسة عشر درهمًا، وكان يشتري الكِرباسة (٢) بخمسة دراهم، فيقطعها ثلاثة.
стр. 4419
وحكى ابن سعد أَيضًا عن أبي خَلْدَة قال: دخلتُ على أبي العالية، فقرَّب إلي طعامًا فيه بَقْل وقال: كل فإن هذا ليس من البقل الذي تخاف أن يكون فيه شيء، هذا أرسل به إليّ أخي أنس بن مالك من بستانه، قلت: وما شأن البقل؟ قال: إنه ينبت في مَنبت خَبيث تعلم ما هو، قلت: وما هو؟ قال: البول والحيض والنّجاسة.
وحكى عن أبي خَلْدة أَيضًا أنَّه قال: رأيت أَبا العالية يسجد على وِسادة وهو مريض على فراشه.
قال ابن عساكر: وذكره ابن مَنده في كتاب "معرفة الصَّحَابَة" فقال: أدرك أبو العالية زمان رسول الله ﷺ ، وأسلم بعد وفاته بسنتين، ودخل أَصبهان مع أبي موسى في الفتح، وهو مولى أُميَّة بنت سُمَيّة (١)، وقيل: إنه أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ بعام.
وقال أبو نعيم (٢): أدرك أبو العالية الجاهلية والإِسلام، فهو مخضرم.
وكان إذا دخل على ابن عباس أخذ بيده، وأجلسه معه على سريره، وقريش تحت السرير، فيتغامزون ويقولون: هو مولى، فيقول ابن عباس: إن هذا العلم يزيد الشريف شَرفًا، ويُجلس المماليك على الأَسِرَّة.
وأخرج هذا الأثر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" عن محمَّد بن الحارث ثم أنشد: [من الطَّويل]
رأيتُ رفيعَ النَّاس مَن كان عالمًا … وإن لم يكن في قومه بحَسيبِ
إذا حلَّ أرضًا عاش فيها بعلمه … وما عالمٌ في بلدةٍ بغريب (٣)
وقال الشعبي: كان أبو العالية عالمًا فاضلًا زاهدًا، يختم القرآن في كل يومين.
وقال: قرأتُ القرآن قبل أن يُقتل عثمان بن عفان بخمس عشرة سنة، وقبل أن يولد الحسن البَصْرِيّ بسنة.
стр. 4420
وكان إذا جُلس (١) إليه أكثر من أربعة قام، يعني أنَّه كان يخاف الشهرة.
[وروى أبو نعيم، عن الرَّبيع بن أنس، عن أبي العالية] قال: كنتُ أرحل إلى الرجل مسيرة أيام، فأول ما أَتَفَقَّد من أمره صلاته، فإن وجدتُه يُقيمها ويتمّها أقمتُ عنده، وسمعت منه، وإن وجدتُه يُضيّعها رجعتُ ولم أسمع منه، وقلت: هو لغير الصلاة أضيع.
[وروى أبو نعيم أَيضًا، عن عثمان، عن أبي العالية] قال: لا تعمل لغير الله فيَكِلَكَ الله إلى مَن عملتَ له (٢).
وقال الزُّهْرِيّ: هو أول مَن أَذَّن وراء النهر حين دخل خُراسان (٣).
ذكر وفاته:
[روى ابن أبي الدنيا (٤)، عن العباس بن يزيد، عن يعلى بن عبد الرَّحْمَن العَنْبريّ، عن] سيّار بن سلامة قال: دخلتُ على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه: كيف أَنْتَ؟ فقال: إنَّ أحبَّه إليّ أحبُّه إلى الله تعالى.
وحكى ابن عساكر عن أبي عبد الله بن خَفيف قال: وقعت الأَكْلَةُ في رجل أبي العالية، فدبّت إلىساقه، فأشاروا عليه بقطعهما [وقالوا: نخاف أن تسري، فقال: اجمعوا حملة القرآن، فاجتمعوا وشرعوا في القراءة، وركبوا المنشار عليها] فقطعوها وهو ساكت، فقالوا له: ما وجدتَ ألمها؟ فقال: شَغَلني بَرْدُ مَحبَّة الله عن حرارة المنشار، ثم أخذ رجله بيده، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إن تسألْني يوم القيامة: هل مشيتَ بها منذ أربعين سنة في شيء لم أرضه؟ لقلت: لا، وأنت تعلم أني لصادق (٥).
стр. 4421
[قلت: لم يذكر ابن سعد في "الطبقات" هذه الحكاية، ولا أبو نعيم ولا ابن منده، ولا جدي في "الصفوة"، الذي ذكر ابن سعد في "الطبقات" في وفاة أبي العالية قال:] تُوفِّي أبو العالية يوم الاثنين في شوال سنة تسعين، وأوصى إلى مُوَرِّق العِجْليّ أو إلى بُريدة الأَسلَميّ أن يُوضع في قبره جريدتان، ومات بأدنى خراسان، فلم توجدا إلَّا في جوالق حمّار، فلما وضعوه في قبره وضعوهما معه.
[هذا صورة ما ذكره ابن سعد، وأشار بالسَّعَفَتَين إلى الحديث المشهور، يدفع عنه عذاب القبر (١).
وذكر جدي في "الصفوة" أنَّه مات يوم الاثنين في شوال سنة تسعين، ولم يذكر الجريدتين.
وقال الواقديّ: مات يوم الاثنين ثالث شوال.
وحكى ابن عساكر عن] البُخَارِيّ أنَّه قال: مات في سنة ثلاث وتسعين.
وقال المدائنيّ: في سنة ست ومئة، وقال محمَّد بن إسحاق: سنة إحدى عشرة ومئة.
[والأصح أنَّه مات في سنة تسعين كما ذكر ابن سعد، وقد نصّ عليه ابن حَنْبل في رواية عنه.] (٢)
أسند أبو العالية عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي أَيُّوب، وأُبيّ بن كعب، وأبي موسى، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة وخلق كثير، وأرسل الحديث عن بعضهم.
وروى عنه: قتادة، وعاصم بن سُليمان الأحول، وداود بن أبي هند، والربيع بن أنس، ومحمَّد بن واسع، وثابت البُناني، وعمرو بن [عُبيد، وخالد بن] دينار، وحَفْصة بنت سيرين في آخرين (٣).
стр. 4422
واتّفقوا على صِدقه، وثقته، وأمانته، وزهده، ووَرَعه، قال أبو حاتم: أبو العالية مُجمعٌ على ثقته ودينه وورعه (١).
وقال الفِرَبْرِيّ: أخرج عنه البخاري في "صحيحه".
ولم يتكلّم فيه غير الشَّافعيّ رحمة الله عليه فإنَّه روي عنه أنَّه قال: حديث أبي العالية الرياحي ريح.
قال البيهقي: إنما تكلم فيه لأجل حديث القهقهة في الصلاة، وكان لسلامة صدره يُرسِل الحديث (٢).
وقال ابن سعد: كان أبو العالية ثِقَة كثير الحديث (٣).
عبد الرَّحْمَن بن المِسْوَر
ابن مَخْرَمَة بن نَوفل بن أُهَيب بن عبد مَناف بن زُهرة، وأمه أَمَةُ الله بنت شُرَحْبيل بن حَسَنَة، المدنِيُّ (٤).
و [عبد الرَّحْمَن بن] المِسْوَر من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، وتوفي بها سنة تسعين، وكان قليل الحديث.
وكان شاعرًا، وهو القائل: [من الخفيف]
بينما نحنُ من بَلاكِثَ بالقا … عِ سِراعًا والعِيسُ تهوي هُويَّا
خَطَرتْ خَطرةٌ على القلبِ من ذِكْـ … ـراكِ وَهْنًا فما استطعتُ مُضِيَّا
قلتُ للشُّوقِ إذ دعانِيَ لَبَّيـ … ـك وللحادِيَينِ كُرَّا المَطِيَّا
стр. 4423
وقيل: إن الشعر لولده عبد الله (١).
وقدم عبد الرَّحْمَن الشَّام مع سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: فأقمنا معه شهرين بعَمّان البَلْقاء، فكان سعد يَقصُرُ الصّلاة ونحن نُتِمّ، فسألناه عن ذلك فقال: نحن أعلم.
أسند عبد الرَّحْمَن عن سعد بن أبي وقَّاص، وأبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، وأبيه المِسْوَر.
وروى عنه الزُّهري، وحَبيب بن أبي ثابت، والشَّعبي وغيرهم (٢).
السنة الحادية والتسعون
وفيها غزا المسلمون جزيرة الأندلس.
[واختلفوا فيمن افتتحها على قولين: أحدهما موسى بن نُصير، والثاني: طارق مولى موسى بن نُصير.
وقال هشام بن محمَّد والهيثم وأبو اليقظان وغيرهم على اختلاف بعضهم بين الروايات:] إن موسى بن نُصير سار في جيوشه في هذه السنة، فعبر إلى طُلَيطُلَة مدينة الأندلس بعد أن استولى على الجزيرة، وافتتح حصونَها، ودخل طُلَيطُلَة عَنْوَةً، فوجد في دار المملكة مائدة سليمان ﵇، وهي من خليطين ذهب وفضة، وعليها ثلاثة أطواق من لؤلؤ وجوهر (٣).
وقال الهيثم إنما فتحها طارق في سنة اثنتين وتسعين (٤)، عبر إلى الجزيرة في اثني عشر ألفًا، فلقي أدرينوق ملك الجزيرة، فقتله في رجب، [قال:] وادعى موسى بن نُصير بين يدي
стр. 4424
الوليد أنَّه افتتح الأندلس وطُلَيطُلَة، وقال طارق مولاه -وقيل: كان مولى للوليد-: أنا فتحتُها، فقال له ابن نُصير: كذبتَ، فقال طارق: أحضِروا المائدة، فأحضروها للوليد، فقال طارق للوليد: يَا أمير المُؤْمنين، انظر إليها. فنظر وقال: كلها متساوية إلَّا رِجْل واحدة فإنَّها لا تشبهها، فقال طارق: سَلْه عنها فإن أتاك بها فهو صادق، فسأل موسى عنها فقال: هكذا وجدتُها، فأخرج طارق الرِّجل، فحظي عند الوليد، وسقطت منزلة موسى.
وقال محمَّد بن أبي نصر الحُمَيديّ: إن طارقًا فتح الأندلس، وكان أمير الجيش موسى بن نُصير، فحسده موسى على الفتح والغنائم، وكونه انفرد بتلك، فكتب إليه: أقم مكانَك ولا تتجاوزه إلى غيره، ثم ركب موسى زقاق الأندلس (١)، واستخلف على القيروان ولده عبد الله بن موسى، وذلك في سنة ثلاث وتسعين، وخرج معه وجوه البَربر والموالي في عسكر ضخم، وطارق بقُرطبة، فالتقى بابن نصير وقد قتل طارق لُذَرِيق ملكها، فعاتبه ابن نُصير حيث عبر الزّقاق بغير إذنه، فقال له طارق: إنما أنا مولاك ومن قِبَلك، ولاحت الفُرصة فانتهزتُها، فقبض على طارق، واستخلف على الأندلس ابنَه عبد العزيز بن موسى، ورجع موسى إلى القيروان ومعه الغنائم والأموال، وبلغ الوليد قبضه على طارق، فبعث إليه يقول: والله لئن قتلتَه لأقتلنّك، فأطلقه، وخرج معه إلى الشَّام، وجرى بينهما ما ذكرناه. ويقال: إن موسى أدرك الوليد وقد مات، فحمل ما كان معه إلى سليمان، والأول أصحّ.
واختلفوا في فتوح الأندلس [في أي سنة كان، وقد بيّنّا اختلافهم] فبعضهم يقول: سنة إحدى وتسعين، وبعضهم يقول: سنة اثنتين، وبعضهم يقول: سنة ثلاث.
وفيها بعث الوليد بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله القَسْري بثلاثين أَلْف دينار، فضربها صفائح على باب الكعبة والميزاب، وكان جماعة من الْأَنصار يَقدمون مكة، فينزلون على أهلها، ويذكرون مَثالبَ بني أمية وظلمَهم، وما هم عليه من إظهار البدع، وإماته السنن، وبلغ خالدًا القسري فخطب وقال: أيها النَّاس إن هذه بلاد الله، وفيها
стр. 4425
حَرَمُه، وهي التي اختارها الله على جميع البلدان، ووضع فيها بيته، وكتب على عبادة زيارتَه، فعليكم بالطَّاعة ولزوم الجماعة، وإيَّاكم والخيانة، فوالله ما أوتى بأحدٍ طعن على إمامه إلَّا قتلته في الحرم، فلا تقولوا: كيت وكيت، فإن الله جعل الخلافة في الموضع الذي جعلها فيه، وقد بلغني أن قومًا من أهل الخلاف يقدمون عليكم، وينزلون في منازلكم، فإياكم وإياهم، ومتى بلغني أنكم أنزلتموهم هدمتُ منازلَكم، وإياكم والفُرقة فإنَّها بلاء عظيم، فانتهى النَّاس.
وكان خالد يقول: والله لو علمت أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لا تُقِرُّ بالطّاعة لأخرجتُها منه (١).
وفيها قتل قتيبة بن مسلم نيزك طَرخان ملك الترك، وكان قد أَمّنه، وحلف له قتيبة، ثم اجتمعا فغدر به وقتله، وبعث برأسه إلى الحجاج على يد رجل يقال له: سليم النَاصح (٢)، فعزَّ على الحجاج وقال: بعثتُ بقتيبة فتى غرًّا، أفنى ملوك خُراسان، ما زدتُه ذِراعًا إلَّا زادني باعًا.
وتلخيص القصة: أن قتيبة سار من خراسان غازيًا إلى مَرْو الرُّوذ يريد نيزك، وكان قد خلعه وغدر به، وبلغ مَرزبان مَرو الرُّوذ إقباله، فانهزم إلى بلاد فارس، وقدم قتيية مَرو الرّوذ فقتل وَلَدي المرزبان وصلبهما، ثم قدم الطَّالقان، فلم يحاربه صاحبها، واستعمل عليها عمرو بن مسلم، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملكُها سامعًا مطيعًا، فلم يَعرِض له ولم يقتل بها أحدًا، واستعمل عليها رجلًا من باهلة، وسار إلى الجُوزجان، فتركها ملِكُها وهربا إلى الجبال، ولما قدمها قتيبة خرج إليه أهلها سامعين مطيعين، فلم يعرض لهم، وولى عليهم عامر بن مالك الحِمَّاني، ثم أتى بَلْخ فدخلها ولم يقم بها إلَّا يومًا.
وقصد نيزك بِبَغْلان، وقد نزل أصحابه على فم الشِّعب -وفي الِشِّعب قلعة عظيمة، ويقال للشِّعب: شِعب خُلْم- فأقام أيامًا، فقاتلهم ولا يعرف طريقًا يمضي به إلى نيزك إلَّا الشِّعب، أو مفاوز لا تحتمل العساكر، فتحيِّر في أمره.
стр. 4426
فبينا هو كذلك إذ قدم عليه الرُّوب خان ملك الرُّوب وسِمِنْجان، فاستأمنه على أن يَدلّه على مدخل قلعة نيزك التي من وراء الشِّعب، فأمّنه وبعث معه رجالًا إلى القلعة في الليل، فطرقوهم فقتلوهم، وهرب الباقون.
ودخل قتيبة الشِّعب، ومضى إلى سِمِنْجان، فأقام أيامًا وبينه وبين نيزك مفازة، ونيزك ببَغْلان، فقدَّم بين يديه أخاه عبد الرَّحْمَن بن مسلم، وسار خلفه، وبلغ نيزك فارتحل من بَغلان، فقطع وادي فَرْغانة، وبعث بأهله وأمواله إلى كابُل شاه، ومضى حتَّى نزل الكَرْز وعبد الرَّحْمَن يتبعه، فتحصّن بالكَرْز، وليس إليه مَسْلك إلَّا من وجه واحد ولا تطيق الدواب سَلوكَه، وجاء قتيبة إلى قريب من عبد الرَّحْمَن، وأقام يحاصر نيزك شهرين، فقلَّ ما عند نيزك من الطعام، وأصابهم الجُدَريّ، وخاف قتيبة الشتاء، فأرسل سُليمًا الناصح إلى نيزك وقال: اجتهد أن تأتيني به بغير أمان، فإن أبي فأمِّنه، ووالله لئِن لم تأتني وهو معك لأقتلنَّك (١)، قال: فاكتب إلى أخيك عبد الرَّحْمَن لا يُخالفني.
وكان بين قتيبة وعبد الرَّحْمَن مقدارَ فَرْسَخ، وعبد الرَّحْمَن قريبًا من العدوّ، فكتب له، فلما وصل إلى عبد الرَّحْمَن قال له: ابعث رجالًا يكونوا على فم الشِّعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشِّعب، فبعث عبد الرَّحْمَن خيلًا فوقفوا في المكان المعيّن، وحمل سُليم معه فنون الأطعمة والحلاوات التي تبقى أيامًا، ووصل إلى نيزك فقال له: خذلتَني يَا سليم -وكان هو الواسطة بينه وبين قتيبة- فقال له سليم: ما خذلتُك؛ وإنما أَنْتَ غدرتَ، وخلعتَ قتيبة، وخرجتَ عليه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تأتيه، وإلا مكانَه يشتو وتهلك أَنْتَ ومن معك (٢)، قال: على غير أمان؟ قال: ما أظنُّه يُؤمّنك وقد ملأتَ قلبَه غيظًا، ولكن أرى أن لا يَعلم بك حتَّى تَضعَ يدَك في يده، فإنِّي أرجو إن فعلتَ ذلك أن يرضى عنك، فقال نيزك: الذي يغلب على ظني أنَّه متى رآني قتلني، قال: قد قلت لك.
стр. 4427
ودعا بذلك الطعام، فبسطه لين يدي نيزك، فرأىَ أصحابه طعامًا لا عهد لهم بمثله، فنهبه التُّرك أصحاب نيزك، فقال له سليم: أرى أصحابك قد جهدوا، وأخاف إن طال بهم أمر أن يُسلموك، فاذهب معي إلى قتيبة، قال: لا أذهب إليه بغير أمان فأمّنِّي وأرِحْني، قال: قد أمَّنتُك، وخرج معه، فلما وصل إلى فم الشعب حالت الخيل بين نيزك والشِّعب، فقال: هذا أول الشر، وجاؤوا بنيزك إلى عسكر قتيبة، فحبسه عند ابن بسّام اللّيثي في قُبَّة، وخَندق عليه، وحبس أصحابه، وبعث إلى الكُرْز، فاستخرج ما كان لنيزك به من متاع، وهرب الباقون.
وكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، وأقام أربعين يومًا، وجاءه كتاب الحجاج بقتله، فدعا به، فقال النَّاس: ما يَحلُّ قتلُه؛ قد أعطيتَه أمانًا، وقال بعضهم: اقتله فما نأمنه على المسلمين، فقال له قتيبة: أين أمانُك؟ قال: عند سليم، قال: لا أمانَ لسُليم، قال: الغدر قبيح، فقال: اقتلوه، فقتله وقتل معه سبع مئة من أعيان أصحابه.
والمشهور أن قتيبة قَتل نيزك غَدْرًا، وأن الحجاج لم يأمره بقتله، وأنه أنكر عليه كما ذكرنا في أول القصة.
[وقال علماء السير:] ولما قتل قتيبة نيزك بعث إليه ملك الجُوزجان يطلب الصلح -وكان قد هرب من الجوزجان كما ذكرنا- فأمّنه على أن يأتيه فيصالحه، فطلب ملك الجوزجان رهنًا يكون في يده، ويعطي هو أَيضًا رهائن، فبعث إليه قتيبة حبيبَ بنَ عبد الله بن عمرو بن حُصَين الباهِليّ، وبعث ملك الجوزجان إلى قتيبة رُهونًا من أهله، وجعل ملك الجوزجان حبيبًا في بعض حصونه، وقدم على قتيبة فصالحه، ورجع إلى بلاده فمات بالطَّالقان، فقال أهل الجوزجان: سَمَّه قتيبة، فقتلوا حَبيبًا، وقتل قتيبة الرُّهون الذي كانوا عنده، فقال نَهار بن تَوْسِعة لقتيبة: [من الوافر]
أراك الله في الأتراك حُكمًا … كحُكمٍ في قَرَيظَةَ والنَّضِيرِ
قَضاءٌ من قُتَيبةَ غيرُ جَوْرٍ … به يُشفَى الغَليلُ من الصُّدورِ
فإن تر نيزكًا (١) خِزيًا وذُلًّا … فكم في الحرب حُمِّقَ من أميرِ
стр. 4428
ثم فتح قتيبة نَسَف في هذه السنة، وحصونًا كثيرة من وراء النَّهر.
وحج بالنَّاس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وقد ذكر حجَّتَه الواقديّ بإسناده إلى صالح بن كيسان قال (١):
لما حضر قدوم الوليد أمر ابن عمه عمر بن عبد العزيز عشرين رجلًا من وجوه قريش يخرجون معه لتلقي الوليد، فخرجوا معه، منهم: أبو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام، وأخوه محمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، فلقوا الوليد بالسُّويداء على ظَهْر، فقال لهم الحاجب: انزلوا لأمير المُؤْمنين فنزلوا، ثم أمرهم فركبوا، ودعا الوليد عمر فسايره حتَّى نزل بذي خُشُب، ودعا بالغداء، وحضروا فتغدَّوا عنده، وراح من ذي خُشُب، فلما دخل المدينة غدًا إلى المسجد لينظر إلى بنائه، فأخرج النَّاس فما ترك فيه أحدًا، وبقي سعيد بن المسيّب بها يجترئ أحد من النَّاس يخرجه، وما عليه إلَّا رَيطتان تساوي خمسة دراهم، وهو جالس عند ساويته في مُصلّاه، فقال له أصحابُه: لو قمتَ إليه وسلمتَ عليه، فقال: والله لا أقوم إليه، قال عمر بن عبد العزيز: فجعلتُ أَحيد بالوليد في ناحية المسجد وجاء ألا يرى سعيدًا حتَّى يقوم، فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة فقال: من ذاك الشيخ الجالس؟ أهو سعيد بن المسيّب؟ فجعل عمر يقول: نعم يَا أمير المُؤْمنين ومن حاله ومن حاله، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك، وهو ضعيف البصر، قال الوليد: قد علمتُ حاله، ونحن نأتيه فنسلم عليه، فدار في المسجد حتَّى انتهى إلى سعيد فوقف عليه فقال: كيف أَنْتَ أيها الشيخ!؟! فوالله ما تحرّك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وحالُه؟ فقال الوليد: بخير والحمد لله. ثم انصرف الوليد وهو يقول لعمر: هذا بقيَّةُ الناس، فقال له عمر: أجل يَا أمير المُؤْمنين.
قال الواقدي: وقسم الوليد بين النَّاس رَقيقًا كثيرًا، وآنية من ذهب وفضة، وأموالًا، وطيَّب مسجد رسول الله ﷺ بألفي مثقال من أنواع الطِّيب، وخطب يوم الجمعة وصلى بالناس.
стр. 4429
ولما صعد منبر رسول الله ﷺ عنفَّ جُنده صَفَّين من المنبر إلى آخر المسجد، بأيديهم العُمُد على العواتق، وخطب في دُرَّاعة وقَلَنْسُوة، ما عليه رداء، ولما صعد المنبر سكت وأذن المؤذّنون بين يديه، فلما فرغوا خطب الخطبة الأولى وهو جالس، ثم خطب الثَّانية قائمًا.
قال إسحاق بن يحيى: فلقيتُ رجاء بن حَيوة وهو معه، فقلت: هكذا تصنعون! قال: نعم، وهكذا صنع معاوية إلى هَلُمَّ جَرّا، قال: فقلت: أفلا تكلّمه؟ قال: أخبرني قَبيصةُ بنُ ذُؤيب أنَّه كَلّم عبد الملك في هذا، فأبى أن يفعل وقال: هكذا خطب عثمان، قال إسحاق: فقلتُ: والله ما خطب عثمان إلَّا قائمًا، قال رجاء بن حَيوَة: قد رُوي لهم هذا فأخذوا به، قال إسحاق: لم نر منهم أحدًا أشدّ تَجبُّرًا منه، يعني الوليد.
ولما رأى سعيد بن المسيّب قد خطب قاعدًا قال: والله ما خطب رسول الله ﷺ إلا قائمًا، وكذا الخلفاء بعده (١).
[قلت: وقد اختلف الفقهاء في الخطبة قائمًا، فقال أبو حنيفة: القيام سنة، حتَّى لو خطب قاعدًا جاز، وقال مالك والشافعي: القيام شرط، وعن أَحْمد روايتان (٢)، واحتجوا بما روي أن النَّبِيّ ﷺ كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بالجلوس. متفق عليه (٣).]
وقال البَلاذري: إن عمر بن عبد العزيز لما تلقّى الوليد ومعه الأشراف وضع لهم الوليد أربعة كراسي، فجلس عليها أربعة من أشراف قريش، أمّ كل واحدٍ منهم من بني عَديّ بن كعب، وهم: عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، ويُسمَّى المُطْرَف لجماله، وأمّه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، ومحمَّد بن المنذر بن الزُّبير، وأمّه عاتكة بنت سعيد بن زيد، وطلحة بن عبد الله بن عوف الزُّهري، وأمُّه ابنة مُطيع بن الأسود العَدَويّ، ونَوفَل بن مُساحق، وأمّه مريم بنت مطيع، وهذا نوفل ذكرناه في سنة سبع وثمانين، وهذه الرواية تدلّ على تأخّرِ وفاته (٤).
стр. 4430
[وقال الواقديّ:] ولما دخل: الوليد مكة، ورأى ما يصنع بنو شَيبة بالنَّاس، عزم على أخذ مفتاح البيت منهم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ أعطاهم إياه، فردَّه عليهم، ومنعهم أن يأخذوا من النَّاس شيئًا وعوَّضهم.
وقيل: إن الحجاج حج في هذه السنة [مع الوليد]، جاء من العراق، فلما منعهم الوليد من البيت، وأن يأخذوا من النَّاس شيئًا، جاؤوا إلى الحجاج، وشكوا إليه، فقال للوليد: علام تدع هؤلاء وهدايا الكعبة؟! فقال الوليد: فامنعهم، فقال: كنت شاورتُ أمير المُؤْمنين عبد الملك في هذا فلم يفعل، فقال الوليد: فأنا بريء مما برئ منه أبي، ولم يَعرض لهم (١).
[فصل]: وفيها قدم محمَّد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن بهدايا [إلى الوليد، وحلف بين الركن والمقام أنها حلال، وكانت هدايا] عظيمة، وتحَفًا كثيرة، فأرسلت أم البنين بنت عبد العزيز إلى محمَّد: فقالت: أرسل إليّ بالهديَّة، فقال: لا حتَّى يراها أمير المؤمنين، فغضبت، ورآها الوليد فبعث بها إليها، ققالت: لا حاجةَ لي إليها فقد غصبها من أموال النس، وأخذها ظُلمًا، فسأله الوليد فقال: مَعاذَ الله، فأحلفه بين الركن والمقام خمسن يمينًا أنَّه ما ظلم أحدًا ولا غصبه، فأخذها الوليد وبعث بها إلى أمِّ البَنين، ورجع محمد إلى اليمن، فأصابه داء، فتقطَّعت منه أعضاؤه ومات (٢)، وسنذكره [في هذه السنة].
وكان العمال في هذه السنة على الأمصار بحالهم في السنة الماضية.
فصل: وفيها تُوفِّي
سهْل بن سعد
ابن مالك بن خالد بن ثَعْلَبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرَج بن ساعدة السَّاعِديّ وأمه أُبَيّة (٣) بنت الحارث، من خَثْعم، وكنيته أبو العباس.
стр. 4431
وهو من الطَّبقة الثالثة من الْأَنصار، قال: كنت أصغر أصحابي في تبوك، وكنت شَفْرَتَهم، أي: خادمهم (١)، وكان يُصَفِّر لحيتَه.
وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان ابنَ مئة سنة.
وكان له من الولد: العباس، ومصعب، وعائشة، وأمهم عائشة بنت خُزَيمة، من قيس عَيلان. وعَمْرو، وأمه من كنْدَة، والأشعث، وخَديجة، وأم كُلثوم، وأمُّهم أُبَيَّة بنت محْصَن، من بني سُلَيم، وأمّ كُلثوم الصُّغرى لأم وَلَد.
أسند سهل عن رسول الله ﷺ خمسةً وأربعين حديثًا، وأخرج له الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه في "المسند" سبعة وثلاثين حديثًا.
ومن مسانيده: قال يحيى بن ميمون: وقف علينا سهل بن سعد فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة" (٢).
[فصل: وفيها تُوفِّي]
مُحَمَّد بن يوسف
ابن الحَكَم بن أبي عقيل الثَّقَفيّ، أخو الحجاج، قدم صنعاء سنة اثنتين وسبعين قبل مقتل ابن الزُّبير، ولّاه عبد الملك أميرًا على اليمن، ولما قُتل ابن الزُّبير بعث الحجاج بكفِّه إليه، فعلَّقها بصَنعاء.
وكان طاوس ووَهْب بن مُنَبِّه يصلّيان خلفه، واستعمل طاوسَ اليماني على الصَّدقات، ثم قال له: ارفع حسابَك، فقال: وأيّ حساب لك عندي، أخذتُها من الأغنياء ودفعتها إلى الفقراء.
[وقال ابن عساكر:] كان محمَّد هذا يَسبُّ عليًّا رضوان الله عليه على المنابر، ويأمر بذلك.
стр. 4432
[وحكى عن أَحْمد العِجليّ قال:] أخذ محمَّد حُجرًا المَدَرِيّ (١) -وكان رجلًا صالحًا- فأقامه عند المنبر وقال: سُبَّ أَبا تُراب، فقال: إن الأمير محمدًا أمرني أن أسُبَّ عليًّا، فالعنوه لعنه الله، فتفرَّق النَّاس على ذلك، ولم يفهمها إلَّا رجلٌ واحد.
وكان علي ﵇ قال (٢) لحجر هذا: كيف بك إذا قمتَ مقامًا تُؤمر فيه بلعنتي؟ قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم، سُبَّني ولا تتبرَّأ مني.
ومحمَّد بن يوسف هذا هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز ﵁، فكان يقول: الحجاج بالعراق، وأخوه محمَّد باليمن، وعثمان بن حَيَّان بالحجاز، والوليد بالشام، وقُرَّة بن شَريك بمصر، امتلأت بلاد الله جَورًا (٣).
[وقد ذكرنا أن محمَّد بن يوسف لما رجع إلى اليمن أصابه داء، فتقطعت أعضاؤه ومات.]
وولده يوسف بن محمَّد خال الوليد بن يزيد، ولّاه الوليد الحَرَمَين والطائف سنة خمس وعشرين ومئة، وحجّ بالنَّاس فيها، ثم عزله عنها، واستعمل عليها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان (٤).
السنة الثَّانية والتسعون
وفيها غزا قتيبة سِجستان بجيوشه، وسار من مَرْو في جيشٍ كَثيف، فأرسل إليه رُتبيلُ فصالحه على ما أراد قتيبة، ورجع إلى مرو.
[فصل]: وفيها فُتحت الأندلس على قول الواقديّ، قال (٥): وكان عليها ملك يقال له أدرينوق، فسار إليه طارق، وقطع زقاق الأندلس، والتقاه أدرينوق في جمع عظيم،
стр. 4433
وأبرزوا سريرَه، ولبس تاجَه، واقتتلوا فصر الله طارقًا، وقُتل الأردينوق وأصله من أَصبهان، وهم ملوك عَجَم الأندلس [ودخل طارق قُرطبة، ثم سار إلى طُلَيطُلَة، وقد ذكرناه.
فصل] وفيها غزا عمر بن الوليد ومَسْلَمة بن عبد الملك بلد الروم، وفتح مَسلمة حصونًا كثيرة، ويقال: إنه بلغ إلى الخليج، وفتح سُوْسَنة.
وحج بالنَّاس عمر بن عبد العزيز ﵁، وكان عمال الأمصار على حالهم.
فصل: وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن يزيد
ابن شريك بن تَيم الرّباب التَّيميّ، [وكنيته] أبو أسماء.
[وذكره ابن سعد] في الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل الكوفة، وكان يَقُصُّ على النَّاس، وإنما حمله على القصص لأنه رأى منامًا.
[قال ابن سعد بإسناده إلى سفيان، عن أَبيه قال: إنما حمل إبراهيم، على القَصَص أنَّه رأى في المنام أنَّه يقسم رَيحانًا، فبلغ ذلك إبراهيم النَّخَعيّ فقال: الرَّيحان ريحُه طيّب، وطعمُه مُرّ (١).
[وقال أبو نعيم بإسناده عن] الأَعمش قال: كان إبراهيم التَّيميّ إذا سجد تجيء العصافير فتنقر ظهره كأنه جِذْم حائط (٢).
[وروى أبو نعيم أَيضًا عن الأَعمش] قال: قلت لإبراهيم التَّيمي: بلغني أنك تمكث شهرًا لا تأكل شيئًا! قال: نعم، وشهرين، ما أكلتُ منذ أربعين ليلة إلَّا حَبَّةَ عِنَب، ناولتني أهلي فأكلتُها ثم لَفَظتُها.
[وروى أبو نعيم عن] سفيان قال: قال إبراهيم التَّيميّ: كم بينكم وبين القوم! أقبلتْ عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرتْ عنكم فاتبعتموها.
[قال:] وكان يقول: إن الرَّجل ليظلمني فأرحمه.
стр. 4434
[قال:] وما رفع رأسه إلى السماء ولا خاض في شيء من أمر الدنيا.
[وروى أبو نعيم أيضًا أنَّه] قال: من أعظم الذنب عند الله أن يُحدِّث العبد بما ستره الله عليه (١).
[قال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التَّيميّ:] مَثَّلْتُ نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأُعانق أبكارها، ومثلت نفسي في النَّار، آكل من زَقُّومها، وأشرب من صَديدها، وأُعالج سلاسلها، فقلت لنفسي: أَيْ نفس، أيش تريدين؟ فقالت: أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا، فقلت: أَنْتَ في الأُمنية فاعملي (٢).
[وقال ابن سعد:] تُوفِّي إبراهيم التَّيميّ في حبس الحجاج، وسبب حبسه: أن الحجاج طلب إبراهيم النَّخَعي، فجاء الذي طلبه فقال: أريده إبراهيم، فأخذه وهو يعلم أنَّه يريد إبراهيم النَّخَعيّ، فلم يستحلّ أن يَدُلّه عليه، فأتي به الحجاج، فحبسه في الدِّيماس، ولم يكن له ظِلٌّ من الشَّمس، ولا كِنٌّ من البَرد، وكان كلّ اثنين في سلسلة، فتغيّر إبراهيم، فجاءته أُمُّه فلم تعرفه حتَّى كلّما، فمات في السجن، فرأى الحجاج قائلًا يقول في منامه: مات الليلة رجلٌ من أهل الجنة في هذه البَلدة، فلما أصبح سأل: هل مات الليلة أحد بواسط، قالوا: نعم، إبراهيم التَّيمي مات في الحبس، فقال: حُلْمٌ ونَزْغَةٌ من نزغات الشيطان، وأمر به فألقي على الكُناسة (٣).
[وقال الشعبي: أقام في السجن مدّةً،] ولما دخل السجن نادى: يَا أهل السجن، بلاء الله في عافيته، وأهل عافيته في أهل بلائه، اصبروا، فصاحوا جميعًا وبكوا.
وقيل: إنّه مات بالكوفة.
أسند عن أبيه، والحارث بن سُويد وغيرهما وروى عنه سفيان الثّوري، والأعمش، والشّعبي وغيرهم.
стр. 4435
[فصل: وفيها تُوفِّي]
أنس بن مالك
ابن النَّضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرام بن جُنْدَب ابن عامر بن غَنْم بن عَديّ بن النَّجار.
من الطبقة الثالثة من الأنصار، وكناه رسول الله ﷺ أبا حَمزة، وقيل: كنيته أبو ثُمامة، وثمامة أكبر ولده، وأم أنس أمُّ سُلَيم بنت مِلْحان من بني النّجار، [واسمها مُلَيكَة] وأمُّها الرُّمَيصاء [وقد ذكرناها، وقيل: إن مُليكة جدة أنس، وقد ذكرناها في صدر الكتاب] (١).
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذت أم أنس بيده، وجاءت به إلى رسول الله ﷺ وقالت: يَا رسول الله، خُوَيدِمُك أنس ادْعُ له، فقال: "اللهمَّ أكْثِرْ ماله وولَده، وأطِلْ عُمره، واغفر ذَنبه، وبارك له فيما أعطيتَه" أخرجاه في "الصحيحين" بمعناه (٢).
وقال أنس [في رواية ابن سعد عنه:] فدفنتُ من صُلبي مئة ولد، وإن نخلي تُثمر في السنة مرتين، ولقد عشتُ حتَّى استحييتُ من أهلي [أو سئمت الحياة]، وأنا أرجو الرابعة، يعني المغفرة.
[وفي رواية] قال: خدمتُه عشر سنين، فما قال لشيءٍ لم أَصْنعه: لِمَ لم تصنعه، ولا قال لشيء صنعتُه: لم صنعتَه، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (٣).
وذكر ابن عساكر في "تاريخه" وقال: دفن أنس من صُلبه إلى مَقْدَم الحجّاج بضعًا وعشرين ومئة ولد (٤).
[وقد ذكرناه في السيرة، وأن رسول الله ﷺ قال لأنس: "يَا بُنيّ" (٥)]
стр. 4436
شهد أنس الحُدَيبية، وخيبر، وعُمرة القضاء، والخندق، والفتح، وحُنينًا، والطائف، وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ .
وروي عن مولًى لأنس أنَّه قال له: شهدتَ بدرًا؟ فقال: لا أُمَّ لك، وأين غِبْتُ عن بدر؟ وقال محمَّد بن عبد الله الأَنْصَارِيّ: خرج أنس مع رسول الله ﷺ حين توجّه إلى بدر، وهو غلام يخدم رسول الله ﷺ (١).
قال المصنف ﵀: وعامة الرواة على أنَّه لم يشهد بدرًا ولا أحدًا (٢).
[وقال ابن سعد بإسناده إلى معتمر بن سليمان، عن أَبيه قال: سمعت أنسًا يقول:] ما بقي أحدٌ من صلى إلى القِبلتين غيري.
وقال ابن سعد: كان يصلي حتَّى تتفطَّر قدماه دَمًا.
وكان مجاب الدعوة؛ يدعو فينزل الغيث.
وكان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله وعياله وولده فيختم بحضرتهم.
وكان إذا خرج إلى قصره صلى على حماره تطوُّعًا، يُومئ إيماءً.
وكان عنده قَدَحٌ من خَشب، فكان يقول: سَقَيتُ النَّبِيّ ﷺ بهذا القَدَح أكثر من مئة مرة من كل الشراب: الماء واللبن والعسل.
[قال: وقال رسول الله ﷺ : يَا أَبا عُمير ما فعل النُّغَير]
قال: وكان يقول: ما من ليلة إلَّا وأرى فيها حبيبي، ثم يبكي.
[قال:] واستعمل ابن الزُّبير أنسًا على البصرة، فاستعمل أنس مولاه أنس بن سيرين على البصرة (٣)، فقال له: أتريد أن تجعلني عَشَّارًا؟! فقال له أنس: أفترضى كتابَ عمر بن الخطاب؟ فأخرجه فإذا فيه: أن يأخذوا من تجار المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا، ومن تجار أهل الحرب من كلّ عشرة دراهم درهمًا.
стр. 4437
[وروى ابن سعد عن صالح بن] إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف قال: دخل علينا أنس يوم جمعة ونحن نتحدّث والإمام يخطب، فقال: مَهْ، فلما أُقيمت الصلاة قال: إنِّي أخاف أن أكون قد أبطلتُ جُمعتي بقولي لكم مَهْ.
[وقال ابن سعد:] قال أنس: يقولون: لا يجتمع حبُّ عليّ وعثمان في قلب رجل مؤمن، كذبوا والله، لقد جمع الله حُبَّهما في قلوبنا [أو في قلبي].
ولما قدم الحجاج العراق أرسل إلى أنس فقال: يَا أَبا حَمْزة، إنك قد صحبتَ رسول الله ﷺ ، ورأيتَ من عمله وسيرته ومنهاجه، فهذا خاتمي فليكن في يدك فأرى برأيك، فلا أعمل شيئًا إلَّا بأمرك، فقال له أنس: أنا شيخ كبير قد ضَعُفتُ ورَقَقْتُ، وليس فيّ اليوم ذاك، فقال: قد عملتَ لفلان وفلان فما بالي أنا؟ فانظر أحد بنيك (١) ممن تثق بدينه وأمانته وعقله، فقال: ما في بَنيّ مَن أثق لك به، حتَّى كثر الكلام بينهما.
وروى ابن سعد عن ثابت قال: (٢) كنا مع أنس يوم جمعة، فأخّر الحجاج الصلاة، فقام أنس ليُكَلِّمه في ذلك، فنهاه إخوانه وقالوا: نخاف عليك وعلى ولدك وأهلك، فخرج وركب دابته وانطلق نحو الزاوية وهو يقول: والله ما أعرف شيئًا مما كنا فيه على عهد رسول الله ﷺ إلَّا شهادة أن لا إله إلَّا الله، فقال له رجل: فالصلاة يَا أَبا حمزة؟ فقال: قد صليتُم الظهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ (٣)؟!
ذكر قصة أنس بن مالك مع الحجاج (٤):
قال ابن سعد بإسناده إلى عليّ بن زيد بن جُدعان قال: كنت في دار الإمارة والحجاج يَعرض الناس أيام ابن الأشعث، فدخل أنس بن مالك، فلما دنا من الحجاج قال الحجاج: يَا خُبَثَة، جَوّال في الفِتن، مرّة مع علي بن أبي طالب، ومرة مع ابن
стр. 4438
الزُّبير، ومرة مع ابن الأشعث، والله لأَسْتَأْصِلَنَّك كما تُستأصل الصَّمغَة، ولأُجَرِّدَنَّك كما يُجَرَّد الضَّب (١)، فقال له أنس: مَن يعني الأمير أصلحه الله؟ فقال: إياك أعني أصمَّ الله سمعك، فاسترجع أنس، وشُغل عنه الحجاج، فخرج أنس فتبعتُه وقلت: ما منعك أن تُجيبه؟ فقال: والله لولا أني ذكرتُ كَثْرةَ وَلَدي، وخشيت عليهم؛ لأسمعتُه في مقامي هذا ما لا يُستحسن لأحد بعدي (٢).
ثم قال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: وقد فعل الحجاج ذلك بغير واحد من الصَّحَابَة يريد أن يُذلَّهم بذلك، وقد مضت لهم العِزَّة بصحبة رسول الله ﷺ .
وقد ختم الحجاج أنسًا في عُنقه.
وقال ابن سعد [بإسناده] عن أَبان بن أبي عيَّاش قال: لما بنى الحجاج واسطًا، وفرغ من ابن الأشعث، دعا أنسًا وبين يديه خيلٌ تُعرض عليه فقال: أيها الشيخ، هل رأيتَ مع محمَّد مثل هذه الخيل؟ فقال: وما هذه الخيل؟! رأيتُ مع رسول الله ﷺ خيلًا غُدُوُّها ورَواحُها في سبيل الله، إنما الخيل ثلاثة: فما كان منها في سبيل الله ففيه من الأجر كذا وكذا، حتَّى أَرْواثُها في موازين أهلها، وما كان للفَحْلَة فهي في سبيل الله، وشَرُّها وأخبثُها ما كان للفخر والرياء (٣)، فقال الحجاج: لقد عِبتَ فما تركْتَ شيئًا، ولولا خِدمتُك لرسول الله ﷺ ، وكتابُ أمير المُؤْمنين فيك؛ لكان لي ولك شأن من شأن -وقد ذكرنا حديث الخيل فيما تقدم- فقال أنس: هيهات -أو أيهات- إنِّي لما خدمتُ رسول الله ﷺ علَّمني كلمات لا يَضرُّني معهنَّ عُتُوُّ جَبّار-وذكر ابن سعد كلامًا آخر- فقال له الحجاج: يَا عمّاه، لو عَلَّمْتَنيهِنّ، فقال: لستَ لذلك بأهل، فدس إليه الحجاج ابنَه محمدًا ومعه مئتا أَلْف درهم، ومات الحجاج قبل أن يظفر بالكلمات.
стр. 4439
قال: والكلمات هي: بسم الله على نفسي وديني، بسم الله على أهلي ومالي، بسم الله على كلّ شيءٍ أعطاني، بسم الله خير الأسماء، بسم الله رب الأرض والسماء، بسم الله الذي لا يَضُرُّ مع اسمه داء، بسم الله افتتحتُ، وعلى الله توكَّلتُ، الله ربي لا أشرك به أحدًا، اللهمَّ أَنْتَ جاري من كلّ سُوء، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، الآية، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، ومن تحتي.
هذا بمعنى ما ذكر ابن سعد (١) عن قصة أنس مع الحجاج.
وذكر الواقديّ أن عبد الله بن أنس بن مالك خرج مع ابن الجارود على الحجاج، وقُتل معه، ولما خرج ابن الأشعث كان أنس في جُملة القُرَّاء يُحَرِّض النَّاس على قتال الحجاج، فقال الحجاج: ما أرى أنسًا إلَّا يُعين علينا، فلما انقضت أيامُ ابن الأشعث، ودخل الحجاج البصرة، استصفى أموال أنس، ووَضع منه، فدخل أنس على الحجاج فسلّم عليه، فقال: لا مرحبًا ولا أهلًا، إيه يَا شيخ خُبَثَة، تارة مع أبي تُراب، وتارة مع ابن الجارود، وتارة مع ابن الأشعث، والله لأُجَرّدَنَك جَرْدَ القَضيب، ولأَعْصِبَنّك عَصْبَ السَّلَمة، وذكر بمعنى ما تقدّم.
قال: فقام أنس فخرج من عنده، وكتب إلى عبد الملك بن مروان: بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، لعبد الملك بن مروان أمير المُؤْمنين من أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وصاحبِه، أما بعد، فإن الحَجَّاج قال لي هُجْرًا من القول، وأسمعني نُكرًا، ولم أكن لما قال أهلًا، إنه قال لي كذا وكذا، وإني أَمُتُّ بخدمتي لرسول الله ﷺ عشر سنين كوامل، ولولا صِبيةٌ صغار ما باليتُ أيَّ قِتلة قُتلت، والله لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلًا خدم نبيّهم لأكرموه، فخذ لي على يده، وأعنّي عليه، والسلام.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب استشاط غَضَبًا، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإنك عبدٌ من ثَقيف، طَمِحت بك الأمور، فعلوتَ فيها وبغيتَ وطغيتَ، حتَّى عَدَوْتَ قَدْرَك، وتجاوزْتَ طَورَك، يا بن المُسْتَفْرِمَةِ بعَجَم الزَّبيب، لأغْمِزَنَّك غَمْزَة اللَّيث، ولأَخْبِطَنَّك
стр. 4440
خَبْطَةً، ولأَرْكُضَنَّك رَكْضَةً تَودُّ معها لو أنك رجعت في مَخرجك من وجار (١) أُمّك، أما تذكر حال آبائك ومكاسبَهم بالطائف، وحفرَهم الآبار بأيديهم، ونقلَهم الحجارة على ظهورهم، أم نسيت أجدادك في اللؤم والدَّناءة وخساسة الأصل، وقد بلغ أمير المؤمنين ما كان منك إلى أبي حَمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ القريب، وصاحبه في المشهد والمغيب، جُرْأَةً منك على الله ورسوله، وأميرِ المُؤْمنين والمسلمين، وإقدامًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فعليك لعنة الله من عَبدٍ أَخفَشِ العَينين، أصَكِّ الرِّجْلَين، ممسوح الجاعِرَتَين، لقد هممت أن أبعثَ إليك من يَسحبُك ظهرًا لبطن، أو بطنًا لظهر، حتَّى يأتي بك أَبا حمزة، فيكم فيك بما يراه، ولو علم أمير المُؤْمنين أنك اجتَرَمْتَ إليه جُرْمًا، أو انتهكْتَ له عِرضًا غير ما كُتب به إليك (٢)؛ لفُعل ذلك بك، فإذا قرأتَ كتابي هذا فكُن له أَطوعَ من نَعله، واعرف حقه، وأكرمه وأهلَه، ولا تُقصِّرن في شيءٍ من حوائجه، فوالله لو أن اليهود رأت رجلًا خدم العُزَير، ولو رأت النصارى رجلًا خدم المسيح، لوَقَّروه وعظَّموه، فتبًّا لك، لقد اجترأتَ ونسيتَ العهد، وإياك أن يبلغني عنك خلافُ ذلك، فأبعث إليك مَن يضربُك بَطْنا لظهر، ويَهتكُ سِترك، ويُشْمِت بك عدوَّك، والْقَه في منزله مُتَنصِّلًا إليه، وليكتب إليَّ برضاه عنك، ولكلِّ نبأ مُستَقَرّ وسوف تعلمون.
وكتب عبد الملك إلى أنس: لأبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ من عبد الملك، سلامٌ عليك، أما بعد، فإني قرأتُ كتابَك، وفهمتُ ما ذكرتَ في أمر الحجاج، وإني والله ما سَلَّطْتُه عليك، ولا على أمثالك وقد كتبتُ إليه ما يبلغك، فإن عاد لمثلها فعَرِّفني حتَّى أُحِلَّ به عُقوبتي، وأُذِلَّه بسَطوتي، والسلام عليك.
ثم دعا إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر -وكان صديقًا للحجاج- قال إسماعيل: فدخلتُ عليه في ساعة لم يكن يَبعثُ إليّ فيها، وهو أشدُّ حَنَقًا وغَيظًا فقال: يَا إسماعيل، ما أشدّ علي إلَّا أن تقول الرَّعِيّة: إنِّي ضَعُفْتُ وضاق ذَرْعي عن رجل من ﷺ ، لا يَقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيئة، فقلت: وما ذاك؟
стр. 4441
فقال: أنس بن مالك؟ كتب إليّ بكذا وكذا، فاذهب بهذين الكتابين إلى أنس بن مالك والحجاج، وابدأ بأنس، وقل له: أمير المُؤْمنين يُسلّم عليك ويقول: قد كتبت إلى عبد بني ثَقيف كتابًا إذا قرأه كان أَطْوَع لك من أمتك، واستعرِضْ حوائجه.
قال إسماعيل: فركبت على خيل البريد، وسِرْتُ حتَّى قَدِمتُ على الحجاج فقال: مرحبًا بمن كنتُ أحبُّ لقاءَه، فقلت له: وأنا كذلك إلَّا في هذه المرة، قال: ولم؟ قلت: تركتُ عبد الملك عليك حَنقًا، ورميتُ بالكتاب إليه، فجعل يقرؤه وَيتَمَعَّر وَجهُه، وَيرشَحُ عَرَقًا، ويقول: يغفر الله لأمير المُؤمنين، ثم قال: نمضي إلى أنس، فقلت له: على رِسلك، ثم مضيتُ إلى أنس وقلت: يَا أَبا حمزة، قد فعل أمير المُؤْمنين معك ما فعل، وهو يقرأ عليك السلام ويَستعرض حوائجَك، فبكى أنس وقال: جزاه الله خيرًا، كان أعرفَ بحقّي، وأبرَّ بي من الحجاج، قلت: وقد عزم الحجاج على المجيء إلى منزلك، فإن رأيتَ أن تتفضَّل عليه فأنت أولى بالفضل.
فقام أنس ودخل على الحجاج، فقام إليه واعتنقه، وأجلسه معه على سريره، وقال: يَا أَبا حمزة عَجَّلْتَ عليّ بالملامة، وأغضبتَ أمير المُؤْمنين، وأخذ يعتذر إليه ويقول: قد علمتَ شَغَب أهل العراق، وما كان من ابنك مع ابن الجارود، ومن خروجك مع ابن الأشعث، فأردتُ أن يعلموا أني أسرع إليهم بالعقوبة إذ قلت لمثلك ما قلت، فقال أنس: ما شكوتُ حتَّى بلغ مني الجهد، زعمتَ أننا الأشرار، واللهُ سمّانا الْأَنصار، وزعمتَ أننا أهل النّفاق، ونحن الذين تبوَّأنا الدّار والإيمان، والله يحكم بيننا وبينك، وما وَكَلْتُك إلى أمير المُؤْمنين إلَّا حيث لم يكن لي بك قوة، ولا آوي إلى ركن شديد، ودعا لعبد الملك وقال: إن رأيتُ خيرًا حمدتُ، وإن رأيت شرًّا صبرتُ، وبالله استعنت.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك؟ أما بعد، فأصلح الله أمير المُؤْمنين وأبقاه ولا أعدمناه، وصَلَني الكتاب تذكر فيه شَتْمي وتعييري بما كان من قَبْل نُزول النِّعمة بي من أمير المُؤْمنين، ويذكر استطالتي على أنس جُرأةً مني على أمير المُؤْمنين، وغِرَّةً مني بمعرفة سَطَواته ونَقِماته، وأمير المُؤْمنين أعزّه الله في قرابته من رسول الله ﷺ أحقّ مَن أقالني عَثرتي، وعفا عن جَريمتي، ولم يُعَجِّل عقوبتي ورأيه العالي في تفريج كُربتي،
стр. 4442
وتسكين روعتي، أقاله الله العَثَرات، وقد رأى إسماعيل بن أبي المهاجر خضوعي لأنس، وإعظامي إياه، واعتذر اعتذارًا كثيرًا (١).
قول الحجاج: لأَقْلَعَنَّك قَلْعَ الصَّمْغَة؛ [يريد: أستأصلُك] لأن الصَّمْغَ إذا قُلع لم يَبْقَ له أَثَر.
وقوله: لأُجَرِّدَنّك جَرْدَ الضَّرَب؛ وهو العَسَل الأبيض.
وأما المُسْتَفْرِمَةُ بعَجَم الزَّبيب؛ [فيريد أنها تعالج به فَرْجَها] حتَّى يضيق، كذا ذكر الجوهري، وأنشد: [من الرجز]
مُسْتَفْرِمَاتٍ بالحَصى جَوافِلا
وفسّره فقال: يقول: من شدّة جريها يدخل الحصى في فرجها. قال: وكتب عبد الملك إلى الحجاج: يابن المستفرمة بعجم الزبيب (٢)، بتحريك الجيم.
وقال ابن قتيبة: لست أدري من أيّ شيءٍ أُخذ هذا الحرف، إلَّا أنَّه يقال: استَفْرَمَتِ البَغِيُّ؛ إذا فعلت ذلك.
وقال الفَرْويّ: الفَرْمُ أن تُضيِّق المرأةُ فرجَها بالعَفِصَة ليَستَحْصِف.
وأما الجاعِرَتان فموضع الرَّقْمَتين من استِ الحمار. قال الجوهري: وهو مَضْرِبُ الفَرس بذَنَبه على فخذيه (٣). قلت: وهذا اللفظ مستحقر من عبد الملك مع فصاحته وتحفظه في مقالته، وقد قيل: إنه ما عرف لعبد الملك كتاب أفحش من هذا.
وحكى ابن عساكر (٤)، عن أبي مُسهر قال: قدم أنس دمشق على الوليد لما استُخلف سنة ست وثمانين، وقيل: في سنة اثنتين وتسعين.
وقال مكحول: رأيت أنسًا يمشي في جامع دمشق.
стр. 4443
وقال الزُّهْرِيّ: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أعرف شيئًا مما كنا فيه على عهد رسول الله ﷺ إلَّا الشهادة، قلت: فالصلاة؟! قال: قد علمتَ ما صنعوا فيها (١).
[وحكى ابن سعد، عن] عيسى بن طَهمان قال: رأيت أنسًا دخل على الحجاج وعليه عِمامة سوداء، وقد خَضَب لحيتَه بالصُّفرة.
وقال ابن سعد: ضَعُف أنس عن الصوم في رمضان، فكان يُطعم كل ليلةٍ ثلاثين مسكينًا الخبز واللحم، وقيل: ستين مسكينًا.
وكان نقش خاتمه: محمَّد رسول الله، فإذا دخل الخلاء وضعه.
وقيل: كان نقش خاتمه أَسَد رابِض، وقيل: ثعلب، وقيل: أرنب.
وكان يلبس الخَزَّ والمُعَصْفَر.
وقال سعيد بن جبير: لو رآه السَّلَف لأوجعوه (٢).
ذكر وفاته:
[وقد اختلفوا فيها؛ فحكى ابن سعد، عن عفان بن مسلم بإسناده إلى] النَّضْر بن أنس بن مالك وأنس يومئذ حيّ قال: قال أنس بن مالك: لولا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَتَمنَّيَنّ أحدكم الموت" لتمنَّيتُه.
وقال ابن سعد: أوصى أن يُغَسِّلَه محمَّد بن سيرين، وكان محمَّد محبوسًا، فكلَّم عمر بن يزيد المرأةَ التي حبسته، فأخرجته من السجن، فغسله ثم عاد إلى الحبس، وكان ابن سيرين يَشكرها لآل عمر بن يزيد حتَّى مات.
وجعلوا في حَنوطه مِسْكًا وشَعَرًا من شعر رسول الله ﷺ .
وقال عبد الله بن يزيد الهلالي: حضرتُ (٣) أنسًا مات بالبصرة سنة اثنتين وتسعين، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وهو آخر من مات من الصَّحَابَة بالبصرة.
стр. 4444
وقال ابن سعد: سأَلتُ القاضي محمَّد بن عبد الله الأَنْصَارِيّ: ابنُ كم كان أنس يوم مات؟ فقال: ابن مئة وسبع سنين.
وقال موسى السَّبَلانيّ: قلت لأنس: أنس آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من الصحابة فأنا آخر من بقي (١).
وقال الإِمام أحمد ﵀: مات أنس في سنة ثلاث وتسعين قبل موت الحجاج بسنتين.
وقال الهيثم: سنة تسعين، وقال ابن عبد البر: مات أنس بقصره بالطَّفِّ على فرسخين من البصرة (٢).
وصلى عليه محمَّد بن سيرين بوصيَّة من أنس [وكان محبوسًا، فكلّم عمر بن يزيد بن عُمير -وكنيته أبو حفص- أصحابَ الدَّين فأذنوا له، فخرج فغسَّلَه وصلّى عليه ودفنه عند قَصْره.
وقال ابن عساكر: وهذا عمر بن يزيد ولي شرطة البصرة للحجاج بن يوسف، ووليها خالد (٣) بن عبد الله القَسْري.
وكان فاضلًا، قتله خالد بن عبد الله القسري لشيء بلغه عنه، وإنما قتله مالك بن المنذر بن الجارود (٤).
واختلفوا في سنّ أنس؛ فحكينا عن ابن سعد قولين: أحدهما تسعًا وتسعين سعنة، والثاني: مئة وسبع سنين.
وقال حُميد الطّويل: عاش مئة سنة، وقيل: مئة وعشرين، وقيل: مئة وثلاث سنين. وقد ذكرنا عنه أنَّه قال: مات رسول الله ﷺ ولي عشرون (٥).]
стр. 4445
ذكر أولاده:
قد حكينا عن ابن عساكر أنَّه قال: دفن من صُلبه إلى مَقدم الحجاج البصرة بضعًا وعشرين ومئة ولد، [والحجاج قدمها في سنة خمس أو ست وسبعين، وقد ذكرناه.
وقال ابن سعد: أخبرني بعض أهل العلم أنَّه وُلد لأنس] من صُلبه ثمانون ولدًا، ويقال: مئة.
قال ابن سعد: والذي أحْصَوا لنا من ولده: عبد الله وأمُه الفارغة بنت المثنَّى.
وعبد الله من الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل البصرة، وكان ثِقَة قليل الحديث.
وزيدًا، وعُبيد الله قُتل يوم الحَرَّة، وأمُّهما كريمة بنت وَعْلة.
ويحيى قُتل يوم الحَّرة، وخالدًا، وموسى، وأمهم من أهل اليمن.
وموسى من الطَّبقة الثَّانية، وكان ثقةً قليلَ الحديث.
والنّضْر من الطَّبقة الثَّانية وله أحاديث.
وأبا بكر لأُمِّ ولد.
والعلاء، وأمه رَمْلَة بنت نُعَيم بن واقد، من بني جُشَم.
والبراء وأبا عُمير، وأمهما من بني يَشْكر.
وعُمر (١)، وأمه بنت الجارود بن عبد القيس.
ورَمْلَة لأم ولد، وأُميمة لأم ولد، وأم حرام لأم ولد. ومالك بن أنس بن مالك من الطَّبقة الثَّانية من أهل البصرة (٢).
والمشهور أنَّه كان لأنس ﵁ مئة ولد، مات منهم في الطاعون الجارف ثمانون.
[وقال هشام:] وقد كان لجماعة مئة ولد؛ منهم: أبو بَكْرَة نُفَيع مولى رسول الله ﷺ ، وخَليفة السَّعدي، وعبد الله بن عُمير اللَّيثي، وجعفر بن سُليمان الهاشمي (٣)، ولم
стр. 4446
يمت (١) كلّ واحد منهم حتَّى رأى من صُلبه مئة ولد، ويقال: إنه لا يعرف لهم سادس.
[وليس في الصَّحَابَة من اسمه أنس بن مالك سوى اثنين؛ أحدهما هذا، والثاني كنيته أبو أمية الكعبي، له صحبة ورواية (٢).]
ذكر مسانيده:
أسند أنس عن رسول الله ﷺ ألفي حديث ومئتي حديث وستة وثمانين حديثًا.
أخرج له في "الصحيحين" ثلاث مئة وثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على مئّة وثمانية وستين، وانفرد البُخَارِيّ بثمانين، ومسلم بتسعين (٣).
وأخرج له الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه أربع مئة ونيفًا وثمانين، منها مُتَّفق عليه، ومنها أفراد.
وروى أنس عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، وابن مسعود، وحُذيفة، ومعاذ، وأبي ذرّ، وأبي الدّرداء، وعُبادة بن الصامت وغيرهم.
وروى عنه أعيان التابعين؛ فمن أهل البصرة: قتادة، وثابت البُناني، وحُمَيد الطَّويل، وأبو قِلابة، والحسن، وابن سِيرين في خَلْقٍ كثير.
ومن أهل الكوفة: عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيلى، والشّعبي، وأبو مالك الأَشْعريّ وأقرانهم.
ومن أهل الشَّام: مَكحول وغيره.
ومن أهل المدينة: الفقهاء السبعة وأقرانهم، وبنو أنس: عبد الله وموسى ويحيى.
ومن مسانيد أنس قال: قيل يَا رسول الله، متى نَدَعُ الائتمارَ بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال: "إذا ظهر فيكم مثل ما ظهر في بني إسرائيل؛ إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رُذَّالِكم".
стр. 4447
وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : "إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فَسِيلة فلْيَغرِسْها" (١).
بلال بن أبي الدّرداء
أبو مُحَمَّد، الْأَنصاري، من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل الشَّام، وكان قاضيًا على دمشق في زمن يزيد بن معاوية وبعده، حتَّى عزله عبد الملك، وولى أَبا إدريس الخَولاني.
وكان بلال أميرًا على الشَّام، ومات في سنة اثنتين -أو ثلاث- وتسعين.
وأمه أم محمَّد بنت أبي حَدْرَد الأَسْلميّ.
روى عن أبيه، وعن أم الدَّرداء، وروى عنه إبراهيم بن أبي عَبْلَة وغيره.
وكان لا يضرب شاهد الزُّور بالسَّوط، ولكن يَقِفُه على دَرَج دمشق ويقول: هذا شاهد زور فاعرفوه (٢).
عبد الرحمن بن يزيد
ابن جارية بن عامر بن مُجَمِّع، أبو مُحَمَّد الأنصاري.
من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمه جَميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح وأخوه لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب.
ولد عبد الرحمن على رسول الله ﷺ ، وروى عن عثمان رضوان الله عليه، وولي القضاء على المدينة لعمر بن عبد العزيز، ومات بها سنة ثلاث وتسعين، وكان ثِقَة كثير الحديث (٣).
وكان له أولاد؛ منهم: عيسى قُتل يوم الحرَّة، وإسحاق، وجَميلة، وأمّ عبد الله، وأم أيوب، وأم عاصم، وأمهم حَسنة بنت بُكير بن جارية، وجميل لأم ولد، وعبد الكريم وعبد الرَّحْمَن، وأمهما أُمامة بنت عبد الله، مَخْزوميّة.
стр. 4448
مالك بن أوس
ابن الحَدَثان، البَصريّ، أبو سعيد، أحد بني نَصْر بن معاوية.
من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، وركب الخيل في الجاهلية، وكان قديمًا، ولكنه تأخّر إسلامُه، ومات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين.
وكان عريفَ قومه في زمن عمر بن الخطاب، وشهد خُطبة عمر بالجابية، وفتوح القدْس معه، قال: دخلت القدس، فجعل عمر الصَّخرةَ خلف ظهره وقال: هذه قبلة اليهود، فقال له عبد الله بن سَلَام: فخالِفْهم، فخالفَهم.
وقال ابن عبد البر: روى عن العشرة المبشَّرين، والعباس بن عبد المطَّلب.
وعاش أربعًا وتسعين سنة. وروى عنه عكرمة بن خالد، ومحمَّد بن جُبَير بن مُطْعِم، والزّهري، وأبو الزُّبير، ومحمَّد بن المُنْكَدِر وغيرهم (١).
السنة الثالثة والتسعون
[قال علماء السير:] وفيها فتح قُتيبة بن مسلم خُوارزم وسَمَرْقَنْد، وسُكَّانها [يقال لهم:] الصُّغْد، وبنى بها مسجدًا، وخطب بنفسه، وأخذ من أهلها عن رؤوسهم ستة آلاف أَلْف وثلاثين ألفًا، ووجد في سمرقند جارية من ولد يَزْدَجِرد، فبعث بها إلى الحجاج، فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها يزيد بنَ الوليد.
ذكر تلخيص القصة:
كان ملك خُوارزم قد غلب عليه أخوه خُرَّزاذ، واستولى على الممالك، وكان إذا بلغه أن عند أحد من أصحاب أخيه جارية أو دابة أو متاعًا، أو كان لبعض أصحاب الملك خُوارزم شاه أخت أو ابنة جميلة أرسل خُرَّزاذ فأخذها غَصْبًا، فخاف أخوه منه، فكتب إلى قُتيبة يدعوه إلى بلاده، وشرط عليه أن يُسلم إليه أخاه خُرَّزاذ، وكُلّ عدوّ له، يرى فيه رأيَه، ولم يُطلع أحدًا على مُكاتبته قتيبة، فأجابه قتيبة إلى ما سأل، وجاء زمان
стр. 4449
الغزو، فسار قتيبة في جيوشه، وأظهر أنَّه يريد السُّغْد، ولم يتعرض لبلاد خُوارزم شاه، ثم عطف عليها، ونزل قريبًا منها، فقال خُوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: نقاتله، فقال: لا ولكن نصالحه، قالوا: افعل، فصالحه قتيبة على عشرة آلاف رأس، ومال ومتاع وغير ذلك، ووفى له قتيبة، ورجع طالبًا السُّغْد وملكها -ويقال له: طرخون- وكان قد نقض العهد، وجَهّز أخاه عبد الرَّحْمَن بن مُسلم في عشرين ألفًا، وسار مع قتيبة عسكرُ خُوارزم شاه وبُخارى في جمع عظيم، فحصرهم شهرًا.
وكتب أهل الصُّغد إلى ملوك الشّاش وفَرَغانة أن العرب قد أحاطوابنا، وإذا فرغوا منا جاؤوا إليكم، فأرسلوا إليهم: نحن واصلون فاشغلوهم في ناحيتكم حتَّى نُبَيّتهم. وانتخَبوا من أبناء الفرسان والأساورة المَرازِبة والشّجعان جيشًا (١)، وأمروهم أن يُبَيّتوا المسلمين.
وجاءت عيون قتيبة فأخبرته، فجهّز إليهم ست مئة من أبطال المسلمين، عليهم صالح بن مسلم، وأمره أن يقف في الطريق الذي يأتون منه، فخرج صالح ففرَّق أصحابَه ثلاث فِرق؛ فرقتين كمينين في موضعين، ونزل هو على قارعة الطريق في فرقة، وطرقهم الكفار ليلًا وهم آمنون؛ لعلمهم أن ذلك الطريق الذي عليه صالح لا تُسلك. وثار صالح، وخرج الكمينان والتقوا، وقاتل الكفار قتالًا لم يقاتله غيرهم، وصبروا فنصر الله المسلمين عليهم، فقتلوهم وحزُّوا رؤوسَهم، وأسروا الباقين، وسألوا الأسارى: مَن قَتَلْنا؟ فقالوا: ما قتلتم إلَّا ابنَ ملك، أو عظيمًا أو شجاعًا، فكتبوا أسماءهم على رؤوسهم، وساروا إلى عسكر قتيبة عند الصباح، فدخلوا والرؤوس مُعلَّقة في رقاب خيولهم، وقد غنموا شيئًا كثيرًا من مناطق الذهب المجوهرة وغيرها.
وبلغ السُّغد فانكسروا، ونصب عليهم المجانيق والرّمايات، وجدّ في قتالهم قتيبة بنفسه، ونصح أهلُ خوارزم وبخارى.
فبعث إليه الملك يقول: أَنْتَ إنما تقاتلني بأهلي من الأْعاجم، فأخرج إليّ العرب، فغضب قتيبة، وأمر العرب أن يقاتلوهم دون العجم، وثلموا في السور ثُلمة، فسدُّوها
стр. 4450
بغرائر الدُّخن (١)، وصاحوا: الصلح؛ لما رأوا الغلبة، فصالحهم قتيبة على ألفي أَلْف ومئتي أَلْف في كل عام، وعلى أن يُعطوه في تلك السنة ثلاثين أَلْف رأس؛ ليس فيهم صبي ولا شيخ، وعلى أن يُخلوا المدينة لقتيبة، ويُخرجوا منها المقاتلة، ويدخلها قتيبة فيبني بها مسجدًا ويصلّي فيه ويخطب ويتغدّى ويخرج منها، فأجابوه، فقال: ابعثوا إلينا ما صالحناكم عليه، فأرسلوا إليه بالمال والرؤوس، فقال قتيبة: الآن ذَلُّوا حين صار أولادهم وإخوانهم في أيدينا.
ثم أخلَوا المدينة، وبنوا جامعًا، ونصبوا منبرًا، وانتخب قتيبة أربعة آلاف فارس ودخلها، فأتى المسجد، وصلّى وخطب ثم تغدّى، وأرسل إلى أهلها: لستُ بخارج منها فخذوا ما أعطيتمونا. وكان قتيبة يُعَيَّر بالغدر بأهل سمرقند.
وفي رواية: صالحهم على مئة أَلْف رأس، وبيوت النيران، وحِلية الأصنام، فأحضرت الأصنام بين يديه -وكانت عظيمة- فأمر بإحراقها، فجاءه ملك الصُّغْد والأكابر وقالوا: إن فيها أصنامًا مَن حرقها هلك، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، وقام وأخذ بيده شعلة نار، وكَبّر وأحرقها، فوجدوا ما كان فيها من بقايا مسامير الذهب والفضة خمسين أَلْف مِثقال، ثم وجدوا جاريةً مَن بنات يَزْدَجِرد، فقال قتيبة: أترون ابنَ هذه يكون هجينًا؟ قالوا: نعم، يكون هجينًا من قبل أَبيه، فأرسل بها إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد، فولدت يزيد بن الوليد.
وفي رواية: أن قتيبة لما نازل سمرقند، واشتدّ القتال، فقال قتيبة ليلة يخاطب نفسه: حتَّى متى يَا سمرقند يُعَشِّش فيك الشيطان؟! أما والله لئن أصبحتُ لأُحاولَنّ من أهلِك أقصى غاية، فكان كما قال؛ قاتلهم في صبيحة تلك الليلة قتالًا عظيمًا، قُتل من الفريقين خلق كثير.
وكتب قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند مع رجل من أهل خراسان، فبعث برسوله إلى الشَّام يُبَشِّر الوليد، قال: فدخلتُ مسجدَ دمشق قبل طلوع الشَّمس، فجلست وإلى جنبي رجل ضرير، فسألتُه عن شيء من أمر الشام فقال: إنك لغريب؟ قلت: أَجل، قال: من أين أَنْتَ؟ قلت: من خراسان، قال: ما أقدمك؟ قلت: أُبشّر بفتح سمرقند،