← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

يمت (١) كلّ واحد منهم حتَّى رأى من صُلبه مئة ولد، ويقال: إنه لا يعرف لهم سادس. [وليس في الصَّحَابَة من اسمه أنس بن مالك سوى اثنين؛ أحدهما هذا، والثاني كنيته أبو أمية الكعبي، له صحبة ورواية (٢).] ذكر مسانيده: أسند أنس عن رسول الله ﷺ ألفي حديث ومئتي حديث وستة وثمانين حديثًا. أخرج له في "الصحيحين" ثلاث مئة وثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على مئّة وثمانية وستين، وانفرد البُخَارِيّ بثمانين، ومسلم بتسعين (٣). وأخرج له الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه أربع مئة ونيفًا وثمانين، منها مُتَّفق عليه، ومنها أفراد. وروى أنس عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، وابن مسعود، وحُذيفة، ومعاذ، وأبي ذرّ، وأبي الدّرداء، وعُبادة بن الصامت وغيرهم. وروى عنه أعيان التابعين؛ فمن أهل البصرة: قتادة، وثابت البُناني، وحُمَيد الطَّويل، وأبو قِلابة، والحسن، وابن سِيرين في خَلْقٍ كثير. ومن أهل الكوفة: عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيلى، والشّعبي، وأبو مالك الأَشْعريّ وأقرانهم. ومن أهل الشَّام: مَكحول وغيره. ومن أهل المدينة: الفقهاء السبعة وأقرانهم، وبنو أنس: عبد الله وموسى ويحيى. ومن مسانيد أنس قال: قيل يَا رسول الله، متى نَدَعُ الائتمارَ بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال: "إذا ظهر فيكم مثل ما ظهر في بني إسرائيل؛ إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رُذَّالِكم".

стр. 4447

وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : "إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فَسِيلة فلْيَغرِسْها" (١). بلال بن أبي الدّرداء أبو مُحَمَّد، الْأَنصاري، من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل الشَّام، وكان قاضيًا على دمشق في زمن يزيد بن معاوية وبعده، حتَّى عزله عبد الملك، وولى أَبا إدريس الخَولاني. وكان بلال أميرًا على الشَّام، ومات في سنة اثنتين -أو ثلاث- وتسعين. وأمه أم محمَّد بنت أبي حَدْرَد الأَسْلميّ. روى عن أبيه، وعن أم الدَّرداء، وروى عنه إبراهيم بن أبي عَبْلَة وغيره. وكان لا يضرب شاهد الزُّور بالسَّوط، ولكن يَقِفُه على دَرَج دمشق ويقول: هذا شاهد زور فاعرفوه (٢). عبد الرحمن بن يزيد ابن جارية بن عامر بن مُجَمِّع، أبو مُحَمَّد الأنصاري. من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمه جَميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح وأخوه لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب. ولد عبد الرحمن على رسول الله ﷺ ، وروى عن عثمان رضوان الله عليه، وولي القضاء على المدينة لعمر بن عبد العزيز، ومات بها سنة ثلاث وتسعين، وكان ثِقَة كثير الحديث (٣). وكان له أولاد؛ منهم: عيسى قُتل يوم الحرَّة، وإسحاق، وجَميلة، وأمّ عبد الله، وأم أيوب، وأم عاصم، وأمهم حَسنة بنت بُكير بن جارية، وجميل لأم ولد، وعبد الكريم وعبد الرَّحْمَن، وأمهما أُمامة بنت عبد الله، مَخْزوميّة.

стр. 4448

مالك بن أوس ابن الحَدَثان، البَصريّ، أبو سعيد، أحد بني نَصْر بن معاوية. من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، وركب الخيل في الجاهلية، وكان قديمًا، ولكنه تأخّر إسلامُه، ومات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. وكان عريفَ قومه في زمن عمر بن الخطاب، وشهد خُطبة عمر بالجابية، وفتوح القدْس معه، قال: دخلت القدس، فجعل عمر الصَّخرةَ خلف ظهره وقال: هذه قبلة اليهود، فقال له عبد الله بن سَلَام: فخالِفْهم، فخالفَهم. وقال ابن عبد البر: روى عن العشرة المبشَّرين، والعباس بن عبد المطَّلب. وعاش أربعًا وتسعين سنة. وروى عنه عكرمة بن خالد، ومحمَّد بن جُبَير بن مُطْعِم، والزّهري، وأبو الزُّبير، ومحمَّد بن المُنْكَدِر وغيرهم (١). السنة الثالثة والتسعون [قال علماء السير:] وفيها فتح قُتيبة بن مسلم خُوارزم وسَمَرْقَنْد، وسُكَّانها [يقال لهم:] الصُّغْد، وبنى بها مسجدًا، وخطب بنفسه، وأخذ من أهلها عن رؤوسهم ستة آلاف أَلْف وثلاثين ألفًا، ووجد في سمرقند جارية من ولد يَزْدَجِرد، فبعث بها إلى الحجاج، فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها يزيد بنَ الوليد. ذكر تلخيص القصة: كان ملك خُوارزم قد غلب عليه أخوه خُرَّزاذ، واستولى على الممالك، وكان إذا بلغه أن عند أحد من أصحاب أخيه جارية أو دابة أو متاعًا، أو كان لبعض أصحاب الملك خُوارزم شاه أخت أو ابنة جميلة أرسل خُرَّزاذ فأخذها غَصْبًا، فخاف أخوه منه، فكتب إلى قُتيبة يدعوه إلى بلاده، وشرط عليه أن يُسلم إليه أخاه خُرَّزاذ، وكُلّ عدوّ له، يرى فيه رأيَه، ولم يُطلع أحدًا على مُكاتبته قتيبة، فأجابه قتيبة إلى ما سأل، وجاء زمان

стр. 4449

الغزو، فسار قتيبة في جيوشه، وأظهر أنَّه يريد السُّغْد، ولم يتعرض لبلاد خُوارزم شاه، ثم عطف عليها، ونزل قريبًا منها، فقال خُوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: نقاتله، فقال: لا ولكن نصالحه، قالوا: افعل، فصالحه قتيبة على عشرة آلاف رأس، ومال ومتاع وغير ذلك، ووفى له قتيبة، ورجع طالبًا السُّغْد وملكها -ويقال له: طرخون- وكان قد نقض العهد، وجَهّز أخاه عبد الرَّحْمَن بن مُسلم في عشرين ألفًا، وسار مع قتيبة عسكرُ خُوارزم شاه وبُخارى في جمع عظيم، فحصرهم شهرًا. وكتب أهل الصُّغد إلى ملوك الشّاش وفَرَغانة أن العرب قد أحاطوابنا، وإذا فرغوا منا جاؤوا إليكم، فأرسلوا إليهم: نحن واصلون فاشغلوهم في ناحيتكم حتَّى نُبَيّتهم. وانتخَبوا من أبناء الفرسان والأساورة المَرازِبة والشّجعان جيشًا (١)، وأمروهم أن يُبَيّتوا المسلمين. وجاءت عيون قتيبة فأخبرته، فجهّز إليهم ست مئة من أبطال المسلمين، عليهم صالح بن مسلم، وأمره أن يقف في الطريق الذي يأتون منه، فخرج صالح ففرَّق أصحابَه ثلاث فِرق؛ فرقتين كمينين في موضعين، ونزل هو على قارعة الطريق في فرقة، وطرقهم الكفار ليلًا وهم آمنون؛ لعلمهم أن ذلك الطريق الذي عليه صالح لا تُسلك. وثار صالح، وخرج الكمينان والتقوا، وقاتل الكفار قتالًا لم يقاتله غيرهم، وصبروا فنصر الله المسلمين عليهم، فقتلوهم وحزُّوا رؤوسَهم، وأسروا الباقين، وسألوا الأسارى: مَن قَتَلْنا؟ فقالوا: ما قتلتم إلَّا ابنَ ملك، أو عظيمًا أو شجاعًا، فكتبوا أسماءهم على رؤوسهم، وساروا إلى عسكر قتيبة عند الصباح، فدخلوا والرؤوس مُعلَّقة في رقاب خيولهم، وقد غنموا شيئًا كثيرًا من مناطق الذهب المجوهرة وغيرها. وبلغ السُّغد فانكسروا، ونصب عليهم المجانيق والرّمايات، وجدّ في قتالهم قتيبة بنفسه، ونصح أهلُ خوارزم وبخارى. فبعث إليه الملك يقول: أَنْتَ إنما تقاتلني بأهلي من الأْعاجم، فأخرج إليّ العرب، فغضب قتيبة، وأمر العرب أن يقاتلوهم دون العجم، وثلموا في السور ثُلمة، فسدُّوها

стр. 4450

بغرائر الدُّخن (١)، وصاحوا: الصلح؛ لما رأوا الغلبة، فصالحهم قتيبة على ألفي أَلْف ومئتي أَلْف في كل عام، وعلى أن يُعطوه في تلك السنة ثلاثين أَلْف رأس؛ ليس فيهم صبي ولا شيخ، وعلى أن يُخلوا المدينة لقتيبة، ويُخرجوا منها المقاتلة، ويدخلها قتيبة فيبني بها مسجدًا ويصلّي فيه ويخطب ويتغدّى ويخرج منها، فأجابوه، فقال: ابعثوا إلينا ما صالحناكم عليه، فأرسلوا إليه بالمال والرؤوس، فقال قتيبة: الآن ذَلُّوا حين صار أولادهم وإخوانهم في أيدينا. ثم أخلَوا المدينة، وبنوا جامعًا، ونصبوا منبرًا، وانتخب قتيبة أربعة آلاف فارس ودخلها، فأتى المسجد، وصلّى وخطب ثم تغدّى، وأرسل إلى أهلها: لستُ بخارج منها فخذوا ما أعطيتمونا. وكان قتيبة يُعَيَّر بالغدر بأهل سمرقند. وفي رواية: صالحهم على مئة أَلْف رأس، وبيوت النيران، وحِلية الأصنام، فأحضرت الأصنام بين يديه -وكانت عظيمة- فأمر بإحراقها، فجاءه ملك الصُّغْد والأكابر وقالوا: إن فيها أصنامًا مَن حرقها هلك، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، وقام وأخذ بيده شعلة نار، وكَبّر وأحرقها، فوجدوا ما كان فيها من بقايا مسامير الذهب والفضة خمسين أَلْف مِثقال، ثم وجدوا جاريةً مَن بنات يَزْدَجِرد، فقال قتيبة: أترون ابنَ هذه يكون هجينًا؟ قالوا: نعم، يكون هجينًا من قبل أَبيه، فأرسل بها إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد، فولدت يزيد بن الوليد. وفي رواية: أن قتيبة لما نازل سمرقند، واشتدّ القتال، فقال قتيبة ليلة يخاطب نفسه: حتَّى متى يَا سمرقند يُعَشِّش فيك الشيطان؟! أما والله لئن أصبحتُ لأُحاولَنّ من أهلِك أقصى غاية، فكان كما قال؛ قاتلهم في صبيحة تلك الليلة قتالًا عظيمًا، قُتل من الفريقين خلق كثير. وكتب قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند مع رجل من أهل خراسان، فبعث برسوله إلى الشَّام يُبَشِّر الوليد، قال: فدخلتُ مسجدَ دمشق قبل طلوع الشَّمس، فجلست وإلى جنبي رجل ضرير، فسألتُه عن شيء من أمر الشام فقال: إنك لغريب؟ قلت: أَجل، قال: من أين أَنْتَ؟ قلت: من خراسان، قال: ما أقدمك؟ قلت: أُبشّر بفتح سمرقند،

стр. 4451

فقال: والذي بعث محمدًا بالحق ما افتتحتموها إلَّا غدرًا، وإنكم يَا أهل خراسان الذين تَسلُبون بني أمية مُلكَهم، وتنقضون دمشق حَجَرًا حجرًا. ودعا قتيبة نَهارَ بنَ تَوْسِعة فقال: يَا نهار، أين قولُك: [من الطَّويل] ألا ذهب الغَزْوُ المُقرِّبُ للغِنى … ومات النّدى والجُودُ بعد المُهَلَّبِ أقاما بمَرْوالرُّوْذِ رَهْنَ ضَريحِه … فقد غُيِّبا من كلِّ شَرْقٍ ومَغْرِبِ فغَزْوٌ هذا يَا نهار؟ قال: نعم، هذا أحسن، وأنا الذي أقول: [من الطَّويل] وما كان مُذْ كنا ولا كان قبلنا … ولا هو فيما بعدنا كابن مُسْلمِ أعَمّ لأهل التُّرك قَتْلًا بسَيفه … وأكثَرَ فينا مَقْسِمًا بعد مَقْسِمِ وارتحل قتيبة راجعًا إلى مَرْوالرُّوذ، واستخلف على سَمَرْقَند أخاه عبد الله بن مسلم في جند كَثيف، وأوصاه فقال: لا تَدَعَنّ كافرًا يدخل البلد إلا مَختومَ اليَدِ، فإن جَفَّت الطِّينةُ قبل أن يخرج فاقتله، ومن وجدتَ معه حديدةً فاقتله، ومن بات بها منهم فاقتله. وقيل: إنه فتح خُوارزم أَيضًا في هذه السنة، ثم عاد إلى مرو. [فصل]: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلادَ الرُّوم، ففتح حصنَ الحَديد، وقلعة غَزالة، وغزا أيضًا العباسُ بنُ الوليد، ففتح سمسطة (١) وطُوس، والمرزبان، وكاشه، وغزا مروانُ بنُ الوليد فبلغ خَنْجرة. وفيها أجدبت إفريقية، فاستسقى موسى بن نصير، ودعا وسأل الله، فقيل له قبل أن ينزل من المنبر: ألا تدعو لأمير المُؤْمنين؟ فقال: ليس هذا يوم ذاك، فجاء الغيث سَحًّا، وسُقُوا سَقْيًا كفتهم زمانًا. قال الواقديّ: وفيها غضب موسى بن نُصير على طارق بن زياد، وشخص إليه في رجب ومعه حَبيب بن عقبة بن نافع الفِهْرِي، واستخلف على إفريقية ابنَه عبد الله بن موسى، وقطع موسى الزقاق في عشرة آلاف، فتلقاه طارق واعتذر إليه، فقبل عذره ورضي عنه، وبعثه من قُرطبة إلى طُلَيطُلَة -وبينها وبين قرطبة عشرون يومًا- ففتحها، واستخرج منها مائدة سليمان ﵇، وقد ذكرناه.

стр. 4452

وفيها عَزل الوليد بنُ عبد الملك عمر بنَ عبد العزيز عن المدينة. [واختلفوا في عزله على قولين: أحدهما] أن عمر كتب (١) إلى الوليد يخبره بظُلم الحجّاج، وسفكه الدّماء، وما يفعل بأهل العراق، وخوَّفَه عواقبه، وبلغ الحجاج فحقدها، وكتب إلى الوليد أن مُرَّاق العراق وأهل الشقاق قد التجؤوا إلى المدينة، وذلك وهن، فكتب إليه الوليد أن أَشِرْ عليَّ برجُلَين، فكتب إليه الحجاج أن عليك بخالد بن عبد الله القَسْري، وعثمان بن حَيّان، فولّى عثمان بن حيّان المدينة، وعزل عنها عمر. [والثاني حكاه الواقديّ قال:] كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يقول: اضرب خُبيب بن عبد الله بن الزُّبير خمس مئة سَوط (٢)، وصُبَّ على رأسه قربةً من ماء في يوم بارد، فامتنع، وجاء كتاب الوليد ثانيًا ففعل عمر، فمات خبيب من يومه، فكتب عمر إلى الوليد يَستقيله من الولاية، ولم يزل عمر خائفًا طول عُمُره، وكان إذا مُدِح يقول: وكيف وخُبيب على الطريق ينتظرني؟! وودى عمر خُبيبًا، وأعتق ثلاثين رَقَبة. [وسنذكر خبيبًا. قال الواقديّ:] وكانت ولاية عمر على المدينة سبع سنين وشهورًا. ولما كان عمر بالسُّويداء قال لمولاه مُزاحم: أخاف أن أكون ممّن نَفَتْه المدينة. وكان خروجه منها في شعبان، وقيل: عُزل في سنة أربع وتسعين، واستخلف عليها أَبا بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حَرم الأَنْصَارِيّ، حتَّى قدمها عثمان بن حَيَّان للَيلَتين بقيتا من شوال. واختلفوا فيمن حجَّ بالنَّاس في هذه السنة على أقوال: أحدها: عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو مَعْشَر. والثاني: عثمان بن حيان وكان على المدينة. والثالث: محمَّد بن الوليد (٣).

стр. 4453

[فصل] وفيها تُوفِّي خُبَيب بن عبد الله بن الزُّبير وأمّه بنتُ مَنْظور بنت زَبّان بن سَيّار الفَزاري، من الطَّبقة الثالثة من أهل المدينة (١). قال ابن سعد: وكان عالمًا، بلغ الوليد بن عبد الملك عنه أحاديث كرهها، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يَضربه مئة سَوْط، فضربه مئة سَوط، ثم صبَّ عليه قِربةً من ماء بارد بُيِّتَتْ من الليل، فمكث أيامًا ثم مات. هذا صورة ما ذكره ابن سعد في ترجمة خُبيب. وأما هشام فقال: كان خُبيب مُقيمًا بالمدينة، يذكر مَساوئ بني أمية وعُيوبَهم، وبلغ الوليد فكتب إلى عامله عمر بن عبد العزيز أن يَفعل به ذلك فامتنع، وجاء كتاب الوليد ثانيًا ففعل به عمر ذلك، فأقام أيامًا ومات، وندم عمر كما ذكرنا. وحكى الموفّق ﵀ عن مصعب الزُّبيريّ قال: كان خُبيب من النُّسَّاك، وكان عالمًا بالإنساب أنساب قريش، طويلَ الصلاة، قليلَ الكلام، قال مصعب: قال أصحابنا: كان يعلم علمًا لا يعرفون وَجْهَه، ولا مَذْهَبُه يُشبه ما يدَّعيه النَّاس من علم النّجوم. قال: فروى موسى بن عُقَيبة -أو عُقْبَة (٢) - قال: كنت أمشي مع خُبيب وهو يُحدِّث نفسَه؛ إذ وقف وقال: قُتل عَمرو بن سعيد الساعة، فكان كما قال. وليس لخُبيب عَقِب. قال البَلاذُريّ: كان عبد الله بن خازم السُّلَمي عامل عبد الله بن الزُّبير على خُراسان، فلما قُتل ابن الزُّبير خطب ابن خازم لولده خُبيب بالخلافة، وبقي ذلك في نفس عبد الملك، ولم يعرض له، فلما ولي الوليد وبلغه أن خُبيبًا يذكر مساوئ بني أمية وعيوبَهم وينال منهم حرَّك ذلك ما كان كامنًا في قلبه، فأمر به فضُرب. وقد أنكر قوم هذا وقالوا: مات عبد الله بن خازم قبل قتل عبد الله بن الزُّبير.

стр. 4454

فصل: وفيها تُوفِّي زُرارة بن أَوفى (١) الحَرَشِيّ من بني الحَرِيش، أبو حاجب. ذكره ابن سعد في الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل البصرة، حَدَّثَنَا عفان (٢)، بإسناده إلى قتادة: أن زُرارة بن أوفى كان قاضيًا على البصرة. كذا وقع في نسخة ابن سعد، وفي غيرها. قال: وكان يُصلّي في منزله الظهر والعصر، ثم يأتي الحجّاج للجمعة. وقال ابن سعد: مات زُرارة بن أوفى فُجاءةً في سنة ثلاث وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً له أحاديث. وقال ابن سعد بإسناده إلى بَهْزِ بن حَكيم: أن زرارة بن أوفى أَمَّهم في الفجر في مسجد بني قُشَير، فقرأ، حتَّى إذا بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] خرَّ ميتًا، قال بَهْز: فكنتُ فيمن حَمَلَه. قال: وكان يَقصُّ في داره، وهذه رواية أبي نُعيم (٣)، قال: وقدم الحجَّاج البصرة وهو يَقُصُّ في داره. وقد روى جدي (٤) أنَّه كان يَقُصُّ، وابن سعد قال: كان قاضيًا، ولعلّه تصحيف. وفي رواية أنَّه لما قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ شَهق شَهقةً فمات. أسند زُرارة عن جماعة من الصَّحَابَة، منهم: أبو هريرة، وعمران بن الحُصَين، وابن عباس (٥).

стр. 4455

[فصل: وفيها تُوفِّي وَضَّاح اليَمَن واختلفوا في اسمه على قولين، أحدهما:] عبد الله (١) بن إسماعيل بن عبد كُلال، من أهل صنعاء من الأبناء، والثاني: عبد الرَّحْمَن بن إسماعيل، من خَوْلان. ووَضاح لقبٌ له لجماله وبياضه وحُسنه، [قال الجوهري (٢): الوضَّاح: الرَّجل الأبيض اللون]. قصته مع أم البَنين: [واختلفوا فيها على قولين، أحدهما أن صاحبته أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، والثاني امرأة أخرى يقال لها: أم البنين بنت المختَزِم من أهل اليمن. وجه القول الأول ما رواه الخرائطي بإسناده عن أبي مُسْهِر] قال (٣): كان وضّاح اليمن نشأ هو وأم البنين صغيرين، فأحبّها وأحبته، وكان لا يصبر عنها، حتَّى إذا بلغت حُجبت عنه، فطال بهما النبلاء، فحجّ الوليد فبلغه جَمال أم البنين وأدبها، فتزوجها ونقلها إلى الشَّام معه، فذهب عقل وضّاح عليها، وجعل يذوب ويَنحل، فلما طال عليه البلاء خرج إلى الشَّام، فجعل يُطيف بقصر الوليد كلّ يوم ولا يجد حيلة، فرأى يومًا جارية خارجة من القصر، فلم يزل حتَّى تأنّس بها، فقال لها: أتعرفين أم البنين؟ قالت: نعم، هي مولاتي، فقال: إنها ابنة عمي، وإنها تُسَرُّ بموضعي لو أخبرتِها، فمضت الجارية فأخبرتها فقالت: أو حيٌّ هو؟ قالت: نعم، فقالت لها: قولي له: كن مكانك حتَّى يأتيك رسولي، فلن أدع الاحتيال لك، فاحتالت فأدخلته إليها في صندوق، فمكث عندها حينًا، فكانت إذا أمِنت أخرجته فقعد معها، وإذا خافت عَينَ رقيب أدخلته الصندوق.

стр. 4456

فأهدي للوليد يومًا جوهر له قيمة، فقال لبعض خَدمه: امض بهذا الجوهر إلى أم البنين، وقيل لها: هذا هدية، فدخل الخادم من غير استئذان ووضّاح معها، فلمحه ولم تشعر، فبادر إلى الصندوق فدخله، وأدّى الخادم الرسالةَ إليها وقال: هبي لي منه حَجَرًا، فقالت له: لا أمَّ لك، وما تصنع أنت بهذا؟ فخرج وهو حنِق عليها، فجاء إلى الوليد فأخبره، ووصف له الصندوق الذي فيه وضاح، فقال الوليد: كذبتَ لا أمَّ لك. ثم نهض مسرعًا فدخل إليها وهي في ذلك البيت، وفيه عدة صناديق، فجاء حتَّى جلس على الصندوق الذي وصفه الخادم، فقال لها: يَا أم البنين، هبي لي صندوقًا من صناديقك هذه، فقالت: يَا أمير المؤمنين: هي وأنا لك، فقال: ما أريد غير هذا الذي تحتي، فقالت: إن فيه شيئًا من أمور النساء، فقال: ما أريد غيره، فقالت: هو لك، فأمر به فحمل، ودعا بغلامين؛ فأمرهما بحفر بئر، فحفرا حتى بلغا الماء، فوضع فمه على الصندوق وقال: أيها الصندوق، قد بلغنا عنك شيء، فإن كان حقًّا فقد دفنَّا خَبَرَك، وَدرسْنا أثرك، وإن كان كذبًا فما علينا في دفن صندوق من خشب حرج، ثم أمر به فألقي في الحُفيرة، وأمر بالخادم فقذف به فوقه، وطمّ عليهما التراب جميعًا. قال: فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت يومًا مكبوبة على وجهها. وهذه رواية الخرائطي، وأخرجها أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" (١)، وأخرج في "تاريخه" أن القصة كانت مع يزيد بن عبد الملك بن مروان (٢). وإن أم البنين، كانت زوجة الوليد من غير خلاف. وذكر أبو الفرج الأصفهاني (٣) بمعناها عن هشام بن الكلبي، وقال في آخر القصّة بعد دفن الصندوق: فلم يُرَ وَضّاح بعد ذلك اليوم، ولم تَرَ أمُّ البنين في وجه الوليد أثرًا حتَّى فرَّق الموت بينهما.

стр. 4457

وذكر البَلاذُريّ القصة فقال: كانت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان عند الوليد بن عبد الملك، وكان مُعجبًا بها، وكانت امرأةً بَرْزَةً عَفيفة، تحب الشعر والأدب، حجَّت مع الوليد فسمعت إنشادَ وَضَّاح اليمن -وكان فصيحًا جميلًا من أبناء أهل اليمن- فوصَلَتْه، ثم صحبهم، وجعل يدخل عليها سرًّا، ويُنشدها من وراء السّتر، وبلغ الوليد فغمَّه ذلك، وقال لخادم: اذهب إليها، فإن وجدْتَه عندها فاقتله، فجاء الخادم فوجده عندها، فأدخلتْه في صندوق وأقفلَتْه، [فأخذ الخادم الصندوق] وحفر له حُفيرة، وألقاه فيها وطَمَّه (١). وقال الرّياشي: لما بلغ الوليد قصّة وَضَّاح سكت حتَّى شبَّب وَضّاح بفاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز، فأخذه فدفنه حيًّا (٢)، فلما كان في أيام بني العباس تشاحّ رجلان أحدهما من ولد الوليد، والآخر من شيعة بني العباس، فحفر الرَّجل دارًا، فوجد فيها صندوقًا، ففتحه وإذا فيه وضّاح اليمن قد بَلي، فشَنّع على أم البنين بوَضّاح. وقيل: إن الوليد غَرَّق وضّاحًا في الماء وأمّ البنين تراه، وخرجت إلى مكة حاجّة. وجه القول الثاني: ذكره البلاذري أَيضًا وقال: إن أم البنين صاحبة وضاح اليمن ليست بأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وإنما هي أم البنين بنت المختزم، وكانت امرأة جميلة من أهل اليمن وكانت من حِمْيَر، وكانت جميلة، عشقها وضاح وعشقته، فتزوجها وخرج بها إلى مكة فطلقها (٣)، فحج الوليد وهي بمكة، فبلغه حسنها وجمالها، فتزوجها وخرج بها إلى الشَّام، وخرج وضاح خلفها، ففعل به الوليد ما فعل. وقال ابن الكلبي: قدم وضّاح على الوليد فأحسن إليه، وقد رُوي له خبر ظَريف في صحته نظر.

стр. 4458

قلت: وهذا هو الصحيح؛ لأن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز؛ كانت من العفائف العابدات، ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب "العوائد"، والموفَّق في "التوابين" (١). وقول الخرائطي: إنها وُجدت مَيتة على الحُفرة لا يصحّ؛ لأن أم البنين توفيت في سنة سبع عشرة ومئة باتفاق أهل السِّيَر، والوليد مات في سنة ست وتسعين. وكذا قول الخرائطي: إن الوليد تزوج أم البنين بنت عبد العزيز بمكة خطأ؛ لأن أباه زوَّجه بها في حال حياته، وذكرنا أن عبد الله بن جعفر كتب إليها لتَشفعَ في ابن قيس الرّقيّات عند عبد الملك بن مروان، وهذا ما انتهى إلينا، والله أعلم. ومن شعر وَضّاح قوله: [من البسيط] لا قُوَّتي قُوَّةُ الرّاعي قَلائصَهُ … يأوي فيأوي إليه الكلبُ والرُّبَعُ ولا العَسِيفُ الذي يَشتَدُّ عُقْبَتَهُ … حتَّى يَبيتَ وباقي نَعلِه قِطَعُ لا يَحملُ العبدُ فينا فوق طاقَتِه … ونحن نحمِلُ ما لا تحملُ القَلَعُ منّا الأناةُ وبعضُ القومِ يَحسبُنا … أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سَرَعُ (٢)

стр. 4459

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء العاشر [٩٤ - ١١١ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد رضوان عرقسوسي - عمار ريحاوي

стр. 4460

السنة الرابعة والتسعون وفيها كان بالشام زلازل هائلة، ذكر محمد بن موسى الخُوارزمي أن في هذه السنة لعشرين من آذار دامت الزلازل في الدنيا أربعين يومًا، فهدمت الأبنية الشاهقة، ووقع معظم أنطاكية. وفيها غزا عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أرض الروم، فأوغل فيها ووصل إلى غزالة، وفتح العباس بن الوليد أنطاكية. وفيها هرب يزيد بن المهلب وإخوته من حبس الحجاج إلى الشام (١). وكان الحجاج قد حبس يزيد وإخوته، وعَذَّبهم وضيّق عليهم، وأخذ منهم ستة آلاف ألف درهم واستصفاهم، وكان يزيد يصبر على العذاب صبرًا جميلًا، وكان الحجاج يغيظه ذلك، فأمر به يومًا أن يُجعل الدَّهَق (٢) على ساقه، فلما وضعوه على ساقه صاح، وكانت هند بنت المُهَلَّب تحت الحجاج، فصاحت وناحت وبكت على أخيها، فطلقها الحجاج، ثم كفَّ عن عذابه. وكانت الأكراد قد غلبوا على أرض فارس وعاثوا، فخرج الحجاج فنزل رُسْتَقُباذ، وصحب معه يزيد وإخوته، واحتاط عليهم، وحفر حولهم الخنادق، وأقام الحرس، وضرب عليهم فُسطاطًا، وهم يعملون في الخلاص لنفوسهم، فبعثوا إلى مروان بن المهلّب -وكان بالبصرة - أن يهيِّئ لهم سُفنًا وخَيلًا ورجالًا ففعل، وواعدوه ليلةً بعينها، فلما كان في تلك الليلة أمر يزيد أن يصنع للحرس طعام كثير، فأكلوا وشربوا، وكان في حبس الحجاج منهم يزيد والمفضل وعبد الملك.

стр. 4461

فلما غفل الحرس خرج يزيد وعليه ثياب طَبَّاخه، وعلى رأسه سَلَّة فيها زبادي، وقد جعل على وجهه لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس فقال: هذه مشية يزيد، فجاء فنظر إِلَى وجهه، فرأى بياض اللحية فانصرف عنه وقال: هذا شيخ، وخرج المفضّل على أثره، وقد هُيِّئت لهم السفن فِي البطائح، وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخًا، ولما وصلوا إِلى السفن أبطأ عليهم أخوهم عبد الملك، فقال يزيد للمفضل: اركب بنا فهو يلحقنا، فقال المفضل: لا والله لا أبرح حتَّى يأتي عبد الملك ولو رجعت إِلَى السجن، وكان المفضل شَقِيق عبد الملك [لأمه] وأمهما بَهْلَة؛ هندية. ولحقهما عبد الملك، وركبوا السفن وساروا ليلتهم حتَّى أصبحوا، ولم يعلم بهم الحرس حتَّى طلع النهار، فخافوا من الحجاج، وأخفوا أمرهم عامة النهار وهربوا، واتّفق أن الحجاج لم يأمر بتعذيبهم فِي ذلك النهار. ولما علم الحجاج بهم جَزع، وظنّ أنَّهم يقصدون خراسان، فكتب إِلَى قتيبة بن مسلم يأمره أن يَحترز منهم، وبعث إِلَى أمراء الثُّغور يُحذّرهم، ويأمرهم برصدهم، وقال: هذه مثل نَوبة ابنِ الأشعث، وكتب إِلَى الوليد يخبره، وقلق الحجاج لهرَبهم، وشَغله ذلك عن الأمور، وأقام أيامًا واجمًا. وأما يزيد وإخوته فاستقبلتهم الخيل من تحت البطائح، فخرجوا من السفن، وركبوا ومعهم دَليل يقال له: عبد الجبار بن يزيد بن ربيعة (١)، كلبي، فقصدوا أرض الحجاز، ثم تيامَنوا إِلَى السَّماوَة يريدون الشَّام، وقصدوا أرض فلسطين، فنزلوا على وُهَيب بن عبد الرحمن الأَزدِيّ -وكان كريمًا على سليمان بن عبد الملك، وكان سليمان نازلًا بفلسطين- فدخل وُهَيب على سليمان فقال: هذا يزيد بن المهلّب وإخوته فِي منزلي، وقد جاؤوك مُسَتجيرين بك من الحجاج، فقال سليمان: ائتني بهم فهم آمنون، لا يوصل إليهم وأنا حي، فجاء بهم فدخلوا على سليمان، فأكرمهم وأحسن إليهم، وأقاموا عنده فِي أمن، وقال دليلهم الكلبي فِي مسيرهم: [من الطَّويل] ألا جعل الله الأخلَّاء كلَّهم … فِداءً على ما كان لابنِ المُهَلَّبِ

стр. 4462

لنعم الفتى يَا معشرَ الأزْدِ أسْعَفَتْ … رِكابُكمُ بالرَّكب شَرقيَّ مَنْقَبِ عَدَلْنَ يمينًا عنهمُ رَمْلُ عالِجٍ … وذات يمين القوم أعلامُ غُرَّبِ بقومٍ همُ كانوا الملوكَ هَدَيتُهم … بظَلْماءَ لم يُبْصَر بها ضَوءُ كوكبِ تؤمُّ بهم من بعد عَشْرٍ ركابُنا … سليمانَ من أهل النُّهى والمناقِبِ من أبيات. وسبب قول الكلبي هذا الشعر أنَّهم ساروا إليه، فسقطت عمامة يزيد، فقال له: ارجع فاطلبها لي، فقال: مثلي لا يؤمر بهذا، فأراد أن يُقَنِّعَه بالسوط، فانتسب له، فخجل يزيد منه وتركه. وكتب الحجاج إِلَى الوليد: إن يزيد وإخوته اختانوا مال الله، وهربوا مني ولحقوا بسليمان، وكان الوليد قد خاف أن يقصدوا خراسان، ويفعلوا مثل فعل ابن الأشعث، وقد كان لهم بخراسان صنائع معروف عظيم، والناس يختارونهم، فلما بلغه وصولهم إِلَى سليمان هان عليه الأمر، وغضب للمال الذي عندهم. وكتب سليمان إِلى الوليد: إن بني المهلب عندي، وقد أمّنتُهم، وإنما عليهم ثلاثة آلاف أَلْف درهم، وقد أغرمهم الحجاج ستة آلاف أَلْف، فإن كان قد بقي عليهم شيء فهو عندي. فكتب إليه الوليد: لا أُؤمّنهم حتَّى تبعث بهم إِلَي، فكتب إليه سليمان: لئن بعثت بهم إليك لأجيئنّ معهم، فأَنشدُك الله أن تَخْفِر ذِمامي وتفضحني، فكتب إليه الوليد: والله لئن جئتَني لا أؤمنهم، فقال يزيد لسليمان: والله ما أُحبُّ أن أوقع بينكما عداوة، ويَتشاءم النَّاس بقدومنا عليك، فأبعث بنا إليه، وأرسل معنا ولدك، ولاطفه مهما تقدر عليه. وكان الوليد قد قال: ابعث بهم إليّ فِي وَثاق، فبعث بهم سليمان مع ابنه أَيُّوب، وقال لابنه: إذا قربتم من الوليد فأدخل عليه أَنْتَ ويزيد فِي سلسلة، وكتب إليه سليمان: بسم الله الرحمن الرَّحِيم، لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك، سلام على أمير المُؤْمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد يَا أمير المُؤْمنين، فوالله إنِّي لأظن أنَّه لو استجار بي عدوٌّ قد جاهدك ونابذك أنك لا تَخْفِر جِواري ولا تُذلّ جاري، وما

стр. 4463

أجرتُ إلَّا سامعًا مطيعًا، حسنَ البلاء والأثر فِي الإِسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثتُ به إليك، وأنا أُعيذك بالله من قطيعتي، وانتهاك حُرمتي، وتَرْك برِّي وصلتي، فوالله ما تدري كم بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيننا، والله ما أصبحتُ لشيءٍ من أمور الدنيا بعد تقوى الله بأسرّ مني برضاك عني، وإنما ألتمس به رضي الله تعالى، فإن كنتَ تريد بِرّي وصِلتي وإكرامي فأكرم يزيد، وتجاوز عنه، وكل ما طلبتَ منه فهو عليّ والسلام. ولما قَرُب أَيُّوب من الوليد جعل نفسه مع يزيد فِي سلسلة، ودخل عليه، فلما رأى الوليد ابنَ أخيه مع يزيد فِي سلسلة قال: والله لقد بلغنا من سليمان، ثم ناوله أَيُّوب الكتاب، وقال له: يَا أمير المُؤْمنين، نفسي فداؤك لا تَخفِر ذمة أبي، ولا تقطع رجاءنا منك، ولا تُذلّ من رجا العزَّ بنا لعزِّنا بك. ولما قرأ الوليد الكتاب قال: لقد شَقَقْنا على سليمان، ثم دعا بابن أخيه فأدناه منه، وتكلّم يزيد بن المهلب فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسول الله ﷺ ، ثم قال: يَا أمير المُؤْمنين، إن بلاءكم عندنا أحسنُ النبلاء، فمن نسي ذلك فلسنا بناسيه، وقد كان من بلائنا أهلَ البيت فِي طاعتكم والطّعن فِي عين أعدائكم فِي المواطن العظام فِي المشارق والمغارب ما قد كان، وأمير المُؤْمنين أعلم بذلك، فقال له الوليد: اجلس فأنت آمن، وأعاده وإخوته إِلَى سليمان، وكتب إليه بإجابة سؤاله، والرّضى عن آل المهلب، وكتب إِلَى الحجاج: إنِّي لم أصل إِلَى يزيد، وأهلُ بيته مع سليمان، فاكفف عنهم، والْهُ عن الكتاب إليّ فيهم، فكفّ الحجاج عنهم، وأسقط عن حبيب بن المهلب وآل المهلب ما كان يطالبهم به. وأقام يزيد عند سليمان على أحسن حال، فكان يُلاطفه بالهدايا، فلا يؤتى سليمان بهدية إلَّا وبعث إِلَى يزيد بنصفها، ولا جارية تعجبه إلَّا بعث بها إِلَى يزيد، وبلغ الوليد، فبعث إِلَى سليمان الحارثَ بنَ مالك الأَشعريّ، وحمّله إليه رسالة غليظة، وقال له: قَبِّح عليه ما يفعل مع يزيد؛ حتَّى يبعث إليه بجواريه. فجاء الأَشعريّ، فدخل على سليمان وهو يقرأ فِي المصحف، فسلم عليه، فلم يرد عليه¬ السلام حتَّى فرغ من القراءة، فأبلغه الرسالة فقال: والله لئن قدرت عليك يومًا من

стр. 4464

الدهر لأقطعنّ منك طابقًا، فقال: إنما أنا رسول، وكان قد أهدي لسليمان هدايا فقال: ابعثوا بنصفها إِلَى يزيد، فعلموا أن سليمان لا يطيع فِي يزيد أحدًا. وأقام يزيد عند سليمان تسعة أشهر، ومات الحجاج، ولما مات الوليد كان أولَ من بايع سليمانَ يزيدُ وإخوته. وفيها غزا قتيبة ما وراء النهر، وبلغ فَرْغانة وخُجَنْدَة، ولما قطع النهر فرض على أهل بُخارى وكَش ونَسَف وخُوارِزم عشرين أَلْف مقاتل، وساروا معه إِلَى خُجَنْدة، فنازلها، فقاتلوه، وفي كل مرة يُنصَر عليهم، فقال فِي قتالهم قائل: [مجزوء الكامل] فسَلِ الفَوارسَ فِي خُجَنْـ … ــــــدَةَ تحت مُرهَفَةِ العَوالي هل كنتُ أجمعهم إذا … هُزِموا وأُقدِم فِي قِتالي أم كنتُ أضربُ هامةَ الـ … ـــــعاتي وأَصبِرُ للنِّزالِ واختلفوا فيمن حجّ بالنَّاس فِي هذه السنة؛ فقال أبو مَعْشر: سليمان بن عبد الملك، وقال خليفة: مَسْلَمة بن عبد الملك، وقال الهيثم: عثمان بن حَيَّان المُرِّي وكان على المدينة، وقد نصّ المسعودي على سليمان بن عبد الملك (١). وكان على مكة خالد بن عبد الله القَسْري، وعلى العراق والمشرق الحجاج، وعلى خراسان قُتيبة بن مسلم، وعلى مصر قُرَّة بن شَريك. [فصل]: وفيها تُوفِّي الحسن بن محمَّد ابن الحَنَفيّة (٢)، وأمه جَمال بنت قيس بن مَخْرَمَة بن المُطَّلب بن عبد مَناف [وكنية الحسن] أبو محمَّد.

стр. 4465

[ذكره ابن سعد] فِي الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة وقال: كان من ظُرفاء بني هاشم، وأهل العقل منهم (١)، وكان يُقدَّم على أخيه أبي هاشم عبد الله بن محمَّد فِي الفضل والهَيبَة، وهو أول من تكلّم فِي الإرجاء بالمدينة. تكلّم قوم فِي عثمان وعلي وطلحة والزُّبير وعائشة رضوان الله عليهم فأكثروا والحسن ساكت، فقيل له: تكلَّم، فقال: لم أر شيئًا أمثل من أن يُرْجَأ أمرُ هؤلاء، فلا تتولّونهم ولا تتبرَّؤون منهم، وبلغ أباه محمدًا فضربه فشجَّه وقال: ويلك، ألا تتولّى أَبَاك عليًّا، فوضع كتابًا فِي الإرجاء، ثم ندم على وضعه، ودخل عليه زاذان وميسرة فلاماه على وضعه، فقال: لوَدِدْتُ أني مت ولم أكتبه. وكان الحسن يَلبَس الرِّقاق من الثياب. [وحكى يعقوب بن أبي شيبة عنه أنَّه] قال: يَا أهل الكوفة، اتّقوا الله ولا تقولوا فِي أبي بكر وعمر إلَّا خيرًا، فإن أَبا بكر كان مع رسول الله ﷺ فِي الغار، وعمر أعزّ الله به الدين. [واختلفوا فِي وفاته، فقال الواقديّ: مات سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، وقال ابن سعد: مات فِي خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: فِي سنة إحدى ومئة، وقيل: فِي سنة الجَماجم، وليس له عقب. أسند عن أَبيه، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدري، وسَلَمة بن الأكوع وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، والزُّهري، والشَّعبي فِي آخرين (٢). [فصل: وفيها تُوفِّي] سعيد بن جُبَير مولى لبني وَالِبة [بن الحارث بن أَسَد بن خُزَيمة بن أسد.

стр. 4466

ذكر طرف من أخباره: وهو] من الطَّبقة الثَّانية من أهل الكوفة، وكان من كبار العلماء، والزُّهَّاد، والعُبَّاد الورعين، وكان ابن عباس يُعَظّمه (١)، ومعظم علم ابن عباس إنما انتشر عنه. وقال [ابن سعد:] قال ابن عباس [لسعيد بن جُبير]: حَدِّث، فقال: أُحَدِّث وأنت ها هنا! قال: أوليس من نعم الله عليك أن تُحدِّث وأنا شاهد؟! فإن أصبتَ فذاك، وإن أخطأتَ عَلَّمتُك. [قال:] ولما أضرَّ ابنُ عباس كانوا يسألونه، فقال: أتسألوني وفيكم ابن أمِّ دَهْماء، يعني سعيد بن جبير. وجاء رجل إِلَى ابن عمر يسأله عن فريضة فقال: سل سعيد بن جُبير، فإنَّه أعلم بالحساب مني. وكان سعيد كاتبًا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بُرْدَة وهو على القضاء وبيت المال. وكان أسود اللون (٢) أبيضَ الرأس واللحية. [وقال ابن سعد:] قيل له: ألا تخضِب بالوَسِمة؟ فغضب وقال: يكسو الله العبدَ النُّورَ فِي وجهه فيُطفئه بالسواد! وكان يقول: لَأن أُضربَ على رأسي بالسِّياط أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم والإمام يخطب للجمعة. وكان يقصُّ على النَّاس كلَّ يوم مرتين: بعد صلاة الفجر، وبعد العصر. [وقال عبد الله بن الإِمام أَحْمد بن حنبل: كان سعيد] إذا قام إِلَى الصلاة كأنه وَتد، وبكى حتَّى عَشِي بصَرُه.

стр. 4467

[وحكى أبو نعيم (١)، عن] القاسم بن أبي أَيُّوب قال: سمعتُ سعيدًا يُردِّد فِي الصلاة ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] بضعًا وعشرين مرة. وكان يخرج (٢) إِلَى مكة فِي كل سنة مرتين مرة للحج ومرة للعمرة، ويختم القرآن فِي كل ليلتين. [وذكر ابن أبي الدنيا عن أَصْبَغ بن زيد الواسطيّ قال:] كان لسعيد ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يَصِح ليلة من الليالي حتَّى أصبح، فلم يُصل سعيد تلك الليلة، فشقّ عليه وقال: ما له قطع الله صوته! فما سُمع له صوت بعدها، فقالت له أُمه: يَا بُنيّ، لا تَدْعُ الله على شيء بعدها. [وروى أبو نعيم عن سعيد أنَّه] لَدَغَتْه عقرب، فقالت له أمه: يابني، أقسمتُ عليك أن تَسترقي، قال: فأعطيت الراقي يدي التي لم تُلدغ كراهية أن أُحنث أمي. [وقال أبو نعيم:] كان يصلي الفجر، ولا يتكلم حتَّى تطلع الشَّمس، وختم القرآن فِي ليلة مرتين ونصفًا، وقرأ القرآن فِي الكعبة فِي ركعة. [وقال ابن سعد:] أبصر سعيد دُرَّةً مُلقاةً على الأرض فلم يأخذها. وكان يقول: عليك باليأس مما فِي أيدي النَّاس فإنَّه الغناء الأكبر، وإياك وما يُعتَذر منه؛ فإنَّه لا يُعتَذَرُ من خير. وقال فِي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] قال: إذا عُمل فيها بالمعاصي فاخرجوا منها. وقال: هلاك هذه الأمة من علمائها. ذكر مقتله: [قد ذكرنا أن سعيدًا كان من ابن الأشعث رئيسًا على القراء] وكان الحجاج قد ولّاه عطاء الجند الذين كانوا مع ابن الأشعث لما سار إِلَى سِجستان لقتال رُتبيل، فلما خلع ابن الأشعث الحجاج خلعه سعيد وقاتله، فلما انهزم ابن الأشعث هرب سعيد إِلَى أَصبهان، فأقام بها زمانًا، فكتب الحجاج إِلَى عاملها يطلبه، وكان العامل يخاف الله،

стр. 4468

فأرسل إِلَى سعيد يقول له: اخرج عني لئلا ألقى الله بدمك، فخرج إِلَى أذربيجان، فأقام بها مدة، فضَجِر فخرج إِلَى مكة مستجيرًا بالله، ومستعيذًا به من الحجاج، وملتجئًا إِلَى حرم الله تعالى وبيته. [واختلفوا فِي كيفية إحضاره عند الحجاج، منها: قال هشام:، كتب الحجاج إِلَى الوليد: إن جماعة من المنافقين قد التجؤوا إِلَى مكة، فكتب الوليد إِلَى خالد بن عبد الله القَسْري، وكان على مكة: احملهم إِلَى الحجاج، وكانوا خمسة: سعيد بن جُبير، وعطاءً، ومُجاهدًا، وعَمرو بن دينار، وطَلْقَ بنَ حبيب، فأما عمرو وعطاء فأُطلِقا، وأما طلق فمات فِي الطريق، وأما مجاهد فحُبس حتَّى مات الحجاج، وأما سعيد فقُتل. وقال أبو حَصين: أتيت سعيد بن جبير وقلت له: إن هذا الرَّجل قادم -يعني خالد القَسْري- ولا آمنه عليك، فأطعني واخرج، فقال: والله لقد فررتُ حتَّى استحييتُ من الله، فقلت: والله إنِّي لأراك كما سَمَّتك أمُّك سعيدًا. ولما أُخذ قال: ما أراني إلَّا مقتولًا وسأخبركم: إنِّي كنتُ أنا وصاحبان لي دعونا الله حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا الله الشهادة، فكلا صاحبيَّ رُزقَها، وأنا أنتظرها، فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء. فخرج سعيد مع حَرَسِيَّين، فنزلا منزلًا، ثم نام أحدهما وانتبه فقال: يَا سعيد، رأيتُ الساعة فِي المنام قائلًا يقول: برَّأك الله من دم سعيد -وكان قد رآه يصوم النهار ويقوم الليل- فقال: اذهب حيث شئت، فوالله إنِّي ذاهب بك إِلَى مَن يقتلك، فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج فيقتلك، ولكن اذهب بي إليه. [قال هشام، وذكر طرفًا منه ابن سعد قال:] فلما دخل على الحجاج قال له: ألم أُشْرِكْك فِي أمانتي؟ ألم أستعملك على الجُند وبيت المال؟ ألم أَقْدَم على الكوفة فولَّيتُك القضاء، فضج أهلها وقالوا: ما يصلح للقضاء لأنه مولى، ولا يصلح للقضاء إلَّا العربي، فولَّيتُ أَبا بُردة القضاء وأمرتُه أن لا يقطع أمرًا دونك؟ أما أعطيتُك كذا وكذا من المال؟ وأمرتُك أن تُفرِّقه فِي ذوي الحاجات، ثم لم أسألك عن شيء منه؟ وسعيد يقول: بلى بلى، حتَّى ظنّ مَن حضر أنَّه يُطلِقه، ثم قال: فلم خرجتَ عليّ؟

стр. 4469

فقال: عزم عليَّ ابنُ الأشعث، وكانت له فِي عُنقي بيعة، فغضب الحجاج حتَّى وقع طرف ردائه عن مَنكِبه وقال: ألم أقدم مكة فقتلتُ ابنَ الزُّبير، وأخذتُ بيعةَ أهلها وبيعتك، وقدمت الكوفة فأخذتُ بيعةَ أهلها وبيعتك؟ قال: بلى، قال: فرأيتَ لِعَزْمةِ عدو الله ابن الأشعث حقًّا، ولم تره لله ولا لأمير المُؤْمنين ولا لي، فنكثتَ بيعتَين، ووفيتَ لابن الحائك بَيعة؟! وفي البيعتين يقول جرير: [من الكامل] يَا رُبَّ ناكِثِ بيعتَين تركتَه … وخِضابُ لحيتِه دَمُ الأوداجِ وقيل: إن الحجاج كان قد وضع إحدى رجليه فِي الرِّكاب فقال: والله لا أضع الأخرى حتَّى تبَوَّأ مَقعدَك من النَّار، فقال: إن القِصاصَ أمامك فاختر لنفسك. وكان سعيد مُقيَّدًا، فأمر الحجاج بقتله، فبكى ابن لسعيد، فقال له سعيد: ما يُبكيك؟ ما بقاءُ أبيك بعد سبع وخمسين سنة! فضرب عنقه، فاختلط الحجاج من ساعته وجعل يقول: قُيودُنا قيودنا، فظنوه يقول: اقطعوا القيود، فقطعوا القَيدَين من رجلَي سعيد وأخذوا القيود. [وقال ابن سعد:] لما قال الحجاج: يَا حَرَسِيّ اضرب عُنقه، قال له سعيد: دعني أصلّي ركعتين، فقال الحجاج: لا، إلَّا إِلَى المشرق، فقرأ سعيد: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ الآية [البقرة: ١١٥] فلما قُتل نَدَر رأسُه فهَلَّل ثلاثًا. [وقال أبو نعيم بإسناده إِلَى الحسن قال:] لما أتي بسعيد بن جبير إِلَى الحجاج قال له: ما اسمُك؟ قال: سعيد بن جُبير، قال: بل أَنْتَ الشَّقيُّ بن كُسَير، قال: كانت أمي أعرفَ باسمي منك، قال: ما تقول فِي محمَّد؟ قال: تعني رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: سيد ولد آدَمَ المصطفى، خير من بقي وخير من مضى، قال: فما تقول فِي أبي بكر؟ قال: الصدِّيق خليفة رسول الله ﷺ ، عاش سعيدًا، ومضى حَميدًا على منهاج نبيّه، لم يُبَدِّل ولم يُغَيِّر، قال: فما تقول فِي عمر؟ قال: الفاروق، خِيرة الله وخيرةُ رسوله، مضى حميدًا على منهاج صاحبيه، قال: فعثمان؟ قال: المقتولُ ظُلمًا، المُجَهِّز جيشَ العُسْرَة، الحافرُ بئرَ رُومة، المشتري بها بيتًا فِي الجنة، صهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، قال: ما تقول فِي علي؟ قال: ابن عم الرسول، وأول مَن أسلم، وزوج فاطمة، وأبو الحسن

стр. 4470

والحسين، قال: ما تقوله فِي الخلفاء منذ كان رسول الله فِي ﷺ وإلى اليوم؟ قال: سيُجزون بأعمالهم فمَسْرور ومَثْبور، بهال: فما تقول فِي عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن مُحسنًا فعند الله ثوابُ إحسانه، وإن يكن مُسيئًا فلن يُعجزَ الله، قال: ما تقول فيّ؟ قال: أَنْتَ أعلم بنفسك، قال: بُثَّ علمَك فيَّ، قال: إذَا أَسُوءَكَ ولا أسرَّك، قال: بثّ، قال: أعفِني، قال: لا عفا الله عني إن عفوتُ عنك، قال: أَنْتَ مُخالفٌ لكتاب الله، تُرِي من نفسكّ أمورًا تريد بها الهَيبة وهي تُقحمك فِي النَّار، ظهر منك جَور وجُرأة على معاصي الله بقتلك أولياءه، وسترد فتعلم، فقال: لأقتلنَّك قتلة لم أقتلها لأحد قبلك، ولا أقتلها أحدًا بعدك، قال: إذَا تُفسدُ عليّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: والله لأُقَطِّعَنَّك إرْبًا إرْبًا، قال: القصاص أمامك، قال: الويل لك من الله، قال: الويل لمن زُحزِحَ عن الجنة وأُدخل النَّار، فقال: يَا غلام، السَّيف والنِّطع، فضحك سعيد، فقال الحجاج: بلغني أنك لم تضحك منذ سنين، فما الذي أضحكك عند القتل؟ قال: من جُرأتك على الله وحلمه عنك، فقال: يَا غلام، اقتله، فاستقبل القبلة وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ الآية [الأنعام: ٧٩] قال: اصرف وَجْهه عن القبلة، فصرفه فقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قال: اضرب به الأرض، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآية [طه: ٥٥]، قال: اذبح عدوّ الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم (١)! فقال سعيد: إنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقال: اذهبوا به فاضربوا عنقه، ثم ذُبح من قفاه، [قال ابن ذكوان:] فبلغ الحسن البَصْرِيّ فقال: اللهم يَا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلَّا ثلاثًا حتَّى وقع فِي جوفه الدود فمات. [وروى أبو نعيم، عن يعلى كاتب الحجاج قال: كنت أكتب له وأنا يومئذ غلام حديث السن، فدخلتُ عليه يومًا بعد ما قتل سعيد بن جبير وهو فِي قبة لها أربعة أبواب، فوقفت مما يلي ظهره، فسمعته وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟! فلم ينشب بعدها إلَّا يسيرًا ثم مات.]

стр. 4471

وفي رواية أنَّه عاش بعده خمسة عشر يومًا. [وقال الطبري:] أربعين يومًا، وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير (١)، كما أردتُ أن أنام أخذ برجلي ويقول: أي عدو الله لِمَ قتلتَني؟ [وقال هشام:] ندم الحجاج على قتله، فكان يقول: لعن الله ابن النصرانية -يعني خالدًا القسري- أتُراني ما كنتُ أعرف البيت الذي كان فيه بمكة، يعني سعيدًا. وقال الإِمام أَحْمد بن حنبل رحمة الله عليه: لقد قتل الحجاج سعيد بنَ جبير وما على وجه الأرض أحد إلَّا وهو مفتقر إِلَى علمه. واختلفوا فِي أي سنة قتل على قولين: أحدهما: فِي سنة أربع وتسعين، والثاني: سنة خمس وتسعين، وهو الأظهر لأن الحجاج مات فيها فِي شهر رمضان. واختلفوا فِي سنّ سعيد؛ فقد روينا أنَّه عاش سبعًا وخمسين سنة، وقال ابن سعد: عاش تسعًا وأربعين سنة، وقال علي بن المدينيّ: عاش اثنتين وأربعين سنة، والأول أشهر والله أعلم (٢). أسند سعيد رحمة الله عليه عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، وابن المُغَفَّل، وعديّ بن حاتم، وابن عباس وأكثر رواياته عنه. وروى عنه مجاهد، والزهري، والنَّخَعي، والشعبي، والحسن البَصْرِيّ، وابنُ سِيرين فِي خلق كثير، وكان ثقةً كثيرَ الحديث (٣). سعيد بن المُسَيّب ابن حَزْن بن أبي وَهْب بن عمرو بن عائذ بن عِمران بن مَخْزوم، وأمه أم سعيد بنت عثمان بن حَكيم السُّلَمي (٤)، وكنيته أبو محمَّد.

стр. 4472

وهو من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكان أبوه المُسَيّب يتَّجر فِي الزّيت، ولم يزل سعيد مهاجرًا لأبيه حتَّى مات. ذكر طرف من أخبار سعيد: [قد أثنى عليه العلماء، فقال ابن سعد:] كان جامعًا، ثِقَة، كثير الحديث، ثبتًا، فقيهًا مفتيًا، مأمونًا، ورعًا، عاليًا، رفيعًا (١). [وقال الموفق ﵀:] كان يقال له: فقيه الفقهاء، وعالم العلماء الذين يؤخذ عنهم العلم بالمدينة، وهو سيّدهم، وهم سبعة، وفيهم يقول الشَّاعر [وقد جمعهم فِي بيت واحد:] [من الطَّويل] ألا كلُّ مَن لا يَقتدي بأئمةٍ … فقِسمته ضِيزَى عن الحقِّ خارِجَهْ فخُذْهم عُبيد الله عَروةُ قاسمٌ … سعيدٌ سليمان أبو بكر خارِجَهْ (٢) [وقال الزُّبير بن بكار:] لما مات العبادلة: ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وابن الزُّبير؛ صار الفقه فِي جميع البلدان إِلَى الموالي، فكان فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه أهل خُراسان عطاء الخُرَاسَانِيّ، إلَّا المدينة فإن الله خصَّها بقُرشيّ، فكان فقيهها سعيد بن المسيّب غير مُدافَع (٣). [واختلفوا فِي مولده؛ فروى ابن سعد، عن الواقدي، عن أشياخه قال:] ولد سعيد بعد أن استُخلف عمر ﵁ بأربع سنين. [وروى ابن سعد، عن الواقديّ أَيضًا أنَّه قال: حَدَّثني طلحة بن محمَّد بن سعيد بن المسيّب، عن أَبيه قال: ولد سعيد قبل موت عمر بسنتين. قال الواقديّ: والذي رأيت عليه النَّاس أنَّه ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر، قال: ويروى أنَّه سمع من عمر، ولم أر أهل العلم يصحّحون ذلك وإن كانوا قد رووه.] (٤)

стр. 4473

وقال الشعبي: كان ابن المسيب عالم الدنيا فِي وقته، لا يُضاهيه أحد فِي العلم والزّهد والوَرَع والعبادة، وكان عبد الله بن عمر يرسل إليه فيسأله ويقول: اذهبوا إِلَى راوية عمر؛ لأنه كان يتبع آثار عمر وأقضيته فيتعلمها. [وحكى ابن سعد عن ابن المسيّب أنَّه كان يقول:] ما بقي أحد أعلم بكلِّ قضاء قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان مني (١). [وروى أبو نعيم، عن عبد الرحمن (٢) بن حَرْملة قال:] ما كان إنسان يجترئ عليه فيسأله عن شيءٍ حتَّى يستأذنه كما يستأذن الأمير. [وروى ابن سعد، عن معن، عن مالك قال:] كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلَّا يأتيني بعلمه، وأوتى بما عند سعيد بن المسيب. [وروى ابن سعد، عن مالك بن أنس قال:] كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضاء حتَّى يسأل عنه ابنَ المسيّب، فأرسل إليه إنسانًا يسأله، فدعاه فجاءه حتَّى دخل، فقال له عمر: لقد أخطأ الرسول، إنما أرسلناه يسألك، ارجع إِلَى مجلسك (٣). [وروى أبو نعيم، عن أبي عيسى الخراساني قال:] قال سعيد بن المسيّب: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظَّلَمة إلَّا بالإنكار عليهم بقلوبكم؛ لكيلا تَحْبَط أعمالُكم الصالحة. [وروى أبو نعيم عنه أنَّه] قال: من استغنى بالله افتقر إليه النَّاس. [وروى أبو نعيم، عن بُرد مولى ابن المسيّب قال:] ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلَّا وسعيد فِي المسجد. وصلى الغَداة بوضوء العَتَمة خمسين سنة، وكان يَسْرد الصوم. [وروى أبو نعيم عن] علي بن زيد قال: قال لنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه، وهو يعشو بالأخرى: ما من شيء عندي أخوفُ من النساء، [وفِي رواية:] فما يئس الشيطان من شيء إلَّا وأتاه من قِبل النساء (٤).

стр. 4474

[وروى ابن سعد] عن الزهري وسئل: عمن أخذ العلمَ ابنُ المسيّب؟ فقال: عن زيد بن ثابت، وجالس سعدَ بنَ أبي وقَّاص، وابن عباس، وابن عمر، ودخل على أزواج رسول الله ﷺ : عائشة، وأم سلمة، وسمع من عثمان، وعلي، وصُهيب، ومحمَّد بن مَسْلمة، وجلُّ رواياته عن أبي هريرة المسْنَدة، وكان زوجَ ابنته. [وروى ابن سعد، عن الواقدي قال:] كان سعيد يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء (١). ذكر طرف من تعبيره للرؤيا (٢): قال ابن سعد بإسناده إِلَى عمر بن حَبيب بن قُلَيع قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيّب يومًا، وقد ضاقت عليَّ الدنيا -أو قد ضاقت بي الأشياء- ورَهَقني دَين، فجاءه رجل فقال: با أَبا محمَّد، إنِّي رأيتُ رؤيا، قال: وما هي؟ قال: رأيتُ كأني أخذتُ عبد الملك بن مروان، فأضجعتُه إِلَى الأرض، ثم بَطَحتُه، فأوتدتُ فِي ظهره أربعة أوتاد، فقال سعيد: ما أَنْتَ رأيتَها، قال: بلى، قال: لا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزُّبير رآها وهو بعثني إليك، قال: لئن صدقتْ رؤياه ليقتُلَنّه عبد الملك، ويخرج من صُلب عبد الملك أربعة يكون كلهم خليفة. قال عمر بن حبيب: فرحلتُ إِلَى عبد الملك بالشَّام وأخبرته، فسَرّه ذلك، وسألني عن سعيد وعن حاله، وأمر بقضاء دَيني، وأصبتُ منه خيرًا. قال محمَّد بن عمر: كان ابن المسيّب من أعبر النَّاس للرؤيا، وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر، وأخذته أسماء عن أبيها. وقال ابن سعد: وسأله شَريك بن أبي نَمِر قال رأيتُ فِي المنام كأن أسناني سقطت فِي يدي ثم دفنتُها، فقال: إن صدقت رؤياك دفنتَ أسنانَك من أهل بيتك. [وقال ابن سعد بإسناده عن مسلم الخياط قال:] قال له رجل: إنِّي أراني أبول فِي يدي، فقال: اتَّق الله فإن تحتك ذات محرم، فنظر فإذا هي امرأة بينه وبينها رضاع.

стр. 4475

وقال له آخر: رأيت كأني أبول فِي أصل زيتونة، فقال: انظر مَن تحتك، فنظر فإذا هي امرأة لا يحلّ له نكاحُها. قال: وجاءه آخر فقال: رأيت كان حمامة وقعت على منارة المسجد، فقال: يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وجاءه آخر فقال: رأيتُ كان تيسًا أقبل يشتدُّ من الثَّنية، وقائل يقول: اذبح اذبح، قال: ذبحتُ، قال سعيد: مات ابنُ أمِّ صِلاء، فما برح حتَّى جاء الخبر بموته، قال: وابن أم صلاء من موالي المدينة يسعى بالنَّاس. قال: وجاءه رجل فقال: رأيت فِي المنام كأني أخوض النَّار، فقال: تركب البحر وتُقتل، فركب البحر، وقُتل يوم قُدَيد. قال: والكبل فِي النَّوم ثبات فِي الدين. قال: وقال له رجل: رأيتُ فِي المنام كأني جالسٌ فِي الظلِّ فقمتُ إِلَى الشَّمس، فقال: لئن صدقتْ رؤياك لتَخرجنّ من الإِسلام، قال الرَّجل: إنِّي أُراني أُخرجتُ حتَّى أُدخلتُ فِي الشَّمس، قال: تُكره على الكفر، فخرج فِي زمن عبد الملك فأسر، فأُكره على الكفر، ثم رجع إِلَى المدينة (١). وقال الزُّبير بن بكار، حَدَّثني مصعب الزُّبيريّ قال: كان سعيد لا يُقبل بوجهه على هشام بن إسماعيل المخزومي إذا خطب يوم الجمعة، فقال هشام لبعض أعوانه: اعطِفْ وجْهَ سعيد إليّ، فعطفه فأبى، فعطفه ثانيًا فصاح سعيد: يَا هشام، إنما هي أربع بعد أربع، فقال هشام: جُنَّ سعيد، فسئل سعيد: أي شيء أربع بعد أربع؟ فقال: رأيتُ فِي المنام فِي هذه الليلة أن موسى ﵇ قد غَطّس عبد الملك فِي البحر ثلاثًا، ثم مات فِي الرابعة، فأوَّلتُه بموت عبد الملك، لأن موسى بُعث على الجبَّارين، وأما الأربع الأخرى فمسافة الشَّام إِلَى المدينة، فجاء الخبر بعد أربعة أيام بموت عبد الملك (٢).

стр. 4476

وقال: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعني فِي تأويلها (١). ذكر تزويجه ابنته (٢): [روى عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا أَحْمد بن عبد الرحمن بن وهب، حَدَّثني عمي عبد الله بن وهب، عن عطّاف بن خالد، عن ابن حرملة، عن ابن]، أبي وَداعة قال: كنتُ أجالس سعيد بن المسيّب ففقدني أيامًا، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: تُوفّيت أهلي فاشتغلتُ بها، فقال: هلّا أخبرتَنا فكنا شهدناها، ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثْتَ امرأةً؟ قلت: يرحمك الله، ومَن يزوّجني وما أملك إلَّا ثلاثة دراهم؟ فقال: أنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم زوّجني على درهمين، فقمتُ وما أدري ما أصنع من الفرح، وصرتُ إِلَى منزلي، وجعلتُ أفكر ممّن أستدين؟ فصلَّيت المغرب، وقدَّمت عَشائي وكان خُبزًا وزيتًا، وجلستُ أُفطر، وإذا ببابي يُقرَع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، فأفكرتُ فِي كلِّ إنسان اسمه سعيد إلا ابن المسيّب؛ فإنَّه لم يُرَ أربعين سنة إلا من بيته إِلَى المسجد، فقمتُ وخرجت، وإذا به سعيد بن المسيّب، فظننتُ أنَّه قد بدا له، فقلت: يَا أَبا محمَّد ألا أرسلتَ إِلَى فآتيَك؟ فأنت أحقُّ أن تُؤتى، فما الذي جاء بك؟ فقال. إنك كنتَ رجلًا عَزَبًا تزوَّجت، فكرهتُ أن أبيتك الليلة وحدك، وهذه امرأتك، وإذا هي قائمةٌ من خلفه بطوله، ثم أخذ بيدها فدفعها فِي الباب، وردَّ الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فأغلقتُ الباب، وغطَّيت القَصْعة التي فيها الخبز والزيت، وصَعدت إِلَى السّطح، وصُحت بالجيران، فجاؤوني وقالوا: ما شأنُك؟ قلت: زوَّجني سعيدٌ ابنتَه اليوم، وجاء بها الليلة على غفلة، قالوا: سعيد زوّجك؟ قلت: نعم، وها هي فِي الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مَسَسْتَها قبل أُصلحها إِلَى ثلاثة أيام، فأقمتُ ثلاثًا، ثم دخلتُ بها، فإذا هي من أجمل النساء، قارئة لكتاب الله، عالمة بالسنة، عارفة بحق الزوج.

стр. 4477

ثم أقمتُ شهرًا لم آت سعيدًا ولا يأتيني، ثم أتيتُه بعد ذلك وهو فِي حلقته، فسلّمت عليه فردَّ ولم يكلّمني، فلما تقوّض المجلس ولم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: بخير، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفتُ إِلَى منزلي، فوجّه إليّ سعيد بعشرين أَلْف درهم. قال عبد الله بن سليمان: وكان عبد الملك بن مروان قد خطب ابنة سعيد هذه على ابنه الوليد حين ولّاه العهد، فأبى سعيد أن يزوِّجه، فلم يزل عبد الملك يحتال عليه حتَّى ضربه مئة سَوط في يوم بارد، وصبَّ عليه جَرَّةً من ماء، وألبسه جُبَّة صُوف. ذكر ضرب سعيد: [قال علماء السير: ضُرب سعيد بن المسيّب مرارًا فِي أيام ابن الزُّبير، وفي أيام عبد الملك بن مروان، فأما فِي أيام ابن الزُّبير فحكى ابن سعد، عن الواقديّ قال: حَدَّثني عبد الله بن جعفر وغيره قالوا:] استعمل عبد الله بن الزُّبير جابر بن الأسود بن عَوف الزُّهري على المدينة، ودعا النَّاس إِلَى البيعة لابن الزُّبير، فقال سعيد: لا أبايع حتَّى يجتمع النَّاس على إمام، فضربه جابر ستين سَوطًا، وبلغ ابن الزُّبير، فكتب إِلَى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دَعْه. [وحكى ابن سعد، عن الواقديّ، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عَوْن قال: كان جابر بن الأسود عامل ابن الزُّبير على المدينة قد تزوج خامسة قبل أن تنقضي عدة الرابعة، فلما ضُرب سعيد بن المسيّب صاح به والسياط تأخذه: يَا جابر، والله ما ربَّعتَ على كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وأنت خالفتَ كتاب الله، وإنما هي لَيالٍ، فاصنع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره، فما مكث إلَّا يسيرًا حتَّى قُتل ابن الزُّبير (١). قلت: وهذا الأثر يقوي مذهب أبي حنيفة أنَّه لا يجوز نكاح الأخت فِي عدة الأخت، وبه قال الإِمام أَحْمد، وقال مالك والشافعي: يجوز إذا كان فِي طلاق بائن أو ثلاث.

стр. 4478

واتفقوا على أنَّه لو كان الطَّلاق رَجْعيًّا لا يجوز، وقد قرّرناه في "الخلافيات" (١). وأما ضَرْبُ سعيد فِي أيام عبد الملك بن مروان؛ فقال ابن سعد بإسناده إِلَى عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا: إن عبد العزيز بن مروان تُوفِّي بمصر فِي جمادى سنة أربع وثمانين، فعقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إِلَى البلدان، وعامِلُه يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخْزوميّ، فدعا الناس إِلَى البيعة لهما،] فبايعوه إلَّا سعيد بن المسيّب فإنَّه أبي وقال: حتَّى انظر، فضربه هشام ستين سوطًا، وطاف به فِي ثيابٍ من شْعر حتَّى بلغ به رأس الثَّنيَّة، فلما كرُّوا به قال: أين تكرُّون بي؟ قالوا: إِلَى السجن، فقال: والله لولا أنني ظننتُ أنَّه الصَّلْبُ ما لبستُ هذه الثياب أبدًا، فردوه إِلَى السجن، وكتب هشام إِلَى عبد الملك يُخبره بما كان من أمره، فكتب إليه عبد الملك يلومه ويقول: سعيد كان والله أحوج أن نصل رحمه من أن نضربه، وإنا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف. [قال ابن سعد عن الواقدي: حَدَّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن المِسْوَر بن رِفاعة قال: دخل قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بن مروان بكتاب هشام يذكر فيه أنَّه ضرب سعيد بن المسيّب وطاف به،] فقال قبيصة: يَا أمير المُؤْمنين، أيَفْتَاتُ عليك هشام بمثل هذا؟ يضرب ابنَ المسيّب ويطوف به، ولو لم يبايع ما كان يكون منه؟ ما سعيد ممن يُخاف غائلتُه، والله إنه لمن أهل السنة والجماعة، فقال عبد الملك لقَبيصَة: اكتب إِلَى سعيد واعتذر إليه، فكتب قبيصة إِلَى سعيد فقال: الله بيني وبين من ظلمني، وندم هشام على ضربه وخلّى سبيله (٢). [وقال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: صنعت ابنة سعيد بن المسيب لأبيها طعامًا كثيرًا لما كان فِي الحبس،] (٣) فأرسل إليها لا تعودي لمثله، وابعثي إِلَى بالقُوت الذي

стр. 4479

كنتُ آكله فِي بيتي، ولا تُسرفي فهذا مقصود هشام: أن يذهب مالي، وأحتاج إِلَى ما فِي أيديهم، وأنا لا أدري كم أُقيم فِي الحبس. [وقال هشام: قال ابن المسيّب: لا أُبايع لأحد وعبد الملك حيّ؛ فإن له فِي عُنقي بيعة، فضربه هشام ضربًا مُبَرِّحًا، وألبسه المُسُوح، وسيَّره إِلَى ذِباب؛ ثَنيَّةٍ بالمدينة كان يصلب عندها الناس، فلما ردَّه إِلَى الحبس قال: والله ما ظننتُ إلَّا أنَّهم يَصلبونني، ولولا ذلك ما لبست التُّبَّان؛ لأنه أستر بي. قال: وبلغ عبد الملك فقال: قاتل الله هشامًا، كان الواجب أنَّه لما امتنع أن يَضرب عنقه (١). قلت: يرحم الله سعيد بن المسيّب، فلقد عرض نفسه على السيف والهوان فِي غير شيء، وقد قال ﷺ : "لَّا يحلُّ للمؤمن أن يُذلَّ نفسَه" (٢)، أليس قد بايع لعبد الملك فِي حياة مروان بن الحكم لما أخذ العهد لابنه عبد الملك، فأيّ فرقٍ بين مروان وعبد الملك. وقال الهيثم: قُتل ابن الزُّبير عقيب ضرب ابن المسيّب، ومات أَيضًا عبد الملك بعد ضربه بقليل، وعُزل هشام بن إسماعيل.] (٣) وروى ابن سعد، عن علي بن زيد بن جُدعان قال: قلت لسعيد: يزعم قومُك أنَّه ما منعك من الحج إلَّا أنك جعلتَ لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعوَ الله علي بني مروان، قال: ما فعلت، وما أصلي صلاةً إلَّا دعوتُ الله عليهم. وروى ابن سعد أَيضًا عن أبي يونس قال: دخلتُ مسجد المدينة فإذا ابن المسيّب جالس وحده، فقلت: ما شأنُه؟ قالوا: نُهي أن يُجالِسَه أحد.

стр. 4480

وروى ابن سعد عن عمران قال: كان لابن المسيّب فِي بيت المال بضعة وثلاثون ألفًا عطاؤه، فكان يُدعى إليها فيأبى ويقول: لا حاجةَ لي فيها حتَّى يحكم الله بيني وبين بني مروان. وقيل له: ما بال الحجاج لا يبعث إليك ولا يؤذيك ولا يحركك؟ فقال: والله لا أدري؛ إلَّا أنَّه دخل ذات يوم مع أَبيه المسجد، فصلى صلاةً، فجعل لا يُتمُّ ركوعها ولا سجودها، فأخذتُ كفًّا من حصى فحصبتُه، فزعم الحجاج قال: ما زلتُ بعدها أُحسن الصلاة. وقال عمران بن عبد الله الخُزَاعِيّ: حج عبد الملك، فلما قدم المدينة جاء فوقف على باب المسجد، وأرسل إِلَى سعيد رجلًا يدعوه ولا يحرّكه، فأتاه الرسول فقال: أمير المُؤْمنين واقفٌ بالباب يريد أن يكلّمك، فقال: ما لي إليه حاجة، وإن حاجته إليّ غير مقضيَّة، فرجع الرسول إِلَى عبد الملك فأخبره فقال: ارجع إليه وقل له: إنما أريد أن أكلمك، ولا تحرّكه، فجاء إليه فقال: أجب أمير المُؤْمنين، فقال له مثل ما قال أولًا، فقال الرسول: لولا أنَّه تقدَّم إليّ فيك ما رجعت إليه إلَّا برأسك، يرسل إليك أمير المُؤْمنين ليكلّمك وتقول مثل هذه المقالة؟ فقال سعيد: إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو ذاك، وإن كان غير ذلك فلا أَحُلُّ حَبْوَتي حتَّى يَقضي ما هو قاض، فأتاه فأخبره فقال: يرحم الله أَبا محمَّد، أبي إلَّا صَلابةً فِي دينه. وقيل: إن [الوليد بن] عبد الملك همَّ به وفي النَّاس يومئذ بقية، فأقبل عليه أصحابه وجلساؤه -وكان فِي المسجد جالسًا وسعيد عند أسطوانته- فقالوا: فقيه أهل المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، ولم يطمع ملك قبلك أن يأتيه، فما زالوا به حتَّى أضرب عنه (١). وقال سعيد: لقد رأيتُني ليالي الحَرَّة وما فِي المسجد أحد من خلق الله غيري، وإن أهل الشَّام ليَدخلون زُمَرًا زمرًا يقولون: انظروا إِلَى هذا الشيخ المجنون، وما كان يأتي وقت صلاة إلَّا وأسمع أذانًا من قبر رسول الله ﷺ ، فأقيم الصلاة وأصلي وحدي. وكان سعيد يقصُّ على النَّاس فيُخَوِّف ويُذَكّر.

стр. 4481

وقال له رجل: إن رأيتُ سكرانًا يسعني أن لا أرفعه إِلَى السلطان؛ فقال له سعيد: إن قَدَرتَ أن تستره بثوبك فافعل. قال ابن سعد: وهو القائل: قلة العِيال أحد اليَسارَين. وكان بين عينيه أثر السجود، وكان أبيض الرأس واللحية (١). [قال هشام:] كان الحسن البَصْرِيّ إذا أفتى بفتوى فقيل له: قد خالفك فلان وفلان لا يرجع عن فُتياه، فإذا قيل له: قد خالفك ابن المسيّب؛ رجع إِلَى قول ابن المسيّب ويَدَع قول نفسه. وقال سعيد وقد مرَّ به [ابن] مُرخِية الكِلابي وهو فِي المسجد: هذا والله أكذب العرب، قيل: وكيف يَا أَبا محمَّد؛ قال: أليس الذي يقول: [من الطَّويل] سألْتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب مُفتيَ الـ … ــــمدينةِ هل فِي حبِّ ظَمياءَ من وزْرِ فقال سعيد بنُ المسيّب إنما … تُلامُ على ما تستطيعُ من الأمْرِ كَذَب، لا والله ما سألني عن هذا قطُّ ولا أفتيتُه (٢). ذكر وفاته: [حكى ابن سعد قال:] دخل نافع بن جُبير بن مُطعِم على سعيد بن المسيّب يعوده فِي مرض موته، فأغمي عليه، فقال نافع: وَجّهوه إِلَى القبلة، ففعلوا، فأفاق فقال: من أمركم أن تُحوِّلوا فراشي إِلَى القِبلة، أنافع أمركم؛ قال نافع: نعم، فقال سعيد: إذا لم أكن على القبلة لا ينفعني توجيهكم فراشي إليها. [وفِي رواية ابن سعد:] قال نافع: قلت لمحمد بن سعيد: حَوِّل فراش أبيك إِلَى القبلة، فقال سعيد: لا تفعل؛ عليها وُلدت، وعليها أموت، وعليها أُبعث إن شاء الله. وقال سعيد: لا تُؤذنوا أحدًا بي، ولا تضربوا عليَّ فُسطاطًا، ولا تتبعني نائحة ولا نار.

стр. 4482

[وقال ابن سعد: لما مات سعيد] ترك دنانير ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلَّا لأصون بها حَسَبي وديني. وحكى ابن سعد، عن الواقديّ، عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: مات سعيد بن المسيّب بالمدينة سنة أربع وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، قال: وكان يقال لها سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها. وقيل: مات سنة ثلاث وتسعين وهو ابن أربع وثمانين سنة على الاختلاف فِي مولده. والأصحّ أنَّه مات فِي سنة أربع وتسعين. وقيل: كان ابن اثنتين وسبعين سنة (١). ذكر أولاده: كان له من الولد: محمَّد، وسعيد، وإلياس، وأم عثمان، وأم عمرو، وفاخِتة، أمهم أمُّ حَبيب بنت أبي كَريم بن عامر، من دَوْس، ومريم لأم ولد. وقيل: إن أولاده من بنت أبي هريرة. وكان ولده محمَّد نَسَّابة، نفى قومًا من بني مخرْوم، فشكَوه إِلَى الوليد بن عبد الملك، فجلده الحدّ. وكان له مولى يقال له: بُرْد، فكان يقول له: يَا بُرْد، لا تكذِبْ عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكان يقول: لا تقبلوا روايته حتَّى يكون معه آخر. أسند سعيد عن: عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وابن عباس، وأُبيّ بن كعب، وصُهيب، ومحمَّد بن مَسْلمة، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وأبي سعيد الخُدرِيّ، وسلمان، وأنس، وعائشة، وأم سلمة ﵁ فِي آخرين.

стр. 4483

وكان حريصًا على طلب الحديث قال: إن كنتُ لأسير الليالي والأيام فِي طلب الحديث الواحد. وروى عنه الجَمَّ الغَفير، فقهاء المدينة، وعمر بن عبد العزيز، والزّهري، وأهل العراق والشَّام ومصر. وكان إذا قرئ عليه حديث وهو مريض مضطجع جلس وقال: لا أسمع حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، رحمه الله تعالى (١). [فصل: وفيها تُوفِّي] أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، واسمه عبد الله الأصغر، وأمه تُماضِر بنت الأَصْبغ الكَلْبيّة. وأبو سلمة من فقهاء المدينة السبعة، [ذكره ابن سعد] فِي الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، واستقضاه سعيد بن العاص عليها. [وذكر ابن سعد] عن الشعبي قال: قدم علينا أبو سلمة الكوفة، فمشى بيني وبين أبي بُردة، فقلنا له: مَن أفقه من خَلَّفتَ ببلادك؟ فقال: رجل بينكما. [قال:] وقدم البصرة فِي زمن بشر بن مروان، وكان رجلًا صَبيحًا، كان وجهه دينارٌ هِرَقْلِيّ. [قال: وكان يخضب بالحِنّاء والكَتَم، وفي رواية ابن سعد أَيضًا: وكان يصبغ بالسواد، وفي رواية: بالوَسِمَة، وكان يلبس الخَزَّ الأصفر. قال ابن عساكر: كان يقال: إن أَبا سلمة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق] فكان يتولَّج (٢) عليها وعلى عائشة بذلك الإرضاع.

стр. 4484

وقال الزهري: كان يُماري ابنَ عباس، فحُرم بذلك علمًا كثيرًا. ذكر وفاته: [قال ابن سعد:] تُوفِّي بالمدينة سنة أربع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل: سنة أربع ومئة. وكان له من الولد: سَلَمة، وتُماضِر، أمُّهما أم ولد، وحسن، وحُسين، وأبو بكر، وعبد الجبار، وعبد العزيز، ونائلة، وسالمة، أمهم أم حسن بنت سعد بن الأَصْبغ، قُضاعيّة، وعبد الملك، وأم كلثوم الصغرى، لأم وَلَد، وأم كلثوم الكُبرى، أمها أم عثمان بنت عبد الله بن عوف، تزوج أم كلثوم الكبرى بشر بن مروان فولدت له. وأم عبد الله، وتُماضِر الصّغرى، وأسماء، أمهم بُرَيهة بنت عبد الرحمن بن عبد الله، من بني زُهْرَة، وعمر بن أبي سلمة. أسند أبو سلمة عن أَبيه، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة. وكان ثِقَةً فقيهًا كثير الحديث. وروى عنه الزُّهري، ومحمَّد بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبُريّ، وعبد الرحمن وأبو حازم الأعرجان، وعِراك بن مالك، والشَّعبي، وعمرو بن دينار فِي آخرين. عبد الله بن مُحيريز ابن جُنادة القُرشيّ المكيّ، أبو مُحَيريز. من الطبقة الثَّانية من التابعين من أهل الشام، والأولى من أهل مصر، والثالثة من أهل فلسطين. لقي قَبيصة بن ذُؤيب فقال له: يَا أيا إسحاق، عطَّلتم الثغور، وأغزيتم الجيوشَ إِلَى حرم الله وإلى مصعب بن الزُّبَيْر! فقال له قبيصة: اخْزِن من لسانك. وبلغ عبدَ الملك

стр. 4485

فأرسل إليه، فأتي [به] متقنّعًا، فوقف بين يديه فقال: ما كلمةٌ قلتَها نُغض لها ما بين الفُرات وعريش مصر؟ ثم لان له وقال: الزم الصَّمت، فإن من رأيي البقيَّة فِي قريش والحلمَ عنها، فكان ابن مُحَيريز يرى أنَّه قد غنم نفسه يومئذ (١). وكان الأَوْزَاعِيّ والأئمة يُعظّمونه، ويرفعون قَدْرَه، ونزل البيت المقدس فكان رجاء بن حيوة يقال: إن أهل المدينة ليفتخرون علينا بعبد الله بن عمر، وإنا لنفتخر عليهم بعبد الله بن محيريز؛ إمامًا صَموتًا مُعتزلًا فِي بيته. وكان لا يقبل برَّ أحد، ولا عطاءَ خليفة ولا ملك ولا غيرهما، بعث إليه عبد الملك بجارية، فلما دخلت عليه بيته قام فخرج ولم يَعُدْ إليه، وبلغ عبد الملك فأرسل فأخذها، فرجع إِلَى بيته. وكان يقول: كفى بالمرء شرًّا أن يشار إليه بالأصابع، وكان يمشي من قريته إِلَى الرَّمْلَة ليُصَلّيَ الجمعة، وبينهما أربعة أميال. ودخل يومًا إِلَى السوق اشترى ثوبًا، فعرفه رجل فقال للبائع: هذا ابن مُحَيريز فأحسِنْ بيعَه، فغضب وقال: إنما نشتري بأموالنا لا بأدياننا. وتوفي سنة أربع وتسعين، وأسند عن عُبادة بن الصّامت، وأبي سعيد الخُدْريّ، ومعاوية، وأوس بن أوس الثَّقفيّ، وأبي مَحْذُورة، وكان يتيمًا فِي حجره، وفَضالة بن عبيد، وعبد الله بن السَّعدي وغيرهم. وروى عنه الزُّهريّ، ومَكحول، وحسان بن عَطيّة، وابن أبي عَبْلَة، وأبو قِلابة الجَرْميّ، وعطاء الخُراسانيّ، وخالد بن مَعْدان فِي آخرين (٢). عُبيد الله بن عَديّ ابن الخِيار بن عَديّ بن نوفل بن عبد مَناف بن قُصيّ، وأُمُّه أمّ قِتال بنت أسيد بن أبي العِيص بن أمية.
следующие страницы →