← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وقال له رجل: إن رأيتُ سكرانًا يسعني أن لا أرفعه إِلَى السلطان؛ فقال له سعيد: إن قَدَرتَ أن تستره بثوبك فافعل. قال ابن سعد: وهو القائل: قلة العِيال أحد اليَسارَين. وكان بين عينيه أثر السجود، وكان أبيض الرأس واللحية (١). [قال هشام:] كان الحسن البَصْرِيّ إذا أفتى بفتوى فقيل له: قد خالفك فلان وفلان لا يرجع عن فُتياه، فإذا قيل له: قد خالفك ابن المسيّب؛ رجع إِلَى قول ابن المسيّب ويَدَع قول نفسه. وقال سعيد وقد مرَّ به [ابن] مُرخِية الكِلابي وهو فِي المسجد: هذا والله أكذب العرب، قيل: وكيف يَا أَبا محمَّد؛ قال: أليس الذي يقول: [من الطَّويل] سألْتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب مُفتيَ الـ … ــــمدينةِ هل فِي حبِّ ظَمياءَ من وزْرِ فقال سعيد بنُ المسيّب إنما … تُلامُ على ما تستطيعُ من الأمْرِ كَذَب، لا والله ما سألني عن هذا قطُّ ولا أفتيتُه (٢). ذكر وفاته: [حكى ابن سعد قال:] دخل نافع بن جُبير بن مُطعِم على سعيد بن المسيّب يعوده فِي مرض موته، فأغمي عليه، فقال نافع: وَجّهوه إِلَى القبلة، ففعلوا، فأفاق فقال: من أمركم أن تُحوِّلوا فراشي إِلَى القِبلة، أنافع أمركم؛ قال نافع: نعم، فقال سعيد: إذا لم أكن على القبلة لا ينفعني توجيهكم فراشي إليها. [وفِي رواية ابن سعد:] قال نافع: قلت لمحمد بن سعيد: حَوِّل فراش أبيك إِلَى القبلة، فقال سعيد: لا تفعل؛ عليها وُلدت، وعليها أموت، وعليها أُبعث إن شاء الله. وقال سعيد: لا تُؤذنوا أحدًا بي، ولا تضربوا عليَّ فُسطاطًا، ولا تتبعني نائحة ولا نار.

стр. 4482

[وقال ابن سعد: لما مات سعيد] ترك دنانير ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلَّا لأصون بها حَسَبي وديني. وحكى ابن سعد، عن الواقديّ، عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: مات سعيد بن المسيّب بالمدينة سنة أربع وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، قال: وكان يقال لها سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها. وقيل: مات سنة ثلاث وتسعين وهو ابن أربع وثمانين سنة على الاختلاف فِي مولده. والأصحّ أنَّه مات فِي سنة أربع وتسعين. وقيل: كان ابن اثنتين وسبعين سنة (١). ذكر أولاده: كان له من الولد: محمَّد، وسعيد، وإلياس، وأم عثمان، وأم عمرو، وفاخِتة، أمهم أمُّ حَبيب بنت أبي كَريم بن عامر، من دَوْس، ومريم لأم ولد. وقيل: إن أولاده من بنت أبي هريرة. وكان ولده محمَّد نَسَّابة، نفى قومًا من بني مخرْوم، فشكَوه إِلَى الوليد بن عبد الملك، فجلده الحدّ. وكان له مولى يقال له: بُرْد، فكان يقول له: يَا بُرْد، لا تكذِبْ عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكان يقول: لا تقبلوا روايته حتَّى يكون معه آخر. أسند سعيد عن: عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وابن عباس، وأُبيّ بن كعب، وصُهيب، ومحمَّد بن مَسْلمة، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وأبي سعيد الخُدرِيّ، وسلمان، وأنس، وعائشة، وأم سلمة ﵁ فِي آخرين.

стр. 4483

وكان حريصًا على طلب الحديث قال: إن كنتُ لأسير الليالي والأيام فِي طلب الحديث الواحد. وروى عنه الجَمَّ الغَفير، فقهاء المدينة، وعمر بن عبد العزيز، والزّهري، وأهل العراق والشَّام ومصر. وكان إذا قرئ عليه حديث وهو مريض مضطجع جلس وقال: لا أسمع حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، رحمه الله تعالى (١). [فصل: وفيها تُوفِّي] أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، واسمه عبد الله الأصغر، وأمه تُماضِر بنت الأَصْبغ الكَلْبيّة. وأبو سلمة من فقهاء المدينة السبعة، [ذكره ابن سعد] فِي الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، واستقضاه سعيد بن العاص عليها. [وذكر ابن سعد] عن الشعبي قال: قدم علينا أبو سلمة الكوفة، فمشى بيني وبين أبي بُردة، فقلنا له: مَن أفقه من خَلَّفتَ ببلادك؟ فقال: رجل بينكما. [قال:] وقدم البصرة فِي زمن بشر بن مروان، وكان رجلًا صَبيحًا، كان وجهه دينارٌ هِرَقْلِيّ. [قال: وكان يخضب بالحِنّاء والكَتَم، وفي رواية ابن سعد أَيضًا: وكان يصبغ بالسواد، وفي رواية: بالوَسِمَة، وكان يلبس الخَزَّ الأصفر. قال ابن عساكر: كان يقال: إن أَبا سلمة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق] فكان يتولَّج (٢) عليها وعلى عائشة بذلك الإرضاع.

стр. 4484

وقال الزهري: كان يُماري ابنَ عباس، فحُرم بذلك علمًا كثيرًا. ذكر وفاته: [قال ابن سعد:] تُوفِّي بالمدينة سنة أربع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل: سنة أربع ومئة. وكان له من الولد: سَلَمة، وتُماضِر، أمُّهما أم ولد، وحسن، وحُسين، وأبو بكر، وعبد الجبار، وعبد العزيز، ونائلة، وسالمة، أمهم أم حسن بنت سعد بن الأَصْبغ، قُضاعيّة، وعبد الملك، وأم كلثوم الصغرى، لأم وَلَد، وأم كلثوم الكُبرى، أمها أم عثمان بنت عبد الله بن عوف، تزوج أم كلثوم الكبرى بشر بن مروان فولدت له. وأم عبد الله، وتُماضِر الصّغرى، وأسماء، أمهم بُرَيهة بنت عبد الرحمن بن عبد الله، من بني زُهْرَة، وعمر بن أبي سلمة. أسند أبو سلمة عن أَبيه، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة. وكان ثِقَةً فقيهًا كثير الحديث. وروى عنه الزُّهري، ومحمَّد بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبُريّ، وعبد الرحمن وأبو حازم الأعرجان، وعِراك بن مالك، والشَّعبي، وعمرو بن دينار فِي آخرين. عبد الله بن مُحيريز ابن جُنادة القُرشيّ المكيّ، أبو مُحَيريز. من الطبقة الثَّانية من التابعين من أهل الشام، والأولى من أهل مصر، والثالثة من أهل فلسطين. لقي قَبيصة بن ذُؤيب فقال له: يَا أيا إسحاق، عطَّلتم الثغور، وأغزيتم الجيوشَ إِلَى حرم الله وإلى مصعب بن الزُّبَيْر! فقال له قبيصة: اخْزِن من لسانك. وبلغ عبدَ الملك

стр. 4485

فأرسل إليه، فأتي [به] متقنّعًا، فوقف بين يديه فقال: ما كلمةٌ قلتَها نُغض لها ما بين الفُرات وعريش مصر؟ ثم لان له وقال: الزم الصَّمت، فإن من رأيي البقيَّة فِي قريش والحلمَ عنها، فكان ابن مُحَيريز يرى أنَّه قد غنم نفسه يومئذ (١). وكان الأَوْزَاعِيّ والأئمة يُعظّمونه، ويرفعون قَدْرَه، ونزل البيت المقدس فكان رجاء بن حيوة يقال: إن أهل المدينة ليفتخرون علينا بعبد الله بن عمر، وإنا لنفتخر عليهم بعبد الله بن محيريز؛ إمامًا صَموتًا مُعتزلًا فِي بيته. وكان لا يقبل برَّ أحد، ولا عطاءَ خليفة ولا ملك ولا غيرهما، بعث إليه عبد الملك بجارية، فلما دخلت عليه بيته قام فخرج ولم يَعُدْ إليه، وبلغ عبد الملك فأرسل فأخذها، فرجع إِلَى بيته. وكان يقول: كفى بالمرء شرًّا أن يشار إليه بالأصابع، وكان يمشي من قريته إِلَى الرَّمْلَة ليُصَلّيَ الجمعة، وبينهما أربعة أميال. ودخل يومًا إِلَى السوق اشترى ثوبًا، فعرفه رجل فقال للبائع: هذا ابن مُحَيريز فأحسِنْ بيعَه، فغضب وقال: إنما نشتري بأموالنا لا بأدياننا. وتوفي سنة أربع وتسعين، وأسند عن عُبادة بن الصّامت، وأبي سعيد الخُدْريّ، ومعاوية، وأوس بن أوس الثَّقفيّ، وأبي مَحْذُورة، وكان يتيمًا فِي حجره، وفَضالة بن عبيد، وعبد الله بن السَّعدي وغيرهم. وروى عنه الزُّهريّ، ومَكحول، وحسان بن عَطيّة، وابن أبي عَبْلَة، وأبو قِلابة الجَرْميّ، وعطاء الخُراسانيّ، وخالد بن مَعْدان فِي آخرين (٢). عُبيد الله بن عَديّ ابن الخِيار بن عَديّ بن نوفل بن عبد مَناف بن قُصيّ، وأُمُّه أمّ قِتال بنت أسيد بن أبي العِيص بن أمية.

стр. 4486

مات بالمدينة فِي خلافة الوليد بن عبد الملك، وروى عن عمر وعثمان رضوان الله عليهم. وكان ثقةً قليلَ الحديث، وهو من الطَّبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين وكان له من الولد المختار لأُمِّ وَلَد، وحميدة، وأمها ميمونة بنت سفيان، من فَهْم، وكان له ابنة أخرى أمها من بني فَهْم (١). [فصل: وفيها تُوفِّي] عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأَسَديُّ، أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة. [ذكره ابن سعد] في الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل المدينة [وقال:] كان فقيهًا، عالمًا، ثَبْتًا، مأمونًا، ثِقَة (٢). وأمُّه أسماء بنت أبي بكر رضوان الله عليه. ولد سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة تسع وعشرين، وكان بينه وبين أخيه عبد الله عشرون سنة، قال عروة: أذكر وأنا أتعلَّق بشعر كَتِفَي أبي الزُّبير بن العوام، وكان الزُّبير يُرَقّصه ويقول: [من الرجز] أبيضُ من آل بني عَتيقِ … مُباركٌ من وَلَدِ الصِّدِّيقِ أَلَذُّه كما أَلَذُّ رِيقي [وقال ابن عساكر: كان حين حُصر عثمان غلامًا لم يُنبت، وقال ابن عساكر: عَرضت عائشة عروةَ يوم الجمل بذات عِرْق وهي قاصدةٌ البصرة، فردّته لصغره.] (٣) وقال عروة: رُدِدتُ أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يوم الجمل، استصغرونا. وكان عروة معتزلًا للفِتن، لم يدخل مع أخيه عبد الله فِي شيء، ولا مع غيره، وداره بالمدينة دار صفية بنت عبد المطَّلب، وهي دارٌ ربّة، أي: مرتفعة واسعة.

стр. 4487

وكان يَقدم على عبد الملك (١) فيُجلسه معه على سريره، فقال له الحجاج: تُجلس ابن العُمَيشاء معك على سريرك؟ فقال له عروة: أُمّي ذات النِّطاقَين من عجائز الجنة، وأمك المُتَمَنِّية، أشار إِلَى أن عمر ﵁ سمعها ليلة وهي تقول: [من البسيط] هل منْ سبيل إِلَى خمرٍ فأشربها … أم من سبيل إِلَى نصْرِ بن حَجّاجِ [وقد ذكرناه]. وقال الزهري: جالستُ عروة فكان بَحْرًا لا تُكَدِّره الدِّلاء. [وقال مصعب الزُّبيريّ:] قال عروة: ربَّ كلمة ذُلٍّ احتملتُها أورثتني عزًّا طويلًا. [وقال ابن سعد:] كان عروة يَسْرُد الصَّومَ جميع الدهر، إلَّا العيدين، ومات وهو صائم، وكان يُغيِّر شَيبه، ولا يُفطر فِي السَّفَر. وقال عبد الله بن حسن بن حسن: كان علي بن الحسين يجلس كلّ ليلة هو وعروة فِي مؤخّر مسجد رسول الله ﷺ بعد العشاء الآخرة، فتحدَّثا ليلةً فتذاكرا جَورَ بني أمية، وأنهم لا يستطيعون تغيير ذلك، ثم ذكرا ما يخافان من عقوبة الله لهم حيث هم معهم، فقال عروة: إن مَن اعتزل أهل الجور والله يعلم منه سخطه لأعمالهم؛ فإن كان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة من الله؛ رُجي أن يسلم منها، فخرج عروة فسكن العَقيق، وخرج علي فنزل سُوَيقة. وكان يقول لبنيه: سَلوني، فلقد تركتُ الحديث حتَّى كدتُ أنسى، وإني لأُسئل عن الحديث فينفتح لي حديث يومي (٢). [وروى أبو نعيم، عن هشام بن عروة قال: قال أبي:] إذا رأيتَ الرَّجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها أخوات عنده، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها أخوات عنده، فإن الحسنة تدلُّ على أختها.

стр. 4488

[وروى يعقوب بن شوذب قال:] كان عروة إذا كان أيام الرُّطَب ثَلَم حائطَه فيدخل النَّاس، فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخله رَدَّد هذه الآية فيه حتَّى يخرج منه ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]. وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا فِي المصحف، ويقوم به الليل، فما تركه إلَّا ليلة قُطعت رجله، ثم عاود من الليلة المقبلة (١). ذكر ما ابتلي به عروة وصبره على البلاء: [قال ابن سعد بإسناده عن سعد بن إبراهيم قال: كان برجل عروة أَكِلَة فقطع رجله. هذا صورة ما ذكر ابن سعد (٢). واختلفت الروايات فِي ذلك فروى أبو نعيم (٣)] عن هشام بن عروة قال: خرج أبي إِلَى الوليد بن عبد الملك، فوقعت فِي رجله الأكِلَة، فقال له الوليد: يَا أَبا عبد الله، أرى لك قطعها وإلا سَرَتْ، فقُطعت فإنَّه لصائم، فما تضوَّر وجهه، ودخل ابنٌ له أكبر ولده إِلَى اصطبل الوليد، فرفسته دابة فقتلته، فما سُمع من أبي فِي ذلك شيء حتَّى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة، فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ثلاثة ذلك الحمد، وايم الله، لئن أخذتَ لقد أبقيتَ، ولئن ابتَليتَ فلطالما عافيت. [وقال أبو نعيم (٤) بإسناده إِلَى مَسْلَمة بن مُحارب قال:] وقعَتْ فِي رجل عُروة الأَكِلَة، ولم يَدَعْ فِي تلك الليلة وردَه، فقُطعت ولم يُمسكه أحد. [وحكى يعقوب بن سفيان أنَّه قال لما نُشِرت رجلُه: اللهم إنك تعلم أني ما مشيت بها إِلَى سوء قط.]

стр. 4489

وروى ابن أبي الدنيا عن أشياخه قال: لما وقعت الأَكِلَة برجل عروة بعث إليه الوليد الأطبّاء، فأجمعوا على أنَّهم إن لم يَنْشُروها قتلته، فقال: شأنُكم بها، قالوا: نسقيك شيئًا لئلا تُحسَّ بما نصنع بك، قال: لا، شأنُكم بها، فنشروها بالمنشار، فما حرَّك عضوَّا مَن عضو وصبر، فلما رأى القَدَم بأيديهم دعا بها، فقبّلها ثم قال: والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيتُ بها إِلَى مَعصية قطّ، ثم أمر بها فغُسلت وطُيِّبت، ودُفنت فِي مقابر المسلمين، وتمثل بأبيات مَعْن بن أوس بن نَصْر المازنيّ: [من الطويل] لعَمْرُكَ ما أهويتُ كَفِّي لرِيبةٍ … ولا حَمَلَتْني نحو فاحِشْةٍ رِجلي ولا قادني سَمعي ولا بَصري لها … ولا دَلَّني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تُصبني مُصيبةٌ … من الدَّهر إلَّا قد أصابتْ فتىً قبلي (١) [وهذا مَعْن هو الذي دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده، وكان معاوية يقول: هو أشعر النَّاس.] ومن شعر مَعْن قوله (٢): [من الطَّويل] لعَمْرُك ما أدري وإني لأَوجَلُ … على أيِّنا تَعدو المَنِيَّةُ أوَّلُ وإني أخوك الدَّائمُ العَهْدِ لم أَحُلْ … إنَّ ابْزاك خَصْمٌ أو نَبا بك مَنزِلُ وإن سُؤتَني يومًا صَفَحتُ إِلَى غدٍ … ليُعْقِبَ يومًا منك آخَرُ مُقبِلُ وإنّي على أشياءَ منك تَرِيبُني … قديمًا لَذو صَفْحٍ على ذاك مُجْمِلُ ستَقطع فِي الدُّنيا إذا ما قَطَعْتَني … يمينَك فانظرْ أيَّ كفٍّ تَبدَّلُ وفي النَّاس إنْ رثَّتْ حبالُك واصِلٌ … وفِي الأرضِ عن دارِ القِلَى مُتَحَوَّلُ إذا أنتَ لم تُنْصِفْ أخاك وجدْتَه … على طَرَفِ الهِجْرانِ إن كُنتَ تَعقِلُ ولما قال له الأطبّاء: نَسقيك دواءَّ يزول به عقلُك فلا تُحسُّ بشيء قال: إذا زال عقلي فبم أعرف ربي، ثم مدّ رجلَه فقُطعت بالمنشار وهو يسبّح لم يمسكه أحد، وقال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] ولم يَدَعْ ورْدَه تلك الليلة.

стр. 4490

وقال الواقديّ: قُطعت رجل عروة والوليد حاضر، فلم يشعر (١) الوليد بها حتَّى كُويت، فشمّ رائحة الكيّ. [وحكى ابن هشام عن الزهري قال: وقعت الأَكِلَة برجله وهو بوادي القُرى يريد الشَّام وافدًا على الوليد، فلما قدم الشَّام وقُطعت رجله لم يَزد على قوله: حَسِّ حَسِّ (٢). وقال أبو المُطَرِّف: البغلةُ التي قتلت محمَّد بن عروة كان الحجاج بعث بها إِلَى الوليد. قال ابن أبي الدنيا:] وقدم على الوليد فِي ذلك اليوم قومٌ من بني عَبْس فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن عينيه فقال: بتُّ ليلة فِي بطن وادٍ، ولا أعلم عَبْسِيًّا فِي الأرض يزيد ماله على مالي، فطَرَقنا سَيلٌ، فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد؛ غير صبيٍّ مولود وبعير، وكان البعير صَعْبًا فنَدَّ، فوضعتُ الصّبيَّ واتَّبعت البعير، فلم أجاوزه حتَّى سمعتُ صَيحةَ الصّبيّ، فرجعتُ إليه ورأسُ الذئب فِي بطنه فأكله، واستدرْتُ إِلَى البعير لأحبسه، فنَفَحني برِجله، فأصاب وَجهي فحَطَمه، وذهبت عيناي، فأصبحتُ لا أهل، ولا مال، ولا وَلَد، ولا عينان، فقال الوليد: انطلقوا به إِلَى عروة فيخبره بخبره؛ ليعلَمَ أن فِي النَّاس مَن هو أشدُّ بلاءً منه وأعظم (٣). وقال الواقديّ: قُطعت رجل عروة من نصف الساق، وعاش بعدها ثماني سنين أو أكثر. [وقال الواقديّ:] ولما قدم المدينة تلقّاه النَّاس يَبكون وهو يَسترجِع، فقال له عطاء بن أبي ذؤيب رجل من قومه: يَا أَبا عبد الله، والله ما كنا نحتاج أن نُسابق بك ولا نُصارع، وإنما كنّا مُحتاجين إِلَى رأيك، والأُنسِ بك، والاستفادة من علمك، وقد بقي لنا ما كنا نحبُّ منك، وما أُصبت به فهو ذَخيرةٌ لك عند الله (٤).

стр. 4491

[قال الواقديّ: اعتزل عروة النَّاس، وقد ذكرنا أنَّه نزل العَقيق، ونزل على زين العابدين سُوَيقة. وبنى عروة بالعَقيق قَصْرًا، ونقل أهله وولده إليه، فقيل له: جَفوتَ مسجد رسول الله ﷺ والناس؟! فقال: نعم، رأيتُ مساجدَهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة فِي فجاجهم فاشية، فكان فِي البُعد منهم العافية، ولقد ذُكر لنا أن المدينة يصيبها بَلاء، فإن أصابها شيءٌ كنت متنحّيًا عنها. قال هشام: فكان يموت بعض ولده -يعني ولد عروة- بالمدينة فلا يأتيه (١). ذكر وفاته واختلفوا فيها؛ فحكى ابن سعد، عن الواقديّ قال:] مات عروة فِي أمواله بالفُرْع بمكان يقال له: مَجاج، ودُفن هناك يوم الجمعة سنة أربع وتسعين قال: وهي سنة الفقهاء (٢). [وقد روينا أنَّه مات وهو صائم. وقال هشام: وله ثمانون سنة، وعند قصره بئر يعرف به، ليس هناك أعذب من مائها. وقال أبو نعيم وأبو سعيد بن يونس: مات سنة ثلاث وتسعين.] وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة سبع أو تسع وتسعين، وقيل: سنة إحدى ومئة. [والأول أصح. قال ابن عساكر:] وقيل له: ألا تُحملُ إِلَى البقيع فتُدفنَ فيه؟ قال: لا، إنما هو أحد رجلين: إما ظالم فلا أحب أن أُدفن معه، وإما صالح أو مظلوم فلا أحب أن تُنبش عظامُه بسببي. قال: وكان قد ذهب بصره فِي آخر عمره فقال: [من البسيط] إن تُمْسِ عيناي فِي ضُرٍّ أصابهما … ريبُ المنون وأمر كان قد قُدِرا فما بذلك من عارٍ على أحدٍ … إذا اتَّقى اللهَ واستوصى بما أُمِرا (٣)

стр. 4492

ذكر أولاده: فولد عروة: عبد الله، وعمر، والأسود، وأم كلثوم، وعائشة، وأم عمر. وأمهم فاختة بنت الأسود بن أبي البَخْتَريّ الأَسَدي. ويحيى، ومحمدًا، وعثمان، وأبا بكر، وعائشة، وخديجة. وأمهم أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص بن أمية. وهشامًا، وصفية لأم ولد. وعبيد الله، وأمه أسماء بنت سَلَمة بن عمر بن أبي سَلَمة المَخزوميّ. ومصعبًا، وأم يحيى لأمّ وَلَد اسمها واصِلة. وأسماء أمها سَوْدة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأمها صفيّة بنت أبي عُبيد (١). ذكر أعيانهم: أما عبد الله فكان أكبر ولده، وكُنيته أبو بكر، وهو من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، وكذا جميع أولاد عروة، وكان ذا عقلٍ وكَرَم وشَرَف وفَضْل. وكان يُشَبَّه بعبد الله بن الزُّبير فِي لسانه، وكان عبد الله يُحبُّه ويقول لعروة: ولدك هذا لي، وزوّجه ابنتَه أمَ حكيم. أرسل معاوية بن أبي سفيان إِلَى عبد الله بن الزُّبير رسولًا يخطب إليه ابنتَه هذه على ابنه يزيد، فدعا عبد الله بن الزُّبير ابنَ أخيه عبد الله بن عُروة فزوّجه إياها، وكان أول مَن زوَّج ابن أخيه، فقال الرسول لعبد الله بن الزُّبير: ما أقول لأمير المُؤْمنين؟ قال: ما له عندي جواب غير هذا الذي رأيتَ. وحضر عبد الله بن عمر العقد، وحمل عروة إليها عشرين ألفًا، فرَدّ عبد الله بن الزُّبير المال وقال: لو أردتُ المال لكان فِي يزيد كفاية، وكانت أم حكيم أحبّ بنات عبد الله بن الزُّبير إليه. وكان عروة يرسل ابنه عبد الله يَجُدُّ ثَمر أمواله ويبيعه فِي كل عام، فكان عبد الله يَدُقُّ الثُّلَم، ويأمر النَّاس بالدخول [والأكل] منها، ويبيع من الثمر، ويأتي أباه بالثَّمن،

стр. 4493

فقال يحيى بن عروة لأبيه: إن عبد الله يُبذِّر ثَمَرك، ويَتَسخّى فيه، ويُطعمه النَّاس، قال عروة: فلِهِ العام أَنْتَ، فوليه يحيى، ومنع النَّاس أن ينالوا منه شيئًا، وسدَّ الثّلمة، وباعه مثل ما باعه عبد الله فِي العام الماضي، فنقص نُقصانًا فاحشًا، فقال يحيى: والله ما رَزَأْتُ منه شيئًا، فقال عروة: قد كان عبد الله يأتينا بأرزاقنا، وكان النَّاس ينالون منه أرزاقهم، فمنعتَهم فمنَعَنا الله ذلك. وبلغ عبد الله بن عروة ستًّا وتسعين سنة، لم يكن بينه وبين أَبيه إلَّا خمس عشرة سنة. وهو كان رسول عبد الله بن الزُّبير إِلَى الحُصَين بن نُمَير حتَّى لحقه بمكة عند وفاة يزيد بن معاوية. وكان عبد الله قد اعتزل النَّاس، وخرج عن المدينة، فقيل له: تركتَ المدينة دار الهجرة والسنة، فلو رجعت إليها ولقيتَ النَّاس، فقال: وأين النَّاس؟ إنما النَّاس رجلان: شامت بنكْبة، أو حاسدٌ لنِعمة. وكان لعبد الله بن عروة من الولد: عمر، وصالح، وعائشة، أمهم أم حكيم بنت عبد الله بن الزُّبير، وسلمة، وسالم، ومسَالم، وخديجة، وصفية، وأمهم أم سَلَمة بنت حمزة بن عبد الله بن الزُّبير. وروى عن عبد الله الزُّهريُّ، وكان ثقةً قليلَ الحديث (١). وأما يحيى (٢) بن عروة فروى عنه الزهري، وكان قليل الحديث. كان له من الولد: عروة، وأمه زينب بنت عُبيدة بن المنذر بن الزُّبير، ومروان الأكبر، ومحمَّد الأكبر، والزُّبير، لا بقيَّة لهم، وأم يحيى، وأسماء، وأمُّهم أم إبراهيم بنت إبراهيم بن عبد الله بن نُعيم بن النَّحَّام العَدَويّ. والحكم، وأم عبد الله، وعائشة، وأمهم أم إبراهيم هذه، وعبد الملك، ومروان الأصغر، ومحمَّد، لأم ولد.

стр. 4494

وفد يحيى بن عروة على عبد الملك -وكان من أشراف بني عروة- فجلس ببابه، فسمع الحاجب يتناول عبد الله بن الزُّبير، فضربه يحيى فشجّه فأدماه، فدخل الحاجب على عبد الملك على تلك الحال فقال: مَن فعل بك هذا؟ قال: يحيى بن عروة، فقال: عليَّ به، وكان عبد الملك متكئًا فقعد، فلما دخل عليه يحيى قال له: لم فعلتَ بحاجبي هذا؟ فقال له يحيى: عمي عبد الله بن الزُّبير كان أحسن جوارًا لعمتك منك لنا، والله لقد كان يقول لها: من سَبّ أهلك فسُبّي أهله، ولقد كان ينهى حُجَّابه وأهلَه وعشيرته أن يسمعوها فيكم، فاضطجع عبد الملك، ولم يزل مُكرمًا ليحيى بن عروة. أشار يحيى إِلَى أُمِّه بنت الحكم أخت مروان، فإنَّها كانت زوجة عروة، وكان أيام حصار ابن الزُّبير بمكة. أنكر يحيى على إبراهيم بن هشام عامل هشام بن عبد الملك على المدينة، فضربه فمات بعد الضَّرب، وله عَقِب فِي المدينة. وكان أعلم من هشام بن عروة، وكان يلي عبد الله أخاه فِي السنّ، وله أشعار منها: [من الخفيف] ابنُ عمي وقبل ذاك أبوه … وقتيلُ العراقِ بين الجُسورِ آثَرُوا العِزّ والعَلاء فماتوا … قبل دَهرٍ يُشابُ بالتَّكْدِيرِ (١) وأما محمَّد بن عروة فهُو الذي دخل دار الدَّوابِّ وقتلته البَغْلة، وقيل: إن البغلة كان الحجاج بعث بها إِلَى الوليد، فحمل عليها عروة، وكان عروة يحبّ ولده محمدًا، فما تجاسر أحد أن يخبره، وكان الماجشون قد صحبه إِلَى الشَّام فأخذ يُسلّيه ويعزِّيه، ففطن فاسترجع، ولم يتأوه، ولم يتكلّم. وأمه أم يحيى أخت مروان.

стр. 4495

وكان بارع الجمال، دخل يومًا على الوليد وله غَديرتان، وهو يتبختر فِي مشيته، فقال الوليد: هذا والله التَّغَطْرُف، هكذا تكون فِتيان قريش، فأصابه بالعين، فقام من نومه مَتَوَسِّنًا، فوقع فِي إصطبل الدوابّ، فلم تزل تَطَؤه حتَّى مات. وكانت له ابنة يقال لها: أم يحيى، وأمها حفصة بنت عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ. أسند محمَّد عن أَبيه، وعمه عبد الله، وروى عنه الزهري، وأخوه هشام بن عروة، وليس له عقب من قبل الرجال (١). وأما عثمان بن عروة فتوفّي أول خلافة أبي جعفر، وكان قليل الحديث، روى عنه ابن أبي عامر (٢). وكان له أولاد: عروة، وأبو بكر، وعبد الرحمن، ويزيد، وأم يحيى، وكلْثَم، وحفصة، وأمهم قريبة بنت عبد الرحمن بن المنذر بن الزُّبير، ويحيى، وهشام، لأم ولد، وخديجة، وأُبَيّة، وفاطمة، وأمهم أمُّ حَبيب بنت عبد الله بن عبد الله بن حَنْظَلة بن الراهب، من الأوس. وأما عُبيد الله بن عروة فكنيته أبو بكر، كان له من الولد: عروة، وعاصم، ومصعب، وحفصة، وأمهم بنت رباح بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. وكان عبيد الله أصغر ولد عروة، وبقي حتَّى أدركه الواقديّ وسمع منه، قال الزهري: قلت له: ابن كم أَنْتَ يوم مات عروة؟ قال: ابن تسع سنين. ومن شعر عبيد الله: [من الطَّويل] يحبُّ الفتى المال الكثيرَ وإنما … لنَفسِ الفتى مما يَحُوزُ نَصيبُ ترى المرءَ يُبكيه الذي مات قبلَه … وموتُ الذي يَبكي عليه قَريبُ (٣)

стр. 4496

وأما هشام بن عروة فتوفي فِي أيام أبي جعفر سنة ست وأربعين ومئة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر مسانيد عروة: أسند عن أَبيه، وعن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الأرقم (١)، وأبي أيّوب، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وعبد الله بن الزُّبير، والمِسْوَر بن مَخْرَمة، وعائشة، ومروان، وزَينب بنت أبي سلمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري، وبشير بن أبي مسعود، وزُبيد بن الصَّلْت، ويحيى بن عبد الرحمن، وغيرهم. وكان ثِقَة كثير الحديث. وقيل: أسند عن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد ﵁، وروى عن أمه أسماء، والحسن والحسين ﵁، والمغيرة بن شُعبة، وعبد الله بن جعفر. وروى عنه خلق كثير، منهم: بنوه يحيى، وهشام، ومحمَّد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والزهري، وصفوان بن سُلَيم، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وسليمان وعطاء ابنا يسار، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والشعبي، والنخعي وغيرهم. وقال الزهري: ما ماتت عائشة ﵂ حتَّى أخذ عروة جميع ما كان عندها من العلم. وكان يتألَّف النَّاس على العلم وحديثه ويقول: سلوني؛ فإنني أتمنّى أن يُؤخذ عني العلم.

стр. 4497

[فصل: وفيها تُوفِّي] عطاء بن يَسار مولى ميمونة زوج النَّبِيّ ﷺ ، وكنيته أبو محمَّد، وقيل: أبو يسار، وهو من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. [وهو أخو سُليمان بن يسار، وكان عطاء بن يسار يَقصُّ فِي مسجد رسول الله ﷺ والقاسم وسالم يجلسان إليه.] قال ابن بُكير: كان بالمدينة ثلاثة إخوة لا يُدرى أيّهم أفضل: عطاء وسليمان وعبد الله بنو يسار، وثلاثة إخوة: محمَّد وأبو بكر وعمر بنو المُنْكَدِر، وثلاثة إخوة: بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ ويعقوب وعمر. وسئل الإِمام أَحْمد ﵀ عن عطاء وإخوته فحَسَّن القول فيهم. وحج عطاء من المدينة إِلَى مكة ثلاثًا وستين حجة. وخطب رجل من العرب ابنةَ عطاء فقال له: ما نُنكر نَسبك ومَوضعك، ولكنا نُزَوّج مثلَنا، وتزوَّج أَنْتَ فِي عشيرتك، وبلغ ابنَ المسيّب فقال: أحسن عطاء ما شاء. ذكر وفاته: واختلفوا فيها؛ فقال هشام مات فِي سنة أربع وتسعين سنة الفقهاء. وحكى ابن سعد عن الواقديّ أنَّه مات فِي سنة ثلاث ومئة وهو ابن أربع وثمانين سنة. قال ابن سعد: وقال غير محمَّد بن عمر: إنه تُوفِّي سنة أربع وتسعين، وهو أشبه بالأمر. وقال أبو سعيد بن يونس (١): قدم عطاء مصر وحدَّث بها، وخرج إِلَى الإسكندرية، فزعم سعيد بن عُفَير أنَّه تُوفِّي بها [ولم يذكر تاريخ وفاته].

стр. 4498

وكان عطاء بن يسار ثقةً كثير الحديث. سمع عطاء ابنَ مسعود، وأبيّ بن كعب، وخَوّات بن جُبير، وأَبا أيّوب الأَنْصاريّ، وأبا واقد اللّيثي، وأبا رافع، وعبد الله بن سَلام، وعائشة، وميمونة وغيرهم. وروى عنه زيد بن أسلم، وعبيد الله بن مِقْسَم وبُكَير بن عبد الله بن الأَشَجّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وشَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر (١)، وصفوان بن سُلَيم، فِي آخرين. [فصل: وفيها توفي] عليّ بن الحُسين ابن عليّ بن أبي طالب ﵁، ويلقب بزَين العابدين. [ذكره ابن سعد في] الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل المدينة. وكنيته أبو محمَّد [وقيل: أبو الحسين. واختلفوا فِي اسم أُمِّه، فقال ابن سعد:] أمه أمُّ وَلَد يُقال لها: غَزالة (٢). [وقال الهيثم بن عَديّ: كان اسمها: السُّلافَة، وقيل: سَلّامة، وقيل: شاه زنان. قال ابن قتيبة: كان عليّ بارًّا بها، وكانت سِنديّة، ما أكل معها فِي قَصْعَةٍ قط، فقيل له فِي ذلك فقال: أخاف أن تسبق يدي إِلَى ما وقعت عينُها عليه؛ فأكون قد عَققتُها. وزوَّجها عليّ من مولاه زُيَيد، وأعتق جاريةً له وتزوَّجها، فكتب إليه عبد الملك يُعيِّره بذلك، فكتب إليه علي رحمة الله عليه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، قد أعتق رسول الله ﷺ صَفيَّة بنت حُيَيّ وتزوَّجها، وأعتق زيدَ بنَ حارثة وزوَّجه ابنةَ عَمَّته زينب بنت جحش (٣).

стр. 4499

فولدت عبد الله بن زُيَيد، فهو أخو علي لأمّه، ولزُيَيد عقب بيَنْبُع. ذكر مولد علي بن الحسين: واختلفوا فيه على أقوال؛ أحدها سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة فِي خلافة عثمان؛ حكاه ابن عساكر. والثاني سنة سبع وثلاثين، ذكره أبو اليقظان. والثالث: سنة ثمان وثلاثين؛ قاله الهيثم. وقال ابن سعد:] كان (١) علي بن الحسين مع أَبيه يوم الطَّفوف وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضًا على الفراش. وهذه الرواية تدل على أنَّه ولد سنة سبع وثلاثين [لأن أباه قتل فِي أول سنة إحدى وستين. قال ابن سعد:] ولعلي بن الحسين هذا العَقِب من ولد الحسين، وهو علي الأصغر [أما علي الأكبر فقتل مع أَبيه يوم الطّفوف، وقد ذكرناه (٢). ذكر طرف من أخباره: ذكر المدائنيّ عن جابر بن عبد الله الأَنْصَارِيّ أنَّه] أتى أَبا جعفر محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ إِلَى الكُتَّاب وهو صغير، فقال له: رسول الله ﷺ يسلم عليك، فقال: يَا جابر، وكيف هذا؟ فقال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ والحسين فِي حجره وهو يداعبه فقال: "يَا جابر، يولد له مولود اسمه علي، فإذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ: هَلُمَّ سيّد العابدين -أو زين العابدين- فيقوم ولده علي، ثم يولد لعلي مولود اسمه محمَّد، فإن أدركتَه يَا جابر فأقرئه مني السَّلام". [وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٣) وقال: قد سمّاه رسول الله ﷺ قبل أن يوجد سيّد العابدين.

стр. 4500

وقد روينا عن علي ﵇ أنَّه قال: املكوا عَلَيَّ هذين الغلامين -يعني الحسن والحسين، وهما يتنازعان القتال يوم صفّين- فإنِّي أخاف أن ينقطع نسلُ رسول الله ﷺ ، لا شَهِدا معي حَرْبًا بعد اليوم. وقال ابن سعد:] كان علي بن الحسين ثِقَة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا عفيفًا (١). [وقد ذكرنا ما جرى بين علي بن الحسين وبين ابن زياد لما قُتل الحسين ﵇، وما جرى بينه وبين يزيد بن معاوية وأنه ردّه مع السَّبايا والرأس إِلَى المدينة. وقال ابن سعد: حدثنا الفَضْل بن دُكَين، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن] العَيزار بن حُرَيث قال: كنت عند ابن عباس وأتاه علي بن الحسين فقال: مرحبًا بالحبيب بن الحبيب. وبعث إليه المختار بن أبي عُبيد بمئة أَلْف، فكره أن يقبلها، وخاف أن يردَّها عليه، فاحتبسها عنده، فلما قُتل المختار وولي عبد الملك كتب إليه يخبره وقال: كرهتُ أن آخُذها، فأبعث مَن يقبضها، فكتب إليه عبد الملك: يابن عَمّ، خذها فقد طَيَّبتُها لك، فأخذها. وكان عليّ يلعن المختار، فقيل له: تلعنه وإنما ذُبح فيكم؟ فقال: إنه كان كذّابًا يكذب على الله ورسوله، يزعم أنَّه يوحى إليه. وقال: التَّارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ لكتاب الله وراء ظهره، إلَّا أن يَتَّقي تُقاة، قيل: وما تُقاة؟ قال: يخاف جبّارًا عنيدًا، يخاف أن يَفْرُطَ عليه أو أن يطغى. وقال: يَا أيها النَّاس، أحبُّونا حُبَّ الإِسلام، فما برح بنا حبُّكم حتَّى بَغَّضتمونا إِلَى النَّاس. وأصاب الزهريُّ دمًا خطأ، فخرج وترك أهله، وضرب فُسطاطًا وقال: لا يُظِلُّني سقفُ بيت، فمر به علي بن الحسين فقال: يَا ابن شِهاب؛ قُنوطك أشدُّ من ذنبك،

стр. 4501

فاستغفر الله، وابعث إِلَى أهله بالدِّية، وارجع إِلَى أهلك، فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم النَّاس عليَّ مِنَّةً. وقال عبد الله بن عليّ بن الحسين: لما قُتل الحسين قال مروان لأبي: إن أَبَاك كان سألني أربعة آلاف دينار فلم تكن حاضرة عندي، وهي اليوم عندي مُتيسّرة، فإن أردتَها فخُذها، فأخذها أبي، ولم يُكلّمه أحدٌ من بني مروان؛ حتَّى قام هشام بن عبد الملك فقال لأبي: ما فعل حَقُّنا قِبَلَكم؟ قال: مُوَفَّر مَشكور، قال: هو لك. وكان علي بن الحسين أحسن أهل بيته طاعة، وأحبَّهم إِلَى مروان وابنه عبد الملك. قلت: قوله (١): حتَّى قام هشام بن عبد الملك فيه نظر؛ فإن علي بن الحسين ﵁ مات فِي هذه السنة كما ذكر، وهشام إنما ولي بعد ذلك بعدة سنين. [وقال ابن سعد، عن عبد الله بن داود قال:] كان علي إذا أتاه سائل قام بنفسه فناوله ويقول: إن الصدقة لتقع بيد الله قبل أن تقع بيد السائل. [وحكى ابن سعد عنه أنَّه] قال: والله ما قُتل عثمان على وجه الحقّ. وكان إذا قام إِلَى الصلاة أخذته رِعْدة، فيقال له: مالك؟ فيقول: ما تدرون بين يدي من أقوم ولمن أُناجي؟! قال: وكان يخرج على راحلته إِلَى مكة، ويرجع ولا يقرعها بسَوْط. قال: وكان يَخضِب بالحِنَّاء والكَتَم، وفي رواية بالسَّواد. قال: وكان له كِساءُ خَزٍّ يلبَسه يوم الجمعة، وكان له فَروةٌ من ثعالب، فإذا أراد الصلاة نَزعها. وكانت له جُمَّة إِلَى المَنْكِب وكان يَفرِق شَعَره. وكان يشتري كِساء الخَزِّ بخمسين دِينارًا فيشتو فيه، ثم يبيعه ويتصدّق بثمنه، وكذا كان يفعل فِي ثياب الصّيف.

стр. 4502

[وقال ابن سعد أَيضًا بإسناده عن ثابت الثّماليّ قال: سمعت أَبا جعفر قال:] دخل عليُّ بن الحسين الكَنيف ثم خرج فقال: رأيت الذُّباب يَقَعْن على العَذِرات، ثم يَطِرنَ فيقعن على الثّياب، فأردتُ أن أتّخذ ثوبًا للكنَيف، ثم قلت: لا ينبغي لي شيءٌ لا يَسَع النَّاس. وقيل إنه قال: كيف أصنع شيئًا لم يَصنعْه رسول الله ﷺ ولا الخلفاء بعده؟! ما كان لهم إلَّا ثوبٌ واحد. وفي رواية أنَّه قال: أُحدث حَدَثًا فأنا أستغفر الله منه (١). [قلت: وأصل هذا أن يَسير النَّجاسات مَعْفُوٌّ عنها؛ لأن الاحتِراز عنه غير ممكن، ولهذا قال محمَّد ﵀: فإن انتَضح عليه البول مثل رؤوس الإبَر يجب غسلُه؛ لقوله ﵇: "استَنزهوا من البَول" من غير فَصْلٍ بين القليل والكثير.] (٢) وكان يقول: المؤمن مُفَتَّنٌ تَوَّاب، إن الله يحبُّ المؤمن المُذْنِبَ التوَّاب. [وقال ابن أبي الدُّنيا بإسناده إِلَى عبد الرحمن بن حَفْص القُرشيّ قال:] كان علي بن الحسين إذا توضأ اصْفَرَّ، فيقول له أهلُه: ما هذا الذي يَعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تَدرون بين يدي من أُريد أن أقوم؟! [وروى ابن أبي الدنيا، عن أبي نُوحٍ الأَنْصاريّ قال:] وقع حَريقٌ فِي بيت علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يابن رسول الله النّار، يابن رسول الله النّار، فما رفع رأسه حتى أُطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: النَّار الأخرى. [وقال سفيان:] جاء رجل إِلَى علي فقال: إن فلانًا آذاك ووقع فيك، قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق معه وهو يرى أنَّه سيَنتصر لنفسه، فلما أتاه قال: يَا هذا، إن كان ما قلتَ فيَّ حقًّا فغفر الله لي، وإن كان ما قلتَ باطلًا فغفر الله لك. وكان بين حَسن بن حسن وبينه بعض الأمر، فجاء حسن إليه وهو مع أصحابه فِي المسجد، فما ترك شيئًا إلَّا قاله له، وعليٌّ ساكت، وانصرف حسن، فلما كان فِي الليل

стр. 4503

أتاه عليّ فِي منزله، فقرع بابه فخرج، فقال له علي: يَا أخي، إن كنتَ صادقًا فيما قلتَ فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك، والسلام عليك، وولّى، فتبعه حسن، والتزمه من خلفه وبكى حتَّى رثى له، ثم قال: لا جرم، لا عُدتُ فِي أمرٍ تكرهه، قال علي: وأنت فِي حلٍّ مما قلتَ لي (١). وقال (٢): فَقْدُ الأحبَّةِ غُربة. وكان يقول: اللهم إنِّي أعوذ بك أن تَحسُنَ فِي لوامع العيون علانيتي، وتَقْبُحَ سريرتي، اللهم إنِّي أسأتُ وأحسنتَ إليّ، فإذا عُدْتُ فعُدْ عليَّ. وقال: إن أقوامًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة الأحرار (٣). وقال (٤): عجبتُ للمتكبّر الفَجور؛ الذي كان بالأمس نُطفةً ثم غدًا جِيفة، وعجبتُ لمن شكَّ فِي الله وهو يرى عجائبَ خَلْقه، وعجبتُ لمن أنكر النَّشأةَ الأُخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبتُ لمن عَمل لدار الفَناء، وترك العمل لدار البقاء. قال: وكان إذا أتاه السائل رحَّب به ويقول: مَرْحبًا بمَن يحمل. وكان يُبَخَّل، فلما مات وجدوه يَقوت مئةَ أهلِ بيتٍ بالمدينة. [وقال محمَّد بن إسحاق:] كان ناسٌ من أهل المدينة يعيشون لا يُدرى من أين كان معاشُهم، فلما مات علي فقدوا ما كان يأتيهم بالليل [أو فقدوا ما كانوا يُؤتون به فِي الليل. وروى أبو نعيم عن أبي حَمْزة الثّمالي قال:] كان علي بن الحسين يحمل جِراب الدَّقيق على ظهره بالليل، فيتصدق به ويقول: إن صَدَقةَ السِّرِّ تُطفئ غَضبَ الربّ ، فلما مات وغَسّلوه جعلوا ينظرون إِلَى آثارٍ سُود فِي ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جِراب الدّقيق ليلًا على ظهره، فيعطيها فقراءَ المدينة.

стр. 4504

[قال ابن عائشة:] فكان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صَدقةَ السِّر حتَّى مات علي بن الحسين (١). [وروى ابن أبي الدّنيا عن سفيان قال:] أراد علي بن الحسين الخروج فِي حجٍّ أو عُمرة، فاتَّخذت له سُكينة بنت الحُسين سُفرة أنفقت عليها ألفَ درهم أو نحوَها، وأرسلت بها إليه، فلما كان بظَهر الحَرَّةِ أمر بها فقُسمت على المساكين. وأتاه نَفَرٌ (٢) من أهل العراق فقالوا: ما تقول فِي أبي بكر وعمر وعثمان ﵃؟ فقال: أخبروني، أنتم المهاجرون الأوَّلون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾؟ قالوا: لا، قال: أمّا أنتم فقد أقررتم أنكم لستم من أحدٍ من هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين ﴿جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، اخرجوا فعل الله بكم وصَنع. [وروى أبو نعيم، عن] نافع بن جُبَير أنَّه قال لعلي بن الحسين: أَنْتَ سيِّدُ النَّاس وأفضلُهم، تذهب إِلَى هذا العَبد فتجلسُ معه -يعني زيد بن أسلم؟ فقال: إنه ينبغي للعلم أن يُتْبَع حيث كان (٣). وقال سعيد بن مَرْجَانة (٤): أعتق علي بن الحسين عبدًا له قيمة، سمعني وأنا أروي حديثَ أبي هريرة فقال: هو حُرٌّ، والحديث أخرجاه فِي "الصحيحين"، ورواه الإِمام أَحْمد فِي "المسند" (٥) فقال: حدثنا مكّي بن إبراهيم، ثنا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هِند- عن إسماعيل بن أبي حَكيم مولى آل الزُّبير، عن سعيد بن مَرْجانة أنَّه قال: سمعتُ

стр. 4505

أَبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "مَن أعتق رَقَبةً مؤمنةً أعتق الله بكلِّ إرْبٍ منها إرْبًا منه من النَّار، حتَّى إنه ليُعْتِق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج". فقال علي بن الحسين لسعيد بن مَرْجانة: أَنْتَ سمعتَ هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم، فقال لغُلامٍ له أَفْرَهِ غِلمانه: ادع لي مُطَرِّفًا -لغلامٍ لم يكن له مثلُه- فلما وقف بين يديه قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجه الله تعالى. متّفق عليه. قال عبد الله بن جعفر: وكان عليٌّ قد أُعطي فِي هذا الغلام أَلْف دينار، أو عشرة آلاف درهم. قلت: ولهذا الحديث استحبَّ العلماء أن يُعتق الذكرُ الذكرَ، والأنثى الأنثى. [وروى أبو نُعيم، عن صالح بن حسّان قال:] قال رجلٌ لابن المسيّب: ما رأيتُ أحدًا أوْرَعَ من فلان، فقال ابن المسيّب: فهل رأيتَ علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيتُ أحدًا أوْرَعَ منه (١). [وروى ابن عائشة، عن أَبيه (٢)، عن طاوس قال:] رأيت علي بن الحسين ساجدًا فِي الحِجْر ويقول: عُبيدُك بفِنائك، مسكينُك بفِنائك، سائلُك بفِنائك، فقيرُك بفِنائك. قال طاوس: فوالله ما دعوتُ اللهَ بها فِي كَرْبٍ إلَّا وفَرَّجَ عني. وكان علي يصلي (٣) فِي كل يوم وليلة أَلْف ركعة، ولا يُمكن أحدًا أن يستقيَ له ماءً لوضوئه، ولا يُعينَه عليه. وكانت الرّيحُ إذا هبَّت عاصفةً يسقط من الخوف مَغشيًّا عليه. [وروى ابن أبي الدُّنيا، عن عبد الغفّار بن القاسم قال:] خرج علي من المسجد، فلقيَه رجل فسَبَّه، فثار إليه العبيد والموالي، فنهاهم علي وقال للرجل: ما ستر الله

стр. 4506

عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجةٌ نُعينك عليها؟ فاستحيى الرَّجل، فألقى عليٌّ عليه خَميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرَّجل بعد ذلك إذا رآه يقول: أشهد أنك من أولاد المرسلين. [وروى ابن أبي الدنيا، عن رجل من أولاد عمار بن ياسر قال:] كان عند علي بن الحسين قومٌ، فاستعجل خادمًا له بشِواء كان فِي التَّنُّور، فأقبل به الخادمُ مُسرعًا، فسقط السَّفُّود من يده على بُنَيٍّ صغيرٍ لعلي، فأصاب رأسه فقتله، فقال علي للغلام أو الخادم: أَنْتَ حُرٌّ؛ فإنك لم تَتَعَمَّدْه (١). [وروى أبو نعيم، عن عمرو بن دينار قال:] دخل علي بن الحسين على محمَّد بن أسامة بن زيد فِي مرضه يعوده، فجعل محمَّد يبكي، فقال له علي: ما الذي يُبكيك؟ قال: عليَّ دَين، فقال علي بن الحسين: كم هو؟ قال: خمسة عشر أَلْف دينار، فقال عليٌّ: هو عليَّ (٢). وقال أبو جعفر محمَّد بن عليّ: أوصاني أبي علي فقال: يَا بُنيّ، لا تصحَبَنَّ خمسةً ولا تُحادثهم ولا تُرافقهم فِي طريق، قلت: مَن هم؟ فقال: لا تصحبَنّ فاسقًا؛ فإنَّه يبيعُك بأَكْلَة فما دونها، ولا تصحبَنّ بَخيلًا؛ فإنَّه يقطع عنك ماله أحوجَ ما كنتَ إليه، ولا تصحبَنَّ كذّابًا؛ فإنَّه بمنْرلة السَّراب، يُبعد منك القريب، ويُقَرّب منك البعيد، ولا تصحبنَّ أحمق؛ فإنَّه يريد أن يَنفعك فيَضُرَّك، ولا تصحبَنّ قاطعَ رَحِمٍ؛ فإنِّي وجدتُه مَلعونًا فِي كتاب الله فِي ثلاثة مواضع (٣). [وقال أبو نعيم بإسناده إِلَى ابن عائشة، عن أَبيه قال:] حجَّ هشام بنُ عبد الملك قبل أن يَليَ الخلافة [فاجتهد أن يَستلم الحَجَر فلم يُمْكنه، وجاء علي بن الحسين فوقف له النَّاس، فتنَحَّوا حتَّى استلم (٤).

стр. 4507

وذكر الموفق طَرفًا من ذلك فقال: حجّ هشام] فأراد أن يستلم الحَجَر فلم يقدر عليه من الزّحام، فنُصب له مِنبَرٌ فجلس عليه، وطاف به أهلُ الشَّام، فبينا هو كذلك أقبل عليُّ بن الحسين -وكان أحسنَ النَّاس وَجْهًا، وأطيبَهم ريحًا- فطاف بالبيت، فكان إذا بلغ الحَجَر تنحَّى النَّاسُ عنه حتَّى يَستَلِمَه هيبةً له وإجلالًا، فغاظ ذلك هشامًا، وقال رجل من أهل الشَّام: مَن هذا الذي قد هابه النَّاس هذه الهَيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه -مخافةَ أن يرغَبَ فيه أهلُ الشَّام- فقال الفرزدق: ولكنّي أعرفُه، فقال الشَّاميّ: من هو يَا أَبا فراس؟ فاندفع الفرزدق يقول وأنشد (١): [من البسيط] هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كُلّهمُ … هذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ (٢) هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وَطْأَتَهُ … والبيتُ يَعرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ يكاد يُمسِكُه عِرفانَ راحَتِهِ … رُكْنُ الحَطيمِ إذا ما جاء يَستلمُ إذا رأتْه قريشٌ قال قائلُها … إِلَى مكارمِ هذا ينتهي الكَرَمُ إن عُدَّ أهلُ التُّقى كانوا أئمَّتَهم … أو قيل مَن خيرُ أهلِ الأرضِ قيل همُ هذا ابنُ فاطمةٍ إن كُنتَ جاهِلَهُ … بجدِّه أنبياءُ الله قد خُتِموا وليس قولُك مَن هذا بضائِرِه … العُرْبُ تَعرفُ ما أنكرتَ والعَجَمُ يُغضي حَياءً ويُغْضَى من مَهابتِهِ … فلا يُكلَّمُ إلاحين يَبْتَسِمُ يَنمي إِلَى ذِرْوَةِ العِزِّ التي قَصُرَتْ … عن نَيلها أمَّةُ (٣) الإِسلامِ والعَجَمُ مَن جَدُّه دانَ فَضْلُ الأنبياءِ … له وفَضْلُ أُمَّتِه دانتْ لها الأُمَمُ يَنشَقُّ نورُ الهُدى عن صُبْحِ غُرَّتِهِ … كالشَّمسِ تَنجابُ عن إشراقِها الظُّلَمُ

стр. 4508

مُشْتَقَّةٌ من رسول الله نَبْعَتُهُ … طابَتْ عَناصِرُه والخِيمُ والشِّيَمُ اللهُ شرَّفه قِدْمًا وفَضَّله … جَرى بذاك له فِي لَوْحِه القَلَمُ كِلتا يدَيه غِياثٌ عَمَّ نَفْعُهُما … يَسْتَوكِفَانِ ولا يَعْرُوهما (١) العَدَمُ سَهْلُ الخَليقَةِ لا تُخْشى بَوادِرُه … يَزِينُه اثْنَتانِ الحِلْمُ والكَرَمُ (٢) حَمَّالُ أثقالِ قَومٍ إذ هُمُ فُدِحُوا … رَحْبُ الفِناءِ أَريبٌ حين يَعْتَزِمُ أيُّ البَرِيَّةِ ليستْ فِي رِقابهمُ … لأوَّليَّةِ هذا أو له نِعَمُ عمَّ البَريَّةَ بالإحسانِ فانْقَشَعَتْ … عنه الغَيايَةُ لا هِرْقٌ ولا كَهَمُ (٣) من مَعْشَرٍ حُبُّهم دينٌ وبُغْضُهُمُ … كُفْرٌ وقُرْبُهمُ مَنْجًى ومُعْتَصَمُ لا يَستطيعُ جَوادٌ بُعْدَ غايَتهم … ولا يُدانِيهِمُ قَومٌ وإن كَرُموا همُ الغُيوثُ إذا ما أَزْمَةٌ أَزِمَتْ … والأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى والبَأْسُ مُحْتَدِمُ لا يَنْقُصُ العُسْرُ بَسْطًا من أكُفِّهمُ … سِيَّانَ ذلك إن أَثْرَوْا وإن عَدِموا يُستَدفَعُ السُّوءُ والبَلوى بحُبِّهمُ … ويُسْتَرَبُّ به الإحسانُ والنِّعَمُ مُقَدَّمٌ بعد ذِكرِ اللهِ ذِكرُهُمُ … فِي كلِّ فَصْلٍ (٤) ومَخْتُومٌ به الكَلِمُ يأبى لهم أن يَحُلَّ الذَّمُّ ساحَتَهم … خِيمٌ كريمٌ وأَيدٍ بالنَّدى هُضُمُ فِي كفِّه خَيزُرانٌ ريحُه عَبِقٌ … من كفِّ أرْوَعَ فِي عِرْنينِه شَمَمُ (٥) لا يُخلِفُ الوَعْدَ مَيمونٌ نَقِيبَتُه … حُلْوُ الشَّمائلِ تَحْلُو عنده نَعَمُ فلما سمع ذلك هشام غضب، وانقلبَتْ حَولتُه، وأمر بحبس الفرزدق، فحُبِس بمنزلٍ يقال له: عُسْفَان بين مكة والمدينة، فهجا الفرزدقُ هشامًا فقال: [من الطَّويل] أيَحبِسُني بين المدينةِ والتي … إليها قلوبُ الناسِ يَهوي مُنيبُها

стр. 4509

يُقلِّبُ رأسًا لم يكن رأسَ سَيِّدٍ … وعَينًا له حَولاءَ بادٍ عُيوبُها وبعث إليه زين العابدين بألف دينار وقال: اعذرني يَا أَبا فراس، فلو كان عندي أكثر منها لوصلتُك، فردّها وقال: والله ما قلتُ ما قلتُ لهذا؛ بل غضبًا لله ولرسوله، فلا آخذُ عليه أجرًا، فقال علي: نحن أهل بيت لا يعودُ إلينا ما خرج منا، فبحقِّي عليك إلَّا قبلتَها؛ فقد رأى الله مَقامَك. وعرف رسوله، فقبلها. [ويقال: إن زين العابدين شفع إِلَى هشام فأطلقه. وحكى ابن حَمدون فِي "التَّذكرة" عن] الزهري قال: حمل عبد الملك بن مروان عليّ بنَ الحسين من المدينة إِلَى الشَّام مُقَيَّدًا مُكَبَّلًا، قال الزهري: فدخلتُ عليه لأُودِّعَه والغُلُّ فِي يديه، والقُيودُ فِي رجلَيه، فبكيتُ -وكان فِي قُبَّة- وقلتُ له: وَدِدتُ والله أني مكانَك وأنت سالم، فقال: لو شئتُ لما كان هذا، ثم تحرَّك فوقع الغلُّ من يديه، والقَيد من رجليه، ثم قال: وإنه ليُذَكّرني هذا عذابَ الله، والله لا سِرتُ معهم ليلتين على هذا، فلما كان بعد أربعة أيام وإذا بالموكَّلِين قد عادوا، فسُئلوا عن عَودهم فقالوا: رَصَدْناه ليلةً إِلَى الفجر ثم فقدناه، فلا ندري ما أصابه. قال الزُّهري: فدخلتُ بعد ذلك على عبد الملك، فسألني عنه فحدَّثتُه الحديث، فقال: والله لقد جاءني يوم فَقَدَه الأعوان، فدخل عليّ فقال: ما أنا وأنت؟! قلت: أقِم عندي، قال: ما أُحبُّ ذلك، ثم خرج عني وقد مُلئتُ منه خِيفَةً (١). قال الزهريّ: دخلتُ ليلةً مسجدَ رسول الله ﷺ وقتَ السَّحَر، وإذا بشخصٍ ساجدٍ فِي جانب الرَّوضة، وهو يقول فِي سجوده: إلهنا وسيّدنا ومولانا، لو بَكينا حتَّى تَسقُطَ أشفارُنا، وانتَحَبْنا حتَّى تنقطعَ أصواتُنا، وقُمنا حتَّى تَيبَسَ أقدامُنا، وركعنا حتَّى تَنخَلِعَ أوصالُنا، وسجدنا حتَّى تَتَفَقَّأ أحداقُنا، وأكلنا تُرابَ الأرض طُولَ أعمارِنا، وذكرناك حتَّى تَجِفَّ ألسنتُنا؛ ما استوجبنا بذلك مَحْوَ سيِّئةٍ من سيّئاتنا، قال: فبكيتُ لتَضَرُّعِه وحُسنِ عبارته، فلم يزل كذلك إِلَى وقت الأذان، فلما أذَّن المؤذن رفع رأسه، وإذا به زين العابدين.

стр. 4510

ذكر وفاته واختلافهم فيها (١): قال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَروَة قال: مات علي بن الحسين بالمدينة، ودُفن بالبَاتيع سنةَ أربعٍ وتسعين، وكان يقال لها: سنة الفُقهاء؛ لكثرةِ من مات منهم فيها. وقيل: سنة اثنتين وتسعين. وقال ابن سعد بإسناده إلى جعفر بن محمد قال: مات علي بن الحسين وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة. وقيل: سبعًا وخمسين سنة. وحكى ابن سعد، عن الواقديّ، عن أبي مَعشَر، عن المَقْبُريّ: أن سعيد بن المسيّب لم يشهد جَنازة علي بن الحسين قال: لما وُضع عليّ بنُ الحسين ليُصَلّى عليه اندفع الناس إليه وأهلُ المسجد ليَشهدوه، وبقي ابن المسيب وحده، فقيل له في ذلك: يا أبا محمد، ألا تشهد جنازة هذا الرجلِ الصَّالح؟! فقال: أصلى ركعتين في المسجد أحبُّ إليَ من أن أشهدَه وأصلى عليه (٢). وقال الزهريّ: وقد كان ابن المسيب يَعترف بفضْلِ علي بن الحسين ويقول: ما رأيتُ أورَعَ منه. ولعلّه إنما امتنع من الصلاة عليه لأن عُثمان بن حَيَّان المُري كان واليًا على المدينة، وكان ظالمًا مُتَعدِّيًا، فلعله امتنع من الصلاة عليه خلفه لهذا السبب، أو لعُذرٍ آخر. قال الواقدي: وعلي أولُ مَن مات من الفقهاء في هذه السنة، ثم تتابع الفقهاء بعده (٣). ذكر أولاده: كان له من الأولاد: الحسن، درج. والحسين الأكبر، درج. ومحمد، وهو أبو جَعفر الفقيه، وعبد الله، وأمُّهم أمُّ عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. وعُمر، وزيد

стр. 4511

المقتول بالكوفة في خلافة هشام، قتله يوسف بن عمر الثقفي وصَلَبه. وعلي بن علي، وأم موسى، وخديجة، وأمهم أمُّ ولد. وحُسَين الأصغر، وأم علي و [هي] عُلَية، وأمهما أم ولد. وكَلْثم، وسُلَيمان لا عقب له، ومُلَيكة، لأفَهات أولاد شتّى. والقاسم، وأم الحَسَن -وهي حَسنة- وأم الحسين، وفاطمة، لأمهات أولاد شتى (١). والنَّسْلُ لمحمد الباقِر، ونذكره في سنة سبع عشرة ومئة. وأما زيد فنذكره سنة عشرين ومئة. وأما علي بن علي فكان يُلقَّب بالأَفْطَس، وله عَقِب. وحسين بن علي الأصغر، وكان له أولاد: عبد الله، [وعبيد الله] الأعرج، وعلي، وهُشَيمَة، وأمهم أم خالد بنت حمزة بن مُصعب بن الزبير، ومحمد لأم ولد. وكان حسين هذا أصغر ولد أبيه زين العابدين. وأما أم موسى بنت زين العابدين فتزوّجها داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وتزوّج بعدها أختَها أمّ الحسن. وتزوّج أختها خديجة محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (٢). أسند زين العابدين الحديث عن أبيه، وعمِّه الحسن، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبي سعيد الخدري، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، وعائشة، وصَفيَّة، وأم سَلَمة، في آخَرين. وروى أيضًا عن سعيد بن المسيّب، وعمرو بن عثمان، وخلقٍ كثير. وروى عنه الزُّهري، وزيد بن أَسْلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحَكيم بن جُبَير، وعبد الله بن مُسلم بن هُزمُر، ومحمد الباقر، في آخرين. [فصل: وفيها توفي] أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم المَخزوميّ، وأمُّه فاخِتة بنت عِنبَة بن سُهيل بن عمرو.

стр. 4512

وأبو بكر من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، من الفقهاء السبعة. [قال ابن سعد:] كان ثقةً، كثيرَ الحديث، فقيهًا، عالمًا، عاقلًا، عاليًا، رفيعًا، سخيًّا. [وحكى ابن سعد، عن الواقديّ قال:] وُلد أبو بكر في خلافة عمر بن الخطاب، وكان يقال له: راهب قريش؛ لكثرة صلاته وفضله، وكُنيته اسمُه. [قال: واستُصغر يوم الجَمل هو وعُروة بن الزُّبير فرُدَّا (١). وقال هشام: وأبوه عبد الرحمن تُوفّي بطاعون عَمَواس (٢)، ولما قبض رسول الله ﷺ كان لأبيه عبد الرحمن عشر سنين. وقد ذكرناه. قاله: وأبو بكر بن عبد الرحمن هو الذي كانت عائشة ﵂ تقول:] وَددتُ أني كان في عشرة من الولد من رسول الله ﷺ ، كلُّ واحد مثل أبي بكر بن عبد الرحمن (٣)، كنتُ ثَكِلْتُهم ولا خرجتُ مَخرجي إلى البصرة. [قال: وأمُّ أبي بكر -وهي فاخِتَة (٤) بنت عِنَبة- تزوّجها عبد الرحمن، وهي التي قال فيها عمر بن الخطاب: زَوِّجوا الشَّريدَ الشَّرِيدَةَ؛ وذلك لأن الحارث بن هشام وسُهيل بن عَمرو خرجا إلى الشام بأهلهما، فماتوا كلهم، ولم يرجع إلا عبد الرحمن وفاختة، فلذلك قال عمر: زَوّجوا الشَّريد الشَّريدة، فزوّجها بعبد الرحمن، وأقطعهما عمر خُطَّةً بالمدينة، وأوسع لهما، فقيل له: أكثرتَ، فقال: عسى الله أن يَنْشُرَ منهما ولدًا كثيرًا رجالًا ونساء، فوُلد لهما: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعكرمة، وخالد، ومحمد. والحارث بن هشام هو أخو أبي جَهْل بن هشام شهد بدرًا مع المشركين وانهزم.]

стр. 4513

وكان لعبد الرحمن أولاد، وكان له خمسةَ عشر بنتًا نوافِق، مرغوبٌ فيهنّ، وفيهن يقول ابن هرمة: [من الطويل] فمَن لم يُرِدْ مَدحي فإن قَصائدي … نَوافِقُ عند الأكْرَمِينَ سَوام نَوافقُ عند المُشْتَري الحمدَ بالنَّدى … نِفاقَ بناتِ الحارثِ بنِ هِشامِ (١) وكان أبو بكر سَيِّدَ ولد عبد الرحمن [قال ابن سعد، عن الواقديّ قال:] كان عبد الملك بن مروان مُكرِمًا لأبي بكر، مُجِلًّا له، وأوصى الوليدَ وسليمان بإكرامه، وكان يقول: إني لَأَهُمُّ بالشيء أفعلُه بأهل المدينة لسوء أثرِهم عندنا، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحي منه، فأدَعُ ذلك الأمر. [وروى ابن سعد، عن عثمان بن محمد قال:] استودع عُروة (٢) أبا بكر مالًا، فأُصيب ذلك المال، فأرسل إليه عُروة بن الزبير: لا ضَمانَ عليك، إنما أنت مُؤْتَمَن، فقال: قد علمتُ ذلك، ولكن لا تتحدَّث قريش أن أمانتي خَرِبت، فباع مالًا وقضاه. [وقال الموفَّق:] زوَّج المغيرةُ بن عبد الرحمن أخو أبي بكر بن هشام (٣) ابنتَه الحجاج ابنَ يوسف الثقفي، وخَرَقَ له خَوْخَةً من خلْفِ داره يدخل الحجاج منها، فهجره بنو عبد الرحمن كلهم حيث هجره أبو بكر. ووفد أبو بكر على عبد الملك بن مروان (٤)، فأجلسه معه على سريره، وأقطعه أموال [بني] طلحة بن عُبيد الله، وكان قد سخِط على بعضهم، فلما عاد أبو بكر إلى المدينة أتاه بنو طلحة مسلِّمين عليه، فقال لهم: إن الله قد ردَّ عليكم أموالكم، وما قبلتُها إلا مخافةَ أن تصيرَ إلى غيري، ابعثوا مَن يَقبِضُها، فقال له بنوه: هلا تركتَ القوم حتى يسألوك، فقال: فماذا أبقيتُ عليهم بعد بَذْلِ وجوههم.

стр. 4514

[وقال الزبير بن بكار: وكان يُقال له: راهب المدينة، قال:] وذهب بَصَرُه في آخر عمره (١). ذكر وفاته: [حكى ابن سعد، عن الواقدي قال: حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَروَة قال: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن مُغْتَسَله، فمات فيه فجأة. وقال الواقدي أيضًا: حدثني عبد الله بن جعفر قال:] صلّى أبو بكر العصر، ودخل مُغْتَسَلَه فسقط، فجعل يقول: والله ما أحدثْتُ في صدر نهاري هذا شيئًا، قال: فما علمتُ غربت الشمس حتى مات، وذلك في سنة أربع وتسعين، [وقال الواقدي: وهي سَنَة الفقهاء] (٢). وقيل: إنه مات في سنة ثلاث وتسعين، أو خمس وتسمعين، والأول أظهر، والله أعلم (٣). ذكر أولاده: فولد: عبدَ الرحمن لا بقيَّةَ له، وعبد الله، وعبد الملك، وهشامًا، وسهيلًا، لا بقية لهم. والحارث، ومريم، وأمهم سارة بنت هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وأبا سلمة لا بقية له، وعمر، وأم عمرو -وهي ربيحة- وأمهم قَريبة بنت عبد الله بن زَمْعَة بن الأسود، وأمُّها زينب بنت أبي سَلَمة، وأمها أمُّ سَلَمة زوج النبي ﷺ ، وفاطمة، وأمُّها رُمَيثَة بنت الوليد بن طَلَبة بن قيس بن عاصم المِنْقَرِيّ (٤). وكان لعمر بن أبي بكر ولدٌ يقال له: عيسى، كان جوادًا، وفيه يقول أبو الأبيض: [من الرمل] كان ممّا زانَني ربِّي به طَيِّبُ … الأثوابِ عيسى بنُ عمر

стр. 4515

حَسَنُ الوَجْهِ كريم ماجدٌ … سَبِطُ الكفَينِ وهابُ الغُرَر إنّ عيسى لا رَأينا فَقْدَه … أعلمُ الناسِ بدينِ قد ظَهر (١) ذكر إخوة أبي بكر بن عبد الرحمن: كان له إخوة من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، منهم: عكرمة بن عبد الرحمن، وأمه فاخِتة أيضًا، وكُنيته أبو عبد الله، وكان ثقةً، قليلَ الحديث. ومنهم: محمد بن عبد الرحمن، وأمّه فاخِتة أيضًا، روى عنه الزُّهري، وكان ثقةَ، قليلَ الحديث. ومنهم: المُغيرة بن عبد الرحمن، وأمه سُعدَى بنت عَوف بن خارِجة، من بني مُرَّة، وكنيته أبو هاشم، خرج إلى الشام غازيًا غير مرة، وكان في جيش مسلمة بن عبد الملك الذين احتبسوا بارض الروم؛ حتى أقفلهم عمر بن عبد العزيز، وذهبت عينُه، ثم رجع إلى المدينة (٢) فمات بها، وأوصى أن يُدفَن بأحُد مع الشُهداء، فلم يفعل أهلُه، ودفنوه بالبقيع، وكان ثقةً، قليلَ الحديث. أسند أبو بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وأبيه عبد الرحمن، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت عُمَيْس، وأم مَعقِل الأَسَديّة، وغيرهم. وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الملك، والزهري، والشَّعبيّ، وعمرو بن دِينار، وعُمر بن عبد العزيز، ومُجاهد، وعِراك بن مالك، والحكم بن عُتَيبَة، في آخرين. السنة الخامسة والتسعون فيها مات الحجَّاج بن يوسف. [وقال الطّبري:] وفيها وُلد أبو جعفر المنصور. وفيها فتح العبّاس بن الوليد طُولس، والمَرزُبانين، وهِرَقْلَة بأرض الروم.

стр. 4516

وفيها غزا قُتيبة بن مُسْلم أرض الشَّاش، وقطع النَّهر، وبلغ الشّاش فجاءه خبر الحجاج، ونُعي إليه في شوال فحزن عليه، ورجع إلى مَرْو بعد أن فَرَّق الجيوش في بُخارى ونَسَف وغيرها، وتمثّل: [من الطويل] لعَمري لنِعْمَ المرءُ من آل جَعفرٍ … بحَورانَ أمسى أعلَقَتْه الحَبائلُ فإن تحْيَ لا أمْلَل حياتي وإن تَمُتْ … فما في حياةٍ بعد موتِك طائِلُ وأقام بمَروَ حزينًا، فبينما هو كذلك جاءه كتاب الوليد بن عبد الملك يقول: قد عرف أمير المؤمنين بَلاءَك وجِدّك واجتهادك وجِهادك لأعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعُك، وصانعٌ بك ما تحبّ، فالْمُمْ مغازيك، وانتظر ثوابَ ربّك، ولا تتأخّر عنه كتبُك كأنه ينظر إلى ما أنت فيه، والسلام. [فصل:] وفيها قفل موسى بن نُصَير من الأندلس إلى إفريقية. وفيها أخرج الوليد بنُ عبد الملك علي بنَ عبد الله بن العبّاس من دمشق إلى الحمَّة، فأقام بها هو وولده، ويقال: إن أبا جعفر وُلد بالحمَّة، وقيل: بدمشق. وقال ابن قتيبة: ضربه الوليد سبعين سَوطًا، وأخرجه إلى الحَمَّة؛ لأنه اتَّهمه بأنه قتل سَليطًا المنتسب إلى أبيه عبد الله بن عباس (١)، وسنذكره. ووُلد لعلي بالحَمّة نيِّفٌ وعشرون ولدًا، ولم يزالوا بها حتى زال ملك بني أمية لما نذكر. وحجّ بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك بالاتفاق. وكان على خراسان قتيبة، وعلى الكوفة والبصرة على الحرب يزيد بن أبي كَبْشة، وعلى خراجها يزيد بن أبي مُسلم، استخلفهما الحجاج لما احتُضر، فأقرّهما الوليد. وقيل: إنما ولّى الحجاج ابنه عبد الله على الصّلاة. وكان على المدينة عُثمان بن حَيَّان المري، وعلى مصر قُرَّة بن شريك (٢).

стр. 4517

وفيها توفي جَعفر بن عمرو ابن أُميَّة بن خُوَيلِد بن عبد الله الضَّمرِيّ. من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة. وكان أخا عبد الملك من الرَّضاعة، فوفد عليه في خلافته، فجلس في مسجد دمشق وأهل الشام يُعرَضون على ديوانهم، وتلك اليَمانيَةُ حوله يقولون: الطّاعة الطاعة، فقال جعفر: لا طاعةَ إلا لله، فوثبوا عليه وقالوا: تُوهِنُ طاعة أمير المؤمنين؟ حتى ركبوا الأسطوان عليه، فما أفلت إلا بعد جهد، وبلغ عبد الملك فأرسل إليه، فأُدخل عليه فقال: أرأيتَ هذا من عملك؟ أما والله لو قتلوك ما كان عندي فيك شيء، ما دخولك في أمر لا يَعنيك؟ ترى قومًا يَشُدُّون مُلكي وطاعتي فتجيءُ فتُوهِنُه، إيّاك إياك. مات جعفر بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد روى عن أبيه، وروى عنه الزُّهري، وكان ثقة وله أحاديث. وقال الإمام أحمد ﵀: جعفر بن عمرو بن أُمَيَّة الضّمرِي تابعي ثقة، وله أحاديث. وأخوه الزِّبرقان بن عمرو رَوَى عنه أيضًا (١). [وفيها مات] الحجَّاج بن يوسف ابن الحَكَم بن أبي عَقيل بن مسعود بن عامر بن مُعَتِّب -من الأَحْلاف- بن مالك بن كعب بن عمرو بن سَعد بن عَوف بن ثَقيف، واسمه قَيس بن مُنَبِّه بن بَكْر بن هوازن، أبو محمد الثَّقفيّ. وقال الشعبي: كان بينه ويبن الجُلَنْدَى الذي ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] سبعون جَدًّا.

стр. 4518

وقيل: كان من ولد عبد من عبيد الطائف لبني ثقيف من ولد أبي رِغال دليلِ أبرهةَ إلى الكعبة (١). [وقال في "الصّحاح":] كان الحجاج مُكْتِبًا بالطّائف، أي: مُعَلّمًا للصبيان. [وذكر المبرّد في "الكامل" ما يدلُّ على قول الجوهوي: إنه كان معلّمًا بالطائف، فقال: كان الحجات وأخوه معلِّمَين بالطائف] وفيه يقول مالك بن الرَّيبِ المازِنيّ -وقيل هي للفَرَزْدَق: [من الطويل] إن تُنصِفونا آلَ مروانَ نقتربْ … إليكم وإلا فأذَنوا ببِعادِ فإن لنا عنكم مَزَاحًا ومَذْهبًا … بعِيْسٍ إلى ريح الفَلاةِ صَوادي ففي الأرض عن ذيَ الجَوْرِ مَنأى ومَذْهبٌ … وكلُّ بلادٍ أُوطِنَتْ كبلادي فماذا عسى الحجاجُ يَبْلُغ جُهدُه … إذا نحن خلَّفنا حَفيرَ زيادِ فبِاسْتِ أبي الحجَّاج واسْتِ عجوزة … عُتَيِّدُ بَهْمٍ ترْتَعي بوهادِ فلولا بنو مروانَ كان ابنُ يوسف … كما كان عَبْدًا مَن عبيدِ إيادِ زمانَ هو أنْ عبدُ المُقِرُّ بذِلَّةٍ … يُراوِحُ صِبيانَ القُرى ويغادي (٢) وكان الحجَّاج يُلقَّبُ كُلَيبًا، وفيه يقول الشاعر: [من المتقارب] أيَنسى كُلَيبٌ زمانَ الهُزالِ … وتَعليمه سورةَ الكَوثَرِ رَغيفٌ له فَلْكَةٌ ما تُرى … وآخرُ كالقمر الأزْهرِ أشار إلى خُبز المعلمين؛ فإنه مختلف في الصِّغَر والكبر، والجَودة والرَّداءة، والمكسور والصّحيح؛ لأنه يجيء من بيوت الصبيان. وقال آخر: [من المتقارب] كليب تمكن من أرضنا … وقد كان فيها صغير الخطر (٣)

стр. 4519

[أوقال ابن قتيبة:] لما احتُضر الحجاج قال للمُنَجِّم: هل ترى مَلِكًا يموت؟ قال: نعم ولستَ به، ذاك اسمُه كُلَيب، فقال: أنا والله إياه؛ كانت أمّي تسمّيني كُلَيبًا (١). وقال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على منبر الكوفة ثقيفًا وقال: لقد هممتُ أن أضعَ عليها الجِزية؛ وذلك لأن ثقيفًا كان عبدًا لصالح نبي الله، وأنه سَرَّحه إلى عاملٍ له على الصَّدقة، فأخذها وهرب إلى الطائف فاستوطنه، وإني أُشهدكم أني رَدَدتُهم في الرّقّ. وروى [عكرمة] عن ابن عباس: أن ثقيفًا كان عبدًا لامرأة صالح [واسمه قيس بن مُنَبّه] واسم مَولاته الهيجمانة بنت سعد، فوهبته لصالح، فبعثه إلى عامل له ليأتيه بصدقة، فمرَّ برجلٍ معه غَنَم، وله ابنُ صغير قد ماتت أمُّه، وهو يَرضع من شاة ليس في الغنم لَبُون غيرها، فأخذ الشاة، فناشده الله فأبى، فأعطاه عشرَ شِياه عِوضها فأبى، فأعطاه جميعَ غنمه فأبى، فرماه الرجل بسهم فقتهله، وأتى صالحًا فأخبره فقال: أبعده الله، وأمر بقَبره فرُجِم، ويقال: إنه أبو رغال من ولد ثَقيف. [وقال أبو الفرج الأصفهاني:] خطب الحجاج بالعراق وقال: بلغني أنكم تقولون: إن ثَقيفًا بقيَّةُ ثَمود، وهل نجا من ثمود إلا خيارُهم، ومَن آمن بصالح بقي معه، أليس الله يقول: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ [النجم: ٥١]؟ وبلغ الحسن البصري فتضاحك وقال: حكم اللُّكَعُ لنفسه، وليس الأمر كما قال؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ أي: أهلكهم، وبلغ الحجاج فتوارى حتى مات الحجاج. وكان يوسف أبو الحجاج رجلًا عاقلًا، وكان يَذُمُّ الحجاج، ويُقَبِّح أفعاله في صغره وقبل ولايته. ذكر مولد الحجاج [وما يتعلق به: واختلفوا فيه، فذكر أبو القاسم بن عساكر (٢) ﵀ أنه] وُلد في سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، أو إحدى وأربعين، أو اثنتين وأربعين.

стр. 4520

[واتفقوا على أنه وُلد] بمصر؛ [فذكر أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" وقال: أقام يوسف أبو الحجاج بمصر، واختطَّ بها في السَّرَّاجين مع ثقيف، وكان قد قدم إليها قديمًا، ووُلد بها الحجاج] والغُرفة التي وُلد بها معروفة بدَرْب السَّرَّاجين، ثم خرج به أبوه يوسف مع مروان إلى الشام والحجاج صغير. [قال: وكان أبو الحجاج يوسف فاضلًا من خيار المسلمين (١).] وأمُّ الحجاج الفارعة بنت هبَّار الثقفي [كانت تحت الحارث بن كَلَدَة الطبيب طبيب العرب، دخل عليها في السَّحَر وهي تَتَخَلَّل فطلَّقها (٢). وحكى ابن عساكر (٣)، عن الشافعي: أن أم الحجاج] كانت تحت المغيرة بن شُعبة، [وأن الواقعة كانت مع المغيرة] دخل عليها وقتَ السَّحَر وهي تَتَخَلَّل، فقَذِرها فقال لها: كُنْتِ فبِنْتِ، فقالت: ولم؟ قال: لأنك إن كُنتِ باكَزتِ الغَداء فأنت شَرِهة، وإن كنتِ بِتِّ والطعامُ بين أسنانِك فأنت قَذِرة، فقالت: لاذا، ولاذاك؛ وإنما تخلَّلْتُ من شظايا السِّواك كما تُباكر الحُرَّةُ السِّواك، ما فَرِحنا إذ كُنّا، ولا أَسِفْنا إذ بِنّا. فندم المغيرة على طلاقها، وقال ليوسف: قد نزلتُ الساعة عن سيِّدة نساء ثقيف، فتزوَّجْها ففعل. [قال الشافعي: فأُخبرت أن يوسف] لما واقعها أُتي في منامه فقيل له: ما أسرعَ ما أَلْقَحتَ بالمُبِير. ويقال: إن عُروة بن مَسعود الثقفي كان جدّ الحجاج لأُمِّه (٤). وكتب الشعبيّ إلى الحجاج يسأله حاجَتَه، فاعتلَّ عليه، فكتب إليه الشعبي: والله لا عَذَرتُك وأنت ابنُ عظيم القَريَتَين (٥)، ووالي العِراقَين.
следующие страницы →