وفيها غزا قُتيبة بن مُسْلم أرض الشَّاش، وقطع النَّهر، وبلغ الشّاش فجاءه خبر الحجاج، ونُعي إليه في شوال فحزن عليه، ورجع إلى مَرْو بعد أن فَرَّق الجيوش في بُخارى ونَسَف وغيرها، وتمثّل: [من الطويل]
لعَمري لنِعْمَ المرءُ من آل جَعفرٍ … بحَورانَ أمسى أعلَقَتْه الحَبائلُ
فإن تحْيَ لا أمْلَل حياتي وإن تَمُتْ … فما في حياةٍ بعد موتِك طائِلُ
وأقام بمَروَ حزينًا، فبينما هو كذلك جاءه كتاب الوليد بن عبد الملك يقول: قد عرف أمير المؤمنين بَلاءَك وجِدّك واجتهادك وجِهادك لأعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعُك، وصانعٌ بك ما تحبّ، فالْمُمْ مغازيك، وانتظر ثوابَ ربّك، ولا تتأخّر عنه كتبُك كأنه ينظر إلى ما أنت فيه، والسلام.
[فصل:] وفيها قفل موسى بن نُصَير من الأندلس إلى إفريقية.
وفيها أخرج الوليد بنُ عبد الملك علي بنَ عبد الله بن العبّاس من دمشق إلى الحمَّة، فأقام بها هو وولده، ويقال: إن أبا جعفر وُلد بالحمَّة، وقيل: بدمشق.
وقال ابن قتيبة: ضربه الوليد سبعين سَوطًا، وأخرجه إلى الحَمَّة؛ لأنه اتَّهمه بأنه قتل سَليطًا المنتسب إلى أبيه عبد الله بن عباس (١)، وسنذكره.
ووُلد لعلي بالحَمّة نيِّفٌ وعشرون ولدًا، ولم يزالوا بها حتى زال ملك بني أمية لما نذكر.
وحجّ بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك بالاتفاق.
وكان على خراسان قتيبة، وعلى الكوفة والبصرة على الحرب يزيد بن أبي كَبْشة، وعلى خراجها يزيد بن أبي مُسلم، استخلفهما الحجاج لما احتُضر، فأقرّهما الوليد.
وقيل: إنما ولّى الحجاج ابنه عبد الله على الصّلاة.
وكان على المدينة عُثمان بن حَيَّان المري، وعلى مصر قُرَّة بن شريك (٢).
стр. 4517
وفيها توفي
جَعفر بن عمرو
ابن أُميَّة بن خُوَيلِد بن عبد الله الضَّمرِيّ.
من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة.
وكان أخا عبد الملك من الرَّضاعة، فوفد عليه في خلافته، فجلس في مسجد دمشق وأهل الشام يُعرَضون على ديوانهم، وتلك اليَمانيَةُ حوله يقولون: الطّاعة الطاعة، فقال جعفر: لا طاعةَ إلا لله، فوثبوا عليه وقالوا: تُوهِنُ طاعة أمير المؤمنين؟ حتى ركبوا الأسطوان عليه، فما أفلت إلا بعد جهد، وبلغ عبد الملك فأرسل إليه، فأُدخل عليه فقال: أرأيتَ هذا من عملك؟ أما والله لو قتلوك ما كان عندي فيك شيء، ما دخولك في أمر لا يَعنيك؟ ترى قومًا يَشُدُّون مُلكي وطاعتي فتجيءُ فتُوهِنُه، إيّاك إياك.
مات جعفر بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد روى عن أبيه، وروى عنه الزُّهري، وكان ثقة وله أحاديث.
وقال الإمام أحمد ﵀: جعفر بن عمرو بن أُمَيَّة الضّمرِي تابعي ثقة، وله أحاديث.
وأخوه الزِّبرقان بن عمرو رَوَى عنه أيضًا (١).
[وفيها مات]
الحجَّاج بن يوسف
ابن الحَكَم بن أبي عَقيل بن مسعود بن عامر بن مُعَتِّب -من الأَحْلاف- بن مالك بن كعب بن عمرو بن سَعد بن عَوف بن ثَقيف، واسمه قَيس بن مُنَبِّه بن بَكْر بن هوازن، أبو محمد الثَّقفيّ.
وقال الشعبي: كان بينه ويبن الجُلَنْدَى الذي ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] سبعون جَدًّا.
стр. 4518
وقيل: كان من ولد عبد من عبيد الطائف لبني ثقيف من ولد أبي رِغال دليلِ أبرهةَ إلى الكعبة (١).
[وقال في "الصّحاح":] كان الحجاج مُكْتِبًا بالطّائف، أي: مُعَلّمًا للصبيان.
[وذكر المبرّد في "الكامل" ما يدلُّ على قول الجوهوي: إنه كان معلّمًا بالطائف، فقال: كان الحجات وأخوه معلِّمَين بالطائف] وفيه يقول مالك بن الرَّيبِ المازِنيّ -وقيل هي للفَرَزْدَق: [من الطويل]
إن تُنصِفونا آلَ مروانَ نقتربْ … إليكم وإلا فأذَنوا ببِعادِ
فإن لنا عنكم مَزَاحًا ومَذْهبًا … بعِيْسٍ إلى ريح الفَلاةِ صَوادي
ففي الأرض عن ذيَ الجَوْرِ مَنأى ومَذْهبٌ … وكلُّ بلادٍ أُوطِنَتْ كبلادي
فماذا عسى الحجاجُ يَبْلُغ جُهدُه … إذا نحن خلَّفنا حَفيرَ زيادِ
فبِاسْتِ أبي الحجَّاج واسْتِ عجوزة … عُتَيِّدُ بَهْمٍ ترْتَعي بوهادِ
فلولا بنو مروانَ كان ابنُ يوسف … كما كان عَبْدًا مَن عبيدِ إيادِ
زمانَ هو أنْ عبدُ المُقِرُّ بذِلَّةٍ … يُراوِحُ صِبيانَ القُرى ويغادي (٢)
وكان الحجَّاج يُلقَّبُ كُلَيبًا، وفيه يقول الشاعر: [من المتقارب]
أيَنسى كُلَيبٌ زمانَ الهُزالِ … وتَعليمه سورةَ الكَوثَرِ
رَغيفٌ له فَلْكَةٌ ما تُرى … وآخرُ كالقمر الأزْهرِ
أشار إلى خُبز المعلمين؛ فإنه مختلف في الصِّغَر والكبر، والجَودة والرَّداءة، والمكسور والصّحيح؛ لأنه يجيء من بيوت الصبيان.
وقال آخر: [من المتقارب]
كليب تمكن من أرضنا … وقد كان فيها صغير الخطر (٣)
стр. 4519
[أوقال ابن قتيبة:] لما احتُضر الحجاج قال للمُنَجِّم: هل ترى مَلِكًا يموت؟ قال: نعم ولستَ به، ذاك اسمُه كُلَيب، فقال: أنا والله إياه؛ كانت أمّي تسمّيني كُلَيبًا (١).
وقال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على منبر الكوفة ثقيفًا وقال: لقد هممتُ أن أضعَ عليها الجِزية؛ وذلك لأن ثقيفًا كان عبدًا لصالح نبي الله، وأنه سَرَّحه إلى عاملٍ له على الصَّدقة، فأخذها وهرب إلى الطائف فاستوطنه، وإني أُشهدكم أني رَدَدتُهم في الرّقّ.
وروى [عكرمة] عن ابن عباس: أن ثقيفًا كان عبدًا لامرأة صالح [واسمه قيس بن مُنَبّه] واسم مَولاته الهيجمانة بنت سعد، فوهبته لصالح، فبعثه إلى عامل له ليأتيه بصدقة، فمرَّ برجلٍ معه غَنَم، وله ابنُ صغير قد ماتت أمُّه، وهو يَرضع من شاة ليس في الغنم لَبُون غيرها، فأخذ الشاة، فناشده الله فأبى، فأعطاه عشرَ شِياه عِوضها فأبى، فأعطاه جميعَ غنمه فأبى، فرماه الرجل بسهم فقتهله، وأتى صالحًا فأخبره فقال: أبعده الله، وأمر بقَبره فرُجِم، ويقال: إنه أبو رغال من ولد ثَقيف.
[وقال أبو الفرج الأصفهاني:] خطب الحجاج بالعراق وقال: بلغني أنكم تقولون: إن ثَقيفًا بقيَّةُ ثَمود، وهل نجا من ثمود إلا خيارُهم، ومَن آمن بصالح بقي معه، أليس الله يقول: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ [النجم: ٥١]؟ وبلغ الحسن البصري فتضاحك وقال: حكم اللُّكَعُ لنفسه، وليس الأمر كما قال؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ أي: أهلكهم، وبلغ الحجاج فتوارى حتى مات الحجاج.
وكان يوسف أبو الحجاج رجلًا عاقلًا، وكان يَذُمُّ الحجاج، ويُقَبِّح أفعاله في صغره وقبل ولايته.
ذكر مولد الحجاج [وما يتعلق به:
واختلفوا فيه، فذكر أبو القاسم بن عساكر (٢) ﵀ أنه] وُلد في سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، أو إحدى وأربعين، أو اثنتين وأربعين.
стр. 4520
[واتفقوا على أنه وُلد] بمصر؛ [فذكر أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" وقال: أقام يوسف أبو الحجاج بمصر، واختطَّ بها في السَّرَّاجين مع ثقيف، وكان قد قدم إليها قديمًا، ووُلد بها الحجاج] والغُرفة التي وُلد بها معروفة بدَرْب السَّرَّاجين، ثم خرج به أبوه يوسف مع مروان إلى الشام والحجاج صغير.
[قال: وكان أبو الحجاج يوسف فاضلًا من خيار المسلمين (١).]
وأمُّ الحجاج الفارعة بنت هبَّار الثقفي [كانت تحت الحارث بن كَلَدَة الطبيب طبيب العرب، دخل عليها في السَّحَر وهي تَتَخَلَّل فطلَّقها (٢).
وحكى ابن عساكر (٣)، عن الشافعي: أن أم الحجاج] كانت تحت المغيرة بن شُعبة، [وأن الواقعة كانت مع المغيرة] دخل عليها وقتَ السَّحَر وهي تَتَخَلَّل، فقَذِرها فقال لها: كُنْتِ فبِنْتِ، فقالت: ولم؟ قال: لأنك إن كُنتِ باكَزتِ الغَداء فأنت شَرِهة، وإن كنتِ بِتِّ والطعامُ بين أسنانِك فأنت قَذِرة، فقالت: لاذا، ولاذاك؛ وإنما تخلَّلْتُ من شظايا السِّواك كما تُباكر الحُرَّةُ السِّواك، ما فَرِحنا إذ كُنّا، ولا أَسِفْنا إذ بِنّا.
فندم المغيرة على طلاقها، وقال ليوسف: قد نزلتُ الساعة عن سيِّدة نساء ثقيف، فتزوَّجْها ففعل. [قال الشافعي: فأُخبرت أن يوسف] لما واقعها أُتي في منامه فقيل له: ما أسرعَ ما أَلْقَحتَ بالمُبِير.
ويقال: إن عُروة بن مَسعود الثقفي كان جدّ الحجاج لأُمِّه (٤).
وكتب الشعبيّ إلى الحجاج يسأله حاجَتَه، فاعتلَّ عليه، فكتب إليه الشعبي: والله لا عَذَرتُك وأنت ابنُ عظيم القَريَتَين (٥)، ووالي العِراقَين.
стр. 4521
والأصحُّ أن أمَّ الحجاج بنتُ هبّارٍ الثقفي، وهي المُتَمَنِّيَة التي سمعها عمر بن الخطاب رضوان الله عليه وهي تقول: [من البسيط]
هل من سبيلٍ إلى خَمرٍ فأشرَبها (١)
[وقال الزهري:] وهي القائلة: [من الطويل]
تطاوَلَ هذا الليلُ وامتدّ (٢) جانبُه … وليسَ إلى جنبي حَبيبٌ ألاعِبُه
[وقال هشام:] وُلد الحجّاج مُشَوَّه الخَلْق، قبيحَ الضُورة، لا دُبُرَ له، فلم يَقبل ثديَ أحدٍ؛ لا ثَنيَ أُمّه ولا غيرها، فقال بعض أطبّاء العرب: اذبَحوا له جَدْيًا أسود، واذبحوا له هذه الحيَّة التي يُقال لها: أَسْوَد سالخ، فأَلْعِقوه دمَهما، ففعلوا، فكان أولَ ما دخل جَوفه الدَّمُ؛ فلهذا كان سفّاكًا للدّماء، مقدمًا على الأهوال، ثم أمرهم الطبيب فشَقُّوا دُبُرَه (٣).
[وبعض الرواة يقول: إن الذي أمرهم بذَبْح الجَدي وأَسْود سالخ الحارثُ بن كَلَدَة الطبيب طبيب العرب، وهو خطأ، الحارث مات في السنة التي مات فيها أبو بكر الصديق ﵁، وقد ذكرناه.]
ذكر طرف من أخبار الحجاج وسيرته:
[اتّفق علماء السير على أنه] كان جبّارًا، ظالمًا، غَشومًا، عَسوفًا، حاسدًا، حقودًا، سفّاكًا للدم الحرام، متجرّئًا على الله تعالى، أباد العلماء، وقتل الأشراف، وأذلَّ الصَّحابة، وختم في أيديهم وأعناقهم بالرّصاص.
[وقال الهيثم بن عَديّ:] كان الحجاج زِنديقًا، يتستَّر بالإسلام، وبقراءة القرآن، وإطعام الطعام، وكان يتفاصَح، ويَتَفَيهق في كلامه، وكان لُحَنَة.
стр. 4522
ذكر طرف من أخباره وإطعامه الطعام.
[ذكر أحمد بن محمد الهمداني في كتاب "البُلدان" قال:] أول من أطعم على ألف خِوان الحجاج بن يوسف، كان يُقعد على كلِّ خِوان عشرةَ رجال، وعليه جَنْبُ شِواء، وثَرِيدة، وسَمَكة، وبَرْنيَّةٌ فيها عَسَل، وأخرى فيها لَبَن، وكان يقول لمن يَحضر غدَاءه وعَشاءه: رسولي إليكم الشَّمس، فإذا طلعت فاغدوا على غدائكم، وإذا غربت فروحوا إلى عشائكم.
[وكذا ذكر ابن عساكر: أنه كان يُطعم كل يوم على ألف خِوال (١)، قال: وكان له دار بدمشق بقُرب قَصر ابن أبي الحديد، ويقال لها: دار الزَّاوية.]
وقال الشعبي: رأيتُ موائدَ الحجاج، وكان على كلِّ خِوان عشرة ألوان، وإوزّة، وسمكة، وكان الحجاج يُحمَل في مِحَفَّة، ويُدار به على الموائد يتفقَّدها ويقول: اكسروا الأرغفة لئلا تُعاد إليكم.
قال: ورأى يومَّا إوَزّة وليس عليها سُكّر، فأمر بضرب الطبَّاخ مئتَي سَوط، فكان الغِلمان لا يمشون إلا وخرائط السُّكَّر على أوساطهم.
[قال الشعبي:] وكان طعامُه لأهل الشام خاصّةً دون أهل العراق، فلما ولي يوسف بن عمر لهشام [بن عبد الملك العراق] كان طعامه للناس عامّة، كان يُطعم في كل يوم على خمسة آلاف خِوان لأهل الشام وأهل العراق، فكانوا يرون طعامَ يوسف بن عمر أحمد عند الله وعند الناس (٢).
وذكر عند أبي وائل (٣) طعام الحجاج وإطعامه للناس فقال: اللهم أطعم الحجاج من ضَريع، لا يُسمن ولا يُغني من جُوع.
وقيل للشَّعبي: من أين كان يُطعم الحجاج؟ فقال: كان بيده مَغَلُّ العِراقَين وخراسان، لا يَحمل منه إلى بني مروان شيئًا.
стр. 4523
[وذكر المعافى بن زكريا أن] الحجاج قال يومًا: ما في أرى الناس قد قَلُّوا على موائدي؟ فقال له الصلت بن قُران العَبديّ: أيها الأمير، إنك أكثرتَ خيرَ البيوت، فقلَّ غِشيان الناس لموائدك، فقال: الحمد لله، بارك الله عليك، وأحسن إليه.
[وقال المعافى:] أُتي الحجاج برجلٍ يرى رأيَ الخوارج، فقال له: أخارجيٌّ أنت؟ فقال: والذي أنت بين يديه غدًا أذلّ مني بين يديك اليوم، ما أنا بخارجيّ، فقال الحجاج: إني يومئذٍ لذَليل، وأطلقه (١).
[وذكر القاضي التَّنوخي في كتاب "الفَرَج بعد الشدّة" عن أبي عمرو بن العلاء قال:] (٢) كنت أقرأ: ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، بفتح الغين، وبلغ الحجاج وكان يقرأ: "غُرفة"، بالضم، فطَلبني، فهربتُ منه إلى بَراري صَنعاء، قال: فأقمتُ زمانًا، فسمعتُ أعرابيًّا ليلةً يُنشد أبياتَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت: [من الخفيف]
يا قليلَ العَزاءِ في الأموالِ … وكثيرَ الهُمومِ والأشغالِ
صَبر النَّفْسَ عندكل مُلِمٍّ … إن في الصَّبرِ حيلةَ المُحتالِ
لا تَضِيقَنَّ في الأمورِ فقد تُكـ … ـــــــــشفُ غَمَّاؤها بغيرِ احتيالِ
رُبَما تَجْزَعُ النُّفوسُ من الأمـ … ــــــــر له فرجَةٌ كَنَشْطِ العِقالِ
قال: فاستَطْرَفْتُ قولَه: فَرجة بالفتح، وقلت: أَخْصِم الحجاج بها، فبينما أنا كذلك إذ سمعتُ قائلًا يقول: مات الحجاج، فلم أدرِ بأيِّ شيءٍ كنتُ أشدَّ فرحًا؛ بموت الحجاج، أم بسماع البيت!
[وقد رواه الأصمعي، وذكر أن الذي أنشد البيت أخبره بموت الحجاج.] (٣)
ذكر مكاتبات عبد الملك إلى الحجاج:
[ذكر هشام بن محمد، عن أبيه قال:] كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: جنّبني دماءَ آل أبي طالب، فإني رأيتُ الملْكَ استوحش من آل حرب لمّا سفكوا دماءهم.
стр. 4524
قال: وكتب إليه عبد الملك يقول: اكتب لي بسيرتك، فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني أيقْظْتُ رأيي، وأنَمتُ هواي، وأدنَيتُ السيد المُطاعَ في قومه، ووَلَّيتُ الحربَ الحازم في أمره، وقلَّدتُ الخراج الموصوفَ في أمانته، وجعلت لكل حَظًّا من عنايتي، وصَرفتُ السَّيفَ إلى المُسيء، فخاف المُريبُ صَولَة العِقاب، وتمسَّك المُحسِن بحظِّه من الثواب.
[وقال أبو عبيدة:] كتب عبد الملك إلى الحجاج: أنت عندي سالم. فجمع العلماء فلم يعرفوا معناه، فقال له قتيبة بن مُسْلم: إن أخبرتُك بمعناه تَوَلّيني خراسان؟! قال: نعم، قال: قد أخبرك أنك عنده في أرفع المنازل، قال. ومن أين لك هذا؟! قال: أراد قول عبد الله بن عمر في ابنه سالم: [من الطويل]
يُديرونَني عن سالمٍ وألومُهم … وجِلدَةُ بين العينِ والأنفِ سالمُ
فولّاه خُراسان.
ويقال للجلدة التي بين العين والأنف: سالم. وهذا المعنى أراد عبد الملك في جوابه عن كتاب الحجاج: أنت عندي سالم (١).
والبيت لعبد الله بن معاوية الفَزاري في ابنه سالم، وكان يقال له: الأشيم، وابن عمر استَشهد به.
قلت (٢): وفي الباب حكاية ذُكرت في باب الظراف والمتماجنين عن الرّياشِيّ قال: نزل ضيف ببعض الناس فوجده يشرب، فجلس معه، فجعل الرجل يكثر الشراب، ويميل على الضيف وينشده.
يَلومونَني في سالمٍ وألومُهم … وجِلدةُ ما بين العينِ والألْفِ سالمُ
فزاد في البيت لفظة: "ما"، وجعل يردِّدها، فقال له الضيف: يا هذا، قد أَبْرمتَ، اجعل ما التي في شعرك في قَدَحِك، وقد عَدَلْتَ شعرك وشرابَك.
[وقال الأصمعي:] كتب عبد الملك إلى الحجاج يقول له: أنت عندي، قَدَحُ ابنِ مُقْبِل.
стр. 4525
[واختلفوا في معناه؛ قال الأصمعي:] عَنى به الشدَّة والصَّلابة، [وقال الرِّياشيّ: إن عبد الملك] (١) قصد هوانه؛ لأنه لما كتب إليه: أنت عندي سالم؛ تداخله العجب حتى ولَّى قتيبة خراسان، فأراد عبد الملك أن يُذِلّه، وكان قَدَح ابنِ مقبل يُهان ويُبْذَل، ولا يُمنع منه أحد (٢).
وكان الحجاج يتفاصح على عبد الملك فكان عبد الملك يرميه في كتبه بالقَوارع؛ كتب إليه مرة:
أوصيك بما أوصى به البَكريُّ زيدًا، فلم يَدرِ ما معناه، وجمع الناس وسألهم فلم يفهموا، فدخل عليه أعرابيٌّ فقال: فيمَ أنتم؟ فأخبروه، فقال: عنْدي -والله- علمُه، قال: وما هو؟ قال: قول القائل: [من الطويل]
أقولُ لزيدِ لا تُتَرْتِر فإنهم … يَرونَ المنايا دون قتلِكَ أو قتلي
فإن وَضَعوا حربًا فضعها وإن أَبَوا … فشُبَّ وقود النَّارِ بالحطب الجَزْلِ
فقال الحجاج: صدق، قد أكثرنا على أمير المؤمنين فقال: لا تترتر، ووصل الأعرابي (٣).
وقتل الحجاجُ عِمران بن عِصام العَنَزِيّ -وكان فاضلًا شجاعًا شاعرًا فصيحًا- فكتب إليه عبد الملك: ويلك يا بن أبي رِغال، يا عبدَ ثقيف، يا بقايا ثمود، قتلتَ عمران بعد قوله: [من الكامل]
وبَعَثْتَ من وَلَدِ الأَغَرِّ مُعَتِّبٍ … صَقْرًا يلوذ حَمامُه بالعَوْسَجِ
فإذا طَبَخْتَ بنارِه أنضَجْتَه … وإذا طَبَخْتَ بغيرها لم تُنْضِجِ
وهو الهِزَبْرُ إذا أَرَدتَ فَريسةً … لم يُنْجِها منه صَريخُ الهجهجِ (٤)
وبلغ عبد الملك تبَرُّمَ الناس بالحجاج، وإقدامه على سفك الدماء، فكتب إليه:
стр. 4526
أما بعد، يا ابن المتَمَنِّية، فإني عَلِمتُ فتعامَيتُ، وسمعتُ فتَصامَمتُ، وقد أصبحتُ بأمرك مُتَبَرِّمًا يُقعدني الإشفاق، ويُقيمني الرَّجاء، وقد أشركتك فيما طَوَّقَني الله حَملَه من أمانة الخَلْق، وظننتُ بك الحزم، والأخذ في إحياء سنة، وإماتة بِدعة، فقعدتَ عن الأولى، وقُمتَ في إحياء الثانية، حتى صِرتَ حُجَّةً للغائب، وعذرًا للّاعن، فلعن الله أبا عَقيل وما نَجَل، ولَعَمري ما ظَلَمكم الزمان، ولا قَعدت بكم الرُّتَب، وكنتم بين حافرِين وماتح قَليب، وما الطَّائفُ منكم ببعيد.
ثم عوّل أميرُ المؤمنين بإخراجك من أعوان رَوْحِ بن زِنْباع وشُرطَتِه، فهفا أميرُ المؤمنين -والله يُصلحه- فكان ما كان منك من مُخالفته، والفتك في الأمة، وبَسَطْتَ يدَك تَحقِن بها من كرائم ذوي الحقوق اللازمة، والأرحام الوَاشجة، وتضعه في أوعية ثقيف، وقد كان رسول الله ﷺ ائتَمَن ثقيفًا على الصدقات فخانوه (١)، كما فعل بأمير المؤمنين فيما نَصَّبَك به ظَنُّه. فاعتزل عمَلَ أميرِ المؤمنين، واظْعَن عنه باللّعنة اللازمة، والعقوبة المُهلِكَةِ النّاهكة إن شاء الله تعالى.
ثم دعا عبد الملك مولاه نُباتة فقال: خذ هذا الكتاب، وسِر إلى الحجاج فناولْه إياه، فإن غضب عند قراءته فاعزِلْه، وأحضِره إليَّ خاسئًا مَذمومًا، وإن هشَّ للجواب فأقِرَّه على عَمله.
فلما قدم نُباتة على الحجاج أعظم قدومه؛ لأنه ما كان يُفارق عبد الملك، فقال له الحجاج: ما الذي أقدمك؟ فناوله الكتاب، فلما قرأه هش إليه، وكتب جوابَه، وأجاز نُباتة بجائزةٍ سَنيَّة، ورَدَّه إلى عبد الملك.
فسار من يومه، فقدم على عبد الملك، فقال له: ما استَقَرَّ بك المَضْجَع؟! فقال له نباتة: من خاف أدلَج، وناوله الكتاب، فقرأه وابتسم، ثم رمى به إلى نُباتة، وإذا فيه:
стр. 4527
لعبد الملك أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وإمام المسلمين، المعصوم من خَطَل القول، وزَلَلِ الفعل، من عبد اكتنَفَتْه الذِّلَّة (١)، ومَدَّ به الصَّغارُ إلى وَبيءِ المَكْرَع: السلام عليك ورحمةُ الله التي اتَّسعت فوَسِعت، فإني أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، راجيًا لعَطْفِك بعَطفِه، أما بعد:
فكان الله لك بالدَّعَة في دار الزَّوال، والأمنِ في دار الزِّلْزال كفيلًا، فاستعِذْ بالله يا أمير المؤمنين من الشّيطان الرجيم، إنما سُلطانه على الذين يتوَلَّونه (٢)، وأمير المؤمنين قد كفاه الله وَسْوَسَتَه. وذكر كلامًا طويلًا استعطف به عبد الملك، وقال في آخره:
والأمر لأمير المؤمنين، إن شاء استبدل، وإن شاء أقرَّ، وكلاهما عَدلٌ مُتَّبَع، وصَوابٌ مُعتَدل (٣)، والسلام.
قال المصنف ﵀: ومعنى قول عبد الملك: وعوَّلَ أميرُ المؤمنين بإخراجك من شُرطة رَوْح بن زِنْباع؛ أن الحجاج كان في عَديد شُرطة رَوْح، وكان روح عظيمًا عند عبد الملك، وهو الذي ولّى مروان الخلافة، فشكا عبد الملك إلى رَوْح قلَّةَ مُبالاة الجُندِ به، وأنهم لا يرحلون لرحلته، ولا ينزلون لنزوله، فقال له روح: في شرطتي رجلٌ لو قلَّدتَه هذا الأمر لكفاك، فقال: ومن هو؟ قال: الحجاج بن يوسف، فقلّده عبد الملك، فاستقام أمر الجُنْد، فكان لا يتخلَّف عن الرَّحيل إلا أعوان روح.
فرحل عبد الملك يومًا، وتخلّف أعوان رَوْح في فُسطاطه، فمرّ بهم الحجاج وهم يأكلون طعامًا فقال: ما منعكم أن ترحلوا لرحيل أمير المؤمنين؟ فقالوا: يابن اللخناء، انزل فكُلْ، فقال: هيهات ذهب ما هنالك، ثم أمر بهم فجُلدوا بالسِّياط، وطِيف بهم في العسكر، وأَحرق فُسطاطَ رَوْح بالنار، فقام روح فدخل على عبد الملك وهو يبكي، فقال له: ما الذي بك؟ فأخبره، فاستدعى الحجاج وقد استشاط عبد الملك غضبًا فقال: وَيلك، ما حَملك على ما صنعتَ؟ فقال: ما فعلتُ شيءٌ أنت فعلتَه، قال عبد الملك: لا والله ما فعلتُه، قال الحجاج: بلى، يدي يدُك، وسيفي سيفُك، وما عليك
стр. 4528
أن تُخلِف لروح فُسطاطَين، ولا تكسرني فيما قدَّمْتَني له، فأخلف له عبد الملك فسطاطين، ولم يُغيِّر على الحجاج شيئًا، وقامت الهيبة (١).
وكتب (٢) الحجاج إلى عبد الملك كتابًا يُعظّمه فيه ويقول: إن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقرَّبِين، والأنبياء والمرسلين [وذلك أن آدم] خلقَه الله بيده، وأسكنه جنّته ثم أهبطه إلى الأرض، وجعل الملائكةَ رُسلًا إليه، فأعجب عبدَ الملك كتابُه، وعرضه على الحاضرين، فاستهجنوا عبد الملك حيث أعجبه كلامُ الحجاج، ثم قال عبد الملك: ليت لي رجلًا من الخوارج أخاصمه بهذا الكتاب، فقيل له: إن ها هنا خارجيًّا، فأعطاه الأمان، فلما دخل عليه أعطاه كتابَ الحجاج، فقرأه وقال: لعن الله الحجاج؛ قد جعلك خليفة، فمَن ولّاك؟ أعن مَشورةٍ من جميع المسلمين، أم وَثبتَ على الأمر بالسّيف؟! ثم قام فخرج.
[وقال ابن عيّاش:] كتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أن أمير المؤمنين عَطس، فشَمَّتَه مَن حضر، وأنه ردَّ عليهم، يا ليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزًا عظيمًا.
[وقال هشام:] كتب عبد الملك إلى الحجاج: ليس أحد إلا ويعرف عَيبَ نفسه، فأخبرني ما عيبُك؟ فكتب إليه الحجاج: أنا حَسود حَقود لَجوج، فكتب إليه عبد الملك: حسْبُك، فقد وافقتَ إبليس.
ولما وَلي الحجاجُ العراق بلغ عبدَ الملك إسرافُه في القتل، وأنه يُعطي أصحابه الأموال، فكتب إليه:
أما بعد فقد بلغَني سَرَفُك في الدِّماء، وبَذْلُ الأموال، وهذا فلا أحتمله لأحد من الناس، وقد حكمتُ عليك في القتل العبد بالقَوَد، وفي الخطأ بالدِّيَة، وأن تَرُدَّ الأموال إلى مواضعها، فإنما المال مالُ الله، ونحن خُزَّانه، وسيَّان منع حقٍّ وإعطاء باطل، فلا يُؤمنك إلا الطاعة، ولا يُخيفنّك إلا المعصية، وكتب في أسفل كتابه: [من الطويل]
стр. 4529
إذا أنتَ لم تترُك أمورًا كرهتُها … وتطلبْ رضايَ في الذي أنا طالبُهْ
وتخشى الذي يخشاه مثلُك هاربًا … إلى الله منه ضَيّع الدّرَّ جالِبُه
فإن ترَ منّي غَفلَةً قُرشيَّةً … فيا ربَّما قد غَصَّ بالماء شارِبُه
وإن ترَ مني وَثْبةً أُمويَّةً … فهذا وهذا كلّه أنا صاحِبُهْ
فلا تَعدُ ما يأتيك منّي وإن تَعُدْ … تَقُمْ فاعلمَنْ يومًا عليك نوادِبُه
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابُ أمير المؤمنين يذكر فيه سَرَفي [في] الدّماء، وتبذيري في الأموال، والله ما بالغتُ في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيتُ حقوقَ أهل الطّاعة، فإن يك قَتْلي العُصاةَ سَرَفًا، وإعطائي أهلَ الطاعة تبذيرًا، فليمْضِ في ما سلف، وليُحَدّد في أمير المؤمنين حدًّا فيما يحدث؛ أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب: [من الطويل]
إذا أنا لم أطلبْ رِضاك وأتَّقي … أذاكَ فليلي لا تَوارَتْ كَواكِبُهْ
إذا قارفَ الحجاجُ فيك خطيئةً … فقامت عليه في الصَّباح نَوادِبُهْ
أُسالم مَن سالمتَ من ذي هوادَةٍ … ومَن لم تُسالمه فإني مُحارِبُهْ
إذا إنا لم أُدنِ الشَّفيقَ لنُصحِه … وأُقْصِ الذي تَسري إليَّ عقارِبُه
فمَن يتَّقي يومي وَيرجو إذًا غدي … [على ما أرى و] الدُّهرُ جَمٌّ نَوائبُه (١)
قصة الحجاج مع أم البَنين بنت عبد العزيز [بن مروان:
ذكر علماء السِّيَر أن الحجاج] قدم على الوليد بعد وفاة أبيه عبد الملك، فدخل عليه وعلى الحجّاج دِرْعُه وسلاحُه، والوليد في غِلالة، فجعل يُحدِّثه خاليًا وأمّ البنين تراهما من وراء الستر، فأرسلت إلى الوليد خادمًا، فسارَّه وقال: تقول أم البنين: يدخك عليك الحجّاج مُسْتَلْئمًا وأنت في غِلالة، وقد قتل ما قتل من الناس؟! فضحك الوليد [فقال الحجاج: ما يُضحك أميرَ المؤمنين؟ فقال له وهو يُمازحُه: هذا خادم بنت عميّ يقول كذا وكذا] فقال له الحجاج: يا أمير المؤمنين، دع عنك مُفاكَهةَ النّساء بزُخْرُفِ القول، فإنما المرأةُ رَيحانة وليست بقَهرَمَانة، وإياك أن تُطلعَهنَّ على سِرَّك، ومُكايَدةِ عَدوِّك،
стр. 4530
وإياك ومُشاورتهنّ، فإنَّ رأيَهنّ إلى أَفَن، وعَزْمَهنّ إلى وَهن، وعَرَقَهنَّ إلى عَفَن، ولا تُطمِعْهنَّ في الشفاعة عندك، ولا تُطِل الجلوسَ معهن، فإن ذلك أوفرُ لعقلك، وأغزرُ لفضلك.
ثم قام الحجاج فخرج، ودخل الوليد على أم البنين فقالت: ما دار بينك وبين الحجاج، فأخبرها بمقالته، فوَجَمت ساعةً ثم قالت: أُحبّ غدًا أن تأمره بالتّسليم عليّ، فقال: نعم.
فلما دخل عليه الحجاج من الغد قال له: صِر إلى أم البنين فسلِّم عليها، فقال: أوَتُعفِينِي؟ قال: لا أُعفيك، فمضى الحجاج إلى بابها، فحبستْه طويلًا، ثم أذِنتْ له، فدخل ووقف عند السّتر، وسلَّم وهو قائم، فلم تأذن له في الجلوس وقالت:
لا مرحبًا بك ولا أهلًا يا أُخَيفِشَ ثَمود، وعبدَ بني ثَقيف، يا عدوَّ الله وعدوَّ رسوله، أنت المُمْتَنُّ على عبد الملك بقتل ابنِ حَواريّ رسول الله ﷺ ، وابنِ ابنة أبي بكر الصّديق ذات النّطاقَين، أولِ مولودٍ وُلد في المدينة من المهاجرين الصوّام القوّام، وبقتل عبد الرحمن بن الأشعث سيّد كِندة وزعيمها، وقتلِ سعيد بن جُبير وكُمَيل بن زياد، وأولياءِ الله والعلماء، ورميك بيت الله والبلد الحرام -الذي مَن دخله كان آمنًا- بالمجانيق، وتحريقك الكعبة، وسفكِ الدم الحرام في مكان يأمَن فيه الطيرُ والوَحش، وقد والى عليك ابنُ الأشعث الهزائم، حتى عُذتَ بعبد الملك، فأعانك بجُندِ الشام، وأنت في أضيق من القَرَن، فأظلَّتْك رماحُهم، وأعانك كفاحُهم، ولولاهم لكنتَ كأمسِ الذّاهب، أنسيتَ رِماح غزالة في أكتافك، ودقِّها قفاك برُمحها، ولله درّ القائل:
هلّا برَزْتَ إلى غزالةَ في الوَغى (١)
وذكرت الأبيات.
يابن أبي رِغال، طالما نقَض عبدُ الملك المِسْكَ من غدائرِ نسائه، والحُلي من آذانهن وأيديهن، وبِعنَه في الأسواق لأجل البعوث إليك، ولولا ذلك لكنت أذلَّ من نعل، وأهون من بَقَّة، وأقلّ من لا.
стр. 4531
ثم إنك أشرتَ على أمير المؤمنين بتَرك لذّاته، وبلوغ أوطاره من نسائه، فإن كنّ يُفرِجن عن مثله فإنهن ريحان، وإن كنّ يُفرجن عن مثلك فهن أقذارٌ وأنتان.
ثم قالت لجواريها وخَدَمها: ادفعوا في قفاه وأخرجوه مَذمومًا مَدحورًا، ففعلوا. فدخل على الوليد وهو في أسوأ حال، فأخبره بما قالت وقال: والله ما سكتت حتى كان بطنُ الأرض أحبَّ إليَّ من ظهرها، فضحك الوليد وقال: إنها ابنةُ عبد العزيز.
ذكر بعض خُطَبه:
قال الشَّعبي: حدثني الربيع (١) بن خالد قال: سمعتُ الحجاج يقول على المنبر: أخليفةُ أحدكم في أهله أكرمُ عليه أم رسوله في حاجته؟ قال: فجعل عبد الملك أفضل من رسول الله ﷺ ، ثم قال الربيع: لا جرم، والله لا أصلّي بعدها خلفك، ولأُجاهدنّك ما استطعتُ، قال: فلما كان يومُ الجَماجم أبلى الربيع بلاء حسنًا، وقصد قتلَ الحجاج فلم يصل إليه.
وصَعد المنبر يومًا فخطب، فضرب برجله المنبر فانكسر لوحٌ منه، فسُرَّ الناس بذلك وتفاءلوا به، وفهم الحجاج فقال: شاهت الوجوه، وتبّت الأيدي، وبُؤتم بغضبٍ من الله، إنه إنما انكسر عُودٌ ضعيفٌ من خِزوَع تحت قَدم أيِّدٍ شَديد، يا أعداء الله، تفاءلتم بالشُّؤم، وإني والله عليكم أَنكَدُ من الغُراب الأبْقَع، وأشأمُ من يومِ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ، وإني لأعجب من قول لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، وأيُّ رُكْنٍ أشدّ من الله، وآوي إلى أمير المؤمنين، ثم نزل (٢).
ومرض فأُرجف عليه بالموت، ثم برئ، فصعد المنبر فقال: يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق والنِّفاق، مَرضتُ فقلتم مات الحجاج، أما والله إني لأُحبّ الموت، وهل أرجو الخيرَ كلَّه إلا بعد الموت، وما رأيتُ الله قضى الخلودَ في الدنيا إلا لأبغض خلقه
стр. 4532
إليه وهو إبليس، ولقد سأل العبدُ الصَّالحُ ربَّه فقال: ربِّ هبْ لي مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي، فوهب له، ثم اضْمَحلّ فكأنه لم يكن (١).
وأراد سَفرًا فاستخلف على الناس ابنه محمدًا، ثم صعد المنبر فقال: قد استخلفتُ عليكم ابني محمدَّا، وأمرتُه فيكم بخلاف ما أمر رسول الله ﷺ في الأنصار وهو أن يقبلَ من مُحسنهم، ويتجاوز عن مُسيئهم، ألا وإنكم قائلون بعدي مَقالة لا يَمنعكم من إظهارها إلا خوفي، لا أحسن الله صحابتكم، ولا الخلافةَ عليكم (٢).
ومات محمد بن الحجاج بُكرة الجمعة، وجاءه نَعيُ أخيه محمد بن يوسف عَشيَّة، ففرح أهل العراق وقالوا: انقطع ظَهره، وقُصَّ جَناحُه، فصعد المنبر وقال: محمدان في يوم واحد؟! أما والله ما كنتُ أحبُّ أن يكونا معي في الدنيا لما أرجو لهما من ثواب الله في الأخرى، وايمُ الله، ليُوشكَنَّ الباقي مني ومنكم أن يَفنى، والجديد منا أن يَبلى، وتُدال الأرض منا؛ فتأكل من لُحومنا، وتشرب من دمائنا، كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من أنهارها، ثم قرأ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ثم نزل وجلس للتَّعزِية (٣).
وخطب يومًا فقال: إن مَثَلَ عثمان عند الله كمثَل عيسى بن مريم، قالماله الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وبلغ الحسن البصري فقال: لعن الله الفاجر فقد كذب وكفر.
وقال الشعبي: سمعتُ الحجاج يتكلم بكلامٍ ما سبقه أحد إليه؛ سمعتُه يقول: أما بعد، فإن الله كتب على الدنيا الغناء، وعلى الآخوة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الغناء، فلا يَغُرَّنكم شاهدُ الدنيا على غائب الآخرة، واقهروا طولَ الأمَل بقِصَر الأجَل.
стр. 4533
وقال الحسن البَصريّ: لقد وَقَذَتْني كلمةٌ سمعتُها من الحجاج بن يوسف، فقيل له: أكلام الحجّاج يَقِذُك؟ قال: نعم، سمعتُه يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعةٌ من عُمره لغير ما خُلق له لحَرِيٌّ أن تَطول عليها حَسْرتُه إلى يوم القيامة.
[قال حَفْص بن النَّضْر السُّلَمي:] قال الحجاج يومًا في خُطبته: أيها الناس، الصَّبر عن محارم الله أيسرُ من الصّبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: يا حجاج، ما أَصفَقَ وَجْهك، وأقل حياءك! تفعل ما تفعل وتقول هذا؟ فأمر به فأُخذ، ثم نزل من المنبر ودعا به وقال: لقد اجترأتَ عليَّ، فقال له: يا حجاج، أنت تجترئ على الله فلا تُنكره على نفسك، وأجترئ أنا عليك فتُنكره عليّ! فوَجَم وقال: خَلُّوا سبيلَه (١).
ذكر كتاب سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج في زمن أخيه الوليد:
كتب إليه في أسباب فلا يقرؤها، ولا ينظر إليها (٢)، فلما طال ذلك على سليمان كتب إليه:
من سليمان بن عبد الملك؛ سلام على أهل الطاعة من عباد الله، فإنك امرؤ مَهتوكٌ عنك حجابُ الحقّ، مُولَعٌ بما عليك لا لك، مُنصرفٌ عن مَنافعك، تاركٌ لحظّك، مُستَخفّ بحقّ ربك وحق أوليائه، مَنكوسٌ في أمرك، مَعتوهٌ في عقلك، لا تَتَلبَّث عن قبيح، ولا ترعوي عن إساءة، ولا ترجو لله وقارًا، حتى دُعيتَ فاحشًا متفحِّشًا، ولله عليّ لئن أمكنني الله منك لأَدوسَنَّك دَوسَةً تَلين منها فرائصُك، ولأجعلنَّك شَريدًا في البلاد والجبال تلوذ بأطرافها، ولأُعَلِّقَنَّ الرُّوميَّةَ الطويلة الحمراءَ بثدييها -يعني أختَه- فقِدْمًا ما غَرَّتْك العافية، وإنْ أخَّرني الزَّمان فسوف ترى، وإن تكن الأخرى فأرجو أن تؤول بك إلى مَذَلَّةٍ ذليلة، وخِزيةٍ طويلة، وأن يُجعل مصيرُك في الآخرة شرَّ مَصير.
فكتب إليه الحجاج: [من الحجاج] بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهُدى، أما بعد، فإنك كتبتَ إليَّ تذكر أني مَهتوكٌ عنّي حجابُ الحق،
стр. 4534
ولَعَمري إنك صَبيُّ حَدَثُ السنِّ، سخيفُ العقل، وقد دلَّ كتابُك على ذلك، فهلا اقتصرتَ على قضاء الله دون قضائك، فأمرُ الله حائلٌ دونَ أمرك، ولكنك لم تستوف الأمورَ علمًا، ولم تُرزق من أمرك حَزْمَا، ولقد دلَّاك الشَّيطان بغُرور.
وأما قولك: إنك تُعلِّق زينب بنت يوسف بثدييها؛ فأرجو أن لا يُوفّقك الله لذلك، ولقد كتبتَ إليّ والشيطان بين فَكَّيك يُملي عليك، فشرُّ ممْلٍ على شرِّ كاتب، ثم تُمنّي نفسَك بالخلافة ولعلَّك لا تبلغ أمرَها، ولو بلغتَه فأرجو أن تكون في كما كان أبوك وأخوك، أكن لك مثلما كنتُ لهما … وذكر كلامًا وقال في آخره: وأنا الحجاج والسلام.
حديث ابن (١) نُمَير الثَّقَفيّ مع الحجاج:
قد ذكرناه في ترجمة عبد الملك بن مروان، وأن عبد الملك كتب له كتابًا إلى الحجاج بأمانه، وكان قد شَبَّب بأخت الحجاج [وكان اسمها] زينب.
[وقال أبو الفرج الأصفهاني: كان ابن نُمير يُشَبِّب بأخت الحجاج] فأباح الحجاج دمَه، فهرب إلى اليمن وركب البحر وقال: [من الطويل]
أتتني (٢) عن الحجّاج والبحرُ بيننا … عَقاربُ تَسري والعيونُ هواجِعُ
فضُقْتُ به ذَرعًا وأوجَسْتُ خِيفةً … ولم آمَنِ الحجاجَ والأمرُ قاطعُ
وحلَّ بيَ الأمرُ الذي جاءني به … سَميعٌ فليست تستَقِرُّ الأضالِعُ
فبِتُّ أديرُ الأمرَ والرَّأيَ ليلتي … وقد أخضلَتْ خدِّي الدُّموعُ الهوامِعُ
وفي الأرضِ ذاتِ العرضِ عنك ابنَ يوسفٍ … إذا شئتُ مَنْأى لا أبا لك واسعُ
ثم طالت عليه الغُربة، واشتاق إلى وطنه، فما علم به الحجاج إلا وهو واقفٌ على رأسه، فرفع رأسه إليه وقال: أنت القائل:
وفي الأرض ذات العَرض عنك ابنَ يوسفٍ
стр. 4535
فقال: بل أنا القائل: [من الطويل]
أخافُ من الحجاج ما لستُ خائفًا … من الأَسَدِ العرباض لم يَنْههُ ذُعْرُ
أخافُ يديه أن تنالا مَفاصِلي … بأبيضَ عَضْبٍ ليس من دونه سِتْرُ
حديث قتيبة بن مسلم مع الرجل الذي أراد الحجاج قتله:
[حكاه المدائنيّ والقاضي التَّنوخي في كتاب "الفرج بعد الشدّة" كلاهما عن أبي عُبيدة مَعمر، إلا أن المدائني ذكر أن الذي كفل الرجل عَنْبَسةُ بن سعيد، والتنوخي قال: كفله قُتيبة بن مُسلم، قالوا:] أُتي الحجاج بقومٍ كانوا ممَن خرج عليه فقتلهم، وأقيمت الصلاة، وبقي واحد منهم، فقال الحجاج لقُتيبة بن مُسلم: انصرف بهذا إلى غد، واغْدُ به عليّ.
قال قتيبة: فخرجتُ به، فلما كنا ببعض الطريق قال: هل لك في خير؟ قلت: وما هو؟ قال: عندي ودائعُ للناس وأموال، ووالله ما خرجتُ على الحجاج ولا على غيره، ولا أستحلُّ دمَ مسلم ولا ماله، فإن رأيتَ أن تَمُنَ على حتى أذهبَ، وأدفعَ الودائعَ إلى أربابها، ولله عليَّ أن أرجع إليك من الغد، قال: فلم أكلّمه تعجُّبًا منه، فأعاد عليّ القول فقلت: اذهب، فلما توارى عني شَخصُه ندمتُ، وبتُّ بليلةٍ طويلة، فلما كان من الغد وإذا بالرجل قد أقبل، فقلت له: جئت؟! فقال: سبحان الله، جعلتُ الله بيني وبينك كفيلًا ولا أرجع؟!
فانطلقتُ به إلى الحجاج فقال: وأين أسيرُنا؟ فأخبرتُه بالقصة فقال: أوَتحبُّ أن أَهبه لك؟ قلت: نعم، فقال: خذه، قال: فخرجتُ فأخبرتُه، فرفع طَرفَه إلى السماء وقال: الحمد لله، ومضى ولم يكلِّمني كلمة، فقلت: هذا مجنون، فلما كان من الغد أتاني وقال: والله ما جهلتُ ما صنعتَ معي، ولكني كرهتُ أن أشرك في حمد الله أحدًا، قال: فقلت له: فبذلك نَجوتَ (١).
стр. 4536
حديث الحجاج مع الأعرابي:
[حكى المدائني قال:] خرج الحجاج يتصيَّدُ ظاهرَ الكوفة [وقال أبو عمرو الشيباني: ظاهر المدينة] فوقف على أعرابى يرعى إبلًا، فقال له: كيف سيرةُ أميركم؟ فقال: ظَلوم غَشوم، قال: فهلا شكيتموه (١) إلى عبد الملك؟ فقال: هو أغشَمُ منه وأظلم، فعليهما لعنة الله.
قال: وتلاحق أصحاب الحجاج، فقال: من هذا؟ قالوا: الأمير، فناداه الأعرابي: أيها الأمير، السرُّ الذي بيني وبينك ما أحبُّ أن يَطَّلع عليه أحد، فضحك الحجاج وقال: لا، ولم يَعرِض له.
جلس الحجاج يومًا على المائدة يأكل ومعه محمد بن عُمير بن عُطارد بن حاجب بن زُرارة التَّميمي وحجار بن أَبْجر العجليّ، فأقبل في وسط الطعام على محمد بن عُمير وقال له: يا محمد، يدعوك قُتيبة بن مُسلم إلى نُصرتي يوم رستقباذ فتقول: لا ناقةَ لي فيها ولا جَمَل! يا حَرَسِيّ، خذ بيده فاضرب عُنقه، فجرَّد الحرسيُّ سيفَه، وجذب بيد محمد فأقامه.
وحانت من الحجاج التفاتة إلى حجار بن أبجر فرآه يتبسّم، فدخلت الحجاجَ العصبيَّةُ، وكان مكان حجار من ربيعة مثل مكان محمد من مُضَر، فأمر بردّ محمد إلى المائدة، وقال للحرسي: شِمَّ سيفَك. وأتى الخبَّاز بفُرْنِيّة، فقال الحجاج للخبّاز: ضعها بين يدي محمد فإن اللبن يعجبه (٢).
أخبار متفرقة من أخبار الحجاج:
[روى الشعبي أنه قال:] أذنب رجل فطلبه الحجاج فهرب، فجاء إخوته فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨]، فقال الحجاج: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩].
стр. 4537
وجيء بجماعة فقتل أكثرهم، فقال له واحد منهم: أيها الأمير، إن كنا أسأنا في الذَّنب؛ فما أحسنتَ في العفو، فعفا عن الباقين (١).
[وقال أبو العَيناء:] أخذ الحجاج أعرابيًّا قد جنى، فأمر بضَرْبه، فلما ضُرب السَّوط الأول قال: الشكر لله، فضربه سبع مئة سوط، فلما أطلقه لقي أعرابيًّا آخر، فحكى له ما جرى عليه فقال: تدري لمَ ضربك سبع مئة سوط؟ قال: لا، قال: لأنك شكرتَ الله في أول سوط، وقد قال الله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢) [إبراهيم: ٧].
وكتب إليه قتيبة يشكو ما حلّ بالبلاد من شدَّةِ القَحطِ والجَراد، فكتب إليه: إذا أَزِف خراجُك فانظر لرعيّتك في مصالحها، فبيتُ المال أشدُّ اضطلاعًا بذلك من الأرملة واليتيم وصاحب العيال، ولا تُخاطر بالمسلمين في عبور النهر، حتى ترى موضعَ قدمك، ومَرمى سَهْمك، ومُرْ عسكرك بتلاوة القرآن؛ فهو أمنع لحصونك (٣).
[وحكى العُتبيّ قال: كان الحجاج يقول:] لو أدركتُ أربعة نَفَر لتقرَّبتُ إلى الله بدمائهم، قيل: ومَن هم؟ قال: مُقاتل بن مِسْمَع والي سجستان؛ أتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط له الناسُ أردِيَتَهم [فمشى عليها] فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وعُبيد الله بن ظَبيان (٤)، قام خطيبًا فأوجز، فصاح به الناس من جوانب المسجد كثَّر الله فينا أمثالك، فقال: لقد سألتم الله شَطَطا.
ومَعْبَد بن زُرارة، رأته امرأة في الطريق فقالت له: يا عبد الله، أين الطريق إلى مكان كذا؟ فغضب وقال: ألمثلي يقال: يا عبد الله؟!
стр. 4538
[وأبو سليمان الحنفي: أضلَّ ناقته فقال: لئن لم تردَّها عليّ لا صليت لك أبدًا، فلما وجدها قال: علم أن يميني كانت صِرَّى (١)].
قال راوي الحكاية: قبَّح الله الحجاج، لقد ارتكب ما هو أقبح من هذا.
[وقال أبو اليقظان:] كتب إليه محبوس رقْعةً يذكر فيها أنه قد تاب، فكتب عليها: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
[وقال هشام:] لما أُتي الحجاج بامرأة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قال لها: يا عدوّة الله، أين مال الله الذي جعلتِهِ تحت ذَيلك؟ [فبكت] فقال لها حرسي: ويلك، أخرجي مال الله الذي جعلتِهِ تحت اسْتِك، فقال له الحجاج: قاتلك الله، ما قلنا كذا، أطلقها، وخلى سبيلها (٢).
وقال الشعبي: كنت عنده فدخل الحاجب فقال: بالباب رُسُل، فأذِن لهم، فدخل قوم من بني سُلَيم، يَقدمهم شَبابة بن عاصم، فقال: من أين؟ قال: من الشام، قال: هل وراءك من غَيث؟ قال: نعم، أصابتنا دون الأمير سحائب، فقال: صِف لنا كيف كان وَقعُ المطر وتباشيره، فقال: أصابتنا سحابةٌ لبدَت الدِّماث، وأسالت العَزاز، وأدحَضَت التِّلاع (٣)، وصَدَعت عن الكَمأة أماكنَها، وأصابتنا سحابةٌ ملأت الأخاديد، وأفعَمت الأوديةَ، وجئناك في مثل وجار الضَّبُع.
ثم دخل رجل من أهل اليمامة فقال له: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، قال: صفه، قال: سمعتُ الرُّوَّاد يقولون: هلمّوا ظُعنَكم إلى محلَّةٍ تَطفأ فيها النّيران، وتَشَكَّى منها النساء، وتتنافس فيها المِعزى، فلم يدر الحجاج ما قال، فقال: إنك لتُحدِّث أهلَ الشام فأفهِم، قال: نعم، أخصب الناسُ فكثر الزبد والسَّمن واللّبن والتمر، فلا توقد نار يُختَبَز بها، وأما تشكِّي النساء؛ فإن المرأة تَمْخَصُ لَبَنها، فتبيتُ ولها أنينٌ من
стр. 4539
عَضُدَيها، وأما تنافُس المِعزى؛ فإنها ترعى من أنواع الثَّمَر ونَوْرِ النبات ما يُشبع بطونَها، ويملأ عُيونَها (١).
وهناك رجل من الموالي فقال له: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، غير أني لا أُحسن أن أقولَ ما يقول هؤلاء، أصابتني سَحابةٌ بحُلْوان، فلم أزل أطَأُ في أَثَرها حتى دخلتُ عليك، فقال الحجاج: لئن كنتَ أقصرَهم في وصف المطر خُطبة، إنك لأطولهم بالسيف خُطوة.
[وقال أبو عمرو الشَّيبانيّ:] قرأ الحجاج سورة هود، فلما انتهى إلى قصة نوح لم يدر كيف يقرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فقال: انظروا مَن ها هنا من القُرَّاء، فقالوا: رجل بالباب، وشُغل الحجاج فحُبس، فأقام ستة أشهر لا يذكره، فعرض الحجاج السجون يومًا فرآه، فقال: فيمَ حُبست؟ فقال الرجل: في ابن نوح، فضحك الحجاج وأطلقه (٢).
وقُدِّم بين يديه يوم الجماجم أسير، فقال: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقال: على دين إبراهيم حنيفًا مسلمًا فقتله، وقُدِّم آخر فقال: على أيَّ دينٍ أنت؟ فقال: على دين أبيك يوسف، فقال: كان والله صوَّامًا قوّامًا وأطلقه (٣).
وقال الشعبي: كان الحجاج يطوف في الليل، فإن رأى واحدًا بعد العشاء قتله، فبينا هو ليلة يمشي إذ نظر إلى غلامين يتناظران، فقال: من أنتما؟ فقالا: أخوان في الإسلام، معروفان في الأنام، كلّ واحدٍ منا ينطق بلسان صاحبه، يفرح لفرحه، ويتألّم لألمه، فقال: انْتَسِبا، فقال أحدهما: [من الطويل]
أنا ابنُ الذي لا يُنزل الدهرَ قِدرَه … وإن أُنزلتْ يومًا فسوف تعودُ
ترى الناسَ أفواجًا إلى ضوء ناره (٤) … فمنهم قيامٌ تحتها وقُعودُ
стр. 4540
فقال الحجاج: لله درُّ أبيك، مِطعامٌ للطعام، مُقَدَّمُ الكِوام، وقال للآخر: وأنت؟ فقال: [من الطويل]
أنا ابنُ الذي يَعلو الرجالَ بسيفه … ويضربُ أعناق الأُسودِ القَشاعِمِ
ولا ذاك من ذَحْلٍ ولا هو ثائرٌ … ولكنه حاوي الغِنى والمكارمِ
فقال: لله درُّ أبيك من شُجاعٍ مِطعان، مُجَدِّلِ الأقران، ثم مضى ولم يعرض لهما.
فلما كان من الغد دخل عليه أيّوب بن القِرِّيَّة، فذكر ذلك له، فضحك أيوب وقال: بلغني أنه كان لتاجرٍ على شاعر دَين فمَطَله، فتعلَّق به التاجر فقال: إما أن تدفعَ إليَّ حَقِّي، وإما أن تهجوَ نفسَك، وإما أن تمدحَني، فقال الشاعر: أما الحق فأنا عاجز عنه، وأما هجو نفسي فلا أتناول عرضي، وأما مدحُك فنعم، وكان التاجر ابنَ حجَّام فقال: [من المنسرح]
أبوك أوهى النّجاد عاتقه … كم من كَميٍّ أدْمى ومن بَطلِ
يأخذُ من ماله ومن دمِه … لم يُمس من ثائرٍ على وَجَلِ
بكفِّه مُرهفٌ يقلِّبُه … يضربُ أعناقَ سادةٍ فُضُلِ
والله إن أحدهما ابنُ حجَّام، والآخر ابن باقِلاوي، فغضب الحجاج، وطلب الغلامين فجيء بهما فقال: والله لا يُنجيكما إلا الصِّدق، فاعترفا فأطلقهما.
[وذكر الزمخشري في "ربيع الأبرار" قال:] تغدَّى الحجاج عند عبد الملك، ثم دعا عبد الملك بشراب فقال الحجاج: أعفِني؛ فأنا أضرب مَن يشربه بالعراق، ووالله لئن شربتُه لا أضرب عليه أحدًا قط، فقال عبد الملك: أما إنه نَبيذ الرُّمّان، يُشهّي الطعام، ويزيد في الباه، فقال الحجاج: أما كونه يشهي الطعام؛ فوالله لوَددت أن هذه الأكلة تكفيني حتى أموت، وأما كونه يزيد في الباه؛ فحسب الرجل أن يُصرَع في الشهر مرة.
وحضر عند الوليد فأُحضر النّبيذ، وأمره بشُربه فقال يا أمير المؤمنين، الحلال ما أحللتَ، ولكني أنهى عنه أهلَ عملي، وأكره أن أُخالف قول العبد الصالح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١) [هود: ٨٨].
стр. 4541
وولَّى الحجاج بعضَ الأعراب على أصبهان، وكان له أخٌ من أبيه، فقصده أخوه، فأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه، وكان اسم الوالي زيدًا، فرصده أخوه يومًا، ودخل مع الناس ثم قام فقال: [من الوافر]
ولستُ مسَلِّمًا ما عشتُ يومًا … على زيدٍ كتسليم الأميرِ
فقال زيد: ما أبالي، فقال:
أتذكرُ إذ لِحَافُك جلدُ شاةٍ … وإذ نَعلاك من جلدِ البعيرِ
فقال زيد: نعم، فقال أخوه:
فسبحان الذي أعطاك مُلكًا … وعلَّمك الجلوسَ على السَّريرِ
فقال زيد: سبحانه، ولم يعطه شيئًا.
وبلغ الحجاج فقال: إلى هنا انتهى اللّؤم، فعزل زيدًا عن أصبهان وولاها أخاه (١).
[وقال الهيثم:] كان للحجَّاج طبيبٌ ومُنَجِّم، فالطبيب يقال له: تياذوق، وكان قد أدرك الأكاسرة، وعُمِّر طويلًا، فقال له الحجاج يومًا: صف لي صِفةً لا أَعدوها، فقال: لا تتزوَّجَنّ من النساء إلا شابّة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيًّا، ولا تأكله حتى يَنضج، ولا تشرَبنّ دواءً إلا من علَّة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نَضيجها، ولا تأكل طعامًا إلا وتُجيد مَضغَه، وإذا أكلتَ فلا تشرب، وإذا شربتَ فلا تأكل، ولا تحبس الغائط ولا البول، وإذا أكلت في النهار فَنَمْ، وإذا أكلتَ في الليل فامشِ قبل أن تنام ولو مئة خطوة. فكان الحجاج لا يُخلّ بهذه الوصيّة.
[قال:] وقال يومًا للمنجّم وقد أخذ في كفّه حصى: أخبرني كم في يدي حصاة، فحسب فأصاب، ثم أخذ الحجاج مرة ثانية غير ذلك الحصى وقال: كم في كفي حصاة؟ فحسب فأخطأ، فقال له: ما هذا؟! فقال: أيها الأمير، أقسمتُ عليك هل أحصيتَ الأول دون الثاني؟ قال: نعم، من أين علمتَ؟ قال: لأنك لما أحصيتَ الأول دخل في علمي وعلمك، ولما لم تُحصِ الثاني دخل في علم الغيب، ولا يعلم الغيبَ إلا الله. فاستحسن الحجاج منه ذلك ووصله.
стр. 4542
[وقال الهيثم:] دخل رجل على الحجاج فقال: أيها الأمير أرعِني سمعك، واغضضْ عني بَصرك، فإن سمعت خطأ فدونك والعقوبة، قال: قل، قال: عصى عاصٍ من عُرض العشيرة، فضُرب على اسمي، وهُدم منزلي، ومُنعت عطائي، فقال الحجاج: أما سمعتَ قول الشاعر: [من الكامل]
جانيك مَن يجني عليك وربما (١) … تُعدي الصِّحاحَ مَباركُ الجُربِ
ولَرُبَّ مأخوذٍ بذنْبِ قريبه … ونجا المُقارفُ صاحبُ الذَّنبِ
فقال الرجل: إن هذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] فقال: صدقتَ، وأمر ببناء داره، وردّ عطائه، ثم أمر الحجاج مناديًا فنادى: صدق الله وكذب الشاعر.
[وذكر القصة صاحب "العقد" وقال: فقال الرجل: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]، فقال الحجاج: صدق الله وكذب الشاعر.
وذكر أبو القاسم بن عساكر عن الهيثم بن عدي: أن هذه الواقعة جرت مع أبي بن الإباء، دخل على الحجاج فقال له: أيها الأمير، إني موسوم بالميل، مشهور بالطاعة، خرج أخي مع ابن الأشعث، فقدِم منزلي، ومُنِعتُ عطائي، وذكره وقال: إن الرجل لما أنشده الحجاج قال: إني سمعت الله يقول غير هذا، قال: وما قال جل شأنه؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٨، ٧٩] فقال الحجاج: يا غُلام، اردد اسمَه، وابنِ دارَه، وأعطه عطاءه، وأَمر مناديًا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر.
وحكى أبو القاسم الحافظ أيضًا عن الهيثم بن عَديّ قال:] كتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد، فإذا ورد عليك كتابيَ فابعث إليّ برأس أسْلم بن عَبد الكندي (٢)؛ لما قد بلغني عنه. فأحضره وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين، فقال: أعزَّ الله
стр. 4543
أمير المؤمنين الغائب وأنت الحاضر، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، وما بلغه عني باطل، وإني أعول أربعًا وعشرين امرأةً ليس لهنّ كاسِبٌ غيري، قال: ومَن في بتصديق ذلك؟ قال: هن على الباب، فأمر بإدخالهن، فجعل يُسائلهنّ فتقول هذه: أنا عمته، وتقول هذه: أنا خالته، وتقول أخرى: أنا زوجته، إلى أن انتهى إلى جارية فوق الثمانية ودون العشارية، فقال لها: مَن أنت؟ فقالت: ابنته أصلح الله الأمير، ثم جثَتْ بين يديه وقالت: [من الطويل]
أحجَّاجُ لم تَشهد مَقامَ بناتِه … وعمَّاتِه يَندُبْنَه الليلَ أجْمَعا
أحجاجُ كم تقتُل به إن قتلتَه … ثمانًا وعشرًا واثنتين وأربعا
أحجاج مَن هذا يقومُ مَقامَه … علينا فمهلًا أن تزِننا تَضَعضُعا
أحجاجُ إما أن تجودَ بنعمةٍ … علينا وإما أن تُقَتِّلَنا معًا
فبكى الحجاج وقال: لا والله لا أزيدُكُنّ تَضَعْضُعَا، وكتب إلى عبد الملك يخبره الخبر وما قالت الجارية، فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن يُحسن صِلته ويُطلقَه.
وأمر الحجاج محمد بن المُنْتَشِر ابن أخي مَسروق (١) بن الأَجْدع أن يُعذّب آزادمرد ابن الفرند على مال، فقال له آزادمرد: يا محمد، إن لك شَرفًا قديمًا، وإن مثلي لا يُعطي على الذلِّ شيئًا، فارفق بي واسْتأدِني، فاستأداه في جمعة ثلاث مئة ألف، فغضب الحجاج، وأمر صاحب العذاب أن يُعذِّبَه، قال محمد: فعذّبه حتى دَقَّ يديه ورجليه، فلم يعطه شيئًا.
فمر بي على بَغْلٍ مُعترضًا قد دُقَّت يداه ورجلاه فقال: يا محمد، فكرهت أن آتيه فيبلغ الحجاج، وتذمَّمتُ من تركه إذ دعاني، فدنوت منه فقال: قد وَليتَ مني مثل ما ولي هذا فلم تُعذّبني، وأحسنتَ إلي، ولي عند فلان مئة ألف درهم، فاذهب فخذها لنفسك، فقلت: والله لا آخذ منها درهمًا وأنت على هذه الحال، قال: فإني أحدّثك حديثًا سمعتُه من أهل دينك يقولون: إذا أراد الله بالعبيد خيرًا أمطرهم في أوانه،
стр. 4544
واستعمل عليهم خيارَهم، وجعل المال عند سُمحائهم، وإذا أراد بهم شرًّا أمطرهم في غير أوانه، واستعمل عليهم شرارَهم، وجعل المال في أشِحَّائهم، ومضى.
وأتيتُ منزلي وإذا برسول الحجاج، فأتيتُه وقد اخترط سيفه وهو في حِجْره، فقال: ادنُ، فقلت: كيف أدنو وهذا السيف مشهور في حِجْرك، لا دُنُوَّ لي إليك، فأضحكه والله، وأغمد السيف وقال: ما الذي قال لك الخبيث؟ فقلت: والله ما غششتُك منذ استنْصَحتَني، ولا كَذَبْتُك منذ صدقتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني، فأخبرته بما قال، فلما أردتُ ذكر الرجل الذي عنده المال صرف وجهه عني وقال: لا تُسمِّه، ولقد سمع عدو الله الأحاديث.
[ذكر بعض وقائع الحسن البصري معه:
روى الهيثم بن عدي، عن الشعبي قال:] كان الحسن البصري يُفَسِّق الحجاج ولا يأمر بقتاله، فأرسل إليه، فجاء الحسن والسيف بين يديه والنِّطع، فلما دخل عليه قال له: أنت القائل: اتَّخَذُوا عبادَ الله خَوَلًا، ومالَ الله دُوَلًا، وكتابَهُ دَخَلًا، يأخذون من غضب الله، وينفقونه في سخط الله، والحساب غدًا عند البيدر ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؟ قال الحسن: نعم، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. فأطرق الحجاج وقال: يا جارية، هاتي الغالية، فجاءت بحُقٍّ، فغلَّفه منها بيده، وقال: اخرج فنعم المؤدِّب أنت، فلما خرج إذا بأصحابه على الباب ينتظرون ما يجري له، منهم ثابت البُناني وابن عَون وغيرهما، فسألوه عما بدا من الحجاج في حقّه فقال: دخلت على هذا العبد، فإذا هو في سَبَنِيَّةٍ رقيقةٍ فتَوشّح بها ذات عَلَم، في جُنْبُذَةٍ من خلاف، سقفُها الثَّلْج، وهو يقطر عليه، وهو حِبْلٌ، يُطَرطِبُ شُعيرات له، فأخرج إليّ ثيابًا قصيرة قلّما عَرِقت فيها الأعنّة في سبيل الله (١).
стр. 4545
الجُنْبُذَةُ: القُبَّة، والسَّبَنِيَّة: ضربٌ من الثياب، والحِبْل بكسر الحاء المهملة والباء: الدَّاهية، والجمع الحُبول، ويُطَرطبُ؛ أي: يُدخل شفَته في شاربه غيظًا وحنقًا وتكبُّرًا.
[وسنذكر وقائع الحسن معه في ترجمة الحسن إن شاء الله تعالى.]
وقد ذكرنا قصته مع سعيد بن المسيب، وأنه دخل المسجد مع أبيه فأساء في صلاته، قال ابن الكلبي: ناداه سعيد: يا سارقَ صلاته، وقام فهزّه هزَّةً شديدة، ولزم بثوبه وقال: لقد هممتُ أن أضرب به وجهك، ثم خرج الحجاج إلى الشام، فأقام مدة، فلما قَتل ابنَ الزبير، ووُلّي على المدينة، ودخلها؛ بدأ بالمسجد، وجاء إلى سعيد، فقال الناس: اليوم ينتقم منه، فجلس بين يديه وقال له: أنت صاحب الكلمات؟ قال: نعم، قال: جزاك الله من معلّمٍ خيرا، ما صليتُ بعدك صلاةً إلا ذكرتُ قولك، ثم كان يُكرم سعيدًا، ويرفع منه.
ذكر قصة الحجاج مع المرأتين:
[حكى الأصمعي قال:] أُتي الحجاج بامرأتين من الخوارج، فجعل يُكلِّم واحدةً وهي مُعرضة عنه، فقال لها بعضُ الشُّرَط: الأمير يكلمك وأنت تُعرضين عنه، فقالت: إني لأستحي من الله أن أنظر إلى مَن لا ينظر الله إليه، فأمر بقتلها، ثم استشار أصحابَه في قتل الأخرى فقالوا: عاجلها بالقتل، فقالت: يا حجاج، وزراءُ فرعون كانوا خيرًا من وزرائك، قال: ولمَ؟ قالت: استشارهم في قتل موسى وأخيه فقالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الشعراء: ٣٦] وهؤلاء أمروك بمعاجَلَتي، فأعجبه كلامَها، وخلَّى سبيلَها.
حديث ابن أخت الحجاج [مع المرأة:
حدثنا غير واحد عن شُهدة الكاتبة بنت أحمد قالت: نبأنا جعفر بن أحمد السرَّاج، نبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السَّوَّاق، نبأنا محمد بن أحمد بن فارس، نبأنا عبد الله بن إبراهيم الزَّبيبي، نبأنا محمد بن خَلَف، حدثنا أبو بكر العامري، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا] أبو عبَّاد قال: أدركتُ الخادم الذي كان يقف على رأس الحجاج فقلت: أخبرني بأعجب شيءٍ رأيتَه منه، فقال:
كان قد ولى واسطًا ابنَ أخته أميرًا عنيها، وكان بواسط امرأة لم يكن بها في ذلك الوقت امرأة أجمل منها، فأرسل إليها مع خادم يريدها على نفسها، فأبت عليه وقالت: إن
стр. 4546
أرادني حَلالًا خطبني من أهلي وإخوتي، وأما الحرام فلا أفعله، وكان لها أربعة إخوة، فأبى عليها، وراسلها مرارًا وهي تأبى عليه، فبعث إليها وقال: أنا آتيكِ الليلة، فأخبرتْ أمَّها بذلك، وأخبرت أمها إخوتها، فأنكروا ذلك أشد الإنكار، فقالت: إنه الليلة يأتي، فرصدوه، فجاء على دابَّته مُتنكِّرًا، فنزل عنها وقال للخادم: إذا كان وقتُ الغَلَس فأتني بها، ودخل وهي مستلقية على سريرها، وإخوتها في بيت بإزاء السرير، فاستلقى إلى جنبها، ووضع يده عليها وقال: إلى كم ذا المَطْل؟ فقالت له: كُفَّ يدك يا فاسق، وخرج إخوتُها فضربوه بالسيوف حتى بَرَد، ولفُّوه في نِطع، ورموه في بعض السِّكَك.
وجاء الخادم بالدابة وقتَ الغَلَس، فدقَّ الباب دقًا خفيًّا فلم يكلّمه أحد، فخاف طلوعَ الفجر، فذهب بالدابة، وأصبح الناس فوجدوه مقتولًا، وأُخبر الحجاج ففَطِن وقال: عليَّ بمَن كان خصيصًا به، فجيء به، فقال له: والله لئن لم تَصدُقْني لأضربنَّ عُنقَك، فحدَّثه الحديث، فأرسل فأحضر المرأة وإخوتها، وسألهم فاعترفوا، فأمر برقيقه وماله ودوابّه فدُفع إلى المرأة وقال: خذيه، بارك الله لك فيه، وكثَّر في النساء أمثالك، ثم قال: مثل هذا لا يُدفن، فتركوه حتى أكلته الكلاب (١) [وهذه أكبر مناقب الحجاج].
وقال عمر بن شبَّة: مرض الوليد بن عبد الملك مرضًا أشرف على الموت، فغُشي عليه فقالوا: مات، وخرجت البُرُد إلى البلاد بموته، وقدم بريد على الحجاج بذلك، فاسترجع، ثم شدَّ نفسَه بحبلٍ إلى أسطوانة وقال: اللهم لا تسلِّط علينا مَن لا رحمةَ له، فقد طالما سألتُك أن تجعل مَنيَّتي قبل مَنيتِه، وجعل يتضرَّع ويقول ويدعو، فبينما هو على ذلك إذ قدم البريد بعلىية الوليد، قال: فأعتق كلّ عبدٍ، وكلَّ أمةٍ.
ولما أفاق الوليد قال: ما أحدٌ أسرَّ بعافيتي من الحجاج، فقال له عمر بن عبد العزيز: كأني بكتاب الحجاج قد جاء يقول: إنه لما بلغه عافيتُك أعتق كل مملوك له، وأخرج من الأموال كذا وكذا، وبعث بقواريرَ من طيبِ الهند، قال: فما لبث أن وصل كتابُه بذلك.
стр. 4547
وكان الحجاج قد ثَقُل على الوليد، حكى خادم الوليد قال: كنتُ أصبُّ الماء على الوليد ليلةً، وهو ساهٍ والماء يسيل، ولا أقدر أن أكلّمه، فرفع رأسه إليّ وقال: ويحك، تدري ما الخبر؟ قلت: لا، قال: مات الحجاج، فاسترجعتُ، فقال: اسكت ما يسرُّ مولاك أن في يده تفاحةً يَشمّها (١).
ورُوي عن الوليد خلافُ هذا؛ فإنه لما مات الحجاج قال عمر بن عبد العزيز: الحمد لله الذي لم يقطع مدَّتي حتى أراني موت الحجاج، فقال له الوليد: يا أبا حفص، وهل كان الحجاج إلا منا أهل البيت، فقال له عمر: صدقت.
وقال الهيثم: لما مات الحجاج حزن عليه الوليد بن عبد الملك حُزنًا شديدًا، وقال: كان أبي يقول: الحجاج جلدةُ ما بين عيني وأنفي، وأنا أقول: هو وجهي كلّه. فألحقه الله به عن قريب.
ذكر وفاته:
[حكى القاضي التَّنوخيّ عن] مُلازم بن حُرَيث (٢) الحنفي قال: كنتُ في حبس الحجاج بسبب الحَروريّة، فحُبس معنا رجل، فأقام حينًا لا يتكلّم، حتى كان اليوم الذي مات فيه الحجاج في عشيَّته، إذ أقبل غُراب، فوقع على حائط السجن، فنَعق نَعقَةً، فتكلّم الرجل وقال: مَن يقدر على ما تقدر عليه يا غراب، ثم نعق ثانية، فقال: مثلُك مَن بشّر بخير، ثم نعق ثالثة فقال: يا غراب، من فيك إلى السماء.
قال: فقلنا له: ما رأيناك تكلَّمتَ منذ حُبستَ إلى الساعة، فما هذا؟! فقال: إني زَجَرتُ الطَّير، أما في أول مرة فإنه نعق وقال: إني وقفتُ على سترة الحجاج، فقلت: ومَن يقدر على ما تقدر عليه يا غراب، ثم نعق الثانية فقال: إن الحجاج مريض، ثم نعق الثالثة وقال: الليلة يموت الحجاج.
стр. 4548
ثم قال الرجل: إن طلع الفجر قبل أن أخرج فليس عليَّ بأس، وإن دُعيتُ قبل الصبح فستُضرب عُنقي، ثم تلبثون ثلاثًا بعدي لا يدخل عليكم أحد، ثم يُدعى بكم في اليوم الرابع، فمن وجد له كفيلًا خُلِّي سبيلُه، ومن لم يوجد له كفيل فويله طويل، فلما كان قبل الصبح دُعي الرجل فقُتل، وسمعنا الصُّراخ على الحجاج، ومكثنا ثلاثًا لا يدخل علينا أحد، ثم دُعي بنا، فطُلب منا الكُفَلاء فأُطلقنا.
[وقال الواقدي:] مات الحجاج لخمس بقين من رمضان سنة خمس وتسعين بواسط، وكانوا يسمون ذلك اليوم: عُرْسَ أهل العراق.
وقيل: مات في شوال، وروى ابن أبي الدنيا عن أشياخه قالوا: لم يُعلم بموته حتى أشرفت جارية من قصره وهي تبكي وتقول: ألا إن مُطعِمَ الطعام، ومُفَلِّق الهام، وسيّد أهل الشام قد مات، ثم قالت: [من البسيط]
اليومَ يرحَمُنا مَن كان يَغبِطُنا … واليومَ يأمنُنا مَن كان يَخشانا
[وذكر الزمخشري في "ربيع الأبوار" أنه] لما احتُضر وأَيِس من نفسه تمثَّل بقول عُقبة بن زيد العَنبري: [من البسيط]
يا ربِّ قد حلف الأعداءُ واجتهدوا … أيمانهم أنني من ساكني النّارِ
أيحلفون على عَمياءَ وَيحَهمُ … ما ظَنُّهم بعظيمِ العفو غَفَّارِ
[قال الزمخشري:] فيقال إن الحسن لما بلغه ذلك قال: إن نجا فبهما.
[وأما الهيثم فإنه روى] أن الحسن قال: هيهات! ذلَّ اللُّكَع، ثم قرأ ﴿وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وقال ابن سيرين (١): لم دفنوه سمعوا جرَّ السَّلاسل في قبره، وسمعوا صُراخَه بُكرةً وعشيًّا وفي وسط الليل، فأجْرَوا على قبره الماء، وعَفَّوا آثاره، وأقاموا الحرسَ عليه خوفًا أن يُنْبَش.
وقال أبو اليقظان: لما سمعوا جرّ السلاسل في قبره قال ابنه عبد الله: قاتل الله أبي، هذا بتقصيره في حقِّ الخلائق أصابه ما تسمعون.
стр. 4549
[وقال أبو بكر بن عيّاش:] أُخبر يزيد بن أبي مسلم بذلك، فركب في أهل الشام، فسمعوا صراخَه وجرَّ السلاسل، فقال يزيد: رحمك الله أبا محمد؛ ما تدع قراءة القرآن حيًّا ولا ميتًا، فتضاحك أهلُ الشام.
وكان يزيد بن أبي مسلم كاتبَ الحجاج، وكان أظلمَ منه، وأقرَّه الوليد بعد الحجاج على ولايته، فتجاوز طغيانُه طغيانَ الحجاج، فقال الوليد: كنتُ كمن سقط منه درهم فوجد دينارًا، فقال سليمان بن عبد الملك: الحمد لله على وجدان ضالته.
[واختلفوا في مدة ولاية الحجاج على العراق؛ فقال ابن المديني:] ولي الحجاج العراق وله ثلاثون سنة، ومات وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة، فكانت ولايته عشرين سنة، وقيل: اثنتين وعشرين سنة.
والأول أصح [أنه أقام عشرين سنة؛ لأنه ولي في سنة خمس وسبعين، ومات في هذه السنة سنة خمس وتسعين].
ذكر أقوال العلماء فيه:
[حكى أبو القاسم بن عساكر عن] عاصم بن أبي النَّجود أنه قال: ما أبقى الحجاج لله حُرمةً إلا انتهكها (١).
وقال طاوس: عجبتُ لمن يُسمّي الحجاجَ مؤمنًا.
وقال النَّخَعي: كفى بالمرء عَمًى أن يَعمى عن أمر الحجاج.
وقال أبو رَيحانة: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: الأبتر القصير، مُبدِّل السنّة بالبدعة، والملّة بغيرها، لعنه الله في سماواته، وملائكتُه، وأهلُ الأرض، فويل له، وويل لمن يحبّه.
وقال الشعبي: كان الحجاج يفتخر ويقول: قتلتُ العبادلة الثلاثة، ووددتُ أني قتلتُ الرابع وإن كان ما فاتني، ثم يقول: قتلت عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مُطيع، وعبد الله بن صفوان، والرابع عبد الله بن عمر، وودتُ أني قتلتُ ابنَ مسعود المنافق.
стр. 4550
[وقال الهيثم بن عَديّ:] قيل لطاوس اليماني: مات الحجاج، فقال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥].
ولما بلغ الحسنَ البصريَّ موتُه سجد وقال: اللهم ادْحَض سنَّته وآثارَه كما أرحتَنا منه.
وقال حمّاد بن أبي سليمان: بَشَّرت إبراهيم النَّخَعي بموته فبكى وقال: ما كنتُ أرى أن أحدًا يبكي من الفرح.
وقال الشعبي: ما رأينا مثل الحجاج، كان إنسانًا في زيِّ شيطان، وكلامه كلام الخوارج، وصولته صولة الجبّارين، وكان يخضب أطرافَه، ويُرَجِّل شعرَه.
وقال مَيمون بن مهران: كان نصلِّي خلفه وكان من الأزارقة، قيل: وما الأزارقة؟! قال أصحاب نافع بن الأزرق (١)، وهو الذي إن خالفتَ رأيَه سمَّاك كافرًا واستحلَّ دمَك، وكان مُنافقًا يقتل من الخوارج مَن خالف الأزارقة.
وروى رجاء بن حَيْوة، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال (٢): لو جاءت الفرس بأكاسِرتها، والروم بقياصرتها، واليمن بتبابِعتها، والعمالقة بفراعنتها، وجميع الأمم بجبابرتها وخبثائها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم.
وكان عمر يسأل الله أن يُميتَه على فراشه ليكون أطولَ لعذابه.
وقال ابن سيرين: كنتُ عند الحسن وجاءه رجل فقال: ما تقول فيمن حلَف بالطلاق على امرأته أن الحجاج في النار؟ فقال له الحسن: أنت الحالف؟ قال: نعم، قال: إن لم يكن الحجاج في النار فما تبالي إذا زانيت امرأتَك. ومعناه: إننا على باطل.
[قال هشام:] بلغ الحسن أن ثابتًا البناني يقول: إني لأرجو له، فقال الحسن: إني لأرجو أن يُخلف الله ظنَّه.
[وحكى ابن عساكر، عن ميمون بن مِهْران قال:] كان أنس وابن سيرين والحسن جماعة لا يبيعون ولا يشترون بالدراهم التي ضربها الحجاج.
стр. 4551
[وقال الشعبي:] كان الحسن يقول: لعن الله الدَّانِق ومَن دَنَق الدانق، يعني الحجاج، وهو أول مَن فعله.
وكان الحسن يُعظم أمر الحجاج ويقول: أليس هو القائل: لو أدركتُ عبدَ هُذَيل لضَربتُ عُنُقَه، وأليس هو القائل على المنبر -وذكر حديث أمِّ أيمن لما زارها أبو بكر وعمر فبكت وقالت: إنما أبكي لانقطاع الوحي من السماء، ثم قال الحجاج- كذبت أم أيمن، ما أعمل إلا بوحي، وما انقطع الوحي عن الخلائف -يعني بني أمية.
وقال ابن عساكر: قد روى الحجاج عن ابن عباس، وأنس، وسَمُرة بن جُندب، وأبي بُردة بن أبي موسى، وعبد الملك بن مروان.
وقد روى عنه أنس، وثابت البُناني، وحُمَيد الطَّويل، ومالك بن دينار، وقُتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة (١).
قال المصنف ﵀: واختلفوا في روايته؛ فأجازها بعض الجُهَّال، ومنع منها عامة العلماء، فسئل الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه عنها فقال: ومَن يروي عن الحجاج؟! لا ولا كرامة.
وقال عبد الرزاق: لا تصح روايته ولا الرواية عنه. وكذا قال علماء الأمصار.
وحكى ابن عساكر (٢)، عن ثابت قال: خطب الحجاج على المنبر وقال: تزعمون أني شديد العقوبة وقد حدثني أنس بن مالك؛ وذكر حديث العُرَنِيِّين، وأن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وثَمل أعينهم، فقال أنس: وددتُ أني متّ قبل أن أحدّثَه.
وقال أبو عبد الرحمن: الحجاج ليس بثقة ولا مأمون.
ذكر مَن قتل الحجاج ومَن مات في حبسه:
[حكى الحافظ ابن عساكر بإسناده عن هشام بن حسان قال:] أحصَوا ما قتل الحجاج صَبْرًا فكان مئةَ ألف وعشرين ألفًا، ومات في سجنه ثمانون ألفًا منهم ثلاثون
стр. 4552
ألف امرأة، وعُرضت سجونه بعد موته فوجدوا فيها ثلاثين ألفًا لم يجب على أحدٍ منهم حدٌّ، ولا جنى جِناية.
وقال الشعبي: رأيت حبس الحجاج لم يكن له سَقفٌ ولا ظِلٌّ صيفًا وشتاء.
وكان يحبس الرجال مع النساء، ولم يكن في الحبس مطاهر، وكان الرجل يبول إلى جانب المرأة، والمرأة تبول إلى جانب الرجل فتبدو العورات. وكان كل عشرة في سلسلة، ويطعمهم خُبزَ الدَّخَن مخلوطًا بالملح والرماد.
وقال الشعبي: أُحصيت ما في سجونه فكانوا يوم مات ثلاثون ومئة ألف من أهل القبلة؛ ليس لواحد منهم ذنب يستوجب به الحبس.
قال: واجتاز يومًا على الحبس فصاح من فيه وبكوا، فالتفت إليهم وقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فما تكلم بعدها، ومات بعد يومين أو خمسة أيام.
ذكر أولاده ونسائه:
كان له من الولد: محمد، مات في حياة أبيه وقد ذكرناه. وعبد الله، أقره الوليد موضع أبيه. وعبد الملك، وأبان، والوليد، وجارية، عذَّبهم سليمان بعد موت الحجاج. ولم يبق له عَقِب إلا من قِبل عبد الملك بالبصرة.
وكان له من النساء أربع: أم الجُلَاس بنت سعيد بن العاص، أمويّة. وهند بنت أسماء بن خارجة، فَزاريّة. وأم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، وهند بنت المُهلَب بن أبي صُفْرة.
ذكر ما رؤي للحجاج من المنامات:
قال أبو مَعشَر: مات رجل، فلما وُضع على مُغْتَسَله استوى قاعدًا وقال: بَصُرتُ بعينيّ -وأهوى بيده إلى عينيه- الحجاجَ وعبد الملك في النار يسحبان أمعاءهما، ثم عاد ميتًا كَما كان.
стр. 4553
[وحكى ابن عساكر عن] سِماك بن حَرْب قال: رأيت في منامي قائلًا يقول: إياك والصلاةَ خلف الحجاج، لأقصِمنّه كما يَقصم عبادي.
وحكى أيضًا عن الأصمعي، عن أبيه قال: رأيت الحجاج في منامي فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكلِّ قَتلة قتلتُ قَتلة، ثم رأيته في رأس الحول في منامي فسألته فقال: يا ماصّ، أما أخبرتُك عام أول، وقتلني بقتلة سعيد بن جبير سبعين قتلة، وأنا أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله (١).
[ورآه عمر بن عبد العزيز في منامه، وسنذكره في ترجمة عمر] (٢).
ورثاه الفرزدق فقال: [من الطويل]
ليَبْكِ على الإسلام مَن كان باكيًا … على الدِّين من مُستوحِشِ الليلِ خائفِ
وأرملةٌ لما أتاها نَعِيُّهُ … لجادَتْ له بالواكفاتِ الذَّوارِفِ
وقالت لعبدَيها أنيخا فأعقِلا … فقد مات راعي ذَوْدِنا بالتَّنائفِ
فليت الأكفَّ الدافناتِ ابنَ يوسُفٍ … يُقَطَّعن إذ يَحثين فوق السَّقائفِ
قال أبو بكر بن عياش: فلقيتُ الفرزدق بالكوفة فقلت: أخبرني عن قولك:
فليت الأكف الدافنات ابن يوسف
ما معناه؟ فقال: وَدِدْتُ والله أن أرجُلَهم تُقطَع مع أيديهم أيضًا.
فلما مات الوليد، وقام سليمان، واستعمل يزيد بن المهلَّب على العراق، وأمره بقتل بني عَقيل واستئصالهم؛ قال الفرزدق: [من الطويل]
لقد أصبح الأحياءُ منهم أذِلَّة … وموتاهمُ في النار كُلْحًا سِبالُها
وكانوا يَرون الدَّائراتِ بغيرهم … فصار عليهم بالغَداةِ انتقالُها
وكنَّا إذا قُلنا اتَّقِ الله شَمَّرَتْ … به عِزَّةٌ لا يُستطاع جِدالُها
ألِكْني إلى مَن كان بالصِّين أو رَمَتْ … به الهندَ ألواحٌ عليها جلالُها
هلمَّ إلى الإسلام والعَدْلِ عندنا … فقد مات مِن أرض العراق عُضالُها
стр. 4554
قال ابن عيّاش: فلقيتُ الفرزدق، فقلت: ما ندري بأي قوليك نأخذ، بمدحك الحجاج أم بهجائه؟! فقال: إنما نكون مع أحدهم إذا كان الله معه، فإذا تخلّى عنه تخلينا عنه (١).
وخطب خالد بمكة وهو عامل للوليد عليها، فأثنى على الحجاج كثيرًا، فلما نزل جاءه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره بلعنة الحجاج على المنبر، وسبِّه، وذكرِ مَثالبه، فصعد المنبر الجمعةَ الأخرى، فلعنه، وسبه، وعدّ قبائحه، فناداه رجل: بالأمس تمدحه واليوم تلعنه؟! فقال له خالد: إن إبليس كان من الملائكة، وكان يُظهر من العبادة لله ما كانت الملائكة تعترف له بالفضل عليها، وإن الحجاج كان يُظهر من الطاعة لأمير المؤمنين ما كنا نرى له الفضل علينا، وكان يُضمِر من الغِلِّ في قلبه، ومن الغشِّ في صدره؛ ما كان يَخفى علينا، فلما أراد الله تعالى أن يَفضحه فضحه على لسان أمير المؤمنين، فالعنوه لعنه الله، ثم نزل (٢).
وقد جاءت عن الحجاج آثار، منها: قول عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لما بلغه أن أهل العراق حصبوا عامله فقال: اللهم سلِّط عليهم الغلامَ الثَّقفيّ، يحكم فيهم بحُكم الجاهلية، لا يقبل من مُحسنهم، ولا يتجاوز عن مُسيئهم.
ومنها: أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لرجل: لا مِتَّ حتى تُدرك فتى ثقيف، قيل: يا أمير المؤمنين، وما فتى ثقيف؟! قال: ليُقالنَّ له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم، يملك عشرين سنة، لا يدع معصيةً لله إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة بينها وبينه باب مُغلق إلا كسره حتى يرتكبها، يقتل بمَن أطاعه مَن عصاه، يأكل خُضرتَها، ويَلبس فَروتها، ويحكم فيها بحُكم الجاهلية.
قال الحسن البصري: وما خُلق الحجاج يومئذ. وفي رواية: ولا يُبقي بيتًا من العرب إلا ألبسهم الذلّ (٣). انتهت ترجمته.
стр. 4555
حُمَيد بن عبد الرحمن
ابن عَوف الزُّهريّ أبو عبد الرحمن.
من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أم كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط.
توفّي بالمدينة سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وقيل: مات سنة خمس ومئة (١).
وروى عن سعيد بن زيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وأم كلثوم بنت عُقبة.
وكان ثقةً كثير الحديث، عاليًا رفيعًا.
وكان له مالٌ وجاه، وحُمل عنه الحديث، وهو شيخ الزهريّ.
ومن ولده: غُرَيْر [واسمه] عبد الرحمن (٢) بن المغيرة بن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوف.
كان جوادًا مُمَدَّحًا، وكان بنو غُرَير: إسحاق، ويعقوب، ومحمدًا، فيهم يقول الصُّهيبيّ: [من الطويل]
نفى الجوعَ من بغدادَ إسحاقُ ذو النَّدى … كما قد نفى جوعَ الحجازِ أخوه
وما يكُ من خيرٍ أتَوه فإنما … فِعالُ غُرَيرٍ قبلَهم ورثوه
فأُقسم لو ضافَ الغُرَيرِيَّ بَغتةً … جميعُ بني حوَّاء ما حَفَلُوه
هو البحرُ [بل] لو حَلَّ في البحر رِفْدُه … ومَن يَجتَديه ساعةً نَزَفوه (٣)