[وقال الشعبي:] كان الحسن يقول: لعن الله الدَّانِق ومَن دَنَق الدانق، يعني الحجاج، وهو أول مَن فعله.
وكان الحسن يُعظم أمر الحجاج ويقول: أليس هو القائل: لو أدركتُ عبدَ هُذَيل لضَربتُ عُنُقَه، وأليس هو القائل على المنبر -وذكر حديث أمِّ أيمن لما زارها أبو بكر وعمر فبكت وقالت: إنما أبكي لانقطاع الوحي من السماء، ثم قال الحجاج- كذبت أم أيمن، ما أعمل إلا بوحي، وما انقطع الوحي عن الخلائف -يعني بني أمية.
وقال ابن عساكر: قد روى الحجاج عن ابن عباس، وأنس، وسَمُرة بن جُندب، وأبي بُردة بن أبي موسى، وعبد الملك بن مروان.
وقد روى عنه أنس، وثابت البُناني، وحُمَيد الطَّويل، ومالك بن دينار، وقُتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة (١).
قال المصنف ﵀: واختلفوا في روايته؛ فأجازها بعض الجُهَّال، ومنع منها عامة العلماء، فسئل الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه عنها فقال: ومَن يروي عن الحجاج؟! لا ولا كرامة.
وقال عبد الرزاق: لا تصح روايته ولا الرواية عنه. وكذا قال علماء الأمصار.
وحكى ابن عساكر (٢)، عن ثابت قال: خطب الحجاج على المنبر وقال: تزعمون أني شديد العقوبة وقد حدثني أنس بن مالك؛ وذكر حديث العُرَنِيِّين، وأن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وثَمل أعينهم، فقال أنس: وددتُ أني متّ قبل أن أحدّثَه.
وقال أبو عبد الرحمن: الحجاج ليس بثقة ولا مأمون.
ذكر مَن قتل الحجاج ومَن مات في حبسه:
[حكى الحافظ ابن عساكر بإسناده عن هشام بن حسان قال:] أحصَوا ما قتل الحجاج صَبْرًا فكان مئةَ ألف وعشرين ألفًا، ومات في سجنه ثمانون ألفًا منهم ثلاثون
стр. 4552
ألف امرأة، وعُرضت سجونه بعد موته فوجدوا فيها ثلاثين ألفًا لم يجب على أحدٍ منهم حدٌّ، ولا جنى جِناية.
وقال الشعبي: رأيت حبس الحجاج لم يكن له سَقفٌ ولا ظِلٌّ صيفًا وشتاء.
وكان يحبس الرجال مع النساء، ولم يكن في الحبس مطاهر، وكان الرجل يبول إلى جانب المرأة، والمرأة تبول إلى جانب الرجل فتبدو العورات. وكان كل عشرة في سلسلة، ويطعمهم خُبزَ الدَّخَن مخلوطًا بالملح والرماد.
وقال الشعبي: أُحصيت ما في سجونه فكانوا يوم مات ثلاثون ومئة ألف من أهل القبلة؛ ليس لواحد منهم ذنب يستوجب به الحبس.
قال: واجتاز يومًا على الحبس فصاح من فيه وبكوا، فالتفت إليهم وقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فما تكلم بعدها، ومات بعد يومين أو خمسة أيام.
ذكر أولاده ونسائه:
كان له من الولد: محمد، مات في حياة أبيه وقد ذكرناه. وعبد الله، أقره الوليد موضع أبيه. وعبد الملك، وأبان، والوليد، وجارية، عذَّبهم سليمان بعد موت الحجاج. ولم يبق له عَقِب إلا من قِبل عبد الملك بالبصرة.
وكان له من النساء أربع: أم الجُلَاس بنت سعيد بن العاص، أمويّة. وهند بنت أسماء بن خارجة، فَزاريّة. وأم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، وهند بنت المُهلَب بن أبي صُفْرة.
ذكر ما رؤي للحجاج من المنامات:
قال أبو مَعشَر: مات رجل، فلما وُضع على مُغْتَسَله استوى قاعدًا وقال: بَصُرتُ بعينيّ -وأهوى بيده إلى عينيه- الحجاجَ وعبد الملك في النار يسحبان أمعاءهما، ثم عاد ميتًا كَما كان.
стр. 4553
[وحكى ابن عساكر عن] سِماك بن حَرْب قال: رأيت في منامي قائلًا يقول: إياك والصلاةَ خلف الحجاج، لأقصِمنّه كما يَقصم عبادي.
وحكى أيضًا عن الأصمعي، عن أبيه قال: رأيت الحجاج في منامي فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكلِّ قَتلة قتلتُ قَتلة، ثم رأيته في رأس الحول في منامي فسألته فقال: يا ماصّ، أما أخبرتُك عام أول، وقتلني بقتلة سعيد بن جبير سبعين قتلة، وأنا أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله (١).
[ورآه عمر بن عبد العزيز في منامه، وسنذكره في ترجمة عمر] (٢).
ورثاه الفرزدق فقال: [من الطويل]
ليَبْكِ على الإسلام مَن كان باكيًا … على الدِّين من مُستوحِشِ الليلِ خائفِ
وأرملةٌ لما أتاها نَعِيُّهُ … لجادَتْ له بالواكفاتِ الذَّوارِفِ
وقالت لعبدَيها أنيخا فأعقِلا … فقد مات راعي ذَوْدِنا بالتَّنائفِ
فليت الأكفَّ الدافناتِ ابنَ يوسُفٍ … يُقَطَّعن إذ يَحثين فوق السَّقائفِ
قال أبو بكر بن عياش: فلقيتُ الفرزدق بالكوفة فقلت: أخبرني عن قولك:
فليت الأكف الدافنات ابن يوسف
ما معناه؟ فقال: وَدِدْتُ والله أن أرجُلَهم تُقطَع مع أيديهم أيضًا.
فلما مات الوليد، وقام سليمان، واستعمل يزيد بن المهلَّب على العراق، وأمره بقتل بني عَقيل واستئصالهم؛ قال الفرزدق: [من الطويل]
لقد أصبح الأحياءُ منهم أذِلَّة … وموتاهمُ في النار كُلْحًا سِبالُها
وكانوا يَرون الدَّائراتِ بغيرهم … فصار عليهم بالغَداةِ انتقالُها
وكنَّا إذا قُلنا اتَّقِ الله شَمَّرَتْ … به عِزَّةٌ لا يُستطاع جِدالُها
ألِكْني إلى مَن كان بالصِّين أو رَمَتْ … به الهندَ ألواحٌ عليها جلالُها
هلمَّ إلى الإسلام والعَدْلِ عندنا … فقد مات مِن أرض العراق عُضالُها
стр. 4554
قال ابن عيّاش: فلقيتُ الفرزدق، فقلت: ما ندري بأي قوليك نأخذ، بمدحك الحجاج أم بهجائه؟! فقال: إنما نكون مع أحدهم إذا كان الله معه، فإذا تخلّى عنه تخلينا عنه (١).
وخطب خالد بمكة وهو عامل للوليد عليها، فأثنى على الحجاج كثيرًا، فلما نزل جاءه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره بلعنة الحجاج على المنبر، وسبِّه، وذكرِ مَثالبه، فصعد المنبر الجمعةَ الأخرى، فلعنه، وسبه، وعدّ قبائحه، فناداه رجل: بالأمس تمدحه واليوم تلعنه؟! فقال له خالد: إن إبليس كان من الملائكة، وكان يُظهر من العبادة لله ما كانت الملائكة تعترف له بالفضل عليها، وإن الحجاج كان يُظهر من الطاعة لأمير المؤمنين ما كنا نرى له الفضل علينا، وكان يُضمِر من الغِلِّ في قلبه، ومن الغشِّ في صدره؛ ما كان يَخفى علينا، فلما أراد الله تعالى أن يَفضحه فضحه على لسان أمير المؤمنين، فالعنوه لعنه الله، ثم نزل (٢).
وقد جاءت عن الحجاج آثار، منها: قول عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لما بلغه أن أهل العراق حصبوا عامله فقال: اللهم سلِّط عليهم الغلامَ الثَّقفيّ، يحكم فيهم بحُكم الجاهلية، لا يقبل من مُحسنهم، ولا يتجاوز عن مُسيئهم.
ومنها: أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لرجل: لا مِتَّ حتى تُدرك فتى ثقيف، قيل: يا أمير المؤمنين، وما فتى ثقيف؟! قال: ليُقالنَّ له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم، يملك عشرين سنة، لا يدع معصيةً لله إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة بينها وبينه باب مُغلق إلا كسره حتى يرتكبها، يقتل بمَن أطاعه مَن عصاه، يأكل خُضرتَها، ويَلبس فَروتها، ويحكم فيها بحُكم الجاهلية.
قال الحسن البصري: وما خُلق الحجاج يومئذ. وفي رواية: ولا يُبقي بيتًا من العرب إلا ألبسهم الذلّ (٣). انتهت ترجمته.
стр. 4555
حُمَيد بن عبد الرحمن
ابن عَوف الزُّهريّ أبو عبد الرحمن.
من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أم كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط.
توفّي بالمدينة سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وقيل: مات سنة خمس ومئة (١).
وروى عن سعيد بن زيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وأم كلثوم بنت عُقبة.
وكان ثقةً كثير الحديث، عاليًا رفيعًا.
وكان له مالٌ وجاه، وحُمل عنه الحديث، وهو شيخ الزهريّ.
ومن ولده: غُرَيْر [واسمه] عبد الرحمن (٢) بن المغيرة بن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوف.
كان جوادًا مُمَدَّحًا، وكان بنو غُرَير: إسحاق، ويعقوب، ومحمدًا، فيهم يقول الصُّهيبيّ: [من الطويل]
نفى الجوعَ من بغدادَ إسحاقُ ذو النَّدى … كما قد نفى جوعَ الحجازِ أخوه
وما يكُ من خيرٍ أتَوه فإنما … فِعالُ غُرَيرٍ قبلَهم ورثوه
فأُقسم لو ضافَ الغُرَيرِيَّ بَغتةً … جميعُ بني حوَّاء ما حَفَلُوه
هو البحرُ [بل] لو حَلَّ في البحر رِفْدُه … ومَن يَجتَديه ساعةً نَزَفوه (٣)
стр. 4556
[فصل: وفيها توفي]
عبد الرحمن بن مُعاوية
ابن حُدَيْج الكِنديّ [وكُنيته أبو معاوية] وأبوه معاوية من الصحابة، وهو الذي قتل محمد بن أبي بكر الصديق [وحرَّقه بالنار، وقد ذكرناه].
وَلي عبد الرحمن قضاء مصر في سنة ست وثمانين، وكان على الشُّرطة أيضًا.
[قال ابن لَهيعة:] وهو أول قاضٍ نظر في أموال اليتامى بمصر، وأقام لها العُرفاء.
وولّاه عبد الملك قضاء الإسكندرية بعد موت عبد العزيز بن مروان بشهرين، ووفد على الوليد ببيعة أهل مصر، ومات بمصر في هذه السنة، وكان ثقةً من التابعين.
أسند عن أبيه، وعن ابن عمرو، وأبي بَصرة الغِفاريّ، وغيرهم، وروى عنه يزيد بن
أبي حَبيب، وعُقبة بن مُسلم، وجماعة من أهل مصر (١).
[فصل: وفيها توفي]
قُرَّة بن شَريك العَبْسيّ
[قال علماء السِّير:] كان من أمراء بني أمية، ولّاه الوليد مصر، وكان سيِّئ السِّيرة، خبيثًا، ظالمًا، غَشومًا، عَسوفًا، فاسقًا، مُتَهتّكًا.
[وذكره أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" فقال:] هو من أهل قِنَّسْرين، قدم مصر سنة تسع وثمانين أو سنة تسعين، فأقام واليًا عليها ست سنين أو خمس سنين.
وكان الوليد قد عزل عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وولَّى قُرَّة، وأمره ببناء جامع مصر والزيادة فيه سنة اثنتين وتسعين، فأقام في بنائه سنتيق، وكان الناس يصلُّون الجمعة في قَيسارية العسل حتى فرغ من بنائه.
[قال ابن يونس:] وكان الصُّنَّاع إذا انصرفوا من البناء دعا بالخمور والزُّمور والطُّبول، فيشرب الخمر في المسجد طول الليل ويقول: لنا الليل، ولهم النهار.
стр. 4557
وكان أشرَّ خلق الله، وتحالفت الأزارقة على قتله، فعلم فقتلهم.
وكان عمر بن عبد العزيز يَعتب على الوليد بتولية قرة على مصر.
[وقال عمر في كتابه إلى الوليد: وأظلم مني مَن ولّى قُرة مصر.
وحكى ابن يونس قال:] مات قرة في سنة خمس وتسعين بمصر.
[وحكى ابن عساكر، عن صالح بن الوجيه قال:] وَرد على الوليد البريد في يوم واحد بموت الحجاج وموت قرة بن شريك، فصعد المنبر، وهو كاسفُ البال، حاسر، مُشْعَانّ الرأس، [أي: مُنَشّر الشَّعَر] فنعاهما إلى الناس وقال: والله لأشفعنّ لهما شفاعةً تنفعُهما، فقال عمر بن عبد العزيز ﵁: انظروا إلى هذا الخبيث، لا أناله الله شفاعة محمد ﷺ ، وألحقه بهما، فاستجاب الله دعاءه، وأهلك الوليد بعدهما بثمانية أشهر أو أقل (١).
السنة السادسة والتسعون
فيها شتَّى بشر بن الوليد ببلاد الروم، فقفل وقد مات الوليد.
وفيها عزم الوليد على خلع أخيه سليمان، وكان قد شاور الحجاج فأشار عليه بخلعه.
وكان عبد الملك قد عهد إلى سليمان بعد الوليد، فأقام على ذلك مدة إلى السنة الماضية فأراد أن يبايع لابنه عبد العزيز بن الوليد ويخلع سليمان، فامتنع سليمان وكان مقيمًا بفلسطين، فعرض عليه الوليد أموالًا كثيرة فأبى، فكتب الوليد إلى عماله أن يَخلعوا سليمان ويبايعوا لعبد العزيز، فلم يُجبْه إلى ذلك سوى الحجاج، وقُتيبة بن مُسلم، وبعض الناس، ودسّ الوليد إلى الشعراء أن يذكروه في أشعارهم، فقال جرير: [من الطويل]
إذا قيل أيّ الناس خيرُ خليفةٍ … أشارَتْ إلى عبد العزيز الأصابعُ
رأَوه أحقَّ الناس كلِّهمُ بها … وما ظلموا إذْ بايعوه وسارعوا
وقال أيضًا: [من الوافر]
стр. 4558
إلى عبد العزيز سمَتْ عيون الرَّ … عِيَّةِ إذ تحيَّرتِ الرعاءُ
إليه دعَتْ دَواعيه إذا ما … عمادُ الملك تَعْتَعَ واللِّواءُ
رأَوا عبدَ العزيز وليَّ عهْدٍ … وما ظلموا بذاك ولا أساؤوا
وماذا ينظرون بها وفيكم … جُسورٌ بالعظائم واعتِلاءُ
فزَحْلِفْها بأَزْمَلِها إليه (١) … أميرَ المؤمنين إذا تَشاءُ
فإن الناس قد مدُّوا إليه … أُكفَّهمُ وقد بَرِح الخَفاءُ
ولو قد بايعوه وليَّ عهدٍ … لقام الوَزْنُ واعتدل البِناءُ
وقال لعمر بن عبد العزيز: بايع لعبد العزيز، فقال له عمر: إنما بايعناك وسليمان في عقد واحد، فكيف نخلعه ونتركك؟ فأخذ الوليد منديلًا، فجعله في عُنق عمر، ولواه حتى كاد أن يموت، فصاحت أختُه أمّ البَنين، فحبسه في بيت، وطين عليه الباب، فأقام ثلاثًا، فقالت له أم البنين: أطلق أخي، فأخرجه وقد كاد يموت، وعُنقه قد التوى، فلم يزل مائلًا حتى مات، وقالت أم البنين: اللهم لا تُبلّغ الوليد في ولده أملَه (٢).
وقال الوليد ليزيد بن حُصَين بن نُمَيْر السَّكوني: بايع لعبد العزيز، فقال: أما بيميني فقد بايعتُ بها لسليمان، فإن شئتَ بايعتُ لعبد العزيز بشمالي بايعت.
وقال له عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمنهم على الغدْر بابنك، فاكتب إلى أخيك سليمان فليقدم عليك، فاطلب إليه أن يُبايع لعبد العزيز من بعده، فإنه لا يقدر أن يمتنع إذا كان عندك، ولو امتنع كان الناس معك عليه، ولا يتغيّر ما قرَّره أبوك.
فكتب إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه فأبطأ، فعزم الوليد على المسير إليه، وشرع في الجهاز، وأمر الناس بذلك، فمرض ومات قبل أن يسير إلى أخيه.
стр. 4559
وقال [الهلواث] الكلبي: كتب الحجاج إلينا -وكنا بالهند مع محمد بن القاسم، وقد قُتل داهر ملك الهند- يقول: اخلعوا سليمان، واخطبوا لعبد العزيز.
فلما مات الوليد وولي سليمان كتب إلينا: أقيموا مكانكم، وازرعوا واحصدوا فلا شام لكم، فأقاموا بالهند مدة خلافة سليمان، حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقْفَلَهم (١).
وفيها توفي الوليد بن عبد الملك منتصف جمادى الآخرة يوم السبت، وولي أخوه سليمان.
وفيها انتهى بناء جامع دمشق قبل وفاة الوليد بن عبد الملك بن مروان.
ذكر ما يتعلق بالجامع الأموي:
ذكر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" حكايةً في الأموال التي بنى بها الوليد جامع دمشق وسببها، فحكى عن أصبغ بن محمد بن لَهيعة السَّكسكي -من أهل بيت قومًا قرية بغوطة دمشق- قال: مرَّ الوليد برجل من العمال في المسجد، فرآه يبكي فقال: ما يبكيك؟ فقال: كنت حمالًا، فلقيني رجل فقال: أتحملني إلى موضع كذا وكذا؟ فذكر مكانًا في البرية، فقلت: نعم، فحملتُه وسرنا فقال: إن بلَغْنا المكان الذي ذكرت لك أغنيتُك، وإن مت قبل البلوغ إليه فاحمل جثتي إلى المكان الذي أصف لك، فإن ثَمَّ قصرًا خرابًا، فإذا وصلت إليه فعدَّ سبع شرافات من الناحية الفلانية، واحفر تحتها قدر القامة، فإنه سيظهر لك بلاطة فاقلعها، فإنك تجد مغارة فيها سريران؛ على أحدهما رجل ميت، فاجعلني على السرير الآخر، وحمِّل جِمالك وحمارك من المغارة ما استطعت، وكان معي أربعة أجمال وحمار.
قال: ومات في الطريق، فأتيت القصر، وحفرت تحت الشرافة، فظهرت المغارة، فنزلت إليها وإذا بالرجل مسجى على سرير، وإلى جانبه سرير وليس عليه أحد، فأضجعته كما قال، ووجدتُ من الأموال والجواهر ما لا يوصف، فحمَّلتُ الجمال والحمار، وكان معي مِخْلاة فنسيتُ أن أملأها، وتداخلني الشرَّه فعُدتُ إلى المكان، وتركت الجمال بحالها، فلم أجد المكان، وغُمَّ علي فلم أعرفه، وعدت إلى الجمال
стр. 4560
فلم أجدها، فدرت في البرية أيامًا فلم أظفر بها، فعدت إلى دمشق، وألجأني الزمان إلى أن أعمل في التراب كل يوم بدرهم، فكيف لا أبكي؟! فقال له الوليد: لم يكن لك رزق في تلك الأموال، وقد صارت إليّ، وأنا أبني بها هذا الجامع (١).
وقال الوليد بن مسلم: لما حفروا الأساسات وجدوا بابًا صغيرًا وعلى أُسكُفَّته حروف بالمُسْنَد، فلم يفهموها، فبعث الوليد إلى الآفاق، فجمع العلماء فحلوها إلى العربية، فإذا هي: لما رأينا هذين النيّرين والفلك الدائر؛ أيقنَّا أن لهم صانعًا، فبنينا هذا الهيكل لنعبده فيه، وكان ذلك الباب في أعلى الهيكل، فصار تحت الأرض قامات.
وقال الوليد بن مسلم: كان نقش هذا اللوح بالمسند: لما كان العالم مُحدَثًا بدليل أمارات الحَدَث عليه؛ ثبت أن له مُحدِثًا، فانتدب لبناء هذا الهيكل نجب الخير (٢)، فإن رأى الداخل فيه ذكر بانيه عند بارئه بخير فعل أو شكر فعله، وكتب لسبعة آلاف سنة خلت من سني ملك الاسطوان.
وحكى ابن عساكر عن أبي مُسهر الغَسَّاني قال: حيطان جامع دمشق من بناء هود ﵇، وما كان من الفسيفسات فمن عمل الوليد.
وقال أبو مُسهر: وجدوا حجرًا في حائط جامع دمشق، عليه مكتوب بالمسند، فلم يحله سوى وهب بن منبه، وإذا فيه: يا ابن آدم، لو عايَنْتَ ما بقي من يسير أجَلك لزَهِدْتَ فيما بقي من طويل أملك، وإنما يستولي عليك ندمك إذا زَلّت بك قدمُك، وأسلمك أهلُك وحَشَمُك، وانصرف عنك الحبيب، وهجرك القريب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاغتنم الحياة قبل الموت، والمبادرة قبل الفوت، قبل أن يُؤخذ منك بالكظم، ولا ينفعك النَّدم. وكتب في أيام سليمان بن داود نبي الله. فأمر الوليد أن يكتب هذه السطور بماء الذهب على حائط الجامع.
وحكى ابن عساكر، عن أبي مروان عبد الرحيم قال (٣): لما احتفروا أساس الجامع وجدوا مغارةً فيها تمثال إنسان من حجارة، على فرس من حجارة، وفي يده الواحدة
стр. 4561
دُرَّة، والأخرى مقبوضة، فأمر بها الوليد ففُتحت، فإذا فيها حبَّةُ قمح وحبة شعير، فقال الوليد: لو تُركت على حالها لم يُسوِّس قمح ولا شعير في هذه المدينة.
وقال ابن خُرداذبة في كتاب "المسالك والممالك": وبدمشق مسجد ليس في الإسلام مثله ولا أحسن منه، كان مصلّى الصَّابئة، ثم صار إلى اليونان، ثم إلى اليهود، ثم إلى عَبَدة الأوثان، فقُتل فيه يحيى بن زكريا، ثم غلبت عليهم النصارى، فصار في أيديهم كنيسةً يُعظّمونها حتى جاء الإسلام، فصار للمسلمين مسجدًا، فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك عمره، فجعل أرضه مَفْروشة رخامًا، وجدرانه رخامًا مُجَزّعًا، وأساطينه رخامًا مُوَشًّى، ومعاقِدَ رؤوس أساطينه ذهبًا، ومحرابه مُرَصَّعًا بالجواهر، وسطحُه معمول بالرصاص، ويقال: إنه أنفق عليه خراج الشام خمس سنين.
وقال الوليد بن مسلم: وكان سليمان بن عبد الملك يتولَّى عِمارته، فكمل في تسع سنين، وغرم عليه أربع مئة صندوق، في كل صندوق أربعون ألف دينار، وقيل: في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وقيل: ثمانية وعشرون ألف دينار، وأكل صُنّاعُه بقلًا وخلًا بعشرة آلاف دينار.
[وحكى الحافظ ابن عساكر:] قال إبراهيم بن هشام: رخامتا المقام، يعني المحراب، من عرش بلقيس، وكان في الجامع اثنا عشر ألف مُرَخّم (١).
وقال الوليد بن مسلم: غرم على المحراب خمسون ألف دينار، وفي رواية: سبعون ألفًا، وعلى قبة النَّسر مئتا ألف دينار.
ولما سقفوه بالرصاص بقي في القُبَّة مكانُ لوح، فلم يقدروا عليه، فقيل هو عند امرأة فقيرة، فطُلب منها فقالت: ما أَبيعه إلا بوزنه ذهبًا، فقال الوليد: أعطوها، فلما قبضت المال دفعت إليهم اللوح وردَّت المال، فقيل لها في ذلك فقالت: الجواب بحضرة أمير المؤمنين، فأُخبر الوليد، فأمر بإحضارها فحضرت، فقال: لم رَدَدْتِ المال؟ فقالت: ظننت أنك تظلم الناس في عمارة المسجد، فلما رأيت إنصافَك أردتُ
стр. 4562
أن أبقي لك ذكرًا في الغابرين، فيتحدّث الركبان بأنك دفعتَ في لوحٍ من رصاص مثله ذهبًا، ويُخلَّد ذلك في السِّيَر، وقد جعلته لله تعالى، فأعجب الوليد حالها وقال: اكتبوا اسمها على لوحها فكتبوه، وفي رواية: فكتبوا على اللوح: لله، طبعوه بطابع، ولم يُدخِله الوليد في عمله، وقيل: كانت المرأة يهودية، فكتبوا عليه: هذا لوح الإسرائيلية، فكان يقرأ ما عليه إلى زمان حريق الجامع (١).
وقال الوليد بن مسلم: لما وضعوا أساس الجامع نزلوا في الأرض قامات، فظهرت ألواح مكتوب عليها بأقلام لم يقدر أحد أن يَحلَّها.
وقال إبراهيم بن هشام: لما تكامل بناءُ قبَّة الجامع وقعت، فشق على الوليد فجاءه صانع فقال: أنا أبنيها بناءً مُحكَمًا لا يتغير، فحفر موضع الأركان حتى بلغ الماء، ووضع الأساس، فلما ارتفع البناء واستقلّت القبة على وجه الأرض؛ غطاها بحُصُر وهرب، فطُلِب فلم يوجد، وغاب سنة، ثم ظهر فلم يشعر الوليد إلا وهو على بابه، فأدخل عليه فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قم معي حتى ترى العجب، فقام معه فكشف الحصر، فإذا البنيان قد صار مع وجه الأرض، فقال: من ها هنا كان يؤتى البنيان، ثم رفع البناء فتمّ على ما هو عليه اليوم لم يتغير.
قال الوليد بن مسلم: وكان فيه ست مئة سلسلة من ذهب فكان لا يستطيع أحد أن يصلي فيه من شعاعها، وعلى أبوابه صفائح الذهب.
[وقال أبو مُسْهِر:] لما انتهى الجامع خطب الوليد فقال: أيها الناس، إنكم تفتخرون على البلاد بحُسن بلدكم، وكثرة خيره، وفواكهه ومياهه، فافخروا على أهل الدنيا بجامعكم.
[وقال أبو مروان عبد الرحيم:] كان على باب الساعات كهيئة البيكار، عليه عصافير من نحاس، وحية من نحاس، وغراب، فإذا انقضت ساعة خرجت الحية فصفرت، فصاحت العصافير، ونعق الغراب، وسقطت حصاة في الطست، وكان في سقوف
стр. 4563
الجامع طِلَّسمات لسائر الحيوانات والحشرات فيما يلي السبع، فلما احترق الجامع ليلة نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربع مئة ذهب الكل.
وفوّارة جَيرون أُحدثت سنة تسع وستين وثلاث مئة، ثم جُدِّدت مرارًا، منها سنة ست عشرة وأربع مئة، ساق إليها الشريف فخر الدولة أبو يعلى حمزة بن الحسين الحسيني (١) الماء من قصر الحجاج، وبنى عليها قبة، ثم وقعت في صفر سنة سبع وخمسين وأربع مئة، ثم وقعت حيطانها في حريق اللبّادين سنة اثنتين وستين وخمس مئة في شوَّال، ثم جُدِّدت.
وأول مَن أحدث القراءة في جامع دمشق هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي.
قال المصنف ﵀: وأخبرني الشيخ الصالح أبو عمر محمد بن أحمد المقدسي ﵀ قال: حدثني أبو محمد بن بَرّي بإسناده إلى كعب الأحبار قال: إنا نجد في كتب الله المنزلة أن الله أوحى إلى جبل قاسيون أن هب ظلَّك وبَركتك وخيرك لجبال بيت المقدس، فقال: قد فعلتُ، فأوحى الله إليه: لن تذهب الأيام والليالي حتى أردَّ عليك ظلَّك وخيرَك وبركتَك، وسيُبنى لي في ظلِّك بيت أُعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عامًا.
قال: فقاسيون عند الله تعالى بمنزلة العبد الضعيف المتضرّع.
قال المصنف ﵀ (٢): ولما حدثني الشيخ أبو عمر بهذا الحديث في سنة ست وست مئة تبسم وقال: أرجو أن يكون لجامع الجبل الذي بناه.
[وقد أخرج أبو القاسم بن عساكر هذا الأثر في "تاريخه" من طريق الوليد بن مسلم، عن القاسم بن عبد الرحمن (٣)، وفيه: وأبني لي في حصنك بيتًا، قال الوليد بن مسلم: هو مسجد دمشق، ولم يذكر في هذه الرواية كعب الأحبار.
стр. 4564
وذكر في رواية أخرى عن كعب أنه قال: لَيُبنَينّ في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عامًا.
وروى ابن عساكر عن جماعة من التابعين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ﴾ أن التين مسجد دمشق.
قال: وقد أدركوا فيه شجرات الزيتون قبل أن يبنيه الوليد.
قال: والزيتون مسجد بيت المقدس (١).
وذكر آثارًا كثيرة فيها للمحدثين نظر، منها قول سفيان الثوري: صلاة في جامع دمشق بثلاثين ألف صلاة (٢).
وقد أخرج مسلم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام".] (٣)
وحُكي أنهم لما حفروا أساس جامع دمشق وجدوا مغارة، فنزل إليها الوليد في الليل بالشمع، وإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع في مثلها فيها صندوق، ففتحه وإذا بسَفَط فيه رأس مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكريا، فأمر به الوليد فرُدَّ إلى المكان، وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه منفردًا عن الأعمدة، فجعلوه، وسفطوا رأس العمود.
وقال زيد بن واقد: رأيتُ رأس يحيى بن زكريا قد أُخرج من تحت ركن من أركان القُبَّة، فكانت الشَّعرة والبَشَرة لم تتغيَّر (٤).
[وأكثر الشعراء في وصف جامع دمشق، فقال بعض المحدَثِين: [من المنسرح]
دمشقُ قد شاع حُسنُ جامِعِها … وما حوتْه رُبى مرابِعها
بديعةُ الحسنِ والكمالِ لما … يُدركه الطرفُ من بدائعها
طيِّبةٌ أرضُها مباركةٌ … باليُمنِ والسَّعدِ أخذُ طالِعها
стр. 4565
جامعُها جامعُ المحاسنِ قد … فاقتْ به المُدْنَ في جوامعِها
بَنيَّةٌ بالإتقان قد وُضِعتْ … لا ضيَّع الله سَعْيَ واضِعها
تُذكر في فضلِه ورِفعتِهِ … أخبارُ صِدْقٍ راقت لسامعِها
إذا تفكَّرت في الفُصوصِ وما … فيها تيقَّنتَ حِذْقَ راصِعِها
أحكمَ ترخيمَها المُرَخِّمُ قد … بأن عليها إحكامُ صانِعها
وإن تحكَّمْتَ (١) في قناطرِهِ … وسقفِه بان حِذقُ رافِعها
وإن تبيَّنْتَ حُسْنَ قُبَّتِهِ … تحيَّرَ اللُّبُّ في أضالِعها
تخترِق الرِّيحُ في مَخارِمها … عَصْفًا فتقوى على زَعازِعها
وأرضُه بالرّخامِ قد فُرِشَتْ … يَنفَسِحُ الطَّرفُ في مواضعها
مجالسُ العلمِ فيه مُونقةٌ … يَنشرح الصَّدرُ في مجامعِها
وكلُّ باب عليه مَطهرَةٌ … قد أمِنَ الناسُ دَفْعَ مانِعها (٢)
من أبيات.]
وقال الوليد بن مسلم: ولما ولي عمر بن عبد العزيز أراد نقض الجامع، وإدخال ما فيه في بيت المال، فعزَّ على أهل دمشق والأشراف، فخرجوا إليه، فقال لهم خالد بن عبد الله القَسْرِيّ: ائذنوا لي حتى أُكلِّمه، فأذنوا، وكان عمر بدَير سَمعان، فقدموا عليه، فلما دخلوا قال له خالد: بلغنا أنك تريد أن تفعل في جامعنا كذا وكذا، قال: نعم، أموال أُنفقت في غير وجهها فأنا رادُّها في بيت المال، فقال خالد: والله ليس لك ذلك، فقال عمر ﵁: فهو لأمك النصرانية، فقال خالد: إن كانت نصرانية فقد ولدت مسلمًا، فاستحى عمر وقال: صدقت، وجرى بينهما كلام، ورجع عمر ﵁ عن رأيه في خراب الجامع لمعنيين:
أحدهما: أن رُسُل الروم كانوا إذا وردوا عليه سألوه أن يدخلوا الجامع، فيأذن لهم، فإذا رأوه هابوا الإسلامَ وأهلَه، وقد كان أقسَّاؤهم يقولون لهم: إن العرب لا
стр. 4566
مُقام لهم بالشام، وكأنكم بهم وقد عادوا إلى الحجاز، ولهم مدة يبلغونها، فكان الكفار يُغيظهم ما يَرون من حُسن الجامع.
والثاني: أنه قيل لعمر: إنك إذا جَرَّدتَ الذهب من الحيطان لم يَحصل منه ما تنتفع به، وتَهدم ما هو أعظم شرائع الإسلام (١)، فإن هذا المكان والبيت المقدس يُبقي لبني مروان في العالمين ذكرًا ليس لغيرهم، فتركه.
وفيها غزا قتيبة الصِّين وكاشْغَر، وكان قتيبة موافقًا للحجاج على خلع سليمان، فكان في هذه السنة قطع النهر خوفًا من سليمان، وولّى النهر رجلًا من أصحابه يقال له: الخُوارِزمي، وأمره أن لا يُمكّن أحدًا من عبور النهر إلا بجواز، ومضى إلى فَرْغانة، وأرسل إلى شِعب عصام مَن يُسهِّل له الطريق إلى كاشْغَر -وهي أدْنى مدائن الصِّين- فجاءه الخبر بموت الوليد وهو بفَرْغانة.
وكان قتيبة قد أوغل في بلاد الصين، فأرسل إليه ملك الصين: ابعث إلينا رجلًا من أشراف قومك نسائله عن دينكم وما تدعون إليه، فانتدب له قتيبة عشرة من أشراف القبائل، لهم هَيبة وجَمال وحُسن، وألبسهم الثّياب الجميلة، وحملهم على الخيل العِتاق، وقدَّم عليهم هُبَيرةَ بن المُشَمرِج الكلابي، وكان فصيحًا، وأوصاه فقال: أيها الأمير، قد كُفيتَ الأدب، وقل ما شئت، فقال: تُخبره أني قد حلفتُ أن لا أنصرف حتى أطأ بلادَه، وأختم ملوكهم، وأَجبي خراجَهم.
وساروا، فلما قدموا على الملك دخلوا عليه وعنده علماء أهل مملكته، وكانوا قبل دخولهم عليه قد غيَّروا ثيابَهم، واغتسلوا وتطيّبوا، فلما دخلوا على الملك لم يكلّمهم أحد، فنهضوا، فقال الملك لجلسائه: كيف رأيتم هؤلاء؟ [قالوا:] ما بقي منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده.
فأرسل إليهم في اليوم الثاني، فجاؤوا وقد لبسوا الوَشْيَ، وعمائمَ الخزِّ والمطارف، فدخلوا فلم يكلّمهم أحد، فنهضوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتموهم؟ قالوا: هذه الهيئة أشبه (٢) بهيئة الرجال من تلك.
стр. 4567
فلما كان اليوم الثالث دعاهم، فدخلوا وعليهم البِيض والمغافر والسلاح، وقد تقلّدوا السيوف، وتنكَّبوا القِسِيَّ، وأخذوا الرماح بأيديهم، وركبوا خيولَهم، وأقبلوا كأمثال الجبال فردُّوهم، وقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم؟ قالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاء قط.
ثم أرسل إليهم: أن ابعثوا زعيمَكم، فبعثوا إليه هُبيرة، فلما دخل عليه قال: قد رأيتُم مُلكي وسعتَه، وإنكم في قبضتي، وإني مسائلك عن أمر، فإن صدقتَني وإلا قتلتُك ومن معك، قال: سل، قال: لم صنعتم في اليوم الأول والثاني والثالث ما صنعتم؟ فقال:
أما اليوم الأول فذاك زينتُنا عند أهلنا ونسائنا، وأما اليوم الثاني فتهيأنا لأمرنا، وأما اليوم الثالث، فزِيُّنا لعدوّنا، فقال: أحسنتم فيما دبَّرتُم، فانصرفوا إلى صاحبكم وقولوا له ينصرف، فقد عرفتُ حرصَه وقلَّةَ أصحابه، وإلا بعثتُ إليه مَن يُهلكه ومَن معه، فقال له هُبيرة: كيف تقول هذا لمَن خيلُه في أول بلادك، وآخرها في منابت الزيتون، وقد غزاك في بلادك فدوَّخها، وقتل وسبى، وهو في طَلَبك لا تُرَدُّ له راية؟ قال: فما الذي يريد؟ قال: إنه قد أقسم أن لا يرجع حتى يَطأ أرضَك، ويختم أعناق الملوك، ويأخذ الجزية، قال الملك: فنحن نَبُزُّ قسَمه، ونبعث إليه من تراب أرضنا فيَطَؤه، وببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بمال.
ثم دعا بصِحاف من ذَهَب، وجعل فيها من تراب أرضه، ودعا بأربعة غِلْمة من أولاد الملوك، وبعث له مالًا كثيرًا، وأحسن جائزة هُبيرة وأصحابه، ووصلهم وأحسن إليهم، وانصرفوا عنه.
فأخبره هبيرة خبره وقال: الحَزْمُ في إجابته إلى ما سأل، فوطئ قتيبة التراب، وختم الغِلمة وردَّهم، وقبل الجِزية، فقال سَوادة بن عبد الله السَّلولي يُخاطب قتيبة: [من الكامل]
لا عَيبَ في الوفدِ الذين بعثتَهم … للصِّين إذ سَلَكوا سبيلَ المَنْهَجِ
كسروا الجُفونَ على القَذى خَوْفَ الرَّدى … حاشا الكريم هُبَيرةَ بنَ مُشَمْرِجِ
لم يَرْضَ إلا الخَتْم (١) في أعناقهم … ورهائنٍ دُفِعتْ بحَمْلِ سَمَرَّجِ
стр. 4568
أدَّى رسالتَك التي حمَّلْتَهُ … وأتاك من حِنثِ اليمين بمَخْرَجِ
فبعث قتيبة هُبيرة وافدًا على الوليد، فمات بقرية (١) من قُرى فارس.
وفيها قُتل قتيبة بخراسان، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمانَ بنَ حيَّان عن المدينة لسبع بقين من رمضان، فكانت إمرتُه عليها ثلاث سنين، وقيل: سنتين وأيامًا.
وكان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر بن عَمرو بن حَزْم مئةَ جَلْدة، ويحلق رأسه ولحيته؛ لأنه كان يكرهه، ثم قال: إلى غداة غد، وقدم رسول سليمان وقت السحر بتأمير أبي بكر وعزل عثمان، فجلس أبو بكر على كرسي، ودعا بعثمان بن حيّان، ودعا بحدّاد وقال: ضع الحديدَ في رجل هذا، فتمثل بعضهم، وقيل إن أبا بكر قال: [من الكامل]
آبوا على أدبارهم سَفَهًا (٢) … والأمرُ يَحدث بعده الأمرُ
وفيها ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة.
الباب السابع في ولايته
وكنيته أبو أيوب، وأمه وَلَّادة بنت العباس أم الوليد.
[قال علماء السير:] لما توفي الوليد بدمشق كان سليمان بالرَّمْلَة، فكتب عمر بن عبد العزيز إليه يُخبره، فسار حتى قدم دمشق، فوجد الناس على فاقَةٍ من جَور الوليد، وكان عمر قد أخذ له البيعة يوم مات أخوه الوليد، وذلك مُنتصف جمادى الآخرة.
[قال هشام:] ولما قدم سليمان دمشق بدأ بالجامع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وأنشد: [من الكامل]
رَكْبٌ تَخُبُّ به المَطِيُّ فغافلٌ … عن سيرِه ومُشَمِّرٌ لم يَغْفُلِ
لا بدَّ أن يَرِدَ المُقَصِّرُ والذي … رامَ النَّجاءَ مَحَلَّةً لم تُحْلَلِ
стр. 4569
ثم قال: أيها الناس، وخنقته العَبْرَة، رحم الله مَن ذُكِّر فاذَّكر، وزُجِر فانزجر، فإن العظة تجلو عَمى القلوب، وتغسل دَرَن الذُّنوب، ألا وإنكم قد استوطنتم دارَ الغرور، ونسيتم الرحلة إلى القبور، وغرَّتكم الأمانيّ وغرَّكم بالله الغَرور، ألا وإنكم سَفْر وإن أقمتم، ومرتحلون وإن قَطَنْتُم، لا تَتَشكَّى مطاياكم ألمَ الكَلال، ولا يُتعبها دَأَب السَّير، ليل يُدْلِجُ بكم وأنتم نائمون، ونهار يَجدُّ بكم وأنتم غافلون، لكم في كل يوم مُشَيّع لا يستقبل، ومودِّع لا يَؤوب.
أما ترون رحمكم الله إلى ما أنتم فيه متنافسون وعليه متهافتون؛ من كثير يَفنى، وجديد يَبلى، كيف أخذه المخلّفون، وحوسبتم عليه دون المتنعم به (١)، فأصبح كل منهم رهينًا بما كسبت يداه، وما الله بظلام للعبيد.
ثم نزل بعد أن بكى وأبكى الناس، وهو أول من قال في خطبته: ﴿أَفَرَأَيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، واقتدى به عمر بن عبد العزيز ﵁ فكان يقرؤها دائمًا.
ولما نزل اتّخذ عمر بن عبد العزيز ﵁ وزيرًا ومُشيرًا، ونظر في المظالم فردّها، وفك الأسرى، وأحسن إلى الناس، وهدم كل قاعدة بناها الوليد في الظلم، فأحبه الناس، وعزل الولاة الظالمين، وأقر خالدًا القَسْرِيّ على مكة.
وخالد أول من أدار الصفوف حول الكعبة، ولم تكن مستديرة [بل كانت كصفوف الناس]، ومنع النساء أن يطفن مع الرجال حول الكعبة. قال الهيثم: سمع قائلًا يقول: [من السريع]
وحبَّذا اللاتي يُزاحِمْنَني … عند استلامِ الحجرِ الأسودِ
فقال: والله لا زاحَمْنك بعد اليوم (٢).
ثم عزل خالدًا في آخر السنة وولاها طلحة بن داود الحَضْرَميّ.
стр. 4570
[فصل:] وفيها عزل سليمان ولاة الحجاج عن العراق، وولّى العراق يزيد بن المهلب واستعمل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره ببَسْطِ العذاب على آل أبي عَقيل وقتلِهم.
ولما قدم صالح العراق أخذ آل أبي عَقيل، وولّى عذابهم عبد الملك بن المهلب، وقتل الحكم بن أيوب بالعذاب.
وفيها ولّى سليمان دمشق محمد بن سويد بن كلثوم بن قيس الفهري، وهو ابن أخي الضحاك بن قيس، وكانت أمه ماتت وهو يَركُض في بطنها، فخرج حيًّا. وكان الوليد قد ولى ابنه عبد العزيز دمشق فعزله سليمان وولى محمدًا.
[وقال الزبير بن بكار:] وقال سليمان لعمر بن عبد العزيز: مهما رأيتَ من مصالح المسلمين فمُرْ به يُكتَب؛ فإنك لا تُخالف، فقال عمر: أرى عَزْلَ ولاةِ الحجاج، وإخراج من كان في حُبوسه بالعراق، وردّ الصلاة إلى أوقاتها فإن الحجاج كان قد ضيعها، فكتب بذلك.
وحج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاري، وكان على المدينة، وعلى مكة طلحة بن داود الحضرمي، وعلى العراق يزيد بن المهلب، وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أُذَينَة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى خواسان بعد قتيبة وكيع بن أبي سُود.
[فصل:] وفيها توفي
إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عوف الزهري، أبو إسحاق.
[ذكره ابن سعد] في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة (١)
وقيل: إنه أدرك رسول الله ﷺ ، [وقال ابن منده: لم يدركه].
стр. 4571
وأمُّه أم كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط، وأدرك عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
قال إبراهيم: إن عمر بن الخطاب حَرَّق بيت رُويشِد الثَّقفيّ، وكان حانوتًا للشراب، وكان عمر قد نهاه، قال: فلقد رأيتُه يلتهب كأنه جَمرة.
قال محمد بن عمر: ولا نعلم أحدًا من ولد عبد الرحمن بن عوف روى عن عمر سماعًا ورؤية غير إبراهيم، وقد روى عن أبيه، وعن عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بَكْرة وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة. ومات سنة ست وتسعين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة خمس وتسعين.
وكان من رجالات قريش، وكان له ثمانية عشر ولدًا ذكورًا وإناثًا (١).
[فصل: وفيها توفي]
إبراهيم بن يزيد
ابن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النَّخَع، من مَذْحِج، أبو عمران النَّخعي، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة.
وقال هشام: أصله من اليمن، وهو مولى النَّخَع، غير أن العرب ولدته، حُمل عنه العلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان يكره الفتوى؛ فإذا جاء أحد يستفتيه يقول: أما وجَدْتَ أحدًا غيري تستفتيه؟
وكان إذا قام من مجلسه ختمه بالسلام، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم الليل في حُلّة، وكان يكره الشُّهْرة، وكان يجالس الناس وكأنه ليس معهم.
[وروى ابن سعد عن] سعيد بن جبير أنه كان يقول: أتستفتوني وفيكم إبراهيم بن يزيد؟
[قال ابن سعد:] وكان يُهاب كما يُهاب الأمير.
[وحكى ابن سعد عن أبي مَعْشر قال: كان يدخل إبراهيم على بعض أزواج النبي ﷺ وهي عائشة، فيرى عليهن ثيابًا حمرًا، قيل لأبي معشر: كيف كان يدخل عليهن؟ قال:
стр. 4572
كان يحج مع عمه وخاله علقمة والأسود قبل أن يحتلم، وكان بينهم وبين عائشة إخاء ومودة.
وروى ابن سعد عن عبد الحميد بإسناده إلى حماد قال: بشَّرت إبراهيم بموت الحجاج فبكى. قال: وقال حماد: ما كنتُ أرى أحدًا يبكي من الفَرح. وكان إبراهيم يسب الحجاج.] (١)
وكان يحدّث بالمعاني، وكان لا يجلس إلى أسطوانة يتوقّى الشهرة، وكان صَيرَفيَّ الحديث، وكان إذا سئل عن مسألة ظهر عليه أثر الكراهة ويقول: إن زمانًا صرتُ فيه فقيهَ أهل الكوفة لزمان سوء.
وقال: كنا إذا حضرنا جنازة، أو سمعنا بميت، عُرف ذلك فينا أيامًا، لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمر صيَّره إما إلى الجنة وإما إلى النار، وإنكم في جنائزكم تتحدَّثون بحديث دنياكم.
[وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن] الأعمش قال: كنت عند إبراهيم وهو يقرأ في المصحف، فدخل عليه، أو استأذن عليه رجل، فغطَّى المصحف وقال: لا يظن هذا أني أقرأ فيه كل ساعة.
وقال المغيرة: كان إبراهيم يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران أو بالعصفر، وكان من يراه لا يدري أمن القراء هو أم من الفتيان.
وقال إبراهيم: كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتًا أفضلهم في نفسه.
وكان يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه.
وقال المغيرة: كان رجل على حالة حسنة، فأحدث حدثًا وأذنب ذنبًا، فرفضه أصحابه ونبذوه، وبلغ إبراهيم فقال: مه، تداركوه وعِظوه ولا تدعوه.
وقال ابن سعد: كان النَّخَعيّ أعور (٢).
стр. 4573
ذكر وفاته:
[واختلفوا فيها على قولين؛ أحدهما قبل الحجاج وكان مستخفيًا، وروى أبو نعيم عن عمران] الخياط قال: دخلنا على إبراهيم نعودُه وهو يبكي، فقلنا: ما يبكيك يا أبا عمران؟ فقال: أنتظر ملك الموت يُبشّرني بالجنة أم بالنار.
[وروى أبو نعيم عن] شُعيب بن الحَبْحاب قال: كنتُ فيمن صلى على إبراهيم ليلًا، ودفن في زمان الحجاج، ثم أصبحتُ فغدوتُ على الشعبي فقال: دفنتم ذاك الرجل الليلة؟! قلت: نعم، قال: دفنتم أفقهَ الناس، قلت: ومن الحسن؟ قال: ومن الحسن، وأهل البصرة، وأهل الكوفة، والشام، والحجاز. [وقد روى ابن سعد بمعناه.] (١)، وقال ابن عون: دفناه ونحن خائفون.
[والقول الثاني أنه مات بعد الحجاج، فروى أبو نعيم عن] الفَضْل بن دُكين (٢) قال: سألت ابن بنت إبراهيم عن موته فقال: بعد الحجاج بأربعة أشهر أو خمسة. [قال أبو نعيم: كأنه مات في أول سنة ست وتسعين.
وقد روينا أنه لما مات الحجاج سجد وبكى من الفرح.
وقال ابن سعد:] أجمعوا على أنه توفي بالكوفة في أيام الوليد بن عبد الملك وهو ابن تسع وأربعين سنة لم يستكمل الخمسين (٣)، وصلى عليه عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد.
وقيل: مات وهو ما بين الخمسين إلى الستين.
أدرك إبراهيم جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخُدري، وأنس، وعائشة ﵃، وعامة ما يرويه عن التابعين.
حارثة (٤) بن بدر
التَّميمي، البصري، كُنيته أبو العَنْبَس.
стр. 4574
عاش حارثة إلى أيام الوليد بن عبد الملك ومدحه، وكان يوم صفّين مع معاوية، وهو القائل: [من الكامل]
خَلَتِ الدِّيارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدٍ … ومن العَناء تَفَرُّدي بالسُّودَدِ
وكان رجلَ بني تميم في وقته، وكانت له منزلة عند زياد بن أبيه، وكان قد غلب عليه الشراب، فقيل لزياد: إن هذا ليس من شاكلتك، ولا يَحسُن بك أن يصحبك، فقال زياد: كيف لا أصحب رجلًا ما سألتُه عن شيءٍ إلا وجدتُ عنده علمًا منه، ولا مضى أمامي فاضطرني إلى أن أناديه، ولا مشى خلفي وأحوجني أن ألتفتَ إليه، ولا سايرني فمسّت رُكبته ركبتي، ولا أخذ عليَّ الشمسَ في شتاء قط، ولا الرَّوْحَ في صيف قط. وفي رواية: ولا تقدَّمني فنظرتُ إلى قفاه، ولا تأخَّر عني فلويتُ عُنقي إليه.
فلما مات زياد جفاه عبيد الله بن زياد، فقال له حارثة: يا عُبيد الله، ما هذا الجفاء مع معرفتك بحالي عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله بن زياد: إن أبا المغيرة كان قد بَرع بُروعًا لا يلحقه معه عيب، وأنا حَدَث، وإنما أُنسب إلى من [غلب] علي، وأنت يغلب عليك الشراب، ومتى قَرَّبتُك لم آمن على نفسي أن يُظنّ بي ما يتيقن منك، فدع الشراب وكن أول داخل عليّ وآخر خارج، فقال حارثة: أنا لا أدعه لمن يَملك ضَرِّي ونفعي، أفأدعه لك؟ قال عبيد الله: فقد ولَّيتُك رَامَ هُرْمُز وسُرَّق، فإن الشراب بهما كثير، فقال أبو الأسود الدِّيلي: [من الطويل]
أحارِ بنَ بدرٍ قد وَليتَ ولايةً … فكن جُرَذًا فيها تَخونُ وتَسرِقُ
وباهِ تميمًا بالغِنى إن للغِنى … لسانًا به المرءُ الهَيوبَةُ يَنطِقُ
ولا تحقِرَنْ يا صاحِ شيئًا أصبتَهُ … فحظُّك من مُلكِ العراقَين سُرَّقُ
فإني رأيتُ الناسَ إما مكذِّبٌ … يقول بما يَهوى وإما مُصَدِّقُ
يقولون أقوالًا بظَنِّ وشبْهةٍ … فإن قلتَ هاتوا حقِّقوا لم يُحَقِّقوا
ويقال: إن عبيد الله كتب إليه بهذه الأبيات.
قال الهيثم: دخل حارثة يومًا على زياد، فرأى في وجهه أثرًا فقال: ما هذا؟ فقال: ركبتُ الأشقر فجَمَح بي -يعني الشراب- فقال له زياد: أما إنك لو ركبت الأَشهب لما جَمَحَ بك.
стр. 4575
وقال أبو الفرج الأصفهاني: حارثة بن بَدْر الغُداني كان من فرسان تميم وساداتها، وأحسب أنه أدرك رسول الله ﷺ في حال صباه، وكان من دُهاة العرب، وكان علي رضوان الله عليه قد نذر دمه لفساده في الأرض.
قال العتبي: فاستجار بسعيد بن قيس الهمداني، فأخذ له أمانًا من علي رضوان الله عليه.
قال الأصمعي: مات برَامَهُرْمُز، وقال الهيثم: بنيسابور؛ خرج إليها غازيًا فمرض، ومعه غلام فعصى عليه، فقال حارثة: [من البسيط]
يا كعبُ ما طلعتْ شمس ولا غَربتْ … إلا تُقَرِّب آجالًا لميعادِ
لا أُلفينَّك بعد الموت تَنْدُبُني … وفي حياتيَ ما زوَّدْتَني زادي
إذا لقيتَ بوادٍ حيَّةً ذَكَرًا … فاهدأ ودَعْني أُمارسْ حيَّةَ الوادي
قد استشهد الزبير ﵁ بالبيت الأوسط، فيحتمل أن يكون هنا تضمين، والله أعلم (١).
الحكم بن أيوب
ابن الحكم بن أبي عَقيل، ابن عم الحجاج بن يوسف.
ولاه الحجاج البصرة، وزوّجه أخته زينب بنت يوسف، وكان قد عوض عليها الحجاج أن يزوجها محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو يومئذ أشرف ثقفي في زمانه، والحكم شيخ كبير، فاختارت الحكم.
ثم عزل الحجاج الحكم عن البصرة بسعد العُذْرِيّ (٢).
وكان الحكم بخيلًا، ولَّى العِرْق رجلًا من بني مازن يلقب العَطَرَّق، وخرج الحكم يومًا مُتنزّهًا، فنزل بالعِرق ودعا بغدائه، فتغدّى معه العَطَرَّق، فأخذ دُرَّاجةً، فانتزع
стр. 4576
فخذها وناولها غلامًا له فعزله الحكم، وولّى على العِرْق نُوَيرة، وكان ابنَ عم العَطَرَّق، فقال نويرة: [من البسيط]
قد كان بالعِرْقِ صَيدٌ لو قَنِعتَ به … به غِنًى لك عن دُرَّاجَةِ الحكَم
وفي عَوارضَ ما تنفكُّ تأكلُها … لو كان يَشفيك لحمُ الجُزْرِ من قَرَمِ (١)
قتل الحكمَ صالح بنُ عبد الرحمن الكاتب، مع جماعة من موالي الحجاج، في العذاب على الأموال التي اخترموها بأمر سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة.
ربيعة بن عبَّاد
الدِّيلي، الحجازي. رأى رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز، وشهد اليرموك، وغزا الروم في خلافة عثمان رضوان الله عليه.
قال: رأيتُ أبا لهب بعُكاظ وهو وراء رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ يَلوذ منه، ويقول: إن هذا قد سَفَّه مآثِرَ آبائكم فاحذروه (٢).
العباس بن سهل
ابن سعد السَّاعدي الأنصاري، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة.
قُتل عثمان رضوان الله عليه والعباس ابن خمس عشرة سنة، وقد روى عنه، وكان منقطعًا بعد ذلك إلى عبد الله بن الزبير، وخرج معه، وتوفي في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة، وروى عن أبي حُمَيد السّاعدي، وكان ثقةً قليلَ الحديث (٣).
قال المدائني: لما فرغ مُسْرِف بن عُقبة المُرِّي من أهل الحَرَّة استؤمن لعباس فلم يُؤمنه، فجاء العباس ومُسرِف يأكل فقال: أيها الأمير لكأنها والله جفان أبيك؛ كان يخرج وعليه مُطْرَفٌ من خَزٍّ، فيجلس في فِنائه، فقال مُسرف: مَن أنت؟ قال: العباس،
стр. 4577
فقال: أنت آمن، فقيل للعباس بعد ذلك: أكذا كان أبوه؟ فقال: لا والله، لقد رأيته وعليه عباءة قد خلّها، وهو يجرها على الشَّوك، ما نخاف على متاعنا يَسرقه غيره (١).
عبد الله بن عمرو
ابن عثمان بن عفان، المُطْرَف.
أمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأمها صَفيَّة بنت أبي عُبيد بن مسعود الثقفي، وأمها عاتكة بنت أَسِيد بن أبي العِيص، وأمها زينب بنت أبي عمرو بن أمية (٢).
وحكى ابن عساكر أن أُمَّ المِطْرَف: رَمْلة بنت معاوية بن أبي سفيان.
وعبد الله من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، ويقال له المِطرف لجماله وحُسنه، وفيه يقول موسى شَهَوات: [من الخفيف]
ليس فيما بدا لنا منك عَيبٌ … عابه الناس غيرَ أنَّك فَانِ
أنت خيرُ المتاع لو كنتَ تبقى … غير أنْ لا بقاءَ للإنسانِ
وقال جميل لبُثينة: ما رأيتُ عبد الله بن عَمرو يَخطر بالبلاط إلا غرتُ عليك وأنت بالجَنَاب.
قال ابن عساكر: كان ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا وَفد على عبد الملك بن مروان نهى بني أمية عن كلامه، فخرج ثابت يومًا من عنده، فمرّ بعبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو جالس في نَفَرٍ من أهل الشام، فجعل ثابت يتصفح وجوهَهم، فقال له عبد الله: إلام تنظر؟ فهؤلاء قتلَةُ أبيك، فقال ثابت: لكن أبوك ما قتله إلا حَمَلَةُ القرآن.
وكان عبد الله مُمَدَّحًا؛ مدحه الفرزدق وغيره، وتوفي بمصر سنة ست وتسعين (٣).
ذكر أولاده:
فولد عبد الله: خالدًا، وعبد الله، وعائشة، تزوجها سليمان بن عبد الملك فولدت له، وأمهم أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمها أم الحسن بنت الزبير بن العوام. وأمها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضوان الله عليهما.
стр. 4578
وعبد العزيز، وأمية، وأم عبد الله؛ تزوجها الوليد بن عبد الملك فولدت له، وأم عثمان، وأمهم أم عبد العزيز بنت عبد الله بن خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص.
وعمرو، وأم سعيد؛ تزوجها يزيد بن عبد الملك فولدت له، وأمهما أم عمرو بنت أبان بن عثمان.
ومحمدًا وهو الدِّيباج، والقاسم، ورُقيَّة؛ تزوجها هشام بن عبد الملك، وأمهم فاطمة بنت الحسين بن علي، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.
ومحمدًا الأكبر وهو الحازوق لأم ولد.
وأم عبد العزيز، تزوّجها الوليد بن يزيد بن عبد الملك فولدت له، وأمها الحَلال بنت بُخَيت بن عبد الرحمن بن الأسود بن أبي البَخْتَرِيّ من بني أسد بن عبد العُزَّى (١).
وقد اتّفق لعبد الله بن عمرو ما لم يتفق لغيره، زوّج لخمسة من الخلفاء خمسًا من بناته.
ذكر أعيان أولاده:
أما خالد بن عبد الله فكان من نُبلاء قريش وأشرافها، ووفد على يزيد بن عبد الملك، فخطب إليه يزيد أُختَه، فقال له: إن عبد الله بن عمرو بن عثمان أبي قد سنَّ لبناته عشرين ألف دينار، فإن أعطيتَنيها زوَّجُتك، فقال له يزيد: ما ترانا أكفاء إلا بالمال؟ قال: بلى والله إنكم لبنو عمِّنا، قال: إني لأظنك لو خطب إليك رجل من قريش لزوجتَه بأقلّ مما ذكرتَ من المال، قال: إي لَعَمري؛ لأنها تكون عنده مالكة، وهي عندكم مملوكة مقهورة، فأمر بأن يُحمل إلى المدينة على بعير [ثم] يُنْخَس به، وكتب إلى عامله عبد الرحمن بن الضَّحَّاك بن قيس الفِهري أن وَكِّلْ بخالد كلَّ يوم مَن يحمله إلى الكتَّاب، ثم إلى شَيبة القارئ يقرأ عليه القرآن، وأظهِرْ أنه سفيه يكون مع الصبيان، فلما قرأ على شَيبة قال: أجهل من هذا مَن بعثه يقرأ عليّ، والله ما قرأ عليّ أحدٌ مثله.
стр. 4579
واختلفوا في مماته على أقوال؛ أحدها: أنه لما حُمل إلى الكتَّاب أقام أيامًا ومات كَمَدًا.
والثاني: ضربه الفِهري حتى مات.
والثالث: أنه عاش إلى أيام هشام بن عبد الملك، ووفد عليه مع أخيه محمد الملقَّب بالدِّيباج ومع عبد الله بن حسن بن حسن، فأمر هشام حاجبَه أن يبدأ بالإذن لمحمد قبل خالد، ودخل خالد فقال لهشام: يا أمير المؤمنين، أتأذن لأخي محمد قبلي وأنا أسنُّ منه؟! فقال هشام: إنما قدَّمتُه عليك لأن رسول الله ﷺ وَلَده، فقال خالد: فهذا عبد الله بن حسن بن حسن قد وَلده رسول الله ﷺ مرَّتين ولم تأذن له؟ فقال هشام لحاجبه: ابدأ بالإذن لعبد الله بن حسن، ثم لمحمد، ثم لخالد (١).
ومعنى ولده مرتين: أن عبد الله بن حسن بن حسن أمه فاطمة بنت الحسين، وأبوه حسن بن حسن بن علي. والديباج أمُّه فاطمة بنت الحسين.
وأما القاسم بن عبد الله المُطْرَف فكان شديد النَّفْس، بعث إليه هشام بن عبد الملك وهو خليفة يخطب ابنته على ابن هشام، [فأبى أن يزوجه، ومات في خلافة هشام] فزوّج ابنَه ابنةَ القاسم (٢).
أسند عبد الله المطرف عن: [عبد الله بن] عمر وابن العباس، والحسين بن علي ﵃، وأبيه عمرو بن عثمان وغيرهم.
وروى عنه أبو بكر بن محمد بن عمر بن حَزْم، وهشام بن سعد، وابنه محمد الدِّيباج في آخرين (٣).
قال يزيد بن عِياض: خرج الحسن بن الحسن بن علي وعبد الله بن عمرو بن عثمان إلى الصحراء، فأخذتهما السماء، فأويا إلى سَرْحة، فكتب الحسن بن الحسن على السَّرْحة: [من الخفيف]
стр. 4580
خَبِّرينا خُصصْتِ يا سَرْحُ بالغيـ … ــثِ بصِدقٍ والصِّدقُ فيه شِفاءُ
هل يموتُ المُحبُّ من لاعجِ الشَّو … قِ ويشفي من الحبيبِ اللقاءُ
وكتب عبد الله بن عمرو: [من الخفيف]
إن جَهْلًا سؤالك السَّرْحَ عما … ليس فيه على اللبيبِ خَفاءُ
ليس للعاشقِ المحبِّ من الحـ … ـــب سوى لذَةِ اللّقاءِ شِفاءُ (١)
عبد الرحمن بن أبي بَكْرة
من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وهو أول مولود وُلد بالبصرة، فنحروا يومئذ جَزورًا، فأطعم أهل البصرة كفاهم، وكانوا قدر ثلاث مئة، وكان ثقة له أحاديث ورواية، وأمُّه هَوْلَة بنت غَليظ من بني عِجْل، وتوفي وله عقب (٢).
وكنيته أبو بَحْر، وقيل: أبو حاتم، أدرك فتح تُسْتَر، ورأى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان قد خرج مع ابن الأشعث، ومات سنة ستّ وتسعين، وصلى عليه الجرَّاح بالرَّحبة وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
أسند عن علي، وعبد الله بن عمرو، وأبيه أبي بَكرة ﵃.
وروى عنه ابن سيرين، وعبد الملك بن عُمَير، وخالد بن مِهران وغيرهم (٣).
قُتَيبة بن مسلم
ابن عمرو بن حُصَين بن أَسيد بن زيد بن قُضاعة الباهليّ (٤)، من التابعين، وكنيته أبو صالح (٥).
стр. 4581
وكان من أكابر أمراء بني أمية، ولّاه الحجاج خُراسان، وكان شديد الوطأة على الكفار، وعبر النَّهر مرارًا، وفتح الفتوحات: بُخارى، وسَمَرْقَند، وكاشْغَر، وبلاد التُّرك، والهند، والسِّند، وفَرْغانة، والشاش، ووصل إلى الصين، ولم يفتح أحد من الأمراء ما فتح، ولم يبلغ ما بلغ.
وكان جوادًا، مُمَدَّحًا، شجاعًا، مِقدامًا، مُدَبِّرًا للأمور، عارفًا بالحرب والسياسة، صاحب همَّة وعَزيمة، وفيه يقول الشاعر: [من المتقارب]
إذا ما قُريشٌ خلا مُلكُها … فإن الخلافةَ في باهِلَهْ
لرَبِّ الحَرونِ أبي صالحٍ … وناهيك بالسُّنَّةِ العَادِلَهْ (١)
وأقام واليًا على المشرق ثلاث عشرة سنة، وكان قد اتّفق هو وأصحابه والحجاج على خلع سليمان، فلما مات الحجاج سُقط في يده، فلما مات الوليد خاف أن يَعزله سليمان ويولِّي يزيد بن المهلَّب خُراسان، فألجأه ذلك إلى العِصيان، وكان قد استوحش منه.
ذكر مقتله:
لما أتاه الخبر بموت الوليد وقيام سليمان أشفق لما كان يسعى فيه من بيعة عبد العزيز، فكتب إلى سليمان ثلاثة كتب؛ كتابًا يهنئه فيه بالخلافة، ويُعزّيه في الوليد، ويُعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك وللوليد، وأنه له مثل ما كان لهما إن لم يَعزله عن خراسان.
وفي الكتاب الثاني يُخبره فيه بفتوحه ونِكايته، وعِظَم قدره عند ملوك العجم، وهيبته في صدورهم، ويَذُمُّ فيه آل المهلَّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليَخْلَعَنّه.
وفي الكتاب الثالث خَلْعه.
стр. 4582
وبعث بالكتب مع رجل من باهِلة، وقال له: ادفع إليه هذا الكتاب، فإن كان يزيد بن المُهلَّب حاضرًا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه الكتاب الثاني، فإن قرأه ثم ألقاه إلى يزيد فادفع إليه الثالث. وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين الآخرين.
فقدم رسول قُتيبة على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب فقرأه، ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الثاني فقرأه، ثم ألقى به إلى يزيد، ثم أعطاه الثالث فقرأه، فتمعَّر لونُه، ثم دعا بطِين، ثم ختمه بيده، ثم أمسكه، وأمر بإنزال الباهليّ، وأحسن نُزُلَه.
فلما كان في الليل دعاه سليمان، وأعطاه صُرَّة فيها دنانير وقال: هذه جائزتُك، وهذا عَهْدُ صاحبك على خُراسان، وبعث معه رجلًا من عبد القيس وقال: هذا رسولٌ معك -واسمه صَعْصَعَة، وقيل: مصعب- فلما كانا بحُلْوان تلقَّاهما الناس بخَلْعِ قتيبةَ سُليمان، فرجع العَبديّ، ودفع العهد إلى رسول قتيبة، فقدم على قتيبة بالعهد، فاستشار إخوته فقالوا: لا يَثِق بك بعدها أبدًا.
وقال مقاتل: لما همَّ قُتيبة بخَلْع سليمان استشار إخوته، فقال له عبد الرحمن: اقطع بَعْثًا ووَجِّهْ فيه كلَّ مَن تخافُه، وسِرْ حتى تنزل سَمَرْقَند، ثم قل لمن معك: مَن أحبَّ المقام فله المواساة، ومَن أراد الانصراف فغير مُسْتَكره، فلا يُقيم معك إلا ناصح.
وقال له عبد الله: اخلعه مكانَك، وادْعُ الناس إلى خلْعه، فليس يختلف عليك اثنان، فأخذ برأي عبد الله فخلع سليمان، وأمر الناس بخلعه، ثم خطب فقال:
أيها الناس، إني قد جمعتكم من عَين التَّمْر وفَيض البحر، فضَمَمتُ الولد إلى أبيه، والأخ إلى أخيه، وقسمتُ بينكم فَيئكم، وأجريتُ عليكم أعطياتكم غير مُكَدَّرة ولا مُؤَخَّرة، وقد جَرَّبتم الولاة قبلي، وَلِيكم أمية بن عبد الله، فكتب إلى عبد الملك: إن خراج خُراسان لا يُقيم بمطابخي (١)، ثم جاءكم أبو سعيد، فدوَّخ بكم البلادَ ثلاث سنين، لا تدرون في طاعة أنتم أم في معصية، ولم يَجْبِ فَيئًا، ولم يَنْكَأ عدوًا، ثم جاءكم بنوه بعده: يزيد وإخوته، ففعلوا ما فعلوا، وقد رأيتُ أن أخلع خليفتكم يزيد بن ثَرْوان هَبَنَّقة القَيسيّ. فلم يُجِبْه أحد.
стр. 4583
وهَبَنَّقَة لَقبُ رجل يقال له: ذو الوَدَعات، واسمه: يزيد بن ثَرْوان، أحد بني قيس بن ثَعلبة، وكان يُضرب به المثل في الحُمْق، قال الشاعر: [من الخفيف]
عِشْ بجدٍّ وكن هَبَنَّقَةَ القيسيَّ … أو مثلَ شيبةَ بنِ الوليدِ
وكان هَبَنَّقَة يخصُّ سِمانَ الإبل بالمَرْعى، ويدع المهازيل تموت جوعًا، ويقول: أنا لا أُصلح ما أفسده الله، ولا أُفسد ما أصلح، فنسب إلى الحُمق (١)، وكان سليمان يُعطي أهلَ الشرف واليسار، ولا يصطنع خاملًا، ولا يرفع خسيسةً فنُسب إلى هَبَنَّقَةَ.
ولما خلع قتيبةُ سليمان ولم يجبه أحد غضب وقال: لا أعزَّ الله مَن نصرتُم، والله لو اجتمعتم على عَنْز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافلة، ولا أقول: يا أهل العالية، يا أوباش الصَّدقة، جمعتكم كما تُجمع إبل الصدقة من كلِّ أَوْب، يا معاشر بكر بن وائل، يا أهل النَّفْخ والكذب والبُخل، بأيّ يومَيكم تفخرون، بيوم حربكم، أم بيوم سِلمكم؟ فوالله لأنا أعز منكم يا أصحاب مُسَيْلمة، يا بني ذَميم، ولا أقول: يا بني تميم، يا أهل الخَوَر والقَصف والغَدْر، كنتم تُسمُّون الغَدْر في الجاهلية كَيسان، يا معاشر عبد القيس القُساة، تَبدَّلتُم بأَبْر النَّخل أعنَّةَ الخيل، يا معاشر الأزْد، تبدَّلتُم بقُلوس السُّفُن أعنَّةَ الخيل، يا معاشر الأعراب وما الأعراب! لعن الله الأعراب، يا كُناسةَ المِصْرَين، جمعتُكم من منابت الشِّيح والقَيصوم والقِلْقِل، تركبون البقر والحمير في جزيرة ابن كاوان، حتى إذا جمعتُكم قلتم كَيتَ وكيت، أما والله لأَعْصِبَنكَم عَصْبَ السَّلَمَة.
يا أهل خراسان، هل تدرون مَن وَليُّكم؟! وليُّكم أبو نافع هَبَنَّقَة، وكأني به قد بعث إليكم مَن يغلبكم على فَيئكم وفتوحكم، وقد فتح الله لكم البلاد، وذَلّل لكم العباد، وآمن سُبُلَكم، فالظَّعِينة تخرج من بَلْخ إلى مَرْو بغير جواز، فاحمدوا الله على النعمة، وسَلوه الشُّكرَ والمزيد … وذكر كلامًا طويلًا.
ونزل وقد أَوْغَر الصُّدور، وأفسد النيّات، فاجتمع أهلُ بيته إليه وقالوا: ما رأينا كاليوم قط، ما اقتصرتَ على أهل العالية وهم شِعارك ودِثارُك، حتى تناولتَ بَكْرًا وهم
стр. 4584
أنصارك، ثم لم ترضَ حتى تناولتَ تَميمًا وهم إخوتُك، ثم لم ترض حتى تناولتَ الأَزْد وهم يدك، فقال: لما تكلمتُ ولم يُجبني أحد غضبتُ فلم أدْرِ ما أقول، إن أهل العالية كإبلِ الصَّدَقة قد جُمعت من كلّ أَوْب، وأما بَكْر فإنها لا تَمنَعُ يدَ لامِس، وأما تميم فجملٌ أجْرَب، وأما الأَزْد فأعلاج، شِرارُ خلقِ الله، لو مَلَكتُ أمرَهم لوَسَمْتُهم، وأما عبد القَيس فكما يضرب البعير بذَنَبه.
فغضب الناس، وكرهوا خَلْعَ سليمان، وغضبت القبائل من شَتْمِ قتيبة لهم، فأجمعوا على خلافِه وخَلْعِه، فكان أول من سعى في ذلك الأزد، فأتوا حُضَين بن المنذر وقالوا: إن هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خَلْع الخليفة، وفيه من فساد الدين ما قد علمت والدنيا، ثم لم يَقْنَع بذلك حتى شَتَمنا وقال ما قال، فما ترى يا أبا حفص؟ -وقيل: يا أبا ساسان- فقال: إن جعلتم هذه الرِّياسة في بني تميم تَمَّ أمرُكم؛ فإن تميمًا فَرسان خراسان، ولا يَرضَون أن يصير الأمر في غير مُضَر، فإن أخرجتموهم من الأمر أعانوا قتيبة، قالوا: فإنه قد وَتَر بني تميم بقتله ابنَ الأَهْتَم! فقال: لا تنظروا إلى هذا فإنهم يتعصَّبون للمُضَرِيّة، قالوا: نحق نُولِّيك الأمر، قال: لا ناقةَ لي في هذا ولا جمل، قالوا: فأَشِرْ علينا، فقال: ما أرى له أحدًا غَير وكيع بن [أبي] سُوْد الحَنْظَليّ؛ فإنه مِقدام لا يُبالي بما يفعل، ولا ينظر في عاقبة، وله عشيرة، وقد وَتَره قتيبة بصَرْفِه عن رياسته التي صرفها عنه وصيَّرها في غيره (١).
فاتفقوا مع وكيع على قتال قتيبة، وبخراسان يومئذٍ من المقاتلة من أهل البصرة ومن أهل العالية تسعة آلاف، وبكر سبعة آلاف، ورئيسهم الحُضَين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضرار بن حُصَين الضَّبِّي، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن عُلْوان، والأَزْد عشرة آلاف عليهم جَهم بن زَحْر بن قيس، ومن الموالي سبعة آلاف وعليهم حيّان مولى بني شيبان، فكانوا سبعة وأربعين ألفًا.
وأتى ضرار بن حُصَين مُقدَّم بني تميم إلى قتيبة فقال: إن الناس يختلفون إلى وكيع يبايعونه، وبلغ وكيعًا فقال لقتيبة: احذر ضرارًا فإني لا آمنه عليك، وتَمارض وكيع،
стр. 4585
فدسّ قتيبة ضرار بن سنان الضَّبِّي إلى وكيع فبايعه سرًّا، فحينئذٍ علم قتيبة صِدق ضِرار بن حُصَين فقال له: قد تيقَّنتُ صِدقَ مقالتك.
وأرسل قتيبة إلى وكيع يستدعيه، فتعلّل عليه بمرضه، فقال قتيبة لشرَيك بن الصَّامت الباهلي صاحب شُرطته: اذهب فأتني به، فإن تعلَّل فاضرب عُنقه، وسبق الخبر إلى وكيع، فنادى في الناس، وخرج وهو يقول: [من الرجز]
لَبِّث قليلًا تَلحق الكتائب
واجتمع إليه الناس، وأقبلت الرّايات والكتائب، فأحدقوا بوكيع.
واجتمع إلى قتيبة أهلُه وخواصّه وثقاتُه، وقال قتيبة لرجل من أصحابه: نادِ: أين بنو عامر؟ فناداه مِحْفَن بن جَزْء الكِلابيّ -وقد كان قتيبة جفاهم: حيث وضعتَهم، فقال قتيبة: نادِ: أُذكّركم اللهَ والرَّحِمَ، فقال محفن: أنت قطعتها، فقال: نادِ: لكم العُتبى، فقال محفن: لا أقالَنا الله إذًا، فقال قتيبة:
يا نفسُ [صَبْرًا] على ما كان من أَلَمٍ … إذْ لم أجِدْ لفُضول القومِ أَقْرانا
ثم دعا بعمامة كان يتعمَّم بها في الحروب، وبفرس يقال له: مدرب (١) كان يَعدُّه للشدائد، فقدَّموه إليه، فلم يمكنه من ركوبه، وجعل يَشمس حتى أعياه، فقال: دعوه فهذا أمر يُراد، ثم عاد إلى سريره فجلس عليه.
وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمن، وصالح، وعبد الله، وعبد الكريم بنو مُسلم فحملوا على الناس، وحمل عليهم الناس فقتلوهم، وقتلوا ابنَ قتيبة واسمه كثير، وعامّة أهل بيته، ووصلوا إليه وهو جالس على سريره عند فُسطاطه، فقاتل حتى أُثخن جِراحًا.
ثم هجموا عليه، فنزل جَهْم بنُ زَحْر بن قيس الجُعفيّ فحزَّ رأسه وقال: [من الرجز]
مَن يَنِكِ العَيرَ يَنِكْ نَيَّاكا
ونجا ضرار بن مُسلم استنقذه أخواله، وأمُّه غَرَّاء بنت ضِرار بن القعقاع بن مَعْبد بن زُرارة، وفي ذلك يقول الفرزدق من أبيات: [من الطويل]
стр. 4586
ومنَّا الذي سلَّ السيوفَ وشامَها … عَشيَّةَ بابِ القَصْرِ من فَرَغانِ
عَشيَّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّاءَ أنه … له من سِوانا إذ دعا أَبَوانِ (١)
قال أبو عبيدة: قُتل من بني مسلم أحدَ عشر رجلًا، فصلبهم وكيع، سبعة منهم لصُلْب مسلم، وأربعة من أبنائهم: قتيبة، وعبد الرحمن، وعبد الله الفَقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد بنو مسلم، وكَثير بن قتيبة، ومُغَلِّس بن عبد الرحمن، ولم ينجُ من صُلْب مسلم غير عمرو، كان عاملًا على الجُوزجان، وضرار.
ولما احتزَّ جَهْم بن زَحْر رأس قتيبة قال الحُضَين بن المنذر -وكان ابن سعد قد ساعد [ابن] زَحْر: [من الطويل]
وإن ابنَ سعدٍ وابنَ زَحْرٍ تعاورا … بسيفيهما رأسَ الهُمامِ المُتَوَّجِ
ولما قُتل يزيد بنُ المهَلَّب، وحُبِس عمالُه؛ كان فيهم جَهْم بن زَحْر، فولي عذابَه رجلٌ من باهِلة، فقيل له: هذا قاتلُ قتيبة، فبسط عليه العذاب حتى قتله.
ووقعت على قتيبة يوم قُتل جاريةٌ خُوارزميّة، فلما قُتل أُخذت، فوصلت بعد ذلك إلى يزيد بن المهلَّب، فأولدها خُلَيْدَة.
ولما قُتل قتيبة قال وكيع: مَثلي ومثل قُتيبة كما قيل: [من الرجز]
مَن يَنِكِ العَيرَ يَنِكْ نَيَّاكا
أراد قتيبة أن يقتلني فقتلتُه، أنا أبو المُطَرِّف، وصعد المنبر وأنشد: [من البسيط]
أنا ابنُ خِنْدِفَ تَنميني قبائلُها … للصالحاتِ وعمِّي قيسُ عَيلانا
ثم قال: والله لأُقتِّلَن، ثم لأصلِّبنّ، وطلب رأسَ قتيبة وخاتمه، فقيل: هو مع الأزد، فقال: والله لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب رأسي، فجاؤوه به، فبعث بالرأس مع سَليط بن عبد الكريم الحَنَفيّ ورؤوس أهله إلى سليمان بن عبد الملك، فلما وُضعت بين يدي سليمان قال: ما أردتُ هذا كلَّه، ثم سأله خُرَيم بن عمرو والقعقاع بن خُلَيد في مواراتهم فأذن في ذلك.
стр. 4587
وقال رجل من العَجَم من أهل خراسان لما قُتل قتيبة: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة؟! والله لو كان منا فمات فينا لجعلناه في تابوت، واستفتحنا به غزونا، واستسقينا به إذا قُحِطنا.
وقال الإصبهبذ لرجل: يا معاشر العرب، قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيّدا العرب؟! فقال: فأيُّهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ قال: لو كان قتيبة بأقصى جُحْرٍ بالمغرب مُكبَّلًا بالحديد، ويزيد معنا والٍ علينا؛ لكان قتيبة أعظم هيبةً في صدورنا من يزيد.
وقال الفرزدق من أبيات: [من الطويل]
أتاني ورَحْلي بالمدينة وَقعَةٌ … لآل تميمٍ أقعدتْ كلَّ قائم
وقال الطِّرِمَّاح في هذه الوقعة: [من الكامل]
لولا فوارسُ مَذْحِجَ ابنةَ مَذْحِجٍ … والأزْدِ زُعزعَ واستُبيحَ العَسْكَرُ
وتقطَّعتْ بهم البلادُ ولم يَؤُب … منهم إلى أهلِ العراق مُخَبِّرُ
واستَطْلَقَتْ عُقَدُ الجماعةِ وازدُري … أمرُ الخليفة واستُحِلَّ المنكَرُ
قومٌ هم قتلوا قتيبةَ عَنْوةً … والخيلُ جانحةٌ عليها العِثْيَرُ
بالمَرْجِ مرجِ الصّين حيث تَبيَّنَتْ … مُضَرُ العراق مَن الأعزُّ الأكثَرُ
إذ حَالفتْ جَزَعًا ربيعةُ كلُّها … وتفرَّقَتْ مُضَرٌ ومَن يَتَمَضَّرُ
وتقدَّمتْ أزدُ العِراق ومَذْحِجٌ … للموت يَجمعها أبوها الأكبرُ
فبعِزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ … وبنا تَثَبَّتَ في دمشقَ المِنبرُ
قحطانُ تضربُ رأسَ كلِّ غَضَنْفَرٍ … بالسَّيف يَقدَمُهنَّ موت أحمرُ (١)
ذكر أولاد قُتيبة:
وهم سَلْم، وإبراهيم، وقَطَن، وكثير، والحجاج، وعبد الرحمن، ومسلم، ويوسف، وعمرو.
فأما سَلْم فولي البصرة مرتين؛ مرةً لابن هُبَيرة، ومرةً لأبي جعفر المنصور، وكان سيّدَ قومه، ومات بالرّي، وكنيته أبو قتيبة، وكان له أولاد: سعيد، وإبراهيم، وقطن، و [عمرو] بنو سَلْم.
стр. 4588
فأما سعيد بن سلم فولي أرمينية، والموصل، والسّند، وطبرستان، والجزيرة، وله عَقِب كثير.
وأما إبراهيم بن سَلْم فولي اليمن لموسى الهادي.
وأما عمرو بن سلم فولي الرّي، وبَلْخ.
وأما قطن بن سلم فولي سَمَرْقند وغيرها من كُور خُراسان، وله بها عَقِب (١)، وأما كثير بن قتيبة فولي سِجستان، وقُتل مع أبيه.
ذكر إخوة قتيبة:
وهم عبد الرحمن، وعبد الله، وصالح، وحصين، وعبد الكريم، وضِرار، وبشار، وزياد، وحمّاد، وزُرَيق، وعمرو، ومَعْبد، وكلهم أشراف سادات أجواد، وكان سيدهم بشار حتى بَسَق عليه قتيبة، وهو صاحب نهر بشار (٢).
وقال ابن عساكر: أسند قتيبة عن أبي سعيد الخدري، والشعبي.
محمود بن لَبيد
ابن عُقبة بن رافع بن امرئ القيس الأنصاري.
من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أم مَنظور بنت محمود بن مَسلَمة، من الأوس.
وُلد محمود بن لبيد في زمن رسول الله ﷺ ، وأبوه من الصحابة، وفي أبيه جاءت رُخصة الإطعام لمن لا يَقدر على الصيام.
стр. 4589
وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وقد سمع محمود من عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان ثقةً قليلَ الحديث، وكان له عقب فانقرضوا (١).
[وفيها توفي
يزيد بن مَرْثَد الهَمْداني
قال ابن عساكر: أراد الوليد أن يوليه القضاء، فلبس فَروة مقلوبة، وأخذ بيده رغيفًا وقطعة لحم، وخرج حافيًا وعلى رأسه قلنسوة طويلة، وجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فبلغ الوليد، فظن أنه قد اختلط فتركه، وإنما فعل ذلك ليتخلَّص منه.
ويزيد بن مرثد من صنعاء دمشق، وصنعاء الشام كانت على الشَّرف القِبلي من دمشق، ومكانها اليوم مسجد خاتون، وقد دَرَست.
وقال ابن عساكر: كان يزيد بن مَرثد من الصالحين البكائين، قال له رجل: ما يُبكيك يا بن مَرثد؟ قال: ما سؤالك عن هذا؟ قال: لعل الله أن ينفعني به، فقال: والله لو تواعدني أن يحبسني في حمَّام إن أنا عصيتُه لقد كان ينبغي أن لا تجف لي دمعة، فكيف وقد تواعدني أن يحبسني في نار جهنم! قال: فأنت في خلواتك كذا؟ فقال: والله إني لأكون في خلوتي مع أهلي، فأريد أن أصيب منها، فأذكر حالي فأمتنع من ذلك، ويغلبني البكاء، وكذا عند الطعام، فتقول امرأتي: ماذا بُليت به معك من بين نساء المسلمين؟! وتبكي ويبكون صبياننا ولا يدرون ما بنا، رحمه الله تعالى (٢).]
الوليد بن عبد الملك
ابن مروان، وكنيته أبو العباس، من الطبقة الثالثة من أهل الشام، رأى سَهْل بن سعد السَّاعِديّ، وابنَ المسيب، وابن سيرين.
وكان عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى المساجد والجوامع، وجامع دمشق، ومسجد المدينة، وهو أول من اتّخذ دار الضيافة للقادمين، وبنى المارستانات
стр. 4590
للمرضى، وساق المياه إلى مكة والمدينة، وبنى الأعلام في المفاوز، وغزا أرض الروم سنة سبع وثمانين وسبع وسبعين، ووضع المنابر في الأمصار، وفرض للجَذْمَى والأضِرَّاء، وأعطى كل ضرير قائدًا، ومنع الفقراء أن يسألوا الناس، وكانت في أيامه فتوحات عظيمة: فتح قتيبة بن مسلم من مرو إلى مَطْلع عين الشمس، ومحمد بن القاسم بلاد الهند، وجاوز طليطلة (١)، وإذل الكفار.
والوليد أول من كتب في الطَّوامير، وعظَّم الكتب، وقد كان رسول الله ﷺ والخلفاء بعده يكتبون: من فلان بن فلان، إلى فلان بن فلان، سلام عليك، أما بعد، وكذا فعل بنو أمية، فلما قدم الوليد غيّر ذلك، وأمر أن يُفَخَّم ويُعظَّم في كتبه.
ولما مات الوليد أقام سليمان على ذلك، فلما قام عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه غيّر ذلك، وفعل كما كان يفعل رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ردَّها إلى ما كانت عليه في أيام الوليد بن عبد الملك، حتى قام يزيد الناقص يغير الحال إلى ما سنّه الوليد بن عبد الملك وإلى هلم جرّا.
وقال الواقدي: حج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين في خلافته، ونزل بدار مروان، فأحسن إلى أهل المدينة ووصلهم، وسأل عمن بقي من الصحابة فقيل: سهل بن سعد، فأرسل إليه، فلما دخل عليه رحَّب به وأكرمه وأعطاه مئة دينار (٢).
وقال هشام بن محمد: كان الوليد صاحب بناء واتّخاذ للمصانع، وأجرى المياه، فكان الناس يلتقون في زمانه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا بنيت؟ ماذا جدَّدت؟ فولي سليمان فكان صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والطعام، فلما قام عمر بن عبد العزيز كان صاحب نُسُك وعبادة، فكانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة، وكم تحفظ من القرآن، ومتى ختمتَ، وما تصوم من كل شهر، ومتى تختم القرآن؟ ونحو ذلك (٣).