ومنَّا الذي سلَّ السيوفَ وشامَها … عَشيَّةَ بابِ القَصْرِ من فَرَغانِ
عَشيَّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّاءَ أنه … له من سِوانا إذ دعا أَبَوانِ (١)
قال أبو عبيدة: قُتل من بني مسلم أحدَ عشر رجلًا، فصلبهم وكيع، سبعة منهم لصُلْب مسلم، وأربعة من أبنائهم: قتيبة، وعبد الرحمن، وعبد الله الفَقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد بنو مسلم، وكَثير بن قتيبة، ومُغَلِّس بن عبد الرحمن، ولم ينجُ من صُلْب مسلم غير عمرو، كان عاملًا على الجُوزجان، وضرار.
ولما احتزَّ جَهْم بن زَحْر رأس قتيبة قال الحُضَين بن المنذر -وكان ابن سعد قد ساعد [ابن] زَحْر: [من الطويل]
وإن ابنَ سعدٍ وابنَ زَحْرٍ تعاورا … بسيفيهما رأسَ الهُمامِ المُتَوَّجِ
ولما قُتل يزيد بنُ المهَلَّب، وحُبِس عمالُه؛ كان فيهم جَهْم بن زَحْر، فولي عذابَه رجلٌ من باهِلة، فقيل له: هذا قاتلُ قتيبة، فبسط عليه العذاب حتى قتله.
ووقعت على قتيبة يوم قُتل جاريةٌ خُوارزميّة، فلما قُتل أُخذت، فوصلت بعد ذلك إلى يزيد بن المهلَّب، فأولدها خُلَيْدَة.
ولما قُتل قتيبة قال وكيع: مَثلي ومثل قُتيبة كما قيل: [من الرجز]
مَن يَنِكِ العَيرَ يَنِكْ نَيَّاكا
أراد قتيبة أن يقتلني فقتلتُه، أنا أبو المُطَرِّف، وصعد المنبر وأنشد: [من البسيط]
أنا ابنُ خِنْدِفَ تَنميني قبائلُها … للصالحاتِ وعمِّي قيسُ عَيلانا
ثم قال: والله لأُقتِّلَن، ثم لأصلِّبنّ، وطلب رأسَ قتيبة وخاتمه، فقيل: هو مع الأزد، فقال: والله لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب رأسي، فجاؤوه به، فبعث بالرأس مع سَليط بن عبد الكريم الحَنَفيّ ورؤوس أهله إلى سليمان بن عبد الملك، فلما وُضعت بين يدي سليمان قال: ما أردتُ هذا كلَّه، ثم سأله خُرَيم بن عمرو والقعقاع بن خُلَيد في مواراتهم فأذن في ذلك.
стр. 4587
وقال رجل من العَجَم من أهل خراسان لما قُتل قتيبة: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة؟! والله لو كان منا فمات فينا لجعلناه في تابوت، واستفتحنا به غزونا، واستسقينا به إذا قُحِطنا.
وقال الإصبهبذ لرجل: يا معاشر العرب، قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيّدا العرب؟! فقال: فأيُّهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ قال: لو كان قتيبة بأقصى جُحْرٍ بالمغرب مُكبَّلًا بالحديد، ويزيد معنا والٍ علينا؛ لكان قتيبة أعظم هيبةً في صدورنا من يزيد.
وقال الفرزدق من أبيات: [من الطويل]
أتاني ورَحْلي بالمدينة وَقعَةٌ … لآل تميمٍ أقعدتْ كلَّ قائم
وقال الطِّرِمَّاح في هذه الوقعة: [من الكامل]
لولا فوارسُ مَذْحِجَ ابنةَ مَذْحِجٍ … والأزْدِ زُعزعَ واستُبيحَ العَسْكَرُ
وتقطَّعتْ بهم البلادُ ولم يَؤُب … منهم إلى أهلِ العراق مُخَبِّرُ
واستَطْلَقَتْ عُقَدُ الجماعةِ وازدُري … أمرُ الخليفة واستُحِلَّ المنكَرُ
قومٌ هم قتلوا قتيبةَ عَنْوةً … والخيلُ جانحةٌ عليها العِثْيَرُ
بالمَرْجِ مرجِ الصّين حيث تَبيَّنَتْ … مُضَرُ العراق مَن الأعزُّ الأكثَرُ
إذ حَالفتْ جَزَعًا ربيعةُ كلُّها … وتفرَّقَتْ مُضَرٌ ومَن يَتَمَضَّرُ
وتقدَّمتْ أزدُ العِراق ومَذْحِجٌ … للموت يَجمعها أبوها الأكبرُ
فبعِزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ … وبنا تَثَبَّتَ في دمشقَ المِنبرُ
قحطانُ تضربُ رأسَ كلِّ غَضَنْفَرٍ … بالسَّيف يَقدَمُهنَّ موت أحمرُ (١)
ذكر أولاد قُتيبة:
وهم سَلْم، وإبراهيم، وقَطَن، وكثير، والحجاج، وعبد الرحمن، ومسلم، ويوسف، وعمرو.
فأما سَلْم فولي البصرة مرتين؛ مرةً لابن هُبَيرة، ومرةً لأبي جعفر المنصور، وكان سيّدَ قومه، ومات بالرّي، وكنيته أبو قتيبة، وكان له أولاد: سعيد، وإبراهيم، وقطن، و [عمرو] بنو سَلْم.
стр. 4588
فأما سعيد بن سلم فولي أرمينية، والموصل، والسّند، وطبرستان، والجزيرة، وله عَقِب كثير.
وأما إبراهيم بن سَلْم فولي اليمن لموسى الهادي.
وأما عمرو بن سلم فولي الرّي، وبَلْخ.
وأما قطن بن سلم فولي سَمَرْقند وغيرها من كُور خُراسان، وله بها عَقِب (١)، وأما كثير بن قتيبة فولي سِجستان، وقُتل مع أبيه.
ذكر إخوة قتيبة:
وهم عبد الرحمن، وعبد الله، وصالح، وحصين، وعبد الكريم، وضِرار، وبشار، وزياد، وحمّاد، وزُرَيق، وعمرو، ومَعْبد، وكلهم أشراف سادات أجواد، وكان سيدهم بشار حتى بَسَق عليه قتيبة، وهو صاحب نهر بشار (٢).
وقال ابن عساكر: أسند قتيبة عن أبي سعيد الخدري، والشعبي.
محمود بن لَبيد
ابن عُقبة بن رافع بن امرئ القيس الأنصاري.
من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أم مَنظور بنت محمود بن مَسلَمة، من الأوس.
وُلد محمود بن لبيد في زمن رسول الله ﷺ ، وأبوه من الصحابة، وفي أبيه جاءت رُخصة الإطعام لمن لا يَقدر على الصيام.
стр. 4589
وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وقد سمع محمود من عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان ثقةً قليلَ الحديث، وكان له عقب فانقرضوا (١).
[وفيها توفي
يزيد بن مَرْثَد الهَمْداني
قال ابن عساكر: أراد الوليد أن يوليه القضاء، فلبس فَروة مقلوبة، وأخذ بيده رغيفًا وقطعة لحم، وخرج حافيًا وعلى رأسه قلنسوة طويلة، وجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فبلغ الوليد، فظن أنه قد اختلط فتركه، وإنما فعل ذلك ليتخلَّص منه.
ويزيد بن مرثد من صنعاء دمشق، وصنعاء الشام كانت على الشَّرف القِبلي من دمشق، ومكانها اليوم مسجد خاتون، وقد دَرَست.
وقال ابن عساكر: كان يزيد بن مَرثد من الصالحين البكائين، قال له رجل: ما يُبكيك يا بن مَرثد؟ قال: ما سؤالك عن هذا؟ قال: لعل الله أن ينفعني به، فقال: والله لو تواعدني أن يحبسني في حمَّام إن أنا عصيتُه لقد كان ينبغي أن لا تجف لي دمعة، فكيف وقد تواعدني أن يحبسني في نار جهنم! قال: فأنت في خلواتك كذا؟ فقال: والله إني لأكون في خلوتي مع أهلي، فأريد أن أصيب منها، فأذكر حالي فأمتنع من ذلك، ويغلبني البكاء، وكذا عند الطعام، فتقول امرأتي: ماذا بُليت به معك من بين نساء المسلمين؟! وتبكي ويبكون صبياننا ولا يدرون ما بنا، رحمه الله تعالى (٢).]
الوليد بن عبد الملك
ابن مروان، وكنيته أبو العباس، من الطبقة الثالثة من أهل الشام، رأى سَهْل بن سعد السَّاعِديّ، وابنَ المسيب، وابن سيرين.
وكان عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى المساجد والجوامع، وجامع دمشق، ومسجد المدينة، وهو أول من اتّخذ دار الضيافة للقادمين، وبنى المارستانات
стр. 4590
للمرضى، وساق المياه إلى مكة والمدينة، وبنى الأعلام في المفاوز، وغزا أرض الروم سنة سبع وثمانين وسبع وسبعين، ووضع المنابر في الأمصار، وفرض للجَذْمَى والأضِرَّاء، وأعطى كل ضرير قائدًا، ومنع الفقراء أن يسألوا الناس، وكانت في أيامه فتوحات عظيمة: فتح قتيبة بن مسلم من مرو إلى مَطْلع عين الشمس، ومحمد بن القاسم بلاد الهند، وجاوز طليطلة (١)، وإذل الكفار.
والوليد أول من كتب في الطَّوامير، وعظَّم الكتب، وقد كان رسول الله ﷺ والخلفاء بعده يكتبون: من فلان بن فلان، إلى فلان بن فلان، سلام عليك، أما بعد، وكذا فعل بنو أمية، فلما قدم الوليد غيّر ذلك، وأمر أن يُفَخَّم ويُعظَّم في كتبه.
ولما مات الوليد أقام سليمان على ذلك، فلما قام عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه غيّر ذلك، وفعل كما كان يفعل رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ردَّها إلى ما كانت عليه في أيام الوليد بن عبد الملك، حتى قام يزيد الناقص يغير الحال إلى ما سنّه الوليد بن عبد الملك وإلى هلم جرّا.
وقال الواقدي: حج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين في خلافته، ونزل بدار مروان، فأحسن إلى أهل المدينة ووصلهم، وسأل عمن بقي من الصحابة فقيل: سهل بن سعد، فأرسل إليه، فلما دخل عليه رحَّب به وأكرمه وأعطاه مئة دينار (٢).
وقال هشام بن محمد: كان الوليد صاحب بناء واتّخاذ للمصانع، وأجرى المياه، فكان الناس يلتقون في زمانه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا بنيت؟ ماذا جدَّدت؟ فولي سليمان فكان صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والطعام، فلما قام عمر بن عبد العزيز كان صاحب نُسُك وعبادة، فكانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة، وكم تحفظ من القرآن، ومتى ختمتَ، وما تصوم من كل شهر، ومتى تختم القرآن؟ ونحو ذلك (٣).
стр. 4591
وقال عمر بن شبَّة: جاءه رجل من بني مَخزوم، فسأله قضاءَ دَينه، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، فقال لرجل: علِّمه القرآن، فإذا علم قضينا دينَه (١). وكان يعطي على قراءة القرآن.
وقال إبراهيم بن أبي عبلة: قال لي الوليد: في كم تختم القرآن؟ قلت: في كذا وكذا، فقال: لكن أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل سبعة أيام، وفي رواية في كل ثلاثة أيام، وكان يختمه في رمضان سبع عشرة مرة، وكان عبد الملك يختمه في كل ثلاثة أيام (٢).
قال الهيثم: كان الوليد لُحَنة، وكان عبد الملك يحبه ولا يفارقه، فمنعه التأدُّب، ولم يُغربه إلى البادية، مع عادة بني أمية مع أبنائهم، فخطب يومًا وعبد الملك حاضر فلحن لحنًا فاحشًا، فقال عبد الملك: أضرَّ حُبُّنا بالوليد.
قال ابن عساكر: خطب الوليد يومًا فقرأ: ﴿يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾، فرفع التاء من ليتها وهو يومئذٍ خليفة، فقال عمر بن عبد العزيز: [يا ليتها كانت] عليك وأراحنا الله منك (٣).
وقال أبو اليقظان: خطب الوليد يومًا فقال: من أمير المؤمنين علي، وقال: أنتم تروون أن النبي ﷺ قال في حق أبي تُراب: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وإنما الحديث: أنت مني بمنزلة قارون من موسى، فلعنه كلُّ مَن حضر (٤).
وقال هشام: كان الوليد جبارًا بطاشًا، وكانت في أيامه الزّلازل هدمت عامّة الحصون والبلاد، وكان مُغرى بالمسابقة بين الخيل، فإذا سُبق يتألَّم ويَعقِر خيلَ مَن يسبقه، فسابق يومًا بين أفراس له وبين فرس لخالد بن هشام بن عبد الملك (٥)، فسبق فرس خالد، فقال الوليد: لمن هذا الفرس؟ فقال خالد: هذا فرس أمير المؤمنين أهديتُه له البارحة، فقال: وصَلَ رَحِمَك الله، قد قبلنا هديَّتَك، وأعطاه عوض الفرس ألف دينار.
стр. 4592
وقال المدائني: جلس الوليد يوم جمعة على المنبر حتى اصفرَّت الشمس، فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا يَنتظرك، وإن الربّ لا يَعذرك، فقال: صدقت، ومَن قام فقال مثل مقالتك لا ينبغي أن يقوم، مَن ها هنا من الحرس يقوم فيضرب عنقه (١)؟
وقيل له وقد فرَّ من الطاعون: إن الله يقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]، فقال: وذاك القليل يُطلب (٢).
ودخل بعض الخوارج على الوليد، فسبّه وسبَّ أباه وأهله، وكان عمر بن عبد العزيز عنده، فقال الوليد لعمر: ما ترى؟ فقال: أظنه مغلوبًا على عقله، والعفو أقرب للتقوى، فقال الوليد لعمر: أنت حَرُورِيّ، فقال عمر للوليد: أمجنون أنت؟ وكان خالد بن أبان (٣) صاحب شرطة الوليد واقفًا على رأسه، فاخترط السيف ظنًّا منه أن الوليد يأمره بقتل عمر، وقام الوليد مغضبًا فدخل على أم البنين أخت عمر، فشكاه إليها وقال: إن أخاكِ لحروري أحمق، فقالت: يا وليد، أنت والله أهل لما قلت ووالله ما أسقط عمر سقطة منذ كان غلامًا، ثم قال عمر لخالد: ويلك لو أمرك بقتلي أكنت قاتلي؟ قال: إي والله، فقال عمر: أي أحمق، ما أجرأك على الله في طاعة مخلوق، ثم إن أم البَنين نفت خالدًا إلى بلد آخر.
ذكر وفاة الوليد بن عبد الملك بن مروان (٤):
اتفقوا على أنه توفي يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وإنما اختلفوا في مدّة ولايته؛ فقال الزهري: ولي عشر سنين إلا شهرًا، وقال أبو مَعْشر: تسع سنين وسبعة أشهر، وقال الواقدي: تسع سنين وثمانية أشهر، وقال هشام بن محمد: ثمان سنين وستة أشهر.
стр. 4593
قلت: والعجب من هذا الخلاف وقد اتّفقوا على أنه ولي الخلافة يوم مات أبوه عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين، ومات يوم السبت منتصف جمادى الآخرة، فتكون ولايته تسع سنين وثمانية أشهر وأيامًا كما قال الواقدي.
واختلفوا في سنّه؛ قال الواقدي: توفي وهو ابن ستّ وأربعين سنة وأشهر، وقال هشام بن محمد: توفي وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقيل: ابن اثنتين وأربعين سنة، وقيل: جاوز الخمسين.
وكانت وفاته بدمشق بدير مُرَّان.
واختلفوا فيمن صلّى عليه؛ فقال الواقدي: عمر بن عبد العزيز، وقال هشام: ابنُه عبد العزيز بن الوليد، وكان سليمان غائبًا بالرَّمْلَة، ودُفن في مقابر الباب الصغير، وقيل: بين باب الصغير وباب الجابية، وقيل: بباب الفَراديس (١).
وقد رثاه جماعة منهم جرير فقال: [من البسيط]
يا عينُ جُودي بدَمْعٍ هاجَه الذِّكَرُ … فما لدمعِك بعد اليوم مُدَّخَرُ
إن الخليفةَ قد وارتْ شمائلَه … غَبْراءُ مُلْحَدَةٌ في جَوفِها (٢) زَوَرُ
أضحى بَنوه وقد جلَّتْ مُصيبتُهم … مثلَ النُّجوم هوى من بينها القَمَرُ
كانوا جميعًا فلم يَدفع منيَّتَه … عبدُ العزيز ولا رَوْحٌ ولا عُمَرُ
كان له من الولد: العباس، وعبد العزيز، ومروان، وعَنْبَسة، ومحمد، وعائشة، أمهم أمُّ البَنين بنت عبد العزيز بن مروان (٣)، ويزيد وهو النّاقص، وإبراهيم، وليا الخلافة، وأمهما شاهفَرِيد بنت يَزْدَجِرد (٤)، وعمر، وأمه بُنانة كندية (٥) أم ولد، وأبو
стр. 4594
عُبيدة لأم وَلَد فَزارية، وعبد الرحمن أمه أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، ويحيى وتمَّام، ومَسرور، وبِشر، ورَوْح، وجَزْء، ومنصور، ومُبَشّر، وخالد (١)، وصَدَقة، لأمهات أولاد شتّى.
ذكر أعيانهم:
فأما العباس فكنيته أبو الحارث، وكان أكبر ولده، وبه كان يُكنى، ويُسمّى فارس بني مروان، وقيل: كنيته أبو الوليد.
كان جوادًا مُمَدَّحًا، وفيه يقول جرير: [من البسيط]
إن النَّدى حالفَ العباس إن له … بيتَ المكارم يَنْمي جَدُّه صُعُدا (٢)
وتزوَّج ابنةَ قَطَري بن الفُجاءة الخارجي، فأولدها المؤمّل والحارث، وقيل: إنه لم يتزوّجها، بل أولدها على وجه السَّبْي، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ قال له: خلِّ سبيلَها وإلا رجمتك، فتركها.
[وقال ابن عساكر:] استعمله أبوه على حمص، فأقام بها حتى مات الوليد، وولّاه أبوه المغازي، فافتتح مدنًا وحصونًا كثيرة في بلاد الروم، وكانت داره بدمشق بالخضراء (٣)، ويقال: إن أمَّه كانت نصرانية.
وكان علي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد الله بن جعفر؛ إذا قَدموا على الوليد يقول للعباس: جالس عمومتك، فكان يجالسهم أحسن مجالسة، فقال علي بن عبد الله بن عباس: لو قيل لي: إن هذا الأمر لا يخرج من آل مروان، ثم قيل: اختر رجلًا، لاخترتُ العباس، فإني ما سمعتُ منه كلمة خَنا عند مجالسته قط، فقال له مولى للعباس: كيف تسمعها أنت وما سُمعت منه يومًا قط؟ وكان
стр. 4595
الوليد يُحبّه فأحسن تأديبَه، وكان في عزمه توليته الخلافة، وإنما مال إلى عبد العزيز لأجل أمه أُمّ البَنين.
وقال هشام: وفي سنة ثمان وثمانين كانت وقعة عظيمة للعباس ولمسلمة بن عبد الملك يوم الطُّوانة، قتل العباس بضعة وثمانين ألفًا من الرّوم (١)، وأسر أبناء الملوك والبَطارقة، فبلغت سُهمان المسلمين: مئة دينار، مئة دينار، وفي سنة تسعين بلغ العباس أَرْزَن من بلاد الروم وفي سنة ثلاث وتسعين افتتح طُوَيس، والمرزبانين، ودَلَسَه، وكَاشْتَه، ودمنقة، ودُرْدُور، وله وقائع عظيمة.
وكان شاعرًا، فلما أراد يزيد بن الوليد خلع الوليد بن يزيد لفساده (٢) قال من أبيات:
يا قومَنا لا تَمَلُّوا نِعمةً لكم … إن الإله لكم فيما مضى صَنعُ
إن الكبير عليكم في ولايتكم … أن تُصْبِحوا وعَمودُ الذين مُنْصَدِع
فانفوا عدوَّكم عن نَحْتِ أَثْلَتكم … واستجمِعوا إن أمر الدِّين مُجتَمِعُ
لا تُلْحِمُنَ ذئابَ الناسِ أنفسَكم … إن الذئاب إذا ما أُلْحِمَتْ رَتَعوا
مات العباس بحبس مروان بن محمد الجَعْدِيّ بَحرَّان، وأرسل الحديث عن معاذ بن جبل ﵁، وروى عنه مَكْحُول الشاميّ.
وأما عبد العزيز بن الوليد فكنيته أبو الأصبغ، وقيل: أبو مروان.
[وقال المدائني:] كان عبد العزيز سيِّد ولد الوليد، وأراد الوليد أن يُبايع له ويخلع سليمان، فمات الوليد [وقد ذكرناه].
وزوّجه الوليد أم أيوب بنت سليمان أخيه، فماتت عنده، فلما ولي سليمان تلقّاه عبد العزيز، فقال له سليمان: دفنتَ أم أيوب ثم جئتني؟ فقال عبد العزيز: مصيبتي بها أعظم.
ولم يزل طامعًا في الخلافة يُحدِّث نفسه بها حتى مات سليمان، وكان بالرَّمْلة، فجمع الجيوش، وعقد الألوية، وسار إلى دمشق، فلما وصل طبرية قيل له: إن خالك
стр. 4596
عمر بن عبد العزيز قد استخلف، فحلَّ ألويتَه، وقدم دمشق فبايع، فقال له عمر ﵁: يا عبد العزيز، أردتَ أن تَشُق عصا المسلمين، وتضرب بعضهم ببعض، لقد كنتُ أرْبَأ بك عن هذا الرأي، فقال: يا أمير المؤمنين، الحمد لله الذي استنقذني بك، والله لولا مكانُك ما ملكها أحد غيري، فقال له عمر ﵁: يا ابن أخي، لو قصتَ بها ما نازعتُك، ولقعدت في بيتي، فقال له عبد العزيز: أنت والله أحقّ بها مني ومن غيري.
وكان الوليد بن عبد الملك يقول: سيّدنا عبد العزيز، وفارسنا العباس، وفتانا بشر، وفحلُنا عمر.
وقال أبو مُسْهِر: لو وُزن عبد العزيز ببني مروان لرجحهم.
وكان مُمَدَّحًا، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
وأنت ابنُ ليلى الخيرِ خيرِ ظَعينةٍ … وليلى عَديٍّ لم تلِدْك الزَّعانِفُ (١)
وأم عبد العزيز: أم البنين، واسمها ليلى، وأمها ليلى من بني عَديّ، وأمها ليلى بنت سُهيل بن عامر بن كِلاب.
وكان الوليد قد ضَمَّه إلى أبي عُبيدة محمد بن عمار بن ياسر (٢)، وولَّى عبد العزيز دمشق، وكانت داره بها في موضع فندق الخشب الكبير، وله عقب [بمرج دمشق بمكان يقال له: الجامع] (٣).
وفي سنة ثلاث وتسعين غزا الروم حتى بلغ غزالة، وحجّ بالناس في هذه السنة (٤).
وكان أعقَلَ بني أمية، ولما ولي دمشق كان شابًّا قال الناس: إنه حَدَثٌ غِرٌّ لا عِلْمَ له بالأمور، فجاء إليه شخص فقال: عندي نصيحة، قال: ما هذه النصيحة من غير يَدٍ سبقت مني إليك؟! قال: لي جارٌ عاصٍ متخلِّفٌ عن الغزو، فقال: والله ما اتَّقيتَ ربَّك، ولا أكرمتَ أميرَك، ولا حفظتَ جِوارك، فإن شئتَ نظرنا فيما تقول، فإن كنتَ
стр. 4597
صادقًا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئتَ أقلْناك، قال: أقِلْني، فقال عبد العزيز: يا أهل دمشق، ما أعظم ما جاء به هذا الفاسق، إن السِّعاية أحسبها منه سجِيَّة، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب لكان لي في ذلك رأي، فلا يأتيني أحد منكم بسِعاية، فإن الصادق فيها فاسق، والكاذب بَهَّات.
وبلغ هذا الكلام عبد الله بن داود فقال: ما أشبه هذا الكلام بكلام عمر بن عبد العزيز! فقيل له: إنه خاله.
ومات عبد العزيز في خلافة هشام بن عبد الملك، خرج وهو مريض إلى ظاهر دمشق، إلى منزل كان ينزله، ومعه حجر بن عقيل الرِّياحي، فأنشد حجر: [من الطويل]
وما أخرجَتْنا رغبةٌ من بلادنا … ولكنَّ ما قد قَدَّر الله كائِنُ
لحَينِ نُفوسٍ لم تجدْ مُتَأخِّرًا … فلا تَبعدنْ تلك النفوسُ الحَوائنُ (١)
فمات عبد العزيز في ذلك المنزل، فقال رجل من كَلْب يرثيه (٢): [من البسيط]
أقول للرَّكْبِ إذ عاجُوا مَطِيَّهُم … هل كان من حَدَثٍ أو جاءكم خَبَرُ
قالوا نعم كلُّنا نَبكي لصاحبه … يُمسي ويُصبح ورْدًا ماله صَدَرُ
ماتَ الكريمُ أبو مروانَ خيرُ فَتًى … زَينُ العَشيرة قد حَلَّتْ به الغِيَرُ
وكان لعبد العزيز من الولد: عتيق، وعبد الملك، وأمهما من ولد أبي بكر الصديق رضوان الله عليه.
وأما محمد بن الوليد فأمه أم البنين أيضًا.
[وقال ابن عساكر:] وله آثار بدمشق منها المحمديات؛ فوق الأرزة ودير محمد عند المنيحة من إقليم بيت الآبار، وتزوج محمد هذا ابنة عمه يزيد بن عبد الملك (٣).
وأما يزيد الناقص وإبراهيم فسنذكرهما فيما بعد.
стр. 4598
وأما عمر بن الوليد فأمه بُنانة كندية أم ولد، وهو فحل بني مروان، كان يركب في ستين ولدًا من صُلبه، وكان جوادًا مُمَدَّحًا، وفيه يقول الفرزدق: [من الطويل]
إليك سَمَتْ يا ابن الوليد ركابُنَا … ورُكبانُها كانوا أجدَّ وأجْهَدا
إلى عُمرٍ أقبلْنَ معتمداته … فنعم مناخ الرَّكبِ حين تَعَمّدا
فلم تجرِ إلا كنتَ في الخير سابقًا … ولا عُدتَ إلا كنت في العودِ أحمدا (١)
ولّاه أبو الوليد الموسم والغزو، وكان على الأردن مدة ولاية أبيه، وحج بالناس سنة ثمان وثمانين (٢).
وأما أبو عُبيدة بن الوليد فكان ضعيفًا يقول الشعر، فقال له هشام بن عبد الملك: والله لئن قلتَ بيتًا لأحْلِقَنّ جُمَّتَك، وفيه يقول الشاعر: [من البسيط]
أبو عبيدة سَرَّاقُ الفَراريجِ
وكان أجملَ ولد أبيه، ولما زال مُلك بني أمية لجأ إلى أخواله من فزارة فأخذه أبو العباس فقتله (٣).
وأما يحيى بن الوليد فهو قاتل حاجب بن حُمَيضة الكلابي، وكان نديمه، جلسا يومًا يشربان، فقال له يحيى: لم جلد الوليد أباك؟ وحاجب ساكت، فردَّ عليه يحيى القول [فذكر حاجب أم يحيى بسوء، وقيل: إنه] قال: من أجل أمّك، فألقاه يحيى من السطح فمات، وكان يقال لحاجب: ملاعب الأَسِنَّة (٤).
وأما تمَّام بن الوليد فلم يُعقِب.
وأما مَسرور بن الوليد فكان ناسكًا، وتزوّج ابنة الحجاج بن يوسف.
وأما بشر بن الوليد فكان من فتيانهم.
стр. 4599
وأما رَوْح بن الوليد فكان من علمائهم.
وأما عبد الرحمن بن الوليد فكان من أجوادهم.
ذكر نساء الوليد:
قد روينا أنه كان مِطلاقًا وأنه أحصن ستين امرأة، والمشهور من نسائه:
أم البَنين بنت عبد العزيز بن مروان، ونَفِيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأمها لُبابة بنت عبد الله بن عباس، تُوفّيت عنده وهي حامل والولد يركض في بطنها، فهمَّ الوليد أن يبقر بطنها حرصًا على أن يكون له منها ولد يبقى بعده فنهي عن ذلك.
وآمنة بنت سعيد بن العاص، ثم تزوَّجها خالد بن أسيد بن أبي العِيص (١)، وأم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وهي أم ولده عبد الرحمن، وعاتكة بنت عبد الله بن مطيع.
قال المدائني: تزوج الوليد في خلافته ثلاثًا وستين امرأة، وكان يُطلِّق الواحدة والثنتين والثلاث، فلما وصلت إليه عاتكة بنت عبد الله بن مطيع هذه من المدينة ودخلت عليه قالت له: إنا قد شرطنا على الحمالين الرجعة إلى المدينة فما رأيك؟ فقال: قاتل الله ابنة المنافق فما أظرفها، وقال: أقيمي، فأقامت عنده أربعة أشهر ثم طلقها.
وقيل: إن اسمها فاطمة بنت عبد الله بن مُطيع العَدَويّ، وأمها أم حكيم بنت عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فأبوها وأمها عَدَويّان.
ومعنى قول الوليد ابنة المنافق: لأن أباها عبد الله كان من رؤوس الحَرَّة (٢)، [وقد ذكرناه.
فصل: ذكر مَن] كان في أيام الوليد من الخوارج:
زياد الأَعْسَم، وأبو بَيْهَس، واسمه: الهَيصَم بن جابر، هرب من العراق إلى المدينة، فأخذه عثمان بن حيّان المُرِّي فقطع يديه ورجليه، ونِبْراس بن مالك العَنَزي،
стр. 4600
هرب من الحجاج ثم طلب منه الأمان فأمنه، وتاب وحسنت توبته، وصار يضرب أعناق الخوارج بين يدي الحجاج.
انتهت ترجمة الوليد بن عبد الملك وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
السنة السابعة والتسعون
فيها اهتم سليمان بن عبد الملك بالغزو للروم، فبعث ابنه داود، ففتح حصن المرأة، وبعث أخاه مَسلمة بن عبد الملك ففتح حصن الوضّاح، وأغزى عمر بن هبيرة البحر.
وفيها ولّى سليمانُ يزيد بنَ المهلَّب خراسان، وكان قد ولاه العراق في السنة الماضية قبل أن يُقتل قتيبة بن مسلم، فقال قتيبة: رمانا بجبَّار العراق.
ذكر القصة:
لما ولَّى سليمان بن عبد الملك العراق ليزيد بن المهلَّب نظر يزيد في نفسه وقال: إن الحجاج قد أخرب العراق، ومتى سلكتُ طريقه ازداد خرابًا، ونَفِرت قلوب الناس مني، وهم يرجون الخير في أيامي، وإن لم أرفع الخراج إلى سليمان كما كان يرفع الحجاج لم يقبل مني، فقال يزيد لسليمان: ألا أدلُّك على رجلٍ بصيرٍ بأمر الخراج تولّيه إياه؟ قال: ومن هو؟ قال: صالح مولى بني تميم، قال: قد ولَّيناه.
وقدم صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم العراق قبل قدوم يزيد فنزل واسطًا، ثم قدم بعده يزيد بن المهلب إلى واسط، وخرج الناس لتلقِّيه، وخرج صالح بعدهم لما قرب يزيد من المدينة، وبين يدي صالح أربع مئة من أهل الشام، فلمَّا دخل البلد وصالح يسايره أشار صالح إلى دار وقال: قد أخليتُ لك هذه الدار، فنزل يزيد فيها، ومضى صالح إلى منزله، وأخذ صالح يضيّق على يزيد، فكان يكتب يزيد صِكاكًا فلا ينفذها صالح، فقال يزيد: هذا ما عملتُ بنفسي، وجاء صالح إلى يزيد فقال له: ما هذه الصِّكاك التي نفَّذتَ إلي بمئة ألف درهم؟! هذا شيء لا يقوم به بيت المال، ولا
стр. 4601
يرضى به أمير المؤمنين، فقال له يزيد: أمضها هذه المرَّة، فقال: لا أفعل (١)، فأقام يزيد بالعراق على مَضَض.
وكان عبد الملك بن المهلَّب عند سليمان بالشام، فقال له سليمان: يا عبد الملك، ما رأيك في ولاية خُراسان؟ قال: يجدني أمير المؤمنين حيث أحب، ثم أعرض سليمان عن ذلك، وكتب عبد الملك إلى العراق فخَبَّر رجالًا بأن سليمان عرض عليه ولاية خراسان، وبلغ يزيد بن المهلب وقد ضَيَّق عليه صالح، فقال لعبد الله بن الأهتم: إني قد دعوتُك لأمر، وأحبُّ أن تكفينيه، فقال: مُرْني بما شئت، فقال: قد ضَجِرتُ من العراق، وقد بلغني أن سليمان يريد أن يولّي خراسان أخي وأنا أولى، فقال له: اكتم هذا (٢).
وكتب يزيد إلى سليمان كتابًا يذكر فيه أمر العراق، ويثني على ابن الأهتم ويقول: إنه عالم بأمر العراف وخراسان، ودفع إليه ثلاثين ألفًا، فسار سبعًا وقدم على سليمان، فدفع إليه كتاب يزيد، فلما قرأه قال: إن يزيد كتب إلي يذكر علمك بالعراق وخراسان، فكيف علمك بهما؟ فقال: أنا أعلم الناس بهما؛ لأني بهما ولدتُ ونشأتُ، فقال: أشر عليَّ برجل أولّيه خراسان، فقال ابن الأهتم: أمير المؤمنين أعلم بمن يولّي، فإن رأى أن يَذكر رجالًا فأخبره بمَن يصلح منهم، فسمّى رجالًا من قريش، فقال ابن الأهتم: ليس هؤلاء من رجال خراسان، قال: فعبد الملك بن المهلَّب، قال: لا، قال: فوكيع بن أبي سُود، يعني الذي قتل قتيبة بن مسلم، فقال ابن الأهتم: وكيع رجلٌ شجاع مِقدام، إلا أنه لم يَقُد ثلاث مئة رجل قط فرأى لأحد عليه طاعة، قال: صدقت، فمن ترى لها؟ قال: رجل ليس لها سواه، قال: من هو؟ قال: لا أذكره حتى يضمَن لي أمير المؤمنين ستْر ذلك، وأن يجيرني منه، فإنه إن علم قتلني، قال: أنت آمن فمن هو؟ قال: يزيد بن المهلَّب، فقال سليمان: إن المقام بالعراق أحبّ إليه من المقام بخراسان، فقال: صدق أمير المؤمنين فتكرهه على ولاية خراسان فليس لها غيره، ويستخلف على العراق رجلًا، ويَتوجه هو إلى خراسان، فقال: أصبت.
стр. 4602
وكتب سليمان جواب كتاب يزيد، وهو يثني على ابن الأهتم وعقله وفضله.
فسار ابن الأهتم سبعًا حتى قدم على يزيد، فدفع إليه الكتاب، فقال: ويحك، أعندك خير؟ فدفع إليه العهد، فسار يزيد من يومه، وبعث بين يديه ابنه مَخْلَدًا، واستخلف يزيد على واسط الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ، واستعمل على البصرة عبد الله بن هلال الكلابيّ، وجعل مروان بن المهلب على أمواله بالبصرة وأسبابه -وكان أوثق أخوته عنده- واستعمل على الكوفة حَرْمَلة بن عُمير اللّخمي أشهرًا، ثم عزله وولاها بشير بن حَسّان.
وقال أبو عبيدة مَعْمر: لما بعث وكيع بن أبي سُود برأس قتيبة إلى سليمان وقع منه كل موقع، فجعل يزيد بن المهلَّب لعبد الله بن الأهتم مئة ألف درهم على أن يُنَفّر سليمان عن وكيع، فقال ابن الأهتم يومًا لسليمان: يا أمير المؤمنين، ليس لأحد عندي يد، ولا أوجب شكرًا مني لوكيع، قال: ولم؟ قال: لأنه أدرك ثأري، وشفى صدري من عدوي، لكن أمير المؤمنين أعظم منه عندي وأوجب حقًّا من جميع الناس، وإن النصيحة له تلزمني، قال: وما ذاك؟ قال: إن وكيعًا لم يجتمع عنده مئة عَنان قط إلا حدَّث نفسَه بغَدرة، وإنه خاملٌ في الجماعة، ظاهر في الفتنة، فقال سليمان: فليس هذا ممن يُستعان به في الأمور.
وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع سليمان، فاستعمل سليمان يزيد على العراق، وأمره إن قامت البيّنة على أن قتيبة لم يخلع تبرأ من طاعة: أن يُقيد وكيعًا به، فسار يزيد إلى خراسان، ولم يعطِ ابنَ الأهتم شيئًا.
وقال أبو مخنف: ولما سار مَخْلَد بن يزيد إلى خراسان بين يدي أبيه، قدَّم بين يديه عمرو بن عبد الله بن سنان العَتَكي، فلما قرب من مَرْو بعث إلى وكيع بن أبي سود أنِ الْقَني، فلم يلقه، وقدم مَخْلَد مرو، ولم يخرج إليه وكيع فقال: هذا الأعرابي الأحمق الجِلف الجافي، ثم أرسل فأخذه وأصحابه فبسط عليهم العذاب قبل وصول أبيه.
стр. 4603
وقدم يزيد مرو بعد مقتل قتيبة بتسعة أشهر أو عشرة أشهر، ولما نزل يزيد مرو؛ أدنى أهل الشام وقومًا من أهل خراسان، فقال نَهار بنُ تَوسِعَة (١): [من الوافر]
وما كنَّا نُؤَمِّل من أميرٍ … كما كنا نُؤمِّل من يزيد
فأخطأ ظَنُّنَا فيه وقِدْمًا … زَهِدْنا في معاشَرة الزَّهيدِ
إذا لم يُعطنا نَصَفًا أميرٌ … مَشَينا نحوه مشْيَ الأسودِ
فمهلًا يا يزيدُ أنِبْ إلينا … ودَعْنا من مُعاشَرةِ العبيدِ
نجيءُ فلا نرى إلا صُدودًا … على أنَّا نُسَلِّمُ من بعيدِ
ونرجعُ خائبينَ بلا نَوالٍ … فما بالُ التَّجَهُّمِ والصُّدودِ
ونَهار بن تَوْسِعَة من شعراء الحماسة، وهو القائل من أبيات: [من الكامل]
وفَقَدتُ إخواني الذين بعَيشِهم … قد كنتُ أُعطي مَن أشاءُ وأَمنَعُ
فلمن أقول إذا تُلِمُّ مُلِمَّةٌ … أرني برأيك أم إلى مَن أَفزعُ
فليَأتينَّ عليك يوم مرةً … يُبكى عليك مُقَنَّعًا لا تَسمعُ (٢)
ووصل يزيد عبد الله السَّلولي بمال فقال: [من الكامل]
ما زال سَيبُك يا يزيد يَجُودُني … حتى ارتَويتُ وجُودُكم لا يُنْكَرُ (٣)
أنت الربيع إذا تكون خَصاصةٌ … عاش السَّقيمُ به وراشَ المُقْتِرُ
عَمَّتْ سَحَائبُه جميعَ بلادِكم … فَرَوَوْا وأغْدَقَهم سَحابٌ مُمْطِرُ
فسَقاك ربُّك حيث كنتَ مَخِيلَةٌ … ريًّا سَحائبُها تَروحُ وتُبْكِرُ
قال الواقدي: وفيها جمع يزيد بن المهلَّب لسليمان بن عبد الملك من آل الحجاج أموالًا عظيمة، وعذَّب الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عَقيل زوج أخت الحجاج، حتى مات تحت العقوبة، وكان الحكم قد عذب آل المهلَّب واستصفى أموالهم بأمر الحجاج، فأخذ منهم ستة آلاف ألف درهم، وعذّب يزيد يوسف بن عمر، ثم هرب يوسف.
стр. 4604
وكان الحجاج قبل أن يموت قد جهَّز أمواله وأثقاله إلى الشام إلى البَلْقاء، وكان فيهم أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج، وكانت امرأة يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد بن يزيد المقتول، فأرسل يزيد بن المهلب أخاه عبد الملك، فاستولى على أموال الحجاج وأثقاله، وعَذَّب أمَّ الحجاج بأمر يزيد بن المهلَّب، وقيل: إنما عذّبها يزيد بن المهلَّب، فقال له يزيد بن عبد الملك بن مروان: أما علمتَ بأنها زوجتي وجميع ما تَطلب من المال عليّ، فلم يشفعه فيها، فقال يزيد بن عبد الملك: يا بن المهلّب، والله لئن صار إليَّ من هذا الأمر شيء لأقطعنّ منك طابقًا، فقال له ابن المهلب: لئن كان ذلك لأَرمِيَنَّك بمئة ألف عَنان.
وقيل: إن يزيد بن عبد الملك حمل إلى أخيه سليمان مئة ألف دينار عنها.
وقيل: إن التي عُذِّبت أخت أمّ الحجاج لا أم الحجاج (١).
[وفيها] حجّ بالناس سليمان بن عبد الملك، ولما صَدَر من الحج عزل طلحة بن داود الحَضْرمي عن مكة -وكانت ولايته عليها ستة أشهر- وولّى عليها عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أَسيد بن أبي العِيص بن أمية.
[قال الشعبي:] ولما كان سليمان بالمَسْعى نظر إلى كثرة الخلق فعجب، فقال لعمر بن عبد العزيز: يا أبا حَفْص، ألا ترى إلى هذا الخلق الذي لا يُحصي عددَهم إلا الله، ولا يَسع رزقَهم غيره؟ فقال له عمر: هم اليوم رَعيَّتُك، وغدًا خصماؤك، فبكى سليمان وقال: استعنتُ بالله.
وقال الزهري: أشرف سليمان من عقبة عُسفان، فأعجبه ما رأى من كثرة الناس وعسكره وأبنيته، فقال لعمر: كيف ترى ما ها هنا؟ فقال له عمر ﵁: أرى دنيا تأكل بعضها بعضًا، وأنت المسؤول عنها والمأخوذ بها، فاسترجع سليمان، وكف عما كان فيه (٢).
стр. 4605
ذكر اجتماع سليمان بأبي حازم الأعرج (١):
واسمه سَلَمة بن دينار، حدثنا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم فجاءه، فقال له: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القُدوم على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يَقْدَم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شِعري، ما حالنا، أو ما لنا عند الله؟ فقال: اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله، قال: يا أبا حازم، وأين أُصيب ذلك؟ قال: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] قال: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني من هذا، قال سليمان: إنها نصيحة تُلقيها إلي، قال أبو حازم: إن ناسًا أخذوا هذا الأمر عَنوة من غير مشورة من المسلمين، ولا اجتماع من رأيهم، فسفكوا الدّماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنها، فليت شِعري ما قالوا وما قيل لهم. فقال بعض جُلَساء سليمان: بئس ما قلتَ أيها الشيخ. فقال أبو حازم: كذبتَ، إن الله أخذ الميثاق على العلماء ليُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه، فقال سليمان: اصْحَبْنا يا أبا حازم تُصِب منّا ونُصِبْ منك، قال: أعوذ بالله من ذلك، قال: ولم؟ قال: أخاف أن أَركن إليكم شيئًا قليلًا؛ فيُذيقني ربّي ضِعْفَ الحياة وضِعفَ الممات، قال سليمان: فأشِرْ عليّ، قال: اتَّقِ الله أن يراك حيث نَهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، قال: يا أبا حازم، ادْعُ لي بخير، فقال: اللهم إن كان سليمان وليَّك فيسِّره للخير، وإن كان عدوَّك فخُذْ إلى الخير بناصيته، فقال سليمان: يا غلام، مئةَ دينار، فلما أحضرها قال: خذها يا أبا حازم، قال: لا حاجةَ لي فيها، إني أخاف أن تكون ثمنًا لما سمعتَ من كلامي.
فكأن سليمان أُعجب بأبي حازم، وكان الزهري حاضرًا فقال: إنه لَجاري منذ ثلاثين سنة، ما كلَّمتُه قط، فقال أبو حازم: إنك نسيتَ الله فنسيتني، ولو أحببتَ الله لأحببتني، قال الزهري: أتشتمني؟ فقال سليمان: بل أنت شتمتَ نفسَك، أما علمتَ
стр. 4606
أن للجار على جاره حقًّا، فقال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفِرُّ بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أراذل الناس تعلَّموا العلم، وأتوا به إلى الأمراء، فاستغنوا به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا، ولو كان علماؤنا يصونون علمَهم لم تزل الأمراء تهابهم، فقال الزهري: كأنك إياي تريد، وبي تُعرِّض، قال: هو ما تسمع (١).
قلت: كذا وقعت لنا هذه الحكاية بهذا الإسناد، ووقعت لنا بإسناد آخر عن الواقدي قال: لما حجَّ سليمان دخل المدينة وقال: هل ها هنا أحدٌ يذكِّرنا بأيام الله تعالى؟ قيل له: ها هنا أبو حازم المدني، فأرسل إليه، فلما دخل عليه سلَّم، فردَّ عليه¬ السلام، وقرَّبه وأدناه وقال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ فقال: أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تقول هذا، والله ما رأيتُك يا أمير المؤمنين قبل اليوم ولا رأيتَني، وذكر بمعنى ما تقدم.
وفيه: فقال سليمان: أيّ عباد الله أكرم؟ قال أبو حازم: أهل المروءة والتُّقى، قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، قال: فأيُّ الدعاء أسمع؟ قال: دعوة المظلوم، قال: فأيُّ الصدقة أزكى؟ قال: على البائس الفقير من غير مَنٍّ ولا أذى، قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند مَن يُخاف ويُرجى، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودعا إليها، قال: فأي الناس أحمق؟ قال: من باع آخرتَه بدنيا غيره، قال: فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: إن آباءك قهروا الناس، وذكر بمعنى ما تقدم، فقال سليمان: فكيف المَهْرب أو المأخذ؟ فقال: تأخذ المال من حِلِّه، وتصرفه في وجهه.
وفيها لما قال له خذ المئة دينار قال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ إن موسى ﵇ لما وَرد ماء مَدْين واستدعاه شعيب؛ قَدَّم له طعامًا فامتنع وقال: أخاف أن يكون أجرَ ما سقيتُ لهما، فإن كانت هذه الدنانير عِوضَ ما حدَّثتك؛ فالميتة والدم ولحم الخنزير أحلّ منها، وإن كانت من حقّي من بيت المال فإن واسَيتَ (٢) بيني
стр. 4607
وبين المسلمين قبلتُها، وإلا فلا حاجةَ لي فيها، قال سليمان: فما لَك مال؟ قال: بلى، الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس، قال: فارفع إليَّ حوائجك، قال: لي حاجة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تُنجيني من النار وتُدخلني الجنة، قال: ذاك ليس إليّ، قال: فدعني أسأل من هو إليه.
وفيه أن أبا حازم لما قال للزهري ما قال، قال سليمان: صدق والله يا زهري، لو قعدتَ في بيتك لأتيناك (١).
قلت: كان أبو حازم من أكابر العلماء والزُّهَّاد، مات بعد سنة أربعين ومئة في خلافة أبي جعفر المنصور، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى.
[قال هشام:] وفي هذه السنة حجّ طاوس اليماني، فمرض بمكة، فعاده سليمان بن عبد الملك لما حجّ فما أعاره طرفه، فلما خرج قيل لطاوس في ذلك فقال: أحببتُ أن أُعلمه أن في الناس مَن يستصغر ما هو فيه.
وقال أبو اليقظان: [بلغني أن سليمان بن عبد الملك لما حجَّ في سنة سبع وتسعين] وبينما الناس وقوف بعرفات رعدت السماء رعدًا شديدًا، وأظلمت الدنيا وتزلزلت، فخاف سليمان وغُشي عليه، فلما أفاق قال لعمر: هذه مئة ألف فتصدَّق بها، قال: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: إن قومًا جاؤوا وراءك من البلدان في مظالم لم يصلوا إليك بسببها، فجلس سليمان وردَّ المظالم.
[فصل:] وفيها توفي
طلحة بن عبد الله
ابن عَوْف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكنيته أبو محمد، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمه فاطمة بنت مُطيع بن الأسود العَدَويّ.
ولي طلحة المدينة، وكان من سَروات الناس، جوادًا، مُمَدَّحًا، ويقال له: طلحة النَّدى، وتوفي بالمدينة في سنة سبع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
стр. 4608
وسمع من عمه عبد الرحمن، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃.
وكان ثقة كثير الحديث، قال ابن سعد: كان طلحة إذا كان عنده مال فتح بابه وفرَّقه، وإذا لم يكن عنده شيء لم يأته أحد، فقال له بعض أصحابه: ما في الدنيا أشرّ من أصحابك؛ يأتونك إذا كان عندك شيء، وإذا لم يكن عندك شيء لا يأتونك، فقال: ما في الدنيا خير منهم، لو أتَونا وقتَ العُسرة أحوجونا إلى أن نتكلَّفَ لهم، فإذا أمهلونا حتى يأتينا شيء كان إحسانًا منهم إلينا.
أسند طلحة عن أنس وغيره، وروى عنه جماعة من العلماء (١).
فصل: (٢) في ذكر أعيان المغنيِّن.
وفيها توفي
عبد الله بن سُرَيج المغني
مولى بني نَوفَل بن عَبد مَناف (٣).
قال الزبير بن بكار: وأمه مولاة لآل المُطَّلب يقال لها: رقية (٤)، وقيل: هند.
وهو المشهور بالغناء، وهو أول من ضرب العود بمكة والمدينة، وقيل: أول من ضرب أبوه في أيام عثمان ﵁؛ وكان أبوه تركيًّا يضرب بالعود والقضيب.
وقال أبو الفرج: رأى عبد الله بن سُرَيج العود مع العجم الذين قدم بهم ابن الزبير لبناء الكعبة فضرب به.
وقال ابن الكلبي: كان ابن سُرَيج أحول، أعمش، قبيح المنظر جدًّا، يُلَقَّب وَجْهَ الباب، وكان به تأنيث، وكان إذا غنَّى يُسبِل القِناع على وجهه من قبيح صورته.
стр. 4609
واختلفوا في وفاته؛ فقال ابن الكلبي: مات مَجْذومًا بمكة، ودفن بمكان يقال له: دَسْم.
وقال الهيثم: عاش إلى زمان يزيد بن عبد الملك صاحب حَبابة، وناح عليها وعليه، وقال أبو اليقظان: عاش إلى أيام هشام بن عبد الملك، ومات بظاهر مكة في بستان بني عامر، وكان عمره خمسة وسبعين سنة؛ لأنه وُلد في خلافة عمر بن الخطاب، فإن صحَّت هذه الرواية فإنه ما أدرك يزيدًا ولا حَبابة لأنهما كانا بعد المئة.
وقال الهيثم: أصل الغناء من تِهامة، ومكة، والطائف، والمدينة، ووادي القُرى، ودُومة الجَندل، وذي القُرى، وذي المَجاز، ومَجَنَّة، وعكاظ وغيرهم، وذلك لأن هذه الأماكن كانت تقام بها أسواق العرب، ويحضرها العُشَّاق والمتيَّمون، فيتناشدون الأشعار فيما بينهم، فولَّد ذلك الغناء.
وكانت العرب تُسمّي العود: الكِران، والمِزْهَر، والبَرْبَط.
واختلف الناس في الغناء، فأجازه أهل الحجاز، وتهامة، ومكة، والمدينة، ومنع منه بعض العراقيين.
فمَن مَنع منه تعلَّق بقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦]، قال مجاهد: هو الغناء، وهو اللعب واللهو (١)، واللعب حرام، ألا ترى أنه لو اشترى جارية مُغَنِّية بأربعة آلاف درهم فنسيت الغناء عند المشتري عادت إلى قيمتها ساذجة (٢).
وأما مَن أجازه فاحتجَّ بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال لعائشة: "أهديتم الفتاة إلى أهلها - بعلها؟ " قالت: نعم، قال. "وبعثتم معها نَعِيرَ اللَّهو ومَن يغنّي؟ "، قالت: لا، قال: "أما علمتِ أن الأنصار يُعجبهم اللهو، هلا بعثتُم معها مَن يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيُّونا نُحَيِّيكم
стр. 4610
فلولا الحَبَّةُ السَّمراء … لم نَحْلُلْ بِواديكم (١)
وبما روى أنس: أَن النبي ﷺ مرَّ بجارية في ظلِّ قصرٍ وهي تقول:
هل عليَّ ويحكم .. إن لهوتُ من حَرَج
فقال رسول الله ﷺ : "لا حَرَج إن شاء الله" (٢).
قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ نزلت في قوم كانوا يشترون الكتب من الأسمار والأحاديث وأخبار الأوائل القديمة، فيُضاهُون به القرآن، ويقولون: هي أقدم وأفضل، فنُهوا عن ذلك (٣).
وقد ذكرنا حديث ابن عمر والشبابة والراعي، وفيه كلام طويل.
وروى إبراهيم بن مُنذر الحِزامي قال: قدم ابنُ جامِع مكة بمال كثير، ففرَّقه في الضعفاء، فسأل عنه سفيان الثوري أو ابن عُيَيْنة، فقيل له: إنه يغني الملوك فيعطونه المال الكثير، فقال: كيف تَغَنَّى؟ فقال له بعض تلامذته: إنه يقول: [من المتقارب]
أطوِّف بالبيت معْ مَن يطوف … وأرفع [من] مِئزَري المُسْبَلِ
فقال سفيان: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! ثم قال: وماذا؟ فقال:
وأسجدُ بالليل حتى الصَّباحِ … وأتلو من المُحْكَمِ المُنْزَلِ
فقال: أَحسن الله إليه، ثم ماذا؟ فقال:
عسى فارجُ الهمِّ عن يُوسفٍ … يُسخّر لي ربَّةَ المَحمِلِ
стр. 4611
فقال: أمسك، فقد أفسد أخيرًا ما أصلح أوّلًا.
وقال الهيثم: أصلُ الغناء من أربعة: ابن سُرَيج، ومَعْبَد، والغَرِيض، وابنُ مُحرِز.
ومَعْبَد مات في سنة خمس وعشرين ومئة.
وقال إسحاق الموصلي: أول مَن غنّى في الإسلام الغناء الرقيق: طُوَيس، ودلال، ونَوْمة الضُّحى، وأول شعر غُني في الإسلام: [من مجزوء الرمل]
قد براني الشَّوقُ حتى … كِدتُ من وَجدي أذوبُ
قال: وقد غنَّى طُوَيْس في أيام عثمان بن عفان ﵁ (١).
وقال أبو الحارث: اختلف الناس في الغناء بمكة عند محمد بن إبراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جُرَيج وعمرو بن عُبيد فسألهما، فقال ابن جُريج: لا بأس به، شهدتُ عطاءَ بن أبي رباح في خِتان ولده وعنده ابن سُرَيج يُغني، وكان إذا لحن ردَّ عليه عطاء، وإذا غنى لا يقول له: اسكت، وإذا سكت لا يقول له: غَنِّ، فقال عمرو بن عبيد: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] فمَن يكتب الغناء الملك الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جُريج: لا يكتبه أحد منهما؛ لأنه بمنزلة اللغو وحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشدِ أشعارِهم.
وقال الأصمعي: سأل الرشيد إبراهيم بن سعد الزهري هذا المذكور فقال: بلغني أن مالكًا يُحرِّم الغناء، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل يجوز لمالك أن يُحلِّل ويحَرِّم؟ والله ما ذاك إلا لابن عمِّك محمد ﷺ كان يفعله بوحي من الله (٢)، فمن جعل ذلك إلى مالك؟ والله لقد سمعت مالكًا (٣) في عرس ابن حَنْظلة يتغنَّى أو يتمثّل: [من مجزوء الوافر]
سُلَيمى أزْمَعَتْ بَينا … فأين تَظنُّها أينا
وقال العُتبيّ: دخل عبد الله بن عمر يومًا على عبد الله بن جعفر، وبين يديه جارية في حجرها عود، فقال ابن عمر: هذا ميزان؟ قال ابن جعفر: هذا ميزان روميّ
стр. 4612
والجارية لك، قال: وما معنى روميّ؟ قال: يوزن به الكلام (١)، وقال لها عبد الله: غني، فقالت: [من الوافر]
أيا شوقًا إلى البلدِ الأمينِ … وحيٍّ بين زمزمَ والحَجونِ
ثم قال ابن جعفر لابن عمر: هل ترى بهذا بأسًا؟ قال: لا.
وقال الأصمعي: سمع ابن عمر يومًا [ابنَ] مُحرِز يُغنّي ويقول: [من الكامل]
لو بُدِّلَتْ أعلا منازِلِها … سُفلًا فأصبح سفلُها يَعلُو
لعَرفْتُ مغناها بما اشتملَتْ … منّي الضُّلوعُ لأهلِها قَبْلُ
فقال له ابن عمر: قل: إن شاء الله.
وقال الهيثم: مرَّ عبد الله بن جعفر ببعض أزِقَّة المدينة، فسمع غناء من دار، فأصغى إليه فسمع: [من الكامل]
قُلْ للكرامِ ببابنا يَلِجوا … ما في الغرامِ على الفتى حَرَجُ
فنزل عن دابَّته، ودخل الدار بغير إذن، وإذا بجماعة من الأشراف، فقاموا إليه وقبَّلوا قدميه وقالوا: أنت مولانا وابنُ عمّ نبينا، وقال له صاحب المنزل: قد قلَّدْتَني مِنَّةً بدخولك إليّ بغير إذن، وما أجد لك مكافأة، فقال: بل أنتم أذِنْتم بقول مغنّيكم: قل للكرام ببابنا يَلجوا، فقال: أنا عبدك، والدار وما فيها لك، فدعا عبد الله بثياب ودنانير وطيب وجارية، فوهب ذلك لصاحب المنزل (٢).
ومن أعيان المغنّين:
قال الأصمعي: منهم عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدِّيق، ويقال له: ابن أبي عَتيق، وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وكانت عائشة ﵂ تُحبُّه وتُعجَب به.
стр. 4613
ومنهم آخر يقال له: ابن عائشة، وقال ابن الكلبي: كان ابن عائشة من أحسن الناس خَلْقًا وغناءً، وأضيقهم خُلُقًا؟ إذا قيل له: غنِّ يقول: ألمثلي يقال هذا؟ عليَّ عِتقُ رَقَبة إن غنَّيتُ يومي هذا كلّه، وإذا قيل: أحسنتَ يقول: ألمثلي يقال هذا؟ عليّ عِتقُ رَقَبة إن غنيتُ في يومي هذا.
فلما كان في بعض السنين سال وادي العَقيق، فلم يبق بالمدينة بِكر ولا عاتِق، ولا شابّ، ولا كَهْلٌ، ولا شيخ، إلا وخرجَ يُبصر السيل، فخرج ابنُ عائشة وهو مُعْتَجِرٌ بفضلِ ردائه، وكان الحسن بن علي بن أبي طالب قد خرج فيمن خرج، وبين يدي الحسن غِلمانه، وفيهم أسودان كالسَّارِيَتين، فقال لهما الحسن: والله لئن لم تفعلا ما أقول لكما لأفعلنّ بكما ولأصنعن، اذهبا إلى المُعْتَجِر بردائه، فخذا بضَبْعَيه، فإن فعل ما آمره به وإلا فاقذفاه في العَقيق، فلم يشعر ابن عائشة إلا وقد أخذا بضَبْعَيه والحسن خلفهما، فقال الحسن: أنا فلان، فقال: مرحبًا بك وأهلًا، ما الذي تأمر؟ فقال: أقسم بالله لئن لم تُغنِّ مئةَ صوت ليَقذفَنَّك هذان في العقيق، فصاح ووَلْول، فقال له الحسن: دع عنك هذا وخذ فيما يُخَلِّصُك، فقال: سمعًا وطاعة، أقِمْ مَن يُحصي عليَّ، وشرع في الغناء، فترك الناس العَقيق وأقبلوا عليه، فلما غنّى مئةَ صوت كبَّر الناسُ تكبيرةً واحدة ارتجَّت لها المدينة وأقطارها، ودَعَوا للحسن وقالوا: صلى الله على روحك حيًّا وميتًا، فما اجتمع لنا سرور مثل اليوم.
ولما عاد الحسن إلى المدينة أرسل إليه بدنانير وثياب وطيب كثير وقال: ما فعلتُ بك ذلك إلا لشراسة أخلاقك، فكان ابن أبي عتيق يقول: ما مرَّ بي مثل يوم العَقيق (١).
قصة ابن أبي عَتيق مع عثمان بن حيَّان المُرِّي:
حكى ابن الكلبي، عن أبيه قال: لما ولي عثمان المدينة حَرَّم الغناء، وكان ابنُ أبي عَتيق غائبًا، فقدم فنزل على سلَّامة الزَّرقاء -وكانت حاذقةً بالغناء- فأخبرته، فدخل على عثمان فصوَّب رأيَه في تحريم الغناء، ثم قال له: هل لك في امرأة أرسلتني إليك
стр. 4614
تقول: قد تُبتُ من صنعة الغناء، وأسألك أن لا تحول بيني وبين مجاورة رسول الله ﷺ -وكان قد أجَّل المغنِّين ثلاثًا- فقال: ومَن يحول بينها وبين ذلك؟ فقال: لا بأس أن يراها الأمير؟ فقال: نعم، فجاءت فجلست، وشَرعت تُحدِّثه عن مآثر آبائه، فأعجبه ذلك، فقال لها ابن أبي عتيق: أسمعي الأمير قراءتَك، فقرأت فازداد بها عجبًا، فقال: احديه فَحَدَت، فحرَّكه حُداؤها، فقال: غَنِّ فغنَّت، فطرب عثمان حتى نزل من السرير فجلس بين يديها وقال: والله لا يخرج مثلها من المدينة، فقال له: أفتأذن لها وحدها؟ فقال عثمان: قد أذِنتُ للناس كلّهم من أجلها (١).
ومنهم طُوَيْس، وقد ذكرناه في صدر الكتاب في باب الأمثال.
[وله قصة] مع أبان بن عثمان بن عفان بالمدينة (٢) لما ولّاه معاوية المدينة، قال هشام: جاءه طُوَيس وقد خضب يديه غَمْسًا، وبيده دُفّ، وعليه مُلاءةٌ صفراء، فقال: إني نذرتُ عليّ لله إن وَليتَ أن آتيك على هذه الحال، وأغنّيك صحوتًا، فقال له أبان: ليس هذا موضعه، فقال: جُعلتُ فِداك بأبي وأمي، لا بدَّ من الوفاء بنَذري، فقال: قُلْ، فحسر عن ذراعيه، ومشى بين السِّمامَطين وقال:
ما بالُ أهلِكِ يا رباب … خُزْرًا كأنهمُ غِضاب
من أبيات، قال: فصفَّق أبان بيديه، ثم قام من مجلسه فاحتضنه، وقبَّل ما بين عَينيه وقال: تلومونني في طُوَيس؟! ثم قال: أيُّما أسَنّ أنا أم أنت؟ فقال: وحياتك، لقد شهدتُ زفافَ أمك المباركة على أبيك الطيب.
وكان في المدينة السائب خاثِر المغني، وقد ذكرناه في قَتلى الحَرَّة، وأبو قَطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، وقد ذكرناه، ومنهم دَلال، ونَومة الضُّحى، ومن طُوَيس تعلّموا الغناء، والغريض قتلتْه الجن لحسن صوته، وقد ذكرناه في صدر الكتاب، وجماعة ما سمَّيتُهم.
стр. 4615
رجعنا إلى مَن توفّي في هذه السنة:
عبد الله بن عبد الله
ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبوه يعرف ببَبَّة، وكنيته أبو يحيى.
من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان من أصحاب سليمان بن عبد الملك، خرج حاجًّا معه فقتلته السَّموم بالأبواء في طريق مكة، فصلى عليه سليمان ودفنه، وكان ثقة قليلَ الحديث (١).
عبد الرحمن بن كعب
ابن مالك بن أبي كعب بن القَين الأنصاري الخَزْرَجيّ، وأمه أم ولد.
من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، توفي في خلافة سليمان.
وأخوه عبد الله بن كعب قائد أبيه، أمه عُمَيرة بنت جُبير، من بني سَلِمة.
وأخوهما عبيد الله، كنيته أبو فضالة، وأمه عُميرة أيضًا، وكان ثقة، قليل الحديث.
وأخوهم مَعْبد، أمه عُميرة أيضًا، روى عن أبي قتادة.
وكلهم من الطبقة الثانية من تابعي المدينة، ولم يُذكر تاريخ وفاة أحدٍ منهم إلا عبد الرحمن (٢).
محمد بن جُبَير
ابن مُطْعِم بن عَدِيّ بن نَوْفل بن عَبْدِ مَناف بن قصي، كنيته أبو سعيد، وأمه قتيلة بنت عمرو بن الأزرق، من بكر بن وائل (٣).
ومحمد من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، كان ثقةً قليلَ الحديث، وأخوه نافع بن جبير مات في سنة تسع وتسعين (٤).
стр. 4616
[فصل: وفيها توفي]
موسى بن نُصَير
صاحب فتوح المغرب، كنيته أبو عبد الرحمن.
[واختلفوا فيه؛] فقيل: أصله من عَين التَّمر، وقيل من (إراشة)، سُبي أبوه من جبل الجليل -بجيم- وهو جبل صيدا وبيروت، [وكان اسم أبيه نَصر، فصغّر فقيل: نُصَير]، وقيل: هو مولى لبني أمية، وقيل: لامرأة من لَخْم.
ومولده بقرية كَفَر مُثْرَى (١) من قرى الجزيرة في سنة تسع عشرة [في أيام عمر بن الخطاب ﵁].
وولّاه معاوية غزو البحر، وغزا قُبرس، وبنى بها حصونًا، واتَّخذ ميناوات، وشهد تَلَّ راهط ونيرَبَا، ثم هرب.
ولما فتح مروان مصر، وعاد إلى الشام، واستخلف ابنَه بمصر، فقصده موسى بن نصير، فاستوهبه عبد العزيز من أبيه مروان.
[وقد ذكرنا أنه غزا المغرب، وأنه قدم على الوليد بمائدة سليمان بن داود ﵇.
وذكره الحميدي في "تاريخ المغرب" وقال: كان أميرًا بإفريقية، وليها في سنة تسع وسبعين، وكانت الولاة بالمغرب من قبله (٢).
وذكره خليفة فقال:] وفي سنة خمس وتسعين قفل موسى بن نُصير من إفريقية، واستخلف ابنه عبد الله بها، وحمل الأموال في البر والبحر، وكان معه ثلاثون ألف رأس، وقدم على الوليد بن عبد الملك (٣) ومعه المائدة التي زعم أهل الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود ﵇.
стр. 4617
[وقال يعقوب بن سفيان: كان ذلك في سنة أربع وتسعين]، وقدم معه بالتاج الذي أنزل من السماء على سليمان ﵇، فدخل موسى يوم الجمعة والوليد يخطب، فبهت الوليد مما رأى، وسأله عمر بن عبد العزيز ﵁ عن أعجب ما رأى في البحر، فقال موسى: انتهينا إلى جزيرة، فرأينا فيها ستة عشر جرة خضراء مختومة بخاتم سليمان ﵇، فأمرتُ بواحدة فنُقبت، وإذا بشيطان يُنغِض رأسَه ويقول: والذي بعثك بالحق وأكرمك بالنبوة؛ لا أعود بعدها أفسد في الأرض، ثم نظر فقال: والله ما أرى سليمان ولا ملكه، ثم ساح في الأرض فذهب، فرددتُ الجرار إلى مكانها (١).
[قال خليفة:] وفي سنة تسع وثمانين أغزى موسى ابنه مروان إلى السوس الأقصى، فبلغ السبي أربعين ألفًا (٢).
وولد مروان بن موسى: عبدَ الملك بنَ مروان بن موسى بن نُصَير، ولّاه مروان بن محمد الجَعديّ مصر، وكان حسن السيرة (٣).
[ذكر وفاته:
قال الحُميدي في "تاريخ المغرب":] مات موسى بن نُصير مع سليمان في الحج سنة سبع وتسعين.
[واختلفوا في أي مكان؛ فقيل:] بالمدينة وقيل: بمرِّ الظّهران، وقيل: بوادي القرى، وصلى عليه سليمان [بن عبد الملك.
وقال أبو القاسم بن عساكر:] وكان أعرج (٤).
أسند عن تميم الدّاري، وروى عنه ابنه عبد العزيز بن موسى، واستشهد ابنه عبد العزيز هذا في حياة أبيه، وروى عنه أيضًا يزيد بن مسروق (٥) اليَحْصُبيّ.
стр. 4618
ولما مات موسى عصى ابنُه عبد الله بن موسى على سليمان بن عبد الملك.
السنة الثامنة والتسعون (١)
وفيها جهَّز سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة إلى القسطنطينية بالجيوش، وأمره أن يقيم بها حتى يفتحها أو يأتيه أمره.
[قال الواقدي بإسناده:] لما دنا مسلمة من القسطنطينية أمر كلّ فارس أن يحمل على عجز فرسه مُدَّين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، فلما وصل إليها قال: ألقُوه فألقوه فكان كالجبال، فقال: لا تأكلوا منه شيئًا، وعليكم بالغارات فكلوا منها، وصنع بيوتًا من خشب فشتى فيها وقال: ازرعوا فزرعوا ولم يصيبوا من ذلك الطعام شيئًا، فأذلّ أهل القسطنطينية.
وكان معه من وجوه الناس: عبد الله بن أبي زكريا الخُزاعيّ، ومجاهد بن جَبْر وغيرهما.
وخرج سليمان فنزل مَرج دابِق، وأقام يجهّز إلى أخيه الإقامات برًّا وبحرًا، وحصر أهل البلد فضيّق عليهم، ومات ملكهم، وكان عندهم رجل يقال له: إليون فقالوا له: إن صرفتَ عنا مسلمة ملّكناك علينا، فأرسل إلى مسلمة يقول: نعطيك عن كل رأس دينار، فأجاب مسلمة، فأرسل إليه إليون يخدعه ويقول: قد أبَوا أن يُعطوك ما قلت لك، وهذا الطعام يحربهم عليك؛ لأنهم يظنون أنك تطاولهم ولا تَصدقهم القتال ما دام الطعام عندك، فلو أحرقتَ الطعام أجابوا إلى ما تريد، فأحرق الطعام وأقام أيامًا، فغدر به إليون، وقوي العدو، وضاق على المسلمين حتى أشرفوا على التَّلَف.
وفي رواية: أن سليمان لما نزل مرج دابق عاهد الله لا يفارق المرج حتى يدخل الجيش الذي بعثه إلى القسطنطينية، وأقام مسلمة محاصرها، مستظهرًا عليهم بما عنده من الطعام، وضعف القوم، ومات ملك القسطنطينية، فجاء إليون صاحب أرمينية إلى سليمان، فضمن له أن يسلم إليه أرض الروم إذا ملك البلد، ودخل إليون البلد فملّكوه عليهم، وأقام مسلمة يجمع الطعام حتى جمع شيئًا كثيرًا، وبعث إليه إليون يقول: إنني
стр. 4619
قد اتَّفقتُ مع الروم بأن أيدينا معك واحدة، ونعطيك ما طلبت فلم يصدقوني وقالوا: نخاف على نفوسنا من السِّباء والقتل، فابعث إليهم من الطعام الذي عندك حتى يعلموا اتّفاقنا، وبعد ذلك يخرجوا من القسطنطينية بالأمان، فأذن لهم مسلمة في نقل الطعام وقد هيَّأ إليون السفن والرجال، فنقلوا ما كان في الحظائر، فلم يدعوا إلا التُّراب والتِّبن، وكانت خديعة من إليون، ثم أصبح إليون فناصبه الحرب، فأقام المسلمون في أسوأ حال من الضيق والجهد والجوع، حتى أكلوا الجلود وورَقَ الشَّجر والجِيف، وهجم الشتاء ونزل الثلج، وسليمان بدابق، فلم يقدر أن يُمدّهم، ومات سليمان فأرسل عمر بن عبد العزيز فأقفلهم، ولام الجند مَسلمة وقالوا: لو كنت امرأةً ما جرى عليك ما جرى من خديعة إليون.
وفي هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب بولاية العهد، وكان عبد الملك بن مروان قد أخذ العهد على الوليد وسليمان أن يُبايعا لأحد ابنَي عاتكة بنت يزيد بن معاوية وهما: مروان ويزيد، فمات مروان، وأمسك سليمان عن يزيد وتربّص عليه، وبايع لابنه أيوب رجاء أن يموتَ يزيد، فمات أيوب وبقي يزيد، فولي الخلافة بعد عمر، وبايع سليمان لابنه أيوب في سنة سبع وتسعين.
[وقد اختلفت الروايات في ذلك؛ فقال المدائني: سبب ولاية سليمان لابنه أيوب العهد أنه] كان جالسًا يومًا عند أبيه، فتنحَّى عنه فقال: ما لك يا بني؟ قال: خَدرت رجلي، فقال: اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: صلى الله على محمد، فقال سليمان: إن ابني هذا سيد، وإني عنه لغافل، فولّاه العهد.
وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلَّب جُرْجَان وطَبَرِسْتان وتلك النواحي، فغنم غنائم كثيرة، وقتل وسبى.
قال هشام بن محمد: إن يزيد بن المهلَّب لما قدم خراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعة، وسار إلى دِهِسْتان وجُرجان، واستخلف ابنه محمدا على خراسان، وكان أهل دِهِستان طائفة من التُّرك، فنازل دهستان ومعه مئة ألف مقاتل من أهل البصرة والكوفة والشام وخراسان، سوى الموالي والمطوِّعة، فأقام مدة يحاصرها، ويخرجون إليه فيقاتلونه، وقطع عنها المواد، وضيق عليهم.
стр. 4620
فأرسل دِهقان دِهِستان إلى يزيد يطلب منه الأمان على نفسه وأهله وماله، وأن يسلّم إليه المدينة، فأجابه ففتح له الباب، فدخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز والسبي ما لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرًا، وكتب بالفتح إلى سليمان بن عبد الملك.
وخرج حتى أتى جُرجان، فاستقبلوه بالصلح، وكانوا قبله يصالحون أمراء المسلمين على مئة ألف، ومئتي ألف، وثلاث مئة ألف على قدر الأوقات، فزادوا يزيد بن المهلب على ذلك، وهابوه وخافوا منه، فاستخلف عليهم أسد بن عبد الله من الأزد.
وسار يزيد نحو طَبَرِسْتان وبها الأصبهبذ، فأقام يتهيأ لقتاله، فأرسل الأصبهبذ إلى يزيد يسأله الصلح، فأبى إلا افتتاح البلد، فاستجاش الأصبهبذ عليه الدَّيْلَم وغيرهم، فلم ينل منه يزيد طائلًا ودام القتال، ثم رأى يزيد الصلح، فصالح الأصبهبذ على سبع مئة ألف درهم، وأربع مئة ألف نقدًا، وأربع مئة حمار موقرة زعفرانًا، وأربع مئة رجل، على رأس كل رجل بُرْنُس، على البرنس طيلسان وجام فضَّة وسَرَقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مئتي ألف درهم، ولولا ما صنع أهل جرجان لكان يزيد افتتحها عنوة.
وقال كُلَيب بن خَلَف: كان سعيد بن العاص قد افتتح جرجان صلحًا، ثم نقضوا العهد، فلم يأتِ جرجان بعد سعيد أحد، وسدُّوا الطرق فلم يسلك إليها إلا من طريق واحد، فأتاهم يزيد بن المهلب، فصالحوه على صُلح سعيد بن العاص على ثلاث مئة ألف.
وقال كُلَيب بن خَلَف: لم تكن جرجان مدينة، وإنما كانت جبالًا وشعابًا، يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد، وكان يقال لملكها: صول، فكان يخرج فيقاتل، ثم اشتدّ عليهم الحصار، فأرسل ملكُها صُول يطلب من يزيد الصُّلح فقال: لا إلا أن ينزل على حُكمي، فأبى وقال: أنا أصالحك على نفسي ومالي وخاصّتي وأهل بيتي، فصالحه ووفى له، ثم دخلها يزيد عنوة، فقتل مَن كان بها.
وكان على خزائن يزيد شَهْر بن حَوْشب، فرفِع إلى يزيد أنه أخذ خَريطة، فسأله عنها فأحضرها، فشتم يزيد مَن رفع على شهر، وقال لشهر: خذها فقال: لا حاجةَ لي فيها، فقال القطاميّ الكَلبيّ، وقيل: سِنان بن مُكَمّل النُّميريّ: [من الطويل]
стр. 4621
لقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ … فمَن يأمَنُ القُرَّاءَ بعدك يا شهرُ
أخذتَ به شيئًا طَفيفًا وبعتَه … بشيءٍ يسيرٍ إن هذا هو الغَدرُ (١)
وقال أبو محمد الثَّقَفيّ: أصاب يزيد بجرجان تاجًا فيه جوهر له قيمة، فقال يزيد لأصحابه: أترون أحدًا يَزهد في هذا التاج؟! قالوا: لا، فقال لمحمد بن واسع الأزدي: خذه فهو لك، فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: عَزَمتُ عليك، فأخذه، فقال يزيد لرجل: اخرج خلفه فانظر ما يصنع به، فلقي سائلًا فدفعه إليه، فأخذ الرجلُ السائلَ، فأتى به إلى يزيد فأخبره الخبر، فأخذ يزيد التاج، وعوّض السَّائلَ مالًا.
وفي رواية: أن سليمان بن عبد الملك لما كان يزيد بن المهلب عنده؛ كان كلما فتح قتيبة بن مسلم (٢) فتحًا يقول ليزيد: أما ترى ما يصنع الله على يدي قتيبة؟ فيقول يزيد: ليست هذه الفتوح بشيء؛ إنما الشأنُ في جرجان التي حالت بين الناس والطريق الأعظم، وأفسدت قُومس والبلاد.
وكانت جرجان قد عَصَتْ على المهلَّب وقُتيبة والأمراء الذين كانوا بخراسان، فلما ولي يزيد خراسان لم يكن له همٌّ إلا جُرجان، فلما فتح طبرستان أحاط بها بالعساكر من كل وجه، وكانوا قد نقضوا عهد يزيد، وهذه المرة الثانية، وكانوا قد قتلوا من المسلمين أربعة آلاف مع عبد الله بن المُعَمَّر، فحلف يزيد لئن ظفر بهم لا يرفع السيف عنهم حتى يطحن بطواحين من دمائهم، ويخبز من ذلك الطحين، ويأكل منه، فتحضنوا منه، وحولها غِياض وآجام، وليس يعرف لها إلا طريق واحدة، وقد عجز يزيد عنهم لأنهم أشحنوا ذلك الطريق بالرجال ووعروه.
فخرج رجل من عسكر يزيد واسمه الهيَّاج بن عبد الرحمن الأزدي، فأوغل وراء وَعِل، فأشرف به على عسكر القوم، فعاد إلى أصحابه، ودخل على يزيد فقال: تريد أن تظهر على القوم بغير قتال ولا تَعَب؟ قال: نعم، قال: أريد جَعالتي، فقال: احتكِم، فقال: أربعة آلاف، قال: هي لك وزيادة، فندب معه جماعة من الفرسان وقال: الموعد بيننا غدًا وقت الظهر.
стр. 4622
وبات يزيد يُعبِّي أصحابه، وأصبح فأضرم النيران حول العسكر وفي الغِياض، فخرجوا يقاتلون، فما شعروا إلا بكمين المسلمين وقت الظهر قد حلَّ من ورائهم -وكانوا آمنين من تلك الناحية- فركبهم المسلمون، فدخلوا الحصن وأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذَراريهم، وقتل مقاتلتهم، وصَلَبهم فرسخين على يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الأندرهز -وادي جُرجان- وقال لأهل المقتولين بالأمس: اثْأروا، فكان الرجل يقتل الأربعة والخمسة، حتى أُجري الدم في الوادي على الماء، عليه أرحاء فدارت على دمائهم، ثم خبز وأكل ليبرَّ قَسَمه.
ويقال: إنه قتل منهم أربعين ألفًا، وبنى بجرجان مدينة لم يكن لها مدينة قبل ذلك، وعاد يزيد إلى مرو، واستعمل على جرجان جَهْم بن زَحْر بن قيس الجُعفيّ.
وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد، فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًا، وصنع للمسلمين صنعا عظيمًا وذلك فتح جرجان وطبرستان، وقد أعيى ذلك سابور ذا الأكتاف، وكسرى بن قُباذ، وكسرى بن هُرمز، وأعيى الفاروق وعثمان بن عفان، ومَن بعدهما من خلفاء الله، فتحه لأمير المؤمنين كرامة من الله، وزيادة في نعمه عليه، وقد صار عندي من خُمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذي حقٍّ حقه -وهم مئة وعشرون ألفًا- من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف، وفي رواية: أربعة آلاف ألف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين، وباعث إليه بعَطِرات عليها الأموال والطّيب، أولها عنده وآخرها عندي، العَطِرات: النُّوق الكرائم.
فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قُرة مولى بني سَدوس: لا تعيِّن مالًا، وأبْهِم الأمر، وأسقط التَّعيين من الكتاب فإنك بين أمرين: إما أن يستكثره فيأمرك بحمله، وإما أن تسخو نفسه فيُسَوِّغك إياه، فتتكلف الهدايا، فلا يأتيه شيء من قِبَله إلا استقلَّه، وكأني بك وقد استغرقك ما سمَّيت، ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المال المسمَّى مخلَّدًا في دواوينهم، فإن ولي والٍ بعده أخذك به، وإن ولي مَن يتحامل عليك لم يرضَ منك
стр. 4623
بأضعافه، فاكتب إليه بالفتح، وسَلْه القدوم عليه لتُشافهه بما أحببتَ. فأبى يزيد، وأمضى الكتاب على التَّسْمِية، فكان كما قال الكاتب: البلاء مُوكَّل بالمنطق، مات سليمان قبل وصول الكتاب إليه، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ طلب من يزيد المال، وحبسه لما يذكر.
وفيها غزا داود بن سليمان بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصن المرأة مما يلي مَلَطْيَة.
وفيها عادت الزلازل أربعين يومًا، وقيل: دامت ستة أشهر، فهدمت القلاع والأماكن العالية.
وفيها استعمل سليمان بن عبد الملك عروة بن محمد بن عَطيةَ السَّعديّ على اليمن، وأقرَّه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، ويزيد بن عبد الملك بن مروان.
وكان عروة من الزهَّاد، دخل إلى اليمن ومعه مصحفه وسيفه ورمحه وهو على ناقة فقال: يا أهل اليمن، إن خرجتُ من عندكم بغير ما دخلتُ به إليكم فأنا سارق، فأقام عندهم عشرين سنة، فخرج كما دخل إليها، وأقام أميرًا إلى أيام مروان بن محمد.
وقال ابن عبد البر: كان عروة أميرًا على الجند لمروان بن محمد، وهو الذي قتل أبا حمزة الخارجي، وقيل: إنما قتله عبد الملك أخو عروة، وكان عروة من رواة الحديث، أسند عن أبيه وجده عطية بن [عروة بن] القَين، وكانت له صحبة. وروى عن عروة جماعة من أهل اليمن وغيرهم (١).
وحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أَسيد، وقيل: إنما حجَّ بهم يزيد بن عبد الملك، وهو أصح.
وكان العمال في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة الماضية.
стр. 4624
وفيها توفي
أيوب بن سليمان بن عبد الملك
وأم أيوب أم أبان بنت أبان (١) بن الحكم، وقيل: بنت خالد بن الحكم، وأمها أم عثمان (٢) بنت خالد بن عُقبة بن أبي مُعَيط.
وقد مدحه جرير فقال: [من الطويل]
وقد عرف الناسُ الخليفةَ بعده … كما عرفوا مَجرى النجومِ الطَّوالعِ
وقال أيضًا: [من البسيط]
إن الإمامَ الذي تُرجَى فَواضِلُه … بعد الإمام وليُّ العهدِ أيّوبُ
كونوا كيوسفَ لما جاء إخوتُه … واستسلموا قال ما في اليوم تَثْريبُ (٣)
وحكى الهيثم: أن رجلًا جاء يطلب ميراثًا من بعض نساء الخلفاء من سليمان، فقال سليمان: ما إخالُ النساء يرثن من العقار شيئًا، فقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: سبحان الله فأين كتاب الله؟ فقال سليمان: عليَّ بسِجِلّ عبد الملك الذي كتب في ذلك، فقال عمر ﵀: كأنك تطلب المصحف! وكان أيوب ولي العهد حاضرًا فقال: ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين، ثم لا يشعر أن يفارقه رأسه، فقال له عمر ﵁: أما إذا أفضى الأمر إليك وإلى أمثالك؛ فما يدخل على أولئك أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان لابنه: مه، لأبي حفص تقول هذا (٤)؟
стр. 4625
قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو صالح المروزي قال: سمعت حاتم بن عطارد قال: حدثني أبو الأبطال قال (١): بعثت إلى سليمان بن عبد الملك بستة أحمال مسك، فمررتُ بدار أيوب بن سليمان، فإذا بدار كلّها وما فيها بياض، ثم أُدخلتُ إلى دار فإذا كل ما فيها أصفر، ثم أُدخلت إلى دار وإذا كل ما فيها أحمر وهي حمراء، ثم أدخلت منها إلى دار خضراء وما فيها كذلك، فإذا بأيوب وجارية له على سرير ما أعرفه من الجارية، ولحقني من كان في تلك الدار فانتهبوا ما معي من المسك.
ثم خرجت، فلما صرت إلى سليمان صليت العصر في المسجد، وقلت لرجل إلى جانبي: هل شهد أمير المؤمنين الصلاة؟ فأشار إلى سليمان، فأتيته فكلّمته فقال: أنت صاحب المسك؟ قلت: نعم، قال: اكتبوا له بالموافاة، ثم مررت بعد سبعة عشر يومًا فإذا الديار بلاقع، قلت: ما هو؟ قالوا: طاعون أصابهم فماتوا كلهم.
[وروى ابن أبي الدنيا (٢) أن المسك بعثه يزيد بن المهلب من خراسان.]
وقال ابن أبي الدنيا: كان سليمان قد عهد إلى أيوب، فمرض ونزل به الموت، فدخل عليه أبوه وهو يجود بنفسه ومعه عمر بن عبد العزيز ﵁ ورجاء بن حَيوَة وسعد بن عقبة الكاتب، فلما نظر إلى وجه أيوب خَنَقته العَبْرة فقال: ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوَجْد، وليست منكم حِشمة، وإني أجد في قلبي لوعة إن لم أُسكّنها بعَبرة انصَدعت كبدي كَمدًا وأسفًا، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، الصبرُ بك أولى، فنظر إلى سعد ورجاء نَظرَ مُستغيث، فقال له رجاء: افعل ما لم تأت بالأمر المُفرط، فقد بلغني أن رسول الله ﷺ وجد على ابنه إبراهيم وقال: "تَدمع العين، ويَخشع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب".
فبكى سليمان بكاء شديدًا، ثم رقَأت عَبرتُه، وغسل وجهَه، ومات أيوب، فصلّى عليه ومشى في جنازته، ثم وقف على قبره وقال: [من الطويل]
وقوفٌ على قبرٍ مُقيمٍ بقَفرَةٍ … متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مُفارِقِ
ثم قال: عليك السّلام يا أيوب، ثم أنشد: [من السريع]