← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

لقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ … فمَن يأمَنُ القُرَّاءَ بعدك يا شهرُ أخذتَ به شيئًا طَفيفًا وبعتَه … بشيءٍ يسيرٍ إن هذا هو الغَدرُ (١) وقال أبو محمد الثَّقَفيّ: أصاب يزيد بجرجان تاجًا فيه جوهر له قيمة، فقال يزيد لأصحابه: أترون أحدًا يَزهد في هذا التاج؟! قالوا: لا، فقال لمحمد بن واسع الأزدي: خذه فهو لك، فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: عَزَمتُ عليك، فأخذه، فقال يزيد لرجل: اخرج خلفه فانظر ما يصنع به، فلقي سائلًا فدفعه إليه، فأخذ الرجلُ السائلَ، فأتى به إلى يزيد فأخبره الخبر، فأخذ يزيد التاج، وعوّض السَّائلَ مالًا. وفي رواية: أن سليمان بن عبد الملك لما كان يزيد بن المهلب عنده؛ كان كلما فتح قتيبة بن مسلم (٢) فتحًا يقول ليزيد: أما ترى ما يصنع الله على يدي قتيبة؟ فيقول يزيد: ليست هذه الفتوح بشيء؛ إنما الشأنُ في جرجان التي حالت بين الناس والطريق الأعظم، وأفسدت قُومس والبلاد. وكانت جرجان قد عَصَتْ على المهلَّب وقُتيبة والأمراء الذين كانوا بخراسان، فلما ولي يزيد خراسان لم يكن له همٌّ إلا جُرجان، فلما فتح طبرستان أحاط بها بالعساكر من كل وجه، وكانوا قد نقضوا عهد يزيد، وهذه المرة الثانية، وكانوا قد قتلوا من المسلمين أربعة آلاف مع عبد الله بن المُعَمَّر، فحلف يزيد لئن ظفر بهم لا يرفع السيف عنهم حتى يطحن بطواحين من دمائهم، ويخبز من ذلك الطحين، ويأكل منه، فتحضنوا منه، وحولها غِياض وآجام، وليس يعرف لها إلا طريق واحدة، وقد عجز يزيد عنهم لأنهم أشحنوا ذلك الطريق بالرجال ووعروه. فخرج رجل من عسكر يزيد واسمه الهيَّاج بن عبد الرحمن الأزدي، فأوغل وراء وَعِل، فأشرف به على عسكر القوم، فعاد إلى أصحابه، ودخل على يزيد فقال: تريد أن تظهر على القوم بغير قتال ولا تَعَب؟ قال: نعم، قال: أريد جَعالتي، فقال: احتكِم، فقال: أربعة آلاف، قال: هي لك وزيادة، فندب معه جماعة من الفرسان وقال: الموعد بيننا غدًا وقت الظهر.

стр. 4622

وبات يزيد يُعبِّي أصحابه، وأصبح فأضرم النيران حول العسكر وفي الغِياض، فخرجوا يقاتلون، فما شعروا إلا بكمين المسلمين وقت الظهر قد حلَّ من ورائهم -وكانوا آمنين من تلك الناحية- فركبهم المسلمون، فدخلوا الحصن وأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذَراريهم، وقتل مقاتلتهم، وصَلَبهم فرسخين على يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الأندرهز -وادي جُرجان- وقال لأهل المقتولين بالأمس: اثْأروا، فكان الرجل يقتل الأربعة والخمسة، حتى أُجري الدم في الوادي على الماء، عليه أرحاء فدارت على دمائهم، ثم خبز وأكل ليبرَّ قَسَمه. ويقال: إنه قتل منهم أربعين ألفًا، وبنى بجرجان مدينة لم يكن لها مدينة قبل ذلك، وعاد يزيد إلى مرو، واستعمل على جرجان جَهْم بن زَحْر بن قيس الجُعفيّ. وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد، فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًا، وصنع للمسلمين صنعا عظيمًا وذلك فتح جرجان وطبرستان، وقد أعيى ذلك سابور ذا الأكتاف، وكسرى بن قُباذ، وكسرى بن هُرمز، وأعيى الفاروق وعثمان بن عفان، ومَن بعدهما من خلفاء الله، فتحه لأمير المؤمنين كرامة من الله، وزيادة في نعمه عليه، وقد صار عندي من خُمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذي حقٍّ حقه -وهم مئة وعشرون ألفًا- من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف، وفي رواية: أربعة آلاف ألف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين، وباعث إليه بعَطِرات عليها الأموال والطّيب، أولها عنده وآخرها عندي، العَطِرات: النُّوق الكرائم. فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قُرة مولى بني سَدوس: لا تعيِّن مالًا، وأبْهِم الأمر، وأسقط التَّعيين من الكتاب فإنك بين أمرين: إما أن يستكثره فيأمرك بحمله، وإما أن تسخو نفسه فيُسَوِّغك إياه، فتتكلف الهدايا، فلا يأتيه شيء من قِبَله إلا استقلَّه، وكأني بك وقد استغرقك ما سمَّيت، ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المال المسمَّى مخلَّدًا في دواوينهم، فإن ولي والٍ بعده أخذك به، وإن ولي مَن يتحامل عليك لم يرضَ منك

стр. 4623

بأضعافه، فاكتب إليه بالفتح، وسَلْه القدوم عليه لتُشافهه بما أحببتَ. فأبى يزيد، وأمضى الكتاب على التَّسْمِية، فكان كما قال الكاتب: البلاء مُوكَّل بالمنطق، مات سليمان قبل وصول الكتاب إليه، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ طلب من يزيد المال، وحبسه لما يذكر. وفيها غزا داود بن سليمان بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصن المرأة مما يلي مَلَطْيَة. وفيها عادت الزلازل أربعين يومًا، وقيل: دامت ستة أشهر، فهدمت القلاع والأماكن العالية. وفيها استعمل سليمان بن عبد الملك عروة بن محمد بن عَطيةَ السَّعديّ على اليمن، وأقرَّه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، ويزيد بن عبد الملك بن مروان. وكان عروة من الزهَّاد، دخل إلى اليمن ومعه مصحفه وسيفه ورمحه وهو على ناقة فقال: يا أهل اليمن، إن خرجتُ من عندكم بغير ما دخلتُ به إليكم فأنا سارق، فأقام عندهم عشرين سنة، فخرج كما دخل إليها، وأقام أميرًا إلى أيام مروان بن محمد. وقال ابن عبد البر: كان عروة أميرًا على الجند لمروان بن محمد، وهو الذي قتل أبا حمزة الخارجي، وقيل: إنما قتله عبد الملك أخو عروة، وكان عروة من رواة الحديث، أسند عن أبيه وجده عطية بن [عروة بن] القَين، وكانت له صحبة. وروى عن عروة جماعة من أهل اليمن وغيرهم (١). وحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أَسيد، وقيل: إنما حجَّ بهم يزيد بن عبد الملك، وهو أصح. وكان العمال في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة الماضية.

стр. 4624

وفيها توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك وأم أيوب أم أبان بنت أبان (١) بن الحكم، وقيل: بنت خالد بن الحكم، وأمها أم عثمان (٢) بنت خالد بن عُقبة بن أبي مُعَيط. وقد مدحه جرير فقال: [من الطويل] وقد عرف الناسُ الخليفةَ بعده … كما عرفوا مَجرى النجومِ الطَّوالعِ وقال أيضًا: [من البسيط] إن الإمامَ الذي تُرجَى فَواضِلُه … بعد الإمام وليُّ العهدِ أيّوبُ كونوا كيوسفَ لما جاء إخوتُه … واستسلموا قال ما في اليوم تَثْريبُ (٣) وحكى الهيثم: أن رجلًا جاء يطلب ميراثًا من بعض نساء الخلفاء من سليمان، فقال سليمان: ما إخالُ النساء يرثن من العقار شيئًا، فقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: سبحان الله فأين كتاب الله؟ فقال سليمان: عليَّ بسِجِلّ عبد الملك الذي كتب في ذلك، فقال عمر ﵀: كأنك تطلب المصحف! وكان أيوب ولي العهد حاضرًا فقال: ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين، ثم لا يشعر أن يفارقه رأسه، فقال له عمر ﵁: أما إذا أفضى الأمر إليك وإلى أمثالك؛ فما يدخل على أولئك أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان لابنه: مه، لأبي حفص تقول هذا (٤)؟

стр. 4625

قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو صالح المروزي قال: سمعت حاتم بن عطارد قال: حدثني أبو الأبطال قال (١): بعثت إلى سليمان بن عبد الملك بستة أحمال مسك، فمررتُ بدار أيوب بن سليمان، فإذا بدار كلّها وما فيها بياض، ثم أُدخلتُ إلى دار فإذا كل ما فيها أصفر، ثم أُدخلت إلى دار وإذا كل ما فيها أحمر وهي حمراء، ثم أدخلت منها إلى دار خضراء وما فيها كذلك، فإذا بأيوب وجارية له على سرير ما أعرفه من الجارية، ولحقني من كان في تلك الدار فانتهبوا ما معي من المسك. ثم خرجت، فلما صرت إلى سليمان صليت العصر في المسجد، وقلت لرجل إلى جانبي: هل شهد أمير المؤمنين الصلاة؟ فأشار إلى سليمان، فأتيته فكلّمته فقال: أنت صاحب المسك؟ قلت: نعم، قال: اكتبوا له بالموافاة، ثم مررت بعد سبعة عشر يومًا فإذا الديار بلاقع، قلت: ما هو؟ قالوا: طاعون أصابهم فماتوا كلهم. [وروى ابن أبي الدنيا (٢) أن المسك بعثه يزيد بن المهلب من خراسان.] وقال ابن أبي الدنيا: كان سليمان قد عهد إلى أيوب، فمرض ونزل به الموت، فدخل عليه أبوه وهو يجود بنفسه ومعه عمر بن عبد العزيز ﵁ ورجاء بن حَيوَة وسعد بن عقبة الكاتب، فلما نظر إلى وجه أيوب خَنَقته العَبْرة فقال: ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوَجْد، وليست منكم حِشمة، وإني أجد في قلبي لوعة إن لم أُسكّنها بعَبرة انصَدعت كبدي كَمدًا وأسفًا، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، الصبرُ بك أولى، فنظر إلى سعد ورجاء نَظرَ مُستغيث، فقال له رجاء: افعل ما لم تأت بالأمر المُفرط، فقد بلغني أن رسول الله ﷺ وجد على ابنه إبراهيم وقال: "تَدمع العين، ويَخشع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب". فبكى سليمان بكاء شديدًا، ثم رقَأت عَبرتُه، وغسل وجهَه، ومات أيوب، فصلّى عليه ومشى في جنازته، ثم وقف على قبره وقال: [من الطويل] وقوفٌ على قبرٍ مُقيمٍ بقَفرَةٍ … متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مُفارِقِ ثم قال: عليك السّلام يا أيوب، ثم أنشد: [من السريع]

стр. 4626

كنتَ لنا أُنْسًا ففارقْتَنا … فالعيشُ من بعدك مُرُّ المذاق فقال له عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: بل الصبر؛ فإنه أقرب إلى الله وسيلة، وليس الجزع بمُحْيٍ من مات، ولا برادٍّ ما فات، فقال له سليمان: صدقتَ، وبالله العصمة والتوفيق. وقال ابن أبي الدنيا: اشتدّ جزع سليمان على ابنه أيوب، فجاءه المعزُّون من الآفاق، فقال رجل منهم: إن امرأ حدَّث نفسه بالبقاء في الدنيا، ثم ظن أن المصائب لا تصيبه فيها لَغيرُ جيّد الرأي (١). [واختلفوا في وفاته؛ فقال الواقدي:] توفي في آخر سنة ثمان وتسعين. [وقال هشام: توفي] في المحرَّم لثمان خلون منه في سنة تسعٍ وتسعين، ومات أبوه في صفر لعشرٍ بقين منه سنة تسع وتسعين، فكان بينهما اثنان وأربعون يومًا، وكان عمر أيوب أربع عشرة سنة، وكان من أحسن الناس وَجْهًا، وأطيبهم خُلقًا. [وقيل: إن سليمان أغزى ابنه أيوب مع مسلمة إلى بلد الروم، فعاد أيوب من الغزاة فمرض فمات. وقال المدائني: الثبت عندنا أن أيوب مات بالشام مطعونًا، ولم يكن غازيًا، إنما الغازي مسلمة بن عبد الملك.] وذكر أبو محمد بن حزم في كتابه المسمَّى: "نقط العَروس" (٢): أن سليمان قتل ابنه أيوب سرًّا؛ لأنه ارتد إلى النصرانية، كان قد ضمَّه إلى عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وكان زِنديقًا فزَنْدقه، فدسّ إليه سليمان سمًّا فقتل أيوب. قال المصنف ﵀ (٣): وقد أخطأ ابن حزم؛ فإنهم اتَّفقوا على أن سليمان حزن عليه، حتى قالوا: إنه انفلقت كبِدُه فمات كمدًا، ثم ابن أربعة عشر سنة من أين تأتيه

стр. 4627

الزندقة؟ وعبد الله بن عبد الأعلى لم يكن زنديقًا، وإنما المتَّهم بالزندقة أخوه عبد الصمد، وسنذكره. ولما مات أيّوب قال بعض الرجّاز: إن يكُ أيوبُ مضى لشَانِه … فإن داودَ لفي مكانِه يُقيمُ ما قد زال من سُلطانِه يعني داود بن سليمان. ثابت بن عبد الله ابن الزبير بن العوام، وأمه بنت مَنْظور (١) بن زَبَّان. من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، كُنيته أبو مصعب، وقيل: أبو حُكَيمة. كان لسان آل الزبير جَلَدًا وفصاحةً وبَيانًا، جمع القرآن في ثمانية أشهر. وكان يشهد القتال مع أبيه، ويبارز بين يديه، وغضب عليه يومًا فقيَّده، وهجم أهل الشام المسجد، فقال له أبوه: قم يا بني فرُدَّهم عني، فقام فردَّهم وهو مقيَّد، فلما قُتل أبوه لحق بعبد الملك فأكرمه. وقال له يومًا: يا ثابت، لمَ غضب عليك أبوك فقيَّدك؟ هو كان أعرف بك حيث فعل بك ذلك، فقال: لأني نَهيتُه أن يقاتل بأهل مكة؛ لأنهم أخرجوا رسول الله ﷺ وأخافوه، ونهيته أن يقاتل بأهل المدينة (٢)؛ لأنهم خذلوا عثمان وهو بينهم حتى قتل، فقال عبد الملك: شِنشِنَةٌ أعرفُها من أَخْزم. ومن ولد ثابت: نافع، وخُبيب، ومُصعب. فأما نافع: فكان من أعبد أهل زمانه، صام خمسين سنة، وكان يُعظِم المعاصي.

стр. 4628

وكان لنافع من الولد: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، وكانا من أهل الفضل والصلاح، وكان الأكبر يلي أيتام آل الزبير بالكفاية والأمانة، وكان الأصغر حين توفي الأكبر هو المَنْظور إليه بالمدينة من قريش؛ في هديه وسَمْتِه وفقهه وعفافه، سَرد الدَّهر صيامًا وحُمل عنه الحديث. وأما خُبيب بن ثابت فكان شديدَ العارِضةِ أَيِّدًا، وكان له ولد اسمه الزُّبير بن خُبيب، حمل عنه الحديث، وكان من وجوه قريش فقهًا وعلمًا وعبادة وجمالًا، أقام بمسجده سبع سنين لا يخرج منه إلا للوضوء. وكان لخُبيب ابن اسمه المغيرة، وكان يصحب المهدي، ويعطيه الأموال فيتصدق بها على أهل المدينة (١). أسند ثابت بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، وسعد بن أبي وقّاص، وقيس بن مَخْرَمة، وروى عنه نافع مولى [ابن] عمر وغيره، وكان ثقة (٢). [جعفر بن الزبير] بن العوَّام (٣) أمه زينب بنت مَرْثَد بن عَمرو بن ثَعلبة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وكان قد كبر، وبقي حتى مات في آخر خلافة سليمان. وكان له من الولد: يحيى وثابت، أمهما بَسَّامة بنت عمارة، أنصارية، وصالح، وهند، وأم سلمة، ومحمد، وأم حسن، وحَمَّادة، وشُعيب، وآدم، ونوح، وعمرو، وأم صالح، وعائشة، وأم حَمزة، ومريم، وأم عروة، لأُمَّهات أولاد شَتّى. عبد الرحمن بن الأسود ابن يزيد بن قيس النَّخَعيّ، كُنيته أبو حَفْص، وقيل: أبو بكر، وفد على عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 4629

قوله (١): وفد على عمر بن عبد العزيز ﵁ فيه نظر، إن كان فقبل أن يلي الخلافة، وإلا لم يدرك خلافته على ما ذُكر من وفاته في هذه السنة. وكان يدخل على عائشة رضوان الله عليها قبل أن يَحتلم بغير إذن، وبعدما احتلم بإذن فيسألها، قال: فأتيتُها يومًا بعد ما احتلمتُ، فناديتُها من وراء الحجاب فقالت: أفعلتَها أي لُكَع؟ فقلت: نعم، ما يُوجب الغُسل؟ فقالت: إذا التقت المَواسي. وكان عبد الرحمن يصلّي بقومه في رمضان اثنتي عشرة تَرويحة، ويصلّي لنفسه بين كل ترويحتين اثنتي عشرة ركعة، ويقرأ بهم ثُلث القرآن كل ليلة، وكان يقوم بهم ليلة الفطر ويقول: إنها ليلة عيد. وقال الشعبي: أهل بيت خُلقوا للجنة علقمة والأسود وابنه عبد الرحمن. وصلّى عبد الرحمن الفجر بوضوء عشاء الآخرة ستين سنة. واتّفقوا على ثقته ودينه وصلاحه، ومات بالكوفة في هذه السنة، وأدرك عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وحدَّث عن عائشة رضوان الله عليها، وعبد الله بن الزبير ﵄، وروى عن أبيه الأسود، وعلقمة، وروى عنه محمد بن إسحاق صاحب المغازي، ومالك بن مِغْوَل، والأعمش وغيرهم (٢). [فصل: وفيها توفي] عبيد (٣) الله بن عبد الله ابن عُتبة بن مسعود الهُذَليّ، وكنيته أبو عبد الله. وهو من الطبقة الثانية [من التابعين] من أهل المدينة. وكان عالمًا زاهدًا عابدًا ورعًا.

стр. 4630

قال الزُّهري: أدركتُ أربعةً من بحور العلم من قريش: سعيد بن المسيّب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة. وحكى أبو نُعيم: أن عمر بن عبد العزيز كان يأتي في إمارته إلى عبيد الله، فربما أذِن له، وربما حَجَبه (١). وكان عمر بن عبد العزيز يقول: مَن لي بليلةٍ من عُبيد الله بألف دينار. وكان أحدَ الفقهاء السبعة، وكان الزهري يُلازمه ويأخذ عنه، وإذا رآه قام له، فلما استَنْفَذَ ما عنده جاءه يومًا فلم يقم له، فقال له: ويحك يا بن شهاب، أنت بعدُ في الكُتَّاب. وجدُّه عُتبة أخو عبد الله بن مسعود لأبويه، قديمُ الإسلام، ولم يَرْو عن رسول الله ﷺ شيئًا، ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وأما ابنه عبد الله فإنه نزل الكوفة، ومات بها في خلافة عبد الملك. [وقال الواقدي:] توفي عبيد الله بالمدينة سنة ثمان وتسعين أو تسع وتسعين وقد ذهب بصرُه، وكان ثقةً كثير العلم، [قال: وكان يقول الشعر فيقال له في ذلك فيقول: أرأيتم المَصْدور إذا لم يَنْفُث أليس يموت؟] (٢). روى عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: قدمت المدينةَ امرأةٌ من هُذَيل وكانت جميلة، فكادت تذهب بعقول أكثرهم فخطبوها، فقال عُبيد الله فيها: [من الطويل] أُحِبُّكِ حبًا لا يُحبُّك مثلَه … قريبٌ ولا في العاشقين بعيدُ أحبك حبًّا لو شَعرتِ ببعضه … لجُدْتِ ولم يَصعُب عليك شَديدُ وحبُّكِ يا أمَّ الصَّبيِّ مُدَلِّهي … شهيدي أبو بكرٍ فنعمَ شَهيدُ

стр. 4631

وَيعرفُ وَجدي قاسم بنُ محمد … وعروةُ ما أَلقى بكم وسَعيدُ ويَعلم ما أُخفي سليمانُ علمَه … وخارجةٌ يُبدي لنا ويُعيدُ متى تسألي عما أقول وتُخْبَرِي … فلله عندي طارِف وتَليدُ وبلغ ابنَ المسيّب فقال: أما أنت فقد أمنتَ أن تسألَنا، ولو سأَلَتْنا ما شهِدنا لك بزُور (١). أسند عبيد الله عن: [أبي] طلحة، وسَهْل بن حُنَيف، وزيد بن خالد الجُهَنيّ، وأبي سعيد، وابن عباس، وأبي هريرة وغيرهم، وروى عنه الزهري وغيره (٢). وولده عَون بن عبيد الله (٣)، كان عالمًا شاعرًا، وكانت له منزلة عند عمر بن عبد العزيز، ولما قدم الشعراء على عمر ولم يأذن لهم، خرج عَون يومًا من عند عمر، فناداه جرير فقال: [من البسيط] يا أيُّها القارئ المُرْخي عِمامَتَه … هذا زمانُك فامْرَح فيه لا زَمَني (٤) أبلغْ خليفَتَنا إن كنتَ لاقِيَه … أنّي لدَى البابِ كالمَصْفُود في قَرَنِ (٥) [وقيل: إنما خاطب جرير مَسلمة بن عبد الملك، وسنذكر القصة في سيرة عمر. وكان عَون من الشعراء الفصحاء، وهو القائل (٦):]

стр. 4632

كتمتَ الهوى حتى أضرَّ بك الكَتْمُ … ولامَك أقوامٌ ولومُهُمُ ظُلْمُ ونمَّ عليك الكاشحون وقبلَهم … عليك الهوى قد نَمَّ لو نَفعَ النَّمُّ فيا مَن لنفسٍ لا تموتُ فيَنقضي … عَناها ولا تَحيا حياةً لها طَعْمُ تَجَنَّبْتَ إتيانَ الحبيب تأثُّمًا … ألا إن هِجران الحبيب هو الإثمُ [تنتهت سيرتهم والله أعلم.] كُرَيْب بن أبي مُسلم مولى عبد الله بن عباس ﵄، كنيته أبو رِشدين، ويقال: أبو راشد. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: مات سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة سليمان، وكان ثقةً حسنَ الحديث. وقال موسى بن عُقبة: وضع عندنا كُريب حِمْلَ بعيرٍ من كتب ابن عباس، فكان عبد الله ابن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إليَّ بصحيفة كذا وكذا، فكان ينسخها ويبعث إليه بإحداهما (١). وذكره خليفة في الطبقة الثانية من أهل مكة (٢)، وقال: بعثتْه أمُّ الفضل إلى معاوية رسولًا فقضى حاجتها. وكان ابن عباس يبعثه إلى عائشة يسألها، وبعثه يومًا يسألها عن ركعتين بعد العصر فردَّته إلى أم سلمة. وقال مجاهد: كان ابن عباس يُسمّي عَبيدَه بأسماء العرب؛ عكرمة، ومِسْمَع، وكُرَيب، وكان يقول لهم: تزوَّجوا؛ فإن العبد إذا زنى نُزع منه نور الإيمان. وقيل ليحيى بن مَعين: أيُّما أحب إليك عكرمة أو كريب؟ فقال: كلاهما ثقة.

стр. 4633

أسند كريب عن ابن عباس مولاه، وأسامة بن زيد، ومعاوية، وعائشة وأم سلمة، وميمونة أمهات المؤمنين ﵅، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، وأم الفَضْل بنت الحارث. وقال يعقوب بن شيبة: أدرك عثمان، وعليًّا، وزيد بن ثابت وغيرهم. وروى عنه الأئمة: عمرو بن دينار، وسالم بن أبي الجَعْد، والزُّهري، وشَريك بن عبد الله، ومَكحول، وابناه: رِشدين ومحمد ابني كُرَيب (١). السنة التاسعة والتسعون وفيها توفي سليمان بن عبد الملك [بن مروان]، وقام عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵀. الباب الثامن (٢) في خلافته وأمُّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكُنيته أبو حفص. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. وذكره ابن سُميع في الطبقة الرابعة (٣). واختلفوا في مولده؛ فقال ابن سعد: [ولد عمر بن عبد العزيز] سنة ثلاث وستين، [وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة زوج النبي ﷺ . وقال خليفة: [ولد] سنة إحدى وستين بمصر [في السنة التي قتل فيها الحسين بن علي ﵉]. وقال الهيثم: سنة ستين أو تسع وخمسين (٤). وقال الليث بن سعد: حدثني بعض ولد شُرَحْبيل بن حَسَنة قال: قال رجل: سمعتُ في الليلة التي وُلد فيها عمر مناديًا ينادي بين السماء والأرض: أتاكم اللين والدّين والعمل الصالح، قال: فقلت: مَن هو؟ قال: فكتب في الأرض: (ع م ر)

стр. 4634

[ذكر قصة عمر بن الخطاب في عسسه المدينة:] روى يزيد بن هارون، عن يحيى بن المتوكّل، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال (١): بينا أبي يَعُسُّ المدينة إذ سمع امرأة تقول لابنتها: قومي فشوبي اللبن بالماء، فقالت: يا أماه، أما سمعتِ منادي أمير المؤمنين؟ إنه نادى أن لا يُشابَ اللبنُ بالماء، فقالت: وأين أنت ومناديه الساعة؟! قالت: فإذا لم يرني مناديه أما يراني ربُّ مناديه؟ فبكى عمر، ومضى وقد عرّف المنزل، فلما أصبح دعا بالمرأة وابنتها، فسألها هل لها زوج؟ قالت: لا، فقال: يا عبد الله، تزوَّجْها؛ فلو كانت لي إلى النساء حاجة لتزوَّجتُها، قال: فقلت: أنا عنها في غِنى، فقال: يا عاصم تَزَوَّجْها، فتزوَّجها عاصم، فجاءت بابنة فهي أم عمر بن عبد العزيز (٢). قال ابن سعد: فولد عاصم بن عمر بن الخطاب أمَّ عاصم، وهي أم عمر بن عبد العزيز، وأختَها حفصة بنت عاصم، وأمُّها أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله الثقفيّ (٣). وقيل: كانت الجارية من بني هِلال. وقال ابن عساكر: ويقال: إن اسم أم عمر ليلى، سكنت دمشق مدة، وروى عنها ابنها عمر، وروت عن أبيها عاصم، عن جدّها عمر بن الخطّاب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نِعْمَ الإدامُ الخَلّ" (٤) أخرجه مسلم (٥).

стр. 4635

[وقال أبو اليقظان: وفي ذلك يقول] عُتْبة بن شَمّاس: [من الخفيف] إن أولى بالحقِّ في كلِّ حقِّ … ثم أَحْرى بأن يكونَ حقيقا مَن أبوه عبدُ العزيز بنُ مروا … نَ ومَن كان جدُّه الفاروقا ردَّ أموالنا علينا وكانت … في ذُرى شاهق تَفوتُ الأَنوقا (١) وقال آخر: [من الرجز] يا أيها المظلومُ في بلاده … إيتِ الإمامَ عُمرًا فنابٍ خليفة الله على عباده … لم يُؤثر الدُّنيا على معادِه قد أسكن الوعيدَ في فؤاده … خوفًا أطار النومَ عن رُقاده يحكم بالحقّ على أولاده … قد أشبه الفاروقَ من أجداده زُهدًا ونُسكًا في ذُرى سداده … أعانه الله على اجتهاده (٢) قال ضمرة، عن ابن شَوْذَب: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوّج أمَّ عمر بن عبد العزيز قال لقَيِّمه: اجمع لي أربع مئة دينار من طيّب مالي؛ فإني أريد أن أتزوّج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر بن عبد العزيز. ذكر صفة عمر بن عبد العزيز ﵁: [واختلفوا فيه؛] قال الواقدي ﵀: كان أسمر نَحيفًا حسن الوجه. [وحكى ابن عساكر، عن إسماعيل بن علي الخطبي قال:] رأيت صفة عمر في بعض الكتب: أبيض (٣) رقيق الوجه جميلًا، قد وَخَطه الشَّيب، بجبهته أثر دابة؛ فلذلك سمِّي أشجَّ بني أمية. [وقال ابن سعد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنت أسمع ابن عمر كثيرًا يقول (٤):] يا ليت شعري، مَن هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة؛ يملأ الأرض عدلًا؟

стр. 4636

قال عبد الله بن دينار: كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يلي هذه الأمة رجل من ولد عمر، يسير فيها بسيرة عمر، بوجهه شامة، فكنا نقول: هو بلال بن عبد الله بن عمر، وكانت بوجهه شامة، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وقال يزيد بن هارون: ضربته دابّة من دواب أبيه فشجَّته، فجعل أبوه يمسح الدم عن وجهه ويقول: سَعِدتَ إن كنتَ أشج بني أمية. وقال ابن الكلبي: دخل عمر داو الدوابّ وهو صغير، فرَمَحَتْه دابة، فسال الدم على وجهه، فدخل أبوه، فلامتْه أمه حيث لم يجعل معه خادمًا، فقال لها أبوه: اسكتي، إن كان أشجَّ بني مروان فيا طُوباك. وقال عبد الجبار بن أبي مَعْن: سمعت سعيد بن المسيب وسأله رجل عن المهدي، فقال له سعيد: أدخلتَ دارَ مروان؟ قال: لا، قال: فادخل تَرَ المهديَّ جالسًا على السّرير، فدخل الرجل، فرأى عمر والناس حوله مجتمعون، فرجع إلى سعيد فقال له: يا أبا محمد، دخلتُ دار مووان فلم أرَ أحدًا أقول هذا المهدي! فقال له ابن المسيب: هل رأيتَ الأشجَّ عمر بن عبد العزيز القاعد على السرير؟ قال: نعم، قال: فهو المهدي (١). وقال ابن قُتيبة: صفة عمر في كتاب دانيال: الدَّرْدُوق الأشجّ، أي: القصير (٢). وقال الهيثم: كان عبد الملك بن مروان يُحبّه، ويُدنيه، ويحنو عليه، ويرفعه فوق أولاده، وزوجه ابنته فاطمة، فقيل له في ذلك فقال: إنه سيلي الخلافة، وهو أشجُّ بني مروان. ذكر بيعته بالخلافة: قال سُهيل بن أبي سهيل: سمعتُ رجاءَ بن حَيوة يقول: لما ثَقُل سليمان كتب كتابَ عهده إلى ابنه وهو غلام لم يبلغ، فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إن مما يَحفظ الله به الخليفةَ في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال: سوف أنظر، فمكث يومًا أو

стр. 4637

يومين ثم دعاني فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب في القُسطنطينية، ولا ندري أحيّ هو أم ميت، قال: يا رجاء، فمن ترى؟ قلت: رأيك يا أمير المؤمنين، فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله فاضلًا خيرًا مسلمًا، فقال: هو على ذلك، والله لئن وَلَّيتُه ولم أولّ أحدًا من بني عبد الملك لتكوننَّ فتنة، ولا يتركونه يلي عليهم أبدًا؛ إلا أن أجعل أحدهم بعده -ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم- فقلت: فاجعل يزيد بعده فإنهم يرضَون به ويُسكّنهم، فكتب بيده: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وَلَّيتُه الخلافة من بعدي، ومن بعده ليزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله، ولا تختلفوا فيُطمَع فيكم، وختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن حامِز صاحب شرطته: أن مُرْ أهل بيتي فليجتمعوا، فأرسل فجمعهم، ثم قال سليمان لرجاء: اخرج عليهم فأخبرهم أنه كتابي، ومُرْهم فليبايعوا مَن ولَّيت، قال: ففعل رجاء فقالوا: سمعًا وطاعة، قد بايعنا لمن فيه، ثم قالوا: ندخل فنسلّم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فدخلوا فسلّموا، فأشار إليهم سليمان والكتاب في يد رجاء فقال: هذا عهدي، فاسمعوا وأطيعوا، وبايعوا لمن سمَّيتُ فيه، فبايعوا رجلًا رجلًا وانصرفوا. فقال رجاء: فلما تفرَّقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت لي به حُرمة ومَودَّة، وكان بي بَرًّا مُلطِفًا، وأخشى أن يكون أسند إليَّ من هذا الأمر شيئًا، فأَنشدك الله وحُرمتي ومَودَّتي إلا أعلمتني؛ إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة، فقال له رجاء: لا والله ما أنا بمُخبِرك حرفًا واحدًا، فانصرف عمر غضبان. قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء، إن لي بك حُرْمة ومودَّة قديمة، وعندي شكر، فأعلمني أهذا الأمر إليّ؟ فإن كان إلي علمتُ، وإن كان إلى غيري تكلَّمتُ، فليس مثلي مَن يُقصّر به عنه، ولك اللهَ عليَّ أن لا أذكر اسمَك لأحد، قال: فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا مما أسرَّ إلي. قال: فانصرف هشام وهو مُؤيَس، يضرب بإحدى يديه على الأخرى ويقول: والله إني لعين بني عبد الملك بن مروان.

стр. 4638

قال وجاء: ودخلت على سليمان وهو يموت، فجعلتُ إذا أخذتْه سكرة من سكَرات الموت حَرَفْتُه إلى القبلة فيقول: يا رجاء، لم يأنِ لذلك بعد، فعلتُ ذلك مرتين أو ثلاثًا، فلما كان في الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنتَ تُريد شيئًا، وذكر الشهادتين، فحَرَفْتُه فمات، فأعْمَضْتُه وسَجَّيتُه بقَطيفَةٍ خضراء، وأغلقتُ الباب، وأرسلتْ إليّ زوجتُه تسأل كيف أصبح، فقلت: قد نام وتغطَّى، ونظر إليه رسولُها مُغطَّى بالقَطيفة، فرجع فأخبرها، فقَبِلَتْ وطنَّت أنه نائم. قال رجاء: وأجلستُ على الباب مَن أثق به، وأوصيتُه أن لا يَريم حتى آتيه، ولا يُدخِل على سليمان أحدًا، وأرسلتُ إلى كعب بن رجاء (١) العَنْسِيّ، فجمع أهل بيت أمير المؤمنين في مسجد دابِق، فقلت: بايعوا، فقالوا: بايعْنا مرَّةً أنبايع أخرى؟ قلت: نعم، فبايعوا، فلما أَحكمتُ الأمر قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، فاسترجعوا، وقرأت عليهم الكتاب، فلما وصلتُ إلى ذكر عمر قال هشام: لا نبايعه أبدًا، قال رجاء: فقلت له: أَضرب والله عُنُقَك، قم فبايع، فقام وهو يجرُّ رجلَيه. قال رجاء: وأخذتُ بضَبْعَي عمر، فأجلستُه على المنبر وهو يَسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال له: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي: حين صار هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك، فقال عمر: نعم فإنا لله وإنا إليه راجعون حين صار إلي لكراهتي له. قال رجاء: وغُسِّل سليمان وكُفّن، وصَلّى عليه عمر، فلما فرغ من دفنه أُتي بمواكب الخلافة: البراذين والخيل والبغال، ولكلّ دابّة سائس فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة، قال عمر: دابّتي أوفقُ لي، فركب بغلتَه وصرف تلك الدواب، ثم أقبل فقيل: تنزل منزل الخلافة، فقال: فيه عيالُ أبي أيوب، وفي فُسطاطي كفاية إلى أن يتحولوا، وأقام في منزله حتى فرغوه بعد ذلك. قال رجاء: فلما كان مساء ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعُ لي كاتبًا - وقد رأيتُ منه كلّما سَرَّني- فدعوته له، فأملى عليه كتابًا بليغًا وَجيزًا بغير نسخة، ثم أمر بذلك الكتاب فنُسخ إلى كل بلد.

стр. 4639

قال رجاء: وبلغ عبدَ العزيز بن الوليد -وكان غائبًا- موتُ سليمان، ولم يعلم بمبايعة الناس عمر، وعهد سليمان إليه، فبايع مَن معه لنفسه، ثم أقبل يريد دمشق يأخذها، فبلغه بيعة عمر، فأقبل حتى دخل على عمر، فقال له: قد بلغني أنك كنتَ بايعتَ مَن قِبَلك، وأردتَ دخولَ دمشق، فقال: قد كان ذلك، ولم أعلم بمبايعتك، ولا أن الخليفة عَقَد لأحد، وخفتُ على الأموال أن تُنهب، فقال له: والله لو بويعتَ وقمتَ بالأمر ما نازعتُك، فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك، وبايع عمر ﵁. وقال ابن سعد: قال رجاء بن حَيوة: لما ثَقُل سليمان بن عبد الملك رآني عمر بن عبد العزيز أخرج وأدخل وأتردد، فدعاني فقال: يا رجاء، أُذكّرك اللهَ والإسلام أن تَذكُرني لأمير المؤمنين، أو تُشيرَ بي عليه إن استشارك، فوالله ما أقوى على هذا الأمر، فأَنشُدك الله إلا صرفتَه عني. قال: فانتَهَرْتُه وقلت: إنك لحَريصٌ على الخلافة، أتطمَعُ أن أُشير عليه بك، قال: فاستحيى. ودخلتُ على سليمان فقال: يا رجاء، مَن ترى لهذا الأمر، وإلى مَن تَرى أعهد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قادم على الله، وإنه سائلك عن هذا الأمر وما صنعتَ فيه، قال: فمن ترى؟ قلت: عمر بن عبد العزيز، قال: فكيف أصنع بعهد عبد الملك إليّ وإلى الوليد في ابنَي عاتكة أيهما بقي؟ قلت: تجعله بعده، قال: أصبتَ ووُفِّقتَ، جئني بصحيفة، فأتيتُه بها، فكتب عهد عمر ويزيد من بعده. ثم دعوتُ رجالًا فدخلوا عليه، فقال لهم: إني قد عهدتُ عَهدي في هذه الصحيفة، ودفعتُها إلى رجاء، وأمرتُه بأمري، فاشْهَدوا. فشهِدوا، فلم يلبث سليمان أن مات، فقال هشام: إن كان فيها رجل من أولاد عبد الملك وإلا فلا، فقال رجاء: نعم فيها رجل من ولد عبد الملك. وقال ابن سعد: لما قرئ عهد سليمان بدابق وعمر ناحية؛ قام رجل من ثَقيف يقال له سالم من أخوال عمر، فأخذ بضَبْعَيه فأقامه، فقال عمر: والله ما اللهَ أردتَ بهذا، ولن تُصيب بها مني دنيا (١).

стр. 4640

وقال الهيثم: لما وفد الزهري ومكحول الشامي على سليمان بن عبد الملك استشارهما في توليته عمر لما مات أيوب، فصوَّبا رأيَه، فكتب عهده بمحضر منهما وأشهدهما عليه، ومات سليمان، فلما قرئ الكتاب قام مكحول فقال: أين أمير المؤمنين عمر، وكان في أخريات الناس في المسجد، فلم يقم، فمشى إليه، وأخذ بيده، وأقعده على المنبر وهو يقول: والله ما أردتُ هذا، فلما دُفن سليمان قُرِّبت إليه مراكب الملك فقال: بغلتي -وكانت شهباء- فقُرِّبت إليه. وكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز ﵁ وتركه ولده. وقال بشر: لما ولي عمر بن عبد العزيز خطب الناس، وفُرش له، فنزل وترك الفرش ناحية، فقيل له: لو تحوّلتَ إلى حُجْرة سليمان فتمثّل: [من الطويل] فلولا التُّقى ثم النُّهى خشيةَ الرَّدى … لعاصيتُ في حبِّ الصِّبا كل زاجرِ قضى ما قضى فيما مَضى ثم لا تَرى … له صَبْوَةً أُخرى الليالي الغَوابرِ وقال أبو الحكم سيّار: كان أول ما أُنكر من عمر أنه لما دفن سليمان أُتي بدابة سليمان التي كان يركبها، فلم يركبها، وركب دابّته التي جاء عليها، فدخل القصر وقد مُهدت له الفُرش التي كانت لسليمان، فلم يجلس عليها، ثم خرج إلى المسجد، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه ليس بعد نبيكم نبيٌّ، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحلّ الله حلال إلى يوم القيامة، وما حرَّم حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاضٍ ولكني منفذ، ألا إني لست بمبتدع ولكني رجل منكم، غير أن الله قد جعلني أثقلَكم حِملًا (١). وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: لما دَفن عمر بن عبد العزيز سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع للأرض هَدّة فقال: ما هذه؟ قيل: مراكب الخلافة، فقال: ما لي ولها؟! نَحّوها عني، قرِّبوا إليّ بغلتي، فركبها، فجاء صاحب الشرطة يمشي بين يديه بالحَربة، فقال: تنحَّ عني، ما لي ولك؟! إنما أنا رجل من المسلمين.

стр. 4641

فسار وسار الناس معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر من غير رضًى منكم، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلَعْتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأَنَفسكم، فصاح الناس صيحةً واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فَلِ أمرَنا باليُمن والبركة، فلما رأى الأصوات قد هدأتْ، ورضوا به جميعًا حَمِد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ وقال: أوصيكم بتقوى الله فإن تقواه خَلَف من كل شيء، وليس من تقواه خَلَف، فاعملوا لآخرتكم؛ فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، وأصلحوا سرائرَكم يُصلحِ الله علانيتَكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هاذم اللذات، وإن مَن لا يذكر من آبائه مما بينه وبين آدم أبًا حيًّا لَمُعْرِق في الموتى، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أُعطي أحدًا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًّا. ثم رفع صوته حتى أسمع الناس وقال: أيها الناس مَن أطاع الله فقد وجبت طاعتُه، ومَن عصى الله فلا طاعةَ له، أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عَصيتُ الله فلا طاعةَ لي عليكم. ثم نزل فأمر بالستور فهُتِكت، والثيابِ التي كانت تُبسَط للخلفاء فحُمِلَتْ، وأمر ببيعها وإدخال ثمنها في بيت المال. ثم ذهب يتبوَّأ مَقيلًا، فأتاه ابنُه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ما تريد أن تصنع؟ فقال: يا بُنيَّ، أَقِيل، فقال له: أتَقِيل وما رَدَدْتَ المظالم؟! فقال: إني سَهرتُ البارحة مع عمك سليمان، فإذا صليتُ الظُهر ردَدْتُ المظالم، قال: فمَن لك أن تعيشَ إلى الظهر؟ فقال: يا بني، ادْنُ مني، فدنا منه، فقبَّل ما بين عينيه وقال: الحمد لله الذي أخرج من صُلبي من يُعينني على الخير. فخرج ولم يَقِل، وأمر مناديه ينادي: ألا مَن كانت له مَظلمة فليَرْفَعْها، فقام إليه رجلٌ ذِمِّي من أهل حمص أبيض الرأس واللحية فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتابَ الله، قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي -وكان العباس

стр. 4642

جالسًا- فقال له: يا عباس، ما تقول؟ قال: أقطعني إياها أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سِجلًا، فقال عمر: كتاب الله أحقُّ أن يُتَّبَع، قم يا عبَّاس فادفع إليه أرضَه. فانتزعها منه ودفعها إلى الذّمّي، وجعل لا يَدَعُ شيئًا مما كان في يد أهل بيته من المظالم إلا ردَّه. وبلغ الخوارج ما هو عليه من حُسن السيرة فقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل. وقال عمر بن ذَرّ: رجع عمر من جنازة سليمان مُغْتَمًّا، فقال له مولى له: ما لي أراك مُغْتَمًّا؟ فقال: لمثل ما وقعتُ فيه فلْيُغْتَمّ، إنه ليس أحدٌ من أمةِ محمدٍ ﷺ في شرق الأرض ولا غربها إلا وأنا أريد أن أُؤدّي إليه حقَّه، غير كاتب إليّ فيه، ولا طالبه مني. وقال حمَّاد العَدَوي: سمع الناس عند وفاة سليمان صوتًا يقول: [من الطويل] اليوم قَرَّت واستَقَرَّ قرارها … على عمرَ المهديِّ قامَ عَمودُها (١) وقال: إنما سُمِّي المهدي لأن الخَضِر ﵇ التقاه وقال: أنت المهدي، وستلي الخلافة. قال الواقدي: بويع لعشرٍ بَقِين من صفر سنة تسع وتسعين. دخل عليه بلال بن أبي بُردة حين بويع فقال: يا أمير المؤمنين، مَن تكن الخلافةُ زانته فأنت زِنْتَها، وأنت وإياها كما قال القائل: [من الخفيف] وتَزِيدينَ طَيِّب الطِّيب طِيبًا … إنْ تَمَسِّيه أين مثلُك أينا وإذا الدرُّ زانَ حُسْنَ وجوهٍ … كان للدرِّ حُسنُ وَجهك زَينا فقال له عمر: دعني منك، فأنا أعرف بنفسي، إني إلى عفو الله أحوجُ مني إلى مَدحكم (٢). وقال سَهل بن صَدَقة مولى عمر بن عبد العزيز: حدثني بعضُ خاصّة عمر بن عبد العزيز: أنه حين أفضَتْ إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليًا، فسئل عن البكاء فقيل: إن عمر بن عبد العزيز خيَّر جواريه وقال: قد نزل بي أمرٌ قد شغلني عنكن، فمَن

стр. 4643

أحبَّتْ أن أُعتقها عَتَقْتُها، ومَن أرادتْ أن أُمسكها مسكتُها ولم يكن مني إليها لشيء، فبكين يأسًا منه (١). وقيل له في ذلك فقال: وهل يستطيع رجل أن يأتي ذلك وأمر أمة محمد ﷺ في عنقه؛ يسأله الله عنه يوم القيامة. وقالت زوجته فاطمة: والله ما اغتسل عمر من جَنابة ولا احتلام حتى قبضه الله تعالى. وقال العُتْبيّ: لما هجر عمر جواريه ونساءه كتبت إليه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان: [من الوافر] ألا [يا] أيها الملكُ الذي قد … سبى عقلي وهام به فؤادي أراك وَسِعتَ كلَّ الناسِ عَدْلًا … وجُرْتَ عليَّ من بين العبادِ وأَعطيتَ الرَّعيةَ كلَّ فَضْل … وما أعطيتَني غيرَ السُّهادِ فيقال: إنه عَطف عليها (٢). وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رِعاءُ الشَّاء في رؤوس الجبال: مَن هذا الخليفةُ الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفَّت الذّئاب والأُسد عن شائنا. وقال ابن سعد: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي خرج إلى مسجد دابِق ليلة ومعه حَرَسيّ، فمرَّ في الظلمة في المسجد فعثر برجل نائم، فرفع رأسه وقال: أمجنونٌ أنت؟ قال: لا، فهمَّ به الحَرسيّ، فقال له عمر: مَهْ، إنما سألني فأجبته (٣). وقال رجاء بن حَيوة (٤): كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس ومن أَلْبَسِ الناس، وأخْيَلِهم في مشيه، فلما استُخلف قَوَّموا ثيابَه اثني عشر درهمًا، كُمَّتَه وعِمامته وقميصه وقَباءه وقَرْطَقه وخُفَّيه ورداءه.

стр. 4644

[وروى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي مِرداس (الرقي، عن إبراهيم بن بكار) الأسدي،] عن يونس بن أبي شَبيب قال (١): شَهِدتُ عمر بن عبد العزيز وهو يطوف بالبيت وإن حُجْزَة إزاره لغائبة في عُكَنِه، ثم رأيتُه بعدما استُخلف، ولو شئتُ أن أعدَّ أضلاعَه من غير أن أَمَسَّها لفعلت. وقال المدائني: لما ولي عمر الخلافة نظر إلى ما كان له من عبيد وإماء ورَقيق ومَتاع ولباس وعطر وجوهر وغير ذلك فباعه، فبلغت قيمتُه نيفًا وعشرين ألف دينار، فجعله في سبيل الله، وكان عند فاطمة بنت عبد الملك جوهر له قيمة مثل الدرَّة اليتيمة وقِرطَي مارية، فأمرها فأحضرتْه، فقال: من أين لكِ هذا؟ قالت: من أبي، فقال: إما أن تردّيه إلى بيت المال وإما فارقتك، فقالت: ما كنت لأختارَ عليك الدُّنيا، فردَّته إلى بيت المال، فلما توفي عمر وولي يزيد بن عبد الملك قال: إن شئتِ ردَدْتُه عليك، فقالت: لا والله ما كنتُ لأَطيب به نَفْسًا في حال حياته، ثم أرجع فيه بعد وفاته، لا حاجة لي فيه، فقسمه يزيد في أهله وجواريه. [وقد أخرج ابن سعد (٢) بمعناه، وفيه أن عمر قال لها: أخرجيه من بيتي فإني أكره أن أكون أنا وهو في بيت، فلما ولي يزيد قال: إن شئت رددته عليك أو قيمته، قالت: لا ذا، ولا ذاك، ولم تأخذ منه شيئًا.] وقال البلاذري: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه رجل نصراني فقال: يا أمير المؤمنين، إن هشام بن عبد الملك غصبني ضيعتي، فقال عمر: أين هشام؟ فجاء فقال: من أين لك هذه الأرض؟ فقال: وَرِثتُها من أبي عبد الملك، فقال: قم فاقعد مع خصمك، قال: أوكّل وكيلًا، قال: لا، قم فاقعد معه، فقام هشام فقعد مع النصراني، وانتهر هشام النصراني وتوعَّده، فقال له عمر: يا أحول، أتَنْتَهِره عندي، إن عُدتَ

стр. 4645

عاقبتك، ثم أخرج هشام سِجلًّا من عبد الملك بالضيعة، وأخرج النصراني سجلًا بالملك، فقال عمر لابنه عبد الملك: انظر في السِّجِلّين، فنظر فقال: حجة النصراني غالبة، وحق الله أولى أن يُتَّبَع، فقال عمر: أحرِق سجل هشام، فأحرقه وردَّ على النصراني ضيعتَه، فلما ولي هشام الخلافة استُؤذن في أخذ الضَّبعة فقال: لا أردُّ حُكمًا حكم به عمر (١). [وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: لما بدأ عمر بأهل بيته في ردِّ ما كان بأيديهم من المظالم قال عمر بن الوليد بن عبد الملك: لا تلوموه ولوموا أنفسكم، عمدتم إلى رجل من آل عمر بن الخطاب فوليتموه عليكم، ففعل بكم هذا. وحكى ابن سعد عن] الواقدي قال: قال عمر لما ولي الخلافة: ينبغي أن أبدأ بنفسي، فنظر إلى ما في يده من أرض ومتاع فخرج منه، حتى فَصِّ خاتم أعطاه إياه الوليد من غنائم إفريقية، وما زال يردُّ المظالم من زمن معاوية بن أبي سفيان إلى زمن سليمان بن عبد الملك (٢). وقال هشام بن محمد [عن أبيه قال:] لما جاءت الجمعة التي ولي عمر قبلها خطب، فلما بلغ المكان الذي كانت بنو أمية تسبُّ فيه أمير المؤمنين عليًّا ﵁ قال: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] ثم نزل، فكان ذلك أشقّ علي بني أمية من ردّ المظالم، وقالوا: غيَّر سنَّة الخلفاء، وبلغ عمر فقال على المنبر: إنما غيَّرتُ البِدعة وأحييتُ السنَّة. وقيل: إن بني أمية كانوا يقولون: اللهم صلِّ على معاوية وجدِّه، لقد لقينا من علي جهده، فلما ولي يزيد أعاد سب أمير المؤمنين (٣). وقال الهيثم: كان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مَسعود الهُذَليّ بالمدينة لما كان واليًا، فذكر عمر عليًّا يومًا فنال منه، فقال له عبيد الله:

стр. 4646

يا عمر، متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ ففهم عمر ما أراد فقال له: مَعذرةً إلى الله وإليك، والله لا عدتُ إلى مثلها أبدًا، فما رؤي عمر بعدها ذاكرًا عليًّا ﵇ إلا بخير (١). وقال الواقدي: كان سليمان قد ولّى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم على المدينة، فلما ولي عمر أقرَّه عليها، فاستقضى أبا طُوالة، وولّى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وضمّ إليه أبا الزناد كاتبًا، فاستقضى عامرًا الشعبيّ، وولّى البصرة عديَّ بن أرطاة، فاستقضى الحسنَ البصري، ثم استعفاه فأعفاه، وولّى اليمن عُروة بن محمد بن عَطيّة السعدني، وولّى الجزيرة عديَّ بنَ عديّ الكندي، وولّى إفريقية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر حتى توفي عليها، وولّى دمشق محمد بن سُوَيد الفِهريّ، وولى خراسان الجَرَّاح بن عبد الله الحكمي (٢)، وعزل عنها يزيد بن المهلب. وكتب إلى مسلمة بن عبد الملك أن يَقْفُلَ بمن معه من المسلمين من بلاد الروم، وبعث إليه بالمال والطعام وخمس مئة فرس، فقَفَل راجعًا. [فصل:] وفيها أسلم ملك الهند، قال ابن عساكر: كتب ملك الهند (٣) إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الهند والسِّند، ملِك الأملاك؛ الذي هو ابن ألف ملك، وتحته ابنةُ ألف ملك، والذي في مملكته نهران يُنبتان العُودَ والكافور والأَلُوَّة التي يوجد ريحها من اثني عشر فرسخًا، والذي في مَرْبَطه ألفُ فيل، وتحت يده ألفُ ملك؛ إلى مَلِك العرب، أما بعد، فإن الله قد هداني للإسلام، فابعث إلي رجلًا يعلمني القرآن وشرائع الإسلام، وقد أهديتُ إليك هديَّةً من المسك والعَنْبر والنَّدِّ والكادور، فاقبلها فإنما أنا أخوك في الإسلام، والسلام. وفيها حُمل يزيد بن المهلَّب من خُراسان إلى الشام (٤).

стр. 4647

[قال الواقدي:] وفيها اشترى عمر بن عبد العزيز ﵁ مَلَطْيَة من الروم بأربع مئة ألف دينار، وخلَّص منها ألفَ أسير، وبناها وأسكنها المسلمين وإلى هلم جرًّا، وكانت مأوى اللصوص وقُطَّاع الطريق ومركزًا للروم، وكانوا يَشُنُّون منها الغارات إلى بلاد المسلمين، فجعلها منزلًا لعساكر المسلمين، فأمِنت البلاد، وكذا فعل بالجُحْفَة والحجاز؛ كان الأعراب يقطعون منها الطريق، فجعلها منزلًا. وحج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان على المدينة، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضاء البصرة بعد الحسن إياس بن معاوية بن قُرَّة. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: لما ولّى عمر الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن خرج عليه شَوْذَب الخارجيّ -واسمه بِسطام من بني يَشْكُر- في ثمانين فارسًا أكثرهم من ربيعة، وكان خروجه بجُوخى، فكتب عبد الحميد إلى عمر بن عبد العزيز يُخبره، فكتب إليه عمر: جَهِّز إليهم جيشًا مع رجل حازم في ألفَين، ومُرْه ألا يتعرَّض لهم حتى يُفسدوا في الأرض، ويسفكوا دمًا حرامًا، فجفز إليهم محمد بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، وأوصاه بما أوصاه به عمر. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى بِسطام يسأله عن مُخرَجِه، فوافاه كتاب عمر وقد قدم محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يُحرِّكه ولا يَهيجه. وكان في كتاب عمر إلى بسطام: بلغني أنك خرجتَ غَضَبًا لله ورسوله، ولستَ أولى بذلك مني، فهلمَّ أُناظرْك، فإن كان الحق بأيدينا فادخُلْ فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نَظَرْنا في أمرنا. فكتب بسطام: قد أنصفتَ، وقد بعثتُ إليك رجلين يُناظرانك، أحدهما من بني شَيبان، والآخر من بني يَشْكُر، فقدما على عمر فناظراه، فكان في جملة ما قالا له: لِمَ أقررْتَ يزيد بعدك خليفة؟ فقال: أقرَّه الذي ولّاه، وما ولَّيتُه أنا، قالا: أرأيتَ لو وَلِيتَ مالًا لغيرك ثم وكَّلتَه إلى غير مأمون عليه، أتُراك كنت قد أدَّيتَ الأمانة إلى من ائتمنَك؟ فقال: أنْظِراني ثلاثًا حتى أنظر.

стр. 4648

قال أبو عبيدة: إنما كانت هذه المناظرة في سنة مئة (١)، فلما قال لهما عمر: أنظراني ثلاثًا؛ خاف بنو أمية أن يخلع يزيد فيخرج الأمر عنهم فتذهب أموالهم، فدسُّوا إلى عمر ﵁ مَن سقاه سمًّا فمات. [فصل:] وفيها توفي إبراهيم بن محمد ابن طلحة التَّيمي، وهو من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، وأمّه خَولة بنت مَنْظور بن زَبَّان بن سَيار بن عمرو بن جابر بن عَقيل بن هِلال بن سُمَيّ بن مازن بن فَزارة. وكان إبراهيم أخا حسن بن حسن بن علي لأُمّه، وكان أعرج، سيِّدًا شريفًا صارمًا، وكان يسمَّى أسدَ قريش وأسَدَ الحجاز، وكانت له نفسٌ شريفة، وعارضة، وإقدام على الخلفاء والأمراء بالكلام الحق. وهو الذي ولّاه عبد الله بن الزبير خراج الكوفة، وهو الذي أقدمه الحجاج معه على عبد الملك بن مروان في سنة خمس وسبعين فكان سبب ولايته على العراق. قال الشيخ أبو الفَرَج بن الجوزي في "المنتظم": إنه مات في سنة تسع وتسعين مُحرِمًا بمنى، ودفن في أسفل العَقَبة (٢). [وقال ابن سعد عن الواقدي: مات إبراهيم (بمنى) أو ليلة جَمْع، فدفن أسفل العَقبة وهو مُحْرِم (٣). ولم يذكر تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.] (٤) وذكر ابن سعد والزبير بن بكار ما يدلُّ على أن وفاته تأخرت عن هذا التاريخ؛ قال ابن سعد: حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة، وخرج إبراهيم بن محمد بن طلحة تلك السنة فوافاه بمكة، فجلس إبراهيم على الحجر، وطاف هشام بالبيت، فلما مرَّ

стр. 4649

بإبراهيم صاح به إبراهيم: ناشَدْتُك اللهَ في ظُلامتي، فقال هشام: وما ظُلامتُك؟ قال: داري مقبوضة، قال: ما فعل عبد الملك فيها؟ قال إبراهيم: ترك الحق وهو يعرفه، قال: فما صنع الوليد؟ قال: اتَّبع آثارَ أبيه وقال ما قال القوم الظالمون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، قال: فما فعل سليمان؟ قال: لا قفي ولا سيري، قال: فما فعل عمر؟ قال: رد الحقَّ إلى أهله (١) ﵀، فاستشاط هشام غضبًا - وكان إذا غضب انقلبت حَوْلَتُه- وقال: أما والله لو كان فيك موضع ضَرْب لأدَّبتُك، فقال: فيَّ والله الدِّين والحَسَب، لا يَبعدنّ الدينُ والحقُّ وأهلُه، وسيكون غدًا بحث وستعلم. ومضى هشام، ثم دعا الأَبْرَش الكلبيّ -وكان خاصًّا به- فقال: يا أبرش، كيف ترى هذا اللسان؟ هذا والله لسان قريش لا لسان كلب، إن قريشًا لا تزال فيهم بقيَّة ما كان فيهم مثل هذا. قال ابن الزبير: كانت هذه الدار بين الصفا والمروة، وتسمَّى دار آلِ عَلْقمة، وكان لآل طلحة منها شيء، والذي أخذها نافع بن علقمة الكناني خال مروان بن الحكم، وصار عاملًا لعبد الملك على مكة، ولم ينصفهم عبد الملك من نافع (٢). وقال الزبير: قدم إبراهيم على هشام وهو خليفة، فكلّمه هشام فلحن، فأجابه إبراهيم مثل لحنه، فقال له هشام: أتكلّمني وأنت تلحن؟ قال: ما عَدوتُ أن رَدَدْتُ عليك بمثل كلامك. وقال الزبير: جاء إبراهيم إلى باب هشام وقد قام، فأخبره الحاجب بقيامه فقال: أُغلقت دونه الأبواب، وقام بعُذره الحاجب، وبلغ هشامًا فأذن له (٣). قال عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المَخْزُومي وهو عامله على المدينة: أن يَحطَّ فَرْضَ آل

стр. 4650

صُهيب بن سنان إلى فرض الموالي، ففزعوا إلى إبراهيم (١)، فوعدهم خيرًا، ورصد إبراهيم بنَ هشام حتى خرج إلى زيارة قُباء، ولزمه في سوق المدينة وقال: أصلح الله الأمير، قد عرفتَ مكانة صُهيبٍ من الإسلام، وأولاده حُلفائي، قال: ما أصنع بكتاب أمير المؤمنين فيهم؟ فقال: والله إذا أردت أن تُحسنَ فعلت، فقال: ما لك عندي إلا ما قلت -وكان إبراهيم بن محمد رئيسَ بني تَيم- فقال للمخزومي: فإذا أبيتَ، فوالله لا يأخذ أحدٌ من بني تَيم درهمًا واحدًا حتى يأخذ آل صُهيب، فأجابه إبراهيم المخزومي إلى ما أراد، وكان أبو عُبيدة بن محمد بن عمار مع المخزومي، فقال لأبي عبيدة: لا يزال في قريش عزٌّ ما بقي هذا، فإذا مات ذلَّت قريش. وقال ابن سعد: فولد إبراهيم: عمران وأمه زينب بنت عَمرو بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ويعقوب، وصالحًا، وسليمان، ويونس، وداود، واليَسَع، وشعيبًا، وهارون، وأمَّ كلثوم، وأمَّ أَبان، وأمهم أم يعقوب بنت إسماعيل بن طلحة بن عُبيد الله، وأمها لُبابَة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وعيسى، وإسماعيل، وموسى، ويوسفَ، ونوحًا، وإسحاق، لأمَّهات أولاد، وإسماعيلَ الأكبر، وأمَّ أبيها تزوجها عمر بن عبد العزيز بن مروان فولدت له، وأمَّ كلثوم، وأمهم أم عثمان بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق (٢). وابن ابنه محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد صاحب الواقعة مع الجَمَّالين والمنصور، وكان قاضي المدينة، وحكم لهم على المنصور، وكان المنصور يعظّمه، ورماه المنصور بالبخل فقال: أنا لا أجمد في حق، ولا أذوب في باطل، فقال المنصور: أنت إذًا الرجل الكامل. وكان لمحمد بن عمران ولد اسمه عبد الله، ولي القضاء مرارًا (٣). وروى إبراهيم بن محمد عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأسند عن سعيد بن زيد، وعبد الله بن عمرو، وعمه عمران بن طلحة، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعائشة أم المؤمنين ﵂، وخلق من التابعين.

стр. 4651

سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن البصري، وكان أصغر من الحسن، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان الحسن يحبه حبًّا شديدًا، ولما مات حزن عليه حزنًا شديدًا، وأمسك عن الكلام حتى عُرف ذلك في مجلسه وحديثه، فكُلِّم في ذلك فقال: الحمد لله الذي لم يجعل الحُزْنَ عارًا على يعقوب، ثم قال: بئست الدار المُفَرِّقة. قال مُبارك بن فَضالة: دخلنا على الحسن حين نُعي له أخوه وهو يبكي، فعزَّاه بكر بن عبد الله وقال: إن الناس يرونك تبكي فيذهبون بهذا إلى عشائرهم فيقولون: رأينا الحسن يبكي عند المصيبة، فيحتجون به على الناس، فحمد الله الحسن وأثنى عليه وقد خنقتْه العَبْرة وقال: إن الله جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين؛ فيرحم بها بعضهم بعضًا، فتَدمع العين، ويَحزن القلب، وليس ذلك بجَزَع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، ثم قال: إن الله لم يجعل حُزْنَ يعقوب عليه ذنبًا ولا عارًا، قال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ورحم الله سعيد بن أبي الحسن، ما كانت تنزل بي شِدّة إلا وكان يَودُّ أنه لو فداني بنفسه. وقال ابن عَون: دفع إليَّ الحسن بُرنسًا مُطَوَّسًا كان لأخيه لأَبيعه، فذهبت به فلم أُعطَ فيه إلا أربعة وعشرين درهمًا، فقلت له: أفأشتريه أنا؟ قال: فأنت أعلم، ولكني لا أحب أن أراه عليك. قال ابن سعد: مات سعيد قبل سنة مئة، وقد روى الحديث، ورُوي عنه (١). [فصل: وفيها توفي] سليمان بن عبد الملك ابن مروان، وأمُّه وَلّادة بنت العباس أم الوليد، وكنيته أبو أيوب.

стр. 4652

[ذكر طرف من أخباره: قال الواقدي]: كما فصيحًا، لَسِنًا، طُوالًا، أبيض، وقيل: أسمر، وكان يَخْمَع (١) من رجله، وكان مُعْجَبًا بنفسه، حَسنَ السيرة، متَرفِّعًا عن سَفْك الدماء، مفتاحًا للخير، أذهب الله به عن النالص ظلمَ الحجاج، وسَفْكَه للدماء، أطلق المُحَبَّسين من حبس الحجاج، وأباد آل الحجاج، وردَّ المُسَيَّرين، وأنصف المظلومين، وبنى مدينة الرَّمْلَة، ومسجدُها قائم اليوم، وأحسن إلى الرَّعِيَّة، وختم أفعاله باستخلافه عمر بن عبد العزيز على الأمَّة، ولم يكن ممَّن تقدَّم من أهله أعلى هِمَّةً منه مع قصر أيامه، كانت أوائل خيله في الصين مع يزيد بن المهلب، وآخر خيله في طُلَيطلة، وكان أخوه الوليد قد ولّاه فلسطين فأقام بها. قال الواقدي: كان شَرِهًا أكولًا؛ يأكل في اليوم مئةَ رَطْل، ويتناول في ساعة واحدة أربعين رُقاقة مع عدة خِرفان، وكان نِكاحه على قدر أكله. وقال هشام: كان الطبَّاخ يأتيه بالسَّفافيد وعليها الدجاج المشوي، فيُدخل يده في كُمِّه وعليه ثياب الوَشْي، فيمسك السَّفُّود بيده، ويأكل منه أربعين دجاجة. وقال المدائني: حج سليمان فقال لقَيِّمه على طعامه: أطعمني من خِرفان المدينة، ودخل الحمام وخرج وقد شُوي له أربعة وثمانون خروفًا، فأكل من كل خروف جزمازجه (٢) مع شحم كليته، حتى أتى على آخرها، ثم دعا الناس إلى الطعام، فأكل معهم مثل ما كان يأكل. وأتى الطائف في حجته، فسأله ابن أبي زُهير الثقفي أن ينزل عليه فنزل، فجاءه برُمّان فأكل منه مئةً وسبعيق رمانة، وخروفًا، وست دجاجات، وعشرين رقاقة، ثم أكل مع الناس.

стр. 4653

قال الأصمعي: كنت حاضرًا عند الرشيد يومًا، فجيء بصناديق من ذخائر بني أمية، ففَتح صندوقًا منها، فوجد فيه ثياب الوَشْي وقد سال الدُّهن على صدورها وأكمامها، فسأل الناس عن ذلك فلم يجد عندهم علمًا، وكان عنده رجل من بني أمية فقال: يا أمير المؤمنين، هذه ثياب سليمان بن عبد الملك، كان شَرِهًا أكولًا (١). وكان سليمان غيورًا، روى الشعبي قال: كان سليمان يوما جالسًا بمَرْج دابِق في المخيم، وجارية تصبُّ على يديه الماء، فمالت إلى جهة المعسكر تستمع إلى غناء مغنٍّ، فلم يزل يبحث حتى عرف المغني، فأحضره وخصاه وقال: إذا هدر الجمل ضَبعَت الناقة، وإذا هدر الحمام زافت الحمامة، وإذا غنى الرجل شَبَقَت المرأة، ثم سأل عن أصل الغناء فقيل: في المدينة، وهو في المخنَّثين أكثر، فكتب إلى والي المدينة -وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- أن: احْصِ مَن قِبلَك من المُخَنثين والمغنِّين، فتَشَظَّى قلم الكاتب، فوقعت على الحاء المهملة نقطة فصيَّرتها خاءً مُعجمة، فلما قرأ أبو بكر كتابه قال لكاتبه: لعل الكاتب تَشَظَّى قلمُه فجعل الحاء خاءً، فقال الكاتب: إن على الخاء نقطة كأنها تمرة، أو كأنها سُهَيل، فأحضرهم وخصاهم، فلما بلغ سليمان قال: ما قَصَدْنا هذا (٢). وحكى ابن عساكر: أن خالد بن عبد الله القسري أخاف عبد الله بن شَيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي -ويُسمَّى عبد الله الأصغر، ويعرف بالأعجم لعُجْمَة في لسانه- فوفد على سليمان مُستجيرًا به فأجاره، وكتب إلى خالد: لا سبيل لك عليه، فلما قدم بالكتاب على خالد لم يفتحه، وضربه مئة سَوط، ثم فتحه وقرأه وقال: لو علمتُ ما فيه ما ضربتُك، فرجع عبد الله إلى سليمان فأخبره، فأمر بقطع يد خالد، فكلَّمه فيه يزيد بن المهلَّب، وقبَّل يده فعفا عن قطع يده، وكتب سليمان إلى طلحة بن داود الحَضرَميّ قاضي مكة: إن كان خالد قرأ الكتاب ثم جَلَده فاقطع يده، وإن كان جلده قبل أن يقرأ الكتاب فاضربه مئةَ سَوط مثلَ ما ضرب عبد الله، وشَهِّرْه ثلاثَ ليال، فقرأ القاضي

стр. 4654

كتابَه، فشهد جماعة أنه ضربه قبل أن يقرأ الكتاب؛ منهم: علي بن عبد الله بن العباس وكان [على أمر] زمزم (١)، وعبد الأعلي بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز، فضربه طلحة مئة سَوط وسهَّره ثلاثَ ليالٍ، فكان خالد يقول: التَّشهير أشدُّ عليَّ من الضرْب. ومرَّ به الفرزدق الشاعر -وكان قد هجا خالدًا لبُخْله- فقال له: اشدد -أو اضمم- إليك جناحك، قال خالد: فانتفعتُ بقوله، وفي ذلك يقول الفرزدق: [من الطويل] لعَمري لقد سار ابنُ شَيبةَ سِيرةً … أرتْك نجومَ الليلِ ضاحية تجري لعَمري لقد صُبَّت على ظهرِ خالدٍ … شَآبيبُ ما استَهلَلْنَ من سَبَلِ القَطْرِ أتَضرِبُ في العصيان مَن ليس عاصيًا … وتعصي أميرَ المؤمنين أخا قَسْرِ فلولا يزيد بنُ المهلَّب حَلَّقَتْ … بكفِّك فَتْخاءٌ (٢) إلى جانب الوَكْرِ وقال فيه أيضًا: [من الطويل] وكيف يَؤمُّ الناسَ مَن كانت امُّه … تدينُ بأنّ الله ليس بواحدِ (٣) وقال الهيثم: لما عزل سليمان يزيد بن أبي مُسلم كاتب الحجاج عن العراق؛ أمر أن يُحمل إليه في قيوده، فلما دخل عليه ازدراه وقال: لعن الله مَن حكمك في أمره، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتَني والأمر عنّي مُدبر، وهو عليك مُقبل، ولو رأيتَني والأمر عليَّ مقبل لاستَعْظَمتَ ما استصغرت، فقال له سليمان: ما أظنّ الحجاج إلا إلى الآن يهوي في جهنم، وما استقر في قعرها بعد، فقال: إن الحجاج مَحَضَكم الوُدَّ، وبذل لكم الجهد، وإنه يأتي غدًا بين يدي أبيك وأخيك، فاجعله أين شئت، فصاح سليمان: أخرجوه فأخرجوه (٤).

стр. 4655

وقال الشعبي: جرى بين سليمان وعمر بن عبد العزيز كلام، فقال له سليمان: كذبتَ، فقال له عمر: والله ما كَذبتُ منذ شَدَدْتُ إزاري، وقام مُغضَبًا وهو يقول: إن في غير هذا المجلس لنا سَعَةً، وتجهَّز إلى مصر، فأرسل إليه سليمان، فجاء فقال: يابن عَمّ، والله إن المُعاتَبة تَشُقُّ عليَّ، ولكن والله ما أهمَّني أمرٌ قط من ديني ودنياي إلا كنتَ أوّل مَن أذكره له. وقال الشعبي: دخل عليه أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين، إني مُكلِّمك بكلام فافهمه، فقال: إنا نجود بسَعَةِ الاحتمال على مَن نرجو نُصحه، ونَأمَنُ غِشَّه، فقال الأعرابي: أما إذْ أَمِنتُ بادرةَ لسانك، ومَغَبَّةَ غضبِك، فإني سأطلق لساني بما خَرَسَتْ عنه الألسنةُ من موعظتك تأديةً لحقِّ الله ولإمامتك، إنه قد اكتَنَفك رجالٌ أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وباعوا دينهم بدنياهم، ورضاك بسخط ربهم، ولم يخافوا اللهَ فيك، حربٌ للآخرة، سِلمٌ للدنيا، فلا تأمَنْهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم ضيعوا الأمانة، وعَسفوا الأُمَّة، وأنت مسؤولٌ عما اجَتَرموا، وليسوا بمسؤولين عما اجتَرَمْتَ، فلا تُصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غُبْنًا مَن باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سَلَلْتَ لسانَك، وهو أَمضى من سيفك، فقال: أجل ولكن لك لا عليك (١). وقال [أبو القاسم] بن عساكر: كانت دار سليمان بدمشق موضع سقاية جيرون الآن، وبنى دورًا كثيرة مما يلي الباب الصغير موضع الدَّرْب الذي يقال له: درب مُحْرِز، وجعلها دار الإمارة، وبنى فيها قُبَّة صفراء ضاهى بها القبة الخضراء التي بناها معاوية في دار الإمارة. قال: وكان سليمان فصيحًا، مُؤثرًا للعدل، محبًّا للغزو، وجّه جيشًا إلى القسطنطينية فحصرهم، فصالحوه على بناء الجامع بها. وكان مقربًا لعمر بن عبد العزيز مستشيرًا له. وحج بالناس في سنة إحدى وثمانين قبل خلافته، وسنة سبع وتسعين في خلافته.

стр. 4656

وقيل: إنه ولد سنة ستين بالمدينة في دار عبد الملك أبيه. وقال الزبير بن بكّار: جمع عبد الملك بنيه: الوليد، وسليمان، ومَسْلَمة، وقال: ليُنْشدني كلُّ واحدٍ منكم أرقَّ بيت قالته العرب، وقد أجَّلتُكم ثلاثًا، ومن أتاني به فله حُكمه، فخرج سليمان، فرأى أعرابيًّا يسوق إبلًا له وهو يقول: [من البسيط] لو حُزَّ بالسيف رأسي في مَحبَّتِكم … لمالَ يهوي سريعًا نحوكم رأسي فرجع إليه، فأنشده إياه فأعجبه وقال: يا بنيّ، سَلْ حاجتَك، ولا تنسَ حظَّ الأعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العَهْدَ ليس بمُقَرِّبٍ أجلًا، ولا تركه بمُباعدٍ حَتْفًا، وقد عَهِدتَ إلى الوليد فاجعلني بعده، فقال: نعم، فأقام عبد الملك الحج بالناس سنة إحدى وثمانين، وعهد إليه، وأعطاه مئة ألف درهم فدفعها للأعرابي (١). وقال الزبير: كان سليمان لما ولي الخلافة قد عزم على المقام بالبيت المقدس، ونقل إليه أمواله، فبلغه خروج الروم إلى ساحل حمع، وأنهم سَبَوا نساءَّ، فغضب وقال: والله لأَغْزُونَّهم غزاةً أفتح فيها القسطنطينية أو أموت دونها، فأغزى أهل مصر في ألف مركب في البحر إلى القسطنطينية، وقدَّم عليهم عُمر بن هُبَيرة الفَزاريّ، وأغزى أهلَ الشام في عشرين ومئة ألف إليها أيضًا في البرّ، وولّى على الجميع أخاه مَسْلَمة بن عبد الملك. ثم قدم سليمان دمشق، فصعد المنبر يوم الجمعة وخطب، وأخبر الناس بيمينه التي حلفها على فتح بلد القسطنطينية، وأمرهم بالجَهَاز فتجهَزوا، وخرج الناس من دمشق، وأتى مَرْج دابِق فنزل به، وأقام يُجَهِّز البعوث. وقال الزبير: كان سليمان من أفصح ملوك بني أمية، وكان شاعرًا، ومن شعره: [من الطويل] ومن شيمتي ألّا أُفارقَ صاحِبًا … وإن مَلَّني إلا سألتُ له رُشْدا فإن دام لي بالودِّ دُمتُ ولم أكن … كآخرَ لا يَرعى ذِمامًا ولا عَهْدا (٢)

стр. 4657

وقال الهيثم: كان الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأبو حازم، والزُّهري، وعلماء ذلك العصر وزُهّادُه يدعون لسليمان، ويُثنون عليه ويقولون: افتتح الخلافة بإحياء الصلوات في مواقيتها، ومحا سُنَن الحجاج وسجونه وبِدَعه وما لقي منه الإسلام والمسلمون، ثم ختم خلافتَه باستخلاف العبد الصالح عمر بن عبد العزيز ﵀. وقال عبد الله بن صفوان بن الأهتم: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلم بحاجتك، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، مَن كان الغالبُ على كلامه النَّصيحةَ وحسنَ الإرادة، أوفى به كلامُه على السَّلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتى أوفدني عليك أن ينطقني [بغير] الحق، وأن يُذَلِّل لساني لك بما فيه مصلحة لك وللرعية، وإن اقتصارَ الخطبة أبلغُ في أفئدة أولي الفهم من الإطالةِ والتَّشَدُّق في البلاغة، ألا وإن من البلاغة ما يُفهم وإن قلَّ، وإني مُقْتَصر على الاقتصار، مُجتنب لكثير من الإكثار، يا أمير المؤمنين، أشخَصَني إليك والٍ عَسوف، ورَعيَّة ضائعة، فإن تتعجَّلْ تستدركْ ما فات، وإن لم تعجل هَلَكت الرعيةُ ضَياعًا. فغضب سليمان وقال: البريد البريد، فحضر، فبعث عليه رجلًا وقال: لا تنزل من مركبك حتى تَعزلَ الوالي، ومَن كانت له ظُلامة فخُذْ له بحقّه، ثم أمر للحكيم بمال أو جائزة سنيَّة، فأبى أن يَقبلها وقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحتَسِب سَفَري على الله، وأكره أن آخذ عليه أجرًا من غيره، ولم يَقبلْه (١). ذكر بعض خطبه: [حكى هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان سليمان قد نشأ بالبادية عند أخواله، وكان فصيحًا] خطب يومًا فقال: أيها الناس، اتّخِذوا كتاب الله إمامًا، وارضَوا به حَكَمًا، واجعلوه لكم قائدًا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده. [قال: فما سمع الناس خطبة أبلغ منها ولا أوجز (٢).]

стр. 4658

وخطبة أخرى: أيها الناس، أين الوليد، وأبو الوليد، وجدّ الوليد، أسمعهم الداعي، واسترد العواري؛ فاضمَحَلَّ ما كان كأن لم يكن، وذهب عنهم طَيِّب الحياة، ففارقوا القصور، وسكنوا القبور، واستبدلوا بلين الوطاء خَشِن التّواب، فهم رهائنه إلى يوم المآب، فرحم الله عبدًا مَهّد لنفسه، واجتهد لدينه، وأخذ من الاستعداد بحَظّه، وعمل في حياته، وسعى لصلاحه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] (١). ومن أخرى: أيها الناس، إن الله جعل الموت حتمًا سبق به حُكمُه، ونَفَذ به أمرُه؛ لئلا يطغى المُتَكَبِّر، ويَمدَّ عُنقه المتجبِّر، ألا وإن الله جعل الدنيا دارًا لا تقوم إلا بأئمة العدل ودعاة الحق، وإن لله عبادًا يُملِّكهم أرضَه، ويَسوس بهم عبادَه، ويُقيم بهم حُدودَه، وقد أصبحت في هذا المقام الذي أنا غير راغبٍ فيه، ولا مُنافس عليه، ولولا أن الخلافة تُحفةٌ من الله لتمنَّيتُ أن أكون كأحدكم، وما هو إلا العدل أو النار (٢). ذكر وفاته: قال أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس: لشهد سليمان جنازةً بدابِق، فدُفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التُّربة ويقول: ما أحسن هذه التربة، ما أطيب ريحها! فما أتى عليه جمعة -أو كما قال- حتى دُفن إلى جانب ذلك القبر (٣). واختلفوا في سبب وفاته [على أقوال؛ أحدها:] قال الشعبي: ما زال سليمان بعد وفاة ابنه أيوب يذوب ويَنْحل حتى مات كَمَدًا. وقال المدائني: أتاه دِهقان بدابِق ومعه زِنبيل مملوء بيضًا، وآخر مملوء تينًا أخضر، فقدَّمه إليه، فجعل يُقَشِّر البيض ويأكل كل بيضة بتينة حتى أتى على الزِّنْبيلين، ثم أتوه بقَصْعَةٍ مملوءة مُخًّا مخلوطًا بالسُّكَّر فأكل الجميع، وكان قد أكل قبل التين والبيض والمخ ثلاث مئة وستين شاهلوكة -وهي عين البقر- فأُتخم ومرض ومات (٤).

стр. 4659

وقال ابن أبي الدنيا: نزل سليمان بمَرْج دابِق من أرض قِنَّسرين، فنظر في المرآة يومًا فأعجبتْه نفسُه فقال: أنا الملك الشَّابّ، أنا السلطان الوهَّاب -وكان جميلًا، وعليه حُلَّةٌ خضراء، وعلى رأسه وَصيفة- فلما قال: أنا الملك الشاب حرَّكت شفتيها، فقال لها: يا جارية، كيف ترينني؟ قالت: قُرَّة العين، ومُنى النَّفْس، قال: فما الذي حرَّكتِ به شفتيكِ؟ قالت: قلت: [من الخفيف] أنت نعمَ المتاعُ لو كنتَ … تَبقى غيرَ أن لا بَقاءَ للإنسانِ أنت خِلْوٌ من العيوبِ ومما … يَكرهُ الناسُ غير أنك فانِ ثم خرج إلى الجمعة ليَخطبَ بالناس ويُصلّي، فشرع في الخطبة وصوته يُسمع من أقصى المسجد، فطعن، فلم يزل يَضعف صوتُه، وثَقُل حتى لم يسمعه القريب من المنبر، ثم حُمل إلى بيته فقال: عليَّ بتلك الوَصيفة -التي كانت قائمة على رأسه- فجاءت، فقال لها: أعيدي ما قلتِ، قالت: وما الذي قلت؟ قال: ألستِ القائلة: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى؟ قالت: والله ما طَرقَ سَمعي هذا قط، ولا رأيتُك منذ شهر، فسأل القَيمةَ على الجواري فقالت: صدقت، فارْتَاعَ، وعلم أن نفْسَه قد نُعيت إليه، فما عاش إلا أسبوعًا (١). واختلفوا في وفاته؛ فقال هشام بن محمد: تُوفّي بدابِق يوم الجمعة لعشرِ ليالٍ بقينَ من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت خلافتُه سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام. [وقال ابن عساكر: إنه توفي في رمضان، وهو وهم منه.] وقال ابن أبي الدنيا: توفي لعشر ليال مضين من صفر. واختلفوا في عمره، فقال قوم: [ولد سنة ستين، فيكون عمره] تسعًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاث وخمسون سنة، والأول أشهر (٢).

стр. 4660

وقال الواقدي: صَلَّى عليه عمر بن عبد العزيز، ونزل في قبره، فلما سوّى عليه اللَّبِن اضطرب، فقال ولد صغير لسليمان: عاش والله أبي، فقال عمر: بل عوجل أبوك (١). قال: وقد جرى مثل هذا للوليد بن عبد الملك، فإن عمر نزل في قبره ومعه العباس بن الوليد أو عبد العزيز بن الوليد. فجمع الوليد رجليه إلى صدره، فقال ولده: قد عاش أمير المؤمنين، فقال عمر: كلا والله، ولكنه عُوجل (٢). وقد رثاه جماعة، منهم: الحارث الشاعر، فقال من أبيات: [من الطَّويل] فهلّا على قبرِ الوليدِ سَفَحْتَها … وقبرِ سُليمانَ الذي عند دابِقِ (٣) وقال حمزة بن بِيض الحَنَفيّ الشاعر: [من الكامل] ساس الخلافةَ والداك كلاهما … من بين سُخطَةِ ساخطٍ أو طائعِ ثم الوليدُ أخوك أصبح تاليًا … وَعلى جبينك نورُ ملكٍ ساطعُ (٤) يريد بوالديه: مروان وعبد الملك. ذكر أولاد سليمان: كان له أولاد عدة، منهم: أيوب، وداود، وعبد الواحد، ويزيد، وإبراهيم، ويحيى، وعبيد الله، والقاسم، وسعيد، ومحمد، وعمر، وعمرو، وعبد الرحمن، وأم أيوب. فأما أيوب فقد ذكرناه، وقيل: لم يكن في أولاده مثله. وأمَّا داود فأُمّه أم ولد، ولّاه أبوه بعض الصَّوائف، وأراد أبوه أن يَعْهَد له في مرضه فمنعه رجاء بن حَيوَة، وقيل: إنَّما منعه سليمان الخلافة لأنَّه كان ابنَ أَمَة، وهو الذي
следующие страницы →