﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيفِي﴾ أي: تهينوني وتذلُّوني ﴿أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] أي: صالح سديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ﴿قَال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي: منعة وعشيرة يمنعوني ﴿أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أي: وثيق. وقد ذكرنا أنَّ النبي ﷺ قال: يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، أي: الله تعالى. ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: رغبة ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] من إتيان الرجال. وأخذوا يعالجون الباب ليكسروه، ولوط يناشدهم الله تعالى. فقالت الملائكة حينئذٍ: يا لوط، إنَّ ركنك لشديد ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُود﴾ [هود: ٧٦] و ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ﴾ [هود: ٨١] فافتح الباب ودعنا وإيَّاهم، ففتح ودخلوا. ثم استأذن جبريل ربَّه في عقوبتهم فأذن له الله فقام في صورته التي خلقه الله عليها، ونشر جناحه، وعليه وشاح من درٍّ منظوم، وهو برَّاق الثنايا مشرق الجبين، [ورأسه] حُبك حُبك -الحبك: الطرائق-[مثل] المرجان كأنَّه الثلج وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحيه وجوههم فطمسها وأعمى عيونهم فصاروا لا يهتدون إلى بيوتهم، فهربوا وهم يقولون: النجاءَ النجاءَ، فإنَّ في بيت لوط أسحر قوم في الأرض، وجعلوا يتواعدونه ويقولون: كما أنت يا لوط حتى نصبح.
ثم قال لوط للملائكة: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبحُ، قال: أريد أسرع من ذلك لو أهلكتموهم الآن، قالوا: ﴿أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ثم قالت الملائكة: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ﴾ أي: بطائفة منه ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها تلتفت فتهلك. فخرج لوط ومعه أهله وامرأته ونهاهم أن يلتفتوا، إلَّا امرأته فإنه ما نهاها.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]، قال ابن عباس: أدخل جبريل جناحه تحت قراهم ورفعها حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].
وقال جدي في "التبصرة": كانت خمس قرى، أعظمها سَدُوم، في كل قرية مئة ألف، وكان الطير لا يدري أين يذهب، ثم أمطر الله على مسافريهم ومن غاب منهم ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١) وسجين -لغتان- وهي التي بعضها طين وبعضها حجر، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: على كل حجر اسم صاحبه ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]
стр. 492
وقال ابن عباس: ما من ظالم إلا وهو يخاف أن يسقط عليه حجر من ساعة إلى ساعة.
وقال مجاهد: لم ينكسرْ عند رفعهم إناء، ولم يُرَقْ عند ذلك ماء. ثم تبع جبريل رعاتهم فقتلهم. وقال مقاتل: كانت الحجارة التي رُموا بها سودًا منقَّطة ببياض مثل رؤوس الإبل (١) على كل واحد اسم صاحبه.
وقال ابن عباس: سمعتْ امرأته الهدَّة فالتفتت، فوأت العذاب، فقالت: واقوماه! فأصابها حجر فقتلها.
وروى السُّدي عن أشياخه قال: لما أهلك الله قوم لوط لحق لوط بإبراهيم، فلم يزل معه حتى توفي (٢).
وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن علي بن الجارود قال: مررت أنا وصاحب لي بمدائن قوم لوط عشيَّة عرفة، وإذا برجل كوسج أشعث أغبر على جمل أحمر، فسألَنا عن حالنا، فأخبرناه وقلنا: من أنت؟ فتغافل، فقلنا: لعلك إبليس، قال: نعم، قلنا: يا ملعون من أين جئت؟ قال: من عرفة رأيت من أذنب خمسين سعنة، فقلت: اليوم أشفي صدري منه، فنزلت عليه الرحمة، فشققت ثيابي ووضعت التراب على رأسي، وجئت إلى ها هنا أنظر إلى قوم لوط لعلَّ يسكن ما بي (٣).
وقلب الله حبوبهم (٤) حجارة وأثرها عند سَدُوم إلى الآن، وصيَّر بساتينهم بحيرة زُغَر، فجعلها منتنة لا يعيش فيها حيوان، لا من السمك ولا من غيره.
ويقال: إن في وسطها مكانًا مثل البالوعة يذهب فيه الماء لا يُدْرَى أين يذهب.
ويقال: إنه يذهب إلى اليمن. ويظهر من هذه البحيرة حجر مثل البطيخة ذو شكلين يعرف بالحجر اليهودي ينفع لمن به وجع الحصى في المثانة، وهو نوعان: ذكر وأنثى، فالذكر للذكر والأنثى للأنثى، ويخرج منها أيضًا شيء على هيئة الحيوان يقال له:
стр. 493
الحمر تُطلَى به الكروم فتخصب وتحمل.
فصل في وفاة لوط ﵇ -
قال علماء السير: مات لوط قبل الخليل بمدة سنين، وعاش ثمانين سنة (١)، ولم يكن إبراهيم اشترى المغارة فدفن على جانب البحيرة في قرية من أعمال الخليل يقال لها: بريكوت، وقبره ظاهر بها.
وقال مقاتل: أقام لوط في سَدوم بضعًا وعشرين سنة.
وقال أحمد بن حنبل وإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلعون من عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ" (٢).
وحدثنا عمر بن محمد بن معمر الدَّارَقَزِّي بإسناده عن ابن المسيَّب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من عَمِلَ من أُمتي عمَلَ قومِ لوطٍ أو ماتَ وهو يَعمَلُ عَمَلَهم نَقَله الله حتَّى يُحشَر معَهم" (٣).
* * *
стр. 494
فصل في ذِكر ذِي القَرنَين وردمه بينَ السَّدَّين ونحوه (١)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾ [الكهف: ٨٣] قال ابن مسعود: الذين سألوا رسول الله ﷺ هم اليهود.
واختلفوا في اسمه على أقوال:
أحدها: عبد الله بن الضحَّاك بن معَدّ، قاله علي كرم الله وجهه.
والثاني: الإسكندر، قاله وهب.
والثالث: عباس بن قيصر، وأبوه أوَّل القياصرة، قاله محمد بن علي بن الحسين زين العابدين.
والرَّابع: صعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة.
واختلفوا في علَّة تسميته بذي القرنين على أقوال:
أحدها: لأنَّه دعا قومه إلى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك، وغبر زمان ثم بعثه الله فدعاهم إليه، فضربوه على قرنه الآخر فهلك، قال علي ﵇: فذلك قرناه؛ وهذا القول يدلُّ على أنَّه كان نبيًّا.
والثاني: لأنَّه سار إلى مطلع الشّمس وإلى مغربها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: لأنَّ صفحتَي رأسه كانتا من نحاس، قاله مجاهد.
والرابع: لأنه رأى في المنام كأنه امتدَّ من الأرض إلى السَّماء فأخذ بقرني الشّمس، فقصَّ ذلك على قومه، فسمِّي بذي القرنين، قاله عكرمة، وكان تأويل رؤياه أنَّه طاف الدُّنيا ما بين المشرق والمغرب.
والخامس: لأنَّه ملك الروم وفارس، قاله مقاتل، قال: وهما عاليان على الأرض من الجانبين فهما قرنان.
стр. 495
والسَّادس: كان في رأسه شبه القرنين، وقد رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب أيضًا.
والسَّابع: لأنَّه كان له غديرتان من شعر، قاله الحسن وابن الأنباري، قال: والعرب تسمِّي الضفيرتين من الشعر غديرتين.
قلت: وقد أشار الجوهري إلى هذا فقال: "والقرن الخصلة من الشعر" ومنه قول أبي سفيان في الرُّوم: ذات القُرُون (١).
قال الأصمعي: أراد قرون شعورهم وكانوا يطوِّلون ذلك، يعرفون به، وللرَّجل قرنان أي ضفيرتان. وذو القرنين لقب إسكندر الرُّومي، وكان يقال للمنذر بن ماء السَّماء ذو القرنين لضفيرتين كان يضفرهما في قرني رأسه فيرسلهما. هذا صورة كلام الجوهري (٢).
والثامن: لأنَّه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف من قبل أبويه، قاله الشعبي.
والتاسع: لأنَّه انقرض في زمانه قرنان من النَّاس وهو حيٌّ، قاله ابن المسيَّب.
والعاشر: لأنَّه سلك الظلمة والضوء، قاله الرَّبيع.
والحادي عشر: لأنَّه كان إذا قاتل قاتل بيده وركائبه جميعًا.
والثاني عشر: لأنَّه أُعطي علم الظاهر والباطن جميعًا، حكاهما الثعلبي (٣).
واختلفوا في زمان كونه على أقوال:
أحدها: في القرن الأول من ولد يافث بن نوح، قاله علي ﵇، وأنه ولد بأرض الروم.
والثاني: أنَّه بعد ثمود، قاله الحسن.
стр. 496
والثالث: أنَّه كان من ولد إسحاق من ذريَّة العيص، قاله مقاتل.
والرَّابع: أنَّه كان في الفترة بين موسى وعيسى ﵉.
والخامس: بين عيسى ومحمد ﷺ .
والسادس: أنَّه كان من ذرِّيَّة يونان بن نوح في أيَّام الخليل ﵇، وهو الأصحّ، ذكره أبو الحسين بن المنادي.
وروى عطاء عن ابن عباس فقال: لقي ذو القرنين الخليل ﵇ بمكَّة، وكان ذو القرنين قد حجَّ ماشيًا، فسلَّم عليه واعتنقه وتصافحا.
وأخرجه ابن عساكر عن عبيد بن عُمير قال: أوَّل من حجَّ ماشيًا ذو القرنين، وكان الخليل ﵇ بمكَّة، فسمع به فخرج فتلقَّاه (١).
وروي أنَّه اجتمع به بالشَّام. قال مقاتل: كان إبراهيم جالسًا بفلسطين، فسمع أصواتًا وجلبة فقال: ما هذا؟ قالوا: ذو القرنين وجنوده. فأرسل إليه الخليل رجلًا وقال: أقره مني السلام، فأتاه فقال: إبراهيم خليل الله يقرأ عليك السَّلام، فقال: وخليل الله ها هنا؟ قال: نعم، فنزل عن فرسه ومشى، فقيل له: بينك وبينه مسافة، فقال: ما كنت لأركب في بلد فيه خليل الله تعالى. فقام الخليل فالتقاه وسلَّم عليه ورحَّب به، وأوصاه وأهدى له بقرًا وغنمًا وحمل إليه ضيافة (٢).
قلت: وهذا خلاف قول من قال: إن نمرود عاش أربع مئة سنة بعد إبراهيم، لأنَّ ذا القرنين ما كان في أيَّام نمرود بل بعده، لأنَّ ذا القرنين ملك الأرض أيضًا فَتكون وفاة نمرود في أيَّام الخليل ﵇ كما ذكر مقاتل.
وقال مقاتل: كان ذو القرنين من حمير، وفد أبوه إلى الرّوم فتزوَّج امرأة من غسَّان فولدت له ذا القرنين، وقد ذكرناه.
واختلفوا: هل كان نبيًّا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه كان نبيًّا، قاله عبد الله بن عمرو والضحَّاك.
стр. 497
والقول الثَّاني: أنَّه كان عبدًا صالحًا ولم يكن نبيًّا ولا ملكًا، حكاه جدي ﵀ في "التبصرة" عن عليٍّ ﵇ (١).
وحدَّثنا عبد الرحمن بن أبي حامد الحربي بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أدري أكان ذو القرنين نبيًّا أم لا" (٢).
قلت: وقد روي عن علي وابن عباس أنَّه كان ملكًا صالحًا فاضلًا على دين إبراهيم ﵇، يأمر النَّاس بالتوحيد والتقوى.
وحكى جدي ﵀ في "التبصرة" عن وهب أنَّه كان ملكًا (٣). وحكى أيضًا عن علي ﵁ أنَّه قال: أطاع الله فسخَّر له السحابَ فحُمل عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء (٤). وحكى هذه الأقوال أبو القاسم ابن عساكر (٥).
وقال أبو الحسين ابن المنادي: كان ذو القرنين أحدَ عظماء الملوك، إلَّا أنَّ الله تعالى أعطاه التوحيد والطَّاعة واصطناع الخير والمعونةَ على الأعداء، ففتح الحصون والمدائن وغلب الرجال، وعمَّر عُمُرًا طويلًا، فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السدَّ، وحصر يأجوج ومأجوج وراءه، وكان رحمة للمؤمنين ونقمة على الكافرين (٦).
وروى الوالبي عن ابن عباس قال: كان أوَّل أمر ذي القرنين أنَّه كان غلامًا من الروم أعطي مُلكًا، فسار حتَّى أتى مصر فابتنى بها مدينة يقال لها: الإسكندرية، فلمَّا فرغ من بنائها أتاه مَلَكٌ فعرج به، فقال: انظر ما تحتك؟ فقال: أرى مدينتي وأرى معها مدائن، ثم عرج به فقال: انظر، فنظر وقال: أرى مدينتي وحدها ولا مدائن معها، فقال له
стр. 498
الملَكُ: إنَّما تلك الأرض كلها، وهذا السَّواد الذي ترى محيطًا بها هو البحر، وإنَّما أراد الله أن يريَكَ الأرض، وقد جعلك سلطانًا فيها، فَسِرْ فيها شرقًا وغربًا فعلِّم الجاهل وثبتِ العالم (١).
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قطع الإسكندر الأرض من مشرقها إلى مغربها في اثنتي عشرة سنة.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين إذا سار يكون أمامه على مقدمته ست مئة ألف، وهو في الوسط في ألف ألف، وفي ساقته مئة ألف لا ينقص هذا العدد، كما هرم واحد جعل مكانه غيره.
فصل في سَيره في الأرض وبنائه السَّدّ وغير ذلك
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: وطَّأنا له في الأرض وهديناه طرقها ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ يحتاج إليه ويستعين به الملوك على فتح الحصون والمدن ومحاربة العدوِّ.
وقوله: ﴿سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] قال ابن عباس: أي علمًا يتسبَّب به إلى ما يريد من بلوغ المقاصد، كما فعل سليمان ﵇، وقيل: هو العلم بالطرق والمسالك (٢) ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [الكهف: ٨٥] السبب الطريق، ومعنى "أَتْبَعَ" أي: سلك وسار يقفو الآثار، ومنه ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٧] أي: طرقها.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن إبراهيم التَّيميُّ عن أبيه عن أبي ذر، قال: كنت رديف النَّبيِّ ﷺ فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل تدري أين تغربُ هذه الشَّمسُ"؟ قلت: الله ورَسُولُه أعلم، فقال: "إنَّها تَغربُ في عَينٍ حَاميةٍ" (٣).
وقد رواه عبد الله بن عمرو فقال: نَظرَ رسولُ الله ﷺ إلى الشّمس وقد غربت فقال:
стр. 499
"في نارِ اللهِ الحامِيةِ لولا ما يَزَعُها من أمر اللهِ لأحرَقت ما على وَجهِ الأرضِ" (١)، وقد ذكرناه في فصل الشّمس.
وقال الحسن البصري: وجدها تغرب في ماء يغلي غليان القدور؛ ويفيض الماء من تلك العين الحارَّة حولها ثلاثة أيَّام، لا يأتي على شيء إلَّا احترق (٢).
والجمهور على القراءة الأولى وهي ﴿عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ مهموز، أي: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. وقال كعب: أجدها في التوراة تغرب في عين سوداء، فوافق ابن عباس.
وذكر الثعلبي أيضًا بإسناده عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر، أو ابن حاضر رجل من الأزد، يقول: سمعت ابن عباس قال: إنِّي لجالس عند معاوية إذ قرأ: "تغرب في عين حامية" قال ابن عباس: فقلت ما نقرأها إلَّا ﴿حَمِئَةٍ﴾، فقال معاوية لعبد الله بن عمر: وكيف تقرأها؟ فقال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين يعني: حامية، قال ابن عباس، فقلت: في بيتي نزل القرآن، فأرسل معاوية إلى كعب فجاءه فقال: أين تجد الشّمس تغرب في التوراة؟ فقال كعب: أمَّا العربية فأنتم أعلم منَّا بها، وأمَّا الشَّمس فإني أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين، قال أبو حاضر الأزدي: لو كنت عندكما حاضرًا لأنشدتك ما تزداد به بصرًا في قولك: حمئة، فقال ابن عباس: وما هو؟ فقلت: قول تُبَّع: [الكامل]
قد كان ذو القرنين قبليَ مُسلمًا … ملكًا تدينُ له الملوك وتسجدُ
بلغَ المشارق والمغاربَ يبتغي … أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرشد
فرأى مغار الشّمس عند غروبها … في عين ذي خُلُب وثَأط حرمد
قال: فقال ابن عباس: ما الخُلبُ؟ قلت: الطين في كلامهم، يعني أهل اليمن، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. فدعا رجلًا أو
стр. 500
غلامًا فقال له: اكتب ما يقول (١).
قلت: ذكر الثعلبي هذه الأبيات مرفوعة، وهي لحن فاحش. قلت: وفيها علّة أخرى، وذلك لأنَّ كعبًا مات في سنة اثنتين وثلاثين، ومعاوية ولي الأمر بعد الأربعين. فبينهما تسع سنين.
وقال أبو العالية: بلغني أن الشّمس تغرب في عين، والعين تقذفها إلى المشرق.
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ يعني: أناسًا، لباسهم جلود السباع، ليس لهم طعام إلَّا ما أحرقت الشَّمس من الدَّواب عند غروبها، وما لفظت العين من الحيتان، ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ﴾ [الكهف: ٨٦] من قال إنه كان نبيًّا يقول: ﴿قُلْنَا﴾ وحيٌ من الله تعالى، ومن قال: إنه لم يكن نبيًّا يقول: هو إلهام ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ أي: تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] يعني الصفح والعفو، وقيل: إمَّا أن تأسرهم فتعلمهم طريق الهدى وتبصرهم طريق الرشاد ﴿قَال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: أشرك بالله ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٨٧] أي: منكرًا وهو عذاب النَّار ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: جزاء الأعمال الصالحة ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨] أي: نلين له القول ونهوِّن عليه الأمر.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] أي: طرقًا ومنازل ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشّمس ستر، وذلك لأنهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليه البنيان، وكانوا يكونون في أسراب لهم حتَّى إذا زالت الشّمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضًا لا تحتمل النَّبات، فكانوا إذا طلعت عليهم الشّمس تهوروا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فرعوا كما ترعى البهائم. وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرَّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشّمس وأنتم ها هنا، فقالوا: ما نبرح حتَّى تطلع الشّمس، ثم رأوا عظامًا فقالوا: ما هذه؟ قالوا: عظام قوم طلعت عليهم الشّمس ها هنا فماتوا، فذهبوا هاربين في الأرض (٢).
стр. 501
وقال قوم (١): هم الزنج.
وقال الكلبي: هم تاريس ومنسك وتاويل، عراة حفاة عماة عن الحق (٢).
وحكى الثعلبي عن عمرو بن مالك بن أميَّة قال: وجدت رجلًا بسمرقند يحدِّث عن القوم الذين تطلع عليهم الشّمس قال: خرجت حتَّى جاوزت الصين، ثم سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلًا وسرت بقيَّة عشيَّتي وليلتي حتَّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، أو يلبس الأخرى، وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم، قالوا: وما أنتم؟ قالوا: جئنا حتى ننظر إلى الشّمس كيف تطلع، قال: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليَّ فوقعت، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن. فلما طلعت الشّمس على الماء إذا هي كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعتْ أدخلوني سَرَبًا لهم أنا وصاحبي، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصيدون السمك فيطرحونه في الشّمس ويأكلونه (٣).
وقال مجاهد: مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل من لم يؤمن حتَّى بلغ مطلع الشمسى، وذكر بمعنى ما ذكرناه.
واختلفوا في معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ هو على أقوال:
أحدها: كما بلغ مغرب الشّمس كذا بلغ مطلعها.
والثاني: أن معناه: كما أتبع سببًا أتبع سببًا آخر وحكم بحكم أولئك، ثم استأنف فقال: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] يعني: بما عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات والأمم ﴿خُبْرًا﴾ أي: علمًا.
حديث السدِّ ويأجوج ومأجوج
قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [الكهف: ٨٥] أي: سلك طريقًا إلى المشرق ﴿حَتَّى إِذَا
стр. 502
﴿بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ﴾ قال وهب: وهما جبلان مَنِيعان رأسهما في السماء، ومن ورائهما البحر (١).
قوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣] أي: لا يفهمونه إلَّا بعد إبطاء ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ﴾ فإن قيل: فقد أخبر عنهم أنهم لا يفقهون: أي: لا يفهمون قولًا، ثم قال: ﴿قَالُوا﴾، قلنا: كلَّمهُ عنهم ترجمان يفهم ما يقول، وذلك جائز. وهؤلاء القائلون هم دون سدِّ يأجوج ومأجوج ﴿يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] أصل يأجوج ومأجوج من أجيج النَّار، وهو ضوؤها ولهبها، شُبِّهوا به لكثرتهم وشدَّتهم.
واختلفوا فيهم على أقوال:
أحدها: أنهم من ولد يافث بن نوح، قاله مجاهد.
والثاني: أنهم من غير حوَّاء، وذلك لأنَّ آدم نام ذات يوم فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتُّراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم، حكاه الثعلبي عن كعب الأحبار (٢).
والثالث: أنهم جبل من الترك، قاله الضحاك (٣). وذكرهم الجوهري فقال: الأجيج: تلهب النار (٤).
وقال علي ﵇: منهم من طوله شبر، ومنهم مفرط الطول، ولهم شعور تواويهم، ومنهم من وجهه وجه كلب ووجه أسد ودبٍّ ونحو ذلك (٥).
стр. 503
وقال ابن عباس: السَّدُّ بين أرمينية وأذربيجان.
ومعنى فسادهم في الأرض: أنهم كانوا يأكلون النَّاس. وقال الكلبي: كانوا يخرجون في أيَّام الرَّبيع في السهل فلا يدعون شيئًا إلّا أكلوه ولا يابسًا إلَّا احتملوه. وقيل: معناه في المستقبل؛ أي: سيفسدون في الأرض، وقد دلَّ الحديث عليه لما نذكر في آخر الفصل.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قرأه العامَّة بغير ألف، وقرأه حمزة والكسائي وأهل الكوفة "خراجًا" بألف. ومعناه: نجعل لك أجرًا وجُعلًا ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] أي: حاجزًا فلا يصلون إلينا. قال لهم ذو القرنين: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ﴾ وقرأ أهل مكّة "مكنني" بنونين على الإظهار، وقرأ الباقون "مكَّنِّي" بنون واحدة على الإدغام. ومعنى ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ﴾ أي: خير من خرجكم، ولكن أعينوني ﴿بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] أي: حائطًا أو حاجزًا. قالوا: وما تلك القوَّة؟ قال: صُنَّاع وفَعَلة يحسنون هذا، قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: قِطَع الحديد فأتوه بها فبناه ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ﴾ وهما جانبا الجبل، فجعل بينهما الخطيب ونسج عليه الحديد وألقى عليه القِطْر، وهو النُّحاس المذاب، فأكلت النَّار الخطيب، وصار النُّحاس موضعَ الخطيب، فاختلط الحديد بالنحاس وهو يقول: ﴿انْفُخُوا﴾ [الكهف: ٩٦] حتَّى كمل واستوى ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلون فوقه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] من أسفله. فقال ذو القرنين: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ يعني السدَّ، فلهذا لم يقل: هذه ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] أي: مستويًا بالأرض.
وقال مقاتل: وصل إلى مدن معطلة قد بقي فيها بقايا من النَّاس، فسألوه أن يسدَّ ما بينهم وبين يأجوج ومأجوج. وقال مقاتل: لما سار إلى المشرق جعل طريقه على الهند والتُّبَّت، فتلقته الملوك بالهدايا والطاعة، إلى أن وصل إلى الأرض السوداء المنتنة، فقطعها سيرًا حثيثًا في شهر، ووصل إلى المدائن المجاورة ليأجوج ومأجوج، فنزل بجيوشه فيها ومعه العلماء وأرباب الصنائع. فلمَّا عزم على بناء السدِّ اتخذ القدورَ الكبار من النحاس والحديد والمغارف، وأمر بأن يجعل دَوْرَ كلِّ قِدْرٍ خمسين ذراعًا، فبناه،
стр. 504
وجعل في وسطه بابًا ارتفاعه خمس مئة ذراع وعوضه مائة ذراع بالذراع الأعظم، وهو الباع، وعمل عليه مصراعين وقفلًا كبيرًا، وكل ذلك أملس كملاسة الجبل.
وذكر ابن خرداذبه في كتاب "المسالك والممالك" قال: حدَّثني سلام الترجمان قال: رأى هارون الواثق بالله في منامه كأنَّ السدَّ قد فتح فانزعج، وقال: تجهز إلى السدِّ، وضمَّ إليَّ عسكرًا، ووصلني بخمسة آلاف دينار، وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم، وأعطى كلَّ فارس معي ألف درهم ورزق ستة أشهر. قال: فَشَخَصَنا من سُرَّ مَن رَأى بكتاب الواثق إلى نائبه بأرمينية وهو إسحاق بن إسماعيل، فوافيناه بتَفلِيس، فكتب لنا كتابًا إلى صاحب مملكة السَّرير واللَّان، فكتبوا لنا كتابًا إلى ملك الخَزَرِ، فبعث معنا الأدلَّاء وسرنا من عند ملك الخَزَر خمسةً وعشرين يومًا ثم وقعنا في أرض سوداء منتنة الريح، فسرنا فيها عشرة أيَّام، ثم صرنا إلى مدن خراب، فسرنا فيها تسعة وعشرين يومًا، فسألنا الأدلَّاء عنها فقالوا: هذه مدن كان يأجوج ومأجوج يطرقونها فأخربوها. ثم سرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذي فيه السدُّ، وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرؤون القرآن، وعندهم مساجد ولهم زروع وعيون، فقالوا: من أين جئتم؟ قلنا: من العراق، ونحن رسل أمير المؤمنين الواثق، فعجبوا وقالوا: ما سمعنا بهذا قط. ثم صرنا إلى جبل أملس مقطوع بوادٍ عرضه خمس مئة ذراع وأكثر، وفيه السدُّ، وإذا عضادتان كل واحدة منها يلي الجبل، وعليها باب بمصراعين عرض كل واحد خمسون ذراعًا في ارتفاع خمسين ذراعًا في ثخن خمسة أذرع، وقائمتهما في دَرْوَند من حديد، وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع، وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعًا، وفوقه غَلقٌ أطول من القفل وقفيز، وعليه مفتاح عظيم بسلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة ذراع، والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق، وعتبة الباب عشرة أذرع في بسط مئة ذراع، ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبَّة من حديد وزنها خمسين ومئة منٍّ، فيضربون الباب بتلك المرزبَّات مرارًا ليسمع من خلف الباب، فيعلمون أنَّ هناك حفظةً وهناك آلة البناء والقدور والمغارف وبقيَّة اللبن والقدور، ويصعد إليها بسلالم، فسألناهم: هل رأيتم أَحدًا من يأجوج ومأجوج؟ قالوا: رأينا مرَّة
стр. 505
عددًا فوق الشرافات (١)، فهبت ريح سوداء فألقتهم وراء الجبل، ومقدار الرجل شبر.
قال سلام: ثم عدنا فخرجت بنا الأدلَّاء من خلف سمرقند بسبعة أيَّام وسبعة فراسخ، ورجعنا إلى سُرَّ مَن رأى بعد خروجنا بثمانية وعشرين شهرًا.
وقد ذكر جدي ﵀ هذه الحكاية في كتاب "التبصرة" في سيرة ذي القرنين واختصرها (٢).
وقد روي: أن يأجوج ومأجوج يحفرون السدَّ كل يوم، فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ يَأجُوجَ ومَأجُوج ليَحفِرُون السَّدَّ كُلَّ يوم حتَّى إذا كادُوا يَرَون شُعاع الشَّمسِ قال الذي عليهم: ارجعُوا فسَتَحفِرُونَه غَدًا، فيعُودُونَ إليهِ فَيَرونَه كما كان أو أشدَّ، حتَّى إذا بلغت مُدَّتُهم وأراد اللهُ أن يَبعثَهم على النَّاس حَفَروا، حتَّى إذا كادوا يَرَونَ شُعاعَ الشَّمسِ قال الذي عليهم: ارجعوا فستَحفِرُونه غدًا إن شاء الله تعالى فيعودُونَ إليه فَيَرونَهُ على هَيئتِهِ التي تَركُوهُ عليها، فَيحفِرُونَه وَيخرُجُونَ على النَّاس، فيَنشُفُونَ المياهَ ويتَحصَّنُ النَّاسُ منهم بحصُونِهم، فَيَرمُونَ بِسهامِهِم نحو السَّماءِ، فَترجِعُ وعليها أثر الدَّمِ أو كَهيئَةِ الدَّمِ، فيقولون: قَهَرنا أهلَ الأرض وعَلَونا أهلَ السَّماءِ، فَيبعَثُ الله عليهم نَغَفًا في أقفائِهم فيقتُلُهم بها، فوالذي نَفسِي بِيَدِه إنَّ دوابَّ الأرضِ لتشكَر من لُحُومِهم أو دِمَائِهم" (٣).
قال الجوهري: النغف الدود الذي يكون في أنوف الإبل والغنم (٤)، وتَشكَر: أي تمتلئ، من قولهم: شكر الضرع إذا امتلأ (٥).
وقد روى أبو إسحاق الثعلبي حديثًا في هذا المعنى فقال: حدَّثنا عبد الله بن حامد بإسناده عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: "يفتحُ يأجوجُ ومأجُوجُ
стр. 506
فيخرجُون كما قال الله : ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَيَغْشَوْنَ
الأرض، وينحاز المسلمون إلى حصونهم ومدائِنهم، حتَّى إنَّ أولهم يمرُّون بالنَّهر من
أنهار الأرض- وقال أبو الهيثم: دجلة- فيشرَبُون حتَّى تصير يابسة، فيمرُّ به الذين من
بعدهم سيقولون: لقد كان بهذا المكان ماءٌ مرةً. حتَّى إذا ظهروا على أهل الأرض
قالوا: هؤلاء أهلُ الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السَّماءِ فيهزُّ أحدُهُم حَربَتَه، ثم
يقذِفُ بها إلى السماء فترجع إليه مُخضَبَةً دمًا للفتنة، فبينما هم كذلك إذ بعثَ اللهُ عليهم
دُودًا في أعناقهم كنَغَفِ الجَرادِ، فيمُوتُون موتَ الجَرادِ، فيُصبحُ المسلِمونَ ما يسمَعُونَ
لهم حِسًّا، فيقولون: هل من رجل يشترِي لنا نَفسَهُ فينظُر ما فَعلَ هؤلاء القوم؟ فينزِلُ
رجل منهم قد أيقَن أنَّه مقتُولٌ، فيَجدُهم موتَى بعضُهُم على بَعضٍ، فينادي: أبشِروا فقد
كَفاكُم اللهُ أمرَ عدوكُم، فيخرجُ المسلِمونَ فيُرسِلُون مواشِيَهم فيهم، فما يَكونُ لهم رَعيٌ
غير لُحومِهم، فتَشكَر عليه كأحسَن ما شكَرت على شيءٍ من النَّباتِ أصابَتهُ قطّ" (١).
وقال الثعلبي بإسناده عن عبد الله، قال: سألت النَّبيُّ ﷺ عن يأجوج ومأجوج
فقال: "يأجوجُ أُمَّةٌ ومأجوجُ أُمَّةٌ، كل أُمَّةٍ أربع مئة ألف، لا يموتُ أحدُهم حتَّى ينظُرَ
إلى ألفِ ذَكرٍ من صُلبِه كُلُّهم قد سَلَّ السِّلاحَ" فقال: يا رسول الله، صِفهُم لنا، فقال:
"هم ثلاثةُ أصنَافٍ: صِنفٌ منهم أمثال الأَرْزِ" قيل: يا رسول الله، وما الأَرزُ؟ قال:
"شجر بالشَّامِ طولُ الشَّجرةِ عشرُون ومئة ذِراع، وصِنفٌ منهم عرضُهُ وطُولُه سواء،
وصِنفٌ منهم يَفرُش أذُنَه ويلتَحِفُ بالأخرى، لا يمرُّونَ بِفيلٍ ولا وَحشٍ ولا خِنزِيرٍ إلَّا
أكلُوهُ، ومَن مَاتَ منهم أكلُوهُ، مقدِمتُهم بالشَّامِ وساقتهم بخُراسَان، يَشربُونَ أنهارَ
المشرق وبُحيرةَ طبرية"
قلت: وقد أخرج جدِّي هذا الحديث في "الموضوعات" وقال: قال ابن عدي: هذا
حديث منكر موضوع (٢).
وذكر مقاتل أنَّ السدَّ عرضه فرسخ وطوله فرسخ. وذكَر صاحب "المسالك": أنَّ
стр. 507
ارتفاعه في الهواء فرسخين، وكذا عرضه، وينتهي إلى البحر الأعظم (١). ودونهم قوم لا يعرفون آدم، ودونهم إلى ناحية يأجوج ومأجوج أمَّة من الحيَّات تَبلَعُ منهم الحيَّة الصخرة العظيمة.
وقال قتادة: الجبل الذي فيه السدُّ يقال له: جبل الرَّدم، وجميعه على بحر الخَزَرِ، وينتهي إلى البحر المظلم، وطوله ألف فرسخ، وليس له طريق إلى البر إلَّا من ناحية السد، وفيه يأجوج ومأجوج، وطعامهم أفاعي البحر، يبعث الله السحب فتغترف الأفاعي من البحر ثم تمطر عليهم فيأكلونها، ولكل واحد منهم فرجان وينكح نفسه، ولا يموت حتَّى يرى من نسله ألف إنسان، ثم يموت فيرمى في البحر فتأكله أفاعي البحر (٢).
فصل في سلوكه الظلمة وطلبه لعين الحياة
قال جدِّي ﵀ في تاريخه المسمَّى بـ "المنتظم": حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي البزاز بإسناده عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جدِّه عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: كان لذي القرنين خليل من الملائكة يقال له: ربائيل يتردَّد إليه، فقال له يومًا: يا ربائيل، أخبرني عن عبادة الملائكة في السماء، فقال: منهم سجود لا يرفعون رؤوسهم، وقيام لا يركعون، وركوع لا يرفعون، ومع هذا فإنهم يقولون: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك. فبكى ذو القرنين وقال: إنِّي أحب أن أعيش حتَّى أبلغ من عبادة ربي حقَّ طاعته، فقال له الملك: أتحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فإن في الأرض عينًا يقال لها: عين الحياة، من شرب منها لا يموت حتَّى يكون هو الذي يسأل ربَّه الموت. قال: فهل فيكم من يعلم مكانها؟ قال له الملك: إنَّها في ظلمة لا يصلُ إليها إنسيٌّ ولا جنِّيٌّ. فجمع ذو القرنين حكماء أهل زمانه والعارفين بأخبار العالم وقال: هل وجدتم فيما قرأتم من الكتب أنَّ لله في الأرض عينًا يقال لها عين الحياة؟ قالوا: لا، فقال عالم من العلماء يقال له أفشنجير: نعم، إنِّي وجدت في وصيَّة آدم أنها في ظلمة على قرن الشَّمس عند طلوعها. فسار ذو القرنين يطلبها إلى أن
стр. 508
بلغ طرف الظلمة، وذلك في اثنتي عشرة سنة، فوقع في ظلمة لا تشبه ظلمة الليل بل تفور مثل الدخان، فعسكر هناك، وعزم على دخولها، فنهاه الحكماء فلم ينته، وقال لأهل الخبرة: أيُّ الدواب أبصر بالليل؟ قالوا: إناث الخيل البكارة، فجمع من عسكره ستة آلاف فرس من ذلك الجنس، وانتخب من عقلاء عسكره ستة آلاف، ودفع لكلِّ واحدٍ فرسًا. وكان معه الخضر، وهو ابن خالته ومشيره ووزيره، فقدَّمه في ألفين، وبقي هو في أربعة آلاف، وأمره بالمسير في مقدمته، فقال له الخضر: إنَّما نسير في ظلمة، فكيف يصنع من ضلَّ منا عن صاحبه؟ فدفع إليه ذو القرنين خرزةً حمراء وقال: إذا ضللت فألقِ هذه الخرزةَ في الأرض، فإذا صاحت فليرجع إليها الضّلَّالُ. فسار الخضر بين يديه يرتحل الخضر وينزل الإسكندر، وقد علم الخضر ما يطلب الإسكندر. فبينا الخضر يسير إذ عارضه وادٍ، فغلب على ظنِّه أن العين فيه فرمى بالخرزة، فأضاءت الظلمة، وصاحت الخرزة، فإذا هي على حافة العين، فنزل الخضر فإذا ماء أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وقال لأصحابه: امكثوا. واغتسل وتوضأ وشرب منها ورمى بالخرزة نحو أصحابه فصاحت، فتراجعوا إليه وساروا، ومرَّ ذو القرنين فأخطأ العين، وساروا أربعين يومًا في الظلمة، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر، وأرض حمراء رملة، وإذا بقصر مبني فرسخ في فرسخ، فنزل ذو القرنين ودخل القصر، وإذا بحديدة طرفاها على حافتي القصر، وإذا بطائر أسود كأنَّه الخطَّاف مزموم أنفه إلى الحديدة معلَّق بين السماء والأرض، فلمَّا سمع الطائر حسَّ الإسكندر قال له: ما جاء بك إلى ها هنا؟ أما كفاك ما وراءك يا ذا القرنين؟ ثم قال: هل أكثر البناء بالجص والآجر؟ قال: نعم، فانتفض الطائر وانتفخ حتَّى بلغ ثلث الحديدة، ثم قال: هل كثرت شهادات الزور؟ قال: نعم، فانتفض حتَّى ملأ الحديدة وسدَّ بين جداري القصر، ففزع ذو القرنين، فقال الطائر: هل ترك النَّاس شهادة أن لا إله إلَّا الله؟ قال: لا، فانضم الطائر، قال: فهل تركوا الصَّلاة المفروضة وغسل الجنابة؟ قال: لا. فعاد الطائر كما كان. قال: ورأى في سطح القصر رجلًا قائمًا، قال: من أنت؟ قال: صاحب الصور، وقد اقتربت الساعة، وأنا أنتظر أمر ربي فأنفخ. ثم ناول ذا القرنين حجرًا وقال: خذه فإن شبع شبعت، وإن جاع جعت. وعاد ذو القرنين إلى أصحابه
стр. 509
وأخبرهم بما رأى، وأراهم الحجر فوضعوه في كفة، وتركوا في قبالته حجرًا آخر، فرجح عليه، فعلوا ذلك مرارًا، ففهم الإسكندر وقال: لو وضعتم في قبالته أحجار الدُّنيا لرجح عليها، ثم ترك الحجر في كفَّة، ووضع معه كفًّا من تراب، وبمقابلته حجرًا آخر، فاستويا في الميزان، فقال الخضر: هذا مثلٌ ضربه اللهُ لابن آدم لا يشبع أبدًا حتَّى يحثى عليه التُّراب. فقال الإسكندر: هو ما يقول، لا جرم لأرجعنَّ إلى وطني، ولا أطلب أثرًا في البلاد. ثم ارتحل راجعًا، فبينما هو في وسط الظلمة وطئ الوادي الذي فيه الزبرجد، فقال: خذوا منه، فمن أخذ منه ندم، ومن ترك ندم. فأخذ منه قوم وترك آخرون، فلما خرجوا من الظلمة نظروا فإذا هو زبرجد، فندم الآخذ حيث لم يزدد والتارك حيث لم يأخذ. ورجع ذو القرنين إلى دومة الجندل فلم تزل منزله حتَّى مات (١).
قلت: ومن العجائب أنَّ جدِّي ﵀ ما ذكر في "الموضوعات" هذه الحكاية، فإنَّه قد ذكر في "الموضوعات" و "الواهية" أسماءَ جماعة فيها مثل: إبراهيم بن سعيد الجَوزَقي وإسماعيل بن مسعدة وإسحاق الفَرْوي، وفي متنها ألفاظ ركيكة جدًّا، منها الخرزة، وقد كان الإسكندر أحوج إلى الخضر منها. وكذا كون الخضر وقع على عين الحياة ولم يخبر بها الإسكندر وقد علم مقصوده فكان الخضر خائنًا له، وكذا الطائر فإنَّه الدَّجَّال وهو في جزائر الهند، وكذا سؤاله عن الصلوات الخمس وغسل الجنابة ونحوها، فإن هذه الأشياء لم تكن مشروعة في ذلك الوقت، وقد انطلى هذا المعنى على خلق كثير حتَّى قالوا فيه الأشعار، أنشدنا عمر بن صافي بالموصل في سنة أربع وست مئة لغيره: [من الكامل]
سلع المطامعِ لا تفوت وإنَّ مَن … ترك المطامعَ كان أربحَ متجرا
قال الذي ترك المطامع خلفه … عينَ الحياةِ وفاتت الإسكندرا
لا تطلبنَّ سوى السَّعادةِ للعُلى … شيئًا فكلُّ الصَّيدِ في جوف الفرا
وذكر أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" من هذا الجنس العجائب (٢).
والمنقول عن الحسن البصري أنَّه قال: حدَّثني أبو أمامة الباهلي: أنَّ ذا القرنين سار
стр. 510
في الظلمة وحده ثمانية عشر يومًا حتَّى انتهى إلى جبل قاف في طلب عين الحياة (١).
قلت: وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" عجائب من هذا الجنس، فقال: قال وهب بن منبِّه: كان ذو القرنين رجلًا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلما بلغ -وكان عبدًا صالحًا- قال الله: يا ذا القرنين، إنِّي باعثك إلى الأمم، وهم مختلفة ألسنتهم، وهم أمم جميع الأرض، وفيهم أمَّتان بينهما عرض الأرض كله، وأمَّتان بينهما طول الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأمَّا الأمَّتان اللتان بينهما عرض الأرض فأمَّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تأويل. وأمَّا اللتان بينهما طول الأرض فأمَّة عند مغرب الشَّمس يقال لها: ناسك، وأمَّا التي في المشرق يقال لها: منسك. فلمَّا قال الله له ذلك قال ذو القرنين: إلهي، إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر عليه إلَّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي تبعثني إلها: بأي قوَّة [أكابرهم]؟ وبأي جمعٍ وبأيِّ حيلة [أكاثرهم]؟ وبأيِّ صبرٍ أقاسيهم به؟ وبأي لسان أناطقهم به؟ وكيف لي أن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي قلب وحكمة أدبرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأيِّ جندٍ أقاتلهم؟ وليس عندي ممَّا ذكرتُ ما يقوم بهم، وأنت الرحيم الذي لا تكلِّف نفسًا إلَّا وسعها، ولا تحمِّلها إلَّا طاقتها. فقال الله: إنِّي سأشرح صدرك فتسمع كل شيء، وأفتح فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لسانك فتنطق بكلِّ شيء، وأمدُّ لك بصرك فتبصر كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخِّر لك النور والظلمة وأجعلهما جندًا من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك -وذكر ألفاظًا من هذا الجنس- قال: فلما قيل له ذلك انطلقَ يؤمُّ الأمم نحو المغرب، فوجد جمعًا لا يحصيه إلَّا الله تعالى، وألسنةً مختلفة، وأهواء متشتِّتة، فلمَّا رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاط بهم من كل مكان حتَّى جمعهم في مكان واحد، ثم أخذ عليهم النور فدعاهم إلى الله
стр. 511
وعبادته، فمنهم من آمن ومنهم من صدَّ عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، فماجوا وتحيَّروا، فلمَّا أشفقوا أن يهلكوا بها عجُّوا إليه بصوت واحد فكشفها عنهم، فدخلوا في دعوته، فجنَّد منهم أممًا عظيمة، ثم انطلق بهم يقودهم والنور بين أيديهم والظلمة تسوقهم من خلفهم، وسار يريد الأمَّة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها: تأويل، والأمم تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر بنى سُفنًا من ألواحٍ صغارٍ ونظمها، ثم حمل فيها مَن معه، فإذا قطعها دفع إلى كلِّ واحد منهم لوحًا فلا يكترثن بحمله، حتَّى انتهى إلى ناسك فأطاعوه، وإلى هاويل ففعل كذلك، ثم سار إلى مطلع الشَّمس إلى منسك، وحكم على جميع الأمم، ووصل إلى سد يأجوج ومأجوج، وذكر شكاوى أهل تلك البلاد منهم، وقالوا: اجعل ﴿بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] فإنهم يتسافدون كالبهائم، ويأكلون النَّاس والحشرات، فقاس الإسكندر السدَّ فوجد مكانه مئة فرسخ، فحفر أساسه، وجعل عرضه خمسين فرسخًا ثم بناه وشرَّفه. وذكر الثعلبي كلامًا اختصرته (١).
فصل في ذكر الأمَّة الصالحة التي مر بها الإسكندر
ذكر وهب بن منبه عن صفوان بن عمرو الخزاعي قال: أتى ذو القرنين على أمة صالحة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] فوجد حالتهم في العدل والتراحم سواء، أخلاقهم حسنة، وطريقهم مستقيمة، وقلوبهم طاهرة، وليس في أيديهم شيء ممَّا يتعامل به النَّاس، قد احتفروا قبورهم على أبواب بيوتهم، فإذا أصبحوا جاؤوا إليها فتعاهدوها وصلُّوا فيها، فإذا تعالى النهار خرجوا إلى البرِّيَّة فَرَعَوْا بقلها كما ترعى الدوابُّ الحشيش، وليس على بيوتهم أبواب، ولا عليهم ولاة ولا بينهم قضاة، ولا يتنازعون ولا يتباغضون ولا يتحاسدون ولا يقتتلون، وليس فيهم فقير ولا مسكين، فعجب الإسكندر منهم وقال: أما لكم ملك؟ قالوا: بلى رجل جالس على رأس هذا الجبل، فأرسل إليه فقال: ما لي إليك من حاجة. فركب الإسكندر وصعد إليه، فسلَّم عليه، وإذا رجل من أعقل النَّاس وأزهدهم، وبين يديه جماجم يقلِّبها بيده،
стр. 512
ولم يكترث بالإسكندر ولم ينزعجْ له. فقال له الإسكندر: أخبرني عن هذه الحال التي أنتم عليها، فإني لم أجد في الأمم أحدًا على مثلها، فقال: سلْ عما بدا لك، قال: ما أرى في أيديكم شيئًا من الدُّنيا، فهلَّا استمتعتم بالذهب والفضة وتعاملتم بهما؟ فقال: لأنا ما رأينا أحدًا قال منهما شيئًا إلَّا وتاقت نفسه إلى ما هو أعظم منه، فقال: فما بالكم حفرتم قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قال: لأنّا إذا نظرنا إليها قصرت آمالنا فنذكر الموت، قال: فما بال بيوتكم ليس لها أبواب؟ قال: ليس بيننا متهم ولا خائن، قال: فما بالكم ليس عليكم حاكم؟ قال: لأنَّا لا نتنازع في شيء، قال: فما بالكم ترعون البقل وتدعون الحيوانات؟ قال: نكره أن نجعل بطوننا قبورًا لها، وفي البقل كفاية ومقنع. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قال: لأنَّا لا نتكاثر ولا نتفاخر. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تتباغضون ولا تتحاسدون؟ قال: قد ألَّف الله بين قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم فظٌّ ولا غليظ؟ قال: تواضعنا لله فنزع الحسد والفظاظةَ منا. قال: فما بالكم أطول النَّاس أعمارًا؟ قال: لأنا نعطي الحق ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تضحكون؟ قال: لا نغفل عمن لا يغفل عنا. قال: فما هذه الجماجم التي بين يديك؟ فبكى وقال: جماجم ملوك ملكوا هذه الأرض، أمَّا هذه الجمجمة فجمجمة ملكٍ مَلَكَ هذه الأرض مئة عام فعتا وبغى وتجبَّر وتكبَّر وظلم، فلمَّا رأى الله منه ذلك حسمه بالموت، فصار كالحجر الملقى قد أحصى عليه عمله حتَّى يجازيه به في معاده. ثم أشار إلى جمجمة أخرى وقال: هذه جمجمة مَلكٍ مَلكَ هذه الأرض مئة عام فعدل وأحسن وتواضع، ثم جاءه الموت فصيَّره إلى ما ترى. ثم مدَّ يده إلى جمجمة ذي القرنين وقال: وهذه الجمجمة تصير إلى ما صارت إليه هذه الجماجم، فانظر يا عبد الله، ما أنت صانع. فبكى ذو القرنين وقال: يا أخي، هل لك أن تصحبني فأتخذك وزيرًا وأشركك في ملكي؟ قال: هيهات هيهات، فقال: ولم؟ قال: لأنَّ النَّاس كلهم لي صديق، وهم لك عدوٌّ. قال: ولم؟ قال: لرفضي الدُّنيا وليس في يدي منها ما أُعادَى عليه، وهي يدك فيعادونك لأجلها. فقال: إن رأيت أن تمنَّ عليَّ بصحبتك فافعل، فقال: على شريطة، قال: وما هي؟ قال: تضمن لي شبابًا لا هرم فيه، وصحة لا سقم فيها، وحياة لا موت معها. قال: لا أستطيع ذلك، قال: فاذهب عني ودعني
стр. 513
بين يدي مَن يقدر على ذلك. فانصرف عنه ذو القرنين باكيًا (١).
ذكر واقعة جرت له مع أمِّه
حكى السدِّي عن أشياخه قال: كانت أمُّ الإسكندر عاقلة فاضلة حازمة، واسمها روفية -وقيل: روقية بالقاف- فلما فتح ولدها الدُّنيا ودانت له الملوك كتبت إليه: من روفية أمِّ الإسكندر الضعيف الذي بقوَّة ربِّه الأعظم قوي، وبقدرته قهر، وبعزَّته استعلى، يا بنيَّ، لا تدع للعجب فيك مساغًا، فإن ذلك يؤذيك، ولا للعظمة والكبرياء فيك مطمعًا فإن ذلك يضعك، وذلِّل نفسك للذي رفعك، وأعلم أنك عن قليل محوَّل عمَّا أنت فيه كما تَحَوَّلَ من غيرك إليك، وإيَّاك والشُّحَّ فإنَّه يرديك، وعليك بنور العدل فإنَّه يهديك، وانظر ما جمعت من الأموال وكنزت من الكنوز فعجِّلْ حمله كله إليَّ على فرس مع رجل، وإيَّاك والعقوق المحرمة عليك، والسَّلام.
فلمَّا قرأ كتابها جمع أرباب دولته وعظماء مملكته وحكماء حضرته، وقرأ عليهم كتابها وقال: سمعًا وطاعة، فإنَّ طاعة الوالدة مفترضة، والسَّمع والطَّاعة للربِّ الأعظم ولها، ثم قال: كيف أحمل إليها أموالي وكنوزي على فرس؟ فاستعظموا ذلك فقال: إنَّما طلبت أسماء الكنوز وعددها، فكتب أساميها وبعث بها إليها مع رجل على فرس، فلمَّا قرأت كتابه فرحت حيث فهم قصدها (٢). قال وهب: فإن ذلك الكتاب عندهم مكتوب في خزائن الروم، فيه أسامي كنوزه وأمواله.
فصل في ذكر ما بنى من المدائن
قد ذكرنا أنَّه بنى الإسكندرية وهَرَاة وسمرقند ومرو وهَمَذَان وبرج الحجارة والدَّبُوسِيَة. وقد روي في مرو حديث، قال أحمد بن حنبل: حدَّثنا الحسن بن يَحْيَى من أهل مرو بإسناده عن سهل بن عبد الله بن بُريدةَ عن أبيه عن جدِّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكونُ بَعدِي بعوثٌ كثيرةٌ، فكونُوا في بَعثِ خُراسانَ، ثم انزِلُوا مدينةَ
стр. 514
مَرو، فإنَّه بناها ذو القَرنَين ودَعا لها بالبَركةِ وأن لا يَضُرَّ أهلَها سُوءٌ" (١).
وقال الكلبي: أوَّلَ من عمِل جسرًا على جَيحون الإسكندر، لأنَّه لما عاد من الظلمات قصد خراسان فوصل إلى نهر بَلخ، فلم يقدر على العبور عليه، فأمر بشق الخشب الغلاظ وترقيقها، وأمر الحدادين فضربوا المسامير، وعمل السفن الكبار، وقيل: كانت خمس مئة سفينة، ثم أمر الحبالين ففتلوا الغلاظ من الليف والقنب، وعمل الجسر في أضيق مكان، ووضع عليه السلاسل وألقى على السفن التُّراب والحشيش، وأقام أيامًا حتَّى عبر عسكره من الجانب الشرقي إلى الغربي، ودخل خراسان، ولم يخرج من المشرق حتَّى هدم بيوت النيران ودعا إلى التوحيد والإيمان، وجاهد الكفار وجمع الأموال ليقوي بها الجيوش على الجهاد، لا حرصًا على الدُّنيا. قال ابن عباس: ولو لم يكن له إلا بناء السد الذي حفظ به المسلمين، وحماهم به من يأجوج ومأجوج.
وقال السدِّيُّ: لما رجع من المشرق قصد بلاد الروم، فدفن بها الأموال وكنز الكنوز، وكان يكتب على كل كنز طلسمًا ويذكر عدد ما فيه.
فصل في وفاته
قال علماء السير: لما علم ذو القرنين أنَّ عين الحياة قد فاتته وحظى بها الخضر اغتم غمًّا شديدًا فقال له الحسَّاب: لا بأس عليك، فإنَّك تعمِّر طويلًا ثم تموت على أرض من حديد، وفوقك سماء من خشب. فلمَّا عاد من الروم قصد أرض بابل، فبينما هو يسير على دابته إذ رعف فسقط عن فرسه، فبسط له درع من حديد، وكانت صفائح صفائح فنام على الدرع، فآذته الشَّمس فجاؤوا بترس فأظلوه به، فنظر فإذا تحته حديد وفوقه خشب، فأيقن بالموت فأمر أن يُكتَبَ إلى أمِّه كتاب تعزية عن نفسه (٢).
стр. 515
ذكر الكتاب
أنبأنا أبو اليُمن زيد بن الحسن الكندي ﵀ بإسناده عن عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدُّنيا القرشي من كتاب "الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان"، قال: حدَّثني أبو يوسف يعقوب بن عبيد بإسناده إلى عبد الله بن زياد المدني عن بعض من قرأ الكتب: أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها بلغ أرض بابل، فمرض بها مرضًا شديدًا أشفق من مرضه أن يموت، بعدما دَوَّخَ البلاد وحواها، واستعبد الرجال وجمع الأموال، فدعا كاتبه وقال له: خفِّفْ عليَّ المؤنة بكتاب تكتبه إلى أمي تعزِّيها بي، واستعنْ ببعض علماء فارس، ثم اقرأه عليَّ، فكتب الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من الإسكندر بن قيصر رفيق أهل الأرض بجسده قليلًا، ورفيق أهل السماء بروحه طويلًا، إلى أمه روفية ذات الصفا التي لم تتمتع بثمرتها في دار القرب، وهي مجاورته في دار البُعد عما قليل، يا أمتاه، يا ذات الحلم، أسألك برحمي وودِّي وولادتك إيَّاي هل وجدت لشيء قرارًا ثابتًا أو خيالًا دائمًا؟ ألم تَرَي إلى الشجرة كيف تنضر أغصانها ويَخرج ثمرها وتلتف أوراقها، ثم لا يلبث الغصن أن يتهشَّم والثمرة أن تتساقط والورق أن يتناثر؟! ألم تَرَي إلى النبت الأزهر يصبح نضيرًا ويمسي هشيمًا؟ ألم تَري إلى النهار المضيء كيف يخلفه الليل المظلم؟ ألم تري إلى القمر الباهر ليلةَ بدره كيف يغشاه الكسوف؟ ألم تري إلى شهب النَّار الموقدة ما أسرع ما تخمد؟ ألم تري إلى عذب المياه الصافية ما أسرعها إلى البحور المغيرة؟ ألم تري إلى هذا الخلق قد امتلأت بهم الآفاق واستقلَّت به الأشياء وولهت به الأبصار والقلوب؟ إنَّما هما شيئان: إمَّا مولود وإمَّا ميِّت، وكلاهما مقرون به الفناء. ألم تري أنَّه قيل لهذه الدار: روحي بأهلك فإنَّك لستِ لهم بدار، يا والدةَ الموت، ويا مورثَةَ الأحزان، ويا مفرِّقة بين الأحباب، ويا مخربة العمران؟ ألم تري أنَّ كل مخلوق يجري على ما لا يدري؟ وأنَّ كلَّ واحد مستيقن منهم غير راض بما هو فيه، وذلك لأنَّه منزل لغير قرار؟ يا أمَّاه، هل رأيت معطيًا لا يأخذ، ومقرضًا لا يتقاضى، ومستودعًا لا يستردّ وديعته؟ يا أمَّاه، إن كان أحد حقيقًا بالبكاء فلتبكِ السماوات على نجومها، والحيتان على بحورها، أو البحور على مائها، وليبك الجوُّ على طائره، والأرض على أولادها، والنبت الذي يخرج منها،
стр. 516
وليبك الإنسان على نفسه التي تموت في كل ساعة وعند كل طرفة عين. يا أمَّاه، إن الموت لا يدعني من أجل أني كنت عارفًا أنَّه نازل بي، فلا يتعبْكِ الحزنُ فإنَّك لم تكوني جاهلة بأني من الذين يموتون. يا أمتاه، إنِّي كتبت كتابي هذا وأنا أرجو أن تعزَّي به ويحسن موقعه منك، ولا تخلفي ظني يا أمتاه، إنِّي قد علمتُ يقينًا أن الذي أذهبُ إليه خير من مكاني الذي أنا فيه، أطهر من الهموم والأحزان والسقم والنصب والأمراض فاغتبطي بمذهبي واستعدِّي حي إجمال الثّناء عني. إن ذكري من الدُّنيا قد انقطع بما كنت أُذْكَرُ به من الملك والرأي فاجعلي لي من بعدي ذكرًا أذكَرُ به في حلمك وصبرك وطاعة الله والرضى بما يقول الحكماء. يا أمتاه، إنَّ النَّاس سينظرون إلى هذا منك، وهم بين راض وكاره ومستمع وقائل، فأحسني إليَّ وإلى نفسك في ذلك. يا أمتاه، السلام في هذه الدار قليل زائل فليكن عليك وعليَّ في دار الأبد السلام الدائم. وذكر ألفاظًا اختصرتها (١).
وفي رواية ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن ابن لهيعة قال: لما حضرت الإسكندرَ الوفاة كتب إلى أمِّه: يا أمَّاه، اصنعي طعامًا واجمعي من قدرتِ عليه من نساء المملكة، ولا تأكل منه امرأة أصيبت بمصيبة. فلمَّا قرأت كتابه صنعت طعامًا عظيمًا، وجمعت نساء المملكة، وقالت: لا يأكلْ من طعامي من أصيبت بمصيبة، فامتنعن من الأكل، فقالت: أكلكن ثكالى؟ فلان: نعم، والله ما فينا إلَّا من مات أبوها أو أخوها أو ابنها، ففطنت وقالت: إنا لله، هلك والله ولدي، وما كتب إلي بهذا إلَّا تعزيةً لي (٢).
واختلفوا في أي مكان توفي على أقوال:
أحدها: بدومة الجندل.
والثاني: بشهرزور لما عاد من المشرق.
والثالث: بأرض بابل.
وكان قد تزهد وترك الدنيا وهو الأصح، والذي مات بشهرزور الإسكندر الثاني لما نذكر.
стр. 517
ولما مات ببابل جعل في تابوت وطُلِيَ بالصبر والكافور، وحُمِلَ إلى الإسكندرية، قال ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن محمد بن سليمان الكلبي قال: لما مات الإسكندر خرجت أمُّه في أحسن زيِّ نساء أهل الإسكندرية حتَّى وقفت على تابوته (١) فقالت: واعجبًا ممن بلغت السماء حكمته، وأقطارَ الأرض سلطانه، ودانت الملوك عنوة له، أصبح اليوم نائمًا لا يستيقظ وصامتًا لا يتكلَّم، محمولًا على يدي من لا يناله بِضُرِّهِ، ألا هل مبلِّغ عني الإسكندر بأنه وعظني فاتعظت، وعزَّاني فتعزيت، وصبَّرني فصبرت، ولولا أني لاحقة به ما فعلت، فعليك السَّلام يا بنيَّ، حيًّا وهالكًا، فنعم البُنَي كنت، ونعم الهالك أنت.
وفي رواية: ولولا علمي بأني لاحقتك لما صبرتُ، يا إسكندر، عليك السَّلام.
ثم أمرت به فدفن.
واختلفوا في سنِّه: فذكر جدِّي ﵀ في كتاب "أعمار الأعيان" أنَّه عاش ألفًا وست مئة سنة قال: وأهل الكتاب يقولون: عاش ثلاثة آلاف سنة (٢).
قلت: ولا يستبعد ذلك، فقد عاش عُوج بن عناق ثلاثة آلاف وست مئة سنة، حكاه جدي في "أعمار الأعيان" عن محمد بن إسحاق (٣)، وسنذكره في سيرة موسى ﵇.
قال ابن إسحاق: ولد في دار آدم ﵇.
وقال مجاهد: عاش الإسكندر ألف سنة مثل آدم، والله أعلم.
فصل في ذكر كلام الحكماء على تابوته
قال ابن أبي الدُّنيا بالإسناد الماضي عن المبارك بن فضالة عن الحسن، قال: كان الإسكندر أول من خَزَّن الأموال تحت الأرض، فلمَّا حضرته الوفاة دعا ابنه الأكبر، وكان ولي عهده، فقال له: يا بني، إنِّي أراني لما بي، فإذا أنا مت فابعث إلى حُذَّاق
стр. 518
الصاغة فأدخلهم الخزائن فلينتقوا جيِّد هذا الذَّهب على أعينهم، ثم ليصوغوا تابوتًا، ثم أدخلني فيه، ثم ضعني في وسط قصري، وابعث إلى أهل مملكتك وإلى العلماء منهم فليتكلم كلُّ واحد منهم بما يعلم.
فلمَّا هلك الإسكندر فعل ابنه ما أمره به أبوه، وبعث إلى العلماء، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، فأقبلوا حتَّى أطافوا بالتابوت، كأنهم علموا ما يُراد منهم. فقال لهم ابنه: قوموا فتكلَّموا بما تعلمون. فقام الأول فقال وقد وضع يده على التابوت: سلك الإسكندر طريق مَن قُبِر، وفي موته عبرة لمن بقي. ثم قام الثَّاني فقال: هلك الإسكندر ومن يملك من بعده يهلك كما هلك. ثم قام الثالث وقال: خلَّفَ الإسكندر ملكه لغيره يحكم فيه بغير حكمه. ثم قام الرابع فقال: تفرَّقنا لموتك وقد فارق الإسكندر من كان به يغتبط. ثم قام الخامس فقال: أصبح الإسكندر مشتغلًا بما عاين وهو بالأعمال يوم الجزاء أشغل. ثم قام السادس وقال: إسكندر كان يُخزِّنُ الذَّهب في الخزائن فأصبح مخزونًا في الذهب. ثم قام السابع فقال: من كان يرجو روح الآخرة فليعمل عملًا يُقبلُ منه ويُرفع. ثم قام الثامن فقال: إسكندر صرت حديثًا وأنا مثلك وشيكًا. ثم قام التاسع فقال: إسكندر وردتَ يوم وردت ناطقًا وصدرتَ يوم صدرت صامتًا. وقام العاشر فقال: خَضعَتِ الآفاق لموتك وفيك عبرةٌ لمن أبصر. ثم قام الحادي عشر فقال: أرى مصيبتك بعد نعمة وكلُّنا ينزل به ما نزل بك. ثم قام الثَّاني عشر فقال: هذا آخر عهدنا بك، مُنِعتَ جواب من يخاطبك. ثم قام الثالث عشر فقال: السَّلام على من رضي دار السَّلام وأُدخِلَ في دار السَّلام (١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عون بن إبراهيم وإسناده إلى زهير بن عبَّاد أنَّه قال: لما حضرتْ ذا القرنين الوفاةُ كفَّنوه ثم وضعوه في تابوت من ذهب، فقالت الحكماء: تعالوا حتَّى نتكلمَ عليه ونعتبر، فقال أولهم: إن هذا الشَّخص كان لكم واعظًا ولم يعظكم بأبلغ من مصرعه هذا. وقال الثَّاني: إنَّ الإسكندر لما فارق الأنجاس صارت روحه إلى روح الطاهرين فيا طوبى له. وقال الثالث: من كانت حياته لله فإن وفاتَه لله،
стр. 519
وعلى الله تمام كرامته. وقال الرابع: هذا الذي سار إلى مشارق الأرض ومغاربها يقتل الرِّجال مخافة الموت ولو تركهم لماتوا. وقال الخامس: هذا الذي كان يخبأ الذَّهب فالذهب اليوم يخبأه. وقال السادس: ويل لأهل العافية في هذه الدَّار إن كان حظهم منها إلى غير العافية. وقال السابع: لا تكثروا التلاوُمَ بينكم واستمسكوا بالتوبة فكلكم خاطئ. وقال الثامن: من كان يعمل اليوم بالخطيئة فإنَّه غدًا عبد الخطيئة. وقال التاسع: لا تعجبوا ممَّا تفعلون ولكن اعجبوا ممَّا يُفعل بكم (١).
قال ابن أبي الدنيا: وزاد غير زهير بن عباد: وقال آخر: عجبت من سالِك هذا السبيل كيف تَشرَهُ نفسه إلى جمع الحطام الهامد والهشيم البائد، الخاذل مُقتنيه عند الحاجة إليه. وقال آخر: اقبلوا هذه المواعظ وأكثروا ذِكرَ هذا السبيل الذي أنتم سالكوه. وقال آخر: هذا ذو الأسارى قد أصبح أسيرًا. وقال آخر: كان الإسكندر كحُلم نائمٍ انقضَى أو كظِلِّ غَمامةٍ انجلى. وقال آخر: لئن كنت أمس لا يأمنك أحد لقد أصبحت اليوم لا يخافُكَ أحد. وقال آخر: هذه الدُّنيا الطويلة العريضة طويت في ذراعين. وقال آخر: لئن كنت وردتَ علينا قويًّا ناطقًا لقد صَدَرتَ عنَّا ضعيفًا صامتًا. وقال آخر: ما سافر الإسكندر قبل هذه السفرة بلا زاد ولا أعوان. وقال آخر: كلنا غافل عما غفل عنه الإسكندر حتى نلاقي مثل ما لاقى. وقال آخر: إن من العجب أنَّ القوي قد غُلِبَ، وأنَّ الضعفاء لاهون مغترون. وقال آخر: إن بارق هذا الموتِ لبارقٌ ما يخلف، وإن مخيلته لا تخلف. وقال آخر: انطوت عن الإسكندر آماله التي كانت تغرُّهُ ونزل به أجله الحائل بينه وبين أمله. وقال آخر: يا ويحَ الموت الذي لا يُشتهى ما أقهَرَهُ للحياة التي لا تُمَلُّ، ويا ويحَ الحياة التي لا تُمَلُّ ما أذلَّها للموت الذي لا يُحَب. وقال آخر: قد كان صوتك مرهوبًا وملكك عاليًا، فأصبح الصوتُ قد خَفَتَ وانقطعَ، والمُلك قد اتضع. وقال آخر: لقد انتقصك في وجهك من لم يتجاسرْ أنَّه يغتابك من خلفك.
قلت: وقد جاء عن الإسكندر الثَّاني من هذا الجنس، وسنذكره في سيرته، إن شاء الله تعالى.
стр. 520
قِصَّة يُوسُف ﵇ (١)
قال مقاتل: ذكر الله تعالى يوسف في سبعةٍ وعشرين موضعًا. وقد ذكرنا أنَّ أسماء الأنبياء كلها أعجمية ولهذا لم تنصرف (٢).
وذكر الثعلبي وقال: اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو اسم عبري. وقال بعضهم: هو اسم عربي. قال: وسمعت أبا القاسم الحَبيبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع -وكان حكيمًا- يقوله وقد سئل عن يوسف: إنه من الأسف وهو الحزن، والأسيف العبد، وقد اجتمعا في يوسف، فلذلك سمي يوسف (٣).
قلت: لو كان حكيمًا ما فسَّر أسامي الأنبياء بهذا. وقوله: هو من الأسف والعبد فليس كذلك، لأنَّ أهل اللغة قد اتفقوا على أنَّه اسم أعجمي، ذكره ابن الجواليقي في "المعرب" وغيره (٤)، وأن يعقوب سماه به من صغره.
وقد جاءت أخبار في فضل يوسف، قال البُخاريّ: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بإسناده عن عبد الله بن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الكَرِيمُ بنُ الكَرِيمِ بنِ الكَريمِ بن الكريم، يُوسفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إسحاق بنِ إبراهيمَ"، انفرد بإخراجه البُخاريّ (٥).
وقال أحمد بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطِيَ يُوسفُ شَطرَ الحُسنِ" (٦).
ذكر قصته
قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] الآيات. وقال سعد بن
стр. 521
أبي وقاص: أنزل القرآن على عهد رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانًا فكأنهم ملُّوا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدَّثتنا، فأنزل الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فقالوا: لو قصصت علينا، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فقالوا: لو وعظتنا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] (١).
واختلف العلماء لم سُميت سورةُ يوسفَ أحسنَ القصص على أقوال:
أحدها: لأنَّه ليس في القرآن قصة تتضمن ما تتضمن، لأنَّ فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة، والجن والإنس، والأنعام والطيور، وسيرَ الممالك والملوك، والعلماء والرجال، والنساء وحِيَلِهنَّ ومكرِهنَّ، وذكر التوحيد والفقه، والبكاء والفرح، والسجن والمسجونين، وتعبير الرؤيا وتدبير المعاش، وذكر المحب والمحبوب، والبعد واللقاء، والسياسة والمعاشرة وحسن المحاورة، والصبر على الأذى والعفو والكرم ونحو ذلك، فكانت أحسن القصص لما فيها من المعاني الجزيلة، والفوائد الجليلة، التي تصلح لمكارم الأخلاق، وذكر التلاقي بعد الفراق، قاله ابن عباس، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
والثاني: لامتداد الأوقات فيما بين مبتداها إلى منتهاها، واختلفوا فيه، قال ابن عباس: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه وأبيه سبعون سنة جرى فيها الغرائب.
وقال الحسن البصري: ثمانون سنة.
وقال مجاهد: أربعون سنة، وهو رواية عن ابن عباس وعليه أكثر المفسرين.
والثالث: لأنَّ يوسف كان أحسن البشر، ونسبه أعرق الأنساب، ورؤياه أحسن الرؤيا، وعبارته أحسن التعبير، وبشارته أحسن البشرى، وحاله أحسن الأحوال، وبرهانه أحسن البراهين، وشاهده أحسن الشواهد، ومُلكه أحسن المُلك، ودعاؤه أحسن الأدعية، وتزويجه أحسن التزويج، وعصمته أحسن العِصَم، وعاقبته أحسن العواقب، قاله الرَّبيع بن أنس.
وأحسن القصص بمعنى أعجب (٢).
стр. 522
وقد ذكرنا تزويج يعقوب براحيل أم يوسف (١).
وقال جدِّي في "التبصرة": خرج يعقوب من الشام هاربًا من أخيه عيصو إلى خاله لابان، فزوجه ابنته ليّا فولدت له روبيل ثم شمعون ولاوي ويشجب ويهوذا وزبالون، ثم توفيت فزوجه أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، ومعناه: ابن الوجع لأنها ماتت في نفاسها منه، ووُلد له من غيرها أربعة أولاد، فجميع أولاد يعقوب اثنا عشر ولدًا، وهم الأسباط (٢). وقد ذكرناه في ترجمة يعقوب ﵇ (٣).
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] فإن قيل: فلم قال: رأيتهم لي ساجدين ولم يقل: رأيتها، وهي مؤنثة؟ فالجواب: أن الهاء والميم والياء والنون من كنايات ما يعقل، والسجود ممَّا يعقل، فعبر عنها بكنايتها كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] (٤).
ذكر رؤيته الكواكب
واختلفوا فيها على أقوال:
أحدها: أنها الشَّمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ وعطارد والزهرة والفرقدان وسهيل والنسران، ذكره مقاتل في كتاب "المبتدأ" له.
وحكى أبو إسحاق الثعلبي عن السُّدِّي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النَّبيُّ ﷺ رَجلٌ من اليهودِ يُقالُ له: بُستَان، فقال: يا محمد، أخبرني عن الكَواكبِ التي رَآها يُوسفُ سَاجدة له، ما أسماؤُهَا؟ فَسكتَ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يُجبهُ بشيءٍ، فَنزلَ جِبريلُ ﵇ فأخبَرهُ بِها وبِأسمَائِهَا، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "هَل أنتَ مُؤمِنٌ إن أخبرتُكَ بأسمائِها"؟ قال: نعم، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هي حُرثان والطَّارقُ والذيَّالُ
стр. 523
وذو الكتفين وقَابسُ ووثَّابُ وعمودانِ والمصبحُ والقيلو (١) والضَّرُوحُ والفَرْغُ والشَّمسُ والقَمرُ، نزلت من السَّماءِ فسَجَدتْ له، جاءني جبريلُ فأخبرَني بأسمائِها، فقال اليهودي: إي واللهِ إنَّها لأسماؤُها".
قلت: ولم يذكر أبو إسحاق الثعلبي ما في هذا الحديث، وقد ذكره جدِّي ﵀ في "الموضوعات"، ثم قال جدِّي: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، في إسناده الحكم بن ظهير، قال ابن معين: الحَكم ليس بشيء، وقال النَّسائيّ: متروك، وقال أبو حاتم بن حِبَّان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال البُخاريّ: لا يُكتب حديثه البتة، وقال محمد بن طاهر: كان الحكم كذَّابًا، وقال جدِّي: إنَّما قصد واضعه شينَ الإسلام بمثل هذا (٢). قلت: وليس في السماوات ما يُعرف من هذه النجوم إلَّا الطَّارق.
والثاني: أنَّه رأى كواكب مجهولة، قاله مجاهد، بدليل قوله: "أحد عشر كوكبًا" منكَّرة.
والثالث: بنات نعش والجَدِي والسُّها والشّعريين، قاله الرَّبيع.
وقال ابن عباس: الشَّمس أبوه والقمر خالته، لأنَّ أمَّه قد ماتت، والكواكب إخوته لأنهم كانوا أحد عشر كوكبًا.
واختلفوا متى رأى هذه الكواكب على قولين:
أحدهما: أنَّه كان ابن اثنتي عشرة سنة، قاله مقاتل.
والثاني: سبع عشرة سنة، قاله مجاهد.
وحكى الثعلبي عن وهب بن منبه قال: كان يوسف قد رأى وهو ابن سبع سنين أنَّ إحدى عشرة عصًا طوالًا مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصا صغيرة وثَبت عليها فابتلعتها، فذكر ذلك لأبيه فقال له: إيَّاك أن تذكر هذا لإخوتك. ثم رأى الكواكب بعد اثنتي عشرة سنة فقصَّها على أبيه، فقال له: ﴿قَال يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ
стр. 524
كَيدًا﴾ [يوسف: ٥] أي: يبغونك الغوائل ويحتالون لهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] ثم قال له يعقوب: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يختارك ويصطفيك ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: تعبير الرؤيا، وسمي تأويلًا، لأنَّه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني الأسباط ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بالخُلَّة وغيرها، وإسحاق بالنجاة من الذبح (١) ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦].
قال السُّدِّي: وبلغ إخوتَه حديث الرؤيا فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتَّى سجد له أبوه؟! فحسدوه.
وقال مقاتل: لو حفظ وصية أبيه في قوله: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ لما جرى عليه ما جرى، ولكن الإنسان حريص على ما مُنِعَ منه وخصوصًا الصبيان والنساء.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧] أي: في خبره وخبر إخوته، وقد ذكرنا أسماءهم على وجه التفصيل، فنذكرها ها هنا على وجه الإجمال. قال مقاتل: أسماؤهم روبيل وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون، ويسَّخر، وأمهم ليَّا بنت لابان، ولابان خال يعقوب. ووُلد له من سُرِّيتين وهبتهما له ليَّا، اسم إحداهما زلفى، والأخرى بلهة أربعة نفر: دان ونفثالي وجاد (٢) وأشر. ثم توفيت ليَّا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين.
و"الآيات": العلامات، والمراد بالسائلين: اليهود، سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف، فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا وقالوا: من أخبرك بهذا؟ قال: "أخبرني به ربي".
وقال مقاتل: وكانوا أنبياء.
قلت: وقد وَهِمَ مقاتل لأنهم ارتكبوا الكبائر، وإنَّما قيل إنهم نُبِّؤوا بعدما دخلوا مصر وتابوا.
стр. 525
واختلفوا في العُصبَة: فقال الزجاج: هي ما بين الواحد إلى العشرة، وقال غيره: ما بين الواحد إلى خمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] بإيثار يوسف وبنيامين علينا ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال وهب: القائل لهذا شمعون، وقيل: روبيل، وقيل: دان ﴿أَو اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: في أرضٍ أخرى ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ عن شغله بيوسف وأخيه ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٩] أي: صلح لكم ما بينكم وبين أبيكم ﴿قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو يهوذا، وكان ابن خالة يوسف وأحسنهم فيه رأيًا ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن قتله عظيم ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: في قعره وظلمته بحيث يغيب خبره و "الغيابة": كل شيء غيِّب. و"الجُب": البئر. وقال مقاتل: هذا الجب على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب بأرض الأردن. وبعضهم قال: بين مدين ومصر. وبعضهم قال: ببيت المقدس.
قوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ أي: يأخذه، والسيَّارَة: من يمرُّ في الطريق، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] لتستريحوا منه، وقيل معناه: إن كنتم فاعلين ما أُشير به. وقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك عن إخوة يوسف، وقيل أولاد يعقوب.
ثم اتفقوا على التفرقة بينه وبين ولده بضربٍ من الحيلة حسدًا منهم فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] بالحفظ والحياطة حتى نردَّه إليك ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢].
فإن قيل: فكيف قالوا يلعب وهم أنبياء؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم لم يكونوا أنبياء حينئذٍ.
والثاني: أن اللعب بمعنى النزهة، وذلك جائز. على أنهم قد ارتكبوا من يوسف ما هو أعظم من اللعب، لما نذكر.
وقيل معنى (يرتع): يرعى غنمه. وقال مجاهد: قالوا ليوسف: أمَّا تخرج معنا فنلعب ونتصيد؟ قال: بلى، قالوا: فاسأل أباك، فسأل فمَنَعه، فقال: يا أبة، قد أرى من إخوتي اللطفَ واللين، فأذِنَ له على كُرهٍ. ثم إنهم ألحُّوا على أبيهم فقال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] أي:
стр. 526
لا تشعرون.
فإن قيل: فلم خصَّ يعقوبُ الذئبَ دون سائر الوحوش؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن تلك الأرض كانت كثيرة الذئاب.
والثاني: لأنَّ يعقوب رأى في منامه كأن الذئب شدَّ على يوسف وكان يحذره. وقال مقاتل: كان ذلك من باب معجزات يعقوب، فكأنه يقول: كأني بكم قد جئتم غدًا وقلتم أكله الذئب. فإن قيل: فذكْره الذئب تلقينٌ لهم، وكانوا لا يدرون، فقد عرَّفهم العلَّة، قلنا: بل هو تنبيه على ما في نفوسهم وإعلام لهم بما قد عزموا عليه.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عشرة رجال ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] أي: ضَعَفَةٌ عَجَزة مغبونون. وقال أبو عبيد: في الكلام محذوف وتقديره: لئن أكله الذئب الذي رأيته في منامك إنَّا إذن لخاسرون، فأرسله معهم.
ذكر خروجه معهم
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا على ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَينَا إِلَيهِ﴾ أي: ناديناه. فإن قيل: ما بعث الله نبيًّا إلَّا بعد الأربعين، فكيف قال: وأوحينا إليه؟ فالجواب: أنَّ الوحي عبارة عن الإلهام ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فألهمه الله لتصدُقنَّ رؤياك ولتخبرنَّ إخوتك بصنيعهم إذا دخلوا عليك وأنت ملك مصر ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] ومعنى "لتنبِّئنَّهم" أي: لتخبرنهم في المستقبل، وهذا معنى قول ابن عباس. وقال مقاتل: معناه وهم لا يشعرون أنك يوسف، لما نذكر في آخر القصة.
وحكى السُّديُّ عن ابن عباس قال: لما خرج معهم يوسف أظهروا له الكرامة أولًا، فلما أصحروا أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وجعلوا يضربونه، وكلما لجأ إلى واحدٍ ضربه، فكادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه، لو ترى ما يَصنَعُ بابنكَ بنو الإماء لعزَّ عليك. ومعنى قوله: بنو الإماء لأنَّ بعضهم كان من الأَمَتين اللتين وهبتهما ليَّا ليعقوب. فأخذه روبيل فضرب به إلى الأرض، ويوسف يبكي ويقول: يا أبة، ما أسرع ما نسوا عهدك وضيَّعوا وصيتك. فجثم روبيل على صدره ليذبحه فزجره يهوذا وقال:
стр. 527
أين المواثيق والعهود؟ فتركه وهو يصيح: يا أبة، لو رأيت ما أنا فيه لأحزنك وساءك. ثم أجْمعوا على أن يُلقوه في غيابة الجب، فلمَّا دلُّوه جعل يتعلق بجوانب البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصي أُواري به عورتي، فقال له روبيل، وكان عليه أشدَّ من الباقين: يا ابنَ راحيل، يا صاحب الأحلام، ادعُ الشَّمسَ والقمر والكواكبَ تخلصك. ثم دلُّوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماءٌ فوقع فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه فظنَّ أنها رحمة له، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا، وكان أحنَّ عليه منهم لأنَّه كان ابن خالته، وكان يأتيه بطعام ويتفقد أحواله. قال ابن عباس: وأمر الله الصخرة فارتفعت من الأرض ووقف عليها وهو عريان، وكان إبراهيم لما ألقي في النَّار جرَّدوه من ثيابه فجاءه جبريل بقميص من حرير الجنَّة فألبسه إيَّاه، فلمَّا توفي إبراهيم ورَّثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورَّثه يعقوب، فلما شبَّ يوسف جعل يعقوبُ القميصَ في تعويذٍ وجعله في عنقه، فلما أُلقي في الجبِّ جاءه جبريل فأخرج القميص من التعويذ فألبسه إيَّاه. وأضاءَ له الجبُّ وعَذُبَ ماؤه، وأَنِسَ بجبريل، فلما أراد جبريل أن ينصرف قال له يوسف: إنِّي أستوحش، فقال: إذا استوحشت فقل: يا صريخَ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرِّج كرب المحزونين، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري، فاجعل لي ممَّا أنا فيه فرجًا ومخرجًا. -وفي رواية: يا قريبًا غير بعيد، ويا شاهدًا غير غائب- فلما قالها حفَّتِ الملائكة بالجبِّ، واستأنس. وقيل: إنه ما بات فيه بعدما دعا بهذا الدعاء (١). وقال ابن عباس: أقام في الجب ثلاثة أيَّام وإخوته حول الجب يرعون أغنامهم، ويهوذا يحرسه منهم لئلا يقتلوه.
واختلفوا في مبلغ سنِّه حين ألقي في الجب على أقوال:
أحدها: أنَّه كان له اثنتا عشرة سنة، قاله مقاتل.
والثاني: سبع عشرة سنة، قاله مجاهد.
والثالث: ثمان عشرة سنة، قاله الرَّبيع. والأول أظهر.
стр. 528
وقال السُّدِّي: ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦] وكان وقت العتمة، وإنَّما جاؤوا في الليل ليكونوا أجرأ على الكذب في الظلمة بخلاف الضوء -ولهذا قيل: لا تطلب الحاجةَ في الليل فإن الحياءَ في العين، ولا تعتذر في النهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار فلا تقدر على إتمام العذر- فلما سمع يعقوب أصواتهم فزع وقال: ما الذي بهم؟ وأين يوسف؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي يسابق بعضنا بعضًا ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: عند ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف: ١٧] لسوء ظنك بنا وتهمتك إيَّانا في يوسف، وهذا قميصه ملطَّخ بالدم، وأخرجوا القميص، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: هو كذب، وقيل: مكذوب لأنَّه لم يكن دم يوسف وإنَّما كان دمَ سخلة. وقرأت عائشة: "بدم كَدِب" -بدال مهملة- أي: طري. فلما رأى يعقوب القميصَ صحيحًا قال: تالله ما رأيت ذئبًا أحلم ولا أشفق من هذا، أكل ابني ولم يخرقْ قميصه، فعلم كذبهم فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨] أي: زيَّنتْ وحسنت ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فصبري صبر جميل (١). وقال الحسن: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه ولا شكوى ولا تعبيس وجهٍ ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] من الكذب والبُهت.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي: رفقة مارة من قِبل مديَن يريدون مصر فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبًا من الجب، وكان بعيدًا من العمران، وكان ماؤه ملحًا فعذب حين ألقي فيه يوسف، فأرسلوا رجلًا من العرب من أهل مدين يقال له: مالك بن دُعْر ليطلب لهم الماء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء ليهيء لهم الأرشِيَة والدلاء للبئر.
واختلفوا في اسم الوارد على أقوال:
أحدها: أنَّه مالك بن دُعْر من العرب. وقال الثعلبي: هو من ولد إبراهيم ﵇.
стр. 529
والثاني: أن اسمه عنقود، قاله مقاتل.
والثالث: مخلب بن رعويل، قاله وهب بن منبه.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أي: أرسلها، فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام من أحسن الغلمان. قال الثعلبي: قال النبيُّ ﷺ : "أُعطيَ يُوسُف ﵇ شَطْرَ الحُسْنِ، والنِّصفُ الآخرُ لسائرِ النَّاسِ" (١).
قال: وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسنَ الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مُستوي الخَلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور من ثناياه، وكان جبينه كضوء النهار، وكان يشبه آدم يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيبَ المعصية، وقيل: إنه ورث الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سُدس الحسن (٢).
قلت: وقد روي في حُسنه حديث: أنبأنا جدِّي ﵀ قال: حدَّثنا محمد بن ناصر بإسناده عن جعفر بن الزُّبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن كَانتِ الحُبلى لَتَرى يُوسُفَ فَتَضعُ حَملَها". إلَّا أنَّه حديث لا يصحُّ، ذكره جدِّي في "الموضوعات" وقال: هذا حديث موضوع، وقد اجتمعت فيه آفات منها: القاسم وهو ابن عبد الرحمن وجعفر بن الزُّبير وأبو الفضل الأنصاري واسمه عباس، واتفق أحمد بن حنبل وشُعبة وابن معين والنَّسائيُّ وغيرهم على أنهم كانوا كذا بين وضَّاعين للأخبار (٣).
قال السُّدي: فلمَّا رآه الوارد دهش وتحيَّر وقال: ﴿قَال يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ ومعناه: أن المستقي نادى رجلًا من أصحابه اسمه بشرى، كما تقول: يا زيد، وهو في موضع رفعٍ على النداء، قاله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩] أي: أخفوه.
وقال مجاهد: أسره مالك بن دُعر وأصحابه التجار الذين هم معه من أهل المياه وقالوا: هو بضاعة استبضعناها، خيفة أن يطلبوا منهم الشركة فيه. وجاء يهوذا بالطعام
стр. 530
على عادته إلى الجبِّ فلم يجده، فأخبر إخوته فجاؤوا فرأوه عند مالك بن دعر فقالوا: هذا عبد لنا أَبَق. وكتم يوسف شأنه خوفًا من إخوته أن يقتلوه، فاعترف بأنه عبدهم، وكانوا أهل شرٍّ ومنعة (١).
فإن قيل: فالعبودية هوانٌ عظيم، ويوسف "الكريم بن الكريم بن الكريم … " الحديث (٢)، فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: لأنَّه خرج ليلعب واللعب لا يليق بمثله. وقال أبو حنيفة عبد الوهاب بن النوبي: لم يضحكْ يوسف في مدة البلاء إلَّا ثلاث مرات، حين وقع في البئر قال: من لعب في خدمة مولاه فغيابة الجب مأواه، وحين قُيِّد قال: من لم يخدم مولاه عظُمت بلواه، وحين نودي عليه بالبيع قال: من لم يرض بمولاه تملكه مولًى سواه. وهذا الضحك منه على وجه التعجب لا على وجه الفرح.
قال: والوجه الثَّاني: فلأنه نظر يومًا في المرآة فأعجبته نفسه، فقال: لو كنت عبدًا لكان ثمني عظيمًا فبيعَ بأَوكس ثمن.
والثالث: ليرحم العبيد إذا ملك، وكذا ابتلاه بالسجن ليرحم المسجونين.
والرابع: لأنَّه جرى في السابق أنَّه يصير ملكًا فراضَه الله بالعبودية.
وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: إن الله ابتلى يوسف بعشرة أشياء وعوَّضه بعشرة: ابتلاه بفراق أبيه وعوَّضه بلقائه، وابتلاه بجفاء إخوته ثم عوَّضه سجودهم له، وابتلاه بالجبِّ وأكرمه بمؤانسة جبريل، وابتلاه بالعبودية وعوضه عبودية أهل مصر، وابتلاه بزليخا وعوَّضه بالشاهد، وابتلاه بالنسوة وعوَّضه بتصديقهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بالهَمَّةِ وعوضه بالعصمة، وابتلاه بالسجن وعوَّضه المُلْك، وابتلاه بالكذب عليه وعوَّضه بالاعتراف ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بفرعون ثم أطاعه له حتَّى صار على خزائن الأرض.
قال السُّدي: فلما اعترف يوسف لإخوته بالرِّق قال مالك بن دُعر: أنا أشتريه