← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

وقيل: إنه ولد سنة ستين بالمدينة في دار عبد الملك أبيه. وقال الزبير بن بكّار: جمع عبد الملك بنيه: الوليد، وسليمان، ومَسْلَمة، وقال: ليُنْشدني كلُّ واحدٍ منكم أرقَّ بيت قالته العرب، وقد أجَّلتُكم ثلاثًا، ومن أتاني به فله حُكمه، فخرج سليمان، فرأى أعرابيًّا يسوق إبلًا له وهو يقول: [من البسيط] لو حُزَّ بالسيف رأسي في مَحبَّتِكم … لمالَ يهوي سريعًا نحوكم رأسي فرجع إليه، فأنشده إياه فأعجبه وقال: يا بنيّ، سَلْ حاجتَك، ولا تنسَ حظَّ الأعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العَهْدَ ليس بمُقَرِّبٍ أجلًا، ولا تركه بمُباعدٍ حَتْفًا، وقد عَهِدتَ إلى الوليد فاجعلني بعده، فقال: نعم، فأقام عبد الملك الحج بالناس سنة إحدى وثمانين، وعهد إليه، وأعطاه مئة ألف درهم فدفعها للأعرابي (١). وقال الزبير: كان سليمان لما ولي الخلافة قد عزم على المقام بالبيت المقدس، ونقل إليه أمواله، فبلغه خروج الروم إلى ساحل حمع، وأنهم سَبَوا نساءَّ، فغضب وقال: والله لأَغْزُونَّهم غزاةً أفتح فيها القسطنطينية أو أموت دونها، فأغزى أهل مصر في ألف مركب في البحر إلى القسطنطينية، وقدَّم عليهم عُمر بن هُبَيرة الفَزاريّ، وأغزى أهلَ الشام في عشرين ومئة ألف إليها أيضًا في البرّ، وولّى على الجميع أخاه مَسْلَمة بن عبد الملك. ثم قدم سليمان دمشق، فصعد المنبر يوم الجمعة وخطب، وأخبر الناس بيمينه التي حلفها على فتح بلد القسطنطينية، وأمرهم بالجَهَاز فتجهَزوا، وخرج الناس من دمشق، وأتى مَرْج دابِق فنزل به، وأقام يُجَهِّز البعوث. وقال الزبير: كان سليمان من أفصح ملوك بني أمية، وكان شاعرًا، ومن شعره: [من الطويل] ومن شيمتي ألّا أُفارقَ صاحِبًا … وإن مَلَّني إلا سألتُ له رُشْدا فإن دام لي بالودِّ دُمتُ ولم أكن … كآخرَ لا يَرعى ذِمامًا ولا عَهْدا (٢)

стр. 4657

وقال الهيثم: كان الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأبو حازم، والزُّهري، وعلماء ذلك العصر وزُهّادُه يدعون لسليمان، ويُثنون عليه ويقولون: افتتح الخلافة بإحياء الصلوات في مواقيتها، ومحا سُنَن الحجاج وسجونه وبِدَعه وما لقي منه الإسلام والمسلمون، ثم ختم خلافتَه باستخلاف العبد الصالح عمر بن عبد العزيز ﵀. وقال عبد الله بن صفوان بن الأهتم: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلم بحاجتك، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، مَن كان الغالبُ على كلامه النَّصيحةَ وحسنَ الإرادة، أوفى به كلامُه على السَّلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتى أوفدني عليك أن ينطقني [بغير] الحق، وأن يُذَلِّل لساني لك بما فيه مصلحة لك وللرعية، وإن اقتصارَ الخطبة أبلغُ في أفئدة أولي الفهم من الإطالةِ والتَّشَدُّق في البلاغة، ألا وإن من البلاغة ما يُفهم وإن قلَّ، وإني مُقْتَصر على الاقتصار، مُجتنب لكثير من الإكثار، يا أمير المؤمنين، أشخَصَني إليك والٍ عَسوف، ورَعيَّة ضائعة، فإن تتعجَّلْ تستدركْ ما فات، وإن لم تعجل هَلَكت الرعيةُ ضَياعًا. فغضب سليمان وقال: البريد البريد، فحضر، فبعث عليه رجلًا وقال: لا تنزل من مركبك حتى تَعزلَ الوالي، ومَن كانت له ظُلامة فخُذْ له بحقّه، ثم أمر للحكيم بمال أو جائزة سنيَّة، فأبى أن يَقبلها وقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحتَسِب سَفَري على الله، وأكره أن آخذ عليه أجرًا من غيره، ولم يَقبلْه (١). ذكر بعض خطبه: [حكى هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان سليمان قد نشأ بالبادية عند أخواله، وكان فصيحًا] خطب يومًا فقال: أيها الناس، اتّخِذوا كتاب الله إمامًا، وارضَوا به حَكَمًا، واجعلوه لكم قائدًا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده. [قال: فما سمع الناس خطبة أبلغ منها ولا أوجز (٢).]

стр. 4658

وخطبة أخرى: أيها الناس، أين الوليد، وأبو الوليد، وجدّ الوليد، أسمعهم الداعي، واسترد العواري؛ فاضمَحَلَّ ما كان كأن لم يكن، وذهب عنهم طَيِّب الحياة، ففارقوا القصور، وسكنوا القبور، واستبدلوا بلين الوطاء خَشِن التّواب، فهم رهائنه إلى يوم المآب، فرحم الله عبدًا مَهّد لنفسه، واجتهد لدينه، وأخذ من الاستعداد بحَظّه، وعمل في حياته، وسعى لصلاحه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] (١). ومن أخرى: أيها الناس، إن الله جعل الموت حتمًا سبق به حُكمُه، ونَفَذ به أمرُه؛ لئلا يطغى المُتَكَبِّر، ويَمدَّ عُنقه المتجبِّر، ألا وإن الله جعل الدنيا دارًا لا تقوم إلا بأئمة العدل ودعاة الحق، وإن لله عبادًا يُملِّكهم أرضَه، ويَسوس بهم عبادَه، ويُقيم بهم حُدودَه، وقد أصبحت في هذا المقام الذي أنا غير راغبٍ فيه، ولا مُنافس عليه، ولولا أن الخلافة تُحفةٌ من الله لتمنَّيتُ أن أكون كأحدكم، وما هو إلا العدل أو النار (٢). ذكر وفاته: قال أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس: لشهد سليمان جنازةً بدابِق، فدُفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التُّربة ويقول: ما أحسن هذه التربة، ما أطيب ريحها! فما أتى عليه جمعة -أو كما قال- حتى دُفن إلى جانب ذلك القبر (٣). واختلفوا في سبب وفاته [على أقوال؛ أحدها:] قال الشعبي: ما زال سليمان بعد وفاة ابنه أيوب يذوب ويَنْحل حتى مات كَمَدًا. وقال المدائني: أتاه دِهقان بدابِق ومعه زِنبيل مملوء بيضًا، وآخر مملوء تينًا أخضر، فقدَّمه إليه، فجعل يُقَشِّر البيض ويأكل كل بيضة بتينة حتى أتى على الزِّنْبيلين، ثم أتوه بقَصْعَةٍ مملوءة مُخًّا مخلوطًا بالسُّكَّر فأكل الجميع، وكان قد أكل قبل التين والبيض والمخ ثلاث مئة وستين شاهلوكة -وهي عين البقر- فأُتخم ومرض ومات (٤).

стр. 4659

وقال ابن أبي الدنيا: نزل سليمان بمَرْج دابِق من أرض قِنَّسرين، فنظر في المرآة يومًا فأعجبتْه نفسُه فقال: أنا الملك الشَّابّ، أنا السلطان الوهَّاب -وكان جميلًا، وعليه حُلَّةٌ خضراء، وعلى رأسه وَصيفة- فلما قال: أنا الملك الشاب حرَّكت شفتيها، فقال لها: يا جارية، كيف ترينني؟ قالت: قُرَّة العين، ومُنى النَّفْس، قال: فما الذي حرَّكتِ به شفتيكِ؟ قالت: قلت: [من الخفيف] أنت نعمَ المتاعُ لو كنتَ … تَبقى غيرَ أن لا بَقاءَ للإنسانِ أنت خِلْوٌ من العيوبِ ومما … يَكرهُ الناسُ غير أنك فانِ ثم خرج إلى الجمعة ليَخطبَ بالناس ويُصلّي، فشرع في الخطبة وصوته يُسمع من أقصى المسجد، فطعن، فلم يزل يَضعف صوتُه، وثَقُل حتى لم يسمعه القريب من المنبر، ثم حُمل إلى بيته فقال: عليَّ بتلك الوَصيفة -التي كانت قائمة على رأسه- فجاءت، فقال لها: أعيدي ما قلتِ، قالت: وما الذي قلت؟ قال: ألستِ القائلة: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى؟ قالت: والله ما طَرقَ سَمعي هذا قط، ولا رأيتُك منذ شهر، فسأل القَيمةَ على الجواري فقالت: صدقت، فارْتَاعَ، وعلم أن نفْسَه قد نُعيت إليه، فما عاش إلا أسبوعًا (١). واختلفوا في وفاته؛ فقال هشام بن محمد: تُوفّي بدابِق يوم الجمعة لعشرِ ليالٍ بقينَ من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت خلافتُه سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام. [وقال ابن عساكر: إنه توفي في رمضان، وهو وهم منه.] وقال ابن أبي الدنيا: توفي لعشر ليال مضين من صفر. واختلفوا في عمره، فقال قوم: [ولد سنة ستين، فيكون عمره] تسعًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاث وخمسون سنة، والأول أشهر (٢).

стр. 4660

وقال الواقدي: صَلَّى عليه عمر بن عبد العزيز، ونزل في قبره، فلما سوّى عليه اللَّبِن اضطرب، فقال ولد صغير لسليمان: عاش والله أبي، فقال عمر: بل عوجل أبوك (١). قال: وقد جرى مثل هذا للوليد بن عبد الملك، فإن عمر نزل في قبره ومعه العباس بن الوليد أو عبد العزيز بن الوليد. فجمع الوليد رجليه إلى صدره، فقال ولده: قد عاش أمير المؤمنين، فقال عمر: كلا والله، ولكنه عُوجل (٢). وقد رثاه جماعة، منهم: الحارث الشاعر، فقال من أبيات: [من الطَّويل] فهلّا على قبرِ الوليدِ سَفَحْتَها … وقبرِ سُليمانَ الذي عند دابِقِ (٣) وقال حمزة بن بِيض الحَنَفيّ الشاعر: [من الكامل] ساس الخلافةَ والداك كلاهما … من بين سُخطَةِ ساخطٍ أو طائعِ ثم الوليدُ أخوك أصبح تاليًا … وَعلى جبينك نورُ ملكٍ ساطعُ (٤) يريد بوالديه: مروان وعبد الملك. ذكر أولاد سليمان: كان له أولاد عدة، منهم: أيوب، وداود، وعبد الواحد، ويزيد، وإبراهيم، ويحيى، وعبيد الله، والقاسم، وسعيد، ومحمد، وعمر، وعمرو، وعبد الرحمن، وأم أيوب. فأما أيوب فقد ذكرناه، وقيل: لم يكن في أولاده مثله. وأمَّا داود فأُمّه أم ولد، ولّاه أبوه بعض الصَّوائف، وأراد أبوه أن يَعْهَد له في مرضه فمنعه رجاء بن حَيوَة، وقيل: إنَّما منعه سليمان الخلافة لأنَّه كان ابنَ أَمَة، وهو الذي

стр. 4661

عُيِّر فقيل له: مات أبوك بَشِمًا وأمُّك بَغَرًا (١)، وكانت أُمُّه قد حَجَّت فعَطِشت بطريق مكّة، فأكثرت من شُرب الماء فماتت. ويقال: إن صالح بن عبد الله قتله يوم نَهرِ أبي فُطْرُس (٢). وأمَّا عبد الواحد فكُنيته أبو عثمان، وقيل: أبو خالد، وأمه أم عمرو بنت عبد الله بن خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص بن أُميَّة. ولي الموسم لمروان بن محمد، وكان عاملَه على المدينة، وكان أميرًا على الموسم سنة تسع وعشرين ومئة، ونزلت الحرورية بعرفات على النَّاس من كل وجه، فأرسل إليهم عبد الواحد جماعةً من قريش؛ منهم: عبد الله بن حسن بن حسن، وأُميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد العزيز بن عبد الله [بن عبد الله] بن عمر بن الخطاب، فسألوهم أن يكفُّوا عن النَّاس حتَّى يَفْرُغوا من حجِّهم فكفّوا، فلما كان يوم النَّفْر الأول خرج عبد الواحد كأنه يُفيض، فركب رواحِلَه ومضى إلى المدينة، وترك أثقاله بمِنًى. وقال الزُّبير بن بكار: كان عبد الواحد جوادًا مُمَدَّحًا، وقد مدحه إبراهيم بن هَرْمَة كثيرًا، وكان قد أغناه، وأخذ عليه العَهد أن لا يمدحَ غيره، فلما عُزل عبد الواحد عن المدينة وجاء أميرٌ غيره مدحه ابن هَرْمَة، فعُزل ذلك الأمير وأُعيد عبد الواحد إلى المدينة، فجاء إليه ابن هرمة فحجبه، ولم يقبل فيه شَفاعةَ أحد، فتشفَّع إليه بعبد الله بن حسن بن حسن، فركب معه إليه، فلما دخل على عبد الواحد قام له وأكرمه وقال: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: كلُّ حوائجك مَقضيَّة إلَّا ما كان من ابن هَرْمة، فقال: ما أريد غيرها، فشفَّعه فيه، وأذن له فدخل فأنشده: [من الوافر] أعبدَ الواحدِ المأمول إنِّي … أَغَصُّ حِذارَ سُخْطِك بالقَراحِ رأينا غالبًا خُلقتْ جَناحًا … وكان أبوك قادِمَةَ الجَناحِ

стр. 4662

وقام عبد الله بن حسن فخرج، وخرج خلفه ابن هرمة وقد تَجَوّز في الإنشاد، فلحق عبد الله فقبَّل رِكابه، فقال له: وَيحك، أما استحييتَ منّي تقول لابن مروان: وكان أبوك قادمةَ الجناح وأنا حاضر؟! وأبي الحسن بن علي، وأمي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال له ابن هرمة: فقد قلتُ في إثر هذا البيت: ولكن عُتبةٌ عتِبتْ علينا … وبعضُ القول يَذْهب في الرِّياحِ فضحك عبد الله وقال: قاتلك الله ما أظْرَفَك. وقيل: لم يكن هذا البيت في القصيدة، وإنَّما ارتجله ابن هرمة. وحكى أبو الفرج الأصفهاني قال: قيل لابن هَرْمَة: بم استحقَّ منك عبد الواحد أن قلتَ فيه: أعبد الواحد المأمول إنِّي فقال ابن هرمة: إن ذهبنا نُعَدِّد صنائعَه التي يستحقُّ بها هذا القول أطلْنا، ولكن أُخبركم ببعض صنائعه عندي؛ كان واليًا على المدينة، وكانتُ مُنقطعًا إليه فأغناني عن مَن سواه، فعُزل عن المدينة، فظننتُ أنَّ مَن يلي بعده يكون مثله، فأقمتُ أغدو وأروح إلى الوالي إلى أن لم يبقَ لي شيء، وتعذَّر عليَّ القُوت، فقلت لأختي: أما تَرينَ ما نحن فيه، فمن أَقصِد؟ قالت: ما أُشير عليك إلَّا بعبد الواحد بن سليمان. فباعت حُليَّها واشترت لي راحلة، فركبتُها وسرتُ حتَّى قدمتُ دمشق، فسألتُ عن عبد الواحد فقيل: هو في المسجد، فأَنَخْتُ راحلتي، ودخلت فسلَّمتُ عليه، فرحّب بي وقال: يا أبا إسحاق، كيف خبرك بعدنا؟ قلت: تلاعبتْ بي المِحَن، وجفاني الأخِلَّاء، ونأى بي الوطن، فلم أجد مَن أَفْزَع إليه في الشدائد إلَّا إليك، ولا مُعَوَّلًا إلَّا عليك، فوالله ما بادرني إلَّا بدمعته، وأومأ إلى فتيان من أولاده فذهبوا. ثم عاد الأول ومعه كيس يحمله خادم، فصبَّه في حجري، فقال عبد الواحد: كم هذا؟ قال: ألف وسبع مئة دينار، والله ما عندنا غيره.

стр. 4663

ثم أقبل الثَّاني ومعه عبدان على رؤوسهما كارتان (١)، فحطّهما بين يدي، وإذا بها حليُّ نسائه وبناته، وقال له الغلام: والله يا أَبَة ما أبقينَ لهنّ من الحلي إلَّا ما بين يديك. وجاء الغلام الثالث ومعه غلامان معهما من فاخر ثيابه، فوضع الجميع بين يدي وقال: يا أبا إسحاق، إنِّي لمُعْتَذرٌ إليك من قلَّة ما حَبَوتُك به؛ مع بعد الشُّقَّةِ، وطول العهد، وسعةِ الأمل، وقد جئتَنا في آخر السنة، وقد تقسَّمت أموالنا الحقوقُ، ونسفتها (٢) أيدي المؤمِّلين، فلم يبقَ إلَّا هذه الصُّبابة (٣)، فآثرناك بها على أنفُسنا، واستقللناها لك. ثم نظر إلى ناقتي وقد ضَعُفَتْ فقال: يا غلام، ناقتي الفلانية فجاء بها، وهي والله أحبُّ إلي مما أعطاني، ووهب لي عبدين يخدماني. أفتلومني على مدحي إياه؟ فقال الرجل الذي سأله: والله إن هذا المدح استتر في جنب ما ذكرت (٤). وقال الزُّبير: ولَّى مروانُ بنُ محمد عبدَ الواحد مكّة والمدينة والطائف، فلما زالت أيَّام بني أميَّة قتله صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وأخذ ماله، وله بالشام عَقِب (٥). وأمَّا يزيد بن سليمان فكان سيِّدَ ولد أبيه، وكان ينزل فلسطين، فلما قُتل الوليد بن يزيد أراده أهل فلسطين على البيعة بالخلافة، فلم يتمَّ له الأمر، فبعث إليه يزيد بن الوليد مَن ضمن له ما أراد، فأجابه وبايعه (٦). وقال الزُّبير: يزيد والقاسم وسعيد بنو سليمان، أمهم أمُّ يزيد بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، مات سعيد بن سليمان صغيرًا (٧).

стр. 4664

وأمَّا إبراهيم بن سليمان فإنَّه عاش إلى أيَّام بني العباس، وله قصة عجيبة حكاها الزُّبير، وذكرها ابن عساكر، قال (١): لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجال من بني أميَّة، منهم إبراهيم بن سليمان، حتَّى أخذ له داود بن علي أمانًا من أبي العباس، فقال له يومًا أبو العباس: حدّثني بما مَرَّ عليك في اختفائك، فقال: كنت مطلوبًا دون أهلي، فكنت أدور البلاد حتَّى دخلت الكوفة، فقصدتُ خرابها، فأفضيتُ إلى رَحْبةٍ واسعة، ودار عالية، وعلى بابها رجلٌ له هيبة وغلمان، فسلَّمتُ عليه وقلبي خائف، فقال: ادخل فأنت آمن، فدخلتُ، فأفرد لي دارًا عند حُرَمه، وأقام بي أحسن القيام، فأقمتُ عنده حَولًا لا يسألني عن شيء، وكان كلّ يوم يركب ويعود وهو مُتَلَهِّف، فقلت له يومًا: ما لي أراك قلقًا؟ فقال. إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي، وقد أباح الخليفة دمه، وجعل لمن يأتي به مئة ألف درهم، وأنا كلّ يوم أركب وأُفتِّش الخراب عليه، وقد أُخبرت أنَّه فيه، قال: فعجبت من كوني في منزله وهو يريد قتلي منذ سنة ولا يعلم غريمه! فقلت: ما اسم أبيك؟ قال: فلان، فقلت: إنه قد وجب عليّ حَقُّك، ومن حَقِّك أن أُقَرِّب خُطاك، قال: وكيف؟ قلت: أنا قاتل أبيك، وأنا إبراهيم بن سليمان، فخذ بثأرك مني، فنظر إلي وقال: أحسب أن الاختفاء قد أضرَّ بك فاخترتَ الموت، فقلت: لا والله، فأنا قتلتُه في اليوم الفلاني بسبب كذا وكذا، فلما علم أني قاتلُه أطرق مفكرًا، واحمَرَّت عيناه ووجهه، ثم رفع رأسه وقال: أما أنت فستلقى ربك، وأبي فيأخذ له بحقِّه منك، وأما أنا فلا أُخفِر ذِمامي، فأخرج فلستُ آمَنُ نفسي عليك بعدها، فخرجتُ وأتبعني بألف دينار وقال: أنت ابنُ نِعمة فاستعن بها على طُرُقك، فلم أقبلها، فهذا أكرم مَن رأيت (٢).

стр. 4665

وأمَّا يَحْيَى وعبيد الله ابنا سليمان فأُمُّهما عائشة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان. وأما أمُّ أيوب بنت سليمان فكانت عند عبد العزيز بن الوليد، فماتت في حياة سليمان. أسند سليمان بن عبد الملك الحديث عن أبيه، وعبد الرحمن بن هُنَيدة، وروى عنه ابنه عبد الواحد بن سليمان، والزُّهري. سهل بن عبد العزيز بن مروان كان فاضلًا زاهدًا، روى الحديث عن أبيه، وروى عنه معاوية بن الريَّان. عبد الله بن محمد بن الحَنَفيَّة كنيته أبو هاشم، وأمُّه أم ولد، وهو من الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة. وكان صاحب علم ورواية، ثقة، قليل الحديث. وكانت الشيعة يتولَّونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، وصرف الشيعة إليه، ودفع كتبه إليه، ومات بالحُمَيمة في خلافة سليمان بن عبد الملك (١). وقال الهيثم: جرت بينه وبين زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب مُنازَعة في صدقات علي ﵇، وكان قد شرط في صدقته أنها تكون إلى ذي الذين والفضل من أكابر ولده، فانتهت إلى زيد بن الحسن، فنازعه فيها أبو هاشم وقال: أنا وأنت في النسب إلى جدنا سواء، وإن كانت فاطمة ولدتك ولم تلدني فإن هذه الصدقة ليست لفاطمة، وإنَّما هي لجدّي، وأنا أعلم بالكتاب والسنة وأفقه منك. فخرج زيد من المدينة، فقدم على الوليد بن عبد الملك بدمشق، فكثَّر على أبي هاشم، وأعلمه أن له شيعة بالعراق يتخذونه إمامًا، وأنَّه يدعو إلى نفسه حيث كان،

стр. 4666

فوقر ذلك في صدر الوليد، وصدَّق زيدًا، وحمله منه على النصيحة، وتزوج نَفيسة بنت زيد بن الحسن. وكتب الوليد إلى عامله بالمدينة بإشخاص أبي هاشم فأشخصه، فلما وصل إلى باب الوليد أمر بحبسه، فأقام مدة، فوفد علي بن الحسين زين العابدين على الوليد بسببه، فقال علي للوليد: ما بال آل أبي بكر وعمر وعثمان يتقربون بآبائهم فيُكْرَمون، وآل رسول الله ﷺ يتقربون بآبائهم فيُهانون؟ علام حبستَ ابن عمي أبا هاشم؟! فذكر له الوليد ما قال زيد فقال: إن بينهما منازعة في صدقة علي، فحمله ذلك على أن رماه عندك بالبُهتان، فصدّقه الوليد وأطلق أبا هاشم (١). ذكر وفاته: قال الواقدي: قدم أبو هاشم على سليمان بن عبد الملك، فأكرمه، وقضى حوائجه، وأُعجب بفصاحته وقال: ما كلَّمني قُرشيٌّ قط بمثل هذا، وإني لأظنّه الذي أُخبرنا عنه أنَّه يكون منه كذا وكذا، ووصله وأحسن جائزته، فخرج من دمشق يريد فلسطين، فأرسل سليمان مولى له أديبًا فطنًا، فسبق أبا هاشم إلى بلاد لَخْمٍ وجُذام، فواطأ قومًا منهم، فضربوا أبنيةً على الطَّريق كهيئة الحوانيت، بين كل واحد والآخر أقلّ من ميل، وأعدُّوا عندهم لَبنًا مسمومًا. فمرَّ بهم أبو هاشم راكب على بغلته، فجعلوا ينادون: الشَّراب الشَّراب، اللَّبَن اللَّبن، فتاقت نفسُ أبي هاشم إلى اللبن فقال: هاتوا من لبنكم فناولوه قَدَحًا فشربه، فلما استقرَّ في جوفه وتجاوزهم قليلًا أحسن بالموت، وعلم أنَّه قد اغتيل، فقال لمن معه: أنا ميت، انظروا الذين سقوني اللبن، فعادوا إليهم فلم يجدوا أحدًا، فقال أبو هاشم: ميلوا بي إلى ابن عمي محمد بن علي بالحُمَيمَة -والحميمة من أرض الشراة- فمالوا به إليهم، فأخبرهم أنَّه سُمَّ في لبن غِيلة، وقال: إن هذا الأمر سائر إلى ولدك، وأوقف محمدًا على كتب الشيعة، وأعطاه علامات، ومات عنده (٢).

стр. 4667

وقال مصعب الزُّبيري: مات أبو هاشم بالحِجْر من بلاد ثمود. وقال عيسى بن علي: مات في عسكر الوليد. وقال أبو مَعْشر: والذي سمَّه الوليد، والأول أصح (١). ذكر أولاده: كان له من الولد هاشم وبه كان يُكنى، ومحمد الأصغر لا بقية له، وأمهما أم خالد بنت علقمة (٢) بن الحُوَيرث، من بني كنانة. ومحمد الأكبر ولبابة، وأمهما فاطمة بنت محمد بن عبيد الله بن العباس. وعلي، وأمُّه أم عثمان من قُضاعة. وطالب، وعون، وعُبيد الله لأمهات أولاد. ورَيطة، وهي أم يَحْيَى بن زيد بن علي المقتول بخراسان، وأمها رَيطة بنت الحارث بن نَوْفل بن الحارث بن عبد المطَّلب. وأمُّ سَلَمة لأم وَلَد. قال الزُّبير: وقد انقرض ولد أبي هاشم إلَّا من قِبَل النساء. عيسى بن طلحة ابن عُبيد الله التَّيمي، كان من حُلَماء قريش وساداتهم، ووفد على معاوية، وأمُّه سُعْدى بنت عوف بن خارِجَة، من قيس عَيلان. وهو من الطبقة الثَّانية من أهل المدينة. وقيل له: ما الحِلم؟ قال: الذُّل. وكان صديقًا لعروة بن الزُّبير.

стр. 4668

دخل رجل على عيسى وهو ينشد: [من الطويل] يقولون لو عَذَّبْت قلبَك لارْعوى … فقلتُ وهل للعاشقين قلوبُ عَدِمْتُ فؤادي كيف عَذَّبَه الهوى … أما لفؤادي من هَواكِ نَصيبُ فقام الرجل، فأسبل إزاره، ومضى إلى باب الحجرة يتبختر، ثم رجع كذلك إلى عيسى فقال: أحسنتَ والله، فضحك عيسى وجلساؤه من طَرَبه. وقال عبد الله بن مُسلم بن جُندب: طَرَقَني عيسى بن طلحة في الليل، فأشرفت عليه وقلت: ما لك؟ فقال: إن جاريةً ابنِ حمران غَنَّتني لك: [من الطَّويل] تعالوا أعينوني على الليل إنه … على كلّ عينٍ لا تنامُ طَويلُ فوَيلي وعَوْلي فَرِّجوا بعضَ كُربتي … وإلا فإني مَيِّتٌ بغَليلي وجئتُك أعينُك على طول الليل، فقلت: أدى الله عنك الحق، أبطأتَ عليَّ حتَّى أتى الله بالفَرج (١). توفي عيسى في خلافة عمر بن عبد العزيز، وحدَّث عن أبي هُريرة وأبيه، وعن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو وغيرهم. وروى عنه الزُّهريّ، وكان ثقة كثير الحديث (٢). القاسم بن مُخَيمِرَة الهَمداني من الطبقة الثَّانية من التّابعين من أهل الكوفة. وكان مؤدِّبًا، وكان يدعو بالموت، فلما نزل به كرهه، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان ثقةً وله أحاديث (٣). وكان عالمًا، زاهدًا، إمامًا، وَرِعًا. قال: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام، ولا أغلقتُ بابي ولي خلفَه هَمّ.

стр. 4669

قال: وأتيتُ عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين دينارًا، وحملني على بغلة، وفرض لي في خمسين، فقلت: أغنيتني يا أمير المؤمنين عن التجارة، ثم سألني عن حديث فقلت: هِنتني يا أمير المؤمنين، كأنه كره أن يحدثه على هذا الوجه (١). وكان القاسم يكره صيد الطير أيَّام فِراخه. أسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن خلق من التّابعين (٢). قيس بن أبي حازم عَوف بن عبد الحارث الأَحمَسيّ. من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل الكوفة، شهد مع خالد بن الوليد حين صالح أهلَ الحِيرة، والقادسية، وتوفي في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وَقَّاص، وابن مسعود، وخَباب، وخالد بن الوليد، وحُذَيفة، وأبي هُريرة، وعُقبة بن عامر، وجرير بن عبد الله، وعَدي بن عَميرة، وأسماء بنت أبي بكر ﵃ (٣). محمود بن الرَّبيع ابن سُراقة الخَزْرَجي. من الطبقة الخامسة ممن مات رسول الله ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان، وكنيته أبو نعيم، وأمه جَميلة بنت أبي صَعْصَعة من بني النجَّار، وكان يَعقل رسولَ الله ﷺ وأدركه. مات محمود في سنة تسع وتسعين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. أسند عن عِتْبان بن مالك، وعُبادة بن الصَّامت، وروى عنه رجاء بن حَيوَة، والزُّهري، ومَكحول في آخرين.

стр. 4670

وكان له من الولد: إبراهيم ومحمد (١). نافع بن جُبَير ابن مُطْعِم بن عَدِيّ بن نَوْفَل بن عبد مَناف بن قُصَيّ، كنيته أبو محمد، وأمه أمُّ قِتال بنت نافع بن ظُرَيب بن عمرو بن نَوْفل. وهو من الطبقة الثَّانية من أهل المدينة، وكان يَخضِب بالسَّواد، ويَربِط أسنانَه بخُرْصان الذَّهَب، ولا يَلْبَس إلَّا البياض، وكان يمشي إلى الحج وراحلته تُقاد خلفَه، وكان من أصحاب زيد بن ثابت، وهو أحد الأئمة، وروى عنه النَّاس، وتُوفّي في سنة تسع وتسعين. وكان له من الولد: محمد، وعمر، وأبو بكر، وأمُّهم أمُّ سعيد بنت عِياض بن عَديّ بن الخِيار. وعلي وأمّه مَيمونة بنت عُبيد الله بن العباس. أسند نافع عن: علي، والعباس، وأبي هريرة، والزبير وغيرهم، وروى عنه الزُّهريّ، وعمرو بن دينار، والنَّخَعي، والشَّعْبي، وخلق كثير، وكان ثقةً (٢). السنة المئة (٣) فيها خرجت طائفةٌ من الحَرورِيّة على عبد الحميد بالعراق، فكتب إلى عمر يخبره، فكتب إليه عمر يأمره أن يدعوهم إلى كتاب الله والعمل به وسنة رسوله ﷺ ، فلما أعذر في دعائهم كتب إليه: قاتلهم فإن الله لم يجعل [لهم] سَلَفًا يحتجُّون به علينا، فبعث إليهم عبد الحميد جيشًا فهزموه، فلما بلغ عمر بعث إليهم مَسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشُك جيشُ السوء، وقد بعثت إليك مَسْلمة بن عبد الملك، فحُلْ بينه وبينهم.

стр. 4671

فلقيهم مسلمة في أهل الشام، فلم يَنْشبوا أن ظهر عليهم، فلقد مات عمر وفي حبسه منهم عِدة. وقال البَلاذُري: خرج بِسْطام بن مُرَيّ اليَشْكُرِي في زمن عمر، ولقبه شَوْذَب، فقال لقومه: إن هذا الرجل يأمر بالعدل ويعمل به، فادعوه إلى أمركم، وما أنتم عليه من البراءة من عثمان وعلي ومعاوية، وما حكم به الحَكَمان، وأن لا حكم إلا لله، فكتبوا إليه بذلك، فكتب إليهم: من عبد الله عمر إلى العصابة الخارجين بزَعْمِهم يلتمسون الحق، أما بعد، فإن الله سبحانه لم يُلَبس على العباد أمورَهم، ولم يتركهم سُدى، ولم يجعلهم في عَمياء، حتَّى أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، فبعث محمدًا ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه كتابًا حَفيظًا؛ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد وقفتُ على كتابكم، وما دعوتموني إليه. فأمَّا التَّبَرُّؤ من الصّحابة فمعاذ الله، كيف أتبرَّأ من قوم أخبرني الله في كتابه العزيز أنهم سبقونا بالإيمان، وأمرنا أن نستغفر لهم، وسألتموني ردَّ ما حكم به من كان في صدر الأمّة، وقولكم: لا حكم إلا لله، فأقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وقد خاب مَن دُعي إلى الحقّ ولم يُجب. ثم ختم الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية [يوسف: ١٠٨] وبعث بالكتاب مع عَوْن بن عبد الله بن عُتبة بن مَسعود الهُذَليّ ومحمد بن الزُّبير الحَنْظَليّ، وقال لهما: ادعوهم إلى الجماعة، وردُّوهم إلى كتاب الله، واضمنا عني ما طلبوا من العمل به. فلما قَدِما عليهم دفعًا إليهم كتاب عمر، فلما وقفوا عليه قالوا: نبعث إليه برجلين يُكلِّمانه، فإن أجاب فذاك، وإن أبي فالله من ورائه، فقال لهم عون: أيَّتُها العِصابة، إنا قد أقمنا من كتاب الله ما قد حَفِظنا، وعَمِلنا بما عَلِمنا، فهل عندكم من علم فتُخرجوه لنا؟! قالوا: نعم، نكَفِّر أرباب الذنوب، قال: ولمَ؟ قال:

стр. 4672

لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فقال: أخطأتم في التأويل؛ لأنَّ المراد من الآية الجَحْد، أما التأويل بأن يقع حدٌّ فيَدْرَأه عن صاحبه فليس بكفر، قالوا: فإن عُمَّال صاحبكم يظلمون، وقد قال الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] قال: فتولوا أنتم أعماله، قالوا: نعمل له فنَشْرَكه فيما هو فيه؟ قال: فكونوا أُمَناء على العمال، أي عامل عمل بغير الحق فاعزلوه، فقالوا: نبعث معكما رجلين. فبعثوا معهما رجلًا من بني يَشْكُر، ورجلًا من الموالي يقال له: عاصم، حَبَشيّ، فقوموا على عمر وهو بخُناصِرة في غرفة له، وعنده ابنُه عبد الملك وكاتبه مُزاحِم مولاه، فدخلا على عمر فأخبراه بوصول الرجلين فقال: فتِّشوهما، ففتَّشوهما فلم يجدوا معهما حديدًا، فأذِن لهما. فدخلا عليه فقالا: السَّلام عليك، فردَّ عليهما وأَذِن لهما بالجلوس، فجلسا، فقال عمر: ما الذي نَقَمتُم علينا؟ فقال عاصم: أخبِرْنا عن قيامك بهذا الأمر، أعن تَراضٍ من الأمة أم ابتزَزْتَهم أمرَهم؟ فقال: ما سألتُهم إياه، ولا غلبتُهم عليه، وإنَّما عهده إليَّ رجل لم أسأله إياه لا في سِرٍّ ولا في علانية، فقمتُ فيه قيامَ مُكْرَه، فلم يُنْكره أحدٌ غيركم. فقال له اليَشْكُريّ: رأيناك خالفْتَ أهلَ بيتك، وسمَّيتَ أفعالهم مظالم، وسلكتَ غير طريقهم، فإن كانوا على ضلالةٍ وأنت على هُدَى؛ فالعنْهم وتبرأ منهم ونحن موافقوك، فقال عمر: زعمتم أن لَعْنَ الظالمين فريضة، فمتى لعنتُم فرعون؟ فقال عاصم: ما أعلم أني لعنتُه، قال: ففرعون كان أخبثَ العالم ولم تَلْعَنْه، أفألعنُ أنا أهلَ بيتي وهم مسلمون مُصَلّون إن كانوا ظالمين، فكفى بذلك ذَمًّا ونَقْصا، أليس أن أبا بكر سَفَك دماء أهل الردَّة، وأخذ أموالهم، وسبى ذَراريهم؟ قالا: بلى، قال: أليس عمر ردَّ السَّبايا بعده إلى عشائرهم بفِدية، فهل تبرَّأ عمر من أبي بكر؟ قالا: لا، قال: فأنتم تزعمون أن أبا بكر وعمر من أسلافكم، وقد فعلًا ما فعلًا، ولم تتبرَّؤوا منهما، أفأتبرَّأ أنا من أهلي؟ أليس من أسلافكم مَن سفك دم عبد الله بن خَبَّاب، وبقروا بطنَ امرأته، وقتلوا وأخذوا المال؟ قالا: بلى، قال: فهل تبرَّأتم منهم؟ قالا: لا، قال: فأهلي لم

стр. 4673

يفعلوا مثل ذلك؛ ومع هذا ما تبرَّأتُم منهم، فكيف أتبرَّأ من أهلي؟ ثم بكى عمر، فقالا: نشهد أنك على الحق، وأنك تتحرَّى الخير والعدل والصدق. ثم مضيا إلى الخوارج، وحكيا لهم ما جرى فقالوا: كُفُّوا عن هذا الرجل ما كَفَّ عنكم، وكان عمر ﵁ يقول: ما خصموني إلَّا بيزيد بن معاوية، فأستغفر الله. ثم رحل بِسطام فنزل حَرَّة؛ مكانًا بأرض الموصل، وعاد عاصم الحَبشيّ إلى عمر ﵁ فأقام عنده، فأمر له بعطاء، فمات بعد خمسة عشر يومًا (١). وفيها ولَّى عمر ﵁ عُمر بن هُبَيرة الفَزاري عاملًا على الجزيرة، فسار إليها فضبطها، ورحل الخوارج إلى أرمينية. وكان بالجزيرة سِنان بن مُكمِّل النُّميري، فركب سنان يومًا على بغلة، فساير عمر بن هُبَيرة فزَحَمَتْه، فقال له عمر: غُضَّ من عِنان بغلتك، فقال له سِنان: إنَّها مكتوبة، فخجل عمر. وذلك لأنَّ عمر أراد أن يُخْجِل سِنانًا بقول القائل: [من الوافر] فغُضِّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ … فلا سَعدًا بلغْتَ ولا كِلابا فَخجّله سِنان، وأراد قولَ القائل: [من البسيط] لا تأمَنَنَّ فَزاريًّا خَلوتَ به … على قَلُوصِك واكتُبها بأسيارِ (٢) وفيها تزوج محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الحارثيَّة، فولدت له [أبا] العباس السفَّاح في سنة أربع ومئة. وفيها حُمل يزيد بن المُهَلّب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁. قال هشام بن محمد: إن عمر ﵁ لما عزل يزيد عن خُراسان جاء إلى واسط، وكان عَديُّ بن أَرْطاة أميرًا على البصرة، فركب يزيد السُّفُن يريد البصرة ليلحق بأهله وأمواله، فأرسل عَديُّ بن أَرْطاة موسى بنَ الوجيه الحِميَريّ، فلحقه بنهر مَعْقِل قريبًا من جسر البصرة، فأوثقه، وبعث به إلى عمر.

стр. 4674

وكان عمر ﵁ يبغض آل المهلب ويقول: هم جبابرة، وكان يزيد يكره عمر ويقول: هو مراءٍ. دخل يزيد يومًا على سليمان وهو يخطر بيده، فقال: إن هذه مِشية يكرهها الله، فقال سليمان لعمر: لا تقل هذا، فقال عمر ﵁: والله إن في رأسه لغَدْرَة، فأغلظ يزيد لعمر وقال: ماذا لَقِينا من لَطِيم الحمار المرائي، فلما ولي عمر ﵁ علم يزيد أنَّه كان بعيدًا عن الرياء. وفي رواية أن عمر ﵁ كتب إلى عدي بأن يبعث بيزيد إليه موثقًا، فبعث به عديّ مع وكيع بن حسَّان بن أبي سُود التَّميمي مَغلولًا مقيَّدًا في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان عوض له أناس من الأزد ليُخلّصوه، فوثب وكيع فقطع قَلْس السفينة، وانتَضى سيفَه، وحلف [بطلاق] زوجته لئن لم يتفرقوا ليضربنَّ عُنُقَ يزيد، فأشار إليهم يزيد فتفرقوا وجاء وكيع بيزيد إلى عين التَّمْر وهناك جند فسلّمه إليهم، فساروا به إلى الشام، ورجع وكيع إلى البصرة (١). وقال الهيثم: لما ولي عمر بن عبد العزيز وقف على كتاب يزيد بن المهلب إلى سليمان -الكتاب الذي ذكر فيه حديث المال والفتوح، ولم يقف سليمان عليه- فكتب عمر إلى يزيد: أما بعد، فإن سليمان كان عبدًا من عبيد الله، قبضه الله إليه عند انقضاء أجله، ثم وَليتُ الأمرَ بعده، فبايع مَن قِبَلك، والسلام. فلما قرأ يزيد كتابه قال: الرجل عازلُنا لا مَحالة، ثم كتب إليه عمر ﵁ كتابًا آخر يأمره بالقُدوم عليه، وأن يستخلف ابنَه مخلد بن يزيد على عمله، فخرج ومعه وجوه أهل خُراسان، وكان وكيع بن حسَّان بن أبي سُود محبوسًا عنده فحمله معه، وكان في عزم يزيد العصيان على عمر ﵁، فلما دخل واسط أراد أن يقصد البصرة؛ وبها عَديّ

стр. 4675

ابن أرطأة عامل من قبل عمر ﵁، وعلم عدي فأرسل موسى بن الوَجيه الحِمْيَريّ في جيش، فأدركوه عند نهر مَعْقِل فأوثقوه. وقال المدائني: لما وصل يزيد إلى واسط وجد عديَّ بن أرطاة قد أقبل واليًا عَلى العراق وهو في سفينة، فصعد عديّ فدخل دار الإمارة، واستدعى بيزيد فقيَّده، وبعث به إلى عمر ﵁. وقال هشام بن محمد: لما دخل يزيد على عمر سلَّم عليه بالخلافة، فرد عليه وقال: أين الأموال التي كتبتَ بها إلى سليمان؟ فقال يزيد: ما عندي مال، فقال عمر: فهذا كتابك إلى سليمان بفتوح جُرْجان وطَبَرِسْتان ودِهِسْتان، وأنَّ قِبَلَك ستة آلاف ألف درهم، أو ما هذا كتابُك؟ قال: بلى، وما قصدتُ به إلَّا السُّمعة بتعظيم الفتح عند النَّاس، فقال عمر: قد صار ذلك حقًّا واجبًا للمسلمين، ولا يَسَعني تركُه، فأصرَّ يزيد على الإنكار، فأمر بحبسه، فمرض في الحبس، فأمر عمر بفكّ قُيوده. وبعث عمر ﵁ على خراسان الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ، وقفل عنها مَخْلَد بن يزيد؛ لا يمرُّ بكُورَةٍ إلَّا وفرَّق فيهم أموالًا عظيمة حتَّى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد صنع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد أبتُلينا بك، فلا نكن أشقى النَّاس بولايتك، علام تحبس هذا الشَّيخ؟ إنما أتحمَّل ما عليه فصالِحْني على البعض، فقال عمر ﵁: لا، إلَّا أن تحمل جميعَ ما كتب به إلى سليمان، فقال له مَخْلَد: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بيِّنة فخُذْ بها، وإن لم تكن لك بَيِّنة فصدِّق مقالةَ يزيد وإلا فاستَحْلِفْه، فقال عمر: لا، إلَّا أن يأتي بجميع المال الذي كتب به بخطه، فإن خطَّه شاهد عليه. وخرج مَخْلَد من عند عمر ﵁، فقال عمر: هذا خير عن أبيه، فلم يلبث مخلد حتَّى مات عند عمر وأبوه في الحبس. ولما أصرَّ يزيد على الامتناع بعث إليه عمر يقول: أدِّ المال واذهب حيث شئت؛ فإنَّك لستَ بفاجر، فنال من عمر وأغلظ للرسول، فقال عمر: ألبِسوه جُبَّةَ صوف،

стр. 4676

واحملوه على جَملٍ إلى دَهْلَك، فألبسوه الجُبَّة، وحملوه على الجمل، فلما خرجوا به ومرُّوا على النَّاس أخذ يقول: أمالي عشيرة، أمالي قوم، أيُذْهَب بي إلى دَهْلَك؛ وإنَّما يُذهَب إليها بالفُسَّاق والمحاربين وأهل الريب؟! فدخل سلامة بن نُعَيم الخَولانيّ على عمر وقال: يا أمير المؤمنين، ارْدُدْ يزيد إلى محبسه، فإني أخاف إن ذُهب به أن ينتزعه قومه، فإني رأيتُهم قد غضبوا، فردَّه إلى الحبس. وقَدِمت هند بنت المهلَّب على عمر ﵁ وهو بخُنَاصِرة فقالت: يا أمير المؤمنين، علام حبستَ أخي؟ قال: خفتُ أن يشقَّ عصا المسلمين، قالت: فالعقوبة إنَّما تكون بعد الذَّنب لا قبلَه (١). وهذه هند ذكرها ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الفوائد" قال: ذكرت امرأة عند هند بنت المهلب بجَمَال، فقالت هند: ما تحلَّينَ بحِليةٍ -يعني النساء- أحسن عليهن [من] لُبِّ طاهر تحته أدبٌ كامل. وقالت: إذا رأيتم النِّعَم مُسْتَدرَّة فبادروها بالشُّكر قبل حلول الزَّوال. وقالت أم أيوب بن صالح: كُنَّا إذا دخلنا على هند وهي تسبّح باللؤلؤ، فإذا فرغت من التَّسبيح ألقَتْه إلينا وقالت. اقتسمنَه بينكن. وقالت هند: الطاعة مَقرونةٌ بالمحبَّة، فالمُطيع محبوبٌ وإن نَأَتْ دارُه، والمعصية مقرونة بالبُغض، فالعاصي مَمقوت وإن قَرُبَت دارُه، ومَسَّك مَعروفُه (٢). وقالت مولاة لهند إنَّها دخلت عليها ذات يوم وهي تقرأ. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] وتحكي حتَّى غُشي عليها. وقالت هند: إن للكريم أخلاقًا لا يقدر على تغييرها، وكذا اللئيم. وقالت: ليس بعد بَذْلِ الوجه غاية، ولا وراءه نهاية.

стр. 4677

ودَبَّرت هند مَمْلوكًا ثم كرهت بعضَ حالاته، فأرسلت إلى عكرمة مولى ابن عباس تقول: إذا دَبَّر المولى مملوكًا ثم كره بعض أمره؛ أله أن يبيعه ويجعل ثَمنَه في غيره أو في مثله؟ فقال عكرمة: إن كان المكروه منه شيئًا من معاصي الله بيع وجُعل ثمنُه في مثله، وإن كان من مساوئ الأخلاق أقرَّه على أمره. فقالت هند: أخطأ عكرمة، أبعد أن جَرت فيه أسبابُ الحريّة يجوز التصرُّف فيه؟! ما كلُّ العبيد لله مطيع، ثم قالت للمدبَّر: غيِّب وجهَك عني، فأنت حرٌّ لوجه الله. وهي التي سألت الحسن فقالت: يا أبا سعيد، أينظر الرجل إلى شعر أخته، أو إلى عُنُقها، أو إلى قُرْطها؟ قال: لا ولا كرامة. وكانت زوجةَ الحجاج، فطلَّقها لما صاحت عند تعذيب أخيها يزيد. روت عن أبيها المهلَّب، والحسن البصري، وأبي الشَّعثاء جابر بن زيد وغيرهم. وفيها كانت زلازل بالشام هَدمت الدُّور والقِلاع، فكتب عمر ﵁ إلى الأمصار، وواعدهم يومًا بعينه يخرجون إلى المصلَّى، ثم خرج بنفسه في ذلك اليوم، وخرج معه النَّاس، فدعا وتضرَّع وبكى، فسكنت الزَّلازل. وفيها عزل عمر بن عبد العزيز ﵁ الجرَّاح بن عبد الله عن خراسان، وولّاها عبد الرحيم بن نُعَيم القُشَيري، فكانت ولاية الجرّاح عليها سنة وخمسة أشهر، قدمها في سنة تسع وتسعين، وفارقها في رمضان سنة مئة، وسبب عزله أنَّه جنى على أهل خُراسان وغلَّظ عليهم، فقدم على عمر جماعة فقالوا: يا أمير المؤمنين، عشرون ألفًا من الموالي يَغزون بلا عطاء، ومثلهم من [أهل] الذّمَّة قد أسلموا يؤخذ منهم الخراج، ثم ولَّيت علينا سيفًا من بقايا سيوف الحَجَّاج، يعمل بالظلم والعدوان. فكتب إليه عمر: انظر مَن قِبَلَك ممن يُصلِّي إلى القبلة فضع عنه الجزية، فتسارع النَّاس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إنما أسلموا تعوُّذًا من الجزية، فامتحنهم بالخِتان، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه: إن الله بعث محمدًا ﷺ داعيًا ولم يبعثه خاتنًا، وكتب إليه أن اقدم علينا، فقال الجراح: يا أهل خراسان، إنَّما جئتكم بثيابي هذه التي علي وفرسي، ولم أصب من مالكم شيئًا.

стр. 4678

ثم سار حتَّى قدم على عمر في شهر رمضان، فقال: متى خرجتَ من خراسان؟ فقال: في رمضان، فقال: صَدق مَن وصفك بالجَفاء، هلَّا أقمت حتَّى تُفطر ثم تخرج. وفي رواية: أن الجراح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: إنِّي قدمتُ خُراسان؛ فوَجدتُ بها قومًا قد أبْطَرتْهم الفتنة، فهم ينزون فيها نزوا، أحبُّ الأمور إليهم أن يعودوا فيها ليمنعوا حقَّ الله، فليس يكفّهم إلَّا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلَّا بأمرك. فكئب إليه عمر: يا ابن أمِّ الجَرَّاح، أنت أحرصُ على الفتنة منهم، لا تضربنَّ مُسلمًا ولا مُعاهدًا سوطًا إلَّا في حق، واحذر القِصاص؛ فإنَّك سائر إلى مَن يَعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور، وتقرأ كتابًا لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرة إلَّا أحصاها، والسلام. ثم عزله وولى عبد الرحمن بن نُعَيم القُشَيريّ (١) بعد أن استشار أصحابه فأشاروا به، فولاه وكتب إليه: أما بعد، فكن عبدًا ناصحًا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لَومةُ لائم؛ فإن الله أولى بك من النَّاس، وحقُّه عليك أعظم، وإياك أن تميل إلى غير الحقِّ أو قولِ غير أهل الأمانة والنَّصيحة، فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولا مَلجأ من الله إلَّا إليه. فأقام عبد الرحمن على خراسان حتَّى مات عمر ﵁ وقُتل يزيد بن المهلَّب، وعَزله مسلمة بن عبد الملك، وولاها لسعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحَكَم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليها في رمضان سنة مئة، وعُزل عنها سنة اثنتين ومئة. وفي هذه السنة كان أول دعوة بني العباس، قال علماء السير: بعث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أرض الشَّراة جماعةً إلى خراسان دعاةً لبني هاشم؛ منهم أبو عكرمة السَّرَّاج، وأبو محمد الصادق، ومَيسرة، وعلى خراسان الجَرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ لم يكن عُزل بعد، فأمرهم بالدُّعاء إلى أهل بيته، فأوصلوا الكتب إلى أربابها

стр. 4679

وعادوا بالجواب، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيبًا -كما فعل موسى ﵇، ونبينا ﷺ وهم: سليمان بن كثير الخُزاعيّ، ولاهِز بن قُرَيظ التَّميمي، وقَحْطَبة بن شَبيب الطَّائي، وموسى بن كعب التَّميميّ، وخالد بن إبراهيم أبو داود الشَّيباني، والقاسم بن مُجاشِع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النَّجم مولى آل أبي مُعَيط، ومالك بن الهَيثم الخُزاعيّ، وطلحة بن رُزَيق الخُزاعيّ، وأبو حمزة عمرو بن أَعين (١) مولى خُزاعة، وشِبْل بن طَهمان أبو علي الهَروي مولى لبني حَنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة. وحجَّ بالنَّاس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم بالاتّفاق. وكان العمال في هذه السنة على ما كانوا عليه إلَّا خُراسان. وفيها توفي بُسْر بن سعيد مولى الحَضْرَميِّين، وهو من الطبقة الثَّانية من موالي أهل المدينة، وكان من العُبَّاد المُطيعين، وأهل الزهد في الدُّنيا، ثقةً، كثير الحديث، وَرِعًا. وكان قد أتى البصرة في حاجة له، ثم أراد الرُّجوع إلى المدينة فرافقه الفرزدق الشاعر، فلم يشعر أهل المدينة إلَّا وقد طلعا عليهم في مَحمِل، فعجب أهل المدينة لذلك، وكان الفرزدق يقول: ما رأيتُ رفيقًا خيرًا من بُسر، وكان بسر يقول: ما رأيتُ رفيقًا خيرًا من الفرزدق. مات بُسر بالمدينة سنة مئة وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وكان ينزل دار الحَضْرَمِيّين ببني حُدَيْلة، ولم يدع كفنًا، ومات عبد الله بن عبد الملك بن مروان وترك ثمانين مُدْيًا ذهبًا، فبلغ عمر بن عبد العزيز موتهما فقال: والله لئن كان مدخلهما واحدًا؛ لأنَّ أعيش بعيش بُسْر أحبّ إليَّ من أن أعيش بعيش

стр. 4680

عبد الله، فقال له مسلمة بن عبد الملك: هذا والله الذَّبْحُ عند أهل بيتك، فقال له عمر: والله لا ندع أن نذكر أهلَ الفضل بفضلهم. روى بُسر عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن أُنَيس، يزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدريّ، وعبيد الله الخَوْلانيّ، وكان الخولاني في حجر مَيمونة بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ (١). حَنَش بن عبد الله ابن عمرو بن حَنْظَلة الشيباني، من الطبقة الأولى من الأبْناء ممن كان باليمن بعد الصّحابة، ثم تحوَّل إلى مصر، وقد روى عنه المصريون، ومات بها، وكنيته أبو الأشعث (٢). كان حَنَش بن عبد الله الصَّنْعانيّ من أصحاب علي ﵇، وغزا المغرب بعدما استُشهد علي رضوان الله عليه مع رُوَيفع بن ثابت، وغزا الأندلس مع موسى بن نُصَير، وكان فيمن ثار على عبد الملك بن مروان مع ابن الزُّبير، فأُتي به عبد الملك في وَثاق، فعفا عنه. وسببه أن عبد الملك لما غزا مع مُعاوية بن حُدَيج في سنة خمسين نزل على حَنَش بإفريقية، فحفظ له ذلك. وكانت وفاة حنش بإفريقية سنة مئة. أسند عن علي رضوان الله عليه، وابن عباس، وفَضالة بن عُبيد، وغزا مع فضالة إفريقية، وروى عن جماعة منهم: رُويفِع بن ثنابن، وأبي هريرة، وأبي سعيد. وروى عنه جماعة منهم: قيس بن الحجاج، وابنه الحارث بن حَنَش بن عبد الله، وكان ثقة كثير الحديث.

стр. 4681

وأمَّا حَنَش [الذي من] صنعاء دمشق فاسمُه الحسين بن قيس، وقيل: ابن علي، وحَنَش لقبٌ له، وكُنْيته أبو علي الصَّنْعاني الهَمْدَانيّ (١)، سافر إلى العراق، وسكن واسطًا، وحدث عن عكرمة وعطاء بن أبي رَباح، وروى عنه سليمان التَّيميُّ، وعلي بن عاصم، وإسماعيل بن عياش. وقد تكلّموا فيه، فقال ابن المَديني: ليس حديثه عندنا بالقويّ، وقال البُخاريّ: ترك أحمد بن حنبل ﵁ حديثه، وضعَّفه ابن مَعين والنَّسائيُّ والدارقطني (٢). [وفيها مات] خارجة بن زيد ابن ثابت الأنصاريّ، وأمه جَميلة بنت سعد بن الرَّبيع الخَزْرَجيّ. وخارجة من الطبقة الثَّانية من التّابعين من أهل المدينة، وكذا جميع إخوته، وكنيته أبو زيد، وكان في وجهه أثرُ السُّجود بين عينيه. وقال إبراهيم بن يَحْيَى بن زيد بن ثابت: قال خارجة: رأيت في منامي كأني بَنيتُ سبعين درجة فلما فرغتُ منها تَهَوَّرَتْ، وهذه السنة لي سبعون قد أكملتُها. فمات فيها في سنة مئة في خلافة عمر بن عبد العزيز بالمدينة، وصلّى عليه أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم. وروى خارجة عن أبيه زيد، وكان ثقةً كثير الحديث. وقال هشام: كان من الفقهاء السبعة، وكان مجتهدًا. وقال ابن عساكر: قدم دمشق وكانت له بها دارٌ يقال لها: دار خارجة بن زيد، روى عن أم العلاء الأنصارية، وروى عنه سالم بن عبد الله بن عمر، وهو من أقرانه، والزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن (٣) وغيرهم.

стр. 4682

وقال البُخاريّ (١): أدرك خارجة عثمان بن عفَّان. ولما بلغ عمرَ بنَ عبد العزيز ﵁ موتُه صفَّق بيديه واسترجع وقال: ثُلْمَةٌ والله في الإسلام، [رحمه الله تعالى] (٢). ذكر أولاده: وهم زيد، وعمرو، وعبد الله، ومحمد، وحَبيبة، وحُميدة، وأمّ يَحْيَى، وأم سليمان، وأمُّهم أم عمرو بنت حَزْم نَجَّارية، وعمه يزيد بن ثابت قُتل يوم اليمامة (٣). ذكر إخوته: وهم سليمان، وسعد، ويحيى، وسَليط، وعبد الرحمن، وعبد الله، قُتلوا كُلُّهم يوم الحَرَّة سنة ثلاث وستين (٤). سُهيل بن عبد العزيز ابن مروان، أخو عمر بن عبد العزيز لأبيه، وهو والد عمرو بن سهيل الذي ولي البصرة أيَّام يزيد بن الوليد وقتله محمد بن مروان. قال إسحاق بن يَحْيَى: رأيتُ عمر بن عبد العزيز يصلّي على أخيه سُهيل بن عبد العزيز؛ يرفع يديه في كل تكبيرة حَذْوَ مَنْكبيه، ثم سلّم عن يمينه تسليمًا خفيفًا، ورأيتُه يمشي أمام الجِنازة وذلك بخُناصِرة، ورأيتُه يومئذٍ يحمل بين عَمودَي سريره، وقرأ في الصَّلاة: الحمد لله رب العالمين، فقيل له: ألا تذكّر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فقال: لو أسرَرْتُها لجَهرتُ بها (٥).

стр. 4683

أبو عثمان النَّهدِيّ واسمه عبد الرحمن بن مَلّ بن عمرو بن عَدي [بن وهب] بن ربيعة الحِميَريّ، والله أعلم (١). عبد الملك بن عمر ابن عبد العزيز بن مروان، أمُّه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وقال ابن سعد: أمّه أم ولد (٢). وكان صالحًا زاهدًا، يُعين أباه على إقامة الحق وردِّ المظالم. قال بعض مشيخة أهل الشام: كُنَّا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك. قال إسماعيل بن أبي حَكيم: غضب عمر بن عبد العزيز يومًا فاشتدَّ غضبُه، فقال له ابنه عبد الملك بعد أن سكن غضبُه: يا أمير المؤمنين، أنت في قَدْر نعمة الله عليك، وموضعك الذي وضعك فيه، وما ولاك من أمر عباده، يبلغ بك الغضب ما أرى؟ قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه كلامَه، فقال: يا عبد الملك، وأنت ما تغضب؟ فقال: وما تنفعني سَعَةُ جوفي إن لم أُرَدِّد فيه الغضب حتَّى لا يظهر منه شيء أكرهه؟ ودخل عبد الملك على أبيه وعنده مَسْلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أَخْلِني فلي حاجة، قال: دون عمك مَسلمة؟ قال: نعم، فخرج مَسلمة، فجلس بين يديه وقال: ما أنت قائلٌ غدا لربك إذا سألك فقال: رأيتَ بِدعةً فلم تُمتْها، أو سُنَّة فلم تُحْيِها؟! فقال له: يا بني، أشيءٌ حمَّلك الرعية إلي، أم رأي رأيتَه من قِبَل نفسك؟

стр. 4684

فقال: رأي رأيتُه، وعرفتُ أنك مسؤول عنه، فما تقول؟ فقال أبوه: رحمك الله، وجزاك خيرًا يا بُنيَّ من ولد، فوالله إنِّي لأرجو أن تكون من أعواني على الخير، يا بُنَيّ، إن قومَك شَدُّوا هذا الأمر عُقدةً عُقدة وعُروةً عُروة، ومتى ما أردتُ مُكاثَرتَهم على انتزاع ما في أيديهم؛ لم آمَن أن يَفتقوا عليَّ فَتْقًا تكثُر فيه الدّماء، والله لزَوال الدُّنيا أهونُ عليَّ من أن يُهراقَ بسببي مِحْجَمَةٌ من دم، أو ما ترضى أنَّه لا يأتي على أبيك يومٌ من أيَّام الدُّنيا إلَّا وهو يُميت فيه بِدعة، ويُحيي فيه سُنَّة؛ حتَّى يَحكم الله بيننا وهو أحكم الحاكمين؟ قال ابن أبي عَبْلة: جلس عمر يومًا للناس، فلما انتصف النهار ضَجِر ومَلّ، فقال للناس: مكانَكم حتَّى أنصرف إليكم، ودخل ليستريح ساعة، فجاء ابنه عبد الملك، فسأل عنه فقالوا: دخل، فاستأذن له فقال: يا أمير المؤمنين، ما أدخلك؟ قال: دخلتُ لأستريح ساعة، قال: أوَ أمِنْتَ الموت أن يأتيك ورعيَّتُك على بابك ينتظرونك وأنت مُحتجبٌ عنهم، فقام عمر فخرج إلى النَّاس. وكان عمر ﵁ يقول: الحمد لله الذي جعل لي مَن يُعينُني على أمر ديني؛ ولدي عبد الملك، ومولاي مُزاحِم. وقال مزاحم: كان عبد الملك يقول لأبيه: أنْفِذ الحقَّ وإن جاشت بي وبك القُدور، فقال: يا بني لا تَعجَل؛ فإن الله ذَمَّ الخمر في القرآن مَرَّتَين ثم حرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحملهم على الحقِّ جُملة فيَدفعوه وتكون فتنة، فقال: دع عنك هذا، أقم الحقَّ ولو غَلَت بنا المَراجِل. وقال ميمون بن مِهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: إن ولدي عبد الملك آثَرُ وَلَدي عندي، فاستفزَّه لي، ثم ائتني بخبره، فدخلت على عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ دخل غلام له فقال: قد أخْلَينا الحمَّام، فقلت له: الحمام لك؟ قال: لا، قلت: فما دعاك إلى طرد المسلمين عنه وتَدخله وحدك، فتكسر على صاحب الحمام غلَّتَه؟! فقال: أما

стр. 4685

صاحب الحمام فقد أرضيتُه، قلت: فهذه نفقةُ إسراف يُخالطها كِبر، وما يمنعك أن تدخلَه مع النَّاس فتكون كأحدهم؟ فقال: أكره أن أرى العورات بادية، وأكره أن أؤدِّبَهم على ترك الأزر فيبغون على سلطاننا، أراحنا الله منه، وخلَّصنا كفافًا (١)، فلقد وَعَظْتَني موعظةً أنتفع بها، ووالله لولا شدَّةُ البَرد لما دخلتُه أبدًا، وأقسمتُ عليك أن تَكتُمَ هذا عن أبي؛ فإني أكره أن يَظلَّ طَرفةَ عين واجِدًا عليَّ، ولعل الأجل يحول دون الرِّضى ويستمرُّ سُخطه (٢)، فقلت: فإن سألني هل رأيتَ منه شيئًا تنقِم عليه فيه أفتراني أنْ أكذب (٣)؟! قال: معاذ الله، أليس قد أبديتُ أعذاري إليك؟ فإن سألك فقل: رأيتُ عيبًا فسترتُه؛ فإنَّه لا يسألُك عن تفسيره؛ لأنَّ الله تعالى قد أعاذه من بحث ما ستره الله تعالى. وقال ميمون بن مِهران: دخلت يومًا على عبد الملك وبين يديه ثلاثة أَقرِصَة وثَريدة، فرقّ له قلبي وقلت: ألا أُكلِّم أباك ليُجري عليك رزقًا واسعًا؟! فقال: والله ما يَسرُّني أن يُجري عليَّ من ماله دون إخوتي الصغار، فكيف يُجري عليَّ من فَيءِ المسلمين؟! وقال ميمون: جمع عمر العلماء والفقهاء وقال: ما تَرون في هذه الأموال التي أخذها بنو أميَّة غَصْبًا؟ فقالوا قولًا لم يُحجب عمر، وعبد الملك حاضر فقال: إن لم تردَّها إلى أربابهما كنتَ شَريكًا لمن أخذها، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل لي وزيرًا من أهلي عبد الملك ابني، قال ميمون: وكان النَّاس يَرونه أهلًا للخلافة. ذكر وفاته: قال الواقدي: مات عبد الملك في حياة أبيه سنة مئة وعمره تسع عشرة سنة، وكان شديدَ الورَع، كثيرَ العبادة. وقال هشام بن محمد: ابن ست عشرة سنة.

стр. 4686

وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: مات صبيًّا في حياة والده، ولم يتيقّن مقدار عمره. وقال ابن أبي الدنيا: دخل عمر على ولده عبد الملك في مرضه الذي مات فيه فقال: يا بني، كيف تجدك؟ فقال: في الموت، فقال: يا بني، لأنَّ تكون في ميزاني أحبُّ إليَّ من أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبه، لأنَّ يكون ما تُحبّ أحبُّ إليَّ من أن يكون ما أحب. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني زياد بن أبي حسَّان أنَّه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك، فاستوى قائمًا، وأحاط به النَّاس فقال: يا بُنيّ، لقد كنتَ والله بارًّا بأبيك، والله ما زلتُ منذ وَهَبك الله لي مَسرورًا بك، ولا والله ما كنتُ قط أشدّ سرورًا، ولا أرجى لحظِّي من الله فيك مُذْ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه، فرحمك الله، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم كلّ شافعٍ يشفع لك بخير من كل شاهدٍ وغائب، رضينا بقضاء الله وسلَّمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين. وقال أبو اليقظان: لما دفن عمرُ ابنَه وكاد أن يَنصَدِع عن قبره قال له محمد بن الوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، اشتغل بما أقبل من الموت إليك عمن هو في شغل عنك، وأعدَّ لنزولك (١) عُدَّةً تكون لك حجابًا من النَّار، ثم أنشد (٢): [من الطَّويل] تَعَزَّ أميرَ المؤمنين فإنَّه … لما قد تَرى يُغْذَى الصَّغيرُ ويولَد هل ابنُك إلَّا من سُلالةِ آدَمٍ … وكلٌّ على حوضِ المنيَّةِ يُورَدُ

стр. 4687

أبو رجاء العُطارديّ من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل البصرة، واسمُه عِمران بن تيم، وقيل: ابن مِلْحَان، وقيل: عُطارِد بن بَرْز. قال أبو عمرو بن العلاء: قلت لأبي رجاء: ما تذكّر؟ قال: قَتْلَ بِسطام بن قيس، ثم أنشد بيتًا يرثيه: [من الوافر] فخَرَّ على الأَلاءَةِ لم يُوَسَّد … كأن جبينَه سيفٌ صَقيلُ وقال: أدركتُ رسول الله ﷺ وأنا غلامٌ أمرد. قال أبو خَلْدة: قلت لأبي رجاء: مثل من كنتَ حين بُعث رسول الله ﷺ ؟ قال: كنتُ أرعى الإبلَ لأهلي، فقلت: فما فرَّكم منه؟ قال: قيل لنا: بُعث رجلٌ من العرب يقتل النَّاس إلَّا مَن أطاعه، ولا أدري ما طاعتُه، ففَررنا حتَّى قطعنا رمل بني سعد. وقال أبو رجاء: بُعث رسول الله ﷺ ونحن على ماءٍ لنا، وكان لنا صنم مدور، فحملناه على قَتَب، وانتقلنا من ذلك الماء إلى غيره، فمَرَرْنا برَمْلَة، فانسَلَّ الحجر فوقع في الرَّمْل فغاب فيه، فلما رجعنا إلى الماء فقَدْنا الحجر، فرجعنا في طلبه، فإذا هو في الرمل فاستخرجناه، فكان ذلك أول إسلامي، فقلت: إن إلهًا لم يمتنع من تُرابٍ يغيب فيه لإلهُ سُوء، وإن العَنْزَ لتَمنع حَياها بذَنَبها، فرجعتُ إلى المدينة وقد توفي رسول الله ﷺ . وقال عُمارة المِعْوَليّ: سمعتُ أبا رجاء يقول: كُنَّا نَعْمِد إلى الرَّملِ فنجمعه، ونَحلُب عليه فنعبده، وكنا نَعْمِد إلى الحَجر الأبيض، فنعبده زمانًا ثم نلقيه. وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: تأخرت وفاته إلى سنة سبع عشرة، وهو وَهْم. قال بكَّار بن الصَّقْر: رأيتُ الحسنَ جالسًا على قبر أبي رجاء حيال اللَّحد، وقد مُدَّ على القبر ثوبٌ أبيض، فلم يُغيّره ولم يُنكره، والفرزدق قاعد قُبالتَه، فقال الفرزدق: يا

стр. 4688

أبا سعيد، تدري ما يقول هؤلاء؟ فقال: وما يقولون يا أبا فراس؟ قال: يقولون: قعد على هذا القبر اليوم خيرُ أهل البصرة وشرُّ أهل الأرض، قال: ومن يَعنون بذلك؟ قال: يعنوني وإياك، فقال الحسن: يا أبا فراس، لستُ بخير أهل البصرة، ولستَ بشَرِّها، ولكن أخبرْني ما أعدَدْتَ لهذا المضجع؟ وأومأ بيده إلى اللَّحْد، قال: الخيرَ الكثير، أعددتُ يا أبا سعيد شهادةَ أن لا إله إلَّا الله منذ ثمانين سنة، قال الحسن: الخير الكثير أعددت يا أبا فراس. أسند أبو رجاء عن عثمان، وعلي رضوان الله عليهما. وكان ثقةً كثير الحديث، وله رواية وعلم بالقرآن، وأمَّ قومَه في مسجدهم أربعين سنة، وخرج الحسن البصري في جنازته وهو راكب على حمار، فصلّى عليه، وفيه يقول الفرزدق: [من الطَّويل] ألم ترَ أنَّ النَّاسَ مات كبيرُهم … وقد عاش قبلَ البَعْثِ بعثِ محمدِ (١) أبو سعيد المَقبُريّ واسمه كَيسان، وهو مولى لبني جُنْدَع من بني ليث بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة. وهو من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل المدينة، وكان منزلُه عند المقابر فقالوا: المَقبُريّ. قال أبو سعيد: كنت مَملوكًا لرجل من جُنْدَع، فكاتبني على أربعين ألفًا وشاة لكلّ أضحى، فتهيّأ المال، فجئت به إليه، فأبى أن يأخذه إلَّا على النُّجوم، فجئت إلى عمر بن الخطاب فذكرتُ ذلك له فقال: يا يَرْفأ، خذ المال فضَعْه في بيت المال، ثم ائتنا العشيَّة نكتبْ عتقَك، فإن شاء مولاك أخذَه، وإن شاء تركَه، وبلغ مولاي فجاء فأخذ المال، ثم أتيتُ عمر بزكاة مالي بعد ذلك فقال: أخذتَ من المال شيئًا منذ عَتقتَ؟ قلت: لا، قال: فارجع به حتَّى تأخذَ منه شيئًا، ثم ائتِنا بعد.

стр. 4689

توفي المقبري سنة مئة، وكان ثقةً كثير الحديث، روى عن عمر ﵁ (١). مَخْلَد بن يزيد ابن المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، كنيتُه أبو خِداش الأَزْدِيّ، أحد الأسخياء المُمَدَّحين، أُحصي ما وَهَبه من مَرْو إلى دمشق لما قصد عمر بن عبد العزيز ﵁ فكان ألفَ ألف درهم، فلما أراد الدخول على عمر لَبس ثيابًا رَثَّة، فقال له عمر: لقد شَمَّرْتَ! فقال: يا أمير المؤمنين، شمَّرتَ فشمَّرْنا، وإن أسبَلْتَ أسبَلْنَا، يا أمير المؤمنين، ما بالُك وقد وسع النَّاس عَفْوُك إلَّا عن هذا الشَّيخ، فلِمَ حبستَه؟ وأقام مَخْلَد عند عمر ﵁ أيامًا، ومات وهو ابن سبعٍ وعشرين سنة، فصلّى عليه عمر، ومشى في جِنازته وقال: لو أراد الله بهذا الشَّيخ خيرًا لأبقى له هذا الفتى (٢). مُسلم بن يَسار كنيته أبو عبد الله، من الطبقة الثَّانية من التّابعين من أهل البصرة، وهو مولى طلحة بن عبيد الله ﵁، وقيل: مولى بني أميَّة، وقيل: مولى أبي بكر الصِّديق ﵁. قال حماد بن سَلَمة، عن حُميد (٣): إن مسلم بن يسار كان قائمًا في بيته يصلِّي، فوقع إلى جنبه حريق، فما شعر به حتَّى طفئت النَّار. وقال أزهر السمان عن ابن عَون: كان مسلم بن يسار لا يُفَضَّل عليه في ذلك الزمان أحد. وكان إذا دخل المنزل لم يسمع لهم ضجة، فإذا قام إلى الصلاء ضَجُّوا وضحكوا. وذُكر له قلَّةُ التفاته في الصَّلاة فقال: وما يدريكم أين يكون قلبي. وقال أبو نعيم وإسناده: انهدمت ناحية في المسجد، فانزعج لها أهل السوق، ومسلم بن يسار في المسجد فما التفت في صلاته (٤).

стр. 4690

وروى ابن أبي الدُّنيا عن رجل من آل محمد بن سيرين قال: رأيتُ مسلم بن يسار رفع رأسه من السُّجود في المسجد الجامع، فنظرت إلى موضع سجوده كأنه قد صُبَّ فيه الماء من كثرة دموعه. وكان إذا دخل في الصلاة يقول لأهله: تحدَّثوا فلستُ أسمع حديثكم. وكان يقول في سجوده: متى ألقاك وأنت عني راض. وقال ابن المبارك: قال مسلم بن يسار لأصحابه يوم التَّروية: هل لكم في الحج؟ قالوا: خرف الشَّيخ، وعلى ذلك لنُطيعَنَّه، قال: مَن أراد ذلك فليخرج، فخرجوا من البصرة إلى الجَبَّان برواحلهم، فقال: خَلُّوا أزِمَّتَها، فأصبحوا وهم ينظرون إلى جبال تهامة. وقال سليمان بن المغيرة: جاء مسلم بن يسار إلى دجلة وهي تَقذف بالزَّبَد، فمشى على الماء، ثم التفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون شيئًا؟ وقال ابن سعد: كان مسلم ثقةً فاضلًا عابدًا ورعًا، أرفع عندهم من الحسن، حتَّى خرج في فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فوضعه ذلك عند النَّاس وارتفع الحسن. وقال أبو قِلابَة: قال لي مُسلم بن يسار وقد صَحبتُه إلى مكّة وذكر فتنة ابن الأشعث: أحمد الله إليك أني لم أَرْمِ فيها بسَهم، ولم أطعن فيها برمح، ولم أضربِ فيها بسيف، فقلت له: يا أبا عبد الله، فكيف بمَن رآك واقفًا في الصف فقال: هذا مسلم بن يسار، والله ما وقف هذا الموقف إلَّا وهو على الحقّ، فتقدَّم مُقاتل حتَّى قتل؟ فبكى وبكى حتَّى تمنَّيت أن لم أكن قلتُ له شيئًا. وتوفي مسلم في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مئة أو إحدى ومئة (١).

стр. 4691

وقد لقي جماعة من الصّحابة. وقال أبو حفص الخياط: سمعتُ مالك بن دينار يقول: رأيتُ مسلم بن يسار في منامي بعد موته بسنة، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ السَّلام، فقلت: ما يمنعك من ردِّ السَّلام؟ قال: أنا ميت فكيف أردُّ السَّلام؟ قال: قلت: فماذا لقيتَ بعد الموت؟ قال: ودمعتْ عينا مالك عند ذلك وقال: لقيتُ والله أهوالًا وزلازلَ عِظامًا شدادًا، قال: فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه أن يكون من الكريم؟! قَبِل منّا الحسنات، وعفا لنا عن السيّئات، وضَمِن عنا التَّبِعات، قال: ثم شَهق مالك شَهقةً خَرَّ مَغْشِيًّا عليه، فلبث بعد ذلك أيامًا مريضًا من غشيته ثم مات، فيُرَوْن أنَّه انصدع قلبه فمات (١). يوسف بن عبد الله ابن سَلَام الإسرائيلي، من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وكُنيته أبو يعقوب، وهو من الطبقة الخامسة ممن مات النَّبيُّ ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان. وقال يَحْيَى بن أبي الهيثم العَطَّار: سمعت يوسف بن عبد الله بن سَلَام يقول: سمَّاني رسول الله ﷺ يوسف، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي. وكان يروي عن جدَّته أمّ مَعْقِل، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. أسند عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وأبيه عبد الله بن سلام ﵃. وروى عنه عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن المُنْكَدِر، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم (٢).

стр. 4692

السنة الحادية بعد المئة فيها هربَ يزيد بنُ المهلَّب من حَبْسِ عمرَ بنِ عبد العزيز ﵁. قال هشام: لم يزل محبوسًا في حبس عمر حتَّى بلغه مرضُه، فأخذ يعملُ في الهرب مخافةَ أن يموت، فيتمكَّنَ منه يزيد بنُ عبد الملك؛ لأنَّه عذَّب أصهارَه آلَ بني (١) عَقِيل. فأعدَّ يزيد بنُ المهلَّب الركائب مع مواليه، وكان عمر مريضًا في دَير سَمْعان، فواعد يزيدُ مواليَه مكانًا بعينه، فلما ثَقُل عمر؛ خرج يزيد ومعه امرأتُه عاتكة بنت الفرات بن معاوية العامريَّة، وسار ليلًا، فنَجَوْا. وكتب يزيد إلى عمر: واللهِ لو علمتُ أنك تبقى ما خرجتُ من محبسي، ولكنني لم آمن يزيدَ بنَ عبد الملك. فقال عمر: اللَّهمَّ إنْ كان يزيدُ يريدُ بهذه الأمَّةِ شرًّا؛ فاكْفِهم شَرَّه، وارْدُدْ كيده في نحره (٢). وقال الهيثم (٣): كان يزيد محبوسًا في حصن حلب، وكان عمر بخُناصرة، وقيل: بدَير سَمْعان، فلما تيقَّن يزيد موتَ عمر دسَّ إلى عامل حصن حلب مالًا، وإلى الحرس، وقال: إن عمر قد ثَقُل، فلا تشتطُّوا بدمي، فإن وليَ يزيدُ بن عبد الملك لم يُنْظِرني فُواقًا (٤). فوافقوه، فخرج من حصن حلب متنكّرًا، فلما وصل إلى الفرات؛ كتب إلى عمر بمعنى ما ذكرنا.

стр. 4693

وجاء كتابُه إلى عُمر وهو في آخِر رَمَق، فقال: اللَّهمَّ إن كان يزيدُ يريدُ بهذه الأمَّة شرًّا فأَحِنْه وهِضْه (١)، فقد هاضني. وسار يزيد حتَّى مرَّ بحَدَث الرِّقاق (٢) وبه الهُذَيل بن زُفَر، ومعه قيس، فلم يُهجه الهُذيل، وسار، فاتَّبعه جماعةٌ من قيس، فأصابوا بعضَ ثَقَلِه، فأرسلَ إليهم الهُذيل، فردَّهم وقال: ما بينكم وبينه ثأر، وإنَّما هو رجلٌ خائف، كان في إسار خاف على نفسه، فهرب.

стр. 4694

الباب التاسع في ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان وكنيتُه أبو خالد، وأمُّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. بُويع في اليوم الذي مات فيه عمر بن عبد العزيز ﵁ يوم الخميس (١) لخمس ليال بقين من رجب، بعهدٍ من أخيه سليمان، وكان يومَ وليَ ابنَ تسع وعشرين سنة، وقيل: سبع وعشرين، وكان أبيضَ جسيمًا متكبِّرًا عاجزًا، صاحب لهو وشراب ولذَّات، وهو صاحب حَبَابة، بالتخفيف، وسَلَّامة، بالتشديد، وهما قَينتان غَلَبَتا عليه، فاشتغلَ بهما عن النَّظَر في أمور الرعيَّة. ذكر ما بدأ به: نقض جميع مابناه عُمر بن عبد العزيز ﵁، وأعاد سبَّ أمير المؤمنين ﵇، وأعاد الغُصوب التي انتزعَها عمر ﵁، وأماتَ المعروف، وأحيا المنكر. وكان سليمان بن عبد الملك يقول: لولا أخاف اختلاف الأمر علي بني أميَّة لاقتصرتُ على عُمر، ولم أولِّ يزيد، ولفوَّضت الأمرَ إلى عُمر يولِّي من شاء. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: لولا خوف الفتنة لعزلتُ يزيد، ولكني أُولّي سليمان ما تولَّى، والمسلمون أولى بالنظر لأنفسهم. وقال الهيثم: لما توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ قال يزيد بن عبد الملك في نفسه: ما سكتَ عُمر عن تولية العهد لغيري إلا لحسن ظنِّه بي، وأنه رآني أهلًا لها بعده، وإلا فقد كان قادرًا على صرفها عني وعن بني مروان كلِّهم، لأنَّ النَّاس لا يخالفونه. فلزم يزيد التنسُّك والعبادة، وجرى على أسلوب عُمر في الصَّلاة بالنَّاس، وردِّ المظالم، فأقام على ذلك أربعين يومًا لا تفوتُه صلاة في جماعة، وهجر حَبَابة وسَلَّامة وغيرَهما من القينات.

стр. 4695

فقدم الأحوص الشاعر دمشق، فبعثت إليه حَبَابة تقول: ليس في يزيد أمل لأحد، ولا لي، ولا لك؛ ما دام على هذه الحالة، فانظم شيئًا لعله إذا سمعه يعود إلى ما كان عليه، فعمل الأحوص وقال: إذا كنت عِزِّيفًا (١) عن اللهو والصِّبا … فكُنْ حَجَرًا من يابسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا فما العيشُ إلَّا أن تلذَّ وتشتهي … وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنانِ (٢) وفنَّدا وبعث بهما إلى حَبَابة، فحفظتهما. وخرج يزيد يُريد صلاة الجُمعة، فمرَّ بحجرة حَبَابة، فسمعها تغنِّي بهما، فوقف، وقال: سبحان الله. فغنَّتْ ثانيًا، فقال: مه، لا تفعل، فلما غنَّت الثالثة نقضَ عِمامتَه وقال: مُرُوا صاحبَ الشرطة أن يصليَ بالنَّاس الجمعة. ثم جلس عندها وقال: هذا الشعر؛ لمن؟ قالت: للأحوص. فاستدعاه، ونادمَه ووصلَه، وانهمك على لهوه، وأشاع الفساد، وأظهر القبائح، وأعلن بشرب الخمر والمعازف، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فلامه وقال: أنت قريبُ العهد من عمر، وببابك الوفود والأشراف، وقد انهمكتَ على هذه الإماء. فقال له يزيد: إنِّي لأرجو أن لا تعاتبني بعد اليوم. وهجرَ القِيان إلى أن توجَّه مسلمةُ إلى العراق لقتال آل المهلَّب، ثم عاد إلى ما كان عليه، وكان يلعن مسلمةَ ويقول: حرمَني لذَّاتي، وكان يقول ويكرّر قول الأحوص: وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنانِ وفنَّدا وبقول: واللهِ لا أُطيعُهم أبدًا (٣). وفيها ولَّى يزيدُ بنُ عبد الملك عبدَ الرحمن بنَ الضحَّاك بن قيس الفِهْريّ المدينةَ، وعزلَ عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقدمَ المدينةَ يومَ الأربعاء لليالٍ بقين من شهر رمضان، فدخلَ عليه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فسلَّم عليه، فلم يَرَ منه إقبالًا.
следующие страницы →