← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وقد لقي جماعة من الصّحابة. وقال أبو حفص الخياط: سمعتُ مالك بن دينار يقول: رأيتُ مسلم بن يسار في منامي بعد موته بسنة، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ السَّلام، فقلت: ما يمنعك من ردِّ السَّلام؟ قال: أنا ميت فكيف أردُّ السَّلام؟ قال: قلت: فماذا لقيتَ بعد الموت؟ قال: ودمعتْ عينا مالك عند ذلك وقال: لقيتُ والله أهوالًا وزلازلَ عِظامًا شدادًا، قال: فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه أن يكون من الكريم؟! قَبِل منّا الحسنات، وعفا لنا عن السيّئات، وضَمِن عنا التَّبِعات، قال: ثم شَهق مالك شَهقةً خَرَّ مَغْشِيًّا عليه، فلبث بعد ذلك أيامًا مريضًا من غشيته ثم مات، فيُرَوْن أنَّه انصدع قلبه فمات (١). يوسف بن عبد الله ابن سَلَام الإسرائيلي، من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وكُنيته أبو يعقوب، وهو من الطبقة الخامسة ممن مات النَّبيُّ ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان. وقال يَحْيَى بن أبي الهيثم العَطَّار: سمعت يوسف بن عبد الله بن سَلَام يقول: سمَّاني رسول الله ﷺ يوسف، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي. وكان يروي عن جدَّته أمّ مَعْقِل، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. أسند عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وأبيه عبد الله بن سلام ﵃. وروى عنه عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن المُنْكَدِر، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم (٢).

стр. 4692

السنة الحادية بعد المئة فيها هربَ يزيد بنُ المهلَّب من حَبْسِ عمرَ بنِ عبد العزيز ﵁. قال هشام: لم يزل محبوسًا في حبس عمر حتَّى بلغه مرضُه، فأخذ يعملُ في الهرب مخافةَ أن يموت، فيتمكَّنَ منه يزيد بنُ عبد الملك؛ لأنَّه عذَّب أصهارَه آلَ بني (١) عَقِيل. فأعدَّ يزيد بنُ المهلَّب الركائب مع مواليه، وكان عمر مريضًا في دَير سَمْعان، فواعد يزيدُ مواليَه مكانًا بعينه، فلما ثَقُل عمر؛ خرج يزيد ومعه امرأتُه عاتكة بنت الفرات بن معاوية العامريَّة، وسار ليلًا، فنَجَوْا. وكتب يزيد إلى عمر: واللهِ لو علمتُ أنك تبقى ما خرجتُ من محبسي، ولكنني لم آمن يزيدَ بنَ عبد الملك. فقال عمر: اللَّهمَّ إنْ كان يزيدُ يريدُ بهذه الأمَّةِ شرًّا؛ فاكْفِهم شَرَّه، وارْدُدْ كيده في نحره (٢). وقال الهيثم (٣): كان يزيد محبوسًا في حصن حلب، وكان عمر بخُناصرة، وقيل: بدَير سَمْعان، فلما تيقَّن يزيد موتَ عمر دسَّ إلى عامل حصن حلب مالًا، وإلى الحرس، وقال: إن عمر قد ثَقُل، فلا تشتطُّوا بدمي، فإن وليَ يزيدُ بن عبد الملك لم يُنْظِرني فُواقًا (٤). فوافقوه، فخرج من حصن حلب متنكّرًا، فلما وصل إلى الفرات؛ كتب إلى عمر بمعنى ما ذكرنا.

стр. 4693

وجاء كتابُه إلى عُمر وهو في آخِر رَمَق، فقال: اللَّهمَّ إن كان يزيدُ يريدُ بهذه الأمَّة شرًّا فأَحِنْه وهِضْه (١)، فقد هاضني. وسار يزيد حتَّى مرَّ بحَدَث الرِّقاق (٢) وبه الهُذَيل بن زُفَر، ومعه قيس، فلم يُهجه الهُذيل، وسار، فاتَّبعه جماعةٌ من قيس، فأصابوا بعضَ ثَقَلِه، فأرسلَ إليهم الهُذيل، فردَّهم وقال: ما بينكم وبينه ثأر، وإنَّما هو رجلٌ خائف، كان في إسار خاف على نفسه، فهرب.

стр. 4694

الباب التاسع في ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان وكنيتُه أبو خالد، وأمُّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. بُويع في اليوم الذي مات فيه عمر بن عبد العزيز ﵁ يوم الخميس (١) لخمس ليال بقين من رجب، بعهدٍ من أخيه سليمان، وكان يومَ وليَ ابنَ تسع وعشرين سنة، وقيل: سبع وعشرين، وكان أبيضَ جسيمًا متكبِّرًا عاجزًا، صاحب لهو وشراب ولذَّات، وهو صاحب حَبَابة، بالتخفيف، وسَلَّامة، بالتشديد، وهما قَينتان غَلَبَتا عليه، فاشتغلَ بهما عن النَّظَر في أمور الرعيَّة. ذكر ما بدأ به: نقض جميع مابناه عُمر بن عبد العزيز ﵁، وأعاد سبَّ أمير المؤمنين ﵇، وأعاد الغُصوب التي انتزعَها عمر ﵁، وأماتَ المعروف، وأحيا المنكر. وكان سليمان بن عبد الملك يقول: لولا أخاف اختلاف الأمر علي بني أميَّة لاقتصرتُ على عُمر، ولم أولِّ يزيد، ولفوَّضت الأمرَ إلى عُمر يولِّي من شاء. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: لولا خوف الفتنة لعزلتُ يزيد، ولكني أُولّي سليمان ما تولَّى، والمسلمون أولى بالنظر لأنفسهم. وقال الهيثم: لما توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ قال يزيد بن عبد الملك في نفسه: ما سكتَ عُمر عن تولية العهد لغيري إلا لحسن ظنِّه بي، وأنه رآني أهلًا لها بعده، وإلا فقد كان قادرًا على صرفها عني وعن بني مروان كلِّهم، لأنَّ النَّاس لا يخالفونه. فلزم يزيد التنسُّك والعبادة، وجرى على أسلوب عُمر في الصَّلاة بالنَّاس، وردِّ المظالم، فأقام على ذلك أربعين يومًا لا تفوتُه صلاة في جماعة، وهجر حَبَابة وسَلَّامة وغيرَهما من القينات.

стр. 4695

فقدم الأحوص الشاعر دمشق، فبعثت إليه حَبَابة تقول: ليس في يزيد أمل لأحد، ولا لي، ولا لك؛ ما دام على هذه الحالة، فانظم شيئًا لعله إذا سمعه يعود إلى ما كان عليه، فعمل الأحوص وقال: إذا كنت عِزِّيفًا (١) عن اللهو والصِّبا … فكُنْ حَجَرًا من يابسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا فما العيشُ إلَّا أن تلذَّ وتشتهي … وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنانِ (٢) وفنَّدا وبعث بهما إلى حَبَابة، فحفظتهما. وخرج يزيد يُريد صلاة الجُمعة، فمرَّ بحجرة حَبَابة، فسمعها تغنِّي بهما، فوقف، وقال: سبحان الله. فغنَّتْ ثانيًا، فقال: مه، لا تفعل، فلما غنَّت الثالثة نقضَ عِمامتَه وقال: مُرُوا صاحبَ الشرطة أن يصليَ بالنَّاس الجمعة. ثم جلس عندها وقال: هذا الشعر؛ لمن؟ قالت: للأحوص. فاستدعاه، ونادمَه ووصلَه، وانهمك على لهوه، وأشاع الفساد، وأظهر القبائح، وأعلن بشرب الخمر والمعازف، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فلامه وقال: أنت قريبُ العهد من عمر، وببابك الوفود والأشراف، وقد انهمكتَ على هذه الإماء. فقال له يزيد: إنِّي لأرجو أن لا تعاتبني بعد اليوم. وهجرَ القِيان إلى أن توجَّه مسلمةُ إلى العراق لقتال آل المهلَّب، ثم عاد إلى ما كان عليه، وكان يلعن مسلمةَ ويقول: حرمَني لذَّاتي، وكان يقول ويكرّر قول الأحوص: وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنانِ وفنَّدا وبقول: واللهِ لا أُطيعُهم أبدًا (٣). وفيها ولَّى يزيدُ بنُ عبد الملك عبدَ الرحمن بنَ الضحَّاك بن قيس الفِهْريّ المدينةَ، وعزلَ عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقدمَ المدينةَ يومَ الأربعاء لليالٍ بقين من شهر رمضان، فدخلَ عليه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فسلَّم عليه، فلم يَرَ منه إقبالًا.

стр. 4696

قال أبو بكر: فرجعتُ إلى منزلي خائفًا منه، وكان شابًّا مقدامًا، فكتبتُ إليه: أمَّا بعد، فإن كنتَ تحدِّثُ نفسَك بالخلود؛ فكم نزلَ هذه الدارَ مثلُك، ثم خرجوا منها، وبقيَتْ آثارُهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، فاتَّقِ اللهَ ولا تسمع قولَ واشٍ وحاسدٍ على نعمة. وأقام أبو بكر على الخوف منه، فاختصمَ رجلان؛ أحدُهما من بني فِهْر، والآخر من الأنصار، وكان أبو بكر قد قضى للأنصاريّ على الفِهْريّ في أرضٍ كانَتْ بينَهما، فأحضر أبا بكر وقال له: كيف قضيتَ على الفِهْريّ، ودفعتَ أرضَه إلى الأنصاري؟ فقال: أفتاني بذلك سعيد بنُ المسيِّب، وأبو بكر بنُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال عبد الرحمن للفهريّ: ما تقول؟ قال: كذا كان، ولكن لا يلزمُني قولُهما. فقال له: قم، تُقرُّ أنَّ سعيدًا وأبا بكر أفتياك، ثم تقول: ما يلزمني قولُهما! اذهبْ فأنت أحمق. وأقام أبو بكر على الخوف من ابنِ الضَّحَّاك، وكان أبو بكر بنُ محمد قد ضربَ أبا المَغْراء عثمانَ بنَ حَيَّان حَدَّينِ في ولايته على حقٍّ، فلما ولَّى يزيدُ عبدَ الرحمن الفِهْريَّ كان ابنُ حَيّان عند يزيد، فقال له: يا أمير المؤمنين، أَقِدْني من أبي بكر بن محمد. فقال يزيد: لا أفعل ذلك برجل اصطنعه أهلُ بيتي، ولكن أولِّيك المدينة، فاقتصَّ منه. فقال: لا أفعل ذلك؛ لأني لو فعلتُه قال النَّاس: ضربه في سلطانه، فلا يكون قَوَدًا، ولكن اكتبْ إلى عبد الرحمن الفِهْريّ. فكتب يزيد إليه يقول: إن كان ابنُ حزم ضربه في أمر بَيِّن؛ فلا تعرضْ له، وكذا إن كان ضربَه في أمر يُختلف فيه (١)، وإن كان ضربه في غير ذلك فأَقِدْه منه. فلما قدم بالكتاب قال له عبد الرحمن: ما جئتَ بشيء، أترى ابنَ حَزْم ضربَك في أمر لا يُختلفُ فيه؟ فقال ابن حبَّان: إذا أردتَ أن تُحسنَ أحسنتَ. فقال الفِهْريّ: أمَّا الآن فنعم. وكان في قلبه على ابن حزم، كان يقول: هو خائن، ويتكبّر عليَّ.

стр. 4697

فاستدعى ابنَ حَزْم، فضربه حدَّين في مقام واحد ولم يسأله عن شيء، فرجع ابن حيَّان وهو يقول: أنا أبو المَغْراء، واللهِ ما قربتُ النساء منذ صَنعَ بي ابنُ حَزْم ما صنع، واليوم أقربُهنَّ (١). قال الواقدي: ضرب الفِهْريُّ أبا بكر بن حزم ظلمًا وعدوانًا. وفيها قُتل شَوْذب الخارجي، واسمه بِسْطَام. وفيها لحقَ يزيد بنُ المهلب بالبصرة، فغلب عليها، وحبس عاملَها عديَّ بنَ أرطاة الفَزاري، وخلع يزيدَ بنَ عبد الملك (٢). قال علماء السِّيَر: لما وليَ يزيد بن عبد الملك الخلافة بعد ما هرب يزيد بن المهلّب كتب إلى عديِّ بن أرطاة يأمره بحبس آل المهلّب، وأن يُوثق يزيد، ويبعث به إليه، وكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن والي الكوفة أن يطلبه ويجتهد في أخذه (٣). فلما وصل كتابُه إلى عديّ بن أرطاة؛ قبضَ عليّ بني المهلَّب وأهلهم، وكان فيهم المفضَّل وحبيب ومروان بنو المهلب وغيرهم، وحبسهم (٤). وبعث عبدُ الحميد عاملُ الكوفة جيشًا مع هشام بن مُساحق بن عبد الله بن مخرمة من بني عامر بن لؤي وقال له: اذهب إلى العُذَيب (٥)، فإنَّه يمرُّ به الآن. فخرج هشام ثم رجع وقال: آتيك به أسيرًا، أم آتيك برأسه؟ فقال: أيَّ ذلك شئت. فتعجَّب مَنْ سمعَه يقولُ ذلك. وسار هشام فنزلَ العُذيب، وأقبل يزيد وهو عن العُذَيب غير بعيد، وهابَ هشام الإقدام عليه، وسار يزيد إلى البصرة (٦).

стр. 4698

وأرسل عبدُ الملك بنُ المهلَّب يقول لعدي: خُذ ابني حُميدًا، فاحبسه عِوَضي ودَعْني أخرجْ فأرُدَّ يزيدَ عن البصرة حتَّى يأتيَ فارس، ويطلبَ له أمانًا، ولا أدعُه يقربُك. فلم يُجبه عديّ. وكان محمد بنُ المهلَّب بالبصرة لم يُحبس، فجمع مواليَه وفتيةً من أهل بيته وأناسًا، وخرج حتَّى استقبل أخاه يزيد في كتيبة، وبعث إليه عديّ القبائلَ وقد رتَّبهم على كلِّ قبيلة رجلًا، فعلى الأزد المغيرة بن زياد العَتَكيّ، وعليّ بني تميم مُحرز بن حُمْران السَّعديّ، وعلى بَكْر بنِ وائل عمران بن عامر بن مسمع، ومالكُ بنُ المنذر بن الجارود على عبدِ القيس، وعبدُ الأعلى [بن عبد الله] بن عامر القرشيُّ على أهل العالية، وهم من أهل البصرة قريشٌ، وكِنانة، والأزد، وبجيلة، وخثعم، وقيل عَيلان كلُّها (١). وكان عديّ قد قدَّم أوَّلًا على الخيل المغيرةَ بن عبد الله الثقفيّ، وأقبلَ يزيدُ بن المهلَّب لا يمرّ بخيلٍ ولا قبيلةٍ إلَّا تَنَحَّوْا له عن الطَّريق حتَّى يمضي، وجاء فنزل دارَه، وبعث إلى عديّ: ادْفعْ إليَّ إخوتي وأنا أخرجُ عن البصرة، وأقيمُ بمكان، وأبعث إلى يزيد بن عبد الملك، فآخُذُ منه أمانًا. فلم يُجبه عديّ. فبعث يزيد بن المهلَّب إلى يزيد بن عبد الملك مع حُميد بن عبد الملك بن المهلَّب يطلبُ الأمان فأمَّنَهُ، وبعث معه خالدَ بنَ عبد الله القسريّ، وعُمر بن يزيد الحَكَميّ. وأقام يزيد بنُ المهلب يُعطي النَّاس الذهبَ والفضَّة، فمال النَّاسُ إليه، وكان عديّ لا يعطي إلَّا الدرهم والدرهمين، ويقول: لا يحلُّ لي أن أُعطيَكم من بيت المال درهمًا إلَّا بأمر أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلَّغوا بهذا حتَّى يأتيَ أمرُه. فقال الفرزدق: أظنُّ رجال الدِّرهمَينِ يسوقُهُم … إلى الموت آجالٌ لهم ومضاجعُ (٢) فأحزَمُهم مَنْ كانَ في قعر بيتِه … وأيقنَ أنَّ الأمرَ لا بدَّ واقعُ (٣)

стр. 4699

واجتمعَ النَّاس إلى يزيد، وقصدُوا القصر، وكان في طريقه جماعة، فهزمَهم، ووصلَ إلى باب القصر، فخرج إليه عديّ، واقتتلُوا، فقُتل من أهل الشام من أصحاب عديّ جماعةٌ، ومن فرسان الحجَّاج بن يوسف، منهم الحارث بن مصرِّف الأودي من أشراف أهل الشام، وموسى بن الوجيه الحِميريّ، وراشد المؤذّن، وانهزمَ أصحابُ عديّ. وسمع إخوة يزيد صوت الجلبة وهم محبوسون في القصر فقال لهم عبد الملك بن المهلَّب: ما أرى يزيد إلَّا قد ظهر، ولا نأمنُ مَنْ مع عديّ من مُضر ومن الشام أن يأتونا فيقتلونا. وجمعوا متاعًا، وجعلوه خلف باب الحبس، واتكؤوا عليه، فلم يلبثوا إلَّا ساعة حتَّى أقبلَ عبدُ الله بن دينار مولى بني عامر -وكان على شرطة عديّ وحرسِه- ومعه جماعة، فجاء يشتدُّ إلى باب الحبس ليقتلوا أولاد المهلَّب، وأخذوا يعالجون الباب، ولا يقدرون على فتحه، وأعجلَهم النَّاسُ، فانصرفوا. وأُخِذَ عديّ بنُ أرطاة أسيرًا، فجيء به إلى يزيد بن المهلَّب وهو يتبسَّم، فقال له يزيد: لم تضحك؟ فواللهِ إنه ليمنعك من الضحك خصلتان: إحداهما فرارُك من القِتْلة الكريمة حتَّى أَعطيتَ بيدك إعطاء الأَمَة بيدها. والثانية: أنني أتيتُ بك كما يُؤتى بالعبد الآبق إلى مواليه، وليس معك مني عَقْد ولا عهد، فما يؤمّنك أن أضرب عنقك؟ فقال له عديّ: أمَّا أنتَ فقد قَدَرْتَ عليّ، ولكنِ اعلمْ أنَّ بقائي بقاؤك، وهلاكي هلاكُك (١)، وقد رأيتُ جنودَ الله بالشام (٢)، وعلمتُ بلاءهم في كلِّ موطن من مواطن الغَدْر، فتدارَكْ زَلَّتك باستقالة العَثْرة؛ قبل أن يرميَ إليك البحرُ بأمواجه، فإن طلبتَ الإقالة لم تُقَلْ، فاطلب الأمان على نفسك وأهلك. فقال له يزيد: أما قولك: إن بقائي بقاؤُك؛ فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور إن كان لا يبقيني إلَّا بقاؤك. وأمَّا قولك: تَدارَكْ أمْرَك؛ فوالله ما استشرتُك، ولا أنتَ عندي بأمين ولا نصيح. وأمَّا تهدادك لي بالبحر وأمواجه؛ فواللهِ إنه عندي أصغر من

стр. 4700

خليج. ثم أمر به فحُبس، وقال: إنما أحبسُك لما فعلت بآل المهلب من الحبس والتضييق (١). ولمَّا ظهر يزيد على البصرة هربَ رؤساؤها من قيس وتميم ومالك بن المندْر، فلحقوا بالكوفة بعبد الحميد بن عبد الرحمن. وهرب الحواريُّ بنُ زياد العَتَكي إلى الشام يريدُ يزيدَ بن عبد الملك، فلقيَ في طريقه خالدَ بنَ عبد الله القسري وعمر بن يزيد الحَكَميّ ومعهما حُميد بن عبد الملك بن المهلّب قد أقبلوا من عند يزيد بأمان بني المهلَّب وبكلِّ ما يريد يزيدُ بنُ المهلَّب. فقال: ارجعا أيُّها الرجلان، فقد غلبَ يزيدُ على البصرة، وقتل فلانًا وفلانًا، وحبس عديًّا. فرجَعا بحُميد إلى الشام، فقال لهما حميد: أنشُدُكما اللهَ فينا، وإن هذا عدوّنا هو وقومُه، قيما على ما أنتما عليه، فإن يزيد لا يخالفُكُما. فلم يلتفتا إليه. وكان بالكوفة خالد بن يزيد بن المهلب، فوثب عليه عبد الحميد فأوثقه، وأوثقا حُميدًا، وبعثوا بهما إلى الشام، فحبسهما يزيد بن عبد الملك، فهلكا في الحبس بالطاعون. وقيل: إنهما قُتلا (٢). وكان القُطاميّ الشاعر؛ واسمه الحُصين، وهو أبو الشَّرْقيّ بن قُطَاميّ، وليس هذا بالقُطامي المشهور؛ ذاك اسمُه عُمير بن شُيَيْم (٣)، واسم الشَّرقيّ هذا الوليد (٤) = كان مُقيمًا بالكوفة، فلما غلبَ يزيد على البصرة قال القُطاميّ: لعلَّ عيني أنْ تَرَى يزيدا … يقودُ جيشًا جَحْفلًا رَشِيدًا (٥) تَسمحُ للأرضِ به وَئيدا … لا بَرَمًا هِدًّا ولا حَسُودَا ولا جَبَانًا في الوَغَى رِعْدِيدا … ترى ذَوي التاج له سجودَا

стр. 4701

لا ينقضُ العهدَ ولا العُهودا … من نَفَرٍ كانوا ملوكًا (١) صِيدَا تَرَى لهم في كلِّ يومٍ عِيدًا … [من الأعادي جَزَرًا مقصودا] (٢) فكتب يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يمنِّيهم الزيادات في الإقطاعات والعطاء، فأوَّلُ مَنْ سارَ إلى قتال يزيد بن المهلب القُطاميُّ، فقال يزيد بن المهلَّب: ما أبعدَ قولَ القُطاميّ من فعله (٣)! وقال المدائني: لمَّا هرب يزيد بن المهلَّب من الشام مرَّ بحَدَث الرِّقاق (٤) وهناك منزلُ الهُذَيل بنِ زفر، وكان يزيدُ خائفًا منه، فلم يُحِسَّ به الهُذيل إلَّا وقد هجمَ عليه فسطاطَه، ودعا بلبنٍ فشربَه، فاستحيى الهُذيل منه، وعرضَ عليه خيلَه، فلم يأخذ منها شيئًا. ثم سلك البَرِّيَّة، وأتى القادسية، وبعثَ عبد الحميد خلفَه، وسار إلى البصرة. وكان يزيد بنُ عبد الملك قد بثَّ في طلبه الرجال، منهم الهُذيل، وكوثر، والوثيق بنو زُفر بن الحارث الكلابي، فمرَّ بالهُذيل، وفاتَ الكوثر والوثيق. وجاء كتاب يزيد بن عبد الملك إلى عديّ بأن يبعثَ آل المهلب إليه، فحبسهم، فقال له وكيع بن حسَّان بن أبي سُود؛ والي خُراسان كان: اقْتُلْ آلَ المهلَّب. وكان عدوَّهم، فقال عديّ: لا أفعل. قال: فاهدمْ عليهم دُورهم. قال: لا أفعل. قال: فافتَحْ بيت المال، وأنفقْ على النَّاس. قال: لا أفعل، لم يُؤذن لي في ذلك. فقال له وكيع: كأنّي واللهِ بك وقد أُخِذتَ برقبتك. ومات وكيع في تلك الأيَّام (٥). وأمَّا يزيد بن المهلَّب؛ فقدم البصرة ليلة البدر من رمضان، فنزلَ دار أبيه المهلَّب، وكتبَ من ليلته إلى يزيد بن عبد الملك يطلب منه أمانًا، وبعث يزيدُ بابنه خالد بنِ يزيد وابنِ أخيه حُميد بن عبد الملك بن المهلَّب، فسارا بكتابه إلى الشام، وبعثَ إلى عديّ بنِ أرطاة القاسمَ بنَ عبد الرحمن الهلاليّ -وأمُّه فاطمةُ بنتُ أبي صُفْرة- وقال له: أقْرِهِ

стр. 4702

منِّي السَّلام، وقل له: لا رأي لي في الشقاق، ولا في تفريق الكلمة، وقد كتبتُ إلى أمير المؤمنين أسألُه الأمان، فخلِّ سبيلَ إخوتي كان المصر، فإن جاءني كتابُ أمان فذاك، وإن كان غير ذلك، فتكون قد سلمتَ منَّا وسلمنا منك، فلم يفعل (١). فجمع يزيد ربيعة والأزد، وفرَّق فيهم الأموال والسلاح، وخرج فنزلَ جبَّانةَ بني يشكر، وهي نصف بين القصر والبلد. وقال المدائني: إنَّ يزيد بن المهلَّب بعث إلى عديّ بالحسن البصري وأشرافِ أهل المصر يُناشدونه اللهَ في شقِّ عصا المسلمين وسفك دمائهم، فمضَوْا إليه، فلم يقبل وقال: أميرُ المؤمنين أمرَني بحبسهم، فلا أُخرجُهم إلَّا بأمره. فعادوا إلى يزيد، فأخبروه أنَّ عَدِيًّا أمَّن من بقي من ولدِ المهلَّب (٢)، وكان بعضُ إخوة يزيد حاضرًا ويقال: هو عبد الملك، فقال للحسن: إنكم قد واطأتُم عدوَّنا على هلاكنا، وليست طاعتُه عليكم بواجبة. فقال له الحسن: كذبتَ، ما واطأناه. فغضب عبد الملك وقال للحسن: يا ابن اللَّخناء، أتكذِّبُني، وإنَّما أنت عبدٌ تريد استذلال أهلِ المِصْر بتخشُّعِك، وقد حمَّقْتَ نفسك، وتعدَّيتَ طَوْرَك وقدرَك. ثم قام إليه ليقتله، فمنعه يزيد. وقيل: إنَّما منعه المفضَّل، وقيل: حجيب. ثم قال المفضَّل للحسن: هلَّا أمَّنْتَ الحجَّاجَ على دمك؟! فقال: إنَّ الحجاج لم يُعطني أمانًا، وإنَّ عديًّا قد أمَّنَكم من كلِّ ما تكرهون، وأمرني أن أضمن لكم الوفاء عنه، فثِقُوا بقولي وأمانِهِ. فركنا إلى قوله الحسن وأقاما معه -وهما عبد الملك والمفضَّل- وتخلَّف آخرون منهم، فلما دخلوا على عديّ أخفر ذِمام الحسن، وحبَسَهما مع حبيب ومروان ومُدْرك وأبي عُيَينة، فصاروا ستة من بني المهلَّب، وقيَّدهم (٣).

стр. 4703

ثم إنَّ عديًّا بخلَ على النَّاس، وختمَ بيتَ المال، واستقرضَ أموال النَّاس، وفرضَ لكلِّ مقاتل في كل يوم درهمين (١). قال: وطُعن رجل من آل عديّ فخرج ثَرْبُه (٢)، فقيل له: قل: لا إله إلَّا الله، فقال: هاتوا الدرهمين. وخرجت نَفْسُه (٣)! وجلس يزيد للناس، فبايعوه على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ووجد في بيت المال بالبصرة عشرة آلاف ألف درهم، فلما كان يوم الفطر خطب يزيد بن المهلَّب، وخلع يزيدَ بنَ عبد الملك، ولعن بني مروان، ودعا إلى الرضى من بني هاشم، ولعنَ مسلمةَ بنَ عبد الملك وقال: قد أقبلَتْ إليكم هذه الجرادةُ الصفراء (٤)، ولعن عبدَ الحميد بنَ عبد الرحمن وقال: لعن الله الضَّبُعةَ العرجاء. يعني عبد الحميد (٥). وكان الحسن البصريّ يذمُّ يزيدَ وبني المهلب ويقول: فاسقٌ عقدَ خِرَقًا على قَصَب، ثم نعق بأعلاج وطَغَام، فأجابوه. وبلغ يزيد بن المهلب فلم يعرض له (٦). وكان قتادة بالأهواز ينتقص آلَ المهلب بعدما كبر وعمي، فبعث إليه يزيد من وجأ عنقه (٧). وفرَّق يزيد عمَّاله في البلاد، فاستعملَ أخاه محمدًا على فارس، وزيادًا على عُمان ومُدركًا على خُراسان، ووَدَاعَ بنَ حُميد اليحمدي على قَنْدَابِيل (٨)، فقال له أخوه حبيب: لا تولِّه، فإنَّ في عينيه غَدْرةً. فكان كما قال؛ أغلَقَها في وجوههم (٩). ولما كتب يزيد بن المهلَّب إلى يزيد بن عبد الملك يطلب الأمان؛ استشار يزيدُ بنُ عبد الملك النَّاسَ، فقالت المُضَريَّة: لا تؤمِّنْه، فإنَّه أحمق غدَّار. وقالت النزارية: أمِّنه،

стр. 4704

وتحقن الدِّماء، وتُطفئ الفتنة. فأمَّنَه على أن يُقيم بالبصرة [وأنفذه] (١) مع خالد القسريّ، وعمر الحَكَمي، فقدما العراق وقد استولى يزيد على البصرة. ذكر مسير الجيوش من الشام والكوفة لقتال يزيد بن المهلَّب: قال هشام بن محمد: ثم إن يزيد بن عبد الملك بعث العبَّاس بنَ الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف فارس، ومسلمة بعده في أهل الشام، وبلغ يزيدَ بنَ المهلَّب، فقام خطيبًا وقال: أيها النَّاس، إنما أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجهاد أهل الشام، فإنَّه أعظمُ من جهاد التُّرك والدَّيلم. وكان الحسن جالسًا في المسجد، فقال: سبحان الله! أيزيد يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم رفع الحسنُ صوتَه وقال: واللهِ لقد رأيناك واليًا ومُوَلًّى (٢) عليك، فما ينبغي عليك ذلك. فقام أصحاب الحسن، فأخذوا بيده وأقاموه. فلما خرج الحسن من المسجد رأى النَّاس صفَّين بالرِّماح والسلاح ينتظرون خروج يزيد، فقال الحسن: قد كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء، وأصبح اليوم يضرب بهم بني مروان ثم يقول: أدعوكم إلى سنَّة العُمَرَين! إنَّ من سنة العُمَرَين أن يُوضع في رجليه قيد، ثم يُردَّ إلى سجن عُمر بن عبد العزيز. فقيل للحسن: يا أبا سعيد، لكأنك راضٍ عن أهل الشام! فقال: قبَّحهم الله، أليس هم الذين هدموا الكعبة وأحرقوها، وأباحوا المدينة ثلاثًا، وهتكوا حَرَمَ رسولِ الله ﷺ ، وحملُوا أهلَه سبايا إلى الشام، وفعلوا وفعلوا؟! ثم قرأ الآية: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٣) [الرعد: ٢٥]. واستخلف يزيد على البصرة أخاه مروان بن المهلَّب، وقدَّم بين يديه أخاه عبد الملك، وخرج ببيوت الأموال وخزائن السلاح، فنزل واسطًا، وكان قد استشار أصحابَه قبل خروجه من البصرة، فقالوا: نرى أن تخرجَ فتنزل أرض فارس، فتأخذَ

стр. 4705

بالشِّعاب والعِقاب، وتدنوَ من خُراسان وفي يدك الحصون والقلاع، وينزل إليك أهلُ الجبال، ولا نَرى أن تُعاجلَ القوم، فإنَّ مطاولتَهم أولى. فقال: تريدون أن تجعلوني طائرًا على رأس جبل! فقال له حبيب أخوه: فسِرْ بأهلك إلى الجزيرة، فاغْلِبْ على بعض حصونها ودَعْ به أهلك ومالك، فإن عطف عليك أهلُ الشام؛ كان أهلُ العراق وراءَك، ويأتيك مَنْ بالموصل من قومك، وأهلُ الجبال والثُّغور، وابذُلِ المال. فقال: قد نزلنا واسطًا (١) ويفعل الله ما يريد، وكلُّ كائن مقضيّ (٢). وأقام بواسط، ومسلمةُ والعباسُ بن الوليد بأرض الحِيرة. وحجَّ بالنَّاس عبدُ الرحمن الفِهْريّ (٣)، وهو على المدينة، وكان على مكّة عبد العزيز بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى قضائها الشعبيّ، وعلى البصرة يزيد بن المهلَّب قد غلب عليها، وعلى خُراسان عبد الرحمن بنُ نُعيم الأزدي (٤). وكان يزيد بن المهلَّب قد ولَّى على خُراسان أخاه مُدرك بنَ المهلَّب، فلما وصل إلى رأس المفازة قال عبد الرحمن بن نُعيم لبني تميم ولمن بخُراسان: هذا مُدرك قد جاء ليُلقيَ بينكم الحرب وأنتم في عافية وعلى طاعة، فاخْرُجُوا فردُّوه. فخرجَ إليه منهم جماعة وقالوا: أنت أحبُّ النَّاس إلينا وقد خرج أخوك ونابذَ الخلفاء، فإن ظهرَ فإنَّما ذلك لنا، وإن تكن الأخرى فما لك أن تُوقعَنا في البلاء بلا فائدة، فارجعْ. فرجع (٥). وفيها توفي أبو أُمامة أسعد بن سَهْل ابن حُنيف الأنصاري، وأمُّه حَبِيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زُرارة أحدِ النُّقَباء.

стр. 4706

وأسعدُ بن سهل من الطبقة الأولى من التّابعين من أهل المدينة، وكانت أمُّه من المبايعات (١). وقال ابن عبد البَرّ: أبو أمامة مشهور بكنيته، وُلد قبل وفاة رسول الله ﷺ ، فدعا له، وسمَّاه باسم جدِّه، وكنَّاه بكنيته (٢). وهو أحد الجِلَّةِ من كبار التّابعين بالمدينة، ولم يسمعْ من رسول الله ﷺ ولا صَحِبَهُ، وهو الذي صلَّى بالنَّاس الجمعة لما حَصَبُوا عثمان رضوان الله عليه وهو على المنبر (٣). وكان من فقهاء المدينة، ومات سنة إحدى ومئة، وكان ثقة كثير الحديث. وكان له من الولد: محمد، وسهل، وعثمان، وإبراهيم، ويوسف، ويحيى، وأيوب، وداود، وحبيبة، وأَمامة، أَمُّهم أمَّ عبد الله بنت عتيك بن الحارث من بني هَيشَة، أنصارية. وصالح لأمِّ ولد (٤). أسند أبو أُمامة عن عُمر، وعثمان، وأبيه سهل، يزيد بن ثابت، وأبي سعيد، وابن عبَّاس، ومعاوية، وسعيد بن سَعْد بن عُبادة. وروى عنه ابناه محمد وسهل، ويحيى الأنصاري، والزهري، في آخرين (٥). وقدم بكتاب عمر بن الخطاب رضوان الله عليه على أبي عبيدة ﵁ بالشام، وغزا معه (٦). بِسطام بن مُرَيّ اليشكري الخارجي، ويقال له: شَوْذب، لقب له.

стр. 4707

وقد ذكرنا واقعته مع عمر بن عبد العزيز ﵁ ومناظرته إياه، وأنَّه ارتفع إلى أرض أرمينية مدة حياة عمر ﵁، ولم يُقاتله، فلما مات عُمر ﵁ أراد عبدُ الحميد بنُ عبد الرحمن العاملُ على الكوفة أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى محمد بن جرير يأمرُه بمحاربته. وعلم شَوْذَب، فأرسل إلى ابنِ جرير يقول له: ما الذي أعجلكم؟! أمات الرجلُ الصالحُ عُمر؟ ولم يعلم شَوْذَب بموته. قالت الخوارج: ما فعل هذا إلَّا وقد مات عُمر. وقال شَوْذَب: قد بَعَثْنا إلى عمر رسولين، فاصبروا حتَّى يرجعا. فلم يمهلهم (١) ابنُ جرير، وقاتلَهم في جيش من أهل الكوفة، فأكثرت الخوارجُ فيهم القتل، فولَّوْا منهزمين، وجُرح محمد بن جرير في عجزه، وهرب، فما ردَّه إلَّا أخصاص (٢) الكوفة، وشَوذَب في أثره. ثم عاد شَوْذَب إلى مكانه، وعاد إليه رسولاه اللذان كانا عند عُمر بن عبد العزيز، فأخبراه بوفاته. وجاءه رسولُ عبد الحميد بن عبد الرحمن (٣) يقول: إن يزيد بن عبد الملك لا يقارُّكم على ما قارَّكم (٤) عليه عمر بنُ عبد العزيز. ووجَّه إليهم تميم بنَ الحُباب في ألفين، فلما سمعوا رسالتَه لعنوا يزيد وبني أميَّة، فحاربهم تميم، فقتلوه، وهزموا أصحابَه. فجهَّز إليهم عبدُ الحميد جيوشًا وهم يهزمونها، فجهَّز إليهم مسلمة بنُ عبد الملك سعيدَ بنَ عمرو الحَرَشيّ، -وكان شجاعًا- في عشرة آلاف، فأتاهم ما لا قِبَلَ لهم به،

стр. 4708

وكان شَوْذَب في نفر يسير لم يبلغوا المئة، فلما جاءهم سعيد قال شَوْذَب لأصحابه: مَنْ كان يريد اللهَ فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنَّما خرج للدنيا فقد ذهبت الدُّنيا، وإنَّما البقاء في الدار الآخرة. وكسرَ جَفْنَ سيفِه، وكسروا أغماد سيوفهم، وحملوا على سعيد فكشفوه مرارًا حتَّى خاف العار والفضيحة، فصاح بأصحابه: ويحكم، مِن هذه الشرذمة تفرُّون! لا أبا لكم، يا أهل الشام يومًا كأيَّامكم. فحملوا عليهم بأسرهم، فطحنوهم، وقتلوا شَوْذبًا وأصحابَه، ولم يُفلت منهم أحد (١). وقال أبو اليقظان: لم يقاتل أحدٌ قتال بِسطام، فبينا أهلُ الشام قد انكشفوا؛ جاءه سهمُ غرْبٍ (٢)، فذبحه، وتعلَّق أصحابُه برؤوس الجبال، ورجع سعيد وقد قتل معظم أصحابه، وقتل الرَّيَّان بن عبد الله اليشكري، وكان من فرسان شَوْذَب، وقال أخوه شمر (٣) بن عبد الله يرثيه: ولقد فُجِعتُ بسادةٍ وفوارسٍ … للحرب سُعْرٍ من بني شيبانِ اِغتالهم (٤) ريبُ الزمان فغالهم … وتُركْتُ فردًا غيرَ ذي إخوانِ كَمِدًا تَجرجرُ (٥) في فؤادي حسرةٌ … كالنارِ من وجدي على الرَّيَّانِ وفواسٍ باعوا الإله نُفوسَهم … من يشكرٍ عند الوَغَى فرسانِ وقال حسَّان بن جَعْدة يرثيهم: يا عينُ أذرِي دموعًا منكِ تَسْجَاما … وابْكي صحابةَ بِسْطامٍ وبِسْطامَا فلن تَرَي أبدًا ما عشتِ بعدَهمُ … أتقى وأكملَ عند اللهِ أحلامًا أفديهمُ إذْ تأسَّوا عند شدَّتهمْ … ولم يريدوا عن الأعداء إحجامًا حتَّى مضَوْا للذي كانوا له خرجُوا … وأورثونا حَزَازاتٍ وآلاما

стр. 4709

إنِّي لأعلمُ أنْ قد أُنزلُوا غُرفًا … من الجنان ونالوا ثَمَّ خُدَّاما (١) تُبيع ابنُ امرأة كعْب الأحبار من الطبقة الثَّانية -وقيل: من الأولى- من التّابعين، من أهل الشام، كان عالمًا قد قرأ الكتب، وسمع من كعب علمًا كثيرًا (٢). عرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم حتَّى توفي رسول الله ﷺ ، فأسلمَ على يد أبي بكر الصِّديق رضوان الله عليه، وكان دليلًا لرسول الله ﷺ . وقرأ القرآن على مجاهد بجزيرة قريبة من القسطنطينية يقال لها: أرواد، كانا غازيين بها (٣). وهو الذي نهى عمرو بنَ سعد الأشدق عن العصيان بدمشق وقال له: إنِّي وجدتُ في الكتب أن رجلًا من قريش يسافر مع ملك، ثم يغدر به، ويدخل مدينة من مدائن الشام يتحرَّزُ بها ويُقتل، وأنا خائف عليك، فاتق الله (٤). وسأله ابن عباس: ما كان يقولُ كعبٌ في السحاب؟ فقال: إنه كان يقول: إنه غربال المطر، ولولا السحاب لأفسدَ المطر ما على وجه الأرض وما يقع عليه، فقال له ابن عباس: صدقتَ، وأنا سمعتُه يقول ذلك (٥). مات تُبيع بالإسكندرية سنة إحدى ومئة (٦). وقد روى عن جماعة من الصّحابة، منهم أبو الدرداء، وجماعة من التّابعين منهم عطاء بن أبي رباح، وكعب الأحبار (٧)، وغيرهم.

стр. 4710

أبو الزَّاهريَّة واسمُه حُدَيْر بن كُرَيْب الحميريّ، وكان صالحًا، من الطبقة الأولى من التابعين (١). روى عنه ابنه (٢) قال: زرت بيت المقدس، فأغلقَ عليَّ السَّدَنَةُ أبوابَ الصخرة، وكنتُ نائمًا ولم يعلموا بي. قال: فما انتبهتُ إلا بتسبيح الملائكة على الصخرة، فوثبتُ مذعورًا، فإذا الملائكة صفوفٌ على الصخرة، ومَلَكٌ قائم بينهم يقول؛ سبحان الدائم القائم، سبحان الحيِّ القيوم، سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الملك القُدُّوس، ربِّ الملائكة والروح، سبحان العليِّ الأعلى. فيُجيبه من هو أسفل منه، ثم ترتجُّ الصفوف بالتسبيح، فقلتُ للذي يليني منهم: من الَّذي على الصحرة؟ قال: جبريل، والذي يردُّ عليه ميكائيل، ونحن ملائكةُ الله، مَنْ قال هذا الدعاء في كل سنة مرةً، لم يخرج من الدنيا حتَّى يَرَى مقعدَه من الجنَّة، أو يُرَى له (٣). مات أبو الزاهريَّة في سنة إحدى ومئة. وقيل: في سنة تسع وعشرين ومئة. والأوَّل أصحّ. أسند عن عبد الله بن بُسْر، وأبي أُمامة الباهليّ، وحُذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وغيرهم. وروى عنه معاوية بن صالح، وابنُه حُميد بن حُدَير، وإبراهيم بن أبي عبلة، وغيرهم، وكان ثقة (٤). أبو صالح السمَّان وهو الزيَّات، واسمه ذكوان، مولى غطفان، من الطبقة الثانية (٥) من الموالي بالمدينة. أسند عن جماعة من الصحابة، وروى عنه خلق كثير، وكان ثقةً كثير الحديث (٦).

стр. 4711

سالم بن أبي الجَعْد الغَطَفاني، مولىً لأشجع، من الطبقة الثانية من التابعين. قال هشام: رخَّص علقمة والأسود لسالم في بيع وَلاء مولىً له من عَمرو بن حُريث بعشرة آلاف درهم، يستعينُ بها على العبادة (١). وقال الهيثم: كان لأبي الجعد (٢) ستةُ بنين؛ اثنانِ منهم يتشيَّعان، واثنانِ مُرجئان، واثنانِ خارجيَّان، فكان أبوهم (٣) يقول: لقد خالفَ اللهُ بينكم. مات سالم سنة إحدى ومئة، وكان ثقة كثير الحديث. عبد الله بن شَقِيق البصري، كنيتُه أبو عبد الرحمن، العُقيلي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. كان صالحًا مجابَ الدعوة، وتمرُّ به السحابةُ فيقول: اللهم لا تجاوز موضع كذا وكذا. فيكون كما قال، لا تجاوز حتَّى تُمطر (٤). وحكى ابن سعد عن أبي قِلابة وذكر عنده عبد الله بن شقيق فقال: أيُّ رجل هو لولا أنَّه تعرَّب (٥). قال: وكان عثمانيًّا. قيل: توفي في ولاية الحجاج بن يوسف على العراق. وقيل بعد المئة.

стр. 4712

أسند عن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة ﵃، وكان ثقةً في الحديث، وروى أحاديثَ صالحة (١). عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁ - قال المصنف ﵀: الأَولى ما نُظر فيه سيرة الزاهد الصالح الورع أبي حفص عمر بن عبد العزيز؛ لأنها مرفوعةٌ على الابتداء، منصوبةٌ على التمييز، تحثُّ الطالب على نيل المطالب، وتُزهِّدُ الراغب في دار المعايب، فنَشْرُ نَشْرِه أذكى من العَنْبَر، ونُور نَوْرِه أنور من القمر الأزهر، ولقد اقتفى آثارَ من سلف من السلف، وعَبَرَ وغَيَّر في وجه من غَبَر، فهو أحقُّ بقول القائل من جميع البشر (٢): ما لذَّ في السمع أحلى من حديثك لي … إذا ذكرتَهُمُ فاذْكُرْ بلا ضَجَرِ وأنتَ يا مخبري عنهم وذاكرَهُمْ … أعِدْ حديثَك لي يا طيِّب الخبرِ وقد ذكرنا جُملًا من أخباره، ولُمَعًا من آثاره، فنختم سيرته بفنون، لمثل هذا فليعمل العاملون (٣). ذكر طرف من ذلك: قال خُصيف: رأيتُ في المنام رجلًا قاعدًا، وعن يمينه رجل، وعن شماله آخر؛ إذْ أقبلَ عمر بن عبد العزيز، فأراد أن يجلس بين الَّذي عن يمينه وبينه، فلصق بصاحبه، فدار، فأراد أن يجلس بين الَّذي عن يساره وبينه، فلصق بصاجبه، فجذبه الأوسط، فأقعده في حجره، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وهذا عمر (٤).

стр. 4713

وقال أنس: ما صلّيتُ وراء أحدٍ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بنَ عبد العزيز (١). وقال إسرائيل (٢): رأيتُ عمر بن عبد العزيز يمشي في المدينة وهو من أحسن الناس لباسًا (٣)، وأطيبهم ريحًا (٤)، وأخيلهم في مِشْية، ثم رأيتُه بعد ذلك يمشي مِشية الرُّهبان. قال: وكان عمر يصوم الاثنين والخميس وعشر ذي الحجة والمحرَّم. وقال جويرية بن أسماء: سمعتُ فاطمةَ بنتَ علي بن أبي طالب ذكَرَتْ عُمر بنَ عبد العزيز، فأكثرت الترحُّم عليه، وقالت: دخلتُ عليه وهو أمير المدينة يومئذ، فأخرجَ عني كل خصيّ وحَرَسيّ حتَّى لم يبقَ في البيت أحدٌ غيري وغيره، ثم قال: يا بنت عليّ، واللهِ ما على ظهر الأرض أهلُ بيت أحبَّ إليَّ منكم، ولأنتُم واللهِ أحبُّ إليَّ من أهل بيتي (٥). وقال حجَّاج الصوَّاف: أمرني عمر بن عبد العزيز أن أشتريَ له ثيابًا وهو أمير على المدينة، فاشتريتُ له ثوبًا بأربع مئة درهم، فقطعه قميصًا ثم لمسه بيده وقال: ما أخشنَهُ وأغلظه! ثم أمر بشراء ثوب وهو خليفة فاشتَروْه بأربعةَ عشرَ درهمًا، فلمسه بيده وقال: سبحان الله ما أنعمه (٦) وأدقَّه! وقال محمد بن عمار بن سعد القَرَظ: كنَّا نُؤْذِنُ عُمر بنَ عبد العزيز في داره للصلاة فنقول: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاتُه، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، الصلاةَ يرحمُك الله. وفي الناس الفقهاء لا ينكرون ذلك (٧).

стр. 4714

وروى ابن سعد عن الواقدي عن مشيخة أهل المدينة (١) أنهم قالوا: كان عمر بن عبد العزيز يؤمُّنا ولا يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. [وفيه دليل على تقوية مذهب أبي حنيفة] (٢). وعن أيوب السَّخْتياني أنَّ عُمر بنَ عبد العزيز ردَّ المظالم التي كانت في بيت المال، ثم أمر بأن يزكَّى الباقي لماضي السنين (٣)، ثم نظر فقال: لا يزكَّى إلا لسنة واحدة؛ لأنه ضِمار، أي: هالك (٤). وكتب عُمر بن عبد العزيز ﵁ إلى أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم والي المدينة أن استبرئ الدواوبن، فانظر كلَّ جَوْر جارَه مَنْ قَبلي (٥) مِنْ حقِّ مسلم، أو معاهَد، فرُدَّه عليه، وإن كان من أهل تلك المظلمة قد ماتُوا؛ فادْفَعْه إلى ورثتهم. وقام يومًا في جامع دمشق وهو خليفة، فنادى بأعلى صوته: لا طاعةَ لنا في معصية الله (٦). وكان يقول للناس: الحقُوا ببلادكم، فإني أذكُرُكُم ببلادكم وأنسابكم عندي، إلا من ظَلَمه عامل، فليس عليه مني إذْنٌ، فليأتِني (٧). وجاءه جماعة من بني مروان فقالوا: إنك قصَّرتَ بنا عمَّا كان يصنعُه مَنْ كان قبلَك. وعاتبوه، فقال: لئن عُدْتُم لمثل هذا المجلس لأَشُدَّنَّ رِكابي، ثم لأقدمَنَّ المدينة ولأجعلنَّها شورى. أما إني لأعرفُ صاحبها الأُعيمش -يعني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ إنَّ لله في بني مروان ذَبْحًا، وأظنُّ أنَّ ذلك الذبح على يدي. وبلغ

стр. 4715

القاسم فقال: رحم الله عُمر، إنَّ القاسم ليضعف عن أُهَيلِهِ، فكيف يقومُ بأمرِ أمَّةِ محمد ﷺ (١)؟! وكان عُمر ﵁ يقول: لو كان إليَّ من الأمر شيءٌ ما عَدَوْتُ بها القاسم، أو صاحب الأَعوص. يعني إسماعيل بن عَمرو بن سعيد بن العاص. وكان عابدًا منقطعًا اعتزل الناس، فنزل الأَعْوص (٢). وإسماعيل هذا هو أبو محمد الأموي، كان عالمًا زاهدًا، وكان مع أبيه لما غلبَ على دمشق، ثم سيَّره عبد الملك إلى الحجاز مع إخوته، ثم سكن الأعوص، واعتزل الناس، فلم يدخل في شيء من أمور الدنيا، وكان عمر بن عبد العزيز يراه أهلًا للخلافة (٣). وروى عن ابن عباس وغيره، وروى عنه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وغيره. وقال الزُّبير بن بكَّار: كان يسكنُ الأعْوَص شرقيَّ المدينة على بضعة عشر ميلًا -وقيل: على بريد منها- ولم يلتبس بشيء من الدنيا ولا سلطان بني أمية (٤). وعاش إلى أيام بني العباس، ولما قدم داود بنُ علي المدينة قيل لإسماعيل: لو تحوَّلتَ. فقال: لا والله. فلم يعرض له داود، وعاش بعد ذلك يسيرًا، ومات ﵀. وقتلَ داود جماعةً من بني أمية، ثم اجتمعَ بإسماعيل، فقال له داود: أساءك ما فعلتُ بأصحابك؟ فقال: كانوا يدًا فقطعتَها، وعَضُدًا فبَتَتَّها، ورُكْنًا فهدمتَه، وجناحًا فهِضْتَه (٥). قال داود: فإني خليقٌ أن أُلحقَك بهم. فقال: إني إذًا لسعيد (٦).

стр. 4716

والأعْوَص من ناحية العراق (١). وقال خادم لعمر ﵁: إنه لم يمتلئ من طعام من يومَ وديَ حتَّى مات، ووضع المَكْس عن كلٍّ أرض، وأباح الأحماءَ كلَّها إلا النَقِيع (٢)، وأمر أن تُبنى الخانات بطريق خُراسان، وفرضَ لكلِّ منفوس (٣). وكان إذا جلس يقضي حوائج الناس يأمر بشمعة من بيت المال، فإذا شرعَ في حاجة نفسِه طفأها (٤). وحرَّم الطِّلاء (٥) في كلِّ أرض، وأمر أن لا يدخل أحد من الرجال الحمام إلا بمئزر، ولا يدخله النساء. وكان يخرج إلى العيد ماشيًا، ويقول: لا تركبوا إلى الجمعة والعيدين (٦). وكان يبدأ بتكبير التشريق من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة العصر (٧) من أيام التشريق. وكان إذا صعد المنبر في العيد سلَّم (٨). قال ميمون بن مهران: كان عمر بن عبد العزيز معلِّم العلماء، وكانوا بين يديه تلامذة (٩). وأُخرج بين يديه مِسك من الخزائن، فأمسك عمر ﵁ أنفه بيده مخافة أن يجد ريحه، فقال له رجل: ما ضرَّك لو وجدت ريحه! فقال عمر: وهَلْ يراد من هذا إلا ريحُه (١٠)!

стр. 4717

وأوَّلُ كتاب كتبه عمر ﵁ إلى عبد الحميد كان سطرًا واحدًا: أما بعد، إذا أتاك كتابي فأعْطِ كل ذي حق حقَّه. والسلام. فكتب إليه عبد الحميد: إن رجلًا سبَّك، فحبستُه، وقد هممتُ أن أضربَ عنقه، فما ترى فيه؟ فكتبَ إليه: لو قتلتَه لأقَدْتُك به، إنه لا يُقتل إلا مَنْ سبَّ رسولَ الله ﷺ ، فاسْتَتِبْه، وخَلِّ سبيلَه (١). وقال محمد بن الزُّبير الحنظلي: دخلتُ على عمر بن عبد العزيز وهو يتعشَّى كِسَرًا وزيتًا، فقال: ادْنُ فكُلْ. فقلت: بئس طعام المقرور (٢). فأنشد عُمر: إذا ما ماتَ مَيْتٌ من تميمٍ … فَسَرَّكَ أنْ يعيشَ فَجِئْ بِزادِ بخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍ … أو الشيءِ الملفَّفِ في البِجادِ (٣) [ثم أنشدني بيتًا ثالثًا:] تراه ينقل البطحاء شهرًا … ليأكلَ رأسَ لقمانَ (٤) بنِ عادِ [قلت: والبيت الأول حكاية جرت لمعاوية، وقد ذكرناها في سيرته] فقلت: يا أمير المؤمنين، ما كُنْتُ أرى أنَّ البيت الثالث فيها. قال: بلى. وقال محمد التيمي: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما وليَ منع قرابته ما كان يجري عليهم، وأخذَ منهم القطائع التي كانت في أيديهم، فشَكَوْه إلى عمَّته أمِّ عمر، فدخلت عليه فقالت: إنَّ قرابتك يشكونك ويزعمون أنك أخذتَ منهم خير غيرِك. فقال: ما منعتُهم حقًّا كان لهم، ولا أخذتُ منهم شيئًا كان لهم. فقالت: إني رأيتُهم يتكلَّمون، وأخاف أن يهيجوا عليك يومًا عصيبًا. فقال: كلُّ يوم أخافُه دونَ يوم القيامة فلا وقاني اللهُ شَرَّه. ثم دعا بدينار وجَنْب ومجمرة، فألقَى الدينارَ في النار، وجعلَ ينفخُ على الدينار، فلما احمرَّ تناولَه بشيء، فألقاه على الجَنْب، فنَشَّ وقَتَرَ، وقال: أي عمَّة، أما

стр. 4718

تأوين (١) لابن أخيك من مثل هذا؟ فقامت، فخرجت على قَرابته، فقالت: تزوّجون آلَ عُمر، فإذا نزعوا إلى الشِّبْه جزعتُم! اصبروا له (٢). وقيل له: غَيِّرتَ كلَّ شيء حتَّى مِشْيتَك! فقال: واللهِ ما كانت إلا جنونًا. وكان إذا مشى خطر بيديه (٣). وقال ربيعة الشَّعْوَذِيّ (٤): ركبتُ في البريد إلى عمر، فانقطع بي البريدُ في أرض الشام، فركبتُ على دوابِّ السُّخْرة (٥) حتَّى أتيتُه، فقال؛ ما فعلى جناحُ المسلمين؟ قلت: وما جناح المسلمين؟ قال: البريد. قلت: انقطع في أرض كذا وكذا. قال: فعلى أيِّ شيء جئتَنا؟ قلت: على دوابّ السُّخْرة. قال: أتُسَخِّر في سلطاني؟! فأمرَ به، فضُرب أربعين سَوْطًا (٦). وقال فراتُ بن مسلم: اشتهى عمر ﵁ تفاحًا، فبعث إلى بيته، فلم يجدن (٧) شيئًا يشترون به، فركب وركبنا معه، فمرَّ بدَيرٍ، فتلقَّاه غلمانُ الدَّير معهم طبقٌ فيه تفاح [أو أطباق] فتناول تفاحةً فشمَّها، ثم أعادها إلى الطبق، ثم قال: ادخُلوا دَيرَكم، لا أعلمُ أنكم بعثتُم إلى أحد من أصحابي بشيء إلا عاقبتُكم. فقلت له: يا أمير المؤمنين، اشتهيتَ التفاح، فلما أُهدِيَ إليك ردَدْتَه، وقد كان رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعُمر يقبلون الهديَّة! فقال: لا حاجةَ لي فيه، إن أولئك كانت لهم الهدايا، وهي للعمال بعدَهم رِشْوة (٨).

стр. 4719

وقال فرات بنُ مسلم: كُنْتُ أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة، فعرضتُها عليه، فأخذ منها قرطاسًا قدر شبر، أو أربع أصابع كتب فيه حاجة له، فقلت: غفل أميرُ المؤمنين. فلما كان من الغد بعث إليَّ أن ائتِ بكتبك. فأتيتُه بها، فبعثني في حاجة، فلما جئت قال: خُذْ كتبَك. فأخذتُها، فلما فتحتُها وجدتُ فيها قرطاسًا قدر القرطاس الَّذي أخذ من كتبي (١). وقال وُهيب بنُ الورد: اتَّخذَ عمر بن عبد العزيز دارًا لطعام الفقراء والمساكين وابن السبيل وقال لأهله: إياكم أن تصيبوا من هذه الدار شيئًا. فجاءت يومًا مولاةٌ له ومعها صَحْفة فيها غَرْفة من لبن، فقال لها عمر ﵁: ما هذه معك؟ قالت: زوجتُك فلانة حامل وتَشَهَّت غَرْفَةً من لبن، والحاملُ إذا تَشَهَّتْ شيئًا ولم تُؤتَ به تُخوِّف على ما في بطنها أن يسقط. فقال: إذا لم يمسك ما في بطنها إلا طعام الفقراء والمساكين فلا أمسكه الله، رُدِّيه. فقالت زوجته: رُدِّيه، فواللهِ لا أذوقُه أبدًا (٢). وكتب [عمر] إلى عديّ بن أرطاة: أما بعد، فانظر إلى أهل الذِّمَّة، فارْفُقْ بهم، وإذا كَبِرَ أحدهم وليس له مال؛ فأنفِقْ عليه، فإنْ كان له حميمٌ فمُره بالإنفاق عليه وقاصِّه من خَرَاجِه (٣) كما لو كان لك عبد فكَبِرَتْ سنُّه لم يكن لك بدٌّ أن تنفقَ عليه حتَّى يموت أو يَعتِق. وقد بلغني أنك تأخذُ من الخمر العشور، فتلقيه في بيت المال [أو: بيت مال الله] فإياك أن تُدخلَ بيتَ مالِ الله إلا طيِّبًا. والسلام (٤). وكان يكتب إلى عماله أن لا تلبس أمةٌ خِمارًا، ولا يتشبَّهن بالحرائر (٥). وقال له رجل: أبقاك الله. فقال: هذا أمرٌ قد فُرغ منه، ادْعُ لي بالصَّلاح. وبعث ببغلته إلى الرَّعْي، ما قَدَرَ على علفها، ثم باعها بعد (٦).

стр. 4720

وأمر أن لا يسخَّن ماؤه الَّذي يتوضأ به في مطبخ العامة (١). [وقال ابن سعد: حدثنا أحمد بن أبي إسحاق، عن حمَّاد بن زيد قال: حدثني موسى بن أعين -راعٍ كان لمحمد بن عيينة- قال: كنَّا نرعى الشاة بكِرْمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاءُ والذئاب والوحش ترعى في موضع وأحد، فبينما نحن ذات ليلة، إذ عرض الذئب لشاة، فقلنا. ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال حمَّاد: فنظروا، فإذا عمر قد مات في تلك الليلة] (٢). وقال محمد بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز إلى المدينة عشرة آلاف دينار، وأمر ابنَ حزم أن يقسمها في بني هاشم ويسوِّيَ بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، فأنكر ذلك زيد بن الحسن، وقال: يسوِّي بين الكبير والصغير! وأغلظ لعمر، فقال له أبو بكر: لا تبلغ هذه المقالة عنك أمير المؤمنين فيغضبه ذلك، وهو حَسَنُ الرأي فيكم. فقال زيد: أسألك بالله إلا أخبرتَه بذلك. فكتب أبو بكر إلى عُمر يخبره بالمقالة، فلم يؤاخذه عمر رحمة الله عليه. وكتبت إليه فاطمة بنت الحسين تشكرُ له ما صنع، وقالت: يا أمير المؤمنين، لقد أخدمتَ من لم يكن له خادم، واكتسى من كان عاريًا -وكان قد أصابَ كلُّ واحد خمسين دينارًا- فسُرَّ عمر بذلك، فكتب إليها يذكر فضل بيتها وفضلها، ويذكر ما أوجبَ الله لهم عليه وعلى الناس من الحقِّ، وبعث إليها بخمس مئة دينار، وأعطى رسولَها عشرة دنانير (٣). وقدم رجل من الأنصار على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا فلان بن فلان، قُتل جدِّي يوم بدر، وأبي يومَ أُحُد. وجعل يذكر مناقب آبائه، فنظر عمر ﵁ إلى عَنْبَسة بن سعيد وهو إلى جنبه وقال: هذه واللهِ المناقب، لا مناقبكم، مَسْكِن ودَير الجماجم! وأنشد:

стр. 4721

تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ (١) وكتب إلى عمَّاله أن يَنْهَوْا النساء عن الخروج مع الجنائز والنِّياحة والبكاء، وكشف وجوههنَّ ونَشْرِ شعورهنَّ، وشَقِّ جيوبهنَّ، وقال: إنما ذلك فعل الجاهلية والأعاجم (٢). وسُئل عن عليّ وعثمان رضوان الله عليهما والجمل وصفِّين، وما كان بينهم، فقال: تلك دماءٌ كفَّ اللهُ يدي عنها، فأنا أكره أن أغمسَ لساني فيها (٣). وقدم عليه بلالُ بن أبي بُرْدَة وأخوه عبدُ الله من الكوفة، فاختصما إليه في الأذان في مسجدهم، فارتابَ بهما عمر ﵁، فَدَسَّ إليهما رجلًا من أصحابه يقال له: العلاء بن المغيرة، وكان بلال قد لزم ساريةً يتعبَّد عندها ليلًا ونهارًا، فقال لهما: ما تقولان إن كلَّمتُ أميرَ المؤمنين فولَّاكما العراق؛ ما تجعلان في؟ فبدأ الرجل ببلال، فقال: أُعطيك مئة ألف درهم. ثمَّ أتى أخاه فقال له مثلَ ذلك، فأخبرَ الرجلُ عمر ﵁، فقال لهما: الحقا بمصرِكما. وكتبَ إلى عبد الحميد: لا تُولِّ بلالًا بُليل الشَّر، ولا أحدًا من ولد أبي موسى شيئًا. إذْ سبكنا بلالًا فوجدناه خبثًا كلَّه (٤). ولما ولِيَ عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة كتبَ إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: اكتُبْ إليّ بسيرة عمر. فكتب إليه: إنَّ عمر كان في غير زمانك، وفي

стр. 4722

رجالٍ غيرِ رجالِك، وإن عملتَ في زمانك ورجالك بمثل ما عملَ به عمر، كنتَ مثلَ عمر وأفضلَ منه (١). وقال الحسن بن أبي العمرَّطة: كنتَ إذا رأيتَ عمر قبل أن يستخلف تعرفُ الخير في وجهه، فلما استُخلف رأيتَ الموتَ بين عينيه (٢). وكان له بِرْذَوْن وعبدٌ يستقي له الماء، ويحتطب له، فقال العبد يومًا: يا مولاي كلُّ الناس بخير إلا أنا وأنت (٣). قال: اذهبْ فأنت حرّ. وكان قد جعل للخُمْسِ بيتَ مال على حدة، وللصدقة بيت مال على حدة، وللفيء بيت مال على حدة. وكتب إلى الآفاق: لا يُكتب في طُومار (٤)، فكانت كتبُه إنما هي شبر أو نحوه. ولم يرتزق عمر ﵁ من بيت المال شيئًا حتَّى مات. وقال عمر ﵁: خُلِقَتْ لي نفسٌ توَّاقة، فلم تزل تتوَّق إلى الإمارة حتَّى نلتُها فلما نلتُها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتُها تاقَتْ إلى الجنَّة (٥). وقال عمارة بن أبي حفصة: إن مسلمة بن عبد الملك دخل على عمر بن عبد العزيز ﵁ في مرض موته (٦)، فقال لأخته فاطمة بنتِ عبد الملك امرأةِ عُمر: إني أرى أميرَ المؤمنين قد أصبح اليوم مُفِيقًا، وإني أرى قميصه دنسًا (٧)، فألبسيه غيره حتَّى نأذن للناس عليه. فسكتَتْ [فقال: ألبسي أمير المؤمنين غير هذا القميص. فقالت: واللهِ ما له غيره] (٨).

стр. 4723

فدخل عليه ثلاثة أيام يقول في كل يوم: اغسلوا قميصه. فبكت فاطمة في اليوم الثالث وقالت: والله ما له غيره (١). وخطب الجمعة يومًا بخُناصرة (٢) وقميصُه مرقوع الجيب منَ بين يديه ومن خلفه، فلما نزل قيل له: إن الله قد أعطاك، فلو لبست وصنعت! فنكَّس رأسه مليًّا ثم رفعه وقد عرفوا أنَّه ساءه ذلك، فقال: إن أفضل القصد عند الجِدَة (٣)، وأفضل العفو عند المقدرة (٤). وقال أبو سريع (٥) الشامي: كان سببُ زهد عمر في الدنيا وإقباله على الآخرة أن بعض عبيده جنى جنايةً، فأمر به فبُطح ليضربه، فقال له: يا مولاي، هل جنيتَ جناية غضب بها عليك مولاك؟ قال: نعم. قال: فهل عاجلك بالعقوبة؟ فانتبه عمر وقال: أطلِقُوه، فأنتَ حرٌّ لوجه الله. وقال المصنف ﵀: قرأتُ على شيخنا موفق الدين ﵀ بروايته عن محمد بن البرَّاء أنَّه ذكر في كتاب "الروضة" أن رجلًا حدَّث عمر بن عبد العزيز أنَّ مَلِكًا من الملوك بنى مدينة فتنوَّقَ في بنائها، ثم صنع طعامًا، ودعا الناسَ إليه، وأقعدَ على أبوابها أناسًا يسألون الناس؛ كلَّ من خرج منها: هل رأيتم بها عيبًا؟ فيقولون: لا. حتَّى جاء آخر القوم؛ أناس عليهم أكسية، فسألهم: هل رأيتُم بها عيبًا؟ قالوا: نعم، عيبين اثنين. قالوا: وما هما؟ قالوا: تخربُ ويموتُ صاحبها. فحبسوهم وأخبروا الملك بذلك، فأحضرَهم، وسألهم، فقالوا مثل مقالتهم، فوقع كلامُهم في قلبه، فبكى وقال: هل تعرفون دارًا لا تخرب ولا يموتُ صاحبها؟! قالوا: نعم، الجنَّة. قال: فميعاد ما بيني وبينكم وقتُ السَّحَر بمكان كذا وكذا.

стр. 4724

قال: فخرج معهم وترك ملكه، وأقامَ يتعبَّد معهم، فقال لهم ذات يوم: السلام عليكم. قالوا: فهل رأيتَ منَّا شيئًا تكرهُه؟ قال: لا، ولكنكم تعرفوني، فتعظِّموني، وأحبُّ أن أكون في مكان لا أُعرف، ثم فارقَهم وهم يبكون. قال: فلما سمع عمر بن عبد العزيز هذا قام، وخرج إلى البَرِّيَّة، وترك الخلافة، فجاءه مسلمة بنُ عبد الملك وقال له: اتق الله في أمَّة محمد ﷺ فواللهِ لئن فعلتَ ليَقتَتِلُنَّ بأسيافهم. فسكن (١). وقال ابن سعد: قيل لعمر: يا أمير المؤمنين، لو أتيتَ المدينة، فإنْ قَضى اللهُ موتًا؛ دُفنْتَ في موضع القبر الرابع مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فقال: لأَنْ يعذِّبني الله بكل عذاب إلا النار (٢)، أحبُّ إليَّ من أن يعلم أني أُرى لذلك أهلًا. وقال عمر ﵁ يومًا لكاتبه سليمان بن سعد: بلغني أن عاملنا فلانًا كان زنديقًا. فقال الكاتب: وما يضرُّك؟ قد كان أبو النبيّ ﷺ كافرًا، فما ضرَّه. فغضبَ عُمر ﵁ وقال: ما وجدتَ مثلًا إلا أبا رسول الله ﷺ فعزله (٣). [قال أبو الحسين الرازي: وسليمان بن سعد هذا من أمراء دمشق، وهو أول من نقل الديوان من اللغة الرومية إلى العربية، وكان مولىً من أهل الأردن] (٤). وقال الإمام أحمد ﵀: يُروى في الحديث أنَّ الله تعالى يبعثُ على رأس كلِّ مئة سنة لهذه الأمة من يجدِّدُ لها دينَها. فنظَرْنا في المئة الأولى فإذا هو عُمر بن عبد العزيز، وفي الثانية الشافعيّ (٥). وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة. فذكر الأربعة، قال: والخامس عمر بن عبد العزيز (٦).

стр. 4725

وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: لما ردَّ عمر المظالم وانتزعَها من يد أهله وأقاربه؛ كتب إليه عمر بن الوليد بن عبد الملك: أما بعد؛ فإنك أزْرَيتَ على من كان قبلك من الخلفاء، وعبتَ عليهم، وسرتَ بغير سيرتهم بغضًا لهم وشَنْئًا لمن بعدَهم من أولادهم، قطعتَ ما أمرَ الله به أن يُوصل؛ إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيتَ المال جورًا وعدوانًا، ولن تُترك على هذا. فغضب عمر وكتب إليه: من عبد الله عمر أميرِ المؤمنين إلى عمر بن الوليد، أما بعد، فإني قرأتُ كتابك وسأجيبك بنحوٍ منه: أما أوَّلُ شأنك يا ابنَ الوليد كما زعم أبوك؛ فأمُّك بنانة أَمَةُ السَّكون، كانت تطوف في أسواق حمص، وتدخل حوانيتها، ثم الله أعلم بها، اشتراها ذبيان من فَيء المسلمين، فأهداها للوليد، فحملت بك، فبئس المحمول وبئس المولود، ثم نشأتَ فكنتَ جبارًا عنيدًا، تزعمُ أني من الظالمين، لِمَ حرمتُك (١) وأهلَ بيتك فَيءَ الله الَّذي فيه حقُّ القرابة والمساكين والفقراء واليتامى، وإنَّ أظْلَمَ منّي وأَتْرَكَ لِعهدِ الله من استعملكَ على جُند المسلمين تحكُم فيهم برأيك، ولم تكن له في ذلك نيَّة إلا حبُّ الوالد لولده، فويلٌ لك وويلٌ لأبيك، ما أكثرَ خُصَماءَكما يومَ القيامة! وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟! وإنَّ أَظْلَمَ منِّي وأتْرَكَ لِعهدِ الله مَن استعملَ الحجاجَ بنَ يوسفَ يسفك الدم الحرام، ويأخذُ المال الحرام، ويفعلُ ما فعل، وإنَّ أظْلَمَ مني وأتْرَكَ لِعهدِ الله من استعمل قُرَّة بنَ شريك أعرابيًّا جَلْفًا جافيًا على مصر، وأذِنَ له في اللهو والشرب والمعازف، وإنَّ أظْلَمَ مني وأتْرَكَ لعهد الله من استعمل عثمان بن حيَّان على الحجاز ينتهك حرمة الله، ويُنشد الأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، وإنَّ أظلم مني وأترك لعهد الله من جعلَ لغاليةَ البربرية سهمًا في خُمس العرب، فرويدًا يا ابنَ بنانة، فلو التقَتْ حَلْقتا البِطان (٢) ورُدَّ الفَيءُ إلى أهله؛ لتفرَّغْتُ لك ولأهلِ بيتك، فوضعتُكم

стр. 4726

على المَحَجَّة البيضاء، فطالما تركتُم الحقَّ، وأخذتُم في بُنَيَّات الطريق، ومن وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيتُه؛ بَيْعُ رقبتِك، وقَسْمُ ثمنِك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإنَّ لكلٍّ فيك حقًّا، ولقد هممتُ أن أبعثَ إليك من يجزُّ جَمَّتَك جَمَّةَ السوء، والسلام علينا، ولا ينالُ سلامُ الله الظالمين (١). وكتب عمر ﵁ إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أمَّا بعد، فإنك كتبتَ إليَّ تذكرُ أنَّ سليمان كان يقطع للولاة بالمدينة من بيت المال ثمن شمع يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء والفجر (٢)، ولقد عهدتُك وأنت تخرجُ من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوَحِلة بغير سراج! ولعمري لأنتَ يومئذٍ خيرٌ منك اليوم، والسلام. وقال الفِهْرِيّ: كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفَئء، فتناول ابنٌ له صغيرٌ تفاحةً، فانتزعَها من فيه، فأوجعه، فسعى إلى أمِّه مستعبرًا، فأرسلَتْ إلى السوق، فاشترت له تفاحًا، فلما رجع عمر؛ وجدَ ريح التفَّاح، فقال: يا فاطمة، هل أتيتِ شيئًا من تفَّاح الفَيء؟ فقالت: لا. وقصَّت عليه القصة، فقال: واللهِ لقد انتزعتُها من فيه، ولكأنَّما نزعتُها من قلبي، ولكن كرهتُ أن أُضيِّع نصيبي من الله بتفاحة من فَئء المسلمين (٣). وقال عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك: بكى عمر بنُ عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهلُ الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلَّت عنهم العَبْرة قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين، مِمَّ بكَيتَ؟ قال: ذكرتُ منصرفَ القوم من بين يدي الله ﴿فَريقٌ في الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ثم صرخ وغُشي عليه (٤). وقال رجاء بن حَيوَة: كان الوفود يجتمعون على بابه فيبكي، ويُبكي أهلَ بيته ويُبكي الوفد، ثم ينصرفون ولا يسألون عن بكائه، قد علموا ما به.

стр. 4727

وقال زياد بن أبي زياد المدني: أرسلني مولاي ابنُ عياش بن أبي ربيعة إلى عمر بن عبد العزيز في حوائج له، فدخلتُ عليه وعنده كاتب يكتب، فقلت: السلام عليك، فقال: وعليكم السلام. ثم انتبهت فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لسنا ننكر الأولى. وعنده كاتب يقرأ عليه مظالم جاءت من البصرة، فقال: اجلس. فجلستُ على أُسْكُفَّةِ الباب وهو يقرأ عليه وعُمر يتنفَّس صَعَدًا، فلما فرغ؛ أخرجَ من كان في البيت حتَّى وصيفًا كان فيه، ثم قام يمشي حتَّى جلسَ بين يديّ، ووضع يدَيه على ركبتيَّ، ثم قال: يا ابن أبي زياد، استدفأتَ في مِدْرَعتك هذه -قال: وعليَّ مِدْرَعَةٌ من صوف- واسترحتَ ممَّا نحن فيه؟ ثم سألني عن صلحاء أهل المدينة؛ رجالِهم ونسائهم، فما ترك منهم أحدًا إلا وسألني عنه، ثم قال: أترى إلى ما وقعتُ فيه؟ فقلت: أبشِرْ، فإني لأرجو لك خيرًا. فقال: هيهات هيهات! أَشْتِمُ ولا أُشْتَم! وأَضربُ ولا أُضرَب! وأُوذِي ولا أُوذَى! ثم بكى حتَّى جعلتُ أرثي له، فأقمتُ حتَّى قضى حوائجي، ثم أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا، فقال: استعن بهذه، فإنه لو كان لك في الفَئء حقٌّ أعطيناك حقَّك، إنما أنتَ عبد. فأبيتُ أن آخذَها، فقال: إنما هي من نفقتي. فلم يزل بي حتَّى أخذتُها، وكتبَ إلى مولاي يسألُه أن يبيعني منه، فأبى وأعتقَني (١). وقال عمرو بن أبي المهاجر: قال لي عُمر بن عبد العزيز: إذا رأيتَني قد مِلْتُ عن الحقّ؛ فضَعْ يديك في تلبابي (٢)، ثم هُزَّني وقل: يا عمر، ما تصنع (٣)؟ وقال القاسم بن غزوان: إنْ كان عمر بن عبد العزيز ليتمثَّل بهذه الأبيات: أيقظانُ أنتَ اليومَ أم أنتَ نائمُ … وكيفَ يُطيقُ النومَ حيرانُ هائمُ فلو كنتَ يقظانَ الغداةَ لقطَّعَتْ … مدامعَ (٤) عينيك الدموعُ السواجمُ

стр. 4728

بل اغرقت (١) في النوم الطويل وقد دَنَتْ … إليك أمورٌ مُفْظِعاتٌ عظائمُ نهارك يا مغرور نومٌ وغفلةٌ … وليلُك نومٌ والرَّدَى لك لازِمُ يغرُّك ما يفنى وتُشغلُ بالمنى … كما غَرَّ باللَّذاتِ في النوم حالِمُ فخرِّق غِطا العَينَينِ (٢) إنك ناعشٌ … وثبْ إنَّ رَيبَ (٣) الدهرِ ويحكَ قائمُ ولا تجعلِ الدُّنيا قرارًا ومَسْكَنًا … فتُخْصَمَ يوم الحشر حين تخاصمُ فلا أنت في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ … ولا أنتَ في النّوَّام ناجٍ فسالمُ وتكدحُ فيما سوف تكرهُ غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ (٤) وهذه الأبيات لعبد الله بن عبد الأعلى الشيباني (٥). وقال ابنُ أبي الدنيا: كان عمر يقول: مَنْ صَحِبَني فليَصْحَبْني بخمس خصال: الأولى: يدلُّني على العدل إلى ما لا أهتدي إليه. والثانية: يكون لي عونًا على الخير. والثالثة: يبلِّغُني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها إليّ. والرابعة: لا يغتاب عندي أحدًا. والخامسة: أن يؤديَ الأمانةَ التي يحملُها مني وإليَّ من الناس، وإلا فهو في حَرَجٍ من صحبتي (٦). وقال رجاء بن حَيْوة: كانت لعمر درجة فيها مرقاة تتحرك، وكان كلما صعد عليها عمر ونزل ارتاع، فعمد مولاه فشدَّها بطين، فقال له عمر: اقلعه، فإني عاهدتُ الله إنْ وليتُ هذا الأمرَ أن لا أضع لَبِنةً على لَبِنة. وقال المدائني: قدم رجل من أهل مصر على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال: إن أباك ظلمني في أرضي. قال: وأين أرضُك؟ قال: حُلْوان، مكان بمصر. قال: أعرفُها، ولنا فيها شركاء. ثم قام عُمر، ومشى معه إلى الحاكم، فجلس بين يديه مع خصمه،

стр. 4729

فقضى القاضي على عمر، فقال عمر: قد أنفقنا عليها. فقال القاضي: ذلك بما نلتُم من غَلَّتِها. فقال عمر: لو حكمتَ بغير هذا لم تلِ لي أمرًا. ثم ردَّها على الرجل (١). وقال عبد الله بنُ راشد: أتيتُ عمرَ بالطِّيب الَّذي كان يُصنع للخلفاء من بيت المال، فأمسك على أنفه وقال: إنما يُنتفع منه بريحه (٢). قال: وقام إليه رجل من الخوارج فقال: أشهد أنك من الفاسقين ولا دِين لك. فنظر إليه عمر وقال: أنت عندنا شاهدُ زُور، لا نُجيز شهادتك، أردتَ أن يستفزَّني الشيطان بعزِّ السلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه مني غدًا. ثم عفا عنه (٣). وقال رجاء: كان عمر يجمع العلماء والزُّهَّاد عنده كلَّ ليلة، فيتذاكرون الموت والقيامة ويبكون كأنَّ بين أيديهم جنازة (٤). وقال يزيد بن حوشب: ما رأيتُ أخوف لله من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنَ النارَ لم تُخلق إلا لهما (٥). حديث المرأة القادمة عليه من العراق: قال رجاء بن حَيْوَة: قدمت امرأةٌ من أهل العراق على عمر بن عبد العزيز، فلما صارت إلى بابه قالت: هل عليه من حاجب؟ قالوا: لا، فإنْ أحببتِ أن تلجي فَلِجي، فَدَخلَتْ وإذا بفاطمة زوجةِ عمر ﵁ جالسة، فنظرَتْ في البيت، فلم ترَ فيه شيئًا، فبكت وقالت: إنما جئتُ لأَعْمُر بيتي من هذا البيت الخراب! فقالت لها فاطمة: واللهِ ما أخربَه إلا عِمارةُ بيوتِ أمثالِك. وأقبل عمر، فدخلَ الدار، فمالَ إلى بئر هناك، فنزع دلوًا فصبَّه على طين وهو ينظر إلى فاطمة، فقالت لفاطمة: استتري من هذا الطيَّان. فقالت فاطمة: ليس بطيَّان، وإنَّما هو أمير المؤمنين. فبكت المرأة، وغسل عمرُ رجليه ومال إلى مُصلَّاه، فصلَّى ما شاء الله،

стр. 4730

ثم سلَّم وقدَّم مِكْتلًا فيه عنب، وجعلَ يتخيَّر للمرأة منه، ثم قال: من أين المرأة؟ قالت: من أهل العراق، ولي خمسُ بنات كسل (١) قال: سمِّي الأولى، فسمَّتْها، ففرضَ لها، ثم الثانية، ثم الثالثة والرابعة، وهي تحمد الله، فلما سمَّت الخامسة، شكَرَتْه، فرمى بالقلم من يده وقال: كُنْتُ أفرضُ لهنَّ حيث كنت تُولين الحمدَ لأهله، أمَّا حيث ولَّيتني إيَّاه، فمُري الأربع يواسبن الخامسة. فدعت له، ودفعَ إليها نفقةً من ما له، وانصرفت. فلما قدمت العراق جاءت بالكتاب إلى عامله عبد الحميد بن عبد الرحمن، فلما نظر في الكتاب بكى، واشتدَّ بكاؤه وقال: رحم الله صاحبَ هذا الكتاب. فبكت المرأة وولولت وقالت: ضاع تعبي. فقال لها عبد الحميد: لا بأس عليك، واللهِ ما كُنْتُ ممَّن يطيعُه في حال حياته، ويعصيه بعد مماته. ففرضَ لبناتها ولها، وزادهنَّ. حديث الجارية وفاطمة: قال الهيثم: كانت لفاطمة بنتِ عبد الملك جارية ذاتُ جمال، وكان عمر ﵁ معجبًا بها قبل أن تُفضي إليه الخلافة، فطلبها منها وحرص، فأبت أن تدفعَها إليه وغارت منها، ولم تزل في نفس عمر. فلما استُخلف؛ أمرت فاطمة بالجارية، فأُصْلِحَتْ وحُلِّيَتْ، فكانت حديثًا في حسنها وجمالها، ثم دخلت عليه فاطمة، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنتَ سألتَني فلانة، فأبيتُ عليك، والآن فقد طابَتْ نفسي لك بها، فدُونَكَها. فاستبانَت الفرح في وجهه، وقال: أرسلي بها إليَّ. فأرسلت بها، فلمَّا دخلت عليه نظر إلى شيءٍ أعجبَه، فازدادَ بها عَجَبًا وقال لها: ألقي ثوبك. فلما همَّت أن تفعل؛ قال لها: على رِسْلِكِ، أخبريني، لمن كنتِ؟ ومن أين وصلتِ إلى فاطمة؟ قالت: كُنْتُ لعاملٍ من عمال الكوفة، فأغرمه الحجَّاج أمواله واستصعفاه، فأُخذتُ في رقيقه، فبعثَ بي الحجاج إلى عبد الملك مع المال والرقيق، وأنا يومئد صبيَّة، فوهبني عبدُ الملك لابنته فاطمة. قال:
следующие страницы →