← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

على المَحَجَّة البيضاء، فطالما تركتُم الحقَّ، وأخذتُم في بُنَيَّات الطريق، ومن وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيتُه؛ بَيْعُ رقبتِك، وقَسْمُ ثمنِك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإنَّ لكلٍّ فيك حقًّا، ولقد هممتُ أن أبعثَ إليك من يجزُّ جَمَّتَك جَمَّةَ السوء، والسلام علينا، ولا ينالُ سلامُ الله الظالمين (١). وكتب عمر ﵁ إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أمَّا بعد، فإنك كتبتَ إليَّ تذكرُ أنَّ سليمان كان يقطع للولاة بالمدينة من بيت المال ثمن شمع يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء والفجر (٢)، ولقد عهدتُك وأنت تخرجُ من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوَحِلة بغير سراج! ولعمري لأنتَ يومئذٍ خيرٌ منك اليوم، والسلام. وقال الفِهْرِيّ: كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفَئء، فتناول ابنٌ له صغيرٌ تفاحةً، فانتزعَها من فيه، فأوجعه، فسعى إلى أمِّه مستعبرًا، فأرسلَتْ إلى السوق، فاشترت له تفاحًا، فلما رجع عمر؛ وجدَ ريح التفَّاح، فقال: يا فاطمة، هل أتيتِ شيئًا من تفَّاح الفَيء؟ فقالت: لا. وقصَّت عليه القصة، فقال: واللهِ لقد انتزعتُها من فيه، ولكأنَّما نزعتُها من قلبي، ولكن كرهتُ أن أُضيِّع نصيبي من الله بتفاحة من فَئء المسلمين (٣). وقال عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك: بكى عمر بنُ عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهلُ الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلَّت عنهم العَبْرة قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين، مِمَّ بكَيتَ؟ قال: ذكرتُ منصرفَ القوم من بين يدي الله ﴿فَريقٌ في الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ثم صرخ وغُشي عليه (٤). وقال رجاء بن حَيوَة: كان الوفود يجتمعون على بابه فيبكي، ويُبكي أهلَ بيته ويُبكي الوفد، ثم ينصرفون ولا يسألون عن بكائه، قد علموا ما به.

стр. 4727

وقال زياد بن أبي زياد المدني: أرسلني مولاي ابنُ عياش بن أبي ربيعة إلى عمر بن عبد العزيز في حوائج له، فدخلتُ عليه وعنده كاتب يكتب، فقلت: السلام عليك، فقال: وعليكم السلام. ثم انتبهت فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لسنا ننكر الأولى. وعنده كاتب يقرأ عليه مظالم جاءت من البصرة، فقال: اجلس. فجلستُ على أُسْكُفَّةِ الباب وهو يقرأ عليه وعُمر يتنفَّس صَعَدًا، فلما فرغ؛ أخرجَ من كان في البيت حتَّى وصيفًا كان فيه، ثم قام يمشي حتَّى جلسَ بين يديّ، ووضع يدَيه على ركبتيَّ، ثم قال: يا ابن أبي زياد، استدفأتَ في مِدْرَعتك هذه -قال: وعليَّ مِدْرَعَةٌ من صوف- واسترحتَ ممَّا نحن فيه؟ ثم سألني عن صلحاء أهل المدينة؛ رجالِهم ونسائهم، فما ترك منهم أحدًا إلا وسألني عنه، ثم قال: أترى إلى ما وقعتُ فيه؟ فقلت: أبشِرْ، فإني لأرجو لك خيرًا. فقال: هيهات هيهات! أَشْتِمُ ولا أُشْتَم! وأَضربُ ولا أُضرَب! وأُوذِي ولا أُوذَى! ثم بكى حتَّى جعلتُ أرثي له، فأقمتُ حتَّى قضى حوائجي، ثم أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا، فقال: استعن بهذه، فإنه لو كان لك في الفَئء حقٌّ أعطيناك حقَّك، إنما أنتَ عبد. فأبيتُ أن آخذَها، فقال: إنما هي من نفقتي. فلم يزل بي حتَّى أخذتُها، وكتبَ إلى مولاي يسألُه أن يبيعني منه، فأبى وأعتقَني (١). وقال عمرو بن أبي المهاجر: قال لي عُمر بن عبد العزيز: إذا رأيتَني قد مِلْتُ عن الحقّ؛ فضَعْ يديك في تلبابي (٢)، ثم هُزَّني وقل: يا عمر، ما تصنع (٣)؟ وقال القاسم بن غزوان: إنْ كان عمر بن عبد العزيز ليتمثَّل بهذه الأبيات: أيقظانُ أنتَ اليومَ أم أنتَ نائمُ … وكيفَ يُطيقُ النومَ حيرانُ هائمُ فلو كنتَ يقظانَ الغداةَ لقطَّعَتْ … مدامعَ (٤) عينيك الدموعُ السواجمُ

стр. 4728

بل اغرقت (١) في النوم الطويل وقد دَنَتْ … إليك أمورٌ مُفْظِعاتٌ عظائمُ نهارك يا مغرور نومٌ وغفلةٌ … وليلُك نومٌ والرَّدَى لك لازِمُ يغرُّك ما يفنى وتُشغلُ بالمنى … كما غَرَّ باللَّذاتِ في النوم حالِمُ فخرِّق غِطا العَينَينِ (٢) إنك ناعشٌ … وثبْ إنَّ رَيبَ (٣) الدهرِ ويحكَ قائمُ ولا تجعلِ الدُّنيا قرارًا ومَسْكَنًا … فتُخْصَمَ يوم الحشر حين تخاصمُ فلا أنت في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ … ولا أنتَ في النّوَّام ناجٍ فسالمُ وتكدحُ فيما سوف تكرهُ غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ (٤) وهذه الأبيات لعبد الله بن عبد الأعلى الشيباني (٥). وقال ابنُ أبي الدنيا: كان عمر يقول: مَنْ صَحِبَني فليَصْحَبْني بخمس خصال: الأولى: يدلُّني على العدل إلى ما لا أهتدي إليه. والثانية: يكون لي عونًا على الخير. والثالثة: يبلِّغُني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها إليّ. والرابعة: لا يغتاب عندي أحدًا. والخامسة: أن يؤديَ الأمانةَ التي يحملُها مني وإليَّ من الناس، وإلا فهو في حَرَجٍ من صحبتي (٦). وقال رجاء بن حَيْوة: كانت لعمر درجة فيها مرقاة تتحرك، وكان كلما صعد عليها عمر ونزل ارتاع، فعمد مولاه فشدَّها بطين، فقال له عمر: اقلعه، فإني عاهدتُ الله إنْ وليتُ هذا الأمرَ أن لا أضع لَبِنةً على لَبِنة. وقال المدائني: قدم رجل من أهل مصر على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال: إن أباك ظلمني في أرضي. قال: وأين أرضُك؟ قال: حُلْوان، مكان بمصر. قال: أعرفُها، ولنا فيها شركاء. ثم قام عُمر، ومشى معه إلى الحاكم، فجلس بين يديه مع خصمه،

стр. 4729

فقضى القاضي على عمر، فقال عمر: قد أنفقنا عليها. فقال القاضي: ذلك بما نلتُم من غَلَّتِها. فقال عمر: لو حكمتَ بغير هذا لم تلِ لي أمرًا. ثم ردَّها على الرجل (١). وقال عبد الله بنُ راشد: أتيتُ عمرَ بالطِّيب الَّذي كان يُصنع للخلفاء من بيت المال، فأمسك على أنفه وقال: إنما يُنتفع منه بريحه (٢). قال: وقام إليه رجل من الخوارج فقال: أشهد أنك من الفاسقين ولا دِين لك. فنظر إليه عمر وقال: أنت عندنا شاهدُ زُور، لا نُجيز شهادتك، أردتَ أن يستفزَّني الشيطان بعزِّ السلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه مني غدًا. ثم عفا عنه (٣). وقال رجاء: كان عمر يجمع العلماء والزُّهَّاد عنده كلَّ ليلة، فيتذاكرون الموت والقيامة ويبكون كأنَّ بين أيديهم جنازة (٤). وقال يزيد بن حوشب: ما رأيتُ أخوف لله من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنَ النارَ لم تُخلق إلا لهما (٥). حديث المرأة القادمة عليه من العراق: قال رجاء بن حَيْوَة: قدمت امرأةٌ من أهل العراق على عمر بن عبد العزيز، فلما صارت إلى بابه قالت: هل عليه من حاجب؟ قالوا: لا، فإنْ أحببتِ أن تلجي فَلِجي، فَدَخلَتْ وإذا بفاطمة زوجةِ عمر ﵁ جالسة، فنظرَتْ في البيت، فلم ترَ فيه شيئًا، فبكت وقالت: إنما جئتُ لأَعْمُر بيتي من هذا البيت الخراب! فقالت لها فاطمة: واللهِ ما أخربَه إلا عِمارةُ بيوتِ أمثالِك. وأقبل عمر، فدخلَ الدار، فمالَ إلى بئر هناك، فنزع دلوًا فصبَّه على طين وهو ينظر إلى فاطمة، فقالت لفاطمة: استتري من هذا الطيَّان. فقالت فاطمة: ليس بطيَّان، وإنَّما هو أمير المؤمنين. فبكت المرأة، وغسل عمرُ رجليه ومال إلى مُصلَّاه، فصلَّى ما شاء الله،

стр. 4730

ثم سلَّم وقدَّم مِكْتلًا فيه عنب، وجعلَ يتخيَّر للمرأة منه، ثم قال: من أين المرأة؟ قالت: من أهل العراق، ولي خمسُ بنات كسل (١) قال: سمِّي الأولى، فسمَّتْها، ففرضَ لها، ثم الثانية، ثم الثالثة والرابعة، وهي تحمد الله، فلما سمَّت الخامسة، شكَرَتْه، فرمى بالقلم من يده وقال: كُنْتُ أفرضُ لهنَّ حيث كنت تُولين الحمدَ لأهله، أمَّا حيث ولَّيتني إيَّاه، فمُري الأربع يواسبن الخامسة. فدعت له، ودفعَ إليها نفقةً من ما له، وانصرفت. فلما قدمت العراق جاءت بالكتاب إلى عامله عبد الحميد بن عبد الرحمن، فلما نظر في الكتاب بكى، واشتدَّ بكاؤه وقال: رحم الله صاحبَ هذا الكتاب. فبكت المرأة وولولت وقالت: ضاع تعبي. فقال لها عبد الحميد: لا بأس عليك، واللهِ ما كُنْتُ ممَّن يطيعُه في حال حياته، ويعصيه بعد مماته. ففرضَ لبناتها ولها، وزادهنَّ. حديث الجارية وفاطمة: قال الهيثم: كانت لفاطمة بنتِ عبد الملك جارية ذاتُ جمال، وكان عمر ﵁ معجبًا بها قبل أن تُفضي إليه الخلافة، فطلبها منها وحرص، فأبت أن تدفعَها إليه وغارت منها، ولم تزل في نفس عمر. فلما استُخلف؛ أمرت فاطمة بالجارية، فأُصْلِحَتْ وحُلِّيَتْ، فكانت حديثًا في حسنها وجمالها، ثم دخلت عليه فاطمة، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنتَ سألتَني فلانة، فأبيتُ عليك، والآن فقد طابَتْ نفسي لك بها، فدُونَكَها. فاستبانَت الفرح في وجهه، وقال: أرسلي بها إليَّ. فأرسلت بها، فلمَّا دخلت عليه نظر إلى شيءٍ أعجبَه، فازدادَ بها عَجَبًا وقال لها: ألقي ثوبك. فلما همَّت أن تفعل؛ قال لها: على رِسْلِكِ، أخبريني، لمن كنتِ؟ ومن أين وصلتِ إلى فاطمة؟ قالت: كُنْتُ لعاملٍ من عمال الكوفة، فأغرمه الحجَّاج أمواله واستصعفاه، فأُخذتُ في رقيقه، فبعثَ بي الحجاج إلى عبد الملك مع المال والرقيق، وأنا يومئد صبيَّة، فوهبني عبدُ الملك لابنته فاطمة. قال:

стр. 4731

فما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك. قال: وما ترك ولدًا؟ قالت: بلى. قال: وما حالُهم؟ قالت: سيِّئة. فقال لها: شُدِّي عليك ثوبكِ. ثم كتب إلى عامله عبد الحميد بالكوفة أنْ سَرِّحْ إليَّ فلانَ بنَ فلان على البريد. فسَرَّحه إليه، فلما دخلَ عليه قال له: ارْفَعْ إليَّ جميع ما أغرم الحجاجُ أباك. فلم يرفع شيئًا إلا دفعه إليه، ثم دفع إليه الجارية، وقال: إيَّاك وإيَّاها، فإنها حديثةُ السنِّ (١)، ولعل أباك قد ألمَّ بها. فقال الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. فقال: لا حاجة لي فيها. قال: فابْتَعْها مني. قال: لستُ إذَنْ ممَّن ينهى النفس عن الهوى ويأتيه. فقالت الجارية: فأين مَوْجِدتُك بي يا أمير المؤمنين؟! فقال: إنها لعلى حالها، ولقد ازدادت. فأخذَهَا الغلام ومضى، ولم تزل الجارية في نفس عمر ﵀ حتَّى مات (٢). أنشد العبَّاس بن علي الهاشمي: وإني وصبري عنك والشوقُ نارُهُ … تَوَقَّدُ في الأحشاء أيَّ تَوَقُّدِ لكالحائم المَهْنُوع رُدَّ شرابهُ (٣) … ومصْطبرٍ للقتلِ من كفِّ معتدي وراكبِ هَوْلٍ وهْو يعلمُ ما الَّذي … يجيءُ به في عُقْبِه اليومَ أو غَدِ وهل هو إلا أن أموتَ صَبابةً … وشوقًا ولم يغلب هواك تجلُّدي (٤) ذكر معاتبة بني أمية إيَّاه لما ردَّ المظالم: قال هشام بن محمد: اجتمعَ ببابه أعيانُ بني أمية، ومنهم مَسْلَمة بنُ عبد الملك، ومَسْلَمة بن سعيد بن العاص، فقال مسلمة بنُ سعيد لمسلمة بن عبد الملك: يا أبا سعيد، ما تقول في هذا الأمر الَّذي نحن فيه؟ قال: تلجؤون إلى الصبر إلى أن تنقضيَ

стр. 4732

مدَّةُ هذا الرجل الَّذي بعثه الله عقوبة لكم بذنوبكم. فقال: لقد أجَّلتنا إلى أمد بعيد تفنى دونه أعمارُنا وأموالُنا، قوموا بنا ندخلْ عليه. وأخبره الحاجب بمكانهم. فقال: قد علمتُ الأمر الَّذي اجتمعوا لأجله، أَدخِلْ عليَّ زعيمَهم، فواللهِ لا انصرفوا إلا بما يُسَوِّدُ وجوهَهم. فدخل مسلمة بن سعيد، فسلَّم وجلس، وأخذ يُثني عليه، فقال له: دع هذا، وخُذْ فيما جئتَ له. فقال: إنَّ الأمر قد أفضى بأهل بيتك إلى حال يرثي لهم منه العدوّ. فقال: هيهات! تلك أَثَرَةٌ حملَها المعتدون على كاهل الدين، فأوقروه، واللهِ ما ازدَدْتُ لهم نَظَرًا إلا زاد البلاء عليهم ثقلًا. قال مسلمة: فادفَعْ إلينا صكاك قطائعنا من خلائفنا، فقال عمر ﵁: أذْكَرتَني الطعن، وكنتُ ناسيًا، يا جارية، هاتِ صندوق السجلَّات. فجاءت بصندوق، ففتحَه، وأخرج السجلَّات، فجعل يقطِّعُها سجلًّا سجلًّا. فقال له مسلمة: واللهِ لا نصبرُ على هذا. فقال: بلى واللهِ لتصبرَنَّ غير مكرم في دنيا، ولا مأجور في دين. فقال مسلمة: أراحنا الله منك. فقال له عمر ﵁: لا ضير، هلمَّ يدي بيدك حتَّى نوافيَ الموسم، فأجعلُها للمسلمين يختارون لأنفسهم ما شاؤوا. فقال مسلمة: واللهِ ما يمنعُني ما يسوءني بأهل بيتي أن أقولَ فيك الحق، واللهِ ما يعدلون بها عنك. فقال له: إنَّ للهِ في بني مروان ذَبْحًا، ووَدِدْتُ أنَّه كان على يدي. فلما بلغَ قومَه ذلك؛ كَفُّوا عنه لما يعلمون من صرامته (١). ذكر شيء من كلامه: قال أبو سريع الشامي: زار عمر بن عبد العزيز قبور آبائه، ثم رجع باكيًا، فقيل له: ما الَّذي أبكاك؟ فقال: خاطبني التراب، فقال: ألا تسألني عن ما فعلتُ؟ قال: قلتُ: ما صنعتَ؟ قال: فَصَلْتُ الكفَّين عن الساعدين والقدمين عن الساقين، وفعلتُ وفعلتُ. ثم قال: ألا أدلُّك على ثوب لا يَبْلَى؟ قلت: بلى. قال: التقوى (٢).

стр. 4733

هذا خطاب بلسان العِبْرة والموعظة والحال، لا بلسان الحقيقة والمقال. وقال: قال عمر ﵁ لرجل من جلسائه: يا فلان، لقد أرِقْتُ الليلةَ مفكِّرًا. قال: فيم؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيتَ الميِّتَ في قبره بعد ثلاث لاستوحشتَ منه بعد طُول الأُنس، فإنك ترى الهوامَّ والصديد، مع نتن الريح، وبِلَى الأكفان بعد حُسن الهيئة. ثم شهقَ وغُشيَ عليه، فقالت فاطمة لمولاه مزاحم: أَخْرِجْ هذا الرجل عنَّا. وجعلت تصبُّ الماء على وجهه وتبكي وتقول: ليت حِيلَ بيننا وبين هذا الأمر، فواللهِ ما أصبنا خيرًا منذ وقعنا فيه. فأفاق، فرآها تبكي، فقال: ما الَّذي بكِ؟ فقالت: ذكرتُ مصرعَك بين يدي الله، وفراقَنا لك، فذلك الَّذي أبكاني. فقال: حسبُكِ يا فاطمة، فقد أبلغْتِ. ثم مال فسقط، قالت: فضممتُه إلى صدري وقلت: بأبي أنتَ وأمي، ما نستطيعُ أن نكلِّمك بكلِّ ما نجدُ لك في صدورنا. فلم يزل على حاله حتَّى حضرت الصلاة، فناديتُه، فانتبَهَ فَزِعًا (١). ذكر جماعة من الوافدين عليه من الشعراء وغيرهم: لما استُخلف عمرُ بنُ عبد العزيز ﵁؛ وفدَ عليه الشعراء، فأقاموا ببابه مدَّة لا يصلون إليه، وكانوا جماعة؛ منهم جرير، والفرزدق، وعمرُ بن عبد الله بن أبي ربيعة (٢)، والأخطل، والأحوص، وكُثيِّر عَزَّة، ونُصَيب، وغيرهم. فمرَّ بهم عَوْنُ بنُ عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذَليّ، فناداه جرير فقال: يا أيُّها الرجلُ المُرْخِي عِمَامَتَهُ … هذا زمانُك إني قد مضى زمني أَبْلِغْ خليفتَنا إنْ كنتَ لاقِيَهُ … أنِّي لَدَى البابِ كالمصفود في قَرَنِ لا تنسَ حاجتَنا لَقِيتَ مغفرةً … قد طال مُكْثِيَ عن أهلي وعن وطني قال كُثَيِّر (٣): قدمتُ أنا والأحوص ونُصَيب على عمر، وكلُّ واحدٍ منَّا يُدِلُّ بسابقته عندَه، فكان أوَّلَ مَنْ لقِينا مَسْلَمةُ بنُ عبد الملك، وهو يومئذ فتى العرب، وكلٌّ منَّا ينظر في عِطْفَيه، لا يظنُّ أنَّه شريكُ الخليفة، فأنزَلَنا مسلمةُ عنده، وأحسنَ ضيافتنا، وأكرمَ

стр. 4734

مثوانا، ثم قال: أما علمتُم أنَّ إمامَكم لا يُعطي الشعراء شيئًا؟ فقلنا: قد جئنا الآن، فافتح لنا في هذا وجهًا. فأقمنا ببابه أربعة أشهر، ومسلمةُ يستأذن لنا، ولا يأذن. قال: فأتيتُ يومَ جمعة وعمر يخطب، فقال في خطبته: لكلِّ سفرٍ زادٌ لا مَحالة، فتزوَّدُوا من الدنيا إلى الآخرة، وكُونوا كمن عاينَ ما أعدَّ اللهُ [له] من ثوابه وعقابه، فعملَ طلبًا لهذا وخوفًا من هذا، ولا يطولَنَّ عليكم الأمَدُ فتقسُوَ قلوبُكم، وتنقادُوا لعدوِّكم، أعوذُ بالله أن آمرَكم بما أنهى عنه نفسي، فتخسرَ سَفْقَتي (١)، فارتجَّ المسجدُ بالبكاء، وبكى عمر حتَّى بلَّ ثوبَه. قال كُثَيِّر: فجئتُ إلى أصحابي وقلتُ: جدِّدُوا له من الشِّعر عْيرَ ما أعدَدْتُم، فليس الرجل بدنياوي. قال كُثَيِّر: ثم استأذنَ لنا مسلمةُ وقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك منذ مدَّة (٢)، وإن سهامَهم مسمومة، وقد مُدح رسولُ الله ﷺ بالشِّعر، وأجاز عليه، فأعطى كعبَ بنَ زهير حُلَّة، وأعطى العبَّاس بن مِرْداس ما قطعَ به لسانَه. فقال عمر: مَنْ بالباب منهم؟ فقال: عمر بنُ عبد الله بن أبي ربيعة. فقال: أليس هو القائل: ثم نَبَّهتُها فهَبَّتْ كَعابًا … طَفْلَةً ما تُبينُ رَجْعَ الكلامِ ساعةً ثم إنَّها بعدُ قالتْ … ويلَتَا قد عَجِلْتَ يا ابنَ الكرامِ أعلى غير موعدٍ جئتَ تسعى … تتخطَّى إليَّ رُوسَ النِّيامِ فلو كان عدوُّ الله إذ فَجَر؛ سترَ على نفسه لكان، واللهِ لا دخلَ عليَّ أبدًا. ثم قال: مَنْ بالباب غيرُه؟ قال: هُمام بن غالب -يعني الفرزدق- فقال: أليس هو القائل: هما دَلَّتاني من ثمانين قامةً … كما انقضَّ بازٍ أقتَمُ الريشِ كاسرُهْ فلما استَوَتْ رِجْلايَ بالأرض قالتا … أحيٌّ فيُرْجى أم قتيل نُحاذرُهْ

стр. 4735

لا والله، لا وطئَ لي بساطًا أبدًا. مَنْ بالباب غيره؟ قال: الأخطل. قال: أليس هو القائل: ولستُ بصائمٍ رمضانَ طَوْعًا … ولستُ بآكلٍ لحم الأضاحي ولستُ بزائرٍ بيتًا بعيدًا … بمكةَ أبتغي فيه صلاحي ولستُ بقائمٍ كالعيرِ أدعو … قُبيلَ الصُّبح حيَّ على الفلاحِ ولكنِّي سأشربُها شَمولًا … وأسكَرُ عند مُنْبَلَجِ الصباحِ واللهِ لا يدخلُ عليَّ وهو كافر أبدًا. ثم قال: مَنْ بالباب غيره؟ قال: الأحوص. قال: أليس هو القائل: اللهُ بيني وبين سيِّدها … يَفِرُّ منِّي بها وأتَّبعُهْ لا يدخل عليَّ. ثم قال: مَنْ بالباب غيره؟ قال: جميل بن معمر. قال: أليس هو القائل: أيا ليتنا نحيا جميعًا وإنْ أمُتْ … يوافقُ في (١) الموتى ضريحي ضريحُها فما أنا في طُول الحياة براغبٍ … إذا قيل قد سُوِّي عليها صفيحُها فلو كان عدوُّ الله تمنَّى لقاها في الدنيا لعل يعملُ بعدَها صالحًا لكان، واللهِ لا يدخلُ عليَّ أبدًا. ثم قال: مَن بالباب غيره؟ قال: جرير بن عطيَّة. قال: أليس هو القائل: طرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ فليس ذا … وقتُ الزيارة فارْجِعي بسلامِ إن كان ولا بدَّ فليدخُلْ هو. فدخل جرير وهو يقول: إن الَّذي بعثَ النبيَّ محمدًا … جعلَ الخِلافةَ في الإمامِ العادلِ وسعَ الخلائقَ عدلُه ووفاؤُهُ … حتَّى ارْعَوَى وأقامَ مَيلَ المائلِ ولقد منعتَ بما صنعتَ (٢) تحرُّجًا … مَكْسَ العشورِ على جسور الساحلِ إني لآمُلُ منك خيرًا عاجلًا … والنفسُ مُولَعةٌ بحبِّ العاجلِ

стр. 4736

واللهُ أنزلَ في الكتابِ فريضةً … لابنِ السبيلِ وللفقيرِ العائلِ ثم وقف بين يديه، فقال له عمر ﵁: يا جرير، اتَقِ الله، ولا تَقُلْ إلا حقًّا. فقال: أَأَذْكُرُ الجَهْدَ والبلوى التي شملَتْ … أم أكتفي بالذي أُنبئتَ من خَبَرِي كم باليمامة من شعثاءَ أرملةٍ … ومن يتيمٍ ضعيفِ الصوتِ والبصرِ فمَن يُرَجَّى له من بعدِ والدِه (١) … كالفرخ في العُشِّ لم ينهض ولم يَطِرِ فبكى عمر بن عبد العزيز حتَّى بل الأرض بدموعه. ثم قال جرير: يدعوك دعوةَ ملهوفٍ كأنَّ به … خَبْلًا من الخوفِ أو شيئًا من الشَّررِ (٢) ما زِلْتُ بعدَك في هَمٍّ يؤرِّقُني … قد طال في الحيِّ (٣) إصعادي ومنحدري الخيرُ ما دُمْتَ حيًّا لا يفارقُنا … بُوركتَ يا عُمرَ الخيراتِ من عُمرِ زاقَ (٤) الخلافةَ إذْ كانَتْ له قَدَرًا … كما أَتَى ربَّه موسى على قَدَرِ هذي الأراملُ قد قَضَيتَ حاجتَها … فمن لحاجةِ هذا الأرملِ الذكَرِ فقال له عمر: يا جرير، إني لا أرى لك حقًّا ها هنا، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] فمن أيّ الأصناف أنت؟ قال: أنا ابنُ سبيلٍ منقَطَعٌ به. قال: أولستَ ضيفَ أبي سعيد (٥)؟ يعني مسلمة. قال: بلى. قال: ما كُنْتُ أحسب أن ضيفَه يكون منقَطَعًا به، وما أرى لك حقًّا. قال: يا أمير المؤمنين إني فقير. قال: لا من أبناء المهاجرين، ولا من أولاد الأنصار، ولا من أولاد التابعين. فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين، قد عوَّده الخلائف الإحسان، وإنَّ مثل لسانه ليُتَّقى. قال: يا جرير، عندي عشرون دينارًا، وأربعة أثواب. فدفعها إليه، فلما خرج قال له الشعراء: ما وراءَك؟ قال: إمام يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء (٦).

стр. 4737

ثم قال عمر: مَنْ بالباب؟ قال مسلمة: كُثيِّر. قال: فليدخل. فلما دخل سلَّم عليه بالخلافة وقال: يا أمير المؤمنين طال الثَّواء، وقلَّت الفائدة (١)، وتحدَّثت وفودُ العربِ بجفائك إيَّانا. فقال له عمر ﵁: يا كُثيِّر، اتَّقِ الله، ولا تقلْ إلا حقًّا. فقال: وَلِيتَ فلم تَشْتُمْ عليًّا ولم تُخِفْ … بريئًا ولم تسمع مقالةَ مجرمِ تكلَّمتَ بالحقِّ المبين وإنَّما … تَبَيَّنُ آياتُ الهدى بالتكلُّمِ وقلتَ فصَدَّقْتَ الَّذي قلتَ بالذي … فعلتَ فأمسى رايشًا كلُّ مسلمِ ألا إنَّما يكفي الفتى بعد بُرْهَةٍ … من الأَمَدِ الباقي ثِقافُ المُقَوِّمِ وقد لَبِسَتْ لُبْسَ الملوك بِبابِها … وأبدَتْ لك الدُّنيا (٢) بكفٍّ ومِعْصَمِ وتُومِضُ أحيانًا بعينٍ مريضةٍ … وتَبْسِمُ عن مثلِ الجُمانِ المُنَظَّمِ فأعرضْتَ عنها مشمئزًّا كأنَّما … سقَتْكَ مَدُوفًا (٣) من سِمامٍ وعلقمِ فما زِلْتَ سَبَّاقًا (٤) إلى كلِّ غايةٍ … صعدت بها أعلى البناء بسلَّمِ (٥) تركتَ الَّذي يفنى وإنْ كان مُونِقًا … وآثرتَ ما يبقى برأيٍ مصمِّمِ فما بينَ شرقِ الأرضِ والغربِ كلِّها … منادٍ ينادي من فصيحٍ وأعجمِ يقولُ أميرَ المؤمنين ظلمتَني … بأخذٍ لدينارٍ ولا أخْذِ درهمِ فلو يستطيع المسلمون لقسَّموا (٦) … لك الشطر من أعمارهم غير نُدَّمِ فعشتَ لنا ما حجَّ للهِ راكبٌ … مُغِذٌّ مُطيفٌ بالمقام وزَمْزَمِ فأرْبِحْ بها من صفقةٍ لمبايعٍ … وأعْظِمْ بها أعْظِم بها ثم أعْظِمِ ثم قال: مَنْ بالباب؟ فقال: الأحوص. فأَذِنَ له، فدخل فقال (٧):

стр. 4738

وما الشعرُ إلا خطبةٌ من مؤلِّفٍ … لمنطقِ حقٍّ أو لمنطق باطلِ (١) فلا تقبلَنْ إلا الَّذي وافق الرِّضى … ولا تَرْجِعَنَّا كالنساء الأراملِ ولولا الَّذي قد عَوَّدَتْنَا خلائفٌ … غطاريفُ كانوا كالليوث البواسلِ (٢) لَمَا وَخَدَتْ شهرًا بِرَحْليَ جَسْرةٌ (٣) … تَقُلُّ متونَ البِيدِ بينَ الرَّواحلِ ولكنْ رَجَوْنا منك مثلَ الَّذي به … صُرِفْنا قديمًا من ذَويك الأفاضلِ رأيناك لم تَعْدِلْ عن الحقِّ يَمْنَةً … ولا يَسْرَةً فِعْلَ الظَّلُومِ المُخاتِلِ ولكن أخذتَ القصدَ جَهْدَك كلَّه … تقومُ مقامَ (٤) الصالحين الأوائلِ فإن لم يكن للشعر عندك موضعٌ … وإن كان مثلَ الدُّرِّ من قول قائلِ فإنَّ لنا قربى ومحضَ مَودَّةٍ … وميراثَ آباءٍ مَشَوْا بالمَناصلِ وذادُوا عدوَّ السِّلْمِ عن عُقْرِ دارِهم … فأرْسَوْا عمودَ الدينِ بعد التمايلِ فقبلَكَ ما أعطى الهُنَيدةَ جِلَّةً (٥) … على الشعر كعبًا (٦) من سَدِيس وبازلِ (٧) رسولُ الإلهِ المصطفى بنبوَّةٍ … عليه سلامٌ بالضُّحى والأصائلِ وكلُّ الَّذي عَدَّدْتُ (٨) يكفيك بعضُهُ … وقُلُّكَ (٩) خَيرٌ من بُحورِ السوائل (١٠) فقال له عمر ﵁: إنَّ اللهَ يسألُك عمَّا قلتَ.

стр. 4739

ودخل عليه نُصَيب، وكنيتُه أبو مِحْجَن، وهو مولى عبد العزيز بن مروان، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ انقطاعي إلى أبيك. ثم استأذنَه في الإنشاد، فلم يأذن، فغضب، فأمره باللحاق بدابِق (١) للغزو، ثم قال لمولاه مُزاحم: ما عندك؟ ما غلَّتي بالحجاز؟ قال: خمسون درهمًا. قال: ادفَعْها إليه. فقال نُصيب: إني قد علفتُ دابَّتي بأكثرَ من هذا! فقال: أعْطِهِ ثيابَ الجُمعة. فأعطاه إيَّاها (٢). قال الهيثم: ولما أنشد الشعراء، قال لهم: واللهِ ما عندي ما أُعطيكم، فانتظِرُوا عطائي. فلما خرج؛ أعطى كل واحد منهم ثلاث مئة درهم، وأمر لنُصيب بمئة وخمسين. قال الأحوص: فواللهِ ما رأيتُ عطاءً أكثر بركةً منها. فاشتريتُ بها وصيفةً، فبعتُها بألف دينار (٣). وقال دُكين الشاعر: مدحتُ عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فامر لي بخمس عشرة ناقةً كرائمَ، فقَدِمَتْ رُفْقَةٌ من مصر، فسألتُهم الصحبة، فأتيتُه فودَّعتُه، فقال: يا دُكين، إنَّ لي نفسًا توَّاقة، فإنْ صِرْتُ إلى غير ما أنا فيه فائْتنِي ولك الإحسان. قال: وكان عنده شيخان لا أعرفُهما، فقلت لأحدهما: مَنْ أنتَ؟ قال: سالم بن عبد الله بن عُمر، وقال الآخر: أنا أبو يحيى مولى الأمير. قال: وخرجتُ إلى مصر بالنُّوق، فجعل الله فيهنَّ البركة حتَّى اقتنيتُ منهنَّ الإبل والعبيد. فأنا ذات يوم بصحراء بَلْخ (٤)؛ إذا بِناعٍ يَنْعَى سليمان بن عبد الملك، فقلت: ومَنْ قام بعدَه؟ قالوا: عُمر. فتوجَّهتُ نحوه، فلقِيَني جرير الشاعر مقبلًا، فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من عند من يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، فانطلقت إلى خُناصرة (٥)، وإذا به في عرصة الدار، وقد أحاط به الناس، فلم أخلص إليه، فناديت:

стр. 4740

يا عُمر الخيراتِ والمكارمِ … وعُمرَ الدَّسائعِ (١) العظائمِ إني امرؤٌ من قَطَن بنِ دارمِ … أطلبُ دَيني من أخي مَكارِمِ شهادتي واللهُ خيرُ عالمِ … عند أبي يحيى وعند سالمِ فقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدويّ عندي شهادةٌ. فقال عُمر: أعرفُها. ثم قال: يا دُكين، ادْنُ منِّي. فدنوتُ منه فقال: أنا كما قلتُ لك، لي نفسٌ توَّاقة لم تزل تتوق إلى الإمارة حتَّى نلتُها، فتاقَت إلى غاية ما في الدنيا، وهي الخلافة، وها هي تتوق إلى الآخرة. ثم قال: والله ما رزأتُ من أموال المسلمين شيئًا، وما عندي إلا هذه الألف درهم، فخُذْها. فأخذتُها، فبارك الله لي فيها. وأنشد عمر ﵁ يومًا قول الأحوص: سيبقى لها في مضمر القلب والحَشَا (٢) فقال: قاتله الله ما أغفله عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. ونفى الفرزدق من مسجد رسول الله ﷺ وقال: أيُنْشِدُ الهجوَ بحضرة رسول ﷺ الله؟! وقال أبو سريع الشامي: قدم وفد من أهل العراق لما استخلف عمر وفيهم غلام فتكلَّم، فقال عمر: الكبيرَ الكبيرَ. فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمرُ بالكِبَر؛ لكان في هذه الأمة من هو أكبر سنًّا منك، وإنَّما المرءُ بأصغَرَيهِ قلبِه ولسانِه. قال: صدقت، تكلَّم. قال: نحن وفدُ الشكر، لا وفدُ الرَّهبة والرغبة، أما الرغبة فقد أتَتْ إلينا منك في بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنَّا بعَدْلِك من جَوْرك، فالحمد لله الَّذي منَ علينا بك. فقال عمر: يا غلام، عِظْني وأوْجِزْ. فقال: إن أناسًا غرَّهم حلمُ الله عنهم، وحُسنُ الثناء عليهم، وطولُ آمالهم، فلا يغرَّنَّك ذلك فتزلَّ قدمُك (٣).

стр. 4741

وأنشد عمر: تَعلَّمْ فليسَ المرءُ يُولَدُ عالمًا … وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ وإن كبيرَ القومِ لا عِلْمَ عندَهُ … صغيرٌ (١) إذا التفَّتْ عليه المحافلُ (٢) وقال: وفد خالد بن صفوان بن الأهتم على عمر ﵁، فقال: يا ابنَ الأهتم، عِظْني وأَوجِزْ. وبيان عمر على سرير، فقال خالد: إن أقوامًا غرَّهم سترُ الله عليهم، وفتنَهم حسنُ الثناء، فلا يغلبنَّ جهلُ غيرك بك علمَك بنفسك، وإنه ليس أحدٌ من آبائك دون آدم إلا وقد ذاق الموت. فجعل عمر يبكي وابن الأهتم يعظُه، فنزل عمر من سريره، وجلس على الأرض بين يديه وابن الأهتم يقول: وأنت يا عُمر من أولاد الملوك الذين غُذُوا بالنعيم لا يعرفون غيره، وعمر يبكي وقد جثا على ركبتيه وهو يقول: يا ابنَ الأهتم، هيه هيه. فلم يزل يعظه حتَّى غُشِيَ عليه (٣). وقال: قدم أبو حازم المدني على عمر بن عبد العزيز ﵁، فلم يعرفه، وعرفَه عُمر، فناداه: يا أبا حازم، ادْنُ منّي. قال أبو حازم: فدنوتُ منه، فقال: ما أراك تعرفني؟! فقلت: بلى، أنت أمير المؤمنين. قال: أجل. فقلت: ألم تكن عندنا أميرَ المدينة؟! قال: بلى. قلت: كان مركبُك وَطِيًّا، وثوبُك نقيًّا، ووجهُك بهيًّا، وطعامُك شهيًّا، وقصرك مَشِيدًا، وخدمُك كثيرًا؟! فما الَّذي غيَّرَّك وقد صرتَ أمير المؤمنين؟! [قال:] فبكى وقال: يا أبا حازم، فكيف لو رأيتَني في قبري بعد ثلاث وقد سألَتْ حدقتاي على وجنتيّ، وجفَّ لساني، وانشقَّ بطني، وجالت الديدان في جسدي لكنت أشدَّ إنكارًا! أعِدْ عليَّ الحديث الَّذي حدثتني عن أبي هريرة بالمدينة. فقلت: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين أيديكم عَقَبةً كؤودًا مضرَّسة، لا يجوزُها إلا كلُّ ضامر مهزول" [قال] فبكى طويلًا، ثم قال: أما ينبغي لي أن أُضَمِّرَ نفسي لتلك العقبة لعلِّي أنجو منها، وما أظنني بناجٍ.

стр. 4742

ثم غفا وتصبَّبَ عرقًا، وبكى في نومه بكاءً طويلًا حتَّى علا نحيبُه، ثم تبسَّم واستيقظ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا البكاء والتبسُّم؟! فقال: إني أغفَيتُ، فرأيتُ في منامي كأنَّ القيامةَ قد قامت والناس مئة وعشرون صفًّا، أمَّةُ محمد ﷺ منها ثمانون صفًّا ينتظرون الحساب، وإذا بمنادٍ ينادي: أين ابنُ أبي قُحافة؟ فجيء به، فحُوسب حسابًا يسيرًا، ثم أُمر به إلى ذات اليمين، ثم جيء بعمر وعثمان وعلي، ففُعل بهم كذلك، ثم نودي: أين عُمر بن عبد العزيز؛ فجيء بي، فُحوسبتُ على القليل والكثير والفتيل والنقير، وغُفر لي وأُمر بي ذات اليمين، فبكَيتُ خوفًا، وتبسَّمتُ فرحًا، ومررتُ في طريقي بجيفة؛ فحركتُها برجلي وقلت: من أنت؟ فقال: الحجَّاج بنُ يوسف الثقفيّ. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: قدمتُ عليه، فقتلني بكل قَتْلةٍ قتلتُ قَتْلَةً، وبقتلة سعيد بنِ جُبير سبعين قتلةً، فمن أنت؟ قلت: عمر بن عبد العزيز. قال: فما فعل الله بك؟ قلت: غُفر لي وللخلفاء الأربعة. قال: فالباقون؟ قلت: لا علم لي بهم. ثم قلت: ما تنتظر أنت ها هنا؟ قال: أنتظرُ ما ينتظر الموحِّدون، إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النار. قال أبو حازم: فعاهدتُ الله أن لا أقطعَ لأحدٍ من أهل القبلة بجنَّةٍ ولا نار (١). قال عمر لأبي حازم: ارفَعْ إليَّ حوائجَك. فقال: قد رفعتُها إلى من لا تُختزَلُ الحوائج دونه، فما أتاني منها قنعتُ، وما منعني منها رضيتُ، وإني نظرت في هذا الأمر فإذا هو شيئان؛ أحدهما لي، والآخر لغيري، فأمَّا ما كان لي فلو احتلتُ بكلّ حيلة ما وصلتُ إليه قبل أوانه الَّذي قدِّر لي، وأمَّا الَّذي لغيري فلا أطمع فيه، وكما مُنع غيري من رزقي؛ فكذا مُنعتُ من رزق غيري، فعلام أُتعبُ نفسي (٢)؟!

стр. 4743

وقال سابق البربري: وفد يزيد بن أبان الرَّقاشي على عمر فقال له عمر: عِظْني. فقال: ليس بين الجنِّة والنار منزل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] فبكى عمر حتَّى سقط (١). ويزيد الرَّقاشي من الطبقة الثالثة من التابعين، من أهل البصرة، كان قد صام ستين سنة، حتَّى ذبل جسمُه، وتغيَّر لونُه، وكان يبكي طول الليل ويقول: يا إخوتاه، تعالوْا نبكي أيام الدنيا، وكان قد عطَّشَ نفسه ستين سنة، وكان لا يفطر إلا خمسة أيام (٢)، ويقول: سبقني العابدون، وقُطع بي. وكان يتقلَّبُ على الرَّمل في اليوم الحارّ ويقول: يا يزيد من يصوم عنك بعد الموت؟ من يصلِّي عنك؟ من يسترضي ربَّك لك؟ ثم بكى حتَّى سقطت أشفارُ عينيه. وكان يقول: إلهي إن كنتَ أذنتَ لأحدٍ من المحبِّين أن يصلِّيَ ويصوم في قبره، فأْذَنْ لي. وقال ثابت البُناني: ما رأيتُ أحدًا أصبرَ على طول القيام والسهر من يزيد، وكان يقول في قصصه: يا معاشر مَن القبرُ بيتُه، والموتُ موعدُه، ألا تبكون؟! وقيل له: أما تسأم من البكاء؟! فقال: وَدِدْتُ أن أبكيَ بعد الدموع دمًا، ثم الصديد، يا إخوتي، إن لم تبكُوا؛ فارحموا الباكي. وكان ينشد: إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيام نقطعُها … وكلُّ يومٍ مضى يُدني من الأَجَلِ (٣) حدَّث عن أنس، والحسن البصريّ.

стр. 4744

وروى عنه الحسن أيضًا، وقتادة، وأبو الزِّناد، والأعمش، وحمَّاد بن سَلَمة، والرَّبيع بن صَبِيح، والأوزاعي، وغيرُهم. وقد تكلَّموا فيه، فقال ابن سَعْد: كان قَدَريًّا ضعيفًا. وقال الإمام أحمد بنُ حنبل ﵁ والبخاري: كان شعبة يتكلَّم فيه. وقال أبو أحمد بن عديّ: ليزيد الرَّقاشي أحاديث صالحةٌ عن أنس وغيره، وأرجو أنَّه لابأس به لرواية الثقات عنه من البصريين والكوفيين وغيرهم. وذكره الشيخ جمال الدين ابن الجوزيّ في "الصفوة" وأثنى عليه، وقال: شغله التعبُّد عن حفظ الحديث، فأعرضَت النَّقَلَةُ عمَّا يروي (١). ذكر مكاتبات عمر ﵁ إلى العلماء ومكاتباتهم إليه: قال أبو عبيد: كتب الحسن البصريّ إلى عمر: أما بعد، فإنَّ الهولَ الأعظم ومُفْظِعاتِ الأمور أمامَك لم تقطع منها شيئًا بعد، وإنه لا بدَّ لك من مشاهدة ذلك ومعاينته؛ إمَّا بالسلامة، وإمَّا بالعَطَب. والسلام (٢). وقال رجاء بن حَيْوة: لما وليَ عمر ﵁ الخلافة كتب إلى الحسن أن يكتبَ إليه بصفات الإمام العادل، فكتب إليه الحسن: أما بعد؛ فإن الله جعلَ الإمامَ العادل قِوَامَ كلِّ مائل، وقَصْدَ كلِّ جائر، وصلاحَ كلِّ فاسد، وقرَّة عين كلِّ ضعيف (٣)، ومَفْزَعَ كلِّ ملهوف، والإمام العادل كالراعي الشفيق الَّذي يرتادُ لغنمه أطيبَ المراعي، ويذودُها عن مَراتع الهَلَكَة، والإمام العادل كالوالد الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا، ويعلِّمهم كبارًا، يكسبُ لهم في حال حياته، ويدَّخرُ لهم بعد وفاته، والإمام العادل كالأمِّ البَرَّة الشفيقة على ولدها، والإمامُ العادل وصيُّ اليتامى، وخازنُ المساكين، يُربِّي صغيرَهم، وَيمُون كبيرَهم، والإمامُ العادل كالقلب بين الجوارح، تَصلح بصلاحه، وتفسدُ بفساده؛ فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك اللهُ كعبدٍ ائتمنه سيِّدُه

стр. 4745

واستحفظَه في ماله وعيالهِ فبدَّد المال، وشَرَّدَ العِيال، وأفقر أهلَه، وضَيَّع ماله، واعلم أنَّ الله أنزلَ الحدود ليزجر بها عن الفواحش، فكيف إذا أتاها مَنْ وَليَها؟! واللهُ أنزلَ القَصاصَ حياةً لعباده، فكيفَ إذا قتلهم من يقتصُّ لهم؟! واعلم أن لك منزلًا غير منزلك الَّذي أنت فيه يطولُ فيه ثواؤُك، ويُفارقُك أحبَّاؤك، ويُسلمونك في قعره فردًا وحيدًا، تُقيم فيه إلى أن يُنفَخَ في الصُّور، ويُبعثرَ ما في القبور، ويُتحصَّلَ ما في الصدور، ثم تقوم إلى كتاب لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (١) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] وأنت الآن في المَهَل، فلا تحكم قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل في عباد الله بحكم الجاهلين (٢)، ولا تسلك سبيل الظالمين المتكبِّرين المتجبِّرين، فتبوءَ بأوزارهم مع أوزارك، وتحملَ أثقالًا مع أثقالك، ولا يغرَّنَّك الذين يتنعَّمون بما فيه بُؤْسُك، ويأكلون الطيباتِ في دنياهم بإذهاب طيِّباتِك في آخرتك، ولا تنظر على قدرك (٣) اليوم، وانظر إليه غدًا وأنت مأسورٌ في حبائل الجبروت (٤)، واقفٌ بين يدي الله تعالى في مجمع الخلائق، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]. فاجعل كتابي هذا منك بمنزلة الطبيب الَّذي يشفي المريض بالأدوية الكريهة لما يرجو (٥) له من العافية الشافية، فإني لم آلُ نُصحًا، ولا ادَّخَرْتُ وُسْعًا، والسلام. كتاب آخر منه: قال رجاء بن حَيْوة: كتبَ الحسنُ إلى عُمر: أما بعد، فإنَّ الدنيا دارُ ظَعْن، وليست بدارِ إقامة، وإنما أُخرجَ إليها آدمُ عقوبةً له، ولها في كل حين صَرْعَة (٦)، تُهين مَنْ

стр. 4746

أكرمَها، وتُذلُّ مَنْ أعزَّها، وتصرعُ مَنْ آثرَها، ولها في كل وقت قتلى، فهي كالسُّمِّ؛ يأكلُه من لا يعرفُه وفيه حتفُه، فالغِنَى فيها فقرُها، والزادُ منها تركُها، فكن فيها كالمُداوي جُرحَه، يصبرُ على مرِّ الدواء مخافةَ طولِ البلاء، يحتمي قليلًا مخافةَ ما يكرهُ طويلًا، فأهلُ الفضل منطقُهم فيها بالصواب، ومشيُهم بالتواضع، ومَطْعَمُهم الطَّيِّبُ من الرزق، مغمضي أبصارهم عن المحارم، فلولا الآجال التي كُتبت لهم ما تقارَّت أرواحُهم في أجسادهم خوفًا من العقاب، وشوقًا إلى الثواب، عَظمَ الخالقُ في نفوسهم، فصَغُرَ المخلوقُ في عيونهم، فإيَّاك وهذه الخادعةَ القاتلةَ التي قد تزيَّنتْ بخَدْعِها، وقتلتْ بغرورها، وخَدَعت بآمالها، فأصبحت كالعروس المجلوَّة، فالعيونُ إليها ناظرة، والقلوبُ عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة، فلا الباقي بالماضي يعتبر، ولا الآخِرُ بما رأى من أفعالها مزْدَجِر، قد أبتِ القلوبُ لها إلا حُبًّا، والنفوس لها إلا عشقًا، ومن عشق شيئًا لم يلهم غيره ولم يعقل سواه، فإيَّاك وإيَّاها، واحذرها كل الحَذَر. وذكر كلامًا طويلًا (١). وكتب إليه أبو حازم: احذَرْ أن تلقَى محمدًا ﷺ وأنتَ بتبليغ الرسالة مصدِّق، وهو عليك بسوء الخلافة شهيد. وكتب عمر ﵁ إلى عديِّ بن أرطاة عامله على البصرة في عزل من كان من العمَّال من أهل الذِّمَّة، وأن لا يستعين بهم (٢). وقال في كتابه: إنه يجب على المسلمين أن يضعوا من أهل الشرك ما وضعَ اللهُ منهم، وأن يُنزلوهم منزلتَهمْ التي أنزلَهم اللهُ بها من الذُّلِّ والصَّغار، ولا يشركوهم في أماناتهم، ولا يُسَلِّطوهم (٣) على أهل الإسلام فيُذلُّونهم. وكتب عمر ﵁ إلى سليمان بن أبي كريمة، وكان غازيًا: إن أحقَّ العباد بإجلال الله وخشيته مَن ابتلاه بمثل ما ابتلاني [به]، ولا أحدَ أشدُّ حسابًا ولا أهونُ على الله [إن عصاه] مني حيث ابتلاني، فادْعُ اللهَ لي، فإنك في معرض خير وإجابة (٤).

стр. 4747

وكتب إلى عديِّ بن أرطاة: لا تَسِرْ في الناس بسيرة الحجَّاج، فإلْه كان بلاءً وافقَ من قومٍ خطايا (١). ولقد كان خراج العراق مئة ألف ألف درهم، فما زال ظلمه وسفكُه للدماء حتَّى صار خمسة وعشرين ألف ألف درهم (٢). وكتب إليه والي بلدة أنَّ سُورَها قد انهدم، ويحتاجُ إلى مَرَمَّة، فكتب إليه عمر ﵁: نَقِّ طُرُقَها من الظلم، وحَصِّنْها بالعدل، فذاك مَرَمَّتُها (٣). وكتب محمد بن كعب القُرَظيّ إلى عمر ﵁ يعظُه، فكتب إليه عمر ﵁ يشكره ويقول: أمَّا بعد، فقد بلغني كتابُك تعظني فيه وتذكِّرني بما هو حظٌّ لي وحقٌّ عليك، وقد أصبتَ بذلك أفضلَ الأجر، إن الموعظة كالصدقة، بل هي أعظمُ أجرًا، وأبقى نفعًا، وأحسنُ ذكرًا، وأوجبُ على المؤمن حقًّا، كلمةٌ يعظُ بها أخاه (٤) ليزداد بها هدًى هي خيرٌ من مال يُتَصَدَّقُ به عليه؛ وإن كان به حاجةٌ إليه، فكن كالطبيب العالم المجرِّب الَّذي يعلم إذا وضع الدواء أين يضعُه .. في كلام طويل (٥). وكتب إلى والٍ: أمَّا بعد، فإذا قدرتَ على عقوبة العباد، فاذْكُرْ قدرةَ الله عليك، واعفُ ما لم تكن العقوبة مفسدةً في الدِّين، فإنك بالله تَعِزُّ، وإليه ترجع (٦). وبلغه عن جند له شيء، فكتب إليهم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] (٧). وقال الفُضيل بن عياض في موعظته للرشيد: بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شُكِيَ إليه، فكتبَ إليه عمر: أمَّا بعد، فإني أُذَكِّرُك طُولَ سهر أهلِ النار مع خُلودِ الأبد، وإيَّاك أن يُنْصَرَفَ بك غدًا من بين يدي الله تعالى (٨) فيكون آخرَ العهد بك، وانقطاعَ الرجاء منك،

стр. 4748

والسلام. فلما قرأ عامله الكتاب؛ طوى البلاد حتَّى قدم عليه، فقال له: ما الَّذي أقدمك؛! قال: قطعتَ قلبي بكتابك، واللهِ لا عُدْتُ إلى ولاية أبدًا. فبكى هارون (١). وقال رجاء بن حَيوَة: ولَّى عمر ﵁ رجلًا دميمًا قصيرًا على الصدقات، فعدل وأحسن، فكتب إليه عمر ﵁: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيرًا﴾ [هود: ٣١] (٢). وبلغه عن عمال له شيء فكتب إليهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (٣). وكتب على قصة مظلوم: إن لم أُنصفك؛ فأنا الظالمُ لك (٤). وكَتب إليه عبد الحميد عامله على الكوفة يشكو سوء طاعة أهل الكوفة، فكتب إليه عمر: لا تطلبنَّ طاعةَ مَنْ خذلَ عليًّا وكان إمامًا مرضيًّا (٥). وكَتب إليه في عمال خانوا، فكتب: لأنْ يَلْقَوُا (٦) الله بخياناتهم أحبُّ إليَّ من ألقاه بدمائهم. وكَتب إلى عماله: لا تتعرَّضوا للكلأ في الجزائر وغيرها، فإنما هو شيءٌ أنبته الله، فليس أحدٌ (٧) أحقَّ به من أحد. وكتب إليه محمد بن كعب القُرَظي: اجعل كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطَهم أخًا، وأصغرَهم ولدًا، فوقِّرْ أباك، واحترم أخاك، وتحنَّنْ على ولدك (٨).

стр. 4749

ذكر محبته ﵁ لأهل البيت ﵈: وفدَ رُزَيق المدنيُّ مولى عليّ ﵇ على عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني تعلَّمتُ القرآنَ والفرائضَ والسنن، وليس لي ديوان، فقال له عمر ﵁: من أيِّ الناس أنت؟ فقال: من موالي بني هاشم. فقال: مولى مَنْ منهم؟ قال: مولى رجل من المسلمين، وكان عليٌّ رضوان الله عليه لا يُذكر بين يدي أحد من بني أمية. فقال عمر: أسألُك مولى مَن أنت وتُكاتمُني؟! فقال: أنا مولى عليِّ بنِ أبي طالب. فبكى عمر بن عبد العزيز حتَّى وقعت دموعُه على الأرض وقال: وأنا مولى عليِّ بن أبي طالب، حدَّثَني سعيدُ بن المسيِّب عن سعد بن أبي وقاص أنَّ النبي ﷺ قال لعلي: "أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى". ثم قال: يا مزاحم، كم نُعطي أمثاله؟ قال: مئة درهم. قال: أعطه من مالي خمسين دينارًا لولائه لعلي. ثم قال له: اذهب إلى بلدك، فسيأتيك العطاء أسوةَ أمثالِك (١). وروى الحافظ ابن عساكر أن عمر ﵁ لمَّا وليَ الخلافة استوفد محمد بنَ علي الباقر، فأقام عنده، فكان يستشيرُه، ويصدرُ عن روايته (٢)، فلما أراد محمد أن يرجع إلى المدينة مشى عمر إليه، وجلس بين يديه، وقضى حوائجَه (٣). وكان عمر ﵁ يقول: لو كُنْتُ في قَتَلَةِ (٤) الحسين، وقيل لي يوم القيامة: ادخل الجنَّة؛ لم أدخل مخافةَ أن يراني رسولُ الله ﷺ ، فأستحي منه. وقال الشعبي: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن حزم والي المدينة أن فرِّق في آل أبي طالب عشرة آلاف دينار. فكتب إليه: في أيِّ ولده أُفرِّق؟ فكتبَ إليه

стр. 4750

عمر: لو كتبتُ إليك في شاة تذبحها؛ لكتبتَ: أسوداء أم بيضاء؟ فرِّقْ في ولد عليٍّ من فاطمة عشرة آلاف دينار فطالما تَعَدَّتْهم حقوقُهم. ودخل زين العابدين على عمر ﵁ وهو والي المدينة، فقام له، وأجلسه إلى جانبه، وقضى حوائجه، فلما خرج قال عمر ﵁ للجماعة: مَن ترون خيرَ الناس؟ قالوا: أنتم. قال: لا والله، خيرُ الناسِ في يومنا هذا هذا الرجلُ الَّذي كلُّ الناس يتمنَوْن أن يكونوا مثلَه، ولا يتمنَّى هو أن يكونَ كأحدهم. وقال هشام: كان الوليدُ بن عبد الملك قد كتب إلى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب يأمره أن يخلعَ سليمان بن عبد الملك، ويبايعَ لعبد العزيز بن الوليد، ويتوعَّدُه بالقتل إن لم يفعل، فأجابه خوفَّا مَعْه، وكتب إليه بذلك. فلما مات الوليد واستخلف سليمان؛ وُجد كتاب زيد إلى الوليد في بعض الخزائن، فكتب سليمان إلى عامله على المدينة: ادْعُ زيدَ بنَ الحسن، فأقرئه هذا الكتاب، فإن اعترف؛ فأخبرني، وإنْ أنكر فقَدِّمْه إلى بين القبر والمنبر فاصْبِرْ يمينَه (١) أنَّه ما كتب هذا الكتاب ولا أمرَ من يكتبُه، فلما ورد الكتاب إلى المدينة أرسله العاملُ إلى زبد، فقال: أنْظِرْني. ثم بعث إلى القاسم بن محمد، وربيعة، وسالم بن عبد الله يستشيرُهم في ذلك، واعتذرَ بخوفه من الوليد، وقال: لو لم أُجبه ليقتلنّي، أفتَرَوْن أن أحلف؟ فقالوا: إيَّاك ومبارزةَ الله، وإنَّا نرجو أن يُنجيَك اللهُ بالصدق. فأرسلَ إلى الوالي وأقرَّ أن الكتابَ كتابُه، وإنما فعلَ ذلك خوفًا من الوليد، ولم يحلف. فكتب العامل إلى سليمان يخبره، فكتب إليه: اضْرِبْه مئةَ سوط، ودَرِّعْهُ عباءة، ومشِّهِ حافيًا. وعلم عمر ﵁ بالكتاب، فحبس الرسولَ عنده أيامًا، ومرضَ سليمان، فأخذَ منه الكتاب وقال: لا تخرجْ، فإن سليمان مريض، ولعلَّه تَطِيبُ نفسُه. واستنزلَه عنه. فأقام الرسول ثلاثة أيام، ومات سليمان، ووليَ عمر ﵁، فمزَّق الكتاب (٢).

стр. 4751

حديث الأسير الَّذي كان في [بلاد] الروم: حكى أبو القاسم الدمشقي عن إسماعيل بن [أبي] حكيم المدني كاتبِ عمر بن عبد العزيز ﵁ وإسماعيل بن أبي حكيم مولى عثمان بن عفان رضوان الله عليه، ويقال: مولى الزبير بن العوَّام ﵁، روى عن ابن المسيِّب وأقرانِه، توفي سنة ثلاثين ومئة (١) - قال: بعثني عمر حين وليَ الخلافة في فداء الأسرى، فبينا أنا بالقسطنطينيَّة أدورُ؛ إذْ سمعتُ قائلًا يترنَّم: أَرِقْتُ وغابَ عني مَنْ يلومُ … ولكنْ لم أنَمْ أنا والهمومُ كأنّي من تذكُّرِ ما أُلاقي … إذا ما أظلمَ الليلُ البهيمُ سليمٌ ملَّ منه أقربُوهُ … وودَّعَهُ المداوي والحميمُ وكم في نحره (٢) بين المُنَقَّى … إلى أُحُدٍ إلى ما حازَ رِيمُ إلى الجَمَّاءِ (٣) من خَدٍّ أسِيلٍ … نَقيِّ اللونِ ليس به كُلُومُ يضيءُ دُجَى الظلامِ إذا تبدَّى … كضوء الفجرِ منظرُهُ وسيمُ فلمَّا أنْ دنا منَّا ارْتحالٌ … وقُرِّبَ ناجياتُ السَّيرِ كُومُ (٤) أتَينَ مُوَدِّعاتٍ والمَطَايا … على أكوارها خُوصٌ هُجومُ (٥) فقائلةٍ ومُثْنِيَةٍ علينا … تقولُ ومالها فينا حميمُ وأُخرى لُبُّها معنا ولكنْ … تَسَتَّرُ (٦) وهْيَ وَاجِمةٌ كَظومُ تَعُدُّ لنا الليالي تحتصيها … متى هو حائنٌ منَّا قُدومُ متى تَرَ غفلةَ الواشين عنَّا … تَجُدْ بدموعها العينُ السَّجُومُ

стр. 4752

هذه الأبيات لبقيلة (١) الأشجعي جاهلي فصيح (٢). قال إسماعيل: فوقفت عليه وقلت: من أنت؟ فقال: أنا الوابصي، أُسرتُ فعُذِّبتُ، فدخلتُ في دينهم كُرهًا. فقلتُ: ارْجِعْ إلى الإسلام. فقال: أبعد ما وُلدَ لي فيهم ابنان، أدخلُ المدينة، فيقول بعض غلمانها لابني: يا نصراني! لا والله لا أُسلم أبدًا. قال: فقلت له: أفما (٣) كنتَ تقرأ القرآن؛! قال: بلى، ولكن نسيتُه كلَّه سوى آيةٍ واحدة، وهي قولُه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] فقال إسماعيل للمتنصِّر: إنَّ أمير المؤمنين بعثني في الفداء، وأنتَ أحبُّ مَنْ أفتديه (٤)، أنشدك الله، ارجعْ إلى الإسلام، فقال: أبعدَ ما بطنتُ في الكفر. وهذا المتنصّر هو الصَّلْتُ بن العاص [بن] وابصة بن خالد بن المغيرة المخزومي. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ قد حدَّه في الخمر لمَّا كان واليًا على المدينة، فهربَ إلى الروم فتنصَّر، ومات على النصرانيَّة (٥). ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز ﵁: قال أبو سُليم الهُذلي: خطب عمر بنُ عبد العزيز، فقال: أمَّا بعد، فإنَّ الله لم يخلقكم عَبَثًا، ولم يدع شيئًا من أمركم سدًى، وإنَّ لكم معادًا، فخاب وخَسِرَ من خرجَ من رحمة الله، وحُرمَ الجنَّة التي عرضُها السماواتُ والأرض، واشترى قليلًا

стр. 4753

بكثير، وفانيًا بباق، وخوفًا بأمن، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفُها بعدكم الباقون كذلك حتَّى تُرَدُّون إلى خير الوارثين؟! ألا ترون أنكم في كلِّ يوم وليلة تُشيِّعُون غاديًا ورائحًا إلى الله، قد قضى نحبَه، وانقضى أجلُه، حتَّى تغيِّبُوه في صَدْع من الأرض، ثم تَدَعُونه غيرَ ممَهَّد ولا مُوَسَّد؟! قد خلعَ الأسباب، وفارقَ الأحباب، وسكنَ التراب، وواجهَ الحساب، مرتهنًا بعمله، فقيرًا إلى ما قدَّم، غنيًّا عمَّا ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموتِ، وايمُ الله، إني لأقول لكم هذه المقالة؛ وما أعلمُ عند أحدكم من الذنوب ما عندي. ثم وضع طرف ردائه على وجهه وبكى، وأبكى الناس، فكانت آخِرَ خطبةٍ خطبَها (١). وقال أبو سريع الشامي: آخرُ خُطبة خطبها عُمر ﵁ قال: أيُّها الناس، إنَّ لكم مَعَادًا يتجلَّى الله فيه للفصل بين العباد، وإنَّ الَّذي في أيديكم أسلابُ الهالكين، وسيخلفُها بعدكم الباقون؛ حتَّى تردَّ إلى خير الوارثين، وما يبلغني عن أحد منكم حاجة إلا أحببتُ أن أسُدَّ من حاجته، وما يبلغني أن أحدًا منكم لا يسعُه ما عندي إلا وددتُ أنَّه يمكنني تغييره. ثم انتحبَ، وارتجَّ المسجدُ بالبكاء، ثم نزل، فما رئي خارجًا إلا إلى حفرته. وقيل: إنه لما حملَ الناسَ على المحجَّة البيضاء، وصَدَع بأوامر الله تعالى، ولم تأخُذْه في الله لومةُ لائم، اشتاق إلى ما أعدَّ اللهُ لأوليائه، فطارت نفسُه إلى ذلك احتقارًا للدنيا. فذكر ابنُ أبي الدنيا وابنُ عبد البَرِّ أنَّ عمر بن عبد العزيز ﵁ أرسل إلى عبد الله بن أبي زكريا وكان مجابَ الدعوة، فلمَّا دخل عليه قال له: يا ابنَ أبي زكريا، هل تدري لِمَ بعثتُ إليك؟ قال: لا. قال: لأمر لست ذاكرَه لك حتَّى تحلفَ في. فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ لا تسألُني شيئًا إلا فعلتُه. فلما استوثق منه، قال: إني قد سئمتُ المُقَام في هذه الدار، فادع الله أن يقبضني إليه. فبكى ابن أبي زكريا وقال: بئس الوافد أنا

стр. 4754

للمسلمين! فقال عمر. هاه قد حلفتَ لي. فبسطَ يدَه وقال: اللهمَّ خِرْ لعمر في لقائك، ولا تُبْقِني بعده. وأقبلَ صبيٌّ صغير لعمر، فقال: وهذا أيضًا، فإني أحبُّه. فدعا له، فمات عُمر، ومات ابنُ أبي زكريا، وماتَ الصبي. وقال عبد الرحمن بن زيد بن جابر: فما شبَّهتُ الثلاثة إلا بخَرَزَات ثلاث في سلك قُطع أسفلُه، فتتابعن في جُمعة (١). وقال عبد الله بن المبارك: وجدوا في بعض الكتب: تقتلُه خشيةُ الله. يعني عمر بن عبد العزيز. وقيل: إنه سُمَّ. وهو الأصحّ (٢). قال أبو زيد الدمشقي (٣): لما مرض عمر [بن عبد العزيز] دخل عليه الطبيب، فجسَّ نبضَه، وصعَّد النظر فيه، وقال: إنه مسموم، ولا آمنُ عليه الموت. فرفع عُمر ﵁ طَرْفَهُ إليه وقال له: ولا نأمنُ الموت على من لم يُسقَ السُّمَّ أيضًا. فقال الطبيب: هل أحسستَ بشيء؟ قال: نعم، قد عرفتُ حين وقع في جوفي. فقال: يا أمير المؤمنين فتعالج. فقال: واللهِ لو علمتُ أن شفائي في طرف أنفي لما مددتُ يدي إليه. قال: فتذهب نفسُك. قال: ربي خيرُ مذهوبٍ إليه، اللهمَّ خِرْ لعُمر في لقائك. فلم يلبث إلا أيامًا حتَّى مات. وقيل لأبي سريع الشامي: فمَنْ سَمَّه؟ قال: وهل سمَّه إلا أقاربُه الذين ضيَّقَ عليهم الأمور بإقامة الحقِّ، ودحض الباطل، وإحياء السنن؟! وقال أبو عبد الله الحاكم: استدعى عمر بالخادم الَّذي سمَّه، فقال له؛ لِمَ فعلتَ بي هذا؟! فبكى وقال: لشقوتي وشقاء المسلمين، إن فلانًا -وسمَّى بعض بني أمية (٤) - أعطاني ألف دينار، فبالله استَقِدْ منِّي، فقد ندمتُ. فقال [له] عمر ﵁: واللهِ لو

стр. 4755

أُعطيتُ الدنيا وما فيها لما سممتُك، اذْهَبْ فضع الألف دينار في بيت المال، واذهبْ حيث شئتَ. ولم يتعرَّض له (١). وقال هاشم: لما كانت الصَّرْعةُ التي هلك فيها عمر ﵁؛ دخلَ عليه مَسْلَمةُ بنُ عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنك فغرتَ أفواه ولدِك من هذا المال، وتركتَهم عَيلَةً لا شيء لهم، فلو أوصيتَ بهم إليَّ، أو إلى نُظرائي من أهل بيتك. فقال: أسْنِدُوني. فأسندوه، فقال: واللهِ ما منعتُهم حقًّا هو لهم، ولا أعطيهم ما ليس لهم. وأما قولُك: لو أوصيتَ بهم، فإن وصيِّى اللهُ، ووليِّي الله الَّذي نزل الكتاب، وهو يتولَّى الصالحين (٢). بنيَّ أحدُ رجلين؛ إما رجلٌ يتقي الله سبحانه، فسيجعلُ له مخرجًا، وإمَّا رجل يكبُّ على المعاصي، فإني لم أكن أقوِّيه على معاصي الله. ثم بعث إليهم وهم بضعةَ عشرَ ذكرًا، فنظر إليهم، فذرفت عيناه، ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتُهم عَيلة لا شيء لهم، يا بنيَّ، إن أباكم خُيِّرَ بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنَّة [فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنَّة] أحبَّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله (٣). وقال هشام (٤): إن عمر بن عبد العزيز قال لولده: يا بَنيّ، إنكم لا تلقون أحدًا من أهل الإسلام والذِّمَّة إلا ويرى لكم عليه فضلًا (٥). وقال الزُّهري: خلَّف عمر ﵁ سبعةَ عشرَ دينارًا، فأخذ كل ولد دينارًا، ومات مسلمة بن عبد الملك وترك ألف ألف دينار، فأخذ كل واحد من ولده نصيبَه. قال رجاء بن حَيوة: فبارك الله فيما ترك عمر، ومحق ما ترك مسلمة، حتَّى إني رأيتُ بعضَ أولاد مسلمة يستعطي من أولاد عمر.

стр. 4756

ولما ثقل عمر ﵁ قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: اللهمَّ [إنك] أمرتَني فقصَّرتُ، ونهيتَني فعصَيتُ، ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظرُ نظرًا شديدًا. فقال: إني لأرى حَضْرةً ما هم بإنسٍ ولا جنّ. ثم قبض (١). وقال ﵁: ما أُحبُّ أن يُخَفَّفَ عني الموتُ، أو يهوَّن عليَّ، فإنه آخرُ ما يُؤجرُ عليه الإنسان. ولما احتُضر قال: اخرجوا عني لا يبقى عندي أحد. فخرجوا (٢). وقال محمد بن قيس: حضرتُ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أوَّلَ مرضِه، اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومئة، فكان شكواه عشرين يومًا، فأرسل إلى ذِمّيّ ونحن بدَيْر سَمْعان، فساومَه بموضع قبره، فقال الذِّمِّيّ: يا أمير المؤمنين، إنها لخير أن يكون قبرُك في أرضي، قد حلَّلْتُك. فأبى عمر حتَّى ابتاعه منه بدينارين، ثم دعا بالدينارين، فدفعهما إليه (٣). وقال إبراهيم بن ميسرة: اشترى موضع قبره بعشرة دنانير (٤). وقال هشام: قال عمر للرهبان: انتفعوا بمكان قبري بعد خمس سنين. وقال له الراهب: أعطني قميصك. فيقال: إنه أسلم. وكانت فاطمة بنت عبد الملك وأخوها مسلمة عند عمر ﵁، فقال أحدهما لصاحبه: لا نكون قد ثَقُلْنا عليه، فخرجا وهو منحرفٌ على غير القبلة. قالا: قلَّما لبثنا حتَّى عُدنا، وإذا هو متوجِّهٌ إلى القبلة وإذا متكلِّمٌ يتكلَّم لا نراه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥) [القصص: ٨٣].

стр. 4757

قال الواقدي: لما احتُضر عمر ﵁ عنه كتب إلى يزيد بن عبد الملك: أما بعد، فإياك أن تدركك الصَّرْعة عند العزَّة، فلا تُقال العَثْرة، ولا تُمكَّنَ من الرَّجْعة، ولا يحمدَك مَنْ خلَّفْتَ، ولا يَعْذِرَك من تَقْدَمُ عليه (١). وقال ابن سعد: كتبَ إلى يزيد: سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني لا أُراني إلا لِما بي (٢)، ولا أرى الأمر إلا سيُفْضي إليك، فاللهَ اللهَ في أمَّة محمد ﷺ . وقالت فاطمة بنتُ عبد الملك: كُنْتُ أسمعُ عمر بن عبد العزيز في مرضه الَّذي مات فيه يقول: اللهم أخْفِ عنهم موتي ولو ساعة من نهار. فلما كان اليوم الَّذي قُبض فيه؛ خرجتُ من عنده، فجلست في بيت آخر، وبيني وبينه باب، وهو في قبَّة له، فسمعتُه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ ثم هدأ. فجعلتُ لا أسمعُ له حسًّا ولا حركةً، فقلتُ لوصيف كان يخدُمه: انظر أميرَ المؤمنين، أنائم هو؟ فدخل عليه وصاح، فوثبتُ فدخلتُ، فإذا هو ميّتٌ قد استقبلَ القبلة، وأغمضَ نفسَه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه (٣). وقال (٤): شممتُ رائحة النَّدِّ والمسك من القبَّة وهو يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جانّ. ثم قبض (٥). وقال الواقدي: أوصى أن يكفَّن في خمسة أثواب، منها قميص وعِمامة، وكان عنده شعرٌ من شعر رسول الله ﷺ وأظفارٌ من أظفاره فقال: إذا مِتُّ فاجعلوه في أكفاني. ففعلوا (٦). ومات ﵁ لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة. وقيل: لخمسٍ بقين منه. وقيل: في جمادى الآخرة. والأوَّل أصحّ. وعامَّةُ الرُّواة على أنَّ قبرَه بدَير سَمْعان [شمالي حلب] (٧).

стр. 4758

قال أبو بكر بن عياش وذكر عمر بن عبد العزيز ﵁: ليُحشرنَّ من دَير سَمْعان رجلٌ كان يخافُ الله تعالى (١). [واختلفوا في سنِّه، قال (ابن سعد): حدثنا الفضل بن دُكين قال: سمعتُ سفيان بن عُيينة يقول: كان عمر بن عبد العزيز ابنَ أربعين سنة. قال سفيان: وسألتُ ابنه: كم بلغ من السنِّ؟ فقال: لم يبلغ الأربعين (٢). قال هشام: قال رجاء بن حَيوة: كان عمر بن عبد العزيز يقول: تمَّت حُجَّةُ الله على أبناء الأربعين أن الرجل إذا لم يبلغ قال الله تعالى للملكين: خفِّفا، فإذا بلغها قال الله تعالى: اكتبا وخفِّفا. فمات للأربعين (٣). قلت: لم يبلغ أربعين]. وقال كثيِّر عزَّة يرثيه: أقولُ لمَّا أتاني ثَمَّ مَهْلِكُهُ … لا يَبْعَدَنَّ قِوامُ الحقِّ والدينِ قد غادروا في ضريح اللَّحدِ مُنجدلًا … بدَير سَمْعانَ قسطاسَ الموازينِ (٤) لم تُلْهِهِ عُمْرَهُ عينٌ يُفَجِّرها … ولا النخيلُ ولا رَكْضُ البَراذينِ (٥) وقال الجُمحيّ: لو كُنْتُ أملكُ للأقدار ترويةً … تأتي رَوَاحًا وتبييتًا وتبتكرُ

стр. 4759

دفعتُ عن عُمرِ الخيراتِ مصرعَهُ … بدَيرِ سمعانَ لكن يغلبُ القَدَرُ (١) وللشريف الرضي المُوسويّ: دَيْرَ سمعانَ لا أغَبَّك غيثٌ … خيرُ مَيْتٍ من آلِ مروانَ مَيتُكْ يا ابنَ عبدِ العزيزِ لو بكتِ العَيـ … نُ دمًا من شؤونها لبكَيتُكْ أنتَ نَزَّهْتَنا عن القَذْفِ والسَّـ … ـبِّ فلو أمكنَ الجزاءُ جَزَيتُكْ غير أني أقولُ إنك قد طِبْـ … ـتَ وإنْ لم يَطُبْ ولم يَزْكُ بيتُك ولا يعرف أهلُ الشام بالشام مكانًا يقال له: دَير سمعان إلا شماليّ حلب، وهو دَيرٌ مشهور، أما المكان الَّذي يَزُورُ الناس فيه قبرَ عمر ﵁، فبالمعرَّة بدير من أعمال معرَّة النعمان (٢). وقال البلاذري (٣): مرض بخُناصرة، وتوفّي بدَير سَمْعان، وبين خُناصرة ودَير سمعان أربعون ميلًا، وخُناصرة على تخوم قِنَّسْرين. وقيل: مرض بحمص، وتوفّي بدَير سمعان. ومات ﵁ وهو ابنُ تسع وثلاثين سنة وأشهر (٤). وقال الهيثم بن واقد: استُخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر مضين (٥) من صفر سنة تسع وتسعين، وتوفي بخُناصرة يوم الأربعاء لخمس ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومئة، فكانت خلافتُه سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام (٦). وقيل: بلغ أربعين سنة (٧).

стр. 4760

وقال رجاء بن حَيوة: قال لي عمر بن عبد العزيز في مرضه: كن فيمن يُغسِّلُني ويُكفّنُني، ويدخل في قبري، فإذا وضعتموني في لحدي فحُلَّ عقدة الكَفَن، وانظر إلى وجهي، فإني قد دفنتُ ثلاثةً من الخلفاء؛ كلُّهم إذا [أنا] وضعتُه في لحده؛ حللتُ العقدة، ثم نظرتُ إلى وجهه؛ فإذا وجهُه مسودٌّ في غير القبلة. قال رجاء: فلما دخلتُ في قبره حللتُ العقدة؛ فإذا وجهُه كالقراطيس في القبلة (١). وقال عمر ﵁ لمسلمة بن عبد الملك: لما دفنتُ أباك نمتُ عند قبره، فرأيتُه قد أفضى إلى أمرٍ راعني، فعاهدتُ الله إن وليتُ هذا الأمر أن لا أعملَ عمله، وقد اجتهدتُ طول حياتي، وأرجو أنْ أُفضيَ إلى عفو الله ورضوانه. قال مسلمة: فلما دفنَّا عمر ﵁، نمتُ عند قبره، فرأيتُه في روضة خضراء، فيها قصورٌ عالية، وأنهارٌ مطردة، وملكٌ عظيم، فأقبلَ عليَّ وقال: يا مسلمة ﴿لِمِثلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ (٢) [الصافات: ٦١]. وقال ميمون بن مِهْران: قال لي عُمر بن عبد العزيز ﵁: لما وَضَعْتُ الوليدَ في قبره نظرتُ في وجهه، وإذا به قد اسوَدّ، فإذا وُضِعْتُ في قبري فاكْشفُ عن وجهي. [قال ميمون:] فكشفتُ عن وجهه، وإذا به أحسن ما كان في أيام تنعُّمِه (٣). وقال يوسف بن ماهك: بينا نحن نسوِّي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذْ سقط علينا رَقٌّ من السماء فيه مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز من النار (٤).

стр. 4761

وقال أبو سريع: لما فرَغوا من دفن عمر ﵁ قام مسلمةُ بنُ عبد الملك على قبره وقال: رحمك الله يَا أمير المُؤْمنين، فلقد أورثتَ صالحًا بك اهتَدَوْا واقتَدَوْا (١)، وملأتَ قلوبنا بمواعظك خشيةً وتذكارًا، وأنلْتَ لنا شرفًا، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذِكرًا، فعليك السلام حيّا وميّتًا. وقال مَسْلَمة: واللهِ ما أمِنْتُ الرِّقَّ حتَّى رأيتُ هذا القبر (٢). وقال ابنُ عساكر: حَدَّثَنَا عبد الجبار بنُ عبد الصمد الإِمام (٣) قال: حدثني أبي، حدثني محمَّد بن إسحاق ابن الحريص قال (٤): حَدَّثَنَا أبو محمَّد [المسيّب بن واضح، حَدَّثَنَا عيسى بن كيسان، عمن حدَّثه] عن عُمير بن الحُباب قال: أُسرتُ أنا وثمانيةُ أنفسٍ في زمن بني أمية، فأمرَ ملكُ الروم بضرب أعناقنا، فضُربت أعناق أصحابي، وشَفع فيَّ بطريق من البطارقة، فوهبَني له، فمضى بي إلى منزله، وكان عُمير جميلًا نبيلًا، فقال له البطريق: تَنَصَّرْ وأُزوِّجُك ابنتي، وأقاسمُك مالي. فقلت: ما أدعُ ديني لأجل امرأة ولا مال. فأقام أيامًا يعرض عليَّ ذلك، وكانت ابنتُه شابَّة جميلة، فقالت لي يومًا: ما يمنعك ممَّا عرض عليك أبي؟! فقلت: لا أَدَعُ ديني لأجل امرأة ولا مال. فقالت: أتحبُّ الذهابَ إلى أهلك، أو المُقامَ عندنا؟ قلتُ: الذهاب إلى أهلي. فأَرَتْني نجمًا في السماء وقالت: سِرْ على هذا ليلًا، واكْمُنْ نهارًا. وأطلقتني. فسرت ثلاثًا، فبينا أنا في اليوم الرابع، وإذا أنا بالخيل قد أدركَتْني، فاستسلمتُ، فأشرفوا عليَّ، وإذا بأصحابي المقتلين (٥) على خيل شُهْب ومعهم آخرون على خيل

стр. 4762

شُهب، فقالوا: عمير؟! قلت: نعم، أوليس قد قُتلتم؟! قالوا: بلى، ولكنَّ الله نشرَ الشُّهداء، وأَذِنَ لهم أن يشهدوا جنازة عُمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه. وحكى الحافظ أبو القاسم أَيضًا عن رجل من أهل الشَّام استُشهد له ابنٌ، فبينا هو في ظاهر البلد مع اموأته في البَيدَر يُصلح أرضًا؛ إذا بفارسٍ قد أقبلَ، فقال الرجل لزوجته: هذا -واللهِ- ابني قد أقبل، فلما قَرُب منهما؛ قال له أبوه: أليس قد استُشهدت؟! قال: بلى، ولكنَّ عُمر بن عبد العزيز قد توفّي في هذه الساعة، واستأذنَ الشُّهداء ربَّهم في شهود جنازته، فأَذِنَ لهم في شهودها، وكنتُ فيهم. فنظروا، فإذا عُمر قد ماتَ في تلك الساعة (١). ذكر ثناء العلماء عليه وما جرى بعد وفاته ﵁: قال ابن سعد (٢): كان عُمر بن عبد العزيز ثقةً مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمامَ عدل، ﵀ ورضيَ عنه. وقال أبو جعفر المنصور: ما ردَّ علينا حقوقنا إلَّا عمر بن عبد العزيز. وقال العباس بن راشد (٣): خرجتُ مع عمر بن عبد العزيز، فمررنا بوادٍ، فإذا حيَّة ميّتة على الطريق، فنزلَ، فدفَنَها، وإذا بهاتفٍ يهتف: يَا خرقاء، يَا خرقاء. فالتفتنا يمينًا وشمالًا، فلم نرَ أحدًا، فقال عمر ﵀: أسألُك بالله أيُّها الهاتف إلَّا أخبرتَنا ما الخرقاء. فقال: الحيَّة التي دفنتَها، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لها: "يَا خرقاء، تموتين بفلاة من الأرض، فيدفنك خير مؤمني أهل الأرض يومئذ". قال عمر: ومَنْ أنتَ يرحمُك الله؟ قال: أنا من الجنّ السبعة الذين بايعوا رسول الله ﷺ وفي هذا الوادي. فدمعَتْ عينا عمر ﵁، ثم انصرف (٤). وقال وَهْب بن مُنبِّه: إن كان في هذه الأمة مهديّ فهو عمر (٥).

стр. 4763

وقال أَحْمد ابن حنبل ﵀: إذا رأيتَ الرجلَ يحبُّ عمر بن عبد العزيز ويذكرُ محاسنه وينشرُها، فاعلم أنَّ من وراء ذلك خيرًا إن شاء الله (١). وكان [محمد بن] عليّ بن الحسين يقول: يُبعث عمر بن عبد العزيز يوم القيامة أمةً وَحْدَه (٢). وحكى محمَّد بن المهاجر قال: رأى رجل في منامه من أهل البصرة كأنَّ قائلًا يقول له: حُجَّ في عامك هذا. فقال: من أين أحجُّ؟! فقيل له: احْفِرْ مكان كذا وكذا، ففيه درعٌ، فبعها، وحُجَّ بثمنها. ففعل الرَّجل. قال: فلما قضيتُ مناسكي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يمشي بين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما فقال [لي]: اقرأ على عمر بن عبد العزيز السلام، وقيل له: إنَّ اسمك عندنا المهديّ، وأبو اليتامى، فشدَّ يدك على التعريف والمكَّاس، وإياك أن تحيدَ عن طريق هذَين، فيُحاد بك عنّي. قال: فانتبهتُ وأنا أبكي، وقدمتُ الشَّام، فأتيتُ عمرو هو بدَير سَمعان، فأخبرتُه، فقال: أعطوه كذا وكذا. فقال: لا آخذُ على رسالة رسول الله ﷺ أجرًا. ونام عمر ﵁، ثم انتبه وهو يبكي ويقول: صدق الرَّجل، رأيت الساعة رسولَ الله ﷺ وهو يقول لي كما قال البَصْرِيّ (٣). وقد رثاه خلقٌ كثير، فمن أحسن ما قيل فيه قولُ كُثَيَّر: عمَّت صنائعُه فعمَّ مُصابُهُ … فالناسُ فيه كلُّهم مأجورُ ردَّت مناقبُه عليه حياتَهُ … فكأنَّه من نَشْرِها منشورُ والناسُ مَأتَمُهُمْ عليه واحدٌ … في كل دارٍ أَنَّةٌ وزفيرُ (٤)

стр. 4764

وقال جرير: يَنْعَى النُّعاةُ أميرَ المُؤْمنين لنا … يَا خيرَ من حجَّ بيتَ اللهِ واعْتَمَرَا وُلّيتَ أمرًا عظيمًا فاصطبرتَ له … فقُمتَ فيه بحمدِ اللهِ يَا عُمَرَا (١) الشَّمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍ (٢) … تبكي عليك نجومَ الليلِ والقَمَرا (٣) وقال المصنف ﵀: ومن أحسن ما سمعتُ في هذا الباب قولُ أبي عبد الله بن سنان الخَفَاجي الشَّاعر من أبيات: إنَّ في جانب المقطَّم مهجو … رًا ومن أجله تُزار القبورُ ومقيمًا على المعرَّة تطويـ … ـه الليالي وذِكْرُهُ منشورُ وقال وُهيب بن الورد: بلغَنا أن عُمر بن عبد العزيز ﵁ لمَّا توفّي جاء الفقهاء إلى زوجته يعزُّونها، فقالوا لها: جئناك نعزّيكِ بعمر، فقد عمَّت مصيبةُ الأمة، فأخبرينا يرحمكِ الله عن عمر كيف كانت حالُه في بيته، فإن أعلم النَّاسِ بالرجل أهلُه. فقالت: واللهِ ما كان عمرُ بأكثرِكم صلاةً ولا صيامًا، ولكن واللهِ ما رأيتُ عبدًا قطُّ كان أشدَّ خوفًا منه لله، واللهِ إنْ كان ليكونُ في المكان الذي ينتهي سرورُ الرجلِ بأهله، [بيني وبينه لِحاف] فيخطرُ على قلبه الشيء من أمر الله، فينتفضُ كما ينتفض الطائر إذا وقع في الماء، ثم ينشج ويرتفع بكاؤه حتَّى أقول: خرجت نفسُه، فأطرحُ اللِّحاف عني وعنه رحمةً له، وأقولُ: يَا ليت بيننا وبين هذه الإمارة بُعْدَ المشرقَين، فواللهِ ما رأينا سرورًا منذ دخَلْنا فيها (٤). وقال عطاء: بكت فاطمة بنتُ عبد الملك زوجةُ عمر بن عبد العزيز ﵁ بعد وفاته حتَّى عَشِيَ بصرُها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام، فقالا: يا بنت عبد الملك، ما هذا الأمر الذي قد دُمْتِ عليه؟ فإن كان جزعًا على بعلك؛ فإنَّه واللهِ أحقُّ من جُزع

стр. 4765

عليه، وإن كان على شيء من الدنيا فاتكِ؛ فها نحن وأموالُنا وأهلونا بين يديك. فبكت وقالت: واللهِ ما أَسَفي على شيء من الدنيا، ولكني رأيتُ منه ليلة منظرًا هالني، فعلمتُ أن الذي أخرجه إلى الذي رأيتُ منه هولٌ عظيم، قد أسكنَ في قلبه معرفته. قالا: وما رأيت منه؟ قالت: رأيتُه ذات ليلة قائمًا يصلِّي، فأتى على هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥] فجعل يردِّدُها حتَّى طلع الفجر، ويقول: ويلي من يومٍ يكونُ النَّاسُ فيه كالفراش المبثوث. فلما طلع الفجر سقط كأنَّه ميِّت، فلم يُفِقْ حتَّى جاءه المؤذّن يؤذنُه بالصلاة، فقام فَزِعًا، فواللهِ ما ذكرتُ ليلته تلك إلَّا أصابني ما رأيتُم، فلم أملك ردَّ عَبْرَتي (١). قال أبو سريع الشَّاميّ: لما مات عمر ﵁ جاءت الفقهاء إلى فاطمة يسألونها عن حاله، فقالت: واللهِ لو كان حيًّا لما أخبرتُكم، إنه كان قد فَرَّغ نفسه للنَّاس، يقعدُ لهم يومَه، فإذا أمسى وعليه بقيةٌ من حوائج النَّاس؛ وصلَ يومَه بليلته، فإذا فَرَغَ من الحوائج؛ دعا بسراج من ماله، ثم قام يصلّي ما شاء الله، فإذا فَرَغَ من صلاته وضع رأسَه على يده ودموعه تسيل على خدِّه يشهق شهقةً، فأقول: قد انصدعت كبده. فلا يزال كذلك حتَّى يصبح، فيظلُّ صائمًا، فأقول له: ارفق بنفسك. فيقول: يا بنت عبد الملك، دعيني وشأني، وعليكِ بشأنِك. فأقول: أرجو أن أتَّعظ. فيقول: إذن أخبرك. إنِّي نظرتُ إليَّ، فوجدتُني قد وَليتُ أمرَ هذه الأمة؛ صغيرِها وكبيرِها أبيضِها وأسودِها وأحمرِها، ثم ذكرتُ الغريب المحتاج، والأسير المفقود، وأشباههم في أقاصي الأرض وأطراف البلاد، فعلمتُ أن الله سائلي عنهم، وأنَّ محمدًا ﷺ حجيجي فيهم، فخفتُ أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي عند نبيِّه ﷺ حُجَّة، وكلَّما ذكرتُ هذا ازدَدْتُ خوفًا ووجلًا (٢). وقال ابنُ أبي الدنيا: أرسلَ ملكُ الروم [رسالة] إلى عمر [بن عبد العزيز]﵁، فبعثَ بجوابها مع محمَّد بن معبد وبعثَ معه أُسارى من الروم، ليفاديَ بهم أُسارى من المسلمين.
следующие страницы →