← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

وقال أبو سريع: لما فرَغوا من دفن عمر ﵁ قام مسلمةُ بنُ عبد الملك على قبره وقال: رحمك الله يَا أمير المُؤْمنين، فلقد أورثتَ صالحًا بك اهتَدَوْا واقتَدَوْا (١)، وملأتَ قلوبنا بمواعظك خشيةً وتذكارًا، وأنلْتَ لنا شرفًا، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذِكرًا، فعليك السلام حيّا وميّتًا. وقال مَسْلَمة: واللهِ ما أمِنْتُ الرِّقَّ حتَّى رأيتُ هذا القبر (٢). وقال ابنُ عساكر: حَدَّثَنَا عبد الجبار بنُ عبد الصمد الإِمام (٣) قال: حدثني أبي، حدثني محمَّد بن إسحاق ابن الحريص قال (٤): حَدَّثَنَا أبو محمَّد [المسيّب بن واضح، حَدَّثَنَا عيسى بن كيسان، عمن حدَّثه] عن عُمير بن الحُباب قال: أُسرتُ أنا وثمانيةُ أنفسٍ في زمن بني أمية، فأمرَ ملكُ الروم بضرب أعناقنا، فضُربت أعناق أصحابي، وشَفع فيَّ بطريق من البطارقة، فوهبَني له، فمضى بي إلى منزله، وكان عُمير جميلًا نبيلًا، فقال له البطريق: تَنَصَّرْ وأُزوِّجُك ابنتي، وأقاسمُك مالي. فقلت: ما أدعُ ديني لأجل امرأة ولا مال. فأقام أيامًا يعرض عليَّ ذلك، وكانت ابنتُه شابَّة جميلة، فقالت لي يومًا: ما يمنعك ممَّا عرض عليك أبي؟! فقلت: لا أَدَعُ ديني لأجل امرأة ولا مال. فقالت: أتحبُّ الذهابَ إلى أهلك، أو المُقامَ عندنا؟ قلتُ: الذهاب إلى أهلي. فأَرَتْني نجمًا في السماء وقالت: سِرْ على هذا ليلًا، واكْمُنْ نهارًا. وأطلقتني. فسرت ثلاثًا، فبينا أنا في اليوم الرابع، وإذا أنا بالخيل قد أدركَتْني، فاستسلمتُ، فأشرفوا عليَّ، وإذا بأصحابي المقتلين (٥) على خيل شُهْب ومعهم آخرون على خيل

стр. 4762

شُهب، فقالوا: عمير؟! قلت: نعم، أوليس قد قُتلتم؟! قالوا: بلى، ولكنَّ الله نشرَ الشُّهداء، وأَذِنَ لهم أن يشهدوا جنازة عُمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه. وحكى الحافظ أبو القاسم أَيضًا عن رجل من أهل الشَّام استُشهد له ابنٌ، فبينا هو في ظاهر البلد مع اموأته في البَيدَر يُصلح أرضًا؛ إذا بفارسٍ قد أقبلَ، فقال الرجل لزوجته: هذا -واللهِ- ابني قد أقبل، فلما قَرُب منهما؛ قال له أبوه: أليس قد استُشهدت؟! قال: بلى، ولكنَّ عُمر بن عبد العزيز قد توفّي في هذه الساعة، واستأذنَ الشُّهداء ربَّهم في شهود جنازته، فأَذِنَ لهم في شهودها، وكنتُ فيهم. فنظروا، فإذا عُمر قد ماتَ في تلك الساعة (١). ذكر ثناء العلماء عليه وما جرى بعد وفاته ﵁: قال ابن سعد (٢): كان عُمر بن عبد العزيز ثقةً مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمامَ عدل، ﵀ ورضيَ عنه. وقال أبو جعفر المنصور: ما ردَّ علينا حقوقنا إلَّا عمر بن عبد العزيز. وقال العباس بن راشد (٣): خرجتُ مع عمر بن عبد العزيز، فمررنا بوادٍ، فإذا حيَّة ميّتة على الطريق، فنزلَ، فدفَنَها، وإذا بهاتفٍ يهتف: يَا خرقاء، يَا خرقاء. فالتفتنا يمينًا وشمالًا، فلم نرَ أحدًا، فقال عمر ﵀: أسألُك بالله أيُّها الهاتف إلَّا أخبرتَنا ما الخرقاء. فقال: الحيَّة التي دفنتَها، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لها: "يَا خرقاء، تموتين بفلاة من الأرض، فيدفنك خير مؤمني أهل الأرض يومئذ". قال عمر: ومَنْ أنتَ يرحمُك الله؟ قال: أنا من الجنّ السبعة الذين بايعوا رسول الله ﷺ وفي هذا الوادي. فدمعَتْ عينا عمر ﵁، ثم انصرف (٤). وقال وَهْب بن مُنبِّه: إن كان في هذه الأمة مهديّ فهو عمر (٥).

стр. 4763

وقال أَحْمد ابن حنبل ﵀: إذا رأيتَ الرجلَ يحبُّ عمر بن عبد العزيز ويذكرُ محاسنه وينشرُها، فاعلم أنَّ من وراء ذلك خيرًا إن شاء الله (١). وكان [محمد بن] عليّ بن الحسين يقول: يُبعث عمر بن عبد العزيز يوم القيامة أمةً وَحْدَه (٢). وحكى محمَّد بن المهاجر قال: رأى رجل في منامه من أهل البصرة كأنَّ قائلًا يقول له: حُجَّ في عامك هذا. فقال: من أين أحجُّ؟! فقيل له: احْفِرْ مكان كذا وكذا، ففيه درعٌ، فبعها، وحُجَّ بثمنها. ففعل الرَّجل. قال: فلما قضيتُ مناسكي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يمشي بين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما فقال [لي]: اقرأ على عمر بن عبد العزيز السلام، وقيل له: إنَّ اسمك عندنا المهديّ، وأبو اليتامى، فشدَّ يدك على التعريف والمكَّاس، وإياك أن تحيدَ عن طريق هذَين، فيُحاد بك عنّي. قال: فانتبهتُ وأنا أبكي، وقدمتُ الشَّام، فأتيتُ عمرو هو بدَير سَمعان، فأخبرتُه، فقال: أعطوه كذا وكذا. فقال: لا آخذُ على رسالة رسول الله ﷺ أجرًا. ونام عمر ﵁، ثم انتبه وهو يبكي ويقول: صدق الرَّجل، رأيت الساعة رسولَ الله ﷺ وهو يقول لي كما قال البَصْرِيّ (٣). وقد رثاه خلقٌ كثير، فمن أحسن ما قيل فيه قولُ كُثَيَّر: عمَّت صنائعُه فعمَّ مُصابُهُ … فالناسُ فيه كلُّهم مأجورُ ردَّت مناقبُه عليه حياتَهُ … فكأنَّه من نَشْرِها منشورُ والناسُ مَأتَمُهُمْ عليه واحدٌ … في كل دارٍ أَنَّةٌ وزفيرُ (٤)

стр. 4764

وقال جرير: يَنْعَى النُّعاةُ أميرَ المُؤْمنين لنا … يَا خيرَ من حجَّ بيتَ اللهِ واعْتَمَرَا وُلّيتَ أمرًا عظيمًا فاصطبرتَ له … فقُمتَ فيه بحمدِ اللهِ يَا عُمَرَا (١) الشَّمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍ (٢) … تبكي عليك نجومَ الليلِ والقَمَرا (٣) وقال المصنف ﵀: ومن أحسن ما سمعتُ في هذا الباب قولُ أبي عبد الله بن سنان الخَفَاجي الشَّاعر من أبيات: إنَّ في جانب المقطَّم مهجو … رًا ومن أجله تُزار القبورُ ومقيمًا على المعرَّة تطويـ … ـه الليالي وذِكْرُهُ منشورُ وقال وُهيب بن الورد: بلغَنا أن عُمر بن عبد العزيز ﵁ لمَّا توفّي جاء الفقهاء إلى زوجته يعزُّونها، فقالوا لها: جئناك نعزّيكِ بعمر، فقد عمَّت مصيبةُ الأمة، فأخبرينا يرحمكِ الله عن عمر كيف كانت حالُه في بيته، فإن أعلم النَّاسِ بالرجل أهلُه. فقالت: واللهِ ما كان عمرُ بأكثرِكم صلاةً ولا صيامًا، ولكن واللهِ ما رأيتُ عبدًا قطُّ كان أشدَّ خوفًا منه لله، واللهِ إنْ كان ليكونُ في المكان الذي ينتهي سرورُ الرجلِ بأهله، [بيني وبينه لِحاف] فيخطرُ على قلبه الشيء من أمر الله، فينتفضُ كما ينتفض الطائر إذا وقع في الماء، ثم ينشج ويرتفع بكاؤه حتَّى أقول: خرجت نفسُه، فأطرحُ اللِّحاف عني وعنه رحمةً له، وأقولُ: يَا ليت بيننا وبين هذه الإمارة بُعْدَ المشرقَين، فواللهِ ما رأينا سرورًا منذ دخَلْنا فيها (٤). وقال عطاء: بكت فاطمة بنتُ عبد الملك زوجةُ عمر بن عبد العزيز ﵁ بعد وفاته حتَّى عَشِيَ بصرُها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام، فقالا: يا بنت عبد الملك، ما هذا الأمر الذي قد دُمْتِ عليه؟ فإن كان جزعًا على بعلك؛ فإنَّه واللهِ أحقُّ من جُزع

стр. 4765

عليه، وإن كان على شيء من الدنيا فاتكِ؛ فها نحن وأموالُنا وأهلونا بين يديك. فبكت وقالت: واللهِ ما أَسَفي على شيء من الدنيا، ولكني رأيتُ منه ليلة منظرًا هالني، فعلمتُ أن الذي أخرجه إلى الذي رأيتُ منه هولٌ عظيم، قد أسكنَ في قلبه معرفته. قالا: وما رأيت منه؟ قالت: رأيتُه ذات ليلة قائمًا يصلِّي، فأتى على هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥] فجعل يردِّدُها حتَّى طلع الفجر، ويقول: ويلي من يومٍ يكونُ النَّاسُ فيه كالفراش المبثوث. فلما طلع الفجر سقط كأنَّه ميِّت، فلم يُفِقْ حتَّى جاءه المؤذّن يؤذنُه بالصلاة، فقام فَزِعًا، فواللهِ ما ذكرتُ ليلته تلك إلَّا أصابني ما رأيتُم، فلم أملك ردَّ عَبْرَتي (١). قال أبو سريع الشَّاميّ: لما مات عمر ﵁ جاءت الفقهاء إلى فاطمة يسألونها عن حاله، فقالت: واللهِ لو كان حيًّا لما أخبرتُكم، إنه كان قد فَرَّغ نفسه للنَّاس، يقعدُ لهم يومَه، فإذا أمسى وعليه بقيةٌ من حوائج النَّاس؛ وصلَ يومَه بليلته، فإذا فَرَغَ من الحوائج؛ دعا بسراج من ماله، ثم قام يصلّي ما شاء الله، فإذا فَرَغَ من صلاته وضع رأسَه على يده ودموعه تسيل على خدِّه يشهق شهقةً، فأقول: قد انصدعت كبده. فلا يزال كذلك حتَّى يصبح، فيظلُّ صائمًا، فأقول له: ارفق بنفسك. فيقول: يا بنت عبد الملك، دعيني وشأني، وعليكِ بشأنِك. فأقول: أرجو أن أتَّعظ. فيقول: إذن أخبرك. إنِّي نظرتُ إليَّ، فوجدتُني قد وَليتُ أمرَ هذه الأمة؛ صغيرِها وكبيرِها أبيضِها وأسودِها وأحمرِها، ثم ذكرتُ الغريب المحتاج، والأسير المفقود، وأشباههم في أقاصي الأرض وأطراف البلاد، فعلمتُ أن الله سائلي عنهم، وأنَّ محمدًا ﷺ حجيجي فيهم، فخفتُ أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي عند نبيِّه ﷺ حُجَّة، وكلَّما ذكرتُ هذا ازدَدْتُ خوفًا ووجلًا (٢). وقال ابنُ أبي الدنيا: أرسلَ ملكُ الروم [رسالة] إلى عمر [بن عبد العزيز]﵁، فبعثَ بجوابها مع محمَّد بن معبد وبعثَ معه أُسارى من الروم، ليفاديَ بهم أُسارى من المسلمين.

стр. 4766

قال ابن معبد: فكنتُ إذا دخلتُ على ملك الروم أراه جبَّارًا عاتيًا جالسًا على تخت، وعليه تاجُه، فدخلتُ عليه يومًا وهو جالس على الأرض كئيبًا حزينًا، فقلت: ما الخبر؟! فقال: مات العبد الصالح عمر، لو كان أحدٌ بعد المسيح يُحيي الموتى لكان عمر. ثم قال: إنِّي لستُ أعجب ممن يُغلق بابه ويرفضُ الدنيا، وإنما العجب ممَّن الدنيا تحت قدميه وهو يرفضُها (١). وقال ابن أبي الدنيا: أرسل عمر ﵁ رسولًا إلى القسطنطينية، فخرج يمشي في أزقَّتها، فسمع قارئًا يقرأ القرآن، فوقف عليه، فإذا بأعمى يقرأ القرآن ويطحن في مدار، فسلَّم عليه، فقال: وأنَّى بالسلام في هذه الأرض؟! فأخبره أنَّه رسول عمر ﵁ وقال له: ما الذي أوقعك ها هنا؟ فقال: أُخذتُ من بعض الطرق، فعرض عليَّ طاغيةُ الروم النصرانية، فأبيتُ، فسمل عينيَّ وصيَّرني إلى هذا الموضع، ويبعث إليَّ في كلِّ يوم بحنطةٍ أطحنُها له. فلما عاد الرسول إلى عمر ﵁ أخبره، فبكى [عمر] حتَّى بلَّ الأرضَ من دموعه، وقال له: عُدْ على حالك، وقيل للطاغية: والله لئن لم تبعث بالطحَّان؛ لأَبعثنَّ إليك جنودًا أوَّلُها عندك وآخرها عندي. فلما بلغه الرسالة قال: ما كنَّا لنُحوج الرَّجل الصالح إلى هذا. وأقام الرسول عندَه أيامًا، ودخل عليه يومًا وهو قاعد على الأرض يبكي فقال له: ما لك؟ فقال: أخبرنا سيدنا المسيح أن الرَّجل الصالح إذا كان بين القوم السوء لم يلبث فيهم إلَّا يسيرًا، ثم يخرجُه الله منهم (٢). فقال له: وما الخبر؟ قال: مات العبد الصالح. قال: فقمتُ وقد يئستُ (٣) من خلاص الطحَّان. فقال: اذهب فخُذ الطحَّان، ما كنتُ لأجيبَه حيًّا وأخالفَه ميِّتًا (٤).

стр. 4767

ذكر بكاء السماء عليه: قال خالد الرَّبعي: قرأتُ في التوراة: إن السماء تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحًا، أو أربعين سنة (١). حديث السَّفَط: قال عمر بن صالح الأَزدِيّ: سمعتُ شيخًا من أهل الشَّام قال: لما مات عمر بنُ عبد العزيز ﵁ كان استودعَ مولًى له سَفَطًا يكون عنده، فجاؤوه فقالوا: السَّفَط الذي كان استودعَك عمر؟ فقال: ما لكم فيه خير. فأبَوْا، حتَّى رفعوا ذلك إلى يزيد بن عبد الملك، فدعا بالسَّفَط، ودعا بني أمية، وقال: حَبْرُكُم هذا قد وجدنا له سَفَطًا استودعه. ففتحوه، وإذا فيه مقطَّعات من مُسُوح كان يلبسُها في الليل. وفي رواية: وكان فيه غُلٌّ ومِسْح (٢)، وأوصى مولاه أن يرميَه في البحر (٣). ذكر أولادِه ﵁: قال هشام والزُّبير بن بكَّار: كان له من الولد: عبد الملك، وإسحاقُ، ويعقوبُ، وموسى، وعبدُ الله، وعبدُ العزيز، وعبدُ الله الأصغر، وعاصمٌ، وزبَّان، ومحمَّد الأصغر، ويزيدُ، وبكر، وإبراهيم. ومن الإناث آمنة، وأمُّ عمَّار. فأما عبدُ الملك، فكان يسمى الناسك، وقد ذكرنا أنَّه مات في حياة أَبيه، وأمُّه وأمُّ إسحاقَ ويعقوبَ: فاطمةُ بنتُ عبد الملك. وقال ابن سعد: أمُّه أمُّ ولد (٤). وأمَّا عبد الله (٥) بن عمر؛ فأمُّه ليس بنتُ عليّ بن الحارث بن كعب.

стр. 4768

وأمُّ عمار بنتُ عمر أختُ عبد الله لأمّه وأبيه. وكان عبد الله شجاعًا حازمًا، وليَ العراقين ليزيد بن الوليد بن عبد الملك سنة ستٍّ وعشرين ومئة، فلما مات يزيد بن الوليد أراد أهلُ العراق أن يبايعوه بالخلافة، فأبى، فلما وليَ مروان اختفى عبد الله بواسط، فلما قدم عُمر بنُ هبيرة العراق قيَّده وبعثَ به إلى مروان بن محمَّد. ويسمى عبدَ الله بنَ الأبَرّ، وهو الذي قال: مررتُ براهبٍ في الجزيرة في صومعة، لم ينزل منها منذ زمن طويل، وكان قد قرأ الكتب، فنزل إليَّ وقال: لم أنزل إلى غيرك، وإنما نزلتُ إليك لحقِّ أبيك، إنَّا نجده في كتُبِنا من أئمَّة العدل بمنزلة رجب من الأشهر الحرم (١). وأمَّا عبدُ العزيز بن عمر؛ فكنيتُه أبو محمَّد لأمِّ ولد، وسنذكرُه سنة تسع وأربعين ومئة. وأما عاصم بن عمر فقتله الخوارج في سنة سبع وعشرين ومئة (٢). وأما يزيد بن عُمر فحدَّثَ عن أَبيه، وأبي سَلَمة، وكنيتُه أبو عَمرو (٣). وأما آمنة (٤) بنت عمر؛ فإن عمر ﵁ مرَّ بها يومًا فدعاها، فلم تجبه، فأرسل إليها: ما منعك أن تُجيبي؟ فقالت: أنا عريانة. فقال عمر: يَا مُزاحم، انظر إلى تلك الفُرُش التي فتقناها، فاقطع لها منه قميصًا. وبلغ عمَّتَها أمَّ البنين، فأرسلت إليها بتختٍ من ثياب، وقالت: لا تطلبي من أخي شيئًا. وتزوَّج آمنةَ سفيان بن عاصم بن عبد العزيز، وكان ابنَ عمِّها، فحكى بعض أهل المدينة قال. إنِّي لواقفٌ بالعقيق وقد جاء الحاجّ؛ إذ طلعت امرأةٌ أعجَبَنا حالُها، فلما حاذت قصورَ سفيان بن عاصم بن عبد العزيز؛ عدلَتْ إليها، فدخلَتْ القصور، فمكثَتْ

стр. 4769

ساعةً، ثم خرَجَتْ وذهبَتْ، فقلت: ألا تنظرون ما صنعت المرأة؟ فدخلتُ فإذا على الحائط مكتوب: كَفَى حَزَنًا بالوالِهِ الصَّبِّ أن يرى … منازلَ من يهوى معطَّلةً قَفْرا بلى إنَّ ذا الشوقَ الموكَّل بالهوى … يزيدُ اشتياقًا كلَّما حاولَ الصَّبْرا وتحته مكتوب: كتبته آمنة بنت عمر بن عبد العزيز (١). ذكر فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر ﵁: [قال الزُّبير بن بكَار:] كانت أحظى نسائه عنده، وكانت موافقة له على الزهد والعبادة. قال عُمارة بن غَزِيَّة: حضرتُ عُرس فاطمة على عمر [بن عبد العزيز] فكانوا يُسْرِجون القناديل بالغالية ودُهنِ البان عوض الزيت. وكان على قبَّتها مكتوب: بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جدُّها … أختُ الخلائفِ والخليفةُ بعلُها (٢) قال الزُّبير بن بكَّار: لا يُعرف امرأةٌ تستحق هذا البيت غيرُها، وكان لها ثلاثة عشر محرمًا كلُّهم خليفة (٣): جدُّها مروان بنُ الحكم، وأبوها عبدُ الملك، وإخوتُها الأربعة الوليدُ، وسُليمان، ويزيد، وهشام، وهي عمَّة ثلاثة من الخلفاء: الوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، وجدُّها لأمها يزيد بنُ معاوية (٤)، وزوجُها عمر بنُ عبد العزيز، ولم يتفق هذا لغيرها فيما تقدَّم (٥).

стр. 4770

قال ابن عساكر: فاطمة بنت عبد الملك [بن مروان] كانت لها دار بدمشق بالعقيبة، خارج باب الفراديس، كان يكون بها العميان (١). ولما مات عمر ﵁ قالت لأخيها مَسْلَمة: إنِّي قد اشتهيتُ أن أجد رائحةَ الولد. فقال لها: ويحك! بعد أمير المُؤْمنين؟! قالت: لابدّ. قال: لأَشُورَنَّ (٢) بك الأزواج. فقالت: قد تَشَوَّرْتُ (٣) منهم داودَ بنَ بشر بن مروان. وكان داود أعور قبيح المنظر فقال الأحوص: أبَعْدَ الأغَرِّ بنِ عبدِ العزيز … قريعِ قريشٍ إذا يذكرُ تزوَّجتِ (٤) داودَ مختارةً … ألا ذلك الخَلَفُ الأعورُ فقال النَّاس: هذا الخَلَف الأعور. [وقال الجوهري: الشَّوار؛ بالتخفيف: فرجُ الرجل والمرأة، يقال: شوَّر به، أي: كأنه أبدى عورتَه. وقيل: إنما تزوَّجت سليمان بن داود بن مروان. قلت: والأصحّ داود بن بشر بن مروان]. وقال المصنِّف ﵀: وقد اتفق لربيعة خاتُون بنتِ أَيُّوب أختِ صلاح الدين ﵀ مثلُ هذا، فإنَّه ملكَ الشَّامَ ومصر واليمن والجزيرة منهم عدةُ ملوك كانوا لها محرمًا (٥). وفاطمة بنت عبد الملك ممَّن حدَّثت بالشَّام، وحكت عن زوجها عمر ﵁، وروى عنها عطاء، ومُزاحم مولى عمر، وأخوها مسلمة، وزُفر مولى مسلمة، وغيرُهم.

стр. 4771

ذكر حاجبه وقاضيه وصاحب شرطته ﵁. كان حاجبه رجاء بن حَيوة، وصاحب بيت المال مُزاحم مولاه، وقاضيه عبد الله بن يزيد بن حداس (١) الصَّنْعانِيّ وكنيتُه أبو مسعدة، وقيل: أبو مسعود؛ ولّاه عمر بن عبد العزيز ﵁ القضاء على مصر سنة مئة، فأقام إلى سنة خمس ومئة، ثم صرف ولم يرزق على القضاء دينارًا ولا درهمًا، فلما أراد الخروج من مصر كان عنده جوربان من اليمن، فباعهما وتصدَّق بثمنهما، وخرج من مصر مجرَّدًا. وكان صاحب حرسه مالك بن زياد (٢). وقيل: إن عمر ﵁ استقضى على الشَّام عُبيد الله بن سعيد الأملي (٣)، وكان صاحب شرطته كعب بن حامد (٤)، ثم رَوْح بن يزيد السكسكي (٥). وقال ابن سعد: كان عمرو بن المهاجر صاحب حرس عمر بن عبد العزيز ﵁، ومات سنة ست وثلاثين ومئة (٦). ذكر مواليه: منهم مُزاحم بن أبي مزاحم من سَبْي البربر، سكن مكة، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، وكان عمر ﵁ يُحبُّه ويُثني عليه ويقول له: يَا مُزاحم، إن الخلفاء تركوا العيون على الولاة، وأنا تركتُك عينًا على نفسي. وقال عمر ﵁: أوَّلُ من أيقظني لهذا الشأن مزاحم؛ حبستُ رجلًا، فأطلتُ حبسَه، فكلَّمني في إطلاقه، فقلتُ: ما أنا مخرجه حتَّى أؤدِّبَه. فقال: يَا عمر، أُحذِّرُك ليلة تمخَّض

стр. 4772

بالقيامة، ولقد كدتُ أنسى اسمك ممَّا أسمع النَّاس يقولون: قال الأمير. قال عمر ﵁: فكأنما كشف عني غطاء، فذكِّروا أنفسكم، فإن الذِّكرى تنفعُ المُؤْمنين (١). قال الواقديّ. مات عبد الملك بن عُمر أولًا، ثم سَهْل أخو عمر، ثم مولاه مزاحم، ثم عُمر ﵁، وكان مُزاحم عَوْنًا لعمر على أمره (٢). وقال عمر: ما مزاحم بأدنى الثلاثة عندي، ولقد كان وزير صدق. حكى عنه عمر، والزُّهري (٣)، وعُيَينَة والد سفيان، وابنُ جُرَيج، وابنُه سعيد بنُ مُزاحم، وغيرُهم (٤). ومنهم (٥) سابق بن عبد الله البربري (٦)، وكنيتُه أبو سعيد، وكان أحدَ الزُّهَّاد البكَّائين والشعراء المبرّزين، وأكثر شعره في الزُّهد والرقائق، كان يُنشد عمر ﵁ وعُمر يبكي. [وروى ابن أبي الدنيا عن ميمون بت مهران قال:] دخل [سابق البربري] على عمر ﵁ فقال له: أنشدني، فقال: فكم من صحيحٍ باتَ للموتِ آمنًا … أَتَتْهُ المنايا بغتةً بعد ما هَجَعْ فلم يستطعْ إذْ جاءه الموتُ بغتةً … فرارًا ولا منه بقوَّتهِ (٧) امْتَنَعْ فأصبحَ تبكيه النساءُ مقنَّعًا … ولا يَسمعُ الداعي وإنْ صوتَه رَفَعْ وقُرِّبَ من لَحْدٍ فصارَ مقيلَهُ … وفارقَ ما قَدْ كان بالأمسِ قد جَمَعْ فلا يتركُ الموتُ الغنيَّ لِمالِهِ … ولا مُعْدِمًا في المال ذا حاجة يَدَعْ فلم يزل عمر ﵁ يبكي ويضطرب حتَّى غُشِيَ عليه [فقمنا وتركناه] (٨).

стр. 4773

وله: إذا أنتَ لم تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقَى … ووافيتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدَا ندمتَ على أن لا تكونَ شَرَكتَهُ … وأرْصَدْتَ قبلَ الموتِ ما كانَ أرْصَدَا (١) [وله]: أموالُنا لذوي الميراث نجمَعُها … ودُورُنَا لخراب الدهرِ نبنيها والنفس تَكْلَفُ بالدنيا وقد عَلِمَتْ … أنَّ السلامة فيها تركُ ما فيها (٢) روى سابق عن ربيعة بن عبد الرَّحْمَن، وداود بن أبي هند، ومكحول، وغيرهم. قال ميمون بن مهران: دخل سابق على عمر ﵁، فقال له: عِظْني. فقال -وهي أبيات طويلة منها-: باسم الذي أُنزلَتْ من عنده السُّوَرُ … والحمدُ للهِ أمَّا بعدُ يا عمرُ فما صفا لامرئٍ عيشٌ يُسَرُّ به … إلا سيَتْبَعُ يومًا صفْوَهُ كَدَرُ والذِّكر (٣) فيه حياةٌ للقلوب كما … يُحيي البلادَ إذا ما ماتَتِ المطرُ (٤) لا ينفعُ الذِّكرُ قلبًا قاسيًا أبدًا … وهَلْ يلينُ لقلبِ الواعظِ الحجرُ ولا أرى أثرًا للذِّكر في جسدي … والحَبْلُ في الجَبَل القاسي له أثرُ لا يُشْبِعُ النفسَ شيءٌ حتَّى تُحرِزَه … ولا يَزالُ لها في غيره وَطَرُ ولا يزالُ وإن كانَتْ لها سَعَةٌ … لها إلى الشيءِ لم تظفر به نَظَرُ أَبَعْدَ آدمَ ترجُون البقاءَ وهَلْ … تبقى فروعٌ لأصل حين ينقعرُ (٥) وقال أبو أَحْمد الحاكم: كان سابقٌ إمامَ مسجد الرقَّة، وقاضي أهلها. ومن شعره:

стр. 4774

وللموت تَغْذُو الوالدتُ سِخَالها … كما لخراب الدَّهْرِ تُبْنَى المساكنُ فلا تَغْتَرِرْ ما عِشْتَ من مُتَجَمِّلٍ … بظاهر وُدٍّ قد تُغطَّى البطائنُ [وله]: تأوَّبَني هَمٌّ كثيرٌ بَلابِلُهْ … طروقًا فغال النومَ عني غَوائلُهْ (١) فَوَيحِي من الموتِ الذي هو واقعٌ … وللموتِ بابٌ أنتَ لا بدَّ داخلُهْ ولم أرَ في الدنيا وذو الجهلِ غافلٌ … أسيرًا يخافُ القتلَ واللهوُ شاغلُهْ ولا يَرْتَجِي عونًا على حَمْلِ وزْرِهِ … مسيءٌ وأولى الناسِ بالوزْرِ حاملُهْ ويغسلُ ما بالجلدِ من ظاهر الأَذَى … ولا يغسلُ الذنبَ المخالفَ غاسلُة ومَن تُفْلِتِ الأمراضُ يومًا فإنَّهُ … سيوشكُ يومًا أن تُصابَ مَقَاتِلُهْ إذا العلمُ لم تعمل به صارَ حُجَّةً … عليك ولم تُعْذَرْ بما أنتَ جاهلُهْ أرى الغُصْنَ (٢) لا يَنْمِي إذا اجتُثَّ أصلُهُ … وليس بباقٍ مَنْ أُبِيحَتْ أوائلُهْ وتطلبُ في الدنيا المنازلَ والعُلا … وتَنْسَى نعيمًا نائمًا لا تُزايلُهْ كمن غَرَّهُ لَمْعُ السَّرابِ بقَفْرةٍ … فقصَّر عن وردٍ تَجِيشُ مناهلُة وإنْ فَرِحَت بالمرء يومًا حلائلٌ … فلا بدَّ يومًا أن تُرِنَّ حلائلُهْ (٣) من أبيات. ذكر مسانيد عمر: أسند عمرُ رحمة الله كليه الحديثَ عن جماعة من الصَّحَابَة، منهم: عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام. وأرسل الحديث عن عبادة بن الصامت، والمغيرة بن شعبة، وتميم الداري، وعائشة رضوان الله عليها، وأمِّ هانئ.

стр. 4775

وروى عن خلق من التابعين: ابن المسيِّب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبي سلمة، وعروة بن الزُّبير، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وعامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وأبي بُرْدَة بن أبي موسى، وأبي حازم، والزُّهري، وعِراك بن مالك، ومحمَّد بن كعب القُرَظي، في آخرين. وروى عنه أبو سلمة بنُ عبد الرَّحْمَن -وهو أكبر منه- ومحمَّد بنُ المنكدر، وابناه عبدُ الله وعبدُ العزيز ابنا عمر، ومَسْلَمة بن عبد الملك، وأخوهُ زَبَّان بن عبد العزيز، وحُميد الطَّويل، ويحيى بن سعيد الأَنْصَارِيّ، وأبو بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورجاء بن حَيوة، وغيرهم (١). انتهت ترجمة عمر بن عبد العزيز (٢). [ومن الذين دخلوا على عمر بن عبد العزيز:] عُمر بن عبد الله بن أبي ربيعة حُذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشَّاعر، وكنيته أبو الخَطَّاب. [قال الزُّبير:] وُلد في الليلة التي قُتلَ فيها عمر بنُ الخَطَّاب رضوان الله عليه. كانت العرب تُقِرُّ لقريش بالتقدُّم عليها في كلّ شيء إلَّا الشعر، فلما كان عُمر أقرَّت لها بالشعر أَيضًا (٣). وكان عُمر شاعرًا مُفْلِقًا فصيحًا، غير أنَّهم نَهَوْا عن شعره وقالوا: هو رُقية الزِّنى (٤). وكان كثير التشبيب بالنساء قلَّ أن يرى امرأة إلَّا شبَّب بها، وكان يحبُّ زيارتهنَّ ومجالستهنَّ؛ شبَّب بالثُّريَّا [وإليه تنسب] وبسُكَينة بنت الحسين، وفاطمة بنت عبد

стр. 4776

الملك بن مروان، وأكثرُ تشبيبه بالثُّريَّا، فلما تزوَّجها سهيلُ بن عبد الرَّحْمَن بن عوف، وحُملت إليه من الشَّام إلى مكة قال عمر: أيُّها المُنْكِحُ الثُّريَّا سُهيلًا … عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يجتمعانِ (١) هي شاميَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ … وسُهَيلٌ إذا اسْتَقَلَّ يماني [وقال إسحاق الموصلي:] وكانت الثُّريَّا من أجمل النساء وأكملهن، وهي بنت عبد الله بن محمَّد بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف وكانت من أحسن النساء خَلْقًا وخُلُقًا، تأخذ الجرَّة من الماء، فتُفْرِغُها على رأسها، فلا يصيب باطنَ (٢) فخذها منها قطرة؛ لعِظَم كَفَلِها. وكان عُمر بنُ عبد الله يجتمعُ بها ويخلوانِ ويناشدُها الأشعار، فحجَّ مرَّةً، فقيل له: قد كنتَ تخلو بالثُّريَّا. فقال: برئتُ من ربِّ هذه البَنِيَّة -وأشار إلى الكعبة- إن كنتُ هممتُ بالثُّريَّا أو حَلْلتُ إزاري على حرام قطّ (٣). ومن شعره في سُكَينةَ قولُه: قالتْ سُكَينَةُ والدموعُ ذوارفٌ … منها على الخدَّينِ والجِلبابِ (٤) أسُكَينُ ما ماءُ الفراتِ وطِيبُهُ … منَّا على ظمأٍ وحُبِّ شرابِ بألذَّ منكِ وإن نأيتِ وقلَّما … تَرْعَى النِّساءُ أمانةَ الغُيَّابِ وقال في فاطمة بنت عبد الملك: افعلي بالأسيرِ إحدى ثلاثٍ … وافْهَمِيهِنَّ ثمَّ رُدِّي جوابي

стр. 4777

اقْتُلِيهِ قَتْلًا سريعًا مُرِيحًا … لا تكوني عليه سَوْطَ عذابِ أو أقيدي فإنَّما النَفْسُ بالنَّفْـ … ـسِ قضاءً مُفصَّلًا في الكتابِ أو صِلِيهِ وَصْلًا تَقَرُّ به العَيـ … نُ وَشرُّ الوصالِ (١) وصْلُ الكِذَابِ فأعطت الذي جاء بالأبيات أربعين دينارًا؛ لكلِّ بيت عَشَرةُ دنانير. قال الزُّبير بنُ بكَّار: أنشدَ ابنُ أبي عتيق سعيدَ بنَ المسيّب قولَ عمر: أيُّها الراكبُ (٢) المُجِدُّ ابتكارا … قَدْ قَضَى من تِهامةَ الأَوْطارا إنْ يَكُنْ قلبُك الغَداةَ خَلِيًّا (٣) … ففؤادي بالخَيفِ أمسى مُعَارا ليتَ ذا الحجَّ كان حَتْمًا علينا … كلَّ يومَينِ (٤) حَجَّةً واعْتمارا فقال ابن المسيِّب: لقد كلَّفَ المسلمين شَطَطًا. قال ابنُ أبي عَتِيق: فقلتُ له: في نفس [الجمل شيءٌ غيرُ ما في نفس سائقه]. ومن شعره: ولمَّا تفاوَضْنا الحديثَ وأسْفَرَتْ (٥) … وجوهٌ زهاها الحُسْنُ أَنْ تَتَقَنَّعا وقلتُ لمُطْريهنَّ (٦) ويحكَ إنما … ضَرَرْتَ فهل تَسْطِيعُ نَفْعًا فتنفَعَا تَبَالهْنَ بالعِرْفان لَمَّا عَرَفْنَنِي … وقُلْنَ امرؤٌ باغٍ أَكَلَّ وأوْضَعا وقَرَّبْنَ أسبابَ الهوى لمُتَيَّمٍ … يقيسُ ذراعًا كلَّما قِسْنَ إصْبَعا قال محمَّد بن سلام: كان عمر عفيفًا، يصف ويقف، ويحومُ ولا يَرِدُ (٧).

стр. 4778

وعاش سبعين سنةً، ولما احتُضر قال: واللهِ ما حللتُ إزاري على حرام قطّ. وقال الهيثم: رأى امرأةً في الطواف فكلَّمها فلم تكلّمه، وكان معها زوجُها، فقال: اللهُ بيني وبين قَيِّمِها … يَفِرُّ منَي بها وأتَّبِعُهْ فقالت المرأة: بل اللهُ بين قيِّمها وبينك، فقيل للمرأة: اشكوه إلى زوجك. فقالت: لا والله، لا أشكوه إلَّا إلى الله في مثل هذا المقام، اللهم اجْعَلْه طعامًا للريح. فركب يومًا فرسًا، فدخلت الريح في ثيابه، فسقطَ ميِّتًا (١). ذُو الرُّمَّة الشَّاعر كنيتُه أبو الحارث (٢)، واسمُه غَيلان بن عُقبة بن بُهَيش بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب العَدَويّ. وهو من الطَّبقة الثَّانية من شعراء الإِسلام، وكان يُشَبِّبُ بمَيّ بنت طَلَبَة (٣) بن عاصم المِنْقَريّ، ثم بخَرْقَاء بنت عامر بن ربيعة. وكان سببُ ذلك أنَّه مرَّ في بعض أسفاره بحيِّ خَرْقَاء، فرآها قد خرجت من الخِباء، فوقعَتْ في قلبه، فخَرَّقَ إداوتَه (٤) استطعامًا لكلامها، ثم قال لها: إنِّي رجلٌ على سفر وقد تخرَّقَتْ إداوتي، فأصلحيها. فقالت: أما علمتَ أني خَرْقاء. والخَرْقاءُ لا تُحسنُ العملَ لكرامتها على أهلها (٥). وكانت الخَرْقاء تقعد للنَّاس في طريق مكة، فإذا قفلُوا تقول لهم: أنا أحدُ مناسِكِكُم، فإذا قالوا: وكيف؟ تقول: أنا صاحبةُ ذي الرُّمَّة التي يقول فيها:

стр. 4779

تمامُ الحجِّ أن تقفَ المطايا … على خَرْقاءَ واضعةِ اللِّثامِ وتكشفُ عن لثامها (١). قال القحذمي: دخلَ ذو الرُّمَّة الكوفة، فبينا هو يسير في شوارعها إذ رأى جارية سوداءَ واقفةً على باب دار، فاستحسنَها ووقعت بقلبه، فاستسقى ماءً، فأخرجَتْ له كوزًا فشرب، وأراد أن يمازحها، فقال لها: يَا جارية، ما أحرَّ ماءَكِ! فقالت: لو شئتَ لأقبلتَ على عيوب شِعركِ، وتركتَ حَرَّ مائي وبَرْدَه. فقال: وأيُّ شِعْري فيه عيب؟! قالت: ألستَ ذا الرُّمَّة؟! قال: بلى. فقالت: وأنت الذي شَبَّهْتَ عنزًا بقفرةٍ … لها ذَنَبٌ فوقَ اسْتِها أمَّ سالمِ جعلتَ لها قَرْنَينِ فوقَ جبينِها … وطِبْيَينِ (٢) مُسْوَدَّينِ مثلَ المحاجمِ (٣) وساقَينِ إن يستمسكا منكَ يتركا … لساقيكَ يَا غيلانُ مثلَ المياسمِ (٤) أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بينَ جُلاجلٍ … وبينَ النَّقَا (٥) آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ قال: فنزل ذو الرُّمَّة عن راحلته وقال: أنشدك الله إلَّا ما أخَذْتِيها وما عليها، ولا تذكرين هذا لأحد. فقالت: خُذْ راحلتَك وانصرف راشدًا، فلا ذكرتُه لأحد (٦). قال المنتجع بن نبهان: كنت عند ذي الرُّمَّة وقد احتُضر، فلما أحسَّ بالموت بكى وقال: ما ظنُّك بي؟ قلت: أَنْتَ أعلم بما جرى بينك وبين مَيَّة. فقال: لا نالتني شفاعةُ محمَّد ﷺ إن كنتُ هَمَمْتُ بها بريبة قطّ، ولقد كنتُ هائمًا بها عشرين سنة.

стр. 4780

وقيل: تأخَّر موتُه إلى أيام هشام بن عبد الملك، وتوفي وهو خارج إليه فدُفن بِحُزْوَى (١). وقال المنتجع: كنت مع ذي الرُّمَّة، فلمّا أحسَّ بالموت قال: يَا منتجع، مثلي لا يُدفنُ في غُمُوضٍ (٢) من الأرض، ولا في بطون الأودية، فإذا متُّ فادفنِّي في رأس فِرِنْداذين (٣). فدفتنُه به، فهناك قبرُه. ولما احتُضر قال: أنا ابنُ نصف الهَرَم [أنا ابنُ أربعين سنة] وقال: يَا ربِّ قد أشرقَت نفسي وقد علمَت … علمًا يقينًا لقد أحصيتَ آثاري يَا مُخْرِجَ الرُّوحِ من جسمي إذا احْتُضِرَتْ … وفارجَ الهَمِّ زَحْزِحْني عن النَّارِ (٤) ولما سمع الفرزدق شعره قال: ما أحسنَ ما تقول! فقال ذو الرُّمَّة: فما لي لا أُعَدُّ في الفحول؟ فقال الفرزدق: لتقصيرك عن غاياتهم (٥). ولم يكن لذي الرُّمَّة حظ في الهجو. حدَّثَ ذو الرُّمَّة عن ابن عباس، ووفدَ على الوليد بن عبد الملك، وروى عنه أبو عَمرو بنُ العلاء. وكان له ثلاثةُ إخوة يقولون الشعر: مسعود، وهشام، وخرقاش، بنو عقبة. القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه كنيتُه أبو محمَّد، وكان أحدَ الفقهاء السبعة بالمدينة، وهو من الطَّبقة الثَّانية من التابعين من أهل المدينة.

стр. 4781

وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: سَوْدَة، وقيل: أمُّ عبد الله، قُتل أبوه محمَّد قريبًا من سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان رضوان الله عليه، وبقي القاسم يتيمًا في حجر عائشة رضوان الله عليها (١). وكان أشبهَ الناسِ بأبي بكر الصديق رضوان الله عليه. قال: كانت عائشة تَحْلِقُ رؤوسَنا عشيَّةَ عرفة، ثم تُخلِّقُنا وتبعث بنا إلى المسجد، ثم تُضَحِّي عنَّا من الغد (٢). قال رجل للقاسم: أيُّما أفقهُ أنتَ أم سالمُ بن عبد الله؟ فقال: ذاك منزلُ سالم. لم يزدْه على ذلك، كره أن يقول: سالم أعلمُ منّي فيخطئ، وكره أن يقول: أنا أعلم، فيزكِّي نفسه (٣). والقاسم الذي قال عمر بن عبد العزيز ﵁: لو كان إليَّ من الأمر ما عَدَلْتُ عن الأَعمش (٤). وعُمر قال ذلك قبل أن يذهب بصر القاسم. وبعث إليه عمر بن عبد العزيز ﵁ بألف دينار فردَّها تورُّعًا. وقال أَيُّوب: لقد ترك القاسم مئة أَلْف وهي له حلال (٥). وكان يصبغ رداءه بالزَّعفران، وكان يلبس جُبَّة خَزّ، وما كان يُجيبُ إلَّا في الشيء الظاهر (٦). وكان يخضبُ رأسَه ولحيتَه بالحِنَّاء (٧). وقال: كفِّنُوني في ثيابي التي كنتُ أُصلِّي فيها؛ قميصي وإزاري وردائي. فقال له ابنُه: يَا أبة، ألا تريد ثوبين؟ فقال: يَا بُنّي، هكذا كُفِّن أبو بكر في ثلاثة أثواب، والحيُّ أحوجُ إلى الجديد من الميت (٨).

стр. 4782

قال ابن سعد: مات بقُدَيد، فدُفن بالمُشَلَّل، وبين ذلك نحوٌ من ثلاثة أميال، ووضع ابنُه السريرَ على كاهله، ومشى إلى المُشَلّل (١). قال الواقدي: مات سنة ثمان ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال خليفة: سنة ستِّ ومئة (٢). وقال ابن عساكر (٣): توفّي في أول ولاية يزيد بن عبد الملك سنة إحدى ومئة أو اثنتين. وقال رجاء بن أبي سَلَمة: ماتَ ما بين مكة والمدينة حاجًّا أو معتمرًا، فقال لابنه: سُنَّ عليَّ التُّرابَ سَنًّا (٤)، وسوِّ عليَّ قبري، والحَقْ بأهلك، وإيَّاك أن تقول: كان وكان (٥). وكان للقاسم من الولد: عبد الرَّحْمَن، وأمُّ فَرْوة -وهي أمُّ جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- وأمُّ حكيم بنت القاسم، وعبدة، وأمُّهم قريبة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصديق ﵁ (٦). وعبد الرَّحْمَن بن القاسم من خيار المسلمين ورواة العلم، وكان له قَدْرٌ في المشرق (٧). وابنه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وليَ القضاء بالمدينة للحسن بن زيد في أيام المأمون. أسند القاسم عن ابن عُمر، وابن عبَّاس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمته عائشة، رضي الله هم عنهم أجمعين.

стр. 4783

وروى عنه ابنُه عبد الرَّحْمَن، وسالم بن عبد الله بن عُمر، والزُّهري، ونافع مولى ابن عُمر، والشّعبي، وأنس بن سيرين، ويحيى بن سعيد الأَنْصَارِيّ، ومحمَّد بن المنكدر، وأبو بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حَزْم، وأسامة بن زيد الليثيّ وربيعة (١)، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف، وعبد الله بن عَوْن، ومالك بن دينار، وأيوب السَّخْتِياني، وأبوالزِّناد، وشيبة بن نِصاح المقرئ، وحُميد الطَّويل، وخلق كثير. وكان ثِقَةً رفيعًا، عالمًا فقيهًا إمامًا، كثيرَ الحديث ورعًا، وكان يحدِّثُ بالحديث على حروفه، رحمة الله عليه. مُحَرَّر (٢) بن أبي هريرة الدَّوْسي، من الطَّبقة الثَّانية من أهل المدينة، تُوفِّي في خلافة عُمر بن عبد العزيز (٣). وقد روى عن أَبيه، وكان قليل الحديث، وروى عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. وروى عنه ابنُه مسلم بن المحرَّر، وعطاء، والشعبي، وغيرُهم، ووفد على عبد الملك وابنِه سليمان (٤). ولقيَ ابنَ عمر ﵁، فسأله عن السَّمَك يكون بالساحل، فينضبُ عنه الماء، فيموت، فقال: هو حلال (٥). محمَّد بن مروان بن الحاكم وأمُّه أمُّ ولد، يقال لها: زينب، وهو من الطَّبقة الثَّانية من أهل المدينة (٦).

стр. 4784

وكان شجاعًا صاحب غزو، وكان أبوه مروان قد ولاه أرمينية، وكان عبدُ الملك يحسُدُه على شجاعته، فتهيَّأ محمَّد للمسير إلى أرمينية مفارقًا لأخيه عبد الملك، فدخل عليه مودّعًا وأنشده: وإنك لا تَرى طَرْدًا لحرٍّ … كإلصاقٍ به بعضَ الهوانِ فلو كنَّا بمنزلةٍ جميعًا … جريتَ وأنتَ مضطربُ العِنانِ فرقَّ له عبدُ الملك، وقال: يَا أخي، أَقِمْ، فواللهِ لا رأيتَ منِّي ما تكره بعدَها (١). وفي سنة ثلاث وسبعين غزا قيسارَيَّة من أرض الروم إلى مَرْعَش. وغزا سنةَ ستٍّ وسبعين من ناحية مَلَطْيَة. وغزا أَيضًا سنة اثنتين وثلاث وأربع وخمس وسبع وثمانين أرمينية، وصاف بها وشَتَا (٢). وفي سنة تسعين فتح باب الأبواب ومعظم حصونِه (٣). وفي سنة إحدى وتسعين عزلَ الوليدُ بنُ عبد الملك محمدَ بنَ مروان عن الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولَّاها مَسْلَمةَ بنَ عبد الملك، فسار إلى باب الأبواب، ونصبَ عليها المجانيق فَهَدَّ حائط الباب (٤). وفي سنة إحدى ومئة مات محمَّد بن مروان. وكان له من الولد مروانُ، آخِرُ خلفاء بني أمية، وأمُّه أم ولد. ويزيدُ، وأمُّه رَمْلَة بنت يزيد بن عُبيد الله بن شيبة بن ربيعة بن عبد شمس. وعبدُ الرَّحْمَن، وأمُّه أمُّ جميل بنت عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الخطاب. ومنصور، لأمِّ ولد. وعبدُ العزيز، لأمِّ ولد. وعبدة، ورَمْلة، لأمَّهات أولاد (٥).

стр. 4785

وقد روى الزُّهْريّ عن محمَّد بن مروان، وروى عن مروان ولدُه محمَّد (١). مِقْسَم صاحب ابن عباس من الطَّبقة الثَّانية من أهل مكة (٢)، وهو مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب، ويُكنى أَبا القاسم. وكان قد لزمَ ابنَ عبَّاس، وروى عنه، فبعضُ النَّاس يقول: هو مولى ابن عباس للزومه له، وكان كثيرَ الحديث ضعيفًا، تُوفِّي في سنة إحدى ومئة (٣). يزيد بن الأصمّ أبو عوف (٤) العامري، الكُوفيّ من الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة (٥). وهو ابنُ أخت ميمونة زوجِ رسول الله ﷺ ، أمُّه بَرْزَة بنتُ الحارث؛ قيل: إنه رأى رسول الله ﷺ . وسكن الرَّقَّة، ووفدَ على معاويةَ، وعبدِ الملك، وسليمان وقال: حضرتُ عند سليمان، فجاءه رجل بمال من جسر مَنْبج (٦)، وعنده عمر بن عبد العزيز فقال عمر لسليمان: إنَّ هذا رجل سوء يحمل مال السوء (٧). فأطلقَ سليمان [سبيل النَّاس من] (٨) الجسور والمعابر.

стр. 4786

واسم الأصمّ عَمرو بن عُدَس بن عُبادة من بني عامر بن صعصعة. وكان يزيد ثقةً كثير الحديث، روى عن أبي هريرة، وابن عبَّاس، وخالته ميمونة، وكان ينزلُ الرَّقَّة. وقال سليمان بن عبد الله بن الأصم: مات يزيد بن الأصمّ في سنة ثلاث ومئة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وقال أبو أَحْمد العجلي: مات بالرَّقَّة سنة إحدى ومئة (١). وقيل: سنة ثلاث -أو أربع- ومئة. وقيل: عاش إلى زمن هشام بن عبد الملك (٢). وأسند عن سعد بن أبي وقَّاص، وعوف بن مالك، وعائشة، وأمِّ الدَّرداء (٣). وحدَّث عنه عبد الله وعُبيد الله ابنا عبد الله بن الأصمّ، وميمون بن مِهْران، وغيرهم، وكان ثِقَة صالحًا، رحمة الله عليه (٤). السنة الثانية بعد المئة فيها قُتل يزيد بنُ المهلب وإخوتُه، وعديُّ بنُ أرطأة، وعبد الملك بنُ مِسْمَع، ويزيدُ ابنُ أبي مسلم بإفريقية، وغيرهم، وسنذكرُهم في تراجمهم. وفيها جمع يزيدُ بنُ عبد الملك لمسلمةَ بنِ عبد الملك بعد قَتْلِ يزيدَ بنِ المهلب بين ولاية الكوفة والبصرة وخُراسان، فولَّى مسلمةُ الكوفةَ محمدَ بنَ عَمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط. ويقال له: ذو الشامة. وولَّى على البصرة عبدَ الرَّحْمَن بنَ سُليم الكلبي عاملًا [و] على شرطتها عمر بن يزيد بن عمير التَّمِيمِيّ، فأراد عبد الرَّحْمَن بن سُليم أن يستعر أهل البصرة، فقال له عُمر بن يزيد: تريد أن تفعل ذلك ولم تُهيِّئ

стр. 4787

حصنًا تكون فيه، فواللهِ لو رماك أهلُ البصرة بالحجارة لقتلونا، ولكن اصْبِرْ حتَّى تنظر. وبعث رسولًا إلى مسلمة يخبره، فعزل عبدَ الرَّحْمَن بنَ سُليم، وأقرَّ عُمَر على الشرطة، وولَّى عاملًا على البصرة عبدَ الملك بنَ بشر بنِ مروان (١). وفيها بعث مسلمةُ إلى خُراسان سعيدَ بنَ عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكان زوجَ ابنةِ مَسْلَمة بن عبد الملك، ويلقب سعيد خُذينة (٢). [وسببُه أنَّه لما قدم خُراسان لبس ثيابًا مصبغة، وكان متنعّمًا، فدخل عليه بعضُ ملوكها -أو دهاقينها- فرآه على تلك الحال، فلمَّا خرجَ من عنده قالوا: كيف رأيتَ الأمير؟ قال: خذينة. وهي بلغة الدهاقنة يعني امرأة]. ورُفع إلى سعيد خُذينة أن أقوامًا اختانوا الأموال، منهم جَهْم بن زَحْر الجُعْفيّ، والقعقاع الأَزدِيّ، والمنتجع بن عبد الرَّحْمَن الأَزدِيّ، وعبد العزيز بن عَمرو بن الحجاج الزبيدي، فحبسهم، وبسطَ عليهم العذاب، فمات جَهْم بن زَحْر، وعبد العزيز، والمنتجع. وأقامَ القعقاعُ حتَّى غزت التركُ مَرْو، فأخرج من الحبس (٣). وفيها عزل سعيد خُذينة شعبةَ بنَ ظُهير عن سَمَرْقَنْد والسُّغْد (٤)، وولَّى حَرْبَها عثمانَ بنَ عبد الله بن مطرّف بن الشِّخِّير، وولَّى الخراج سليمان بن أبي السَّرِيّ، وولَّى هراةَ معقلَ بنَ عُروة القشيري. وضعَّفَ النَّاسُ سعيدًا، وسَمَّوْه خُذينة (٥). وبلغ التُّرك، فطمعوا فيه، وجمع خاقان التُّرك، وبعث بهم إلى السُّغْد، وقدَّم عليهم رجلًا يقال له: كورصول، فسار حتَّى نزل القصر الباهليّ وفيه مئةُ أهلِ بيت بذراريّهم،

стр. 4788

والذي جاء بهم إلى القصر أنَّ بعضَ الدَّهاقين خطبَ امرأةً في القصر من باهلة، فأبَتْ أن تتزوَّجه، فجاء بالتُّرك، فحصروه. وكان عثمان بن عبد الله بسمرقند، وبين القصر وسمرقند مسافة، فخاف أهلُه أن يُبطئَ عليهم المدد، فصالحوا التُّرك على أربعين ألفًا، وأعطَوْهم الرهائن السبعة عشر رجلًا (١). وندبَ عثمانُ النَّاسَ إلى الخروج إلى التُّرك، فانتدب المسيّب بن بشر الرّياحي في أربعة آلاف مقاتل من أعيان القبائل، وفيهم الأشراف ووجوه النَّاس. فسار يومًا، ثم نزل وقال: إنكم تَقْدَمُون على فرسان التُّرك، فإن صبرتُم فلكم الجنة، وإنْ فررتُم فالنار، فمن أراد أن يقدَم فليقدَم. فانصرف عنه أَلْف وثلاث مئة، ثم سار فَرْسَخًا، فقال مثل مقالته، فانصرف عنه أَلْف، وسارَ فَرْسَخًا، وبقي في سبع مئة. ولما قرب من القوم جاءه دِهْقان، فقال له: لم يبق من الدَّهاقين إلَّا من بايع التُّرك غيري، وأنا في ثلاث مئة مقاتل، ونحن معك، والتُّرك قد حصروا القصر وصالحوهم على أربعين ألفًا، وأعطَوْهُم سبعةَ عشرَ رجلًا رهائن، ولما بلغ التُّركَ وصولُكم قَتَلوا الرهائن، وميعادُهم أن يقاتلوهم غدًا، أو يفتحوا لهم القصر. وكان في القصر عبدُ الملك بنُ دِثار الباهليّ، فقال المسيّب لرجلين: اذْهَبا وتَحَيَّلا في وصولكما إلى القصر، وأخْبِرا أهله بالغِياث. فسارا ليلًا فوجدا التُّرك قد أجْرَوا الماء حول القصر، فلا يصلُ إليه أحد، وكانت ليلةً مظلمة، فنزلا عن فرسيهما وشَدَّاه في الشجر، وخاضا الماء إلى القصر، فصاح الدّيدَبان (٢)، فقالا: اسكت، ونادِ لنا عبدَ الملك بنَ دِثار. فناداه، فأخبرَاه بوصول المسيّب، وأنه على فَرْسخين منهم، فقال عبد الملك: إنَّا كنَّا قد عزمنا على تقديم نسائنا للموت، ثم نموتُ كلُّنا جميعًا.

стр. 4789

فرجعا إلى المسيّب فأخْبَراه، فقال المسيّب للذين معه: إنِّي سائر إلى هذا العدوّ، فمن أحبَّ أن يذهبَ فليذهبْ. فلم يفارقه أحد، وبايعوه على الموت، وأجمع على بياتهم، وقد أطلقوا الماء حول القصر. فلما كان في الليل قال لهم: اجعلوا شعاركم: يَا محمَّد، وكانوا سبع مئة، فلما كان وقتُ السَّحَر وقد دَنَوْا منهم؛ كرُّوا وحملُوا، وخالطوا التُّرك، فصبروا لهم، وانهزم المسلمون، وأصابَ تركيٌّ عَجُز دابَّة المسيّب، فترجَّلَ، وترجَّلَ أصحابُه، وقاتلوا قتالًا شديدًا، واستُشهد جماعة من المسلمين، وأنزلَ اللهُ نصرَه، فانهزمت الترك، فقال المسيّب: لا تتبعوهم، واقْصِدُوا القصر، ولا تحملوا إلَّا المال والحريم والضَّعْفَى. فحملُوا الجميع، فألحقوهم بسمَرْقَنْد، ونادى المسيّب: مَنْ حملَ امرأة أو صبيًّا أو ضعيفًا [حِسْبَةً] فأجرُه على الله، ومَنْ أبى فله أربعون درهمًا. فحملوا جميعَ مَنْ كان فيه، وتأخَّر (١) عن القصر. وعاد التُّرك من الغد إلى القصر، فلم يجدوا فيه أحدًا، وشاهدوا حول القصر قتلاهم، فقالوا: هؤلاء الذين جاؤوكم لم يكونوا من الإنس (٢). وكان التُّرك أربعين ألفًا. وذكر الشعراء الوقعة، فقال ثابت قُطْنة (٣): فَدَتْ نفسي فوارسَ من تميمٍ … غَدَاةَ الرَّوْع في ضَنْكِ المقامِ بقصرِ الباهليّ وقد رأوني … أُحامي حيثُ ضنَّ به المحامي (٤) بسيفي بَعْدَ حَطْمِ الرُّمْحِ قُدْمًا … أذُودُهُمُ بذي شُطَبٍ حُسامِ (٥)

стр. 4790

أكُرُّ عليهم اليحمومَ كَرًّا … ككَرِّ الشَّرْبِ (١) آنيةَ المُدامِ أكُرُّ به لَدَى الغَمَراتِ حتَّى … تَجَلَّتْ لا يضيقُ بها مَقامي فلولا اللهُ ليس له شريك … وضَرْبي قَوْنَسَ (٢) الملكِ الهُمامِ إذَا لَسَعَتْ نساءُ بني دِثارٍ … أمامَ التُّرْكِ باديةَ الخِدامِ فمَنْ مثلُ المسيّب في تميمٍ … أبي بِشْرٍ كقادمةِ الحِمامِ (٣) وقال [جرير يذكُر المسيّب] (٤): لولا حِمايةُ يَرْبوعٍ نساءَكُمُ … كانت لغيركُمُ منهنَّ أطهارُ حَامَى المسيَّبُ والخَيلانِ في رَهَجٍ … إذ كان شعبة لا يحمي وزَرَّارُ (٥) وفيها قطع سعيد خُذينة النهرَ (٦)، وغزا السُّغْد (٧)، وكانوا قد نقضوا العهد، وأعانوا الترك على المسلمين، فقال النَّاس لسعيد: تركتَ الغزو وقد أغار الترك وأعانهم [أهل] السُّغْد. فعبر النهر، ولقيَه الترك والسُّغْد، فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم، فإن السُّغْد بستانُ أمير المُؤْمنين، وقد هزمتُموهم، أفتُريدُون بَوَارَهم، يَا أهل العراق قد قاتلتُم الخلفاء غير مرة فهل أبارُوكم؟! وكره النَّاس سعيد خُذَينة لأنه كان مُولعًا باللهو، ليس له في الغزو حظّ. وقطع النهر مرتين، ولم يُمعن في قتال العدوّ، وكان إذا دخلت سريةٌ بلادَ العدوّ فسَبَوْا وغنموا، رَدّ السَّبْيَ، وعاقبَ السَّريَّة. فقال الهَجَريّ الشاعر:

стр. 4791

سَرَيتَ إلى الأعداء تلهو بلعبةٍ … وأيرُك مسلولٌ وسيفك مُغْمَدُ وأنتَ لمن عادَيتَ عِرْسٌ خفيَّةٌ … وأنتَ لمن وإلى حُسام مُهَنَّدُ (١) وكان بخراسان أميرٌ؛ كنيته أبو الهيَّاج، واسمُه حيّان، نبطي، وكان شجاعًا، ومال النَّاسُ إليه، فقال سَوْرَة ابن أبجر (٢) لسعيد خُذينة: قد مال النَّاس إلى حيَّان، وهو الذي أفسد على قُتيبة بن مسلم خُراسان، وفي عَزْمِهِ الوثوبُ بك. فقال سعيد: يَا سورة، هذا محال. ثم غافل حيانَ أيامًا، ودعا في مجلسه بلبنٍ قد سُحق فيه الذهب، فقُدّم إلى حيَّان، فشربَه، ثم ركب سعيد، وركبَ النَّاس معه، وأظهر أنَّه يقصد عدوًّا، فركض أربعة فراسخ، فعاش حيَّان أربعة أيام ومات، فكره النَّاسُ سعيدًا واستثقلوه (٣). وفيها غزا عُمر بن هُبيرة أرمينية، فسبى خلقًا عظيمًا، وغنم غنائم كثيرة. وفيها بعثَ ميسرةُ من العراق إلى خُراسان رجالًا يظهرون الدعوةَ العباسيَّة، وبلغ عَمرَو بنَ بَحِير بن وَرْقاء السَّعديّ أمرُهم، فجاء إلى سعيد خُذينة، فأخبره، فاستدعاهم وقال: ما أنتم؟ قالوا: تجار. قال: لا، بل دعاةٌ. فقالوا: ما ندري ما تقول. وجاءت ربيعةُ واليمن، وقومٌ من خُراسان، فقالوا: هؤلاء تجار، وإنْ جاء منهم ما تكره، كان علينا. فأطلقَهم (٤). وفيها عزل يزيدُ بنُ عبد الملك أخاه مَسْلَمةَ عن العراقين وخُراسان بعد قتل يزيد بن المهلب بثمانية أشهر. وقيل: بستة أشهر. وسببُه أنَّ مسلمةَ استولى على العراقين وخُراسان والبلاد الشَّرقية، فاحتجز الأموال، ولم يبعث إلى يزيد بن عبد الملك منها شيئًا، وضاق الأمر على يزيد، وأراد عزلَه، فاستحيا منه، وكتب إليه: استخلِفْ على عملك، واقْدَمْ عليَّ لأمرٍ لا تحملُه الرسائلُ والكتب.

стр. 4792

وكان مسلمةُ قبل ذلك قد عزم على زيارة يزيد، فاستشار عبدَ العزيز بنَ حاتم بن النُّعمان في زيارته، فقال له: إنك لَطَروب، وإن عهدَك به لَقريب، وواللهِ لئن فارقتَ بلادك [فإنك لا تخرج من عملك] (١) حتَّى تلتقي العامل عليها. فسار مسلمةُ فلما بلغ دُورين لقيه عُمر بن هُبيرة على خمس من دوابّ البريد، فسأله مسلمة عن مَقْدَمِهِ، فقال: بعثني أمير المُؤْمنين لأحوز أموال بني المهلَّب بالبصرة. فقال [مسلمة] لعبد العزيز: هذا ابنُ هُبيرة قد لَقِيَنا. فقال عبد العزيز: فقد أحْبرتُك. فقال: إنما جاء لِحيازة أموالِ بني المهلَّب. فقال: هذا أعجبُ من الأول، انصرفَ ابنُ هُبيرة عن أعمال الجزيرة، وتولَّى جباية أموالِ بني المهلَّب، سوف ترى. فلم يلبث أن جاءه عزلُ عمالِ مسلمة ومطالبةُ ابنِ هُبيرةَ لهم بالأموال، ووصلَ مسلمة إلى الشام. وقال الفرزدق: راحَتْ بمَسْلَمةَ الرّكابُ مودَّعًا … فارْعَي فَزَارةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ عُزِلَ ابنُ بِشْرٍ وابنُ عمرٍو قبلَهُ … وأخو هَراةَ لمثلها يتوقَّعُ ولقد علمتُ لئن فَزَارةُ أُمِّرَتْ … أنْ سوفَ تطمعُ في الإمارة أشجعُ يعني بابنِ بِشْر عبدَ الملك بنَ بشر بن مروان، وبابن عمرٍو محمدًا ذا الشامة، وبأخي هَراة سعيدَ خُذينة (٢). وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة عبد الرَّحْمَن بنُ الضحَّاك بن قيس الفِهْرِي، وكان على المدينة، وكان على مكة عبدُ العزيز بنُ عبد الله بن خالد بن أَسِيد، وعلى العراق ابنُ هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة القاسمُ بنُ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مسعود، وعلى البصرة عبد الملك بن بِشر بن مروان (٣).

стр. 4793

وفيها تُوفِّي الضحَّاك بن مُزاحم الهلالي [من بني عامر بن صعصعة] من رهط زينب زوج رسول الله ﷺ (١)، وكنيته أبو القاسم، وهو من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة (٢). وُلد لسنتين وقد أثغر (٣)، وكان معلّمًا في الكتَّاب، يعلّم النَّاس، ولا يأخذُ منهم على التعليم أجرة. [قال الواقديّ:] وأصلُه من الكوفة، ثم أقام ببَلْخ، ومات بخراسان. وله تفسيرٌ للقرآن مشهور، وكان عابدًا مجتهدًا، إذا أمسى يقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي ويبكي (٤). وقال: لقد أدركتُ أصحابي وما يتعلَّمون إلَّا الورع (٥). مات سنة اثنتين ومئة، وقيل: سنة خمس ومئة. [وقال شعبة (عن مُشاش): قلتُ له: لقيتَ ابنَ عبَّاس؟ قال: لا. وقال عبد الملك بن ميسرة: لم يلق الضحاكُ بنَ عبَّاس، وإنما] لقيَ سعيد بنَ جبير بالرَّيّ، فأخذ عنه التفسير، وكان فَصُّ خاتمه صورة طائر (٦). عامر بن واثلة ابن عبد الله [بن عُمير] بن جابر الكِنانِيّ، كنيتُه أبو الطُّفيل الليثيّ. ولد عامَ أُحد، وأدرك من حياة رسول الله ﷺ ثماني سنين، وهو آخر سائر الصَّحَابَة موتًا بمكة، وهو آخِرُ من رأى رسولَ الله ﷺ .

стр. 4794

وكان من أصحاب عليّ ﵇، شهد معه مشاهدَه كلَّها، فلما استُشهد؛ خرجَ إلى مكة، فأقام بها حتَّى مات (١). وقال الزبير بن بكَّار: وقد عامر على معاوية، فقال له: ألستَ من قتلة عثمان؟! قال: لا، ولكني ممَّن لم ينصره [قال: وما منعك من نصره؟! قال: لم ينصره] المهاجرون والأَنْصار. فقال معاوية: واللهِ لقد كان حقًّا عليهم أن ينصروه. قال له عامر: فما منعك أنتَ من نصره ومعك أهل الشام؟! فقال معاوية: طلبي بدمه نصرةٌ [له]. فضحك عامر، وقال: أنتَ وعثمانُ كما قال القائل؟ لا أُلْفِيَنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني … [وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي] قال له معاوية: ما أبقى الدهر من ثُكْلِكَ على أبي تراب؟ فقال: ثُكْلِي على أمير المُؤْمنين ثُكْلُ المِقْلات العجوز، والرَّقُوب. قال: فكيف حبُّك له؟ قال: حبُّ أمِّ موسى لموسى. ثم قام فخرج (٢). وكان عامر فصيحًا فاضلًا شاعرًا حاضرَ الجواب. ومن شعره: أيدْعونَني شيخًا وقد عِشْتُ بُرْهةً … وهنَّ من الأزواج نحوي نوازعُ وما شابَ رأسي من سنينَ تتابَعَتْ … عليَّ ولكن شَيَّبَتْني الوقائعُ (٣) وتوفي بعد سنة مئة، وقال خليفة: تُوفِّي بمكة سنة اثنتين ومئة (٤). وقيل: سنة سبع ومئة. وقيل (٥): عشر ومئة، والأوّل أصحّ (٦).

стр. 4795

وكان له ابن اسمه الطُّفيل بن عامر، وبه كان يُكنَى، قُتل مع ابن الأشعث يومَ الجماجم. أسند عامر الحديث، أخرج له الإِمام أَحْمد ﵁ في "المسند" عشرة أحاديث (١)، منها: قال الإِمام أَحْمد ﵀: حَدَّثَنَا وكيع، حدَّثنا معروف المكيّ قال: سمعتُ أَبا الطُّفيل عامرَ بنَ واثلة قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يطوفُ بالبيت على راحلته يستلمُ الحَجَرَ بمِحْجَنِهِ. انفرد بإخراجه مسلم (٢). قالوا: وإنَّما لم يخرج عنه البخاريّ لأنه كان مُفْرِطًا في التشيّع (٣). قال ابنُ عبد البَرّ: كان يعترفُ بفضل الشيخين، إلَّا أنَّه كان يقدِّم عليًّا (٤). وأجمعوا على أنَّه كان ثِقَة مأمونًا (٥)، روى عن جماعة من الصَّحَابَة؛ عليٍّ، وابنِ عباس، ومعاذِ بنِ جبل، وروى عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. ووردَ المدائن في حياة حُذيفة، وبعد ذلك في صحبة عليّ رضوان الله عليه (٦). وذكره ابن عساكر (٧) فيمن ورد الشَّام، وروى عنه الزُّهري، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن إياس الجُرَيريّ، وفِطْر بنُ خليفة، وجابر بن يزيد الجُعْفيّ، وعليّ بنُ زيد بن جُدْعان، وأبو الزّبير، وجرير بن حازم، وغيرهم ﵃ (٨) .. عبد الملك بن مِسْمَع الرَّبَعيّ البَصْرِيّ، كان من وجوه أهل البصرة، جوادًا شريفًا سيِّد ربيعة في زمانه. ولَّاه الحجَّاج شطَّي دِجْلة، وأوفدَه على عبد الملك مع وقد البصرة، فدخلَ الشيوخُ أوَّلًا، وتأخر عبد الملك لصغره (٩).

стр. 4796

قال له عبد الملك: انتسبْ. فانْتسبْ، فأحسن، فقال له: ما أخَّرَك يَا غلام؟ فقال: تقدَّمَ أهلُ السِّنِّ والبلاء. فقال له عبد الملك: أنتَ واللهِ أعظمُ بلاءً عندنا، وأعظمُ والدًا. وكان أبوه مِسْمَع على خراسان. وأمرَ أن لا يتقدَّم عليه أحدٌ، وأمر الحجَّاجَ أن يُولِّيَه البحرَين، والبحر والهند والسِّند، فولَّاه، ومات الحَجَّاج وهو عليها. فلما ولي عديُّ بن أرطأة البصرة لعمر بن عبد العزيز ﵁ أقَرَّه عليها، وافتتحَ مدينة القِيقان، ومدينة راكس، وهما بين سجستان والسِّند. ثم إنَّ عديًّا استدعاه في قَومَة يزيد بن المهلب، فلما غلب يزيد على البصرة وأخذَ عديًّا وأصحابَه أُسراء؛ كان فيهم عبدُ الملك بنُ مِسْمَع، فلما قُتل يزيدُ بنُ المهلب وعاد أخوه المفضَّل إلى واسط وقتلَ عديَّ بن أرطأة قتلَ عبد الملك بنَ مِسْمَع في الجملة. وقال خليفة: الذي قتلَ عبدَ الملك بنَ مِسْمَع معاويةُ بن يزيد بن المهلب بواسط في صفر سنة اثنتين ومئة (١). عديُّ بن أرطاة وقيل: ابن أبي أرطاة الفزاري، شاميّ، ذكره خليفة في الطَّبقة الثَّانية من أهل الشامات (٢)، وأبو زُرعة في الثالثة، وابن سُميع في الرابعة (٣). وقال ابن عساكر: كانت دارُه بدمشق بالباب الشرقي بناحية كنيسة مريم (٤). وقال الخَطيب: نزل المدائن، وولَّاه عُمر بن عبد العزيز البصرةَ وغيرَها من بلاد العراق (٥).

стр. 4797

وخطب عند انقضاء رمضان فقال: كأنَّ كبدًا لم تظمأ، وعينًا لم تسهر، ذهبَ واللهِ الظمأُ والسهر، وبقيَ الأجرُ. فيا ليتَ شِعري! مَن المقبولُ منَّا فنُهنِّئَه، ومَن المطرودُ منَّا فنُعزِّيَه. فيا أيُّها المقبولُ هنيئًا هنيئًا، ويا أنها المطرود جَبَرَ الله مُصابَك. ثم بكى وأبكى (١). وكان فصيحًا، وله إلى عمر بن عبد العزيز مُكاتبات مشهورة، وكذا لعمر إليه. [فحكى جدّي ﵀ قال:] كتب عمر إلى عديّ أنْ عليك بأربع ليال في السنة، فإنَّ الله يُفرغُ فيهنَّ الرحمة إفراغًا: ليلةِ رجب، وليلةِ النصفِ من شعبان، وليلتي العيدين (٢). وقال رجاء بن حَيوة: بلغَ عمرَ عنه شيءٌ، فكتبَ إليه: أمَّا بعدُ، يَا عديّ، فإنك غَرَرْتَني بعمامك السوداء، وإرسالك لها من وراء ظهرك، ومجالستك القُرَّاء، أظهرتَ لي الخير، فأحسنتُ بك الظَّنَّ، وقد أظهرَنا اللهُ على كثير مما كنتمُ تكتمون. وإني أُذَكّرُك ليلةً تَمَخَّضُ بيوم القيامة، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير (٣). أسند عديّ الحديث عن جماعة من الصَّحَابَة، منهم عَمرو بنُ عَبَسة، وأبو أُمامة، وروى عنه بكر بن عبد الله المُزَنيّ، وغيرُه، وكان ثقةً (٤). يزيد بن [أبي] مسلم كاتبُ الحجَّاج، وكُنيتُه أبو العلاء، مولى لثَقِيف، استكتَبَهُ الحجَّاج، وكان على نمط الحجَّاج في الجبروت والمظالم وسفك الدماء، وكان يرى رأيَ الخوارج الصُّفْرِيَّة. ولما مات الحجَّاج أقرَّه الوليد على العراق أربعة أشهر، ووليَ سليمانُ فعزلَه وولَّى يزيدَ بنَ المهلَّب العراق، فقيَّده وبعثَ به إلى سليمان في حالة رثَّة، وكان سليمان

стр. 4798

بالبَلْقاء، فأقامه للنَّاس، فما تظلَّم منه أحد، إلَّا رجلٌ من أهل المدينة قال: لطَمَني لطمةً بالعراق، فأقادَه سليمانُ منه. وقيل: إنما أقامه على درج دمشق، فمرَّ به جرير فقال: كم في وعائك منَ أموالِ مُوتِمةٍ … شُعْثٍ صغارٍ وكم خَرَّبْتَ من دارِ (١) فلما رأى سليمان أن أحدًا لا يتبعه بمظلمة؛ قرَّبه وأدناه. وكان عُمر بن عبد العزيز ﵁ يُبغصْه، فقال لسليمان: لا تستكتبه، فإنَّه بقايا الظلم والجبروت. وخرج يزيدُ في بعث، فردَّه عمر بنُ عبد العزيز، وقال: ليس بمثل هذا يُستعانُ به على عدوِّ المسلمين، واللهِ لا نُصر جيش كان فيهم سيَّاف الحجاج أبدًا. ونقصَه عُمر من العطاء، كان في ألفين؛ فردَّه إلى الثلاثين، فلما تُوفِّي عمر ﵁ ولاه يزيد بن عبد الملك إفريقيَّة، فسار فيهم بسيرة الحجَّاج، وكان قوم من الرُّسْتاق (٢) قد أسلموا وسكنوا الأمصار، فأعادهم إلى قُراهم ووضع عليهم الجزية، فقتلوه، وولَّوْا عليهم محمَّد بنَ يزيد الأنصاريَّ، وكان واليًا عليهم قبلَه، وكان يزيدُ قد حبسَه، فأخرجُوه، وكتبوا إلى يزيد بنِ عبد الملك: إنَّا لم نخلعْ يدًا من طاعة، ولكن يزيد سارَ فينا بالذُّل والهَوَان والعَسْف والسفك، فقتلناه، وولَّينا محمَّد بنَ يزيد الأنصاريّ، وقد أعْذَرْنا إليك. فكتب إليهم يزيد: إنِّي لم أرضَ بما فعل، يزيد، وقد أقررتُ محمدًا على إفريقيَّة، والسلام (٣). وهذا محمَّد بن يزيد الذي اختاره أهلُ إفريقيَّة أصلُه من البصرة، وهو مولى الْأَنصار؛ قدم الشَّام فاستكتبه عبدُ الملك بنُ مروان، وكان في صحابة سليمانَ وعمرَ بنِ عبد العزيز.

стр. 4799

وقال المدائني: كتب الحجَّاج إلى عبد الملك يُشير عليه أن يستكتبَ محمَّد بنَ يزيد الأَنْصَارِيّ وقال: إن أردتَ رجلًا عاقلًا فاضلًا مسلمًا مأمونًا كتومًا تتَّخذُه لِسِرِّك ونفسك؛ فعليك بمحمد. فاستكتبه عبدُ الملك. ثم إن عبد الملك استشارَه مَنْ يولِّي بعده، فقال: الوليد ثم سليمان. وبلغ الوليدَ، فحقَدَها عليه حيث أشار لسليمان (١)، فلم يولِّه شيئًا أيامَ خلافته. فلما وليَ سليمان بعثه إلى العراق، فأطلقَ مَنْ كان في سجون الحجَّاج، وفيهم يزيد الرَّقَاشيّ، ويزيد الضَّبيّ، وعابدة من أهل البصرة، وكساهم، وأحسنَ إليهم، وحبس يزيدَ بنَ أبي مسلم، وحمله إلى الشَّام (٢). وولَّى سليمانُ بنُ عبد الملك محمدًا إفريقيَّة، فأقام بها أيامَ سليمان، وأقرَّه عمر بن عبد العزيز، فلما وَلِيَ يزيدُ بن عبد الملك ولَّى يزيدَ بنَ أبي مسلم إفْرِيقِيَّة. قال محمَّد: فلم أشعر بيزيد بن أبي مسلم إلَّا قد قدم واليًا، فأخذني، وعذَّبني عذابًا أليمًا حتَّى كسر عظامي. قال: فأُتيَ بي يومًا إليه، فعذَّبني، وكان عند المغرب، فقلتُ: ارحمني! فقال: التمسِ الرحمةَ عند غيري، والله لو أن مَلَكًا عند رأسي لأقتلنَّك (٣). [قال:] فقلت: اللهمَّ اذكُر لي ما كان منِّي إلى أهل (٤) الدِّيماس -يعني الحَبْس (٥) - اللهم اذكُرْ لي يزيد الرَّقاشيّ، وفلانًا وفلانًا. وأُقيمت صلاةُ المغرب فقال: أَخرجُ فأُصلِّي وأعود إلى عذابك. وخرجَ فلمَّا سجدَ وثبَ عليه قومٌ من البربر، فقتلوه، وولَّوْني إفْرِيقِيَّة (٦). وقال الشعبيّ: كان يزيدُ بنُ أبي مسلم يرى رأي الخوارج الصُّفْريَّة، كما كان الحجَّاج يرى رأيَهم ويُخفيه؛ أُتيَ الحجَّاج بامرأة منهم، فجعل يكلِّمها وهي معرضةٌ

стр. 4800

عنه، فقال لها يزيدُ بنُ أبي مسلم: يُكلِّمُكِ الأمير، وتُعرضين عنه! فقالت: يَا رَدِيّ، عليك وعليه لعنةُ الله. والرَّديُّ عند الخوارج من يعلم الحقَّ ويكتُمُه. وقال الشعبي: خرج يزيدُ بن أبي مسلم يومًا من عند الحجَّاج وهو يقول: قد قضى الأميرُ اليومَ بقضاء لم يقضِ به أحدٌ من أهل القِبْلة. قال الشعبيّ: فقلت: وما هو؟ قال: جعلَ متاعَ البيت للرجل ما لم تُقم المرأةُ البيّنة على شيء منه. قال: فقلت له: اكتُم عليّ، قد قضى به عليُّ بنُ أبي طالب. فرجع إلى الحجَّاج فأخبره، فقال الحجَّاج: كان عليٌّ أقضى الناسِ جميعًا (١). [قلتُ: وقد اختلفت الفقهاء في هذه المسألة، وهي ما إذا اختلف الزوج والمرأة في متاع البيت بعد موت أحدهما، أو بعد الطلاق، أو حال قيام النكاح، وكلُّ واحد يدَّعي أن المتاع كلَّه له. كان محمَّد بن الحسن يقول في هذه المسألة سبعة أقاويل عن سبعة من الفقهاء، كلُّ واحد منهم يؤخذ بقوله. ففي قول أبي حنيفة: ما كان يصلُح للرجال؛ فهو للرجال، وما يصلح للنساء فهو للنساء، والذي يصلُح للرجل: العِمامة، والقلنسوة والقوس، والخفّين، ونحوه، والذي يصلح للمرأة: الخِمار، وثياب بدنها، ونحوها، وما كان مشكلًا؛ كالمتاع والفرُش والبُسُط وما أشبهه؛ فهو للباقي منهما في الموت، وفي الطلاق هو للزوج. وعند أبي يوسف للمرأة مقدارُ جهاز مثلِها، وما بقيَ للزوج في الطلاق والوفاة جميعًا. وعند محمَّد: ما يكون للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان مشكلًا فهو للزوج وللمرأة نصفان بينهما، وهو قول الشَّافعيّ، وأحذ الروايتين عن أَحْمد. وفي قول ابن أبي ليلى: هو كلُّه للزوج، وهو مذهب عليّ ﵇. وفي قول الحسن البَصْرِيّ: الكلّ للمرأة.
следующие страницы →