← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

قال له عبد الملك: انتسبْ. فانْتسبْ، فأحسن، فقال له: ما أخَّرَك يَا غلام؟ فقال: تقدَّمَ أهلُ السِّنِّ والبلاء. فقال له عبد الملك: أنتَ واللهِ أعظمُ بلاءً عندنا، وأعظمُ والدًا. وكان أبوه مِسْمَع على خراسان. وأمرَ أن لا يتقدَّم عليه أحدٌ، وأمر الحجَّاجَ أن يُولِّيَه البحرَين، والبحر والهند والسِّند، فولَّاه، ومات الحَجَّاج وهو عليها. فلما ولي عديُّ بن أرطأة البصرة لعمر بن عبد العزيز ﵁ أقَرَّه عليها، وافتتحَ مدينة القِيقان، ومدينة راكس، وهما بين سجستان والسِّند. ثم إنَّ عديًّا استدعاه في قَومَة يزيد بن المهلب، فلما غلب يزيد على البصرة وأخذَ عديًّا وأصحابَه أُسراء؛ كان فيهم عبدُ الملك بنُ مِسْمَع، فلما قُتل يزيدُ بنُ المهلب وعاد أخوه المفضَّل إلى واسط وقتلَ عديَّ بن أرطأة قتلَ عبد الملك بنَ مِسْمَع في الجملة. وقال خليفة: الذي قتلَ عبدَ الملك بنَ مِسْمَع معاويةُ بن يزيد بن المهلب بواسط في صفر سنة اثنتين ومئة (١). عديُّ بن أرطاة وقيل: ابن أبي أرطاة الفزاري، شاميّ، ذكره خليفة في الطَّبقة الثَّانية من أهل الشامات (٢)، وأبو زُرعة في الثالثة، وابن سُميع في الرابعة (٣). وقال ابن عساكر: كانت دارُه بدمشق بالباب الشرقي بناحية كنيسة مريم (٤). وقال الخَطيب: نزل المدائن، وولَّاه عُمر بن عبد العزيز البصرةَ وغيرَها من بلاد العراق (٥).

стр. 4797

وخطب عند انقضاء رمضان فقال: كأنَّ كبدًا لم تظمأ، وعينًا لم تسهر، ذهبَ واللهِ الظمأُ والسهر، وبقيَ الأجرُ. فيا ليتَ شِعري! مَن المقبولُ منَّا فنُهنِّئَه، ومَن المطرودُ منَّا فنُعزِّيَه. فيا أيُّها المقبولُ هنيئًا هنيئًا، ويا أنها المطرود جَبَرَ الله مُصابَك. ثم بكى وأبكى (١). وكان فصيحًا، وله إلى عمر بن عبد العزيز مُكاتبات مشهورة، وكذا لعمر إليه. [فحكى جدّي ﵀ قال:] كتب عمر إلى عديّ أنْ عليك بأربع ليال في السنة، فإنَّ الله يُفرغُ فيهنَّ الرحمة إفراغًا: ليلةِ رجب، وليلةِ النصفِ من شعبان، وليلتي العيدين (٢). وقال رجاء بن حَيوة: بلغَ عمرَ عنه شيءٌ، فكتبَ إليه: أمَّا بعدُ، يَا عديّ، فإنك غَرَرْتَني بعمامك السوداء، وإرسالك لها من وراء ظهرك، ومجالستك القُرَّاء، أظهرتَ لي الخير، فأحسنتُ بك الظَّنَّ، وقد أظهرَنا اللهُ على كثير مما كنتمُ تكتمون. وإني أُذَكّرُك ليلةً تَمَخَّضُ بيوم القيامة، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير (٣). أسند عديّ الحديث عن جماعة من الصَّحَابَة، منهم عَمرو بنُ عَبَسة، وأبو أُمامة، وروى عنه بكر بن عبد الله المُزَنيّ، وغيرُه، وكان ثقةً (٤). يزيد بن [أبي] مسلم كاتبُ الحجَّاج، وكُنيتُه أبو العلاء، مولى لثَقِيف، استكتَبَهُ الحجَّاج، وكان على نمط الحجَّاج في الجبروت والمظالم وسفك الدماء، وكان يرى رأيَ الخوارج الصُّفْرِيَّة. ولما مات الحجَّاج أقرَّه الوليد على العراق أربعة أشهر، ووليَ سليمانُ فعزلَه وولَّى يزيدَ بنَ المهلَّب العراق، فقيَّده وبعثَ به إلى سليمان في حالة رثَّة، وكان سليمان

стр. 4798

بالبَلْقاء، فأقامه للنَّاس، فما تظلَّم منه أحد، إلَّا رجلٌ من أهل المدينة قال: لطَمَني لطمةً بالعراق، فأقادَه سليمانُ منه. وقيل: إنما أقامه على درج دمشق، فمرَّ به جرير فقال: كم في وعائك منَ أموالِ مُوتِمةٍ … شُعْثٍ صغارٍ وكم خَرَّبْتَ من دارِ (١) فلما رأى سليمان أن أحدًا لا يتبعه بمظلمة؛ قرَّبه وأدناه. وكان عُمر بن عبد العزيز ﵁ يُبغصْه، فقال لسليمان: لا تستكتبه، فإنَّه بقايا الظلم والجبروت. وخرج يزيدُ في بعث، فردَّه عمر بنُ عبد العزيز، وقال: ليس بمثل هذا يُستعانُ به على عدوِّ المسلمين، واللهِ لا نُصر جيش كان فيهم سيَّاف الحجاج أبدًا. ونقصَه عُمر من العطاء، كان في ألفين؛ فردَّه إلى الثلاثين، فلما تُوفِّي عمر ﵁ ولاه يزيد بن عبد الملك إفريقيَّة، فسار فيهم بسيرة الحجَّاج، وكان قوم من الرُّسْتاق (٢) قد أسلموا وسكنوا الأمصار، فأعادهم إلى قُراهم ووضع عليهم الجزية، فقتلوه، وولَّوْا عليهم محمَّد بنَ يزيد الأنصاريَّ، وكان واليًا عليهم قبلَه، وكان يزيدُ قد حبسَه، فأخرجُوه، وكتبوا إلى يزيد بنِ عبد الملك: إنَّا لم نخلعْ يدًا من طاعة، ولكن يزيد سارَ فينا بالذُّل والهَوَان والعَسْف والسفك، فقتلناه، وولَّينا محمَّد بنَ يزيد الأنصاريّ، وقد أعْذَرْنا إليك. فكتب إليهم يزيد: إنِّي لم أرضَ بما فعل، يزيد، وقد أقررتُ محمدًا على إفريقيَّة، والسلام (٣). وهذا محمَّد بن يزيد الذي اختاره أهلُ إفريقيَّة أصلُه من البصرة، وهو مولى الْأَنصار؛ قدم الشَّام فاستكتبه عبدُ الملك بنُ مروان، وكان في صحابة سليمانَ وعمرَ بنِ عبد العزيز.

стр. 4799

وقال المدائني: كتب الحجَّاج إلى عبد الملك يُشير عليه أن يستكتبَ محمَّد بنَ يزيد الأَنْصَارِيّ وقال: إن أردتَ رجلًا عاقلًا فاضلًا مسلمًا مأمونًا كتومًا تتَّخذُه لِسِرِّك ونفسك؛ فعليك بمحمد. فاستكتبه عبدُ الملك. ثم إن عبد الملك استشارَه مَنْ يولِّي بعده، فقال: الوليد ثم سليمان. وبلغ الوليدَ، فحقَدَها عليه حيث أشار لسليمان (١)، فلم يولِّه شيئًا أيامَ خلافته. فلما وليَ سليمان بعثه إلى العراق، فأطلقَ مَنْ كان في سجون الحجَّاج، وفيهم يزيد الرَّقَاشيّ، ويزيد الضَّبيّ، وعابدة من أهل البصرة، وكساهم، وأحسنَ إليهم، وحبس يزيدَ بنَ أبي مسلم، وحمله إلى الشَّام (٢). وولَّى سليمانُ بنُ عبد الملك محمدًا إفريقيَّة، فأقام بها أيامَ سليمان، وأقرَّه عمر بن عبد العزيز، فلما وَلِيَ يزيدُ بن عبد الملك ولَّى يزيدَ بنَ أبي مسلم إفْرِيقِيَّة. قال محمَّد: فلم أشعر بيزيد بن أبي مسلم إلَّا قد قدم واليًا، فأخذني، وعذَّبني عذابًا أليمًا حتَّى كسر عظامي. قال: فأُتيَ بي يومًا إليه، فعذَّبني، وكان عند المغرب، فقلتُ: ارحمني! فقال: التمسِ الرحمةَ عند غيري، والله لو أن مَلَكًا عند رأسي لأقتلنَّك (٣). [قال:] فقلت: اللهمَّ اذكُر لي ما كان منِّي إلى أهل (٤) الدِّيماس -يعني الحَبْس (٥) - اللهم اذكُرْ لي يزيد الرَّقاشيّ، وفلانًا وفلانًا. وأُقيمت صلاةُ المغرب فقال: أَخرجُ فأُصلِّي وأعود إلى عذابك. وخرجَ فلمَّا سجدَ وثبَ عليه قومٌ من البربر، فقتلوه، وولَّوْني إفْرِيقِيَّة (٦). وقال الشعبيّ: كان يزيدُ بنُ أبي مسلم يرى رأي الخوارج الصُّفْريَّة، كما كان الحجَّاج يرى رأيَهم ويُخفيه؛ أُتيَ الحجَّاج بامرأة منهم، فجعل يكلِّمها وهي معرضةٌ

стр. 4800

عنه، فقال لها يزيدُ بنُ أبي مسلم: يُكلِّمُكِ الأمير، وتُعرضين عنه! فقالت: يَا رَدِيّ، عليك وعليه لعنةُ الله. والرَّديُّ عند الخوارج من يعلم الحقَّ ويكتُمُه. وقال الشعبي: خرج يزيدُ بن أبي مسلم يومًا من عند الحجَّاج وهو يقول: قد قضى الأميرُ اليومَ بقضاء لم يقضِ به أحدٌ من أهل القِبْلة. قال الشعبيّ: فقلت: وما هو؟ قال: جعلَ متاعَ البيت للرجل ما لم تُقم المرأةُ البيّنة على شيء منه. قال: فقلت له: اكتُم عليّ، قد قضى به عليُّ بنُ أبي طالب. فرجع إلى الحجَّاج فأخبره، فقال الحجَّاج: كان عليٌّ أقضى الناسِ جميعًا (١). [قلتُ: وقد اختلفت الفقهاء في هذه المسألة، وهي ما إذا اختلف الزوج والمرأة في متاع البيت بعد موت أحدهما، أو بعد الطلاق، أو حال قيام النكاح، وكلُّ واحد يدَّعي أن المتاع كلَّه له. كان محمَّد بن الحسن يقول في هذه المسألة سبعة أقاويل عن سبعة من الفقهاء، كلُّ واحد منهم يؤخذ بقوله. ففي قول أبي حنيفة: ما كان يصلُح للرجال؛ فهو للرجال، وما يصلح للنساء فهو للنساء، والذي يصلُح للرجل: العِمامة، والقلنسوة والقوس، والخفّين، ونحوه، والذي يصلح للمرأة: الخِمار، وثياب بدنها، ونحوها، وما كان مشكلًا؛ كالمتاع والفرُش والبُسُط وما أشبهه؛ فهو للباقي منهما في الموت، وفي الطلاق هو للزوج. وعند أبي يوسف للمرأة مقدارُ جهاز مثلِها، وما بقيَ للزوج في الطلاق والوفاة جميعًا. وعند محمَّد: ما يكون للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان مشكلًا فهو للزوج وللمرأة نصفان بينهما، وهو قول الشَّافعيّ، وأحذ الروايتين عن أَحْمد. وفي قول ابن أبي ليلى: هو كلُّه للزوج، وهو مذهب عليّ ﵇. وفي قول الحسن البَصْرِيّ: الكلّ للمرأة.

стр. 4801

فأبو حنيفة اعتمد على إصلاح النَّاس، وكذا أبو يوسف؛ قال: والزوج هو القائم على المرأة، وما في يده كأنه في يدها. وبه يحتجُّ محمَّد. وزُفر يقول: المناصفة في المشكل أولى من اختصاص البعض، وهو معنى قول مالك والشافعي. وابنُ أبي ليلى يقول: الزوج صاحب اليد. والحسن يقول: الغالب أن المتاع في يد المرأة. وقد بيَّنَّا الوجوه في "شرح الجامع الصغير"] (١). يزيد بنُ المهلَّب ابنِ أبي صُفْرة الأَزْديّ، كنيتُه أبو خالد. [وذكره المدائنيّ قال:] كان قد استخلفه أبوه على خُراسان، فأقرَّه الحجَّاج، وكان يزيدُ متكبِّرًا ويبلغُ الحجاجَ عنه ما يكره، فكتب إليه بالقدوم عليه، فاستشارَ حُضَينَ بنَ المنذر الرَّقَاشيّ (٢)، فقال له: لا تَقْدَم عليه وتربَّص. فكتبَ الحجَّاجُ إلى أخيه المفضَّل، فأطمعَه في خُراسان. ولما وصل يزيدُ إلى إصطخْر بلَغَهُ موتُ عبد الملك وولايةُ ابنِه الوليد، فقال: الآن هلَكنا (٣). ثم قدم على الحجَّاج، فأكرمه، وكان لا يُحجب عنه، وكان قُتيبة بنُ مسلم على الرَّيّ، فكتبَ إليه بولاية خُراسان، وأن يحمل المفضَّل بن المهلَّب إليه مُوثَقًا، وكان حبيب بن المهلَّب على كَرْمان -ويُلقَّب بالحَرُون- فعزلَه الحجَّاج، وبعثَ به قُتيبةُ مُوثَقًا. فلمَّا اجتمع عند الحجَّاج بنو المهلَّب: يزيد، وحبيب، والمفضَّل، وعبد الملك، وأبو عُيينة؛ حبَسهم. وأبو عُيينة هو الذي زوَّج الحجَّاجَ هندَ بنت المهلَّب (٤).

стр. 4802

وكان يزيد بن المهلَّب لما خرج إلى خُراسان خرج معه رجل من عبد القيس يقال له: علتب ومعه امرأتُه، فهَوِيَها يزيد، وبعث زوجَها في بعث، فلم يخرج، فدسَّ إليه من سقاه السُّمّ، فمات، فنقل زوجتَه إلى قصره، وكان يأتي المرأة. وبلغ الحجَّاج، فلما حصلَ في يده قال له: ويحك! أتزني وأنتَ والي خُراسان؟! فضربَه الحدَّ، وبسط العذاب على يزيد وإخوته. وهربوا من سجنه إلى الشَّام، واستجاروا بسليمان بن عبد الملك، فأجارهم، فأقاموا عنده (١) إلى أنْ وَليَ يزيدُ العراق، وخُراسان. ووَليَ عمر بنُ عبد العزيز ﵁، واستدعى يزيدَ إلى الشَّام، وحبسَه، وهربَ من سجنه إلى العراق. ومات عمر ﵁، واستولَى يزيدُ بن المهلَّب على البصرة، وأخذ عديَّ بنَ أرطاة وحبسه، وأقامَ بالبصرة. وجهَّز يزيدُ بنُ عبد الملك لقتاله مسلمةَ بنَ عبد الملك والعباسَ بنَ الوليد، فسار العبَّاس في أربعة آلاف، وتبعَه مسلمةُ في ثمانين ألفًا من أهل الديوان، وقد ذكرنا ذلك (٢). ذكر مقتل يزيد وإخوته: ولما خلع يزيدُ بنُ المهلب يزيدَ بنَ عبد الملك قال: إنِّي لأرجو أن أنقضَ دمشق حجرًا حجرًا؛ قال الفرزدق: تُخبِّرُك الكُهَّانُ أَنك ناقضٌ … دمشقَ التي قد كانتِ الجنُّ خَرَّتِ لها من جبال الثلجِ صخرًا كأنَّه … قَنَاعِيسُ شُمٌّ أشْرَفَتْ واشْمَخَرَّتِ (٣)

стр. 4803

أَتَتْكَ خُيولُ الشامِ تَخْطُر بالقَنَا … لها حِزَقٌ كالطَّيرِ لمَّا اسْتَقَلَّتِ يقودُ نواصيها إليك مُبارَكٌ … إذا ما تصدَّى للكتيبةِ وَلَّتِ من آل أبي العاصي حوالي لوائِهِ … ثمانونَ ألفًا كلُّها قد أظلَّتِ (١) وجاء مَسْلَمةُ، فنزل الفراتَ، وخرج يزيد فنزلَ واسطًا في ستَّةَ عشرَ ألفًا، ومعه الخزائن والأموال والسلاح وعديُّ بنُ أرطأة وأصحابُه مقيَّدين (٢). وكان قد استشار يزيد أصحابه، فقال بعضهم: الحَقْ بفارس، وقال بعضهم: الحَقْ بالجزيرة. فقال [يزيد] ابن الحكم بن أبي العاص الثَّقَفيّ: أَبا خالدٍ قد هِجْتَ حَرْبًا فلا تَنَمْ (٣) … وقد شَمَّرَتْ حَرْبٌ عَوانٌ فشَمِّرِ وعِشْ مَلِكًا أو مُتْ كريمًا فإنْ تَمُتْ … وسيفُك مشهورٌ بكفّك تُعذَرِ (٤) فقال يزيد: أمَّا هذا فنعم. واستخلف على واسط ابنَه معاويةَ بنَ يزيد وعنده الأموال وعديُّ وأصحابُه. ثم خطب يزيد الناس وقال: إنه قد بلغَني وصولُ هذه الجرادة الصفراء -يعني مسلمة- وعاقرِ ناقة ثمود -يعني العباس بن الوليد، وكان العباس أحمرَ، وكانت أمُّه روميَّة- واللهِ لقد كان سليمان عزمَ على أن ينفيَه غير مرة، فكلَّمتُه فيه، فأقرَّه على نَسَبِه، وقد بلغني أنَّه ليس همُّهما إلَّا الْتِماسي (٥) في الأرض، والله لو جاؤوا بأهل الأرض جميعًا وأنا وَحْدي ما بَرِحتُ العَرْصَةَ حتَّى تكون لي أوْ لهم. واللهِ إنَّ [هؤلاء القومَ لن يردَّهم عن غَيِّهم] إلَّا الطعنُ في صدورهم، وضربُ المَشْرَفِيَّةِ على هامهم (٦). فقال له بعض

стр. 4804

القوم: إنَّا نخاف أن تفعل كما فعلَ ابنُ الأشعث. فقال: إنَّ ابنَ الأشعث لم يحم الذِّمار (١)، ولا خافَ ولا حفظَ نفسَه وحَسَبَه، وهل كان يُمانعُ أَجَلَه؟! ثم قدَّم بين يديه أخاه عبدَ الملك بنَ المهلَّب، ثم سار حتَّى نزل بفم النِّيل، وكان مسلمةُ قد وصلَ الأنبار، وعقدَ الجسر وعبرَ عليه (٢). وكان مروان بنُ المهلَّب مقيمًا بالبصرة يحثُّ النَّاس على الحرب لأهل الشَّام ويُسرِّح النَّاس إلى يزيد (٣). وكان الحسن يثبِّطُ النَّاس عن يزيد، ويقول: أيّها النَّاس، الزمُوا رِحالكم، وكُفُّوا أيديَكم، واتقوا [الله] مولاكم، ولا يقتُلْ بعضُكم بعضًا على دنيا زائلة. وبلغ مروانَ، فقام خطيبًا وقال. قد بلغني أنَّ هذا الشيخ الضالَّ المرائي -من غير أن يسمِّيَه- يُثبِّطُ النَّاس عنَّا، واللهِ لو أنَّ جارَه نزعَ من خُصِّ داره قصبةً لَظَلَّ يرعُفُ بها أنفُه، يُنكر علينا أن نطلبَ حقًّا، واللهِ لئن لم ينتهِ عن ذكرنا وعن جَمْعِه إليه سُقَّاطَ الأُبُلَّة وعُلُوج فراتِ البصرة لأُنْحِيَنَّ عليه مِبْرَدًا خشنًا. وبلغ الحسن فقال: والله ما أكرهُ أن يُكرمني اللهُ بهوانه. فقال له أصحابه: واللهِ لو طلبَك لمنعناك (٤). وبلغ مروان فجدَّ في طلبهم، فتفرَّقوا، ولم يَعرِضْ للحسن، ولم يسكت الحسن عنهم (٥). ويقال: إنَّ الحسن اختفى في منزل أبي خليفة (٦)

стр. 4805

وجاء يزيد فنزل العَقْر وسُورا (١)، وجاء مَسْلَمةُ فنزلَ مُقابِلَه، فأقاموا ثمانية أيام، وكان عبد الحميد بنُ عبد الرَّحْمَن قد بَثَقَ المياه بين يزيد والكوفة (٢)، وبعث بجيوش الكوفة إلى مسلمة، وأقام القتال يعمل بينهم. وقال رجل ليزيد: السلام عليك يَا أمير المُؤْمنين وهو واقف في صف القتال، فأنشد: رُوَيدَكِ حتَّى تنظري عمَّ ينجلي … غَيَابَةُ هذا العارضِ المتألِّقِ (٣) فلما طلع الفجر يومَ الجمعة لأربع عشرةَ ليلةً مضت من صَفَر سنة اثنتين ومئة؛ خرجَ مسلمةُ والعبَّاس، فصَفَّا النَّاسَ، وجعل مسلمةُ على ميمنة أهلِ الشَّام الهُذَيل بن زُفر الكلابي، وعلى الميسرة القعقاع بن خُليد العَبْسي (٤)، ووقفَ هو والعبَّاسُ في القَلْب، وجعلَ يزيدُ على ميمنته حبيبَ بنَ المهلَّب، وعلى ميسرته المفضَّل بنَ المهلَّب، وأقام هو وإخوتُه في القَلْب. وكان يزيد قد ترك الجسر وراءه -وهو من السُّفن- ليحتميَ به، فأمر مسلمةُ الوضَّاحَ مولى عبد الملك بنِ مروان، فأحرقَ السُّفن. ولمَّا رأى أصحابُ يزيد الجسرَ قد أُحرق؛ وهنُوا وانهزموا، فقيل ليزيد: قد انهزموا. فقال: وهل كان قتالٌ؟! قالوا: لا، ولكن قد أُحرقَ الجسر، فلم يقف أحدٌ (٥). فقال: قاتلَهم اللهُ، بَقٌّ دُخِّنَ عليه فطار.

стр. 4806

ثم تقدَّم يزيد وإخوتُه، فقاتلوا، وكانت به خِلْفَةٌ (١) قد أضعفَتْه، وبيده تُفَّاحةٌ يَشَمُّها، فبينا هو على ذلك؛ إذا بفرسِ حبيبِ بنِ المهلَّب قد أقبلَ عائرًا (٢)، فقال يزيد: هذا -واللهِ- فرسُ أبي بِسطام، وأظنُّه قد قُتل، ولا خير في الحياة بعده. وجاءه أبو رؤبة المرجئ، فقال له: ذهبَ النَّاس، فهل لك أن تنصرف إلى واسط، فإنَّها حصن، وبها أموالك، ويأتيك مددُ أهل البصرة وعُمان والبحرين في السفن، وتَرى رأيك، فقال له: قبَّح اللهُ رأيك، ألي تقول هذا؟! واللهِ الموتُ أيسرُ على من الفرار. فقال له: أما ترى جبال الحديد حولك. قال: فواللهِ ما أُبالي أحديدًا كانت أو نارًا. ثم تمثل يقول: أبالموتِ خَشَّتْني (٣) عِبَادٌ وإنَّما … رأيتُ منايا الناسِ يسعى دليلُها فما مِيتَةٌ إنْ مِتُّها غيرَ عاجزٍ … بعارٍ إذا ما غالتِ النَّفْسَ غُولُها (٤) وكان يزيد على بِرذَوْن أشهب، فأقبلَ نحو مَسْلَمةَ لا يريدُ غيرَه، فلما رآه مسلمة دعا بفرسٍ ليركبَه، وعطفت خيولُ الشَّام على يزيد، فمال إلى تلّ، فحملوا عليه حملة رجل واحد فقتلوه (٥). واختلفوا في قاتله، فقال هشام: الفَحْل بن عيَّاش الكلبيّ؛ نظر إلى يزيد فعرفه، فقال: يَا أهل الشَّام، هذا -واللهِ- يزيد، واللهِ لأقتلنَّه أو ليقتلنِّي، فمن يحملُ معي، فإنَّ دونه أُناسًا. فقال أصحابه: نحن وحملَ وحملُوا، وارتفع الغُبار ساعة، ثم انفرج عن يزيد قتيلًا والفَحْلُ بن عيَّاش إلى جانبه بآخِر رَمَق، فأومأ إلى أصحابه: هذا يزيد أنا قتلتُه، ويومئ إلى نفسه أي: هو قتلني. ومرَّ مسلمةُ بنُ عبد الملك، فرأى الفحلَ صريعًا إلى جانب يزيد، فقال: أما إنِّي [أطنُّ] أنَّ هذا قتلَه (٦).

стр. 4807

وجاء برأس يزيد مولًى لبني مُرَّة يقال له: عثمان، فقال [الحواري بن] زياد بن عَمرو العَتَكيّ لمسلمة: مُرْ [برأسه فليُغسل ثم ليعمَّم، ففعل ذلك به، فعرفه، فبعث] به مسلمةُ إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط (١). وقيل: إنما قتلَ يزيد الهُذَيل بن زُفر الكلابي، والأول أشهر (٢). وقُتل مع يزيد إخوتُه حبيب ومحمَّد. وقال ابن الجوزيّ في "التلقيح": إنه قُتل مع يزيد زياد ومُدْرك. ثم قال: ومن العجائب: ثلاثةُ إخوة؛ وُلدوا في سنة واحدة، وقُتلوا في سنة واحدة، وكانت أعمارهم واحدة، وعُمْرُ كل واحدٍ ثماني وأربعون سنة (٣). ثم حُزَّت رؤوسهم، وبعثَ بها مسلمةُ مع رأس يزيد مع خالد بن الوليد بن عقبة، وقيل: مع عَذَام بن شُتَير (٤) الضَّبِّي. وقيل: مع محمَّد بن عمر المخزومي. وقال هشام: قُتل يزيد وأخوه المفضَّل يُقاتل أهل الشَّام (٥)، ولم يعلم بقتل إخوته وهو يحمل على أهل الشَّام، فيكشفُهم، وقد انهزم عنه النَّاسُ وهو يُحرِّضُهم ويقول: يَا معاشر ربيعة الكَرَّةَ الكَرَّة، واللهِ ما كنتُم بكُشُفٍ ولا لئام، ولا هذه لكم بعادة، يَا أهل العراق لا نُؤتَى اليومَ من قِبَلكم. فاجتمع إليه ناس، فبينا هو يُريد أن يحملَ على أهل الشَّام قيل له: ما تصنع ها هنا؟ قُتل يزيد ومحمَّد وحَبيب، وانهزمَ النَّاس. فوقف المفضَّل، وتفرَّق النَّاسُ عنه، ومضى يطلبُ واسطًا، وأُسر من أصحاب يزيد ثلاثُ مئة (٦).

стр. 4808

ولما وُضع رأسُ يزيد بنِ المهلب بين يدي يزيد بن عبد الملك نال منه بعضُ الحاضرين، فقال يزيد: مَهْ، إنه طلبَ جَسيمًا، وركبَ عظيمًا، ومات كريمًا (١). وكان مَسْلَمةُ قد حبسَ الأسرى عند محمَّد بن عَمرو بن الوليد بالكوفة، وكان على شرطته العُريان بن الهيثم، وجاء كتاب يزيد بن عبد الملك إلى محمَّد بن عَمرو: اضربْ أعناقَهم، وهم يقولون: هذا واللهِ جزاؤُنا، نحن انهزمنا بالنَّاس. فما هو إلَّا أَنْ فرغَ منهم وجاء كتابُ مَسْلَمة أن لا يعرضَ لهم بسوء، وكان الأسرى من تميم (٢). وأمَّا المفضَّل؛ فإنَّه مضى على حميَّة إلى واسط، وبلغَ معاويةَ بنَ يزيد بنِ المهلب قَتْلُ أَبيه وأعمامِه وإخوته -وكان قد قُتل مع يزيد أولادُه محمَّد، وعبد ربّه، والحجَّاج- فأخرج معاوية بن يزيد ثلاثين (٣) أسيرًا كانوا عنده، فقتلَهم، منهم عديُّ بن أَرْطاة، ومحمَّد بن عديّ بن أَرْطاة، ومالك وعبدُ الملك ابنا مِسْمَع، وعبد الله بن عزرة البصريّ، وعبد الله بنُ دينار مولى بني عامر، والقاسم بن مسلم مولى بني بكر بن وائل. ولما أخرجهم ليضرب أعناقهم قالوا له: ويحك! إن أَبَاك قد قُتل، ونحن ما قتلنا أحدًا، وقَتْلُنا ليس بنافعك، بل يضرُّك في الدنيا والآخرة. فلم يلتفت، وقتلَهم إلَّا ربيعَ بن زياد بن الرَّبيع بن أنس بن الرَّيَّان، فقيل له: نسيتَه؟ قال: لا، ولكنه شيخٌ من قومي، وله شرف ومعروف وبيت عظيم، ولست أَتَّهِمُه في وُدّ، ولا أخافُ بغيَه. وأطلقَه. وقال ثابت قُطنة في قتل عديِّ بنِ أرطأة: ما سَرَّني قَتْل الفَزَاريِّ وابنِهِ … عديٍّ ولا أحْبَبْتُ قَتْلَ ابنِ مِسْمَعِ ولكنَّها كانَتْ مُعَاويَ زَلَّةً … وضعتَ بها امْرَءًا (٤) على غيرِ مَوْضِعِ ثم سار معاويةُ بنُ يزيد إلى البصرة بالأموال والخزائن، ولحقه المفضَّل، واجتمع آل المهلب كلُّهم بالبصرة، وأعدُّوا السفن للهرب إلى كَرْمان (٥)، فركبوا البحر، وقد

стр. 4809

كان يزيدُ بن المهلَّب ولَّى وداعَ بنَ حُميد الأزديَّ على قَنْدابيل (١)، وقال له: إنِّي سائرٌ إلى هذا العدوّ، فإن ظفِرتُ به أكرمتُك، وإن كانت الأخرى؛ فإذا قدمَ عليك أهلُ بيتي تحصَّنوا بقَنْدابيل حتَّى يأخذوا أمانًا لأنفسهم، وإني قد جعلتُك موضع الأمانة فحقِّقْ حسن ظنِّي فيك. وأخذَ عليه العهود والمواثيق. فلما وقعت هذه الوقعة وركبَ آلُ المهلَّب في السفن بعيالاتهم ومرُّوا بمهزم بن الفزر (٢) العَبْديّ، وكان يزيدُ استعملَه على البحرين، فاستشاروه، فقال: اللهَ اللهَ، لا تفارقوا هذه السفن، ففيها بقاؤُكم، وإنْ خرجتُم منها تخطَّفَكم النَّاس، وتقرَّبوا بكم إلى بني مروان. ومضَوْا حتَّى إذا كانوا بجبال كَرْمان خرجوا من السفن، وحملوا أهلهم وعِيالهم وأموالهم على الدوابّ، وكان معاويةُ بن يزيد لما وصلوا إلى البصرة أراد أن يتأمَّر على آل المهلَّب، فقالوا: أميرُنا وكبيرُنا المفضَّل، وأنت غلامٌ حَدَث، فوَلَّوْا عليهم المفضَّل، وخرجوا إلى كَرْمان وبها فُلول من أصحاب يزيد، فاجتمعوا إلى المفضَّل. وبعث مسلمة بنُ عبد الملك مدرِك الضَّبّيّ (٣) في طلب آل المهلَّب، فأدركهم بفارس في عَقَبةٍ، فعطفوا عليه، واقتتلُوا قتالًا شديدًا، فقُتل ممن كان مع المفضل جماعة، منهم النُّعمان بن إبراهيم بن الأشتر، ومحمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن الأشعث، وأُخذ ابنُ صُول ملك قُهِسْتان (٤) أسيرًا، وأُخِذت سُرِّيَّةُ المفضَّل العالية، وجُرح عثمان بن إسحاق بن محمَّد بن الأشعث جراحةً شديدة، فهرب إلى حُلوان، فدُلَّ عليه، فقُتل، وحُمل رأسه إلى مَسْلَمةَ بالحِيرة. ورجع ناسٌ من أصحاب يزيد، فطلبُوا أمانَ مَسْلَمةَ، فأمَّنَهم، منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر، والزَّرْد (٥) بن عبد الله بن حبيب السَّعْديّ التَّمِيمِيّ، وكان قد شهد مع عبد

стр. 4810

الرحمن بن الأشعث مشاهده كلَّها (١). ولما وردَ على مسلمة شَتَمَهُ وهو قائم وقال: مرَّةً مع ابن الحائك (٢)، ومرَّة مع ملَّاح الأزد، ما كنتَ بأهلٍ للأمان، ولكن قد كان، انصرفْ. وكان الذي قد أخذَ له الأمان محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومسلمةُ عمُّه، وكانت ابنةُ مسلمةَ تحتَه. وطلب الأمانَ لمالك بن إبراهيم بن الأشتر [الحسنُ بنُ عبد الرحمن بن شَراحيل] فقال له الحسن: هذا مالكُ بنُ إبراهيم بن الأشتر. فقال: نعم، انطلق. فقال له الحسن: لِمَ لَمْ تشتمه كما شتمتَ الزَّرْد؟! فقال: أجْلَلْتُكم عن ذلك، وكنتمُ أكرمَ عليَّ من أصحاب هذا وأحسنَ طاعة. فقال له الحسن: فنحن نُحبُّ أن نشتمَه، فإنه واللهِ أشرفُ أبًا وجَدًّا، وأسوأُ أثرًا في أهل الشام من الزَّرد. فكان الحسن بعد ذلك يقول: ما ترك شَتْمَهُ إلا حَسَدًا من أن يعرف صاحبَنا؛ أراد أن يُريَنا أنه قد حَقَره (٣). وأما آلُ المهلَّب فمضَوْا إلى قَنْدابيل، وبعث مسلمةُ إلى مُدرك فردَّه، وبعث في آثارهم هلال بنَ أحوز التميمي، فلحقهم بقَنْدابيل، [فأراد آلُ المهلَّب دخول قَنْدابيل] فمنعهم وداعُ بنُ حُميد من الدخول إليها، وصار مع هلال عليهم (٤)، ونصبَ هلالٌ راية الأمان، فمال من كان مع آل المهلَّب إليها. وأراد معاوية (٥) أن يقتل نساء آلِ المهلب خوفًا من السَّبْي والعار وقال: أخافُ عليهنَّ هؤلاء الفُسَّاق. فنهاه المفضَّل وقال: ويحك أتقتلُ أخواتِك وبناتِ أخواتِك ونساءَ أهلِ بيتك؟! إنَّا لا نخافُ عليهنَّ منهم. ثم كسروا جُفونَ سيوفهم، ومشَوْا إلى القوم، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخِرهم إلا أبا عُيينة بنَ المهلَّب وعثمانَ بن المفضَّل، فإنَّهما نَجَوَا ولحقا بخاقان (٦).

стр. 4811

وبعث هلال برؤوسهم ونسائهم إلى مَسْلَمة وهو بالحِيرة، وبعث بهم مَسْلَمةُ إلى يزيد بن عبد الملك، وبعث بهم يزيد إلى العبَّاس بن الوليد وهو على حلب. وقال مسلمة: واللهِ لأبيعنَّ ذُرِّيّتَهم في دار الرزق، فقال له الجرَّاح بن عبد الله: أنا أشتريهم منك لأَبِرَّ قَسَمك. فاشتراهم بمئة ألف، ولم يأخذ منه شيئًا، وخلَّى سبيلَهم إلا تسعةَ غِلْمة منهم أحداثٍ، بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فضرب أعناقَهم (١). وقال البلاذُريّ: لما قُتل يزيدُ بنُ المهلب هربَ [آلُ المهلَّب] بعيالاتهم إلى قَنْدابيل، فأغلقَ وَدَاعُ بنُ حُميد في وجوههم الأبواب، وحُزقت منازلُهم بالبصرة، وهُدمت دورُهم، وبعث مَسْلَمةُ (٢) هلال بنَ أحوز المازنيّ التميمي وراءهم في اثني عشر ألفًا، وكان بنو تميم أعداءً لبني المهلَّب، فالتَقَوْا فقُتل المُفَضَّل بن المهلَّب، وأمَّنَ هلالٌ نساءَ آلِ المهلَّب، وقال: من رفعَ سترًا، أو دخل إلى امرأة؛ قتلتُه. فدخل رجل على بعض النساء فقتلَه هلالٌ، فقال نساءُ آلِ المهلَّب: لو وَليَنا المهلَّب ما فعل بنا كما فعل هلال (٣). وولَّى مسلمةُ هلال بن أحوز السِّند وقَنْدابِيل، فلم يزل عليها حتى قدم عُمر بن هُبيرة العراق، وقدم نساءُ المهلَّب فقال ابنُ هُبيرة لأمِّ مالك بنت زياد بنِ المهلَّب: قد علمتِ أنَّ هلالًا قتلَ رجالكم، وقد كتبتُ إلى يزيد بنِ عبد الملك أنَّ هلالًا خائن، فصَدِّقيني عندَه. وبعثَ بها إلى يزيد، فلمَّا دخلت عليه قال: كيفَ وجدتُم هلالًا؟ فأثنت عليه، وقالت: لو كان المهلَّب حيًّا ما فعل معنا ما فعل هلال. قال: فإنَّ ابنَ هُبيرة يقول عنه كذا وكذا. فقالت: كذبَ واللهِ، ولقد قال: قُولي كذا وكذا، وإن هلالًا لمبالغٌ في طاعتك (٤).

стр. 4812

ذكر طرف من أخبار يزيد بن المهلَّب ولد سنةَ ثلاث وخمسين، وجُمع له الكوفةُ والبصرة في سنة سبع وتسعين، وكان جوادًا ممدَّحًا شجاعًا، شهد مع أبيه المهلَّب قتال الأزارقة، وأقام واليًا على خُراسان بعد أبيه أربعَ سنين. [قال الأصمعي:] ولمَّا عذَّبَه الحجَّاج قرَّر على نفسه كلَّ يوم مئة ألف درهم، فإنْ أدَّاها نهارًا، وإلَّا عذَّبَه ليلًا، فجمع مئة ألف اشترى بها عذابَ يومه، فدخل عليه الأخطل فأنشد: أبا خالدٍ أقْوَتْ خُراسانُ بعدَكُمْ … وقال ذَوُوا الحاجاتِ أين يزيدُ فلا سُقِيَ المَرْوانِ (١) بعدَك قطرةً … ولا اخضَرَّ بالمَرْوينِ بعدَك عُودُ ولا لسريرٍ بعد ملككَ بهجةٌ … ولا لجوادِ بعد جُودكَ جودُ وقيل: إن الشعر للفرزدق (٢). فدفع إليه المئة ألف، وبلغ الحجَّاجَ فقال: أكلُّ هذا الكرم وهو بهذه الحالة؟! ارْفَعُوا عنه العذاب (٣). وقال ابنُ البَرْقي: أغرمَ سليمانُ عُمرَ بنَ هُبيوة ألفَ ألفِ درهم، وخمسَ مئةِ ألفِ درهم، فعَجَزَ عنها، فتحمَّلها يزيدُ عنه. وحجَّ يزيد، فطلبَ حلَّاقًا يحلِقُ رأسَه، فجيء بحلَّاق، فحلقه، فأعطاه ألفَ درهم، فدُهش وقال: هذه أشتري بها أمِّي فلانة. فقال: أعطُوه ألفًا أخرى. فقال: هذه أشتري بها أبي. فقال: أعطوه ألفًا أخرى، فقال: امرأته طالق إنْ حلقَ رأس أحد بعده. فقال: أعطُوه ألفًا أخرى (٤).

стр. 4813

وقال خليفة: وَفَدَ [كوثر] بن زُفر بن الحارث الكلابي على يزيد بن المهلب حين ولَّاه سليمان العراق، فقال له: أيُّها الأمير، أنتَ - واللهِ - أعظمُ قَدْرًا من أن يُستعان عليك إلا بك، ولستَ تفعلُ من المَكْرُمات مكرمةً إلا وهي صغيرةٌ في جانب قدرك، وليس بعجيبٍ أن تفعل، وإنَّما العجب أن لا تفعل. فقال: وما حاجتُك؟ قال: عشر دِيَات تحمَّلتُها عن غيري. فقال: هي لك ومثلُها. فقال كوثر: أما ما سألتك بوجهي فأقبلُه منك، وأمَّا ما ابتدأتَني به؛ فلا حاجةَ لي فيه. فقال يزيد: ولمَ وقد كفيتُك فيه دون المسألة؟! فقال له كوثر: إنَّ الذي أخذتَ مني بمسألتي ايَّاك وبَذْلِ وجهي أكثرُ من معروفك عندي، فكرهتُ الفضل على غيرِ ما بذلتُ له وجهي. فقال يزيد: فأنا أسألُك كما سألتَني إلا أَهَّلْتَني بقبولها، لا تزالُ حاجتُك بي. فقبلَها منه (١). وقال المدائني: كان سعيدُ بنُ عَمرو مُؤاخيًا ليزيد بن المهلَّب، فلمَّا حبسه عمر بن عبد العزيز ﵁ منع الناسَ من الدخول عليه، فقال سعيد لعُمر ﵁: يا أمير المؤمنين، لي على يزيد خمسون ألفًا وقد حُلْتَ بيني وبينَه، فإنْ رأيتَ أن تأذنَ لي في الدخول عليه لأطالبه بدَيني. فأذِنَ له، فدخلَ عليه فسُرَّ به يزيد، وقال له: كيف دخلتَ عليَّ؟! فأخبره الخبر، فقال: واللهِ لا تخرجُ إلا وهي معك. فأمر له بها (٢). وقال ابنُ الكلبيّ: رأى يزيدُ في المنام كأنَّه راكبٌ على أسد وهو في مِحَفَّة (٣)، فقالت عجوز من بكر بن وائل: تركبُ عظيمًا وتُحاط به. وقال هشام عن أبيه قال: أدركتُ الناس يقولون: ضَحَّى بنو حرب بالدِّين يوم كَرْبَلاء، وضحَّى بنو مروان بالكَرَم يوم العَقْر (٤).

стр. 4814

وقيل ليزيد بن المهلب: لِمَ لِمْ تَبْنِ دارًا؟ فقال: منزلي دارُ الإمارة، أو بطنُ الأرض (١). استعمل الوليدُ بنُ عبد الملك عثمانَ بن حيَّان المُرِّي على المدينة، وأمره بالغِلْظَةِ على أهلها، وأن يأخذَ بالظِّنَّة، فلما وليَ سليمان أغرمه ألفي ألف درهم، فتحمَّلت القَيسيَّةُ شطرها، وضاقوا ذرعًا بالشطر الباقي، ووافق ولاية سليمان العراق ليزيد بن المهلَّب (٢)، فقال عُمر بن هُبيرة والهُذَيل بن زُفر بن الحارث والقعقاع بنُ حبيب: اقصِدُوا يزيد بنَ المهلَّب، فجاؤوا إلى رُواقِهِ، فرحَّب بهم وسألَهم عن سبب قصدهم له، فأخبروه، فقال: إن خير المال ما قُضِيَتْ به الحقوق، وحُمِلَتْ به المغارم، وإنما لي من مالي ما فضلَ عن إخواني، وايمُ الله، لو علمتُ أن أحدًا أملى بحاجتكم مني لهديتُكم إليه، ولكن احتكموا وأكثِرُوا. فقال عثمان بن حيَّان: النصف. قال: نعم وكرامة، اغْدُوا على ما لكم فخُذُوه. فشكروه وانصرفوا. فلما كانوا بباب السُّرادق؛ قال لهم عمر بن هُبيرة: قبَّح اللهُ رأيكم، واللهِ ما يُبالي يزيد أنصفَها حملَ أم كلَّها، فمن أين لك النصف الباقي؟! وسمعه يزيد فقال: عليَّ بهم. فدخلوا عليه، فقال: ما الذي بكم؟ فأخبروه، فقال: عليَّ الكُلُّ. وغدا يزيد على سليمان، وأخبره بأنَّ القيسيَّة قد دخلوا عليه، فقال سليمان: واللهِ لآخُذَنَّه بالمال. فقال يزيد: فقد تَحمَلْتُهُ عنه. قال: فأدِّه. قال يزيد: واللهِ ما تحمَّلْتُه إلا لأُؤَدِّيَه عنه. فحمل المال إلى خزانة سليمان، فقال سليمان: وَفَتْ يميني، أَعِيدُوها إلى يزيد. فأعادوها، فقال عديُّ بن الرِّقَاع: لله عَيْنا مَنْ رأى كَحَمَالةٍ … تحمَّلَها كَبْشُ العراقِ يزيدُ (٣) وقال الأصمعي: قدم قوم من قُضاعة على يزيد، فقصَّر في حقِّهم، فقال رجل منهم: واللهِ ما نَدْرِي إذا ما فاتَنا … طلبٌ إليك مَنِ الذي نتطلَّبُ

стр. 4815

ولقَدْ ضَرَبْنا في البلادِ فلم نَجِدْ … أحدًا سواك إلى المكارمِ يُنسبُ فاصْبِرْ لعادتنا التي عوَّدْتَنا … أو لا فأرْشِدْنا إلى مَنْ نَذْهَبُ فأعطى كلَّ واحد ألفَ دينار. وأنشده رجل: ما لي أرى أبوابَهم مهجورةً … وكأنَّ بابك مَجْمَعُ الأسواقِ جاؤوك يبغون النَّدَى وتأمَّلُوا … جَدْوَاكَ فاجتمعوا من الآفاقِ إني رأيتُك للمكارم عاشقًا … والمكرماتُ قليلة العُشَّاقِ فأعطاه ثلاثين ألفًا. ومرَّ بأعرابية فقدَّمَتْ له شاةً وقالت: واللهِ لا أملكُ غيرها. فقال لخازنه: ما معك؟ قال: ثمان مئة دينار. قال: أعطها إيَّاها. فقال: إنها تقنعُ منك باليسير! فقال: إن كانت هي تقنعُ باليسير؛ فأنا لا أرْضَى لها إلا بالكثير. قال: فإنها لا تعرفُك! فقال: أنا أعرفُ نفسي. ودفعَ إليها المال (١). وقد رثاه خلقٌ كثير، فقال ثابت قُطنة: أَبَى طُولُ هذا الليلِ أنْ يَتَصَرَّما … وهاجَ لك الهَمُّ الفؤادَ المُتَيَّما على هالكٍ هَدَّ العشيرةَ فَقْدُهُ … دَعَتْهُ المنايا فاستجابَ وسَلَّما على مَلِكٍ يا صاحِ بالعَقْرِ جُبِّنَتْ … كتائبُهُ واستَوْرَدَ الموتَ مُعْلِما أَمَسْلَمَ إنْ تَقْدِرْ عليك رِماحُنا … نُذِقْك (٢) بها سُمَّ (٣) الأساودِ مُسْلَما وإنْ نَلْقَ للعبَّاس في الدهر عَثْرةً … نُكافِئْهُ باليوم الذي كان قَدَّمَا قِصاصًا ولا نَعْدُو الذي كان قَدْ أتى … إلينا وإنْ كان ابنُ مروانَ أَظْلَما من أبيات. وقال الطِّرِمَّاح:

стр. 4816

لَحَى اللهُ قومًا أسلموا يومَ بابلٍ … أبا خالدٍ تحتَ السيوفِ البَوارقِ فتًى كان عند الموتِ أَكرمَ منهُمُ … حفاظًا وأعطى للجيادِ السَّوابقِ ولمَّا نعى الناعي يزيدَ تَزَلْزلَتْ … بيَ الأرضُ وارْتَجَّتْ (١) بمثلِ الصَّواعقِ فلا حَمَلَتْ أزْدِيَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ … جَنِينًا ولا أمَّلْنَ سَيبَ الغَوَادقِ (٢) وبعث يزيدُ بنُ عبد الملك حين قُتل يزيدُ بنُ المهلَّب إلى الشعراء، فأمرهم بهَجْو يزيد بن المهلَّب وأهلِ بيته، منهم الفرزدق، وكُثيّر، والأحوص، فأمَّا الفرزدق فقال: لقد مدحتُ بني المهلَّب وأهلَ بيته بمدائحَ ما مدحتُ بها أحدًا قطّ، وإنه لَقبيحٌ بمثلي أن أُكَذِّبَ نفسي على كبر السّن، فليُعفني أميرُ المؤمنين. فأعفاه. وقال كُثيّر: إني أكره أن أُعَرِّضَ نفسي لشعراء العراق إن هجوتُ بني المهلَّب. وأمَّا الأحوص فهجاهم، فلمَّا بعث يزيد بن عبد الملك بالأحوص إلى الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي وهو بأَذْرَبيجان وقد كان بلغَ الجرَّاحَ هِجاءُ الأحوص لهم؛ بعث الجراح بِزِقِّ خمر إلى منزل الأحوص، ثم أرسل أُناسًا، فصَحبُّوا الخمرَ على رأسه وأخرجوه على رؤوس الناس، فأَتَوْا به الجرَّاحَ، فأمر بضربه الحدَّ؛ يتناوبُ عليه الرجال، وحلقَ رأسَه ولحيتَه، والأحوص يقول: ليس هكذا تُضربُ الحدود، والجرَّاح يقول: أجل، لِما تعلم (٣). وأمَّا المُفَضَّل بن المُهَلَّب فكنيتُه أبو غسَّان، وقيل: أبو حسَّان، ولمَّا ولَّى سليمان يزيدَ بن المهلَّب على العراق خلَّفه عند سليمان يأنس به، فولَّاه جند فلسطين، وكان جوادًا سَمْحًا. روى المُفضَّل عن النعمان بن بشير، وروى عنه حاجبُ بنُ المفضَّل، وجَرِيرُ بنُ حازم، وثابت البُنانيّ، وغزا عدَّةَ غَزَوات (٤).

стр. 4817

ذكر إخوة يزيد بن المهلب: قد ذكرناهم في ترجمة المهلَّب، وأنهم كانوا عَشَرة، قُتل في نوبة يزيد منهم ستة: يزيد، وزياد، ومُدْرك، ومحمد، والمُفَضَّلَ. وأقام [أبو] عُيَينة بنُ المهلب عند رُتْبيل (١) بسجستان، ومعه عثمان بنُ المفضَّل بن المهلَّب، وعُمر بن يزيد بن المهلَّب حتى أخَذَتْ لهم هندُ بنتُ المهلَّب أمانًا من يزيد بن عبد الملك (٢). ولما قدمَ أسد بن عبد الله القَسْريّ (٣) خُراسان؛ كتبَ لعُمر بن يزيد وعثمان بن المفضَّل أمانًا. السنة الثالثة بعد المئة فيها جمع يزيد بن عبد الملك لعُمر بن هُبيرة العراق وخراسان، فعزل عُمر بن هُبيرة سعيدَ بنَ عبد العزيز خُذَينة (٤) عن خُراسان لأنَّ أهلَها شَكَوْا ضَعْفَه وعَجْزَه، واستعملَ عُمرُ على خُراسان سعيدَ بنَ عَمرو بنِ الأسود بن مالك بن كعب بن وَقْدان بن الحَرِيش الحَرَشي من بني عامر بن صعصعة. وكان فقيرًا يسألُ في الأسواق (٥)، ثم صار يسقي الماء، فآلَ به الأمرُ إلى أن صار والي خُراسان. وسببُ ولايته أنَّ يزيد بن عبد الملك كتب إلى عُمر بنِ هُبيرة: اكتُبْ إليَّ بأسماء أهلِ البلاء مع مَسْلَمة بن عبد الملك. فكتب إليه ابنُ هُبيرة بأسمائهم، ولم يذكر الحَرَشيّ، فقال يزيد: وأين الحرشي؟! وهل كان الفتحُ إلا على يده؟ ولكن حسده ابنُ هُبيرة، فكتبَ إلى ابن هُبيرة: وَلَّهِ خُراسان. فولَّاه، وكان خُذَينة بسمرقند، فقفلَ راجعًا، فقال نَهارُ بنُ تَوْسِعة:

стр. 4818

فمَنْ ذا مُبلغٌ فتيانَ قَوْمي … بأنَّ النَّبْلَ رِيشَتْ كلَّ رَيشِ وأنَّ اللهَ بدَّلَ من سعيدٍ … سعيدًا لا خُذَينةَ (١) من قريشِ ووصل الحَرَشيّ إلى خُراسان، ولم يعرض لأحد من عمال حذينة، وقدم الحَرَشيُّ إلى خُراسان على الغزو، فخطبَ وحثَّ الناسَ على الجهاد وقال: إنكم لا تُقاتلون العدوَّ لكثرة ولا بِعُدَّةٍ ولكن بنصر الله وعزِّ الإسلام. وقال: فلستُ لعامرٍ إنْ لم تَرَوْني … أمامَ الخيلِ أطعنُ بالعوالي وأضربُ هامةَ الجبَّارِ منهمْ … بعَضْبِ الحدّ حُودث بالصّقالِ فما أنا في الحروب بمستكينٍ … ولا أخشى مُصاولةَ الرِّجالِ إذا خَطَرَتْ أمامي حيُّ كعبٍ … وزافَتْ كالجبالِ بنو هلالِ أبَى لي والدي من كلّ ذَمٍّ … وخالي في الحوادث خيرُ خالِ (٢) وولَّى خَراج خُراسان عبدَ الرحمن بن صوار (٣) الفزاري، فغزا الحَرَشيّ الصُّغْد (٤)، فغنم أموالًا عظيمة، وقتل وسبى، فلما كان في سنة خمس ومئة عزل ابنُ هُبيرة الحَرَشيَّ، وسنذكره. وفيها غزا العبَّاس بنُ الوليد الروم، ففتَح مدينة يقال لها: رسلة (٥). وفيها ارتحل أهل الصُّغْد عن بلادهم، ولحقوا بفَرْغانة، وسألوا ملوكها أن يُنجدوهم (٦) على المسلمين خوفًا من الحَرَشي، وكانوا قد أعانوا التُّرك على المسلمين أيام خُذَينة وقصرِ الباهليّ (٧). ولما عزموا على الرَّحيل قال لهم ملكهم: لا تفعلوا

стр. 4819

وتخربوا دياركم، وأقيموا وا حملوا إلى الحَرَشيّ الخَراج الماضي، والتزموا أن تحملوا إليه خَراج المستقبل، وأن تَغْزُوا معه إن أرادَ ذلك، واعتذروا إليه ممَّا مضى، وقولوا غلبَنا التُّرك، وأعطُوه رهائن تكونُ عنده. فقالوا: نخافُ أن لا يرضى، ولكنَّا نأتي خُجَنْدَة، فنستجير بملكها، ونُرسل إلى الحَرَشي فنستوثق (١) منه. وساروا حتى نزلوا شِعْبَ عاصم (٢) بن عبد الله الباهليّ من أرض فَرْغانة؛ كان قتيبةُ بنُ مسلم خلَّفَه فيه، فنُسب إليه. وفيها كثُر فسادُ يزيدَ بنِ عبد الملك، فتنقَّصه أخوه هشام بنُ عبد الملك وتمنَّى موته، فكتب إليه يزيد: أمَّا بعد، فقد بلغني استثقالُك حياتي واستبطاؤك موتي، ولعمري إنك بعدي لواهي الجناح، أجذمُ اليد، وما أستوجبُ منك ما يبلغُني عنك. فكتب إليه هشام: متى فرَّغتَ سَمْعَك [لقول] أهل الشنآن وأعداء النعمة؛ يوشك أن يؤثر ذلك في فساد ذات البَين وقطع الأرحام، والسلام. فكتب إليه يزيد: احفظ وصية أبينا عبد الملك فينا وأنا غافرٌ ما قيل عنك، ومكذِّبٌ به. وكتب في أسفل الكتاب: وإنِّي على أشياءَ منك تُرِيبُني … قديمًا لَذُو صَفْح على ذاك مُجْمِلُ ستَقطعُ في الدُّنيا إذا ما قَطَعْتَني … يَمينَك فانظرْ أيَّ كفَّيكَ تُبْدَلُ (٣) وحجَّ بالناس [في هذه السنة] عبدُ الرحمن بنُ الضحَّاك الفِهْريّ وهو والي مكة والمدينة، وكان على الطائف عبدُ الواحد بنُ عبد الله النَّصْري (٤)، ولَّاه يزيد إيَّاه في

стр. 4820

هذه السنة، وكان على العراقين وخُراسان عُمر بنُ هُبيرة، ونائبُه على خُراسان الحَرَشيّ، وعلى قضاء الكوفة القاسم بنُ عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى. وفيها توفّي أبو الشَّعْثاء جابرُ بن زَيد الأزْديّ من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان فقيهًا عالمًا يُفتي أهلَ البصرة في غَيبة الحسن وحضوره. قال ابن عباس: لو نزل أهل [البصرة] عند قول جابر بن زيد؛ لأوسعهم عمَّا في كتاب الله علمًا (١). قال أبو الشَّعثاء: نظرتُ في أعمال البِرِّ؛ فإذا الصلاةُ تُجِهدُ البَدَنَ، ولا تُجهد المال، والصيامُ مثلُ ذلك، ونظرتُ في الحجّ؛ فإذا هو يُجهِدُ البَدَنَ والمال، فكانَ أفضلَ من ذلك كلِّه (٢). وكان لا يُماكسُ في كلِّ شيءٍ يُنفقُه؛ يتقرَّبُ به إلى الله تعالى؛ مثل الكِراء إلى مكَة، وفي الرَّقَبة يشتريها للعتق، وفي الأُضحية (٣). وقال ابن سِيرِين: كان أبو الشَّعْثاء مُسْلِمًا عند الدِّينار والدرهم (٤). وقال جابر بن زيد: لأَنْ أتَصدَّقَ بدرهم على يتيم أو مسكين أحبُّ إليَّ من حَجَّة، بعد حَجَّة الإسلام (٥).

стр. 4821

وقال ابن سعد (١): خرج ناسٌ فرارًا من الطاعون إلى العراق، فقال لهم جابر بن زيد: ما أقربَكم ممَّن أرادكم! ذكر وفاته: قال عَزْرَة (٢): دخلتُ على جابر وهو يموتُ، فقلتُ: إنَّ الإباضيَّة يزعمون أنك منهم -وكانوا ينتحلونه- فقال: أبرأُ إلى الله منهم. وقال ثابت البُناني: دخلتُ على جابر بن زيد وقد ثَقُل، فقلت له: ما تشتهي؟ قال: نظرة من الحسن. فأتيتُ الحسن -وهو مختفٍ في منزل أبي خليفة- فذكرتُ له ذلك، فقال: اخرُجْ بنا إليه. فقلت: أخافُ عليك. قال: إن الله سيصرفُ أبصارَهم عني. فانْطَلَقْنا، فدخلنا عليه، فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قُلْ لا إله إلا الله. فقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] فلم يزل عنده حتى أسحر، وقال له: ما تقولُ في أهل النهر؟ فقال: أبرأ إلى الله منهم. وخاف الحسنُ الصبح ولم يمت جابر، فقام الحسن قائمًا فكبَّر عليه أربعًا، ثم انصرف (٣). أوصى جابر أن تُغسِّلَه امرأتُه، ومات في سنة ثلاث ومئة (٤). وكان جابر أعور. أسند عن ابن عمر ﵁، وابن عباس ﵄، وروى عنه خلق كثير، وكان ورعًا ثقة (٥). خالد بنُ مَعْدان ابن أبي كَرِب، أبو عبد الله الكَلاعي، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الشام.

стр. 4822

كان عابدًا ورعًا مَهِيبًا، وكان يكرهُ الشُّهرة؛ إذا عظُمَتْ حَلْقَتُه قام (١). وكان إذا كتب إلى الوليد بن عبد الملك بدأ بنفسه (٢). وكان يحبُّ الغَزْو، وهو أول من ضُرب له فُسطاط بدابِق (٣). وقال [أبو نُعيم فيما رواه عنه أنه قال:] ما من عبدٍ إلا وله عينان في وجهه يُبصر بهما أمرَ الدنيا، وعينانِ في قلبه يُبصر بهما ما وعدَ الله تعالى بالغيب، فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح عينيه اللتين في قلبه، وإذا أراد به شرًّا تركه على ما هو عليه. ثم قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (٤) [محمد: ٢٤]. وكان خالد يسبِّح كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وجُعل على سريره ليُغسَّل؛ جعلَ يحرِّك أصبعيه. يعني بالتسبيح (٥). [ذكر وفاته]: وتوفِّي في خلافة يزيد بن عبد الملك في سنة ثلاث ومئة وهو صائم، وكان ثقة. [قال الهيثم:] ومات بطرسوس غازيًا (٦). وأسند عن جماعة من الصحابة: أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جَبَل، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعبد الله بن عُمر، وأبي أُمامة، وثوبان، والمقدام بن معدي كَرِب، وأبي ذرّ الغِفاري، وعبد الله بن بُسْر، وغيرهم. وكان يقول: أدركتُ سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 4823

وقد روى عنه خلق كثير، منهم ثَوْر بنُ يزيد، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وثابت بن ثوبان، وغيرهم (١). سليمان بن يسار مولى ميمونةَ زوجِ رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه كان مكاتِبًا لها، فأدَّى وعَتَق، ووهبَتْ ميمونةُ ولاءه لابن عباس ﵄. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكنيتُه أبو أيوب. وقيل: أبو محمد. وهو أحدُ الفقهاء السبعة، وكانوا يفضِّلونه على سعيد بن المسيِّب. [ذكر قصته مع البدوية]: [روى أبو نعيم الحافظ عن أبي حازم قال:] خرج سليمان [بن يسار] حاجًّا من المدينة ومعه رفيق له، فنزلا منزلًا بالأبواء (٢)، فأخذَ رفيقُه السُّفْرة (٣)، ومضى إلى السوق ليبتاعَ لهم طعامًا، وقعد سليمانُ في الخيمة، وكان من أجمل الناسِ وجهًا، فبَصُرَتْ به أعرابيةٌ من رأس الجبل وهي في خيمتها، فانحدرَتْ إليه، وأسفَرَتْ عن وجه كأنه فِلْقةُ قمر، وراودته عن نفسه فذكَّرها اللهَ، فأبت وقالت: لئن لم تفعل لأفْضَحَنَّك، فقال: جهَّزَكِ [إليَّ] إبليس؟! ثم وضع رأسَه على ركبتيه [يبكي] فلمَّا رأت ذلك سَدَلَتْ بُرْقُعَها على وجهها، وعادَتْ باكيةً إلى خيمتها. وجاء صاحبُه، فرآه على تلك الحالة، فسأله، فلم يُخبره، فأقسم عليه، فأخبره، فجلس الآخر يبكي، فقال له سليمان: ما لك؟ فقال: أنا أحقُّ بالبكاء منك. قال: ولمْ؟ قال: أخشى لو أني كنتُ مكانك لمَا صبرت. قال سليمان: فرأيتُ يوسف الصِّديِّق [بعد ذلك في المنام وأنا أقول: أنت يوسف الصِّدِّيق؟] قال: نعم، أنا الذي هَمَمْتُ وأنتَ الذي لم تَهُمّ (٤).

стр. 4824

وكان سليمان يصومُ الدهر (١). وقال: استأذنتُ على عائشة ﵄، فعرفَتْ صوتي، فقالت: أسليمان؟ قلت: نعم. قالت: أدَّيتَ ما قاضَيتَ عليه؟ قلت: بلى، لم يبقَ إلا يسير. قالت: ادخُلْ فإنك مملوك ما بقيَ عليك شيء (٢). وكان يُحْفي شاربَّه كأنَّه قد حَلَقهُ. ووليَ سوقَ المدينة لعمر بن عبد العزيز ﵁ وعمرُ يومئذ والي المدينة للوليد بن عبد الملك (٣). ذكر وفاته: مات سنة سبع ومئة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وقيل: في سنة ثلاث ومئة في خلافة يزيد بن عبد الملك، والأكثرون على ذلك. وقيل: في سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة مئة (٤). أسند سليمان عن زيد بن ثابت، وأبي واقد الليثي، وابن عُمر، وأبي هريرة، وعُبيد الله وعَبد الله ابنَي العباس، وعائشة، وأمّ سَلَمة، وميمونة، وعروة بن الزبير، والمقداد بن الأسود، وحسَّان بن ثابت، وأبي سعيد الخُدري، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ومالك بن أبي عامر. وروى عنه الزُّهري، وعَمرو بنُ دينار، وقتادة (٥)، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وأُسامة بن زيد الليثي، وبُكير بن عبد الله [بن] الأشجّ، ونافع مولى ابن عمر، وعَمرو بن ميمون بن مِهْران (٦)، وأخوه عطاء، وغيرُهم، وروى عنه ابنُه عبد الله خطبة عُمر بالجابية.

стр. 4825

وكان سليمان ثقة رفيعًا عاليًا فقيهًا، كثير الحديث. وإخوتُه: عطاء، وعبد الله، وعبد الملك بنو يسار، وكلُّهم كانوا فضلاء علماء، موالي ميمونة ﵄ (١). أبو بُردَة بن أبي موسى الأشعريّ واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة. وليَ القضاء على الكوفة بعد شُرَيح، ووفدَ على معاوية. فأَراه قَرْحةً كانت في ظهره يقال لها: النَّقَّابَة (٢). وقال ابن عساكر: كان أبو بُرْدة أحول، ولما وليَ القضاء كان سعيد بن جبير كاتبه (٣). ولمَّا وَليَ يزيدُ بنُ المهلَّب خُراسان قال: دُلُّوني على رجل جامعٍ لخصال الخير. فدُلَّ على أبي بُرْدة، فلما رآه رأى مَخْبَرَه أفضلَ من منظره، فقال له: إني مولِّيك على كذا وكذا. قال: أعْفِني. قال: لا أُعفيك. فقال: حدَّثني أبي عن النَّبي ﷺ أنه قال: "مَنْ وَليَ عَمَلًا وهو يعلمُ أنه ليس بأهل له فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار". ولستُ بأهل لهذا. فقال له يزيد: الآن حرَّضْتَني على نفسك، خُذْ عهدَك واخْرجْ، فإني غيرُ مُعفيك. فخرج وأقامَ مدَّةً ثم قدم عليه، فقال: حدَّثني أبي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ملعون من سُئل بوجه الله ثم منعَ سائلَه". وأنا أسألُك بوجه الله أن تُعفِيَني. فأعفاه (٤). ومات بالكوفة سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ستّ، وقيل: سنة سبع ومئة (٥). أسندَ عن أبيه، وعن عبد الله بن سَلام.

стр. 4826

قال أبو بُرْدَة: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلَّم منه، فجئتُه فقال: مَنْ أنتَ؟ فأخبرتُه، فرحَّب بي، فقلت: إنَّ أبي أرسلني إليك لأتعلَّم منك. فقال: يا ابن أخي، إنكم بأرض تُجَّار، فإذا كان لك على أحد مالٌ؛ فأهدى إليك هديَّةً؛ فلا تَقْبَلْها، فإنَّها رِبًا (١). وأخوه موسى بن أبي موسى: أمُّه أمُّ كلثوم بنت الفضل بن العبَّاس، رَوَى عن أبيه. وأخوهما أبو بكر بن أبي موسى، وهو اسمُه، روى عن أبيه، وكان قليل الحديث يُستضعف، ومات في ولاية خالد بن عبد الله القَسْري، وكان أكبرَ من أبي بُرْدة، وأدركَ جماعة من الصحابة، وكان يسكُن الكوفة، ولا رواية له (٢). يزيد بن حُصَين بن نُمير السَّكوني الحمصي، من الطبقة الرابعة (٣) من أهل الشام من التابعين. وليَ حمص لعمر بن عبد العزيز ﵁، ولسليمان قبله، وكتب إليه عمر [بن عبد العزيز] لا تدعنَّ صليبًا ولا صورة في أسواق حمص إلا مَحَوْتَه، ثم امسحه ببياض (٤). وكانت وفاتُه بحمص. حدث عن أبيه الحُصَين. والحُصَين هو الذي حاصر مكة واستخلفه مُسْرفُ بن عقبة (٥).

стр. 4827

وحدَّث يزيد أيضًا عن معاذ بن جبل، وروى عنه عُليّ بن رباح، وكان مع مروان لما خرج إلى مصر. السنة الرابعة بعد المئة فيها عزل يزيدُ بنُ عبد الملك عبدَ الرحمن بنَ الضَّحًّاك بن قيس الفِهْريّ عن المدينة ومكة، وولَّى عليهما عبد الواحد النَّصْري (١). وسببُ عزله أنه خطب فاطمةَ بنتَ الحسين بنِ علي بنِ أبي طالب ﵇، فقالت: واللهِ ما أُريد النِّكاح، ولقد قعدتُ على بنيّ هؤلاء. وجعلَتْ تُحاجزه، وتكره أن تُنابذَه، لِما تخافُ من شرِّه، وألحَّ عليها وقال: واللهِ لئن لم تفعل لأجلدن أكبرَ بنيها في الخمر. يعني عبد الله بن حسن. وكان على ديوان المدينة رجل من أهل الشام يقال له: ابنُ هرمز، فاستدعاه يزيدُ بنُ عبد الملك ليعملَ حسابَه، فدخل على فاطمة يودِّعُها ويسعرض حوائجها، فقالت: تُعرِّفُ أميرَ المؤمنين ما أَلْقَى من ابنِ الضحاك. وبعَثَتْ كتابًا ورسولًا إلى يزيد، وقَدِمَ ابنُ هُرمز على يزيد، فسأله عن أحوال المدينة، فذكَر له حديثَ ابنِ الضحاك مع فاطمة. فبينا هو يحدِّثه دخلَ الحاجب وقال: رسولُ فاطمة بالباب (٢). فأذِنَ له، فدخل، فناوله الكتاب، فقرأه يزيد، ونزل عن فراشه وجعل يضرب الأرض بخيزُرانةٍ ويقول: لقد أقدمَ ابنُ الضحَّاك على أمر عظيم، ألا رجلٌ يُسمعُني صوتَه في العذاب وأنا على فراشي؟ فقيل له: عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري. فدعا يزيد بقرطاس وكتب فيه بخطّ

стр. 4828

يده إلى عبد الواحد وهو بالطائف: سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإنِّي قد ولَّيتُك المدينةَ، فإذا جاءك كتابي هذا فسِرْ إليها، واعزِل ابنَ الضَّحَّاك، وأغرمهُ أربعين ألفَ دينار، وعذِّبْه حتى أسمعَ صوتَه وأَنا على فراشي. والسلام. وسار البريدُ بالكتاب، فقدمَ المدينةَ، ولم يدخل على ابن الضحاك، فارتاب به، وبعث إلى البريد بألف دينار وقال له: لك عهدُ الله عليَّ وميثاقُه إنْ أنتَ أخبرتَني لا أُخبِرُ أحدًا وإنَّ هذه لك، فأخبره، فاستنظره ثلاثًا، وخرج ابنُ الضحاك إلى مَسْلَمة، فاستجارَ به، فكلَّم فيه يزيدَ بنَ عبد الملك، فقال: واللهِ لا أُجيرُه أبدًا وقد فعل ما فعل، ردُّوه إلى المدينة، فردُّوه. فأخذَه عبدُ الواحد، فعذَّبه عذابًا شديدًا، وأغرمَه أربعين ألف دينار (١). قال عبد الله بن محمد: فلقد رأيتُه بالمدينة وعليه جُبَّةُ صوف وهو يسأل الناس، ولم يزل على أسوأ حال. وكتب يزيد إلى فاطمة يعتذرُ إليها وشمألُها حوائجَها، فلم يكن ليزيد بن عبد الملك مَنْقَبةٌ مثلُ هذه. قال الواقدي: وكان عَزْلُ ابن الضَّحَّاك عن المدينة النصف من ربيع الأول، وأقام واليًا عليها ثلاث سنين، وكان قد أساء إلى أهلها، وفعل بابن حزم ما فعل، فسُرَّ الناسُ بما جرى عليه. وقَدِمَها عبدُ الواحد النَّصْري يومَ السبت للنصف من شوال هذه السنة (٢). قال الزُّهري: قلت لعبد الرحمن بن الضحَّاك لما وَليَ المدينة: إنك قادمٌ على قوم يُنكرون كلَّ شيء خالفَ فعلَهم، فالْزَمْ ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم بنَ محمد، وسالم بنَ عبدْ الله، فإنهما لا يأْلُوانِكَ رُشْدًا. فلم يأخذ بشيء من ذلك، وعادَى الأنصار طُرًّا، وضرب أبا بكر بنَ حَزْم ظلمًا وعدوانًا في باطل، فما بقيَ منهم شاعرٌ إلا هجاه، ولا صالحٌ إلا عابَه وأتاه بالقبيح، ووليَ المدينةَ عبدُ الواحد بنُ عبد الله

стр. 4829

النصري، فأحسنَ السِّيرة، فلم يَقْدَم عليهم والٍ أحبَّ إليهم منه، وكان يذهبُ مذاهبَ الخير، لا يقطع أمرًا إلا استشار فيه القاسم وسالمًا (١). وفيها غزا سعيدٌ الحَرَشيُّ السُّغْد (٢)، فقتل وسبى، وقطع النهر، ونزل على خُجَنْدَة (٣)، ونصبَ عليها المجانيق وحصرَهم، فأرسلوا إلى ملك فَرْغانة يستنجدونَه على الحَرَشيّ، فقال: لستُم في جواري. فأرسلوا إلى الحَرَشيّ، فصالحوه، وأعطاهم الأمان على أن يردَّهم إلى الصُّغْد، وأن يردُّوا إليه نساء العرب الذين في أيديهم وأُسارى المسلمين، ويؤدُّوا الخَراج (٤)، ولا يغتالوا أحدًا، ولا يتخلَّف منهم بخُجَنْدَة أحد. فغدروا وقتلوا من أسارى المسلمين في السِّرّ مئةً وخمسين، وأفلتَ منهم غلامٌ، فأخبرَ الحَرَشيّ، فأرسل إليهم، فأنكروا، وتحقَّق الخبر، فأرسلَ فعزل التُّجار عنهم، وكانوا أربع مئة، معهم أموالٌ عظيمة من الهند والصين، وأمر بقتل السُّغْد، فقتلهم عن آخرهم، وأَفلت منهم جماعة قبل ذلك، وغنم أموال السُّغْد وذراريهم. وكتبَ إلى يزيد بن عبد الملك بالفتح ولم يكتب إلى عُمر بن هُبيرة، فكان هذا مما وجد عليه ابنُ هُبيرة حتى عزلَه. وفتح الحَرَشي قِلاعًا كثيرة وحصونًا لم يفتحها غيرُه، وغنم أموالًا عظيمة، وعاد إلى مَرْو (٥). وفيها عزلَ عُمر بنُ هُبيرة سعيدَ الحَرَشيَّ عن خُراسان، وولَّاها مسلم بنَ سعيد بن أسلم بن زُرْعة الكلابي.

стр. 4830

قال هشام: كان الحَرَشيّ قد اطَّرحَ جانبَ ابنِ هُبيرة واستَخَفَّ به، وكان رسولُ ابنِ هُبيرة إذا قدم على الحَرَشيّ يقول له: كيف أبو المُثَنَّى، ويكتب إليه: من سعيد إلى أبي المثنَّى. فقال ابنُ هُبيرة لجميل بن عمران (١): قد بلغني عن الحَرَشيّ أشياءُ، فاذهَبْ إلى خُراسان وحقِّق بما قيل لي. فخرج جميل (٢) على وجه كأنَّه ينظر في الدواوين، فقيل له: ما قدم إلا ليكشف أخبارك. فأرسلَ إليه الحَرَشيّ بِبِطِّيخةٍ مسمومة، فأكلها، فمرض، وتساقطَ شعرُه، وأشرفَ على الموت، فتحاملَ وعادَ إلى ابنِ هُبيرة، فقال: ما وراءَك؟ فقال الأمرُ أعظمُ مما بلغَك، ما يعدُّك الحَرَشيُّ إلا من بعض عماله. فأرسل ابنُ هُبيرة مسلمَ بنَ سعيد الكلابي إلى خُراسان واليًا، فقبض على الحَرَشيّ، وعذَّبه، ونَفَخَ في بطنه النمل (٣)، واستقضى أمواله. وكان الحَرَشيُّ يقول: لو طَلَبَ منّي ابنُ هُبيرة درهمًا يصعُه في عينه ما أعطيتُه. فلما ذاقَ العذابَ أقرَّ بالأموال، فقال أُذَينة ابن كُلَيب: تَصَبَّرْ أبا يحيى فقد كنت - عِلْمَنَا - … صبورًا ونهَّاضًا بثِقْلِ المغارمِ (٤) وقال الهيثم: عزل ابنُ هُبيرة سعيد الحَرشيَّ، وجعله في الحصن (٥)، فلمَّا وَلِيَ خالدُ بنُ عبد الله القَسْريّ العواق أطلق الحَرَشيَّ وأكرمه، فلما هرب ابنُ هُبيرة من حبس خالد القَسْري أرسَل الحَرَشيّ خلفَه، فلم يدركه. وقال الطبري: أدرك الحَرَشيّ ابنَ هُبيرة في الفرات وهو في سفينة، وغلام قائم على صدرها، فقال الحَرَشيّ: أفي السفينة أبو المثنَّى؟ قال: نعم. فخرج إليه ابن هُبيرة، فقال الحَرَشيّ: يا أبا المثنَّى، ما ظنُّكْ بي؟ قال: إنك لا تدفعُ رجلًا من قومك إلى

стр. 4831

رجل من قريش (١). يعني أبا خالد القَسْريّ، وكان الحَرَشيُّ وابنُ هُبيرة من بني عامر، فلما قال ابنُ هبيرة ذلك قال له الحَرَشيّ: هو ذاك، فالنَّجاء النَّجاء. قال علماء السِّيَر: ولمَّا سارَ مسلم بنُ سعيد الكلابي إلى خُراسان؛ قدم مَرْو وقتَ الظهيرة، فرأى باب دار الإمارة مغلقًا، فدخل المسجد، فرأى بابَ المقصورة مغلقًا، فصلَّى في المسجد، وأُخبر الحَرَشيُّ بقدومه، فأرسل إليه، فقال: أَقدمتَ أميرًا، أو وزيرًا [أو زائرًا]؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خُراسان زائرًا ولا وزيرًا، فأتاه الحَرَشيّ، فشَتَمه وحبَسَه وقيَّده، فتَمثَّلَ الحَرَشيُّ وقال: هُمُ إنْ يَثْقَفُوني يقتُلُوني … وإنْ أَثْقَفْ فليس إلى خُلُودِ (٢) وفيها غزا الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي أرضَ التُّرْك وبابَ الأبواب (٣)، وكان أميرًا على أَذَرْبِيجان، وأرمينية، ففتح بَلَنْجَر (٤)، وهزمَ التُّرك، وغرَّقهم في الماء، وكان من غرق أكثرَ ممَّن قُتل. وفيها وُلد أبو العبَّاس عبدُ الله بنُ محمد بن عليّ السَّفَّاح في ربيع الآخِر (٥)، فدخلَ أبو محمد الصادق وجماعة من الشيعة الذين قدموا من خُراسان على محمد بن عليّ، فأخرجَه إليهم في خِرْقة، وقال: بهذا يُتمّ اللهُ الأمر، ويُدرَك الثأر من العدوّ إن شاء الله تعالى. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الواحد بن عبد الله النَّصْري، وكان على المدينة ومكة والطائف، وكان على العراق والمشرق عُمر بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة حُسين بن الحسن الكِنْدي، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يَعْلَى (٦).

стр. 4832

وفيها توفي أبان بن عثمان بن عفَّان وأمُّهُ أمُّ عَمرو بنت جُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة، من دَوْس، وكنيتُه أبو سعيد، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. وكان من فقهائها. شهد الجمل مع عائشة ﵂ وكان ثاني المنهزمين. ولَّاه عبد الملك بن مروان المدينة (١). رِبْعيُّ بن حِراش ابن جحش، أبو عمرو الغَطَفاني الكوفي، من الطبقة الثانية من أهل الكوفة (٢). قال أحمد بن عبد الله العِجْلي: إنَّ رِبْعيَّ بنَ حِراش لم يكذب قطّ؛ كان له ابنانِ عاصيانِ على الحجَّاج، فقيل للحجَّاج: إنَّ أباهما لم يكذبْ قطّ، فلو أرسلتَ إليه فسألتَه عنهما. فأرسل إليه، فقال: أين ابناك؟ فقال: في البيت. قال: قد عفونا عنهما بصدقك (٣). وقال الحارث العَنَزيَّ: آلَى رِبْعيّ أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار. قال الحارث: فلقد أخبرني غاسلُه أنه لم يزل متبسِّمًا على سريره ونحن نُغسّلُه حتى فَرَغْنا منه (٤). وتوفّي سنة أربع ومئة، وقيل: في ولاية الحجَّاج، وقيل: سنة إحدى ومئة، وليس له عقب (٥). أسند عن عُمر، وعليّ، وحُذيفة، وأبي بَكْرة، وعمران بن الحصين، وغيرهم ﵃.

стр. 4833

وروى عنه: عامر الشعبي، وعبد الملك بن عُمير، ومنصور بن المعتمر، وأبو مالك الأشجعي، وحُميد بن هلال، وإبراهيم بن المهاجر، وغيرهم. وكان ثقة صدوقًا (١). [ذكر إخوته:] [ذكر جدّي في "الصفوة" منهم واحدًا، ولم يسمَّه لنا، وهو الذي تكلّم بعد الموت. فروى ابنُ أبي الدنيا بإلشاده إلى عبد الملك] قال ربْعيّ: كنَّا ثلاثةَ إخوة، وكان أعبدُنا وأصومُنا وأفضلُنا الأوسطَ منَّا، فغِبْتُ غَيبةً إلى السَّوَاد، ثم قدمتُ على أهلي فقالوا: أدْرِكْ أخاك، فإنَّه في الموت. فخرجتُ أسعى إليه، فانتهيتُ إليه وقد قَضَى، وسُجِّيَ بثوب، فقعدتُ عند رأسه أبكيه، فرفعَ يده، فكشفَ الثوبَ عن وجهه وقال: السلام عليكم. فقلت: أي أخي! أحياةٌ بعدَ الموت؟! قال: نعم، إني لَقِيتُ ربي، فلقِيَني برَوْحٍ ورَيحان، ورَبٍّ غيرِ غضبان، وإنَّه كساني ثيابًا خُضْرًا من سندسٍ وإستبرق، وإني وجدتُ الأمرَ أيسرَ ممَّا تظنُّون أو تحسبون، فاعملوا ولا تغترُّوا. قالها ثلاثًا. وإني لقيتُ رسولَ الله ﷺ فأقسم أن لا يبرح حتى آتيَه، فعجِّلوا جِهازي. ثم طفئ أسرعَ من حصاة ألقِيتْ في ماء. [هذه صورة ما ذكره جدّي في "الصفوة"] (٢). كان لربعي ثلاثة إخوة: رَبيع، وعباية، ومسعود بن حِراش، فأمَّا ربيع؛ فمات قبل رِبْعيّ، وهو الذي تكلّم بعد الموت، وأمَّا عباية؛ فروى عن عمر رضوان الله عليهما، والعَقِبُ له (٣).

стр. 4834

زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، من الطبقة الثانية من التابعين من موالي أهل المدينة. كان رجلًا عابدًا معتزلًا للناس، لا يزال يكون وحدَه يذكرُ الله، وكانت فيه لُكْنةٌ، وكان يلبس الصوف، ولا يأكل اللحم، وكان له دريهمات يعالج [له] فيها. وكان صديقًا لعمر بن عبد العزيز ﵁، وكان إذا أتى إليه يتخطَّى رقابَ بني أمية، وكانوا يمتعضون من ذلك. وقدم عليه وهو خليفة، فوعظه، وقرَّبَه عُمر، وخَلا بهِ، وكان بينهما كلام كثير. ولزياد عقب بدمشق، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وغيرُه، وروى عن أنس بن مالك (١). وقال محمد بن المنكدر: إني خلَّفتُ زياد بنَ أبي زياد وهو يُخاصم نفسه في المسجد يقول: اجلسي، أين تريدين أن تذهبي؟ إلى دار فلان؟ انظري إلى هذا المسجد. قال: وكان يقول لنفسه: ما لكِ من الطعام إلا هذا الخبز والزيت، وما لكِ من الثياب إلا هذين الثوبين، وما لك من النساء إلا هذه العجوز، أفتُحبِّين أنْ تموتي؟ قالت: أنا أصبرُ على هذا العيش (٢). وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى مولاه ليشتريَه منه، فأبى، وأعتقه مولاه (٣).

стр. 4835

عامر الشَّعْبيّ ابن شَرَاحِيل بن عَبْد بن ذي كِبَار، وهو من حِمْيَر، وعِدادُهُ من هَمْدَان، من ولد حسَّان بن عَمرو القَيل، وُجِدَ (١) في جبلِ ذي شَعْبَين (٢). وُلد سنة جَلُولاء، وهي سنة سَبْعَ عشرةَ (٣)، وقيل: وُلد لأربعِ سنين بقينَ من خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالكوفة (٤)، وكانت أمُّه من سبي جَلُولاء. وقيل: وُلد الشعبيّ والحسن سنة إحدى وعشرين (٥). [قال هشام:] وكان نَحِيلًا ضئيلًا، فقيل له: ما لنا نراك كذا؟ فيقول: زُوحِمْتُ في الرَّحِم (٦). معناه أنه وُلد هو وأخوه تَوْأَمَين. وكنيتُه أبو عَمرو، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة. قال: أقمتُ بالمدينة ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر. وكان سببُ مُقامه بها أنَّه خاف من المختار بن أبي عُبيد، فهرب منه، وقال: تعلَّمتُ الحسابَ من الحارث الأعور، وأقمتُ بخُراسان لا أزيدُ على ركعتين عشرة أشهر (٧). وكان خرج مع ابن الأشعث وقاتلَ الحجَّاج، وعفا عنه.
следующие страницы →