← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

رجل من قريش (١). يعني أبا خالد القَسْريّ، وكان الحَرَشيُّ وابنُ هُبيرة من بني عامر، فلما قال ابنُ هبيرة ذلك قال له الحَرَشيّ: هو ذاك، فالنَّجاء النَّجاء. قال علماء السِّيَر: ولمَّا سارَ مسلم بنُ سعيد الكلابي إلى خُراسان؛ قدم مَرْو وقتَ الظهيرة، فرأى باب دار الإمارة مغلقًا، فدخل المسجد، فرأى بابَ المقصورة مغلقًا، فصلَّى في المسجد، وأُخبر الحَرَشيُّ بقدومه، فأرسل إليه، فقال: أَقدمتَ أميرًا، أو وزيرًا [أو زائرًا]؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خُراسان زائرًا ولا وزيرًا، فأتاه الحَرَشيّ، فشَتَمه وحبَسَه وقيَّده، فتَمثَّلَ الحَرَشيُّ وقال: هُمُ إنْ يَثْقَفُوني يقتُلُوني … وإنْ أَثْقَفْ فليس إلى خُلُودِ (٢) وفيها غزا الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي أرضَ التُّرْك وبابَ الأبواب (٣)، وكان أميرًا على أَذَرْبِيجان، وأرمينية، ففتح بَلَنْجَر (٤)، وهزمَ التُّرك، وغرَّقهم في الماء، وكان من غرق أكثرَ ممَّن قُتل. وفيها وُلد أبو العبَّاس عبدُ الله بنُ محمد بن عليّ السَّفَّاح في ربيع الآخِر (٥)، فدخلَ أبو محمد الصادق وجماعة من الشيعة الذين قدموا من خُراسان على محمد بن عليّ، فأخرجَه إليهم في خِرْقة، وقال: بهذا يُتمّ اللهُ الأمر، ويُدرَك الثأر من العدوّ إن شاء الله تعالى. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الواحد بن عبد الله النَّصْري، وكان على المدينة ومكة والطائف، وكان على العراق والمشرق عُمر بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة حُسين بن الحسن الكِنْدي، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يَعْلَى (٦).

стр. 4832

وفيها توفي أبان بن عثمان بن عفَّان وأمُّهُ أمُّ عَمرو بنت جُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة، من دَوْس، وكنيتُه أبو سعيد، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. وكان من فقهائها. شهد الجمل مع عائشة ﵂ وكان ثاني المنهزمين. ولَّاه عبد الملك بن مروان المدينة (١). رِبْعيُّ بن حِراش ابن جحش، أبو عمرو الغَطَفاني الكوفي، من الطبقة الثانية من أهل الكوفة (٢). قال أحمد بن عبد الله العِجْلي: إنَّ رِبْعيَّ بنَ حِراش لم يكذب قطّ؛ كان له ابنانِ عاصيانِ على الحجَّاج، فقيل للحجَّاج: إنَّ أباهما لم يكذبْ قطّ، فلو أرسلتَ إليه فسألتَه عنهما. فأرسل إليه، فقال: أين ابناك؟ فقال: في البيت. قال: قد عفونا عنهما بصدقك (٣). وقال الحارث العَنَزيَّ: آلَى رِبْعيّ أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار. قال الحارث: فلقد أخبرني غاسلُه أنه لم يزل متبسِّمًا على سريره ونحن نُغسّلُه حتى فَرَغْنا منه (٤). وتوفّي سنة أربع ومئة، وقيل: في ولاية الحجَّاج، وقيل: سنة إحدى ومئة، وليس له عقب (٥). أسند عن عُمر، وعليّ، وحُذيفة، وأبي بَكْرة، وعمران بن الحصين، وغيرهم ﵃.

стр. 4833

وروى عنه: عامر الشعبي، وعبد الملك بن عُمير، ومنصور بن المعتمر، وأبو مالك الأشجعي، وحُميد بن هلال، وإبراهيم بن المهاجر، وغيرهم. وكان ثقة صدوقًا (١). [ذكر إخوته:] [ذكر جدّي في "الصفوة" منهم واحدًا، ولم يسمَّه لنا، وهو الذي تكلّم بعد الموت. فروى ابنُ أبي الدنيا بإلشاده إلى عبد الملك] قال ربْعيّ: كنَّا ثلاثةَ إخوة، وكان أعبدُنا وأصومُنا وأفضلُنا الأوسطَ منَّا، فغِبْتُ غَيبةً إلى السَّوَاد، ثم قدمتُ على أهلي فقالوا: أدْرِكْ أخاك، فإنَّه في الموت. فخرجتُ أسعى إليه، فانتهيتُ إليه وقد قَضَى، وسُجِّيَ بثوب، فقعدتُ عند رأسه أبكيه، فرفعَ يده، فكشفَ الثوبَ عن وجهه وقال: السلام عليكم. فقلت: أي أخي! أحياةٌ بعدَ الموت؟! قال: نعم، إني لَقِيتُ ربي، فلقِيَني برَوْحٍ ورَيحان، ورَبٍّ غيرِ غضبان، وإنَّه كساني ثيابًا خُضْرًا من سندسٍ وإستبرق، وإني وجدتُ الأمرَ أيسرَ ممَّا تظنُّون أو تحسبون، فاعملوا ولا تغترُّوا. قالها ثلاثًا. وإني لقيتُ رسولَ الله ﷺ فأقسم أن لا يبرح حتى آتيَه، فعجِّلوا جِهازي. ثم طفئ أسرعَ من حصاة ألقِيتْ في ماء. [هذه صورة ما ذكره جدّي في "الصفوة"] (٢). كان لربعي ثلاثة إخوة: رَبيع، وعباية، ومسعود بن حِراش، فأمَّا ربيع؛ فمات قبل رِبْعيّ، وهو الذي تكلّم بعد الموت، وأمَّا عباية؛ فروى عن عمر رضوان الله عليهما، والعَقِبُ له (٣).

стр. 4834

زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، من الطبقة الثانية من التابعين من موالي أهل المدينة. كان رجلًا عابدًا معتزلًا للناس، لا يزال يكون وحدَه يذكرُ الله، وكانت فيه لُكْنةٌ، وكان يلبس الصوف، ولا يأكل اللحم، وكان له دريهمات يعالج [له] فيها. وكان صديقًا لعمر بن عبد العزيز ﵁، وكان إذا أتى إليه يتخطَّى رقابَ بني أمية، وكانوا يمتعضون من ذلك. وقدم عليه وهو خليفة، فوعظه، وقرَّبَه عُمر، وخَلا بهِ، وكان بينهما كلام كثير. ولزياد عقب بدمشق، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وغيرُه، وروى عن أنس بن مالك (١). وقال محمد بن المنكدر: إني خلَّفتُ زياد بنَ أبي زياد وهو يُخاصم نفسه في المسجد يقول: اجلسي، أين تريدين أن تذهبي؟ إلى دار فلان؟ انظري إلى هذا المسجد. قال: وكان يقول لنفسه: ما لكِ من الطعام إلا هذا الخبز والزيت، وما لكِ من الثياب إلا هذين الثوبين، وما لك من النساء إلا هذه العجوز، أفتُحبِّين أنْ تموتي؟ قالت: أنا أصبرُ على هذا العيش (٢). وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى مولاه ليشتريَه منه، فأبى، وأعتقه مولاه (٣).

стр. 4835

عامر الشَّعْبيّ ابن شَرَاحِيل بن عَبْد بن ذي كِبَار، وهو من حِمْيَر، وعِدادُهُ من هَمْدَان، من ولد حسَّان بن عَمرو القَيل، وُجِدَ (١) في جبلِ ذي شَعْبَين (٢). وُلد سنة جَلُولاء، وهي سنة سَبْعَ عشرةَ (٣)، وقيل: وُلد لأربعِ سنين بقينَ من خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالكوفة (٤)، وكانت أمُّه من سبي جَلُولاء. وقيل: وُلد الشعبيّ والحسن سنة إحدى وعشرين (٥). [قال هشام:] وكان نَحِيلًا ضئيلًا، فقيل له: ما لنا نراك كذا؟ فيقول: زُوحِمْتُ في الرَّحِم (٦). معناه أنه وُلد هو وأخوه تَوْأَمَين. وكنيتُه أبو عَمرو، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة. قال: أقمتُ بالمدينة ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر. وكان سببُ مُقامه بها أنَّه خاف من المختار بن أبي عُبيد، فهرب منه، وقال: تعلَّمتُ الحسابَ من الحارث الأعور، وأقمتُ بخُراسان لا أزيدُ على ركعتين عشرة أشهر (٧). وكان خرج مع ابن الأشعث وقاتلَ الحجَّاج، وعفا عنه.

стр. 4836

وقال الشعبيّ: ما كتبتُ سوداء في بيضاء قطّ، وما حدَّثني أحدٌ بحديث فأحببتُ أن يُعيده عَلَيَّ (١). وكان يقول: ليتني أفْلَتُّ من علمي كَفَافًا لا لي ولا عَلَيَّ (٢). وكان يحدَّث الحديث بالمعنى. ووقف على قوم وهم ينالون منه ولا يرَوْنَه، فقال: هنيئًا مريئًا غيرَ داءٍ مُخامرٍ … لِعَزَّةَ من أعراضنا ما استحلَّتِ (٣) وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قد ولَّى الشعبيَّ قضاء الكوفة، فتقدَّم إليه اثنان، فقال الشعبيّ لأحدهما: إن لم تُعطه حقَّه، أو جاء بك مرَّةً أخرى لأحبسنَّك ولو كنتَ [ابن] عبد الحميد (٤). وكان يقضي في المسجد، ويصبغ بالحِنَّاء، ويلتحفُ بملحفة حمراء (٥). وقال أبو حنيفة: رأيتُ الشعبيَّ يلبس الخَزَّ، ويجالسُ الشعراء، ويلبسُ الفِراء ويقول: دباغُها طُهُورُها (٦). وكان ابنَ سبع وسبعين سنة وهو يقرضُ الشِّعْر (٧). وقيل له: يا أبا عَمرو، كم أتى عليك من السنين؟ فقال: باتَتْ تَشَكَّى إليَّ الموتَ مُجْهِشَةً … وقد حملتُكِ سبعًا بعد سبعينا إنْ تُحْدِثي أملًا يا نفسُ كذبةً … إلى الثلاث تُوَفِّينَ الثمانينا (٨)

стр. 4837

وقال ابنُ سِيرِين: قدمتُ الكوفة وللشعبيّ حلقة عظيمة وأصحابُ رسول الله ﷺ يومئذٍ كثير (١). وقال الشعبيّ: ما أرى شيئًا أقلَّ من الشِّعر، ولو شئتُ لأنشدتكُم شهرًا لا أُعيدُه (٢). وقال: لو أنَّ رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفضظ كلمةً تنفعُه فيما يستقل من عمره؛ لرأيتُ أنَّ سفره لم يَضِعْ (٣). وقال: العلمُ أكثرُ من عدد القَطْر، فخُذْ من كلِّ شيءٍ أحسنهَ (٤). وكان للشعبيّ ديوان، وكان يغزو عليه، وكان شيعيًّا، فرأى منهم أمورًا وسمع كلامهم إفراطَهم، فترك رأيهم، وكان يَعِيبُهم (٥). وقال: اِعلم أنَّ الحسنةَ من الله، والسيئة من نفسك، ولا تكن قَدَريًّا. قال سبط ابنُ الجوزي ﵀: وهذا عينُ القَدَر (٦). وقال مالك بن معاوية (٧): قال لي الشعبيّ وقد ذكرنا الرافضة: يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابهم عبيدًا، وأن يملؤوا بيتي ذهبًا على أن أكذبَ لهم كَذْبةً واحدة على أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ لفعلوا، ووالله لا كذبتُ عليه أبدًا. يا مالك، إني قد درستُ (٨) أهل الأهواء كلَّهم، فما رأيتُ أحمقَ منهم، فإنهم ينقضون عرى الإسلام عروةً عروة كما ينقض اليهودُ النصرانية، لم يدخلوا في الإسلام

стр. 4838

رغبة ولا رهبة، ولكن بغيًا للإسلام، وإنَّ أميرَ المؤمنين حرَّقهم بالنار، ونفاهم من البلدان، فنفى عبدَ الله بن سبأ إلى ساباط، وعُبيد الله أخاه إلى الخازِر (١). قالت اليهود: لا يكون الملكُ: لا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكونُ الملك إلا في آل عليّ. وقالت اليهود: لا جهاد حتى يخرج المسيح، وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المنتظر المهديّ، واليهود تؤخِّر صلاةَ المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذا الرافضة، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث، وكذا الرافضة، واليهود حرَّفوا التوراة، والرافضة حرَّفوا القرآن، واليهود تستحلُّ دماء المسلمين، وكذا الرافضة، واليهود تنحرف عن القبلة، وكذا الرافضة؛ يقولون: غلط في الوحي على محمد ﷺ ، وترك عليًّا، واليهود والنصارى يفضَّلون على الرافضة بخصلتين؛ سُئلت اليهود: مَنْ خيرُ ملَّتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وكذا النصارى قالوا: أصحاب عيسى. وسُئلت الرافضة: مَن شرُّ ملَّتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ . أمرَهم الله بالاستغفار لهم، فسبُّوهم، والسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة، لا تثبت لهم قدم، ولا تقومُ لهم راية، ولا تُجمع لهم كلمة، دعوتُهم مدحوضة، وجمعهم متفرِّق، وكلَّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله. ثم قال: ما أُشبِّه تأويلَهم إلا بتأويل رجلٍ مضعوفٍ من بني مخزوم، رأيتُه قاعدًا بفِناء الكعبة، فقال: يا شعبيّ، ما عندك في تأويل هذا البيت: بيتٌ (٢) زُرارةُ مُحْتَبٍ بفنِائِهِ … ومُجاشِعٌ وأبو الفوارسِ نَهْشَلُ قلت: وما معناه؟ قال: بنو تميم يغلطون فيه ويقولون: إنما قيل في رجالهم. قلتُ: فما عندك أنت فيه؟ فقال: ما أرادَ بالبيت إلا هذا البيت. وأشارَ إلى الكعبة وزُرارة هو

стр. 4839

الحجر، ومُجاشع زمزم، جشعت الماء، وأبو الفوارس أبو قُبيس. قلت: فنَهْشَل؟ ففكَّر طويلًا، ثم قال: هو مفتاح (١) البيت، أسودُ طويل. فقلت: أحسنت (٢)! سأل عبد الملك بن مروان جلساءه: دلُّوني على رجل أُولِّيه القضاء. فقال له رَوْحُ بن زِنْباع: أدلُّك على رجل إن دعوتُموه أجابكم، وإن تركتُموه لم يأتكم، ليس بالمُلْحِفِ طَلَبًا، ولا بالمُمْعِنِ هَرَبًا. فقال: مَنْ هو؟ قال: عامر الشعبي. فكتب إلى محامله بالعراق أن يولِّيَه القضاء، فهرب عامر إلى الشام مستخفيًا (٣). وقال الأصمعي: وجَّهَ عبدُ الملك بنُ مروان الشعبيَّ رسولًا إلى الروم في بعض الأمر، فاستكبرَ ملكُ الروم الشعبيَّ (٤) واستعظمَه، وقال له: مِنْ أهل بيت المَلِك أنت؟ قال: لا. فكتب معه ورقةً لطيفة وقال: ادْفَعْها إلى صاحبك. ثم قال له: أنت أحقُّ بموضع صاحبك. وذلك بعدما سمع كلامه، فقال له الشعبي: على بابه عشرة آلاف خيرٌ مني. فقال: وهذا من عقلك! فلما قدم الشعبي على عبد الملك دفع إليه الورقة، وفيها: عجبتُ من العرب؛ كيف يكون فيهم مثلُ هذا، ويُمَلِّكون غيرَه. فقال عبد الملك: يا عامر، حَسَدني عليك، فأغراني بقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين، لو رآك لاستصغرني. وبلغَ ملكَ الروم، فقال: واللهِ ما أردتُ إلا ذاك (٥). ودخل الأخطل على عبد الملك والشعبيُّ عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، مَنْ هذا؟ فقال عبد الملك: نحن الخلفاء، فلا نُسأل. فخجل الشعبيّ (٦).

стр. 4840

وقال الشعبيّ: ما بَكَيتُ من زمان إلا وبَكَيتُ عليه (١). ودخل [الشعبيّ] الحمَّامَ، فرأى فيه داودَ الأوْدِيّ بغير مئزر (٢)، فغمَّضَ الشعبي عينيه، فقال له داود: متى أعمى اللهُ بصرَك؟ فقال الشعبي: منذ هتك الله سترك (٣). [وحكى الخطيب عن أشياخه قالوا. كان فتًى يُجالس الشعبيَّ ويُطيل الصمت، وكان الشعبيُّ يُعجب به، فقال الفتى يومًا: يا عامر، إني أجد في قفاي حكَّة (٤)، أفترى أني أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد لله الذي حوَّلَنا من الفقه إلى الحجامة. وروى الخطيب بإسناده عن داود بن أبي هند (عن الشعبيّ) (٥) قال: صاد رجلٌ قُنْبَرَة (٦)، فقالت: ما تريدُ أن تصنع بي؟ قال: أذبحُكِ وآكلُكِ. فقالت: ما أشفي من وَقَرَم، ولا أُغني من جوع، ولكني أعلِّمك ثلاث خِصال هي خيرٌ لك من أكلي. أمَّا الواحدة أعلّمك إياها وأنا في يدك، والثانية إذا صِرْتُ على الشجرة، والثالثة إذا صِرْتُ على الجبل. قال: نعم. فقالت وهي في يده: لا تَلَهَّفَنَّ على ما فاتك. فخلَّى عنها، فلمَّا صارت على الشجرة (قال: هاتِ الثانية) قالت: لا تُصدِّقَنَّ بما لا يكون أنه يكون. فلمَّا صارت على الجبل قالت: يا شقيّ، لو ذبحتني لوجدتَ في حَوْصَلتي دُرَّة وزنها عشرون مثقالًا. قال: فعضَّ على شفتيه وتلهَّف، ثم قال: هات الثالثة. قالت: قد نسيتَ الثِّنْتَين، فكيف أعلَّمك الثالثة؟! قال: وكيف؟ قالت: ألم أقل لك: لا تَلَهَّفَنَّ على ما فات؟ وقد

стр. 4841

تلهَّفْتَ عليَّ، وقلتُ لك: لا تُصَدِّقَن بما لا يكون، وقد صدَّقتَ، فإنه لو جمعت عظامي ولحمي وريشي لم يبلغ عشرين مثقالًا، فكيف يكون في حوصلتي دُرَّةٌ عشرون مثقالًا؟!] (١). وسأله سائل: هل لإبليس زوجة؟ فقال: ذاك عُرسٌ ما شهدتُه. ثم فكَّر وقرأ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] أفتكون ذُرِّيَّةٌ إلا من زوجة (٢)؟! وقال هارون بن معروف: تقدَّم رجلٌ وامرأتُه إلى الشعبيّ في حكومة وهو قاضٍ، فأظهَرَتْ حجَّتَها، وأثبتَتْ بَيِّنَتَها، وكانت جميلة، فقضى الشعبيّ على الزوج حيث لم يكن له بيِّنة، فقال الزوج: فُتِنَ الشعبيُّ لمَّا … رَفَعَ الطَّرْفَ إليها فَتَنَتْهُ بدَلالٍ … وبخَطَّيْ حاجِبَيها فمشَتْ مَشْيًا رُوَيدًا … ثم هزَّتْ مَنْكِبَيها قال للجِلْوازِ قَدِّمْـ … ـها وأحْضرْ شاهِدَيها فقَضَى جَوْرًا على الخَصـ … ـم ولم يَقْضِ عليها وسمعه الشعبيُّ، فقال: إن كنتَ كاذبًا فأعمى اللهُ بصرك. فعمي في الحال (٣). قال صاحب "العِقْد" (٤): دخلَ الشعبيُّ على عبد الملك بن مروان، فلما رآه؛ تبسَّم وقال: فُتِنَ الشعبيُّ لمَّا … [رَفَعَ الطَّرْفَ إليها]

стр. 4842

ثم قال له عبد الملك: يا عامر، ما فعلتَ بقائل هذه الأبيات؟ فقال: أوجَعْتُه ضَربًا بما انتهك من حُرْمتي في مجلس القضاء. فقال: أحسنت. قيل: من أين لك هذا العلم؟ فقال: بنَفْي الاغتمام، والسَّير في البلاد، وصبرٍ كصبر الحمار، وبُكُورٍ كبُكُور الغراب (١). وقال نافع: سمع ابن عُمر (٢) الشعبيَّ وهو يحدِّثُ بالمغازي، فقال: لكأنَّ هذا الفتى شهد معنا، وإنه ليُحدّثُ بأحاديثَ حضرناها؛ هو أعلمُ بها منَّا. وكان الشعبيَّ يتمثل دائمًا بقول مسكين الدّارميّ: ليست الأحلامُ في حال الرِّضَى … إنّما الأحلامُ في وقت الغَضَبْ (٣) ذكر وفاته: قيل: سنة ثلاث ومئة؛ هو وأبو بُرْدَة بن أبي موسى في جمعة، وقيل: سنة أربع ومئة، وقيل: سنة خمس ومئة (٤). وحكى ابنُ سعد عن الحسن أنه أُخبر بوفاة الشعبي، فقال: ﵀، لقد كان من الإسلام بمكان (٥). وقيل: سنة عشر ومئة. وهو وهم، وعاش سبعًا وسبعين سنة. وقيل: اثنتين وثمانين سنة (٦). وتوفي فجأة بالكوفة رحمة الله عليه (٧).

стр. 4843

أسند عن خلقٍ كثير من الصحابة قال: أدركتُ خمس مئةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ (١). وإنما أشار إلى أنهم كانوا في عصره، لا أنّه أخذ عن الكلّ (٢). وقال إبراهيم الحَرْبي: لقيَ الشعبي أربعةً وثلاثين من الصحابة (٣). قال ابن سعد (٤): روى عن عليٍّ رضوان الله عليه، ووصَفَهُ. [وروى] عن أبي هريرة، وابن عُمر، وابن عبَّاس، وعديّ بن حاتم، وسَمُرةَ بنِ جُنْدُب، وعَمرو بن حُرَيث، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوْفَى، وجابر بن سَمُرة، وأبي جُحَيفة، وأنس بن مالك، وعمران بن الحُصَين، وبُريدة الأسلمي، وجرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وأبي موسى الأشعري، والحسن بن عليّ، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، والنُّعمان بن بشير، وجابر بن عبد الله، ووَهْب بن خَنْبَش الطائي، وحُبْشي بن جُنادة السَّلُولي، وعامر بن شهر، ومحمد بن صَيفي، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعُروة البارقيّ، وفاطمة بنت قَيس، وعبد الرحمن بن أبْزَى، وعلقمة بن قيس، وفَرْوة بن نوفل الأشجعيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحارث الأعور، وزُهير بن القَين، وعوف بن عامر، والأسود بن يزيد، وسعيد بن ذي لَعْوة، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبي ثابت أيمن. وقال أبو القاسم الرَّبَعيّ (٥): روى الشعبي عن سعد بن أبي وقاص، وعَمرو بن العاص (٦)، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد (٧)، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخُدْري، والنُّعمان بن بشير، وابن مسعود (٨)، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن

стр. 4844

علي، وكعب بن عُجْرة، بُريدة الأسلمي، وأبي مسعود البَدْريّ، وأدرك عائشةَ (١) وأمَّ سَلَمة وميمونة أمهاتِ المؤمنين، في آخرين. وروى عنه الجمُّ الغفير: عبد الرحمن بنُ أبي ليلى، والحارث الأعور، وأبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن، ومكحول، وأبو حنيفة النُّعمان، وعاصم الأحول، والأعمش، وإسماعيل بنُ أبي خالد، وجابر الجُعفيّ، وابنُ عَوْن، وفجالد بنَ سعيد، وداود بن أبي هند، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، والحَكَم بنُ عتيبة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن سُوقة، وعلقمة بن قيس. وبعضهم قد رَوَى عنه الشعبي، وغيرُهم. واتفقوا على فضله وصدقه وثقته. وقال الشعبيّ (٢): كان في بني إسرائيل عابدٌ جاهل قد ترهَّب في صومعة، وله حمار يَرْعَى حول الصومعة، فاطَّلع يومًا فرآه يَرْعَى، فقال: يا ربّ، لو كان لك حمار لرعيتُه. فهمَّ به نبيُّ ذلك الزمان، فأوحى الله إليه: دَعْهُ، فإنَّما يثابُ كلّ إنسان على قَدْر عقلِه (٣). وقال ابن أبي الدُّنيا. حدَّثني أبو عبد الله السَّدُوسيّ (٤)، عن أبي عبد الرحمن الطائيّ، عن مجالد، عن الشَّعبي (٥)، عن النُّعمان بن بشير الأنصاري قال: أَوْفَدَني أبو بكر الصديق رضوان الله عليه في عَشَرة من العرب إلى اليمن، فبينا نحن ذات يوم نسيرُ؛ إذ مَرَرْنا إلى جانب قريةٍ أَعجَبَنا عِمارتُها، فقال بعضُ أصحابنا: لو مِلْنا إليها. فدخَلْنا، فإذا هي قريةٌ أحسنُ ما رأيتُ، كأنّها زخاريف الرَّقْم، وإذا بقصر أبيض بفِنائه شِيبٌ وشبَّان، وإذا جَوَارٍ نواهدُ أبكارٌ، فأخذَتْ واحدةٌ الدُّفَّ تضربٌ به وتقول:

стр. 4845

يا (١) معشرَ الحُسَّادِ مُوتُوا كَمَدا … كذا نكونُ ما حَيِينا أَبَدا وإذا بغدير ماء، وسَرْحٍ كثيرِ المواشي (٢) من الإبل والبقر والغنم والخيل، وحول القصر قصورٌ مستديرة، فقلت لأصحابي: لو وضعنا رحالنا واسترَحْنا. فنزلوا. وأقبلَ قوم من القصر الأبيض على أعناقهم البُسُط، فبسطوا لنا، ثم مالوا علينا بأطايب الطعام وألوان الأشربة، فاسترَحْنا وأَرَحْنا. ثم نهضنا للرحلة، فإذا قوم قد أقبلوا فقالوا: إنَّ سيِّد هذه القرية يُقرئُكم السلام ويقول: اعذروني على تقصير إنْ كان منِّي، فإني مشغولٌ بعُرْسٍ لنا، وإنْ أحببتُم فأقيموا. فدعَوْنا له. ثم عمدوا إلى ما بقيَ من ذلك الطعام، فملؤوا به سُفَرَنا (٣)، ومضَينا لشأننا. ثم عبَرَتْ برهةٌ من الدهر، فأوفدني معاويةُ في عَشَرة من العَرَب إلى اليمن ليس معي أحدٌ ممن كان في ذلك الوفد، فلما قَرُبْنا من القرية أخذتُ أحدّثُهم حديثَها وما جرى لنا مع أهلها. ثم انتهينا إلى القرية، فإذا هي دكادك وتُلول، والقصورُ خَرابٌ، ما يَبِينُ منها إلا الرُّسوم، والغديرُ ليس فيه قطرةٌ من الماء، وليس هناك داعٍ ولا مُجيب. فبينا نحن وقوف نتعجَّب؛ إذْ لاحَ لنا شخصّ من ناحية القصر الأبيض، فقلت لبعض الغلمان: انطلق حتى نستبرئ ذلك الشخص، فذهب، فما لبثَ أن عادَ مرعوبًا، فقلتُ له: ما وراءك؟ فقال: أتيتُ ذلك الشخص، فإذا عجوزٌ عمياء، فراعتني، فلما سمعَت حِسِّي دَرَجَتْ حتى دخلَتْ في فِناء القصر (٤). قال النعمان [بن بشير]: فأتيتُ إليها وقد توارَتْ بالتلّ، فقلت: مَنْ أنتِ؟ فقالتْ بصوت ضعيف: أنا عَمِيرة بنت دويل سيِّد هذه القرية في الزمن الأول. ثم قالت:

стр. 4846

أنا ابنةُ مَنْ قد كان يَقْرِي ويُنْزِلُ … ويَحْثُو على الضِّيفانِ والليلُ أليلُ قلتُ ما فعلَ أبوك وقومكِ؟ قالت: أفناهم الزَّمان، وأبادَتْهم والأيام، وبَقِيتُ بعدَهم كالفَرْخ بَوَّأهُ الوَكْر. فقلت: هل ذكرين زمنًا كان لكم فيه عُرْس، وإذا بِجَوارٍ يغنِّين، وبينهم جارية تضربُ بالدُّفَّ وتقول: معشرَ الحُسَّادِ موتوا كَمَدا؟ فشَهِقَتْ وبكَتْ واستعبَرَتْ وقالت: واللهِ إني لأذكُرُ ذلك العام والشهر واليوم، والعروس كانت أختي، وأنا صاحبةُ الدُّفّ. قال: فقلتُ لها: هل لكِ أن نحملك على أوْطاءِ دوابِّنا ونغذُوكِ بغذاء أهلِنا؟ فقالت: كلا والله، عزيزٌ عليَّ أن أُفارق هذه الأعظم حتى أصير إلى ما صارَتْ إليه. قال: فقلتُ: من أين طعامُكِ؟ قالت: يمرُّ بي الوَّكْب في الفَرْط (١)، فيُلقُون إليَّ من الطعام ما يكفيني، والذي أكتفي به يسير، وهذا الكُوزُ مملوءٌ ماءً ما أدري من (٢) يأتيني به، ولكن أيُّها الرَّكْب، معكم امرأة؟ قلنا: لا. قالت: أفمعكم ثياب بَياض؟ قلنا: نعم. فألقينا إليها ثوبين جديدين، فتجلَّلَتْ بهما وقالت: رأيتُ البارحة كأني عروس أَتَهادَى من بيت إلى بيت، وقد ظننتُ أنَّ هذا يومٌ أموتُ فيه، فأردتُ امرأةً تلي أمري، فلم تزل تحدِّثُنا حتى مالتْ، فنزعَتْ نزعًا يسيرًا وماتَتْ، فيَمَّمْناها وصلَّينا عليها ودفنَّاها. قال النعمان: فلما قدمنا على معاوية حَدَّثْتُه بالحديث، فبكى، ثم قال: لو كنتُ مكانكم لحملتُها، ولكن سَبَق القَدَر (٣). أبو قِلابة الجَرْميّ واسمُه عبدُ الله بن زَيد بن عامر، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة (٤). وكان عابدًا زاهدًا.

стр. 4847

[قال هشام:] طُلبَ للقضاء، فهرب إلى الشام. [وأيضًا حدَّثنا حاتم بن وَرْدان قال: حدَّثنا أبو أيوب قال: طُلب أبو قِلابة للقضاء، فهرب إلى الشام]، فأقام زمانًا، فقيل له: لو وَلِيتَ القضاء، فعدلتَ بين الناس؛ رجوتَ الأجر في ذلك. فقال: السابحُ إذا وقعَ في البحر؛ كم عسى أنْ يَسْبَح (١)؟! وقال مسلم بن يسار: لو كان أبو قِلابة من العجم [لكان] مُوبذَ مُوبذان. يعني قاضي القضاة، أو عالم العلماء (٢). وكان محمد بن سِيرِين يقول: ذاك أخي حقًّا (٣). [وروى ابن سعد عن أيوب قال: قدم أبو قِلابة الشام، فمرض، فأتاه عُمر بن عبد العزيز يعودُه، فقال له: يا أبا قِلابة تَشَدَّدْ لا يشمت بنا المنافقون (٤). وليس المراد به مرض الموت؛ لأن أبا قِلابة مات بعد عُمر. وذكره أبو القاسم ابنُ عساكر قال: قدم الشام، فنزل داريا في أيام عبد الملك بن مروان، فأُخبر به عبد الملك، فقال: ما أقدمَه؟ قالوا: متعوِّذًا من الحجَّاج، أراده على القضاء. فكتب عبد الملك إلى الحجَّاج ينهاه عنه، فقال أبو قِلابة: قد كنتُ أُحبُّ الشام، وقد دخلتُها، فلن أخرج منها. وكان قد نزل بداريَّا] (٥). وهو أحد علماء المسلمين، قدم الشام، فنزل بداريَّا على ابن عمَّه بَيهَس بن صُهيب الجَرْمي (٦). وقال: إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهُه فالتمس له العذرَ جهدَك، فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعلَّ لأخي عذرًا لا أعلمُهُ (٧).

стр. 4848

قال عثمان بن الهيثم (١): كان رجلٌ بالبصرة من بني سعد، وكان قائدًا من قُوَّاد عُبيد الله بن زياد، فسقط الرجل من السطح فانكسرت رجلاه، فدخلَ عليه أبو قِلابة يعودُه، فقال له: أرجو أن تكون لكَ خِيرةً. فقال: يا أبا قِلابة، وأيُّ خِيرة في كسر رجليَّ جميعًا؟! قال: ما ستر الله عليك أكثر. فلما كان بعد ثلاث وردَ عليه كتابُ ابنِ زياد يأمرُه أن يخرجَ فيقاتلَ الحسين ﵇، فقال للرسول: قد أصابني ما ترى، فلما كان بعد سبعة أيام وافى الخبر بقتل الحسين ﵁، فقال الرجل: رحم الله أبا قِلابة، لقد صدقَ أنَّه كان خِيرةً لي (٢). وقال أيوب السَّختياني: قال لي أبو قِلابة: احفَظْ عنّي ثلاث خِصال: إيَّاك وأبوابَ السلاطين، ومجالسةَ أهل الأهواء، والزم سُوقَك، فإنَّ الغِنَى من العافية (٣). مات أبو قِلابة بالشام بداريَّا سنة أربع -أو خمس- ومئة. وقيل: سنة ستٍّ ومئة، أو سبع ومئة (٤). وقال البخاري: مات قبل ابنِ سِيرِين (٥). أسند أبو قِلابة عن أنس [بن مالك] ومالك بن الحُوَيرِث، وعَمرو بن سَلَمة، والنُّعمان بن بشير. وأرسل عن ابن عمر، وعائشة، وروى عن أبي مسلم الجليلي، وأبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرَّحَبي، وأبي إدريس الخَوْلاني، وغيرهم. وروى عنه قَتادة، ويحيى بن أبي كثير، وخالد الحذَّاء، وحُميد الطويل، وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند (٦).

стр. 4849

وكان يخضبُ بالسَّوَاد رحمة الله عليه. عبد الأعلى بن هلال (١) أبو النَّضر السُّلَميّ الحمصي، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام (٢). وفد على عُمر بن عبد العزيز، فقال له: أبقاك الله ما دام البقاء خيرًا لك. فقال: يا أبا النَّضر، قد فُرغ من هذا، ولكن قُلْ: أحياك اللهُ حياةً طيِّبةً، وتوفَّاك مع الأبرار (٣). أسند عن العِرْباض بن سارية، وأبي أُمامة، وواثلة بن الأسقع. وروى عنه الزُّهريُّ وغيرُه. عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر، أمُّه سِيرِين أخت ماريَّة القِبْطيَّة أمَّ إبراهيم ابنِ رسول الله ﷺ . وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وهو ابن خالة إبراهيم ﵇ ابنِ رسول الله ﷺ (٤). وكان شاعرًا فصيحًا، وُلد على عهد رسول الله ﷺ . جاء عبدُ الرحمن وهو صغير إلى أبيه وقد لَسَعَه زُنْبُور، فقال: يا أبة، لَسَعَني طائرٌ كأنَّه ملتفٌّ في بُرْدَي حِبَرَة. فقال حسان: قلتَ واللهِ الشَّعْرَ يا بُنيّ (٥). وكان شَبَّبَ برَمْلَة بنت معاوية بن أبي سفيان، وكان يُهاجي عبد الرحمن بنَ الحكم أخا مروان، وكان كلُّ واحدٍ منهما يذكرُ امرأةَ الآخر، فكتبَ معاوية إلى عامله بالمدينة سعيد بن العاص أن يجلد كلَّ واحد منهما مئة جلدة، وكان ابنُ حسان صديقًا لسعيد، فكره أن يضرب صديقَه وابنَ عمه، فأمسك عنهما.

стр. 4850

ثم وَليَ مروان، فضربَ ابن حسَّان مئة سوط، ولم يضرب أخاه، فكتب ابنُ حسان إلى النُّعمان بن بشير وهو بالشام، فأخبره، وكان مكينًا عند معاوية، فأخبر النُّعمانُ معاويةَ، فكتب إلى مروان يعزمُ عليه أن يجلد أخاه مئة، فجلده خمسين، فقال أهلُ المدينة: حدَّه حدَّ العبيد. فقال عبد الرحمن لأخيه مروان: فضحْتَني بين الناس، لا حاجةَ لي بما تركتَ. فضربه تمام المئة (١). شبَّب عبد الرحمن بنُ حسَّان بامرأةٍ من أهل المدينة، فأرسلت إليه: أنا أختُك من الرَّضاع (٢)، فقال: دَعَتْني أخاها بعدَ ما كان بينَنا … من الأمر ما لا يفعلُ الأخَوانِ تقول وقد جَرَّدْتُها من ثيابها … وقلَّص عن أنيابها الشفتانِ تعلَّم يقينًا أن مروانَ قاتلي … ومنزوعة من ظهرك (٣) العَضُدانِ وكان مروان على المدينة، وبلغ المرأةَ فقالت: لعنه الله، واللهِ ما رآني قطّ، ولا أعرفُه. مات عبد الرحمن سنة أربع ومئة (٤)، وعاش تسعين سنة (٥). وأسند عن أبيه، وزيد بن ثابت، وأمه سِيرِين. وروى عنه ابنُه سعيد بن عبد الرحمن وغيرُه، وكان قليلَ الحديث. وكان له من الولد إسماعيل، وأمُّ فِراس، والوليد؛ أمُّهم أمُّ شيبة بنت السائب بن يزيد من كِنْدة، وسعيد؛ كان شاعرًا لأمِّ ولد، وحسان، والفُريعَة (٦).

стр. 4851

عُبَيد الله بن عَبْد الله بن عمر بن الخطاب أمُّه أمُّ ولد، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وأمُّهُ أمُّ سالم بن عَبْد الله، فسالم أخوه لأمِّه وأبيه. وكنيتُه أبو بكر، وهو أسنُّ من أخيه عبد الله، وكان عُبيد الله قليلَ الحديث. روى عنه الزَّهريُّ وغيرُه، وسمع أباه، وصُمَيتة الليثيَّة، ومات سنة أربع. وكان له من الولد أبو بكر، وعُمر، وعبدُ الله، ومحمد، وأمّ عُمر، وأمُّهم عائشة بنتُ عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق رضوان الله عليه، والقاسمُ، وأبو عُبيدة، وعثمان، وأبو سَلَمة، وزيد، وعبد الرحمن، وحمزة وجعفر، وهما توأم، وقريبة، وأسماء، وأمُّهم أمُّ عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضوان الله عليه، وإسماعيلُ لأمِّ ولد (١). عِراك بن مالك الغِفاري من بني كِنانة، كان ينزلُ المدينة في بني غِفار، من الطبقة الثانية من أهل المدينة. كان عُمر بنُ عبد العزيز يُثني عليه ويقول: ما رأيتُ أكثرَ صلاةً ولا صيامًا منه، وكان من أشدِّ أصحاب عُمر في انتزاع ما في أيدي بني أمية من المظالم، فلما وَليَ يزيدُ بنُ عبد الملك عزلَه إلى دَهْلَك، وردَّ الأحْوَص، وكان عُمر قد نفاه إليها، فقال أهل دَهْلَك (٢): جزى الله يزيد عنا خيرًا، كان عُمر قد نفى إلينا رجلًا يعلِّم أولادَنا [الباطل، وإن يزيد أخرج إلينا رجلًا علَّمنا] الخير والحق (٣). مات عِرَاك سنة أربع. أسند عن ابن عمر، وأبي هريرة، وزينب بنت أبي سلمة.

стр. 4852

وروى عنه الزُّهريُّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز (١)، وابنُه خُثَيم بن عِراك في آخرين، وكان ثقة. وابنه خُثَيم كان عفيفًا صليبًا، وليَ شرطة المدينة لزياد بن عُبيد الله الحارثي، وكان زياد على المدينة ومكة في خلافة السفَّاح وأولِ خلافة المنصور (٢). مجاهد بن جَبْر (٣) المكّيّ، القارئ، كنيتُه أبو الحجَّاج (٤)، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل مكة. قال: كنتُ أقودُ مولايَ السائب وهو أعمى، فيقولُ: يا مجاهد، دَلَكَتِ الشمس (٥)؟ فأقول: نعم. فيقوم فيصلي [الظهر] (٦). وكان مجاهد زاهدًا عابدًا، أبيض الرأس واللِّحية (٧). وقال: مَنْ أعزَّ نفسَه أذَلَّ دينَه، ومن أذلَّ نفسه أعزَّ دينه (٨). [وقال:] إن الله لَيُصلحُ بصلاح العبد ولدَه [وولد ولده] (٩). وقال: إن العبدَ إذا أقبلَ على الله بقلبه أقبلَ اللهُ بقلوب المؤمنين إليه (١٠). وقال: إن لبني آدم جلساءَ من الملائكة، فإذا ذكر الرجلُ أخاه المسلم بخير؛ قالت الملائكة: ولك بمثله، وإذا ذكره بسوء؛ قالت الملائكة: يا ابنَ آدم المستورُ عورتُه، اِرْبَعْ على نفسك، واحمدِ الذي سترَ عورتك (١١).

стр. 4853

توفي بمكة وهو ساجد سنة أربع ومئة، وقيل: ثلاث ومئة، وقيل: اثنتين ومئة، وبلغ ثلاثًا وثمانين سنة (١). وكان فقيهًا ثقة عالمًا كثير الحديث. أسند عن ابن عُمر، وابن عَمرو، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، ورافع بن خَدِيج، وابنِ عباس، وغيرهم. وروى عنه أئمة التابعين. وكان له ابنٌ يقال له: عبد الوهَّاب بن مجاهد، روى عنه الكثير، فمن رواياته قال: سُئل أبي فقيل له: إن قومًا يزعمون أنَّ إيمان أهل السماء كإيمان أهل الأرض. فقال: ما جعلَ اللهُ مَنْ هو منغمس في الذنوب كمن لا ذنبَ له (٢). قال: وبنى أهلها في دارنا عليه (٣)، فأقامَ أبي سبع عشرة سنة لم يعلم بها من كثرة خشوعه، فرفع رأسه في بعض الأيام فرآها، فقال: متى بُنيت هذه؟ وتبسَّم. قال: وحضر أبي عند سليمان ومات وهو بالشام، وحضر بيعة عمر بن عبد العزيز، وشهد أيضًا وفاة عمر ﵁ (٤). وأقوال مجاهد في التفسير معتبرة (٥). أبو مَعْبَد مولى عبد الله بن العباس ﵄ - واسمه نافذ، وهو أصدقُ مولًى لابن عباس، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة من الموالي. مات بالمدينة سنة أربع ومئة في آخر خلافة يزيد بن عبد الملك، وكان ثقةً حسن الحديث (٦).

стр. 4854

يزيد بن الأصمّ وهو يزيد بن عَمرو (١) بن عُدَس، أبو عوف العامريّ ابن أخت (٢) ميمونة زوج النبي ﷺ ، وابنُ خالة ابنِ عباس. كوفيّ سكن الرقَّة، ووفدَ على معاوية، وعبدِ الملك، وابنِه سليمان (٣). قال ابن عساكر: دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. قال: فقلمت: حدَّثني أبو هريرة (٤) عن النبي ﷺ قال: "هو التجبُّر في الأرض، والأخذُ بغير الحق". قال: فنكَّس عبد الملك رأسَه، وجعل ينكُتُ الأرضَ بقضيب في يده (٥). وتوفي سنة أربع ومئة بالرَّقَّة وهو ابن ثلاث وسبعين (٦) سنة، وقيل: سنة ثلاث ومئة. حدَّث عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، وابن عباس، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وعائشة، وميمونة في آخرين. وحدَّث عنه ابنا أخيه عبدُ الله وعُبيد الله ابنا عبد الله بن الأصمّ، وميمون بن مِهْران، وجعفر بن بُرْقان، وأبو إسحاق الشيباني، وغيرُهم (٧).

стр. 4855

السنة الخامسة بعد المئة فيها قطع مسلم بن سعيد والي خُراسان النهر إلى التُّرك، وأوغلَ في البلاد حتى وصل أفْشِينَة -مدينة من مدائن الصُّغد (١) - فصالحَه ملكُها على مال وستة آلاف رأس، وعاد ليقطع النهر، فتبعه نفر من التُّرك، فلم يظفروا منه بطائل. وفيها غزا الجرَّاح بنُ عبد الله الحَكَمي -وكان على أرمينية وأذربيجان- فأوغلَ في بلاد اللَّان، وجاوز بَلَنْجَر (٢)، ففتح حصونًا كثيرة، وأصاب غنائم عظيمة. وفيها غزا سعيد بنُ عبد الملك بنِ مروان بلادَ الروم، فقتلَ وسبى، وبعث سرية في ألف فارس، وأوغلُوا في بلد الروم، واشتغلوا بالنهب، ولم يحفظوا المضائق، ولم يَدَعُوا عليها رجالًا، فلما عادوا إلى الدَّرْب وجدوا العدوّ قد أخذ عليهم [المضيق]، فيقال: إنهم قد أُصيبوا جميعًا (٣). وفيها توفي يزيد بن عبد الملك، ووَليَ أخوه هشام. الباب العاشر في ولاية هشام بن عبد الملك بن مروان (٤) ومولدُه سنة اثنتين وسبعين بدمشق في العام الذي قُتل فيه مصعب، وكنيتُه أبو الوليد، وهو من الطبقة الرابعة من أهل الشام. وأمُّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي. وقيل: اسمها فاطمة، وقيل: مريم (٥)، وكنيتها أمُّ هشام.

стр. 4856

[قال هشام:] وكانت حمقاء، تركبُ الوسائد وتزجرُها مثل الخيل، وتعمل من الكُنْدُر (١) تماثيل على صورة الجواري، وتُسمِّي كلَّ تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة. فطلقها عبد الملك لحمقها. وقيل: كانت أشجعيَّة. ولما سار عبد الملك لقتال مصعب بن الزُّبير كانت حاملًا به، فقُتل ابنُ الزبير ووضعته أمُّه، وبلغَ عبدَ الملك، فسمَّاه منصورًا تفاؤلًا، وسمَّتْه أمُّه هشامًا باسم أبيها، فلم ينكر عبدُ الملك ذلك (٢). وكان يزيد بن عبد الملك قد عهد إليه، ثم بايع بعده لولده الوليد بن يزيد، فلما بلغَ الوليدُ؛ ندم يزيد، وأراد هشامًا أن يكون بعد الوليد بن يزيد، فامتنع، وكان مسلمةُ هو الذي أشار على يزيد (٣) … وكان عُمر الوليد يومئذٍ اثنتي عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة سنة. فلمَّا بلغ الوليد كان أبوه إذا رآه قال: الله بيني وبين مَنْ جعلَ هشامًا بيني وبينك. يعني مسلمة (٤). ثم شرع يزيد بن عبد الملك في خلع هشام وتولية الوليد قبله، فأدركه الموتُ (٥)، وكان هشام بعيدًا عنه بالرُّصافة بمكان يقال له: الزيتونة، فيه قصورُه، [و] جاء البريد بالخاتم والقضيب، فركب إلى دمشق وهو يومئذ ابن أربع -أو ثلاث- وثلاثين سنة (٦). ذكر بيعته: بويع في شعبان سنة خمس ومئة، ولم يل أربعة إخوة الخلافة غير بني عبد الملك: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشعام.

стр. 4857

[قال الواقدي:] وكان أحولَ ظاهرَ الحَوَل، ويلقَّب بالأحول المشؤوم (١). وكان عبد الملك قد رأى في منامه أنَّ أمَّ هشام لطَعَتْ رأسَه (٢) عشرين لَطْعَةً، فبعث إلى ابن المسيِّب فسأله، فقال: تلد غلامًا يملك عشرين سنة. [قال المسعودي:] ولما وَلِيَ هشام عرض الجند، فمرَّ به رجلٌ تحته فرس نَفُور، فقال له هشام: ما حملك على أن تركبَ هذا؟ فقال: ما فرسي بنفور، ولكنه رأى حَوْلَتَك، فظنَّها عين عَزون (٣) البيطار، وكان عَزون كأنَّه هشام في حَوْلَته، فقال له هشام: لعنك الله ولعن فرسك. وتضاحك الناس. [قال المسعودي:] وهشام أوَّلُ من رفع تقبيل الأرض واليد من الخلفاء؛ لمَّا بُويع دخل عليه رجلٌ فقبَّل الأرض، ومال إلى يده ليقبِّلَها، فقال [له] هشام: مه، إنه لا يَفعلُ هذا من العرب إلا الهَلُوع، ومن العجم إلا الخَضُوع، من عادَ لمثله أوجَعْتُه ضربًا. فانتهى الناس (٤). [قال أبو القاسم الدمشقي:] وكانت دار هشام بدمشق عند الخوَّاصين اليوم، وبعضُها مدرسةُ نور الدين ابن زنكي ﵀ (٥). [قال:] وكان طرازه وثيابُه تُحمل على تسع مئة جمل (٦) [ومعناه: خزائنه، لا ملبوس بدنه].

стр. 4858

وكان لا يلتفتُ إلى أولاد عمر بن عبد العزيز، ويُظهر أنه يَرْضَى لهم ما رضيَ لهم أبوهم، وفي باطنه العداوةُ لأبيهم (١). ولما وَليَ عَزَلَ عُمرَ بنَ هُبيرة عن العراق وخُراسان وولاياته كلّها، وولَّى ذلك خالدَ بنَ عبد الله القَسْري في شوَّال. وقيل: إنما فعل ذلك في سنة ستٍّ ومئة (٢). وفيها أقام هشام الحلْبَةَ للخيل، فكانت عشرةَ آلاف (٣) فوس له ولغيره، ولم يجتمع مثلُ ذلك في جاهليَّة ولا إسلام، وأقام على ذلك مدَّةَ خلافتِه، وكانت الحَلْبَةُ كلَّ يوم في زيادة. وفيها أمر بحفر القُنِيّ (٤) والآبار والمصانع (٥) بين مكة والمدينة والشام، وأجرى فيها المياه. وفيها قتل هشامٌ غَيلانَ القَدَرِيّ (٦). وحجَّ بالناس عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري (٧) وهو على مكة والمدينة. وقيل: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي (٨)، وخطب بالناس بمكة قبل الظهر (٩) قبل يوم التروية، فعابَه الناس، ونسبوه إلى الجهل، فقال: عطاءُ بنُ أبي رباح أمرني بهذا. وبلغ عطاء، فقال: ما أمرتُه.

стр. 4859

وكان العاملَ على مكة والمدينة والطائف عبدُ الواحد النَّصري (١)، وعلى العراق عُمر بن هُبيرة، وقيل: خالد القسري، وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكِنْدي، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس (٢). وفيها توفِّي الحَكَم بن عُتيبة كنيتُه أبو عبد الله، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة، كان مولًى لكِنْدَة. وُلد هو وإبراهيم النَّخَعي في سنة واحدة. وكان في أصحابه مثلَ الزهْريّ في أصحابه، وكان عالمًا رفيعًا كثيرَ الحديث، أبيض الرأس واللحية. توفّي بالكوفة سنة خمس ومئة، وقيل: سنة خمس عشرة ومئة (٣). عكرمة مولى ابن عباس كنيتُه أبو عبد الله، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة. كان عبدًا لابن عباس، أصلُه من البَرْبَر، وكان لحُصَين بن أبي الحرّ العنبري، فلما وَلِيَ ابنُ عباس البصرة لعليٍّ ﵇؛ وهبَه له، فقبلَه ابنُ عباس منه (٤). ومات ابنُ عباس ﵁ وعكرمةُ عبدٌ، فبِيع، فاشتراه خالد بن يزيد [بن معاوية] من عليّ بن عبد الله بن عباس بأربعة آلاف دينار، فبلغَ ذلك عكرمةَ فأتى عليًّا، فقال له: بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف دينار! فراح إلى خالد بن يزيد فاستقاله، فأقاله، فأعتَقَه عليّ (٥).

стр. 4860

وقال عكرمة: كان [ابن عباس] يجعلُ في رجلي الكَبْلَ يعلّمُني القرآن ويعلِّمُني السنة (١). وقال: قرأ ابنُ عباس: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] قال: قال ابن عباس: لم أدرِ نجا القوم أم هلكوا. فما زلتُ أُبيِّنُ له أُبَصِّرُه حتَّى عرفَ أنهم قد نَجَوْا. قال: فكساني حُلَّة (٢). وكان عمرو بن دينار يسمي عكرمة: البحر؛ لغزارة فضله (٣). وقال سعيد بن جُبير: لو كفَّ عكرمة عنهم من حديثه لشُدَّتْ إليه المَطَايا (٤). سئل عكرمة عن يوم القيامة: أمِنْ أيَّامِ الدنيا، أم من أيام الآخرة؟ فقال: صدرُه من أيام الدنيا، وآخِرُه من أيام الآخرة (٥). ذكر وفاته: توفّي سنة خمس ومئة وهو ابن ثمانين سنة؛ مات هو وكُثَيِّر عَزَّة في يومٍ واحد، وصُلِّيَ عليهما في موضع الجنائز بعد الظهر، فقال الناس: مات اليوم أفقهُ الناس وأشعرُ الناس (٦). وعجبَ الناس لاجتماعهما في الموت، واختلافِ رأيهما؛ عكرمة، يُظَنُّ أنَّه يرى رأيَ الخوارج، يكفّر بالنظرة، وكُثَيِّر شيعي يقول بالرجعة (٧). وقيل: سنة ستٍّ ومئة، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ثمان وهو ابن أربع وثمانين سنة (٨).

стр. 4861

روى عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسين بن عليّ، وعائشة، ﵃، وقال: أدركتُ في هذا المسجد -يعني في مسجد المدينة- مئتين من الصحابة. وقد روى عن ابن عمر، والحسن بن علي، وأبي سعيد الخُدري، وروى عنه خلقٌ كثير من علماء الأمصار. وقال موسى بن يسار: رأيتُ عكرمة جائيًا من سمرقند ومعه غلام وسمعتُه وهو بسمرقند وقيل له: ما أقدمَك إلى هذه البلاد؟ فقال: الحاجة (١). وكان لا يقبل إلا من الأمراء، وحمله طاوس اليماني على نجيب ثُمِّن بستين دينارًا (٢). واختلفوا فيه، فضعَّفه قوم، ووثَّقه آخرون؛ قال ابن سعد: كان عكرمة كثيرَ العلم، بحرًا من البحور، وليس يُحتجُّ بحديثه، وتكلَّم الناس فيه (٣). وقالت مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزُّبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيَّب عند داود بن حُصين، فمات عنده (٤). سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فقيل له: أيُحتجُّ بحديث عكرمة؟ قال: نعم (٥). غَيْلان القَدَرِيّ [ذكره أبو القاسم بن عساكر (٦)، فقال: هو غَيلان بن يونس، وقيل: ابن مسلم بن أبي غيلان] مولى عثمان رضوان الله عليه، كانت دارُه بباب الفراديس بدمشق شرقيَّ المقابر، وكنيتُه أبو مروان، وكان كاتبًا ويقول بالقَدَر.

стр. 4862

قال الشعبي. دخل غَيلانُ على عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو مصفارّ اللون، فقال له عمر: ما الَّذي بك؟ فقال: أمراضٌ وأحزان. فقال: لَتَصْدُقْنِّي. فقال: ذُقتُ حُلْوَ الدنيا، فوجدتُه مرًّا، فأسْهَرْتُ ليلي، وأظمأت نهاري، وكلُّ ذلك حقير في جنب ثواب الله وعقابه. فقال له عمر: ويحك، ومع هذا تقول بالقَدَر! ارجِعْ. فرجع وتاب. فقال عمر ﵁: اللهمَّ إن كان صادقًا فاقبَلْ توبتَه، وإن كان كاذبًا فسلِّطْ عليه من يقطع يديه ورجليه ولسانه، واجْعَلْه عبرةً للعالمين. فلما مات عُمر أظهر ما كان يُبطن (١). [قال المدائني:] فاستدعاه هشام بنُ عبد الملك وقال له: ويحك يا غَيلان! قد أكثر الناسُ فيك، فعرِّفْنا مذهبك، فإن كان حقًّا اتبعناك، وإن كان باطلًا نزعنا عنك. قال: أوَتُعفيني؟ قال: لا أُعفيك (٢). وكان غَيْلان يقول: إن معاصي العباد خلقٌ لهم، وإن الله لا يقدِّرها عليهم. فأُخبر هشام، فأمر بقطع يديه ورجليه ولسانه، ففُعل به ذلك، وأُلقِيَ على مَزْبلة؛ فمرَّ به رجل، فقال: يا غَيلان، هذا قضاءُ الله وقَدَره. فأومأ إليه وقال: كذبتَ، ما هذا قضاءَ الله وقدرَه، هذا قضاء هشام. ثم أمر به هشام فصُلب (٣). وقال عمر بن المهاجر صاحب عمر بن عبد العزيز: وقفتُ عليه وقلتُ له: أدركَتْكَ دعوةُ العبدِ الصالح عمر؟ فأومأ برأسه، أي: نعم (٤). وقيل: إن غَيلان حسان يقول وهم يمثِّلون به: أدركَتْني دعوة العبد الصالح. وكان غَيلان يبسط لسانَه في بني أمية ويعيب عليهم. واجتمع جماعة عند هشام بن عبد الملك فقال: ما تقولون فيما فعلنا بغَيلان؟ كأنه حكَّ في نفسه شيء. فقالوا: يا أمير المؤمنين، لَقَتْلُكَ غَيلانَ أفضلُ من قتلِ ألفٍ من التُّرك والروم (٥).

стр. 4863

كُثَيِّر [ابن عبد الرحمن] (١) بن الأسود ابن عامر بن عُويمر بن مَخْلَد الشاعر، كنيتُه أبو صخر، [الخُزاعي] الحجازي (٢)، ويُعرف بابن أبي جُمْعَة جدَّه لأمِّه، وأمُّه جُمْعة بنت الأشيم بن خالد (٣). وقيل: جمعة بنت كعب بن عَمرو (٤)، من الطبقة الثالثة من الشعراء من أهل المدينة، وكان شيعيًّا، وكان يفدُ علي بني أمية؛ عبدِ الملك، والوليدِ، وسليمان، وعُمر بن عبد العزيز ﵁، ويزيد بن عبد الملك. وقال ابن ماكولا: كان يتنقَّل في المذاهب (٥). وكان من فحول الشعراء، ورد كتابٌ من الشام إلى مكة بلعن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه على المنبر، فسمعهم كُثيِّر، فقام وأخذ بأستار الكعبة [وقال:] لعنَ اللهُ من يَسُبُّ عليًّا … وبنيه من سُوقَةٍ وإمامِ أيُسَبُّ المُطَهَّرون أصولًا (٦) … والكرامُ الأخوالِ والأعمامِ يأمن الطيرُ والوحشُ ولا يَأ … مَنُ آلُ الرسولِ عند المقامِ! فضربوه حتَّى أثخنوه (٧). وكان عند يزيد بن عبد الملك وقد أُتِيَ بآلِ المُهَلَّب بن أبي صُفْرة [فقال:] حليمٌ إذا ما نال عاقبَ مُجْمِلًا … أشدَّ العقابِ أو عفا لم يُثَرِّبِ (٨)

стр. 4864

فَعَفوٌ (١) أميرَ المؤمنين وحِسْبَةٌ … فما تَحْتَسِبْ من صالحٍ لك يُكْتَبِ أساؤوا فإنْ تغفِرْ فإنَّك أهلُه … وأفضلُ حِلْمٍ حِسْبَةً حِلْمُ مُغْضَبِ فقال له يزيدُ بنُ عبد الملك: أطَّتْ بكَ الرَّحِم، ولولا قَدْحُهم في المُلك لعفوتُ عنهم (٢). دخل كُثَيِّر على عبد الملك، فقال له: أنشدني في الإخوان. فأنشده: خيرُ إخوانِك المشاركُ في المُـ … ــــرِّ وأينَ الشريكُ في المُرِّ أَينا الَّذي إنْ حَضَرْتَ سَرَّك في الحَـ … ـــيِّ وإنْ غِبْتَ كان أذْنًا وعَينَا ذاك مثلُ الحُسام أَخْلَصَ القَيْـ … ـــــنُ جَلاءً فازدادَ حُسْنًا وزَينا أنتَ في معشرٍ إذا غِبْتَ عَنهُمْ … بدَّلُوا كلَّ ما يَزِينُك شَينَا وإذا ما رأَوْك قالوا جميعًا … أنتَ مِنْ أكرمِ الرِّجالِ علينا فقال له عبد الملك: يغفرُ الله لك يا كُثَيِّر، فأينَ الإخوان؟ غير أني أقول: صديقُك حين تستغني كَثِيرٌ … وما لَك عند فَقْرِكَ من صديقِ فلا تُنكِرْ على أحدٍ إذا ما … طوى عنك الزيارةَ عند ضِيقِ وكنتُ إذا الصَّدِيقُ أرادَ غَيظِي … على حَنَقٍ وأشْرَقَني بريقي غَوْتُ ذنوبَه وصَفَحْتُ عنهُ … مخافةَ أنْ أكونَ بلا صديقِ (٣) دخل كُثَيِّر على عبد الملك، فأنشده قصيدتَه التي يقول فيها: على ابنِ أبي العاصي دِلاصٌ حَصِينةٌ … أجاد المُسَدِّي نَسْجَهما وأذَالها (٤) فقال له عبد الملك: هلَّا قلتَ كما قال الأعشَى لابن معدي كَرِب: وإذا تجيءُ كتيبةٌ ملمومةٌ … شهباءُ يخشى الذَّائدون نِهالها

стр. 4865

كنتَ المُقَدَّمَ غيرَ لابسِ جُنّةٍ (١) … بالسيفِ تضربُ مُعْلِمًا أبطالها وقال له كُثَيِّر: ذاك إنما وصَفَه بالخُرْق، وأنا وصَفْتُك بالْحَزْم (٢). قال عبد الملك لكُثَيِّر: سَلْ حوائجَك. فقال: تُزوِّجُني عَزَّة. فأرسل إليها، فقالت: أبَعْدَ ما شبَّبَ بي وفضحني في العرب، لا كان ذلك أبدًا. وماتَتْ قبلَه (٣). قيل لكُثَيِّر: ما بقيَ من شعرك؟ قال: ماتَت عَزَّة فما أطرب، وذهبَ الشبابُ فما أعجب، وماتُ ابن ليلى فما أرغب، وإنما ينشأ الشعر من هذه الخِلال (٤). وأراد بابن ليلى عبد العزيز بن مروان، وقيل: بشر. ذكر طرف من أخبارهما: كان أولُ عشقه لها أنَّه مرَّ بنسوة من بني ضمْرَة ومعه غنم، فأرسَلْنَ إليه عَزَّة وهي صغيرة، فقالت: يَقُلْن لك النِّسوة: بعنا كبشًا نسيئةً إلى حين تعود. فأعجبَتْهُ، فأعطاها كبشًا، فلما عاد جاءت امرأة منهن إليه بدراهمه، فقال: أين الصَّبِيَّة التي أخذَت الكبش مني؟ قالت: ما تصنعُ بها؟ هذه دراهمُك. فقال: لا والله، لا آخذُ الدراهم إلا ممَّن دفعتُ إليها الكبش. ولم يأخذ شيئًا، وقال: قضى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غريمَهُ … وعَزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها نظرتُ إليها نظرةً ما يُسرُّني … بها حُمْرُ أنعامِ البلادِ وسُودُها (٥) وقال الزُّبير بن بكَّار: خرج كُثَيِّر يلتمس عَزَّة ومعه شَنٌّ (٦) فيه ماءٌ، فضربه الحَرُّ، فيَبِس، فلاحَ له كوخٌ، فقصَدَه، فإذا فيه عجوزٌ، فقالت: مَنْ أنت؟ فقال: كُثَيِّر. قالت:

стр. 4866

قد كُنْتُ أتمنَّى لقاءَك، فالحمدُ لله الَّذي أرانيك. فقال لها: وما الَّذي تلتمسينه منّي؟ قالت: ألستَ القائل: إذا ما أتَتْنا خُلَّةٌ كي تُزيلَها … أبَينا وقلنا الحاجِبيَّةُ أوَّلُ (١) سنُوليكِ عُرْفًا (٢) إنْ أرَدْتِ وصالنَا … ونحن لتلك الحاجِبيَّةِ أوْصَلُ قال: بلى. قالت: فهلَّا قلتَ كما قال سيّدُك جميل: يا رُبَّ عارضةٍ علينا وَصْلَها … بالجِدِّ تَخْلِطُهُ بقولِ الهازلِ فأجَبْتُها بالقولِ بعد تأمُّلٍ … حُبِّي بُثينةَ عن وصالكِ شاغلي لو كان في قلبي كقَدْرِ قُلامةٍ … فضلًا لغيركِ ما أتتكِ رسائلي قال: فقلتُ: دعي هذا واسقيني ماءً. فقالت: لا والله، وإلَّا ثَكِلْتُ بُثينةَ، لا أسقيك ولو مِتَّ عَطَشًا، فركَضْتُ فرسي، ومَضيتُ أطلبُ الماء، فما وصلتُ إليه إلا بعد جهد كِدت أن أموتَ عَطَشًا (٣). قال يحيى الأمويّ: لَقِيَتْ امرأةٌ كُثَيِّرًا وكان دَمِيمًا ضئيلًا، فقالت: مَنْ أنت؟ قال: كُثَيِّر. قالت: تسمعُ بالمُعِيدِيِّ خيرٌ من أن تراه. فقال: مَهْ، فأنا الَّذي أقول: فإنْ أكُ مَعْرُوقَ العِظامِ فإنِّني … إذا ما وَزَنْتِ القومَ بالقومِ أَوْزِنُ فقالت: كيف تكون بالقوم وازنًا وأنتَ لا تُعرفُ إلا بِعَزَّة؟! فقال: واللهِ لئن قلتِ ذلك، لقد رفع الله بها قَدْرِي، وزَيَّنَ بها شِعْري، وإنها لكما قلتُ: وما روضةٌ بالحَزْنِ طَيبةُ الثَّرَى … يَمُجُّ النَّدى جَثْحاثُها وعَرارُها (٤) بأطيبَ من أردانِ عَزَّةَ مَوْهِنًا … وقد أُوقِدَتْ بالمَنْدَلِ الرَّطْبِ نارُها (٥) من الخَفِرات البيضِ لم تَلْقَ شَقْوةً … وبالحَسَبِ المكنُونِ صافٍ نِجَارُها (٦)

стр. 4867

فإنْ بَرَزَتْ كانَتْ لِعَينِكَ قُرَّةً … وإِنْ غِبْتَ عنها لم يَعُمَّكَ عارُها فقالت له: أرأيتَ حين تذكرُ طِيبَها؛ فلو أنَّ زِنْجيَّةً استجمرتْ بالمَنْدَل الرَّطْب لطابَ رِيحُها! ألا قلتَ كما قال امرؤ القيس: خليليَّ عُوجا (١) بي على أمِّ جُنْدُبٍ … نُقَضِّ لُباناتِ (٢) الفؤادِ المعذَّبِ ألَمْ تَرَ أني (٣) كلّما جئتُ طارقًا … وجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ فقال كُثير: الحقُّ لَهُوَ -واللهِ- خيرُ ما قيل، لَهُوَ -واللهِ- أنعتُ لصاحبته منّي (٤). وقال ابن عائشة: وقف كُثّيِّر على قوم يفضِّلون عليه جميلًا ويقولون: هو أصدقُ في حبِّه من كُثَيِّر، وهم لا يعرفونه، فقال لهم: كيف تفضِّلُون جميلًا على كُثَيِّر وقد بلغ جميلًا عن بُثَينَةَ ما يكره؟ فقال: رمى الله في عَينَيْ بُثَينَةَ بالقَذَى … وفي الغُرِّ من أنيابها بالقَوادحِ وكُثَيِّر عَزَّة أتاه من عَزَّة بعضُ ما يكره، فقال: خليليَّ هذا رَبْعُ عَزَّةَ فاعْقِلا … قَلُوصَيكُما ثم ابكيا حيثُ حَلَّتِ وما كُنْتُ أدري قبلَ عَزَّةَ ما البُكا … ولا موجباتِ الحبِّ (٥) حتَّى تولَّتِ فقلتُ لها يا عَزَّ كلُّ مصيبةٍ … إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ وواللهِ ما قاربتُ إلا تباعَدَت … وواللهِ ما أكثرتُ إلا أقلَّتِ أسيئي بنا أو أحْسِني لا ملومةٌ … لَدَينا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ فلا يحسبُ الواشون أنَّ صبابتي … بِعَزَّةَ كانت غَمْرةً فتَجلَّتِ ومن أرقّ ما قال: هنيئًا مريئًا غير داءٍ مُخامرٍ … [لعزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحلَّتِ]

стр. 4868

من أبيات (١). [وقال:] (٢) فما أحدثَ النَّأيُ المُفَرِّقُ بيننا … سُلُوًّا ولا طولُ اجتماعٍ تَقَاليا (٣) وما زادني الواشون إلا صَبابةً … ولا كثرةُ النَّاهين إلا تماديا (٤) مات كُثيِّرٌ وعكرمةُ في يوم واحد بالمدينة، فاختلفت (٥) قريش لكُثَيِّر، ولم يوجد لعكرمة من يحملُه. وقال سليمان بن أفلح: استنشدني الرشيد هارون شعر كُثَيِّر، فأخذت في الإنشاد، فلما جئتُ إلى مدحِ بني أمية [وقفت]. قال: ما لكَ؟ فأخبرتُه، فقال: امْضِهْ وجعل يتعجَّبُ من شعره، فقال له يحيى بن خالد: ما مَدَحَكُم به مروان بن أبي حفصة أجودُ من هذا حيث يقول: نورُ الخلافةِ في المهديّ تعرفُهُ … وذلك النورُ في موسى وهارونِ فقال هارون: دع هذا الكلام يا أبا علي، فواللهِ، لا يُمدح بشعر مثلِ شعر كُثَيِّر حتَّى يُحاكَ لنا مثلُ طِرازِ هشام (٦). يزيد بن عبد الملك ابن مروان، كان صاحبَ لهوٍ وشراب، وكان يقول: عمر بن عبد العزيز كان خيرًا مني لنفسه، وأنا خيرٌ منه للناس. وكان يزيد قد اشتغل عن الرعيَّة بسَلَّامة؛ بالتشديد، وحَبَابة؛ بالتخفيف؛ قينتين من المدينة ومكة (٧).

стр. 4869

حديث سَلَّامة: وهي جارية سُهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: جارية مصعب بن سُهيل، وتُعرف بسلَّامة القَسّ، وكانت من مولَّدات المدينة (١). أخذت الغناء عن مَعْبَد، وابنِ عائشة، وابن سُرَيج، وهالك بن أبي السَّمْح، وجميلة، وعَزَّة المَيلاء (٢). وكانت من أحسن النساء جمالًا وغِناءً. واسم القَسّ عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وكان عابدًا مجتهدًا ناسكًا يُقدَّم على عطاء بن أبي رباح في النُّسُك، ولعبادته سُمِّي بالقَسّ. مرَّ بسلَّامة يومًا، فسمع غِناءها، فافتُتنَ بها. قال شيخُنا موفَّق الدين ﵁، يرفعه إلى خلَّاد بن يزيد قال: سمعتُ شيوخًا (٣) من أهل مكة، منهم سليمان، يذكرون أنَّ القَسَّ كان عند أهل مكَّة من أحسنِهم عبادةً وأظهرهم تبَتُّلًا، وأنه مرَّ يومًا بسلَّامة [جارية كانت لرجل من قريش] فسمع غِناءها، فوقف يستمع، فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تدخل فتستمع؟ فتأبَّى عليه، فلم يزل به حتَّى تَسَمَّح، وقال: أقعدني في موضع لا تراني ولا أراها. قال: أفعل. فدخل فغنَّتْ فأعجبَتْه، فقال مولاها: هل لك أن أُحَوِّلها إليك؟ فتأبَّى عليه، ثم سمع غناءَها وسمحَ، ولم يزل حتَّى شُغف بها وشُغِفَتْ به، وعلم بذلك أهل مكة. فقالت له يومًا: أنا واللهِ أُحبُّك. قال: وأنا واللهِ أُحبُّكِ. قالت: وأُحبُّ أَنْ أضعَ فمي على فمك. قال: وأنا والله. قالت: وأحبُّ أن أُلصِقَ صدري بصدرك، وبطني ببطنك. قال: وأنا

стр. 4870

واللهِ كذلك. قالت: يمنعك؟ فواللهِ إنَّ المكان لخالٍ. قال: إني سمعتُ أن الله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخوف: ٦٧] وأنا أكره أن تكون خُلَّةٌ ما بيني وبينكِ تؤول إلى العداوة يومَ القيامة. قالت: يا هذا، أفحسبتَ أنَّ ربي وربَّك لا يقبلُنا إذا تُبنا إليه؟ قال. بلى، ولكنْ لا آمنُ أن أُفاجأ. ثم نهض وعيناه تَذْرِفان، فلم يرجع بعد [ذلك] وعاد إلى ما كان عليه من النُّسُك (١)، وفيها يقول عبد الله بن قيس الرُّقَيَّات: لقد فَتَنَتْ رَيَّا وسلَّامةُ القَسَّا … فلم تتركا للقَسِّ عقلًا ولا حِسَّا (٢) وقال الهيثم: اشترى يزيدُ بن عبد الملك سلَّامة قبل الخلافة بأربعة آلاف دينار، فأُعجبَ بها، وغلبت عليه، وكان تحته سعدى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان (٣)، ويقال لها: العثمانية؛ تزوَّجها في حجَّته في أيام أخيه سليمان على عشرين ألف دينار، وتزوَّج في هذه الحَجَّةِ رُبيحة بنت محمد بن عبد الله بن جعفر على عشرين ألف دينار أيضًا، واشترى سلَّامة في هذه الحجة (٤)، فلما رأَتْ سعدى ميله إلى سلَّامة اشترَتْ له حَبَابةْ، فغلبت عليه، فَلَهَا عن سلَّامة ووهَبَها لسعدى. وقال الزُّبير بن بكَّار: كانت سلَّامة من أحسن النساء وأكملهنّ، قرأَت القرآن، وقالت الشعر ورَوَتْهُ، وكان الأحوص وعبد الرحمن بنُ حسان يجلسان إليها ويُنشدانِها، فعلقت بالأحوص، وصرفت عن عبد الرحمن، فقال (٥):
следующие страницы →