← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

قد كُنْتُ أتمنَّى لقاءَك، فالحمدُ لله الَّذي أرانيك. فقال لها: وما الَّذي تلتمسينه منّي؟ قالت: ألستَ القائل: إذا ما أتَتْنا خُلَّةٌ كي تُزيلَها … أبَينا وقلنا الحاجِبيَّةُ أوَّلُ (١) سنُوليكِ عُرْفًا (٢) إنْ أرَدْتِ وصالنَا … ونحن لتلك الحاجِبيَّةِ أوْصَلُ قال: بلى. قالت: فهلَّا قلتَ كما قال سيّدُك جميل: يا رُبَّ عارضةٍ علينا وَصْلَها … بالجِدِّ تَخْلِطُهُ بقولِ الهازلِ فأجَبْتُها بالقولِ بعد تأمُّلٍ … حُبِّي بُثينةَ عن وصالكِ شاغلي لو كان في قلبي كقَدْرِ قُلامةٍ … فضلًا لغيركِ ما أتتكِ رسائلي قال: فقلتُ: دعي هذا واسقيني ماءً. فقالت: لا والله، وإلَّا ثَكِلْتُ بُثينةَ، لا أسقيك ولو مِتَّ عَطَشًا، فركَضْتُ فرسي، ومَضيتُ أطلبُ الماء، فما وصلتُ إليه إلا بعد جهد كِدت أن أموتَ عَطَشًا (٣). قال يحيى الأمويّ: لَقِيَتْ امرأةٌ كُثَيِّرًا وكان دَمِيمًا ضئيلًا، فقالت: مَنْ أنت؟ قال: كُثَيِّر. قالت: تسمعُ بالمُعِيدِيِّ خيرٌ من أن تراه. فقال: مَهْ، فأنا الَّذي أقول: فإنْ أكُ مَعْرُوقَ العِظامِ فإنِّني … إذا ما وَزَنْتِ القومَ بالقومِ أَوْزِنُ فقالت: كيف تكون بالقوم وازنًا وأنتَ لا تُعرفُ إلا بِعَزَّة؟! فقال: واللهِ لئن قلتِ ذلك، لقد رفع الله بها قَدْرِي، وزَيَّنَ بها شِعْري، وإنها لكما قلتُ: وما روضةٌ بالحَزْنِ طَيبةُ الثَّرَى … يَمُجُّ النَّدى جَثْحاثُها وعَرارُها (٤) بأطيبَ من أردانِ عَزَّةَ مَوْهِنًا … وقد أُوقِدَتْ بالمَنْدَلِ الرَّطْبِ نارُها (٥) من الخَفِرات البيضِ لم تَلْقَ شَقْوةً … وبالحَسَبِ المكنُونِ صافٍ نِجَارُها (٦)

стр. 4867

فإنْ بَرَزَتْ كانَتْ لِعَينِكَ قُرَّةً … وإِنْ غِبْتَ عنها لم يَعُمَّكَ عارُها فقالت له: أرأيتَ حين تذكرُ طِيبَها؛ فلو أنَّ زِنْجيَّةً استجمرتْ بالمَنْدَل الرَّطْب لطابَ رِيحُها! ألا قلتَ كما قال امرؤ القيس: خليليَّ عُوجا (١) بي على أمِّ جُنْدُبٍ … نُقَضِّ لُباناتِ (٢) الفؤادِ المعذَّبِ ألَمْ تَرَ أني (٣) كلّما جئتُ طارقًا … وجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ فقال كُثير: الحقُّ لَهُوَ -واللهِ- خيرُ ما قيل، لَهُوَ -واللهِ- أنعتُ لصاحبته منّي (٤). وقال ابن عائشة: وقف كُثّيِّر على قوم يفضِّلون عليه جميلًا ويقولون: هو أصدقُ في حبِّه من كُثَيِّر، وهم لا يعرفونه، فقال لهم: كيف تفضِّلُون جميلًا على كُثَيِّر وقد بلغ جميلًا عن بُثَينَةَ ما يكره؟ فقال: رمى الله في عَينَيْ بُثَينَةَ بالقَذَى … وفي الغُرِّ من أنيابها بالقَوادحِ وكُثَيِّر عَزَّة أتاه من عَزَّة بعضُ ما يكره، فقال: خليليَّ هذا رَبْعُ عَزَّةَ فاعْقِلا … قَلُوصَيكُما ثم ابكيا حيثُ حَلَّتِ وما كُنْتُ أدري قبلَ عَزَّةَ ما البُكا … ولا موجباتِ الحبِّ (٥) حتَّى تولَّتِ فقلتُ لها يا عَزَّ كلُّ مصيبةٍ … إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ وواللهِ ما قاربتُ إلا تباعَدَت … وواللهِ ما أكثرتُ إلا أقلَّتِ أسيئي بنا أو أحْسِني لا ملومةٌ … لَدَينا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ فلا يحسبُ الواشون أنَّ صبابتي … بِعَزَّةَ كانت غَمْرةً فتَجلَّتِ ومن أرقّ ما قال: هنيئًا مريئًا غير داءٍ مُخامرٍ … [لعزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحلَّتِ]

стр. 4868

من أبيات (١). [وقال:] (٢) فما أحدثَ النَّأيُ المُفَرِّقُ بيننا … سُلُوًّا ولا طولُ اجتماعٍ تَقَاليا (٣) وما زادني الواشون إلا صَبابةً … ولا كثرةُ النَّاهين إلا تماديا (٤) مات كُثيِّرٌ وعكرمةُ في يوم واحد بالمدينة، فاختلفت (٥) قريش لكُثَيِّر، ولم يوجد لعكرمة من يحملُه. وقال سليمان بن أفلح: استنشدني الرشيد هارون شعر كُثَيِّر، فأخذت في الإنشاد، فلما جئتُ إلى مدحِ بني أمية [وقفت]. قال: ما لكَ؟ فأخبرتُه، فقال: امْضِهْ وجعل يتعجَّبُ من شعره، فقال له يحيى بن خالد: ما مَدَحَكُم به مروان بن أبي حفصة أجودُ من هذا حيث يقول: نورُ الخلافةِ في المهديّ تعرفُهُ … وذلك النورُ في موسى وهارونِ فقال هارون: دع هذا الكلام يا أبا علي، فواللهِ، لا يُمدح بشعر مثلِ شعر كُثَيِّر حتَّى يُحاكَ لنا مثلُ طِرازِ هشام (٦). يزيد بن عبد الملك ابن مروان، كان صاحبَ لهوٍ وشراب، وكان يقول: عمر بن عبد العزيز كان خيرًا مني لنفسه، وأنا خيرٌ منه للناس. وكان يزيد قد اشتغل عن الرعيَّة بسَلَّامة؛ بالتشديد، وحَبَابة؛ بالتخفيف؛ قينتين من المدينة ومكة (٧).

стр. 4869

حديث سَلَّامة: وهي جارية سُهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: جارية مصعب بن سُهيل، وتُعرف بسلَّامة القَسّ، وكانت من مولَّدات المدينة (١). أخذت الغناء عن مَعْبَد، وابنِ عائشة، وابن سُرَيج، وهالك بن أبي السَّمْح، وجميلة، وعَزَّة المَيلاء (٢). وكانت من أحسن النساء جمالًا وغِناءً. واسم القَسّ عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وكان عابدًا مجتهدًا ناسكًا يُقدَّم على عطاء بن أبي رباح في النُّسُك، ولعبادته سُمِّي بالقَسّ. مرَّ بسلَّامة يومًا، فسمع غِناءها، فافتُتنَ بها. قال شيخُنا موفَّق الدين ﵁، يرفعه إلى خلَّاد بن يزيد قال: سمعتُ شيوخًا (٣) من أهل مكة، منهم سليمان، يذكرون أنَّ القَسَّ كان عند أهل مكَّة من أحسنِهم عبادةً وأظهرهم تبَتُّلًا، وأنه مرَّ يومًا بسلَّامة [جارية كانت لرجل من قريش] فسمع غِناءها، فوقف يستمع، فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تدخل فتستمع؟ فتأبَّى عليه، فلم يزل به حتَّى تَسَمَّح، وقال: أقعدني في موضع لا تراني ولا أراها. قال: أفعل. فدخل فغنَّتْ فأعجبَتْه، فقال مولاها: هل لك أن أُحَوِّلها إليك؟ فتأبَّى عليه، ثم سمع غناءَها وسمحَ، ولم يزل حتَّى شُغف بها وشُغِفَتْ به، وعلم بذلك أهل مكة. فقالت له يومًا: أنا واللهِ أُحبُّك. قال: وأنا واللهِ أُحبُّكِ. قالت: وأُحبُّ أَنْ أضعَ فمي على فمك. قال: وأنا والله. قالت: وأحبُّ أن أُلصِقَ صدري بصدرك، وبطني ببطنك. قال: وأنا

стр. 4870

واللهِ كذلك. قالت: يمنعك؟ فواللهِ إنَّ المكان لخالٍ. قال: إني سمعتُ أن الله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخوف: ٦٧] وأنا أكره أن تكون خُلَّةٌ ما بيني وبينكِ تؤول إلى العداوة يومَ القيامة. قالت: يا هذا، أفحسبتَ أنَّ ربي وربَّك لا يقبلُنا إذا تُبنا إليه؟ قال. بلى، ولكنْ لا آمنُ أن أُفاجأ. ثم نهض وعيناه تَذْرِفان، فلم يرجع بعد [ذلك] وعاد إلى ما كان عليه من النُّسُك (١)، وفيها يقول عبد الله بن قيس الرُّقَيَّات: لقد فَتَنَتْ رَيَّا وسلَّامةُ القَسَّا … فلم تتركا للقَسِّ عقلًا ولا حِسَّا (٢) وقال الهيثم: اشترى يزيدُ بن عبد الملك سلَّامة قبل الخلافة بأربعة آلاف دينار، فأُعجبَ بها، وغلبت عليه، وكان تحته سعدى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان (٣)، ويقال لها: العثمانية؛ تزوَّجها في حجَّته في أيام أخيه سليمان على عشرين ألف دينار، وتزوَّج في هذه الحَجَّةِ رُبيحة بنت محمد بن عبد الله بن جعفر على عشرين ألف دينار أيضًا، واشترى سلَّامة في هذه الحجة (٤)، فلما رأَتْ سعدى ميله إلى سلَّامة اشترَتْ له حَبَابةْ، فغلبت عليه، فَلَهَا عن سلَّامة ووهَبَها لسعدى. وقال الزُّبير بن بكَّار: كانت سلَّامة من أحسن النساء وأكملهنّ، قرأَت القرآن، وقالت الشعر ورَوَتْهُ، وكان الأحوص وعبد الرحمن بنُ حسان يجلسان إليها ويُنشدانِها، فعلقت بالأحوص، وصرفت عن عبد الرحمن، فقال (٥):

стр. 4871

أرى الإقبال منكِ على جليسي … وما لي في حديثكما (١) نصيبُ فقالت سَلَّامة: لأنَّ اللهَ علَّقَهُ فؤادي … فحازَ القلبَ دونَكُمُ حبيبُ فقال الأحوص: خليلي لا تَلُمْها في هواها … ألذُّ العيش ما تَهْوَى القلوبُ فخرج ابنُ حسان إلى يزيد بن عبد الملك (٢) ممتدحًا له، فأكرمه ووصله، فقال: يا أمير المؤمنين، عندي نصيحةٌ، فقال: وما هي؟ قال: جارية بالمدينة لامرأةٍ من قريش. ووصفَها له، وقال: لا تصلح إلا لك. فبعث إلى عامله، فاشتراها وحملَها إليه، فوقعت منه موقعًا. وعاد عبد الرحمن إلى المدينة ومر بالأحوص، وإذا به متبسِّم، فأنشده: يا مبتلًى بالحبِّ مفدوحًا … ولاقيًا منه تباريحا ألجمَهُ الحبُّ فما ينثني … إلا بكأس الحبِّ مصبوحَا وصارَ ما يُعجبُهُ مغْلَقًا … عنهُ وما يكرهُ مفتوحَا قد حازَها مَنْ أصبَحَتْ عنده … ينالُ منها الشَّمَّ والرِّيحَا خليفةُ الله فَسَلِّ الهوى … فعَزَّ قلبًا منك مقروحا (٣) وقال ابن عساكر (٤): بعث يزيدُ بنُ عبد الملك إلى المدينة، فاشترى سلَّامة بعشرين ألفَ دينار، فخرج أهلُها يودِّعُونها، فامتلأ المكان بالناس، فقالت: فارقُوني وقد علمتُ يقينًا … ما لِمَنْ ذاقَ فُرْقةً (٥) من إيابِ

стр. 4872

إنَّ أهلَ الحِصَاب قد تركوني … قلقًا مُولَعًا بحبِّ الحِصاب (١) ثم بكت وبكى الناسُ، وأرسلت إلى كلِّ واحد بثلاثة آلاف درهم (٢). حديث حَبَابة: وهو لقبٌ لها. [قال المدائني:] واسمُها العالية، وكنيتُها أمُّ داود، وكانت جارية لاحق، وقيل: لابنِ مينا، شتب بها وضَّاح اليمنى قبل أن تصل إلى يزيد. وكانت من مولَّدات المدينة، أخذت الغِناء عن ابن سُرَيج، وابن مُحرز، ومعبد، وغيرهم، وكانت من أحسن أهل عصرها وجهًا وغناء وشمائل (٣). وقال المدائني: اشترى يزيد [بن عبد الملك] حَبّابة في حَجّته [التي حجّها] في خلافة أخيه سليمان بخمسة آلاف دينار (٤) من عثمان بن سهل بن حنيف (٥). وبلغ سليمان، فقال: لقد هممتُ أن أحجر على هذا المائقِ (٦) السفيه. وكان يزيد يهابه وينقيه، فردّها على مولاها، فشخص بها إلى إفريقية، فباعها هناك، وبقي يزيد متلهفًا متحسِّرًا عليها. فلما ولي الخلافة قالت له سعدى (٧): هل بقي في قلبك من أمور الدنيا شيء؟ قال: نعم، حَبّابة. قالت: وأين هي؟ قال: لا أعلم.

стр. 4873

فأرسلت وبحثت عن أمرها، فقيل: هي بإفريقية، فأرسلت رجلًا تثق به، وأعطته مالًا كثيرًا، فمضى إلى إفريقية، وبذل في ثمنها عشرة آلاف دينار (١)، واشتراها وحملها إلى دمشق، ففرحت بها، وألبستها أفخر الثياب والخليّ، وقالت لها: إنما اشتريتك ليزيد. فدَعَتْ لها. ثم قالت سعدى ليزيد: أُحبُّ أن تمضي إلى بستاني بالغوطة تتنزِّه [فيه] قال: نعم. وأرسلت إلى لبستان، فهيّأت الأطعمة، وفرشت المقاصير، وجاء يزيد فأكل وشرب، فقالت له سعدى: قد اشتريتُ لك جاريةً تغنِّي أصوات حَبابة. فقال: وأين هي؟ فضربت بينهم ستارة وقالت: يا جارية، غنِّي. فغنَّت صوتًا كان يزيد يحبُّه وهو لكُثَيِّر عَزَّة: وبين التراقي والفؤادِ حرارةٌ … مكان الشَّجَا لا تستقلُّ فتبردُ (٢) فصاح يزيد: صوتُ حَبّابة وربِّ الكعبة، وقام قائمًا، فقالت له سعدى: هي حَبَابة، وقد بعثت إلى إفريقية، فاشتريتها بعشرة آلاف دينار. فحَظِيت سعدي عنده، وارتفعت منزلتها، وقامَتْ ومضت، وتركته مع حَبَابة في البستان. فأقام ثلاثة أيام، فأخذ منه الشرابُ يومًا، فصَعِدَ إلى مستشرفٍ عالٍ وقال لها: غنِّي: وبين التَّراقي والفؤادِ حرارةٌ فغنَّتْ، فأهوى بنفسه وقال: أطيرُ. وأراد أن يُلقي نفسه، فتعلَّقت به وقالت: لنا فيك حاجة (٣)، على من تترك الأمَّة؟! قال: أنت لهم (٤). وبلغ أبا حمزة الخارجيَّ، فقال: يطيرُ إلى لعنة الله.

стр. 4874

ثم توفّيت حَبَابة، فكانت سببًا لوفاته؛ بينا هو جالسٌ يومًا [معها] في مستشرف وقد قال للخادم: هذا يوم سروري، فلا ترفعنَّ إليّ شيئًا من أمور الناس. فأخذتْ رمَّانةً فأكلت منها حبَّة، فشَرقَتُ بها وماتت (١). وقيل: إن يزيد رماها بحبة عنب، فدخلت في فيها، فشَرِقَتْ بها، فماتت (٢). فتركها في البيت حتى نَتَنَتْ، وحزن عليها حزنًا منعه من الطعام والشراب حتَّى مات كمدًا. [قال الهيثم:] وخرج في جنازتها محمولًا فلم تحمله قدماه، فسقط إلى الأرض، فقال لمسلمة: صَلِّ عليها. ثم حُمل إلى قبرها وهو ينشد [قول كُثَيِّر]: وإنْ تَسْلُ عنكِ النَّفسُ أو تَدَعِ الصَّبَا … فبالرُّغم (٣) أسْلُو عنكِ لا بالتَّجَلُّدِ وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ (٤) … مِنَ أجلكِ هذا هامةُ اليومِ أو غَدِ ثمّ حُمل إلى قصره، فما خرج إلا على النَّعْش (٥). وأشار عليه مسلمةُ أن لا يخرج إلى الناس سبعة أيام لئلا يظهر منه شيءٌ يُسَفَّهُ به (٦). وقال الهيثم: دفنها ثم نبشَها بعد ثلاث وقد نتَنَتْ، فرمى بنفسه عليها، ولم يمنعه شدةُ نتَنَها من ذلك، وجعل يلثمها ويَشَمُّها، وأعادها إلى قبرها، ولزمه (٧). وعاش بعدها أربعين ليلة مريضًا، وقيل: خمس عشرة ليلة، وقيل: ثلاثة أيام. وقال الأصمعي: إنه دخل بعد موتها إلى خزائنها ومقاصيرها، فطاف فيها ومعه جارية لها، فترنَّمَت:

стр. 4875

كفى حَزَنًا بالوالِهِ الصَّبِّ أن يَرَى … منازلَ مَنْ يَهْوَى مُعَطَّلةً قَفْرَا فغُشيَ عليه، ثم حُمل إلى قبرها، فأقام ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الرابع وجدوه ساجدًا عندها ميِّتًا (١). ومات في شعبان (٢) [يوم الجمعة] لخمس بقين منه (٣) [وهذا قول الواقدي وأبي معشر وغيرهما] (٤). وقيل: يوم الخميس (٥). ومات بالبلقاء بإرْبِد، وقيل: بالجَوْلان، فحُمل على أعناق الرجال إلى دمشق، فدُفن بالباب الصغير. [قال أبو القاسم ابن عساكر:] قيل: إن حَبَابة ماتت ببيت رأس من الأردنّ، ودُفنت هناك، وأقام يزيد بعدها أيامًا، ثم مات، فدُفن إلى جانبها (٦). وبيان سنُّه ثمانيًا وثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، وقيل: ستًّا وثلاثين سنة، وقيل: خمسًا وعشرين، وقيل: سبعًا وعشرين سنة، وقيل: ثلاثًا وثلاثين سنة (٧). ومدَّةُ خلافته أربعُ سنين وشهرًا، وقيل: وستة أشهر، وقيل: أربع سنين إلا ثلاثة أشهر (٨). ورُويَ أنَّ بعضَ اليهود قال له: إنك تملكُ أربعين سنة، فقال آخر منهم: كذبَ لعنه الله، إنما رأى أنَّه يملكُ أربعين قَصَبة، والقَصَبةُ شهر، فجعلها سنةً (٩). وقيل: إنه مات بعلَّة السُّلّ.

стр. 4876

وصلَّى عليه ابنُه الوليد وهو ابن خصس عشرة سنة وهشامٌ يومئذ بالرُّصافة، وقيل: بحمص. وخرج سريرُه وسلَّامةُ خلفَه تقول: لا تَلُمْنا إن خَشَعْنا … أو هَمَمْنا بخشوعِ قد لَعَمْرِي بِتُّ لَيلِي … كأخي الداءِ الوجيعِ ثم بات الهمُّ منّي … دونَ مَنْ لي مِنْ ضجيعِ (١) للذي حَلَّ بنا اليَوْمَ … من الأمر الفظيعِ كلما أبْصرْتُ رَبْعًا … خاليًا فاضَت دموعي قد خلا من سيِّدٍ … كانَ لنا غيرَ مُضِيعِ ثم صاحت: يا أمير المؤمنيناه (٢). ذكر أولاده: الوليدُ؛ وَلَيَ الخلافة، ويحيى، وعاتكة، وأمُّهم أمُّ الحجَّاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجَّاج بن يوسف، وعبدُ الله، وعائشةُ؛ أمُّهما سعدى (٣) بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان ﵁، والغَمْر لأمِّ ولد، وعبدُ الجبَّار وسُليم لأمِّ ولد، وهاشم وأبو سفيان لأمِّ ولد، وسليمانُ، وعبدُ المؤمن، وداود، والعوَّام؛ لأمَّهات أولاد. فأمَّا الوليد فسنذكره. وأما عبد الله فقد ولده سبعةٌ من الخلفاء: أبوه يزيد، وجدُّه عبدُ الملك، وجدُّ أبيه مروان، وجدُّه لأمِّ أبيه معاويةُ بن أبي سفيان، وجدُّه لأمِّه عثمان ﵁؛ لأنَّ أمَّه سعدى بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، [وأمُّ عبد الله بن عمرو بن عثمان] ابنةُ عبد الله بن عُمر بن الخطاب ﵁. وكان لعبد الله هذا ولدٌ عظيم القَدْرِ عند المهديّ والرشيد اسمُه عبد المطَّلب (٤).

стр. 4877

وأمَّا الغَمْرُ؛ فكان أحدَ الأجواد الممدَّحين، ولَّاه أخوه الوليد بن يزيد غَزْوَ الصائفة، وكانت دارُه بدمشق قِبَلَ (١) زقاق العجم. قتلَه عبدُ الله بن عليّ بنهر أبي فُطْرس (٢) سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وفيه يقول الشاعر: إذا عدَّدَ الناسُ المكارمَ بينَهم … فلا يَفْخَرَنْ يومًا على الغَمْرِ فاخرُ فما مرَّ مِنْ يومٍ مِنَ الدهرِ واحدٌ … على الغَمْرِ إلَّا وَهْوَ للناسِ غامرُ (٣) وهو صاحب سَيح الغَمْر باليمامة (٤). ولما قدَّمه [عبد الله بن] علي بن عبد الله ليقتلَه قال: إني شيخٌ كبير، وإنْ تركتَني كفيتُك مؤونة قتلي. فقال عبدُ الله بنُ عليّ: قد كان الحُسين شيخًا كبيرًا فقتلتموه. وضربَ عنقه، فعنَّفَ الحاضرون عبدَ الله بنَ علي وقالوا: وهل كان هذا موجودًا في زمن الحسين؟! قتلتَ هذا الجواد الممدَّح (٥)! وأمَّا سُليمان بنُ يزيد؛ فكان ممن أعانَ على قتل أخيه الوليد بن يزيد مع يزيد بن الوليد. بعثَ إليه (٦) عبدُ الله بنُ علي جيشًا إلى البلقاء، فقتلَه. وأما عبد المؤمن بن يزيد فكان يسكن باب الجابية بدمشق (٧).

стр. 4878

ومن الوافدين على يزيد بن عبد الملك: الأحوص الشاعر وهو عبدُ الله [بن محمد بن عبد الله] بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وجدُّ أبيه عاصم بن أبي الأقلَح من كبار الأنصار، واسمه قيس (١) بن عصمة، وابنُه عاصم شهد بدرًا، وقُتل يوم الرَّجيع، وهو حَمِيُّ الدَّبْر (٢). والأحوص ابن خال حنظلة (٣) غسيل الملائكة، وكنية الأحوص أبو محمد، [وهو] من الطبقة السادسة من الشعراء الإسلاميين (٤). وكان الوليد بن عبد الملك نفاه إلى دَهْلَك -جزيرة بأرض الحبشة- فلم يزل بها أيام الوليد وسليمان، فلما وَلِيَ عُمر بن عبد العزيز رجع إلى المدينة وقال: قد وَلَيَ رجلٌ أنا خالُه، فما يصنع بي -وكانت أمُّ عمر بن عبد العزيز أمَّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وأمّها بنتُ عاصم بن ثابت بن أبي الأَقْلَح الأنصاري - فبعث عمر ﵁ فنفاه إلى دَهْلَت، فأقام بها. فلمَّا وَليَ يزيد بن عبد الملك رجع إلى المدينة (٥). قال المعافَى: عزم مَعْبَد المغنِّي والأحوص على زيارة يزيد بن عبد الملك فترافَقَا، فلمَّا وصلا إلى البلقاء أصابهم مطر في الليل، فأصبحت الغُذران مملوءةً، فقالا: لو أقمنا يومنا هذا. فأقاما.

стр. 4879

ورُفع لهم قصرٌ، وإذا بجارية قد خرجت ومعها جَرَّةٌ، فاستقت من الغدير، فسقطت الجَرَّةُ من يدها، فانكسرت، فجلست تبكي، فسألا عن حالها، فقالت: كُنْتُ لرجل من قُريش، فاشتراني رجل من بني عامر بخمسين ألفَ درهم، وهو صاحبُ هذا القصر، فنزلتُ من قلبه ألطفَ منزلة، ثم تزوَّج ابنةَ عمٍّ له، فأساءت إليَّ، وكلَّفتني أن أستقيَ بالجَرَّة كلَّ يوم من هذا الغدير، فشكوتُ إليه، فقال: إنها ابنةُ عمِّي وأنت أَمَةٌ، فلم يَشْكُني، وربَّما أذكر ما كُنْتُ فيه، فوقعت الجَرَّةُ من يدي، فانكسرت. وكان بين أيديهما عودٌ فأخذَتْه وضربَتْ به وغنَّتْ تقول: يا بيتَ عاتكةَ الَّذي أتعزَّلُ … حَذَرَ العِدَى وبه الفؤادُ مُوَكَّلُ إني لَأَمنحُكَ الصُّدودَ وأنَّني … قَسَمًا إليكَ مع الصُّدودِ لَأَمْيَلُ ولقد نزلتَ من الفؤادِ بمنزلٍ … ما كان غيرُكَ والأمانةِ ينزلُ ولقد شكوتُ إليكَ بعضَ صَبَابتي … ولَمَا كتمتُ من الصَّبَابةِ أطولُ هل عيشُنا بكَ في زمانكَ راجعٌ … فلقد تفحَّشَ بعدكَ المتعلِّلُ أعرضتُ عنكَ وليس ذاك لبَغْضَةٍ … أخشى مقالةَ كاشحٍ لا يعقلُ قال: ثم بكت بكاءً شديدًا حتَّى أبكتهما. قال: فقلنا لها: لمن هذا الشِّعر؟ قالت للأحوص. قلنا: والصوت؟ قالت: لمَعْبَد. فقلنا: أفتَعْرِفينهما؟ قا لت: لا والله. فقال: أنا الأحوص، وهذا مَعْبَدَ، ونحن قاصدان يزيد بنَ عبد الملك، فأنشأت تقول: إنْ تراني الغَدَاةَ أسْعَى بِجَرٍّ … أستقي الماءَ نحوَ هذا الغديرِ فلقد كنتُ في رخاءٍ من العَيـ … ـشِ وفي كلِّ نعمةٍ وسرورِ ثم قد تُبصِرانِ ما فيه أصْبَحْـ … ـتُ وماذا إليه صارَ مصيري أَبْلِغا عنيَ الإمامَ وما يَبْـ … ـلُغُ صدقَ الحديث مثلُ الخبيرِ أنَّني أَضْرَبُ الخلائقِ بالعُو … دِ وأَحْكَاهُمُ بِبَمٍّ وزِيرِ (١) فلعلَّ الإلَهَ يُنْقِذُ ممَّا … أنا فيه فإنَّني كالأسيرِ ليتني مِتُّ يومَ فارقْتُ أهلي … وبلادي وزُرْت أهلَ القبورِ

стр. 4880

قال: فلمَّا قدمنا على يزيد أخبرناه خَبَرها، فأرسل إلى مولاها، فاشتراها بمئة ألف درهم، فلما قَدِمَتْ عليه حَظِيَتْ عنده، وبعثَتْ إلينا بالهدايا والألْطَاف (١). وقوله: يا بيت عاتكة، ما أرادَ عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وإنما أرادَ عاتكة أخرى يقال لها: أمّ جعفر، كانت عفيفةً صالحة، شبَّبَ بها الأحوص، وقفت عليه يومًا وهو في نادي قومه، فقالت له: اقضِ ثمنَ الغنم التي اشتريتَ منّي. فقال: واللهِ ما أعرفُكِ ولا رأيتُكِ قبل اليوم! فقالت لقومه: خوِّفوه من الله تعالى. فكرَّرَ الأَيمان أنَّه ما رآها قبل اليوم، فكشفَتْ وجْهَها وقالت: يا عدوَّ الله، فأنا عاتكة (٢) التي شَبَّبْتَ بي وفضحتَني في شعرك. فانكسر الأحوص، وبرئت المرأة. وقال الرِّياشيّ: كتبَ الأحوص إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ من دَهْلَك: وكيف تَرَى للنومِ طَعْمًا ولَذَّةً … وخالُك أَمْسَى مُوثَقًا في الحبائلِ فمَنْ كان أمسى سائلًا عن شماتةٍ … ليشمتَ بي أو شامتًا غير سَائلِ فقد عَجَمَتْ (٣) مني الحوادثُ ماجدًا … صَبُورًا على غَمَّاءِ تلك البلابلِ إذا سُرَّ لم يَفْرَحْ، وليس لِنَكْبَةٍ … أَلَمَّتْ به بالخاشعِ المتضائلِ (٤) وقال جعفر بن سليمان: ما سمعتُ بأشعرَ من القائل: إذا رُمْتُ عنها لسَلْوة قال شافعٌ … من الحُبِّ ميعادُ السُلُوّ المقابِرُ فقيل له: بلى، الأحوص، حيث يقول: سيَبْقَى لها في مُضْمَرِ القلبِ والحَشَا … سَرِيرَةُ وُدِّ يومَ تُبْلَى السَّرائرُ (٥)

стр. 4881

السنة السادسة بعد المئة فيها عزل هشام بن عبد الملك عُمر بنَ هُبيرة عن العراق كلّه، وولَّاها خالدَ بنَ عبد الله القَسْريّ (١). قال سليمان بنُ زياد: كان عُمرُ بنُ هُبَيرة واليًا على العراق، فلمَّا مات يزيد وقام هشام؛ قال عُمر بنُ هُبيرة: يُوَلِّي هشامْ العراقَ أحدَ رجلين: سعيدًا الحَرَشيّ، أو خالدًا القَسْريّ، فإنْ وَلَّى ابنَ النصرانية خالدًا؛ فهو البلاء. فولَّى هشامٌ خالدًا، فقدم واسطًا وقد أُوذِنَ عُمرُ بنُ هُبيرة بالصلاة، فهو يتهيَّأ لها وقد اعتمّ وهو يُسوِّي عِمامتَه، فقيل له: هذا خالد قد قدم. فقال: هكذا تقوم الساعة. أي: تأتي بغتة. فأخذ خالدٌ عُمر فقيَّده وكبَّلَه، وألبسَه مِدْرَعةَ شعر، وعذَّبه عذابًا وجيعًا، فقال له عمر: بئس ما سنَنْتَ على وُلاة العراق، أما تخافُ أن يُفعل بك مثل هذا (٢)؟ فلما طال حَبْسُ عمر؛ اكترى مواليه دارًا إلى جانب الحَبْس ونَقَبُوا سَرَبًا إليه، وأعدُّوا خيلًا وأخرجوه ليلًا إلى الشام. وتبعه سعيد الحَرَشي، فحال الفرات بينهما (٣). وقيل: إنه أدركه فاصطنعه (٤). وأتى ابنُ هُبيرة مسلمةَ بنَ عبد الملك، فاستجارَه، فأجاره (٥)، وأنزله معه في داره، وجاء وقت الفجر إلى هشام، فصلَّى خلفه، فلما سلَّم قال له هشام: أظنُّ أنَّ ابنَ هُبيرة طرقك في هذه الليلة. قال: نعم، وقد أجَرْتُه فهَبْهُ لي. قال: قد وهبتُه لك. وفي ذلك يقول الفرزدق:

стр. 4882

ولمَّا رأيتَ الأرضَ قد سُدَّ ظهرُها … ولم تَرَ إلا ظهرَها لك مَخْرَجا دعوتَ الَّذي ناداه يونس بعدَ ما … ثَوَى في ثلاثٍ مُظْلِماتٍ فَفَرَّجا وأصبحتَ تحتَ الأرضِ قد سِرْتَ ليلةً … وما سار سارٍ مثلَها حين أدْلَجَا (١) وفيها عزلَ هشامُ بنُ عبد الملك [عن المدينة]: عبدَ الواحد بنَ عبد الله ابن كعب بن عُمير النَّصْري، ويعرف بابن بُسْر، وكنيتُه أبو بُسْر، كانت له دارٌ بدمشق في سوق القمح تُعرف بدار العميان، وهو من الطبقة الثالثة من أهل الشام. قال أبو زُرْعة الدمشقيّ: هو جَدُّنا. ولأبيه عبد الله صحبة. وكان عبدُ الواحد رجلًا صالحًا؛ حجَّ بالناس سنة أربع ومئة لمَّا نُزِعَ عن المدينة عبدُ الرحمن الفِهْرِي (٢)، ولم يَقْدَمْ إليهم والٍ أحبَّ إليهم من عبد الواحد، كان يذهبُ مذاهبَ الخير، ويستشير الفقهاء، كسالم، والقاسم. وقال مصعب الزُّبيري: ثبتَ في أيامه بالمدينة أوقافٌ؛ كثيرة من أوقاف الصحابة، منها وَقْفُ الزبير بن العوَّام ﵁، فهو ثابت إلى اليوم (٣). ولما عزله هشام صعد المنبر وقال: يا أهل المدينة، واللهِ ما أبكي جَزَعًا من العَزْل، ولا ضَنًّا بالولاية، ولكن أَربأُ بهذه الوجوه المجاورة لرسول الله ﷺ أن يتبدَّلَها غيري من لا يعرف من حقِّها ما أعرف، وإني وإياكم كما قال أخو كِنانة: فما القَيدُ أبكاني ولا السجنُ شَفَّني … ولكنّني من خشية النارِ أجْزَعُ بلى إن أقوامًا أخافُ عليهمُ … إذا مِتُّ أن يُعطوا الَّذي كُنْتُ أمنعُ فبكى الناس؛ لأنه كان مُحسنًا إليهم، لم يجعل بينه وبينهم حجابًا قطّ (٤).

стр. 4883

أسند عبدُ الواحد عن واثلة بن الأسقع، وعن أبيه عبد الله بن بُسْر، وروى عنه حَريزُ بنُ عثمان، والأوزاعي، وغيرُهما. وفيها ولَّى هشامُ بنُ عبدِ الملك الحُرَّ بنَ (١) يوسف بن الحكم بن أبي العاص مصر، فأقامَ واليًا عليها ثلاث سنين، وعزله هشام سنة ثمان ومئة (٢). وفيها وُلد عبد الصمد بنُ علي بن عبد الله بن العباس في رجب (٣). وفيها غزا الحخاجُ بنُ عبد الملك بن مروان اللَّان (٤)، فقتل وسَبَى، فصالحوه على مال، وأدَّوْا إليه الجزية. وفيها مات سالم بن عبد الله، وطاوس اليمانيّ. وفيها استقضى إبراهيمُ بنُ هشام عاملُ المدينة محمدَ بنَ صفوان الجُمحي، ثم عزلَه واستقضى الصَّلْت الكِنْديّ (٥). وفيها كانت وقعةٌ بأرض بَلْخ -بمكان يقال له: البَرُوقان- بين المُضَريَّة واليمانية وربيعة، وكان مسلم بن سعيد قد قطع النهر، وتأخَّر عنه جماعة منهم عمرو بن مسلم وأبو البختري (٦)، فقال مسلم لنصر بن سيَّار وكان في عسكره: مُرْهم فليلحقوني.

стр. 4884

فأمرهم فعصَوْا عليه وقاتلوه، فقاتلَهم نصر فنُصر عليهم، وأخذ عَمرَو بنَ مسلم وأبا البختري، وحملا إلى مسلم بن سعيد، فعفا عنهما. وفي هذه الغزوة عزلَ خالدُ بن عبد الله القَسْريُّ مسلمَ بنَ سعيد، وكان قد قطعَ النهر ووصل بُخَارَى، فجاءه كتاب خالد يقول: تِمَّ على غَزاتك (١). فسار إلى فَرْغانة، وبلغَه أنَّ خاقان قاصدٌ إليه، فأرسل بعض العسكر، والتقَوا، فظهر عليهم خاقان، وعاد مسلم طالبًا للنهر والعدوُّ خلفَه، فأحرقَ من الأمتعة ما قيمتُه ألفُ ألفٍ، ولقيَ الناسُ من العطش أمرًا عظيمًا، ومات منهم جماعة. وفي رجوع مسلم إلى آمِد (٢) ورد كتاب أسدِ بن عبد الله القَسْريّ، أخو خالد، وكان قد ولَّاه خالد خُراسان، فبعث بعهده إلى عبد الرحمن بن نُعيم نيابة عنه، فقال مسلم: سمعًا وطاعة. وفيها: قدم أسدُ خُراسانَ -وكان مسلمٌ بفَرْغانة- وقطع النهرَ حتَّى أتى مَرْجَ السُّغْد، فنزلَ به، وعلى خَراج سَمَرْقَند هانئُ بنُ هانئ، فخرج بالناس للقاء أسد، فوافاه بالمَرْج جالسًا على حجر [فتفاءل الناس فقالوا: أسد على حجر] ما عند هذا خيرٌ. وقال أسد: مَنْ ينشُطُ بالمسير (٣) إلى العسكر وله ثلاثةَ عشرَ درهمًا، وها هي في كُمِّي. وإنَّه ليبكي ويقول: إنما أنا رجلٌ منكم. وبعث إلى عبد الرحمن بن نُعيم بعهده على الجند، ولمَّا علمَ الناسُ بعزل مسلم؛ شتمه بعضُهم، وقنَّعَه عَمرو بن هلال السَّدُوسيّ سَوْطَين (٤) لِما كان منه إلى بكر بن وائل يوم البَرُوقان، فغضب عبد الرحمن الأمير الجديد، وأغلظ لهم، وأبعدَهم عنه، وسار إلى سمرقند، فوافَى أسدَ بنَ عبد الله بها. وشخص أسدٌ إلى مَرْو، واستعمل على سمرقند الحَسَنَ بنَ أبي عَمَرَّطَة الكِنْديَّ، فقَدِمَتْ على الحسن امرأتُه الجنوب بنتُ القعقاع بن الأعلم الأزدي، فخرج للقائها،

стр. 4885

وجاء التُّرك إلى سمرقند في سبعة آلاف، فتباطأ حتَّى أغاروا، ولم يلقَهم ومَضَوْا، فقال الناس: إنَّما خرج للقاء امرأتِه. وبلغَه فخطب وقال: يعيبون عليَّ! ثم دعا على التُّرك، فقال: اللهم اقْطَعْ آثارَهم، وعَجِّلْ بَوَارهم (١). [وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قطنة، فخطب الناس فحُصِرَ] (٢) ثم قال: ومَنْ يُطع اللهَ ورسولَه فقد ضلَّ. وأُرْتجَ عليه، فلما نزل عن المنبر قال: فإنْ لم أكنْ فيكم خطيبًا فإنَّني … بسيفي إذا جَدَّ الوَغَى لَخَطيبُ فقيل: لو قلتَ هذا [على] المنبر لكنتَ خطيبًا! فقال حاجب الفيل اليشكري: أبا العلاءِ لقد لاقَيتَ مُعْضِلةً … يومَ العَرُوبة من كَرْبٍ وتَخْنيقِ تلوي اللسانَ إذا رُمْتَ الكلامَ بهِ … كما هوى زَلِقٌ من شاهقِ النِّيقِ (٣) أمَّا القُرانُ فلا تُهْدَى لِمُحْكَمِهِ … من الكتاب ولا تُهْدَى لتوفيقِ (٤) وحجَّ بالناس في هذه السنة هشامُ بنُ عبد الملك بالاتِّفاق. قال أبو الزِّناد: كتب إليَّ هشامٌ قبل أن يصلَ إلى المدينة أنِ اكْتُبْ لي مناسكَ الحجّ وسُنَنَه. فكتبتُها له، وخرجتُ للقائه، فإني في الموكب خلفَه وقد لقيَهُ سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فنزل فسلَّم عليه، ثم سارَ إلى جانبه، فصاح هشام: يا أبا الزّناد. فتقدَّمتُ إليه، وسرتُ من الجانب الآخَر. فأسمعُ سعيدًا يقول له: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الله لم يزل يُنعم على أهلِ بيت أمير المؤمنين، وينصرُ خليفتَه المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأميرُ المؤمنين ينبغي له أن يلعنه. قال: فشقَّ على هشام كلامُه وثقُل عليه وقال: ما قدمنا لشتم أحدٍ ولا للعْنِهِ، قدمنا حُجَّاجًا. ثم قطع كلامه وأعرضَ عنه، وأقبل عليَّ وقال: يا عبد الله بن ذكوان،

стр. 4886

فرغتَ مما كتبتُ إليك؟ قلت: نعم. قال أبو الزِّناد: وثقُل على سعيد ما حضرتُه يتكلَّم به، فرأيتُه منكسرًا كلَّما رآني (١). وكان العاملَ في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بنُ هشام، وعلى العراق خالد القَسْريّ، وعلى خُراسان أخوه أسد، وعلى شرطة البصرة مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى قضائها ثُمامة بن عبد الله بن أنس (٢). وفيها توفي سالم بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵃، وكنيتُه أبو عُمر، وقيل: أبو عبد الله. [وسالم]، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ ولد [يقال لها: أم سالم]. وكان من خيار قريش وفقهائهم وزُهَّادهم. وكان عبد الله بنُ عمر يُلام في حبِّه فيقول (٣): يلومُونني في سالمٍ وألُومُهُمْ … وجِلْدَةُ بينَ العينِ والأنفِ سالمُ [وقد ذكرناه في ترجمة الحجاج بن يوسف]. وكان أبوه يقبِّلُه ويقول: شيخٌ يقبِّلُ شيخًا، ويقول: أُحبُّه حبَّ الإسلام وحبَّ القرابة. قال: وكان أبيض الرأس واللحية، وكان قميصه إلى أنصاف ساقيه] (٤). [وقال مالك بن أنس:] كان سالمٌ يلبس الثوب يساوي درهمين، ولم يكن في زمانه أعبدَ ولا أزهدَ ولا أفقه منه (٥).

стр. 4887

[وقال محمد بن إسحاق:] كان يخرج إلى السوق، فيشتري حوائجه بنفسه. و [حكى الحافظ الدمشقي أن سالمًا] ما كان يأكل في بيته طعامًا إلا ومعه مسكين، فخرج مولاه يومًا يطلبُ مسكينًا، فلم يجد إلا عجوزًا عمياء حَدْباء، فأدخلها، فأكلت معه. وكان أهلُ المدينة يكرهون أمَّهاتِ الأولاد حتَّى نشأ فيهم القُرَّاء السادة: عليّ بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهلَ المدينة علمًا وتقًى وزُهدًا وعبادة وورعًا، فرغب الناسُ حينئذ في اتِّخاذ السَّرَاري (١). و [قال المدائني:] لما احتُضر عبدُ الله بنُ عمر أوصى إلى ابنه عبد الله بن عبد الله، فقيل له: تركتَ سالمًا، وهو أسنُّ من عبد الله! فقال: أكره أن أُدنِّسَ سالمًا بالوصية وأُشغلَه عن العبادة. ولما خرجت جنازة عبد الله بن عمر قال عبد الله لأخيه سالم: تقدَّم فصلِّ على أبيك. فقال [سالم]: يقدِّمُك أبي، وأؤخِّرك أنا! لا يكونُ ذلك أبدًا (٢). ودخل سالم على (٣) سليمان بن عبد الملك وعليه ثيابٌ غليظة رَثَّة، فلم يزل سليمان يُدنيه حتَّى أجلسَه معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز في المجلس، وفي أُخريات الناس رجلٌ عليه ثياب لها قيمة، فقال الرجل لعمر: أَمَا قَدَرَ خالُك أن يلبس ثيابًا غير هذه؟! فقال له عمر: ما رأيتُ الثيابَ التي على خالي وضعته في مكانك، ولا رأيت ثيابك هذه رفعَتْك إلى المكان الَّذي فيه خالي. [قال القاضي: لقد أحسن عمر في جوابه، وأجاد في الذَّبِّ عن خاله]. ورأى سليمان سالمًا حَسَنَ السَّحْنة (٤)، فقال له: أيُّ شيء تأكلُ؟ قال: الخبز والزيت. فعجب سليمان منه.

стр. 4888

ودفع الحجَّاجُ إليه سيفًا (١)، وأمره أن يقتل رجلًا، فقال سالم للرجل: أمسلمٌ أنت؟ قال: نعم. قال: أصليتَ اليوم الصبح؟ قال: نعم. [قال:] فرجع إلى الحجَّاج، ورمى بالسيف، فقال الحجَّاج: لِمَ لم تقتله؛ قال: لأنه ذكر أنَّه مسلمٌ، وأنه صلَّى اليوم صلاةَ الصبح، وقد أخبرني أبي عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى صلاة الصُّبح فهو في ذمَّة الله تعالى" (٢). فقال [له] الحجَّاج: إنما تقتلُه لأنَّه ممَّن أعانَ على قَتْلِ عثمان. فقال سالم: ها هنا مَنْ هو أولى بعثمان منّي. و [روى ابن أبي الدنيا أن سالمًا] رأى في المنام كأنَّه يقرع باب الجنّة. قيل: من؟ قال: سالم. قيل: كيف نفتح لمن لم تَغْبَرَّ قدماه في سبيل الله؟! فلما أصبح خرج غازيًا إلى الشام (٣). وزحم رجلًا في السوق، فقال الرجل له (٤): ما أراك إلا رجلَ سُوء. فقال سالم: ما أحسبُك أبعدتَ! وكان سالم يقوم الليل. ذكر وفاته: [حكى ابنُ سعد بإسناده عن عبد الله بن عمر بن حفص قال (٥): نظر هشام بن عبد الملك إلى سالم بن عبد الله بن عمر يوم عرفة في ثوبين متجرّدًا، فرأى فيه كِدْنة حسنة، فقال: ما طعامُك يا أبا عُمر (٦)؛ قال: الخبز والزيت. فقال هشام: فكيف تستطيع

стр. 4889

أكلهما؟! قال: أُخَمِّرُهُ، فإذا اشتهيتُه أكلتُه. قال: فوُعِك سالم، فلم يزل موعوكًا حتَّى قدم المدينة. قال الجوهري: الكِدْنة: الشحم واللحم (١). وقال ابن سعد بإسناده عن أبي فَرْوة قال: مات سالم بن عبد الله سنة ستّ ومئة في آخر ذي الحجة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حجَّ بالناس تلك السنة، ثم قدم المدينة، فوافق موت سالم، فصلَّى عليه] (٢). قال سفيان بن عيينة: حجَّ سالم في السنة التي حجَّ فيها هشام بنُ عبد الملك، فدخل هشام الكعبة وسالمٌ فيها، فقال له: يا سالم، سَلْني حاجة. فقال: إني لأستحي من الله أن أسألَ غيرَه في بيته. وخرج سالم، فخرج هشام على إثره وقال له: قد خرجت، فسَلْني. فقال سالم: من حوائج الدنيا، أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا. فقال سالم: ما سألتُها مَنْ يملكُها، فكيف أسألُها من لا يملكها (٣)؟! فلما قدم هشام إلى المدينة وقد وُعك سالم، دخل عليه يعودُه فقال: يا أبا عمر، ألك حاجة؟ قال: نعم، اتَّقِ اللهَ في أمة محمد ﷺ . قال: أوصِني بأهلك. قال: هم في سَعَةٍ من فضل الله. ومات في آخر ذي الحجة وهشامٌ يومئذ بالمدينة، فصلَّى عليه، ورأى هشام كثرةَ الناسِ بالبقيع، فقال لإبراهيم بن هشام المخزوميّ: اضْرِبْ على الناس بعثَ أربعة آلاف. فسُمِّيَ عامَ أربعة آلاف، فكانوا يخرجون إلى الصوائف، فيكونون بالسواحل حتَّى يأتيَ غيرُهم (٤). ولما رجع من جنازته دخل المسجد فإذا بالقاسم بن محمد بين القبر والمنبر، وكان قد ذهب بصرُه، فوقف عليه هشام وسلَّم، فقام القاسم إليه، فقال [هشام]: كيف أنتَ

стр. 4890

يا أبا محمد؟ كيف حالُك؟ قال: بخير. فقال هشام: واللهِ إني لأُحِبُّ أن يجعلَكم اللهُ بخير (١) وهذا يدلُّ على تأخُّر موت القاسم. وقال ابن الكلبي: لما دخل هشام المدينة دعا سالمًا، فأكومه وقال: هذا بقية الناس وابنُ الفاروق، وخيرُ أهل زمانكم. فحُمَّ سالم وقال: ألا ترون الأحول لَقَعَنِي بعينه (٢). ثم مات سالم رحمة الله عليه. وكان له من الولد: عُمر، وأبو بكر، وأمُّهما أمُّ الحكم بنت يزيد بن عبد القيس، وعبد الله، وعاصم، وجعفر، و [حْفصة]، وفاطمة، وأمُّهم أمّ ولد، وعبدُ العزيز، وعَبْدَة لأمِّ ولد (٣). أسند سالم عن أبيه عبدِ الله، وأبي أيوب الأنصاري، وابنِ عباس، وأبي هريرة، واختلفوا في سماعه من عائشة رضوان الله عليها (٤). وروى عنه الزُّهْري، ونافع مولى أبيه، وحُميد الطويل، ويزيد بن أبي مريم الدِّمشقي، وغيرُهم. وقدم الشام على عبد الملك بكتاب أبيه بالبيعة له، وقدم على الوليد وعمر بن عبد العزيز (٥). وكان كثيرَ الحديث ثقة عاليًا رفيعًا، رحمةُ الله عليه (٦).

стр. 4891

طاوس بن كَيْسان أبو عبد الرحمن اليماني، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل اليمن، واتفقوا على أنَّه كان مولًى [فحكى ابنُ سعد عن الواقدي أنَّه قال: كان طاوس مولى] بَحِير بن رَيسان الحِمْيَرِيّ [وكان ينزل الجَنَد] (١). وقيل: مولى هَمْدان. وقيل مولًى لابن هَوْذَة الهَمْدَاني، وكان أبوه من أهل فارس (٢)، وليس هو من الأبناء، فوالى [أهل] هذا البيت. وكان إمامًا عالمًا ورعًا خائفًا. [قال وهب بن منبِّه:] حجَّ أربعين حخة. [قال:] وصلَّى الغداة بوضوء العَتَمة أربعين سنة (٣)، وجالس سبعين من الصحابة (٤). ودخل هو ووَهْب بن مُنَبِّه على محمد بن يوسف أخي الحجَّاج في غداة باردة، فقعد طاوس على كرسيّ، فقال محمد: يا غلام، هلمَّ ذاك الطَّيلسان فألْقِهِ على أبي عبد الرحمن. فألقَوْه عليه، فلم يزل يحرِّك كتفيه حتَّى ألقاه عنه، وغضبَ محمد بن يوسف، فلمَّا قاما قال له وَهْب: واللهِ إنْ كنتَ لَغَنِيًّا أن تغضِبه علينا، لو أخذتَه فبعتَه وتصدَّقْتَ بثمنه على المساكين. فقال: لولا أخافُ أن أصيرَ إمامًا في أخْذ أموالهم فيُقْتَدَى بي لفعلت (٥). [وحكى ابن سعد أنَّه مرّ بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع] (٦). وكان يقول: اللهمَّ ارْزُقْني الإيمان والعمل، واحْرِمْني المال والولد (٧).

стр. 4892

[قال: وقال طاوس: إذا سلَّم عليك الذِّمِّي فقل: علاك السلام] (١). وكان يقول: عجبتُ لإخواننا بالعراق كيف يُسمُّون الحَجَّاج مؤمنًا (٢). وكان إذا مرَّ بالرؤوس في الروَّاسين فرآها مشوية لم ينعس (٣) تلك الليلة من [شدَّة] خوفه. ومرَّ يومًا فرأى رأسًا مشويًّا فصعق (٤). ومرَّ وقت السَّحَر [برجل نائم فقال: ما كنت أُرى أن أحدًا ينام وقت السَّحَر] (٥). وبعث إليه محمد بن يوسف وأيوب بن يحيى بخمس مئة دينار، وقالا (٦) للرسول: إنْ أخذَها كسَيناك، وأحْسَنَّا إليك. فأتى بها إلى طاوس وقال: هذه نفقةٌ أرسلَ بها إليك الأمير. قال: ما لي بها حاجة. ثم غفلَ عنه طاوس، فرمى بها في كُوَّة البيت، ثم ذهب فقال: قد أخَذَها. فلبثا حينًا، ثم بلغهما عنه شيء يكرهانه، فأرسلا إليه أن ابعث إلينا بمالنا. [فجاءه الرسول، فأخبره، فقال: واللهِ ما قبضتُ لهما مالًا. [وعرفا أنَّه صادق]، فقالا للرسول الَّذي بعثا معه المال: اذهب إليه. فجاء إليه فقال: [المالُ] الَّذي جئتُ به إليك؟ قال: هل قبضتُ منك شيئًا؟ قال: لا. قال: فأين وضعتَه؟ قال: في تلك الكوّة. قال: فأبصِرْهُ حيث وضعتَه. فمدَّ يده إلى الكوّة [فإذا بالصُّرَّة قد سدَّى عليها العنكبوت، فأخذَها ومضى بها إليهما. [قال أبو نُعيم:] وجلس إليه ابنان لسليمان (٧) بن عبد الملك، فلم يكترث بهما، فقيل له: ولد أمير المؤمنين! فقال: أردتُ أن يتعلَّما أن لله عبادًا يحتقرون ما هم فيه.

стр. 4893

وسأله سَلْم بن زياد عن مسألة، فلم يعرّج عليه وانتهرَه، فقيل له: إنه سَلْم صاحب خُراسان قال: فذاك أهونُ له عليّ. [قال الحميديّ:] ولم يكن في زمن طاوس أزهدَ منه (١). [قال الهيثم:] وكان إذا خرج من اليمن إلى مكة لم يشرب من الآبار التي احتفرها السلطان، ويشربُ من الآبار القديمة (٢). ومرَّ بنهر قد كراه السلطان، فأرادت بغلته أن تشرب منه، فمنعها (٣). وكان يُفرَش له الفراش فيُدرجُه ويقول: طَيَّرَ ذكرُ جهنَّم نومَ العابدين. ويتقلَّى كما تتقلَّى الحبَّة على المِقْلى، أقام كذلك أربعين سنة (٤). وقال عطاء: قال لي طاوس: لا تُنزل حاجتك بمن أغلقَ دونك أبوابَه وقد جَعل عليها حُجَّابَه، ولكن أنزلها بمن بابُه لك مفتوح، وقد أمرك أن تدعوَه، وضمنَ أن يستجيبَ لك (٥). وقال طاوس: ما من شيء يتكلَّم به الإنسان إلا أُحصي عليه حتَّى أنينُه في مرضه (٦) [فكان طاوس يكره الأنين]. واقتدى به الإمام أحمد ﵀، فإنه ما أنَّ في مرضه حتى مات. وقال عبد الله بن أبي صالح المكي: دخل طاوس عليَّ يعودُني فقلت له. ادْعُ لي، فقال: ادْعُ لنفسك، فإنه يجيب المضطّر إذا دعاه (٧).

стр. 4894

[وروى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل عن أبيه عن سفيان قال:] قال طاوس: إن الموتى يُفتنون في قبورهم سبعًا، فكانوا يستحبُّون أن يُطْعَم عنهم في تلك الأيام (١). [وروى عبد الله أيضًا عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: قلت لعبد الله بن أبي يزيد: مع من كنتَ تدخلُ على ابن عباس؟ قال: مع عطاء والعامَّة، وكان طاوس يدخل مع الخاصَّة] (٢). ذكر وفاته: مات بمكة قبل يوم التروية بيوم، وكان هشام قد حجَّ في تلك السنة وهو خليفة سنة ستٍّ ومئة، فصلَّى عليه، وكان له يوم مات بضع وتسعون سنة (٣). أسند [طاوس] عن خلق من الصحابة، وأكثرُ رواياته عن ابن عباس، وروى عنه أئمة التابعين؛ مجاهد، وعطاء، وعَمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، ووَهْب بن مُنَبِّه، والزُّهري، وأبو الزُّبير، وغيرهم. وقال طاوس: بينا أنا بمكة بعث إليَّ الحجاج [بن يوسف] فأتيتُه، فأجلسني إلى جنبه وأتكأني على وسادة إذ سمع ملبِّيًا يلبِّي حول البيت رافعًا صوته بالتلبية، فقال: عليَّ بالرجل. فأُتيَ له، فقال: ممَّن الرجل؟ قال: من المسلمين. قال: ليس عن هذا سألتُك، إنما سألتُك عن البلد. قال: من اليمن. قال: كيف تركتَ محمد بن يوسف (٤)؟ قال: تركتُه جسيمًا لبَّاسًا رَكَّابًا، خَرَّاجًا ولَّاجًا. قال: ليس عن هذا سألتُك، إنما سألتُك عن سيرته. قال: تركتُه ظلومًا غَشمومًا مطيعًا للمخلوق عاصيًا للخالق. فقال له الحجَّاج: ما حملَك على أن تتكلَّم هذا الكلام وقد علمتَ مكانه مني؟! فقال الرجل: أتراه بمكانه [منك] أعزَّ مني [بمكاني] من الله تعالى وأنا وافدُ بيتِه ومصدّق نبيّه ﷺ ؟! فسكت الحجاج ولم يُحِرْ جوابًا، وقامَ الرجل من غير إذن فانصرف.

стр. 4895

قال طاوس: فقلت في نفسي: الرجل حكيم، فقمتُ خلفه، فجاء إلى البيت، فتعلَّق بأستار الكعبة، ثم دعا بدَعَوات فقال: اللهمَّ بك أعوذُ وبك ألُوذُ، اللهمَّ اجعلْ لي في اللَّهَف إلى جُودك والرضى بضمانك (١) مندوحة عن بخل الباخلين، وغنىَ عمَّا في أيدي المستأثرين، اللهمَّ فرجَك القريب ومعروفَك القديم. ثم ذهب، فرأيتُه عشيَّة عرفةَ وهو واقفٌ يقول: اللهم إن كنتَ لم تقبل حجِّي وتعبي ونَصَبي، فلا تحرمني الأجر على مصيبتي. ثم جعل يقول: واسوأتاه منك وإن عفوتَ. ثم غاب عني فلم أره بعد ذلك، فوقع لي أنَّه من الأبدال (٢). [قال الواقدي:] وكان لطاوس ابنٌ يقال له: عبد الله، من العلماء الزُّهَّاد، وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من التابعين من أهل اليمن. [قال:] وكنيته أبو محمد [مات في خلافة أبي العبَّاس السفَّاح، وكذا قال ابن سعد. ورُوي عنه أنَّه عاش إلى أيام المنصور] (٣). قال مالك بن أنس: لمَّا وَليَ أبو جعفر المنصور الخلافة بعث إليَّ وإلى ابنِ طاوس، فدخلنا عليه وبين يديه أنطاعٌ قد فُرشت، وجَلَاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فجلسنا وهو مطرقٌ، فرفع رأسه وقال: يا ابنَ طاوس، حدَّثني. فقال: حدَّثني أبي عن جدِّك ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "أشدُّ الناس عذابًا يومَ القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل الجَوْرَ في عدله". قال مالك: فضممتُ ثيابي خوفًا أن ينتضح عليها من دمه. فأطرقَ أبو جعفر ورفع رأسه ثم قال: إيه يا ابن طاوس، عِظْني. فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ١٤] فقال له أبو جعفر: يا ابن طاوس، ناولني الدَّواة. فقال: لا والله. قال: ولم؟! قال: خوفًا أن تكتب بها مظلمة أو إراقة دم مسلم،

стр. 4896

فأكونَ شريكَك فيه. فقال: فاخْرُجا عني. قال مالك: فقمنا فخرجنا، ووالله ما زلتُ أعرفُ الفضلَ لابن طاوس عليَّ (١). محمد بن شعيب بن شابور (٢) القرشي مولاهم، جدُّه [شابور] مولى الوليد بن عبد الملك، ومحمد من الطبقة الخامسة من أهل الشام، وقيل: من السادسة، كان يسكن بيروت وبها مات، وقيل: تأخر موتُه عن هذه السنة، كان أحد الأئمة الثقات، وغمزه يحيى بنُ معين بالإرجاء، ويقال: إنه مات في سنة مئتين، والله أعلم. السنة السابعة بعد المئة فيها وقع في الشام طاعون شديد، فأفنى الناس. وغزا ميمون بن مِهْران البحر في جيش، وكان فيهم معاوية بنُ هشام بن عبد الملك، وأقام بقُبرس أيامًا، وعادوا ومعهم نصفُ الجيش الَّذي ضربه هشام على أهل المدينة (٣)، وبقي نصفه على وجه البَدَل (٤). وفيها دخل جماعة من دعاة بني العباس إلى خُراسان، منهم أبو محمد الصادق، ومحمد بن خُنيس، وعمار العبادي (٥)، بعث بهم بُكير بن ماهان، وكان أسد بن عبد الله القسري على خُراسان، فوشَى بهم رجلٌ من كِنْدة وقال: ها هنا قومٌ يُفسدون الدولة ويدعون إلى الرِّضا من آل محمد، وكان قد بلغ أسدَ حديثُهم، فأوقع عليهم العيون، وكانوا جماعة، فأخذهم، فقتلهم شرَّ قِتْلة، وقطَّع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف، وصلبهم، ونجا عمَّار العبادي وعاد إلى بُكير بن ماهان (٦).

стр. 4897

وقال المصنف ﵀: وهذا بُكير بن ماهان كنيتُه أبو هاشم إلحارثي، أحدُ دعاة بني العباس، قدم على محمد بن عليِّ بن عبد الله بن عباس إلى البَلقاء، وأقام عنده مدَّة، وأخذ عنه، وبعثَه إلى خُراسان داعيًا، وقدم على إبراهيم بن محمد الإمام (١) بعد ذلك، فبعث به إلى خُراسان. وروى عنه أبو القاسم الحافظ الدمشقيّ أنَّه قال: يلي من ولد العبَّاس أكثرُ من ثلاثين رجلًا، منهم ستة يُسَمَّوْن باسم واحد، وثلاثة باسم واحد، ويفتح أحد الثلاثة القسطنطينية. وكان يكثر (٢) .... الدعاة بخراسان، فبعث عَمَّارَ بنَ يزيد إلى خُراسان في سنة ثمان عشرة ومئة، فغيَّر اسمه بخِداش، ثم دعا بهم أوَّلًا إلى بني العبَّاس، فأجابوه، ثم تغيَّر وأظهر دين الخُرْميَّة (٣)، وأباح المحرَّمات، وأخبرهم [أنَّه] إنما فعل ذلك بأمر الإمام محمد بن علي. وبلغَ أسدَ بن عبد الله، فوضع عليه العيون، فأُخذ وجيء به إلى أسد، فسأله فأغلظ خِداش [له القول] فأمر أسد بقطع يديه ورجليه وسمل عينيه وسلّ لسانه (٤)، وقال أسد: الحمد لله الَّذي انتقم لأبي بكر وعمر منك. ثم صلبه، وذلك بآمل، وكان أسد بها (٥). وقال المصنف ﵀: وقوله: يلي من بني العباس أكثرُ من ثلاثين رجلًا، منهم ستَّةٌ يُسَمَّوْن باسم واحد، وثلاثة باسم واحد، يفتحُ أحدُهم القسطنطينية؛ فإنه قد وَليَ منهم عن سنة اثنتين وثلاثين ومئة إلى سنة اثنتين وخمسين وستِّ مئة ستةٌ وثلاثون خليفة، أوَّلُهم السفَّاح، وآخِرُهم المستعصم. فمنهم سبعة اسم كل واحد عبد الله، وهم: السفَّاح، والمنصور، والمأمون، والمستكفي، والقائم، والمقتدي، والمستعصم.

стр. 4898

ومنهم ثمانية اسم كل واحد منهم محمد، وهم: المهدي، والمعتصم، والأمين (١)، والمعتز، والمهتدي، والقاهر، والراضي، والظاهر (٢). ومنهم ستة اسم كل واحد منهم أحمد، وهم: المستعين، والمعتمد، والمعتضد، والقادر، والمستظهر، والناصر. ومنهم اثنان اسم كل واحد منهم الفضل، وهما: المطيع، والمسترشد. واثنان اسمهما منصور، وهما: الراشد، والمستنصر. واثنان اسم كل واحد منهما جعفر، وهما: المتوكِّل، والمقتدر. وواحد اسمه علي، وهو المكتفي. وواحد اسمه موسى، وهو الهادي. وواحد اسمه إبراهيم، وهو المتَّقي. واثنان اسم كل واحد منهما هارون، وهما: الرشيد والواثق. وواحد اسمه عبد الكريم، وهو الطائع. وواحد اسمه الحسن، وهو المستضيء. وواحد اسمه يوسف، وهو المستنجد. فهؤلاء ستة وثلاثون (٣) قد اتفقت منهم ستة أسامي كما ذكر بُكير، ولم يتفق منهم ثلاثة أسامي، ونرجو أن يتفق ذلك ويكون فتح القسطنطينية على يد الثالث، فإنَّ الخلافة باقية في بني العباس إلى يوم القيامة بالحديث الثابت (٤).

стр. 4899

وفيها غزا أسد بن عبد الله جبال الطالقان والغَوْر، وكان أهلُها قد هربوا بأهاليهم وأموالهم إلى كهف عظيم في جبل شامخ ليس فيه طريق مسلوك، فعهد (١) أسد توابيت وربطَها بالسلاسل، ودلَّاها عليهم، فظفر بهم، وعاد سالمًا غانمًا، فنزل بَلْخ، وبنى مدينتَها، وولَّاها بَرْمَك أبا خالد البَرْمَكيّ، ونقل إليها من الجند والأمراء من كان ينزل بالبَرُوقان. والبَرُوقان عن بَلْخ مقدار فرسخين، وبين النُّوبَهار وبَلْخ مقدار غَلْوتَينْ (٢). فقال أبو البريد يمدح أسدًا: إنَّ المباركةَ التي حصَّنْتَها … أَمِنَ الزمانَ بها الذليلُ الخائفُ ومضى لك الذِّكْرُ الَّذي يَرْضَى بهِ … عنك الإلهُ بما نَوَيتَ فلاطف يا خيرَ مَلْكٍ ساسَ خيرَ رعيَّةٍ … إني على صِدْقِ اليمينِ لحَالفُ اللهُ أمَّنَها بعزمك بعدما … كانت قلوبٌ خائفاتُ رواجفُ (٣) وحجَّ بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي بالاتفاق (٤) وهو على مكة والمدينة والطائف، وخالد القَسْريّ على العراق (٥). ومات في هذه السنة. عطاء بن يزيد الليثي شيخ الزُّهري. وكنيتُه أبو محمد الكِناني، وكان فاضلًا، توفي وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (٦). السنة الثامنة بعد المئة فيها غزا مسلمةُ بنُ عبد الملك بلادَ الروم، ففتح قيساريَّة الروم.

стр. 4900

وفيها وقع حريق بدابق. [قال الواقدي:] احترقت المراعي والدوابّ والرِّجال. وفيها غزا أسدُ بنُ عبد الله الخُتَّل. جاء خاقان لقتال أسد (١)، فوجده قد رجع وقطع النهر. وقيل: إن خاقان هزم أسدًا [ذكره أبو عبيدة]. ورجع أسد مفلُولًا إلى مَرْو، وأقبل خاقان إلى بَلْخ. ووقع عندهم الغلاء في رجوعهم، فبيعت شاة بخمس مئة درهم، اشتراها عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير، وكان في ذلك الجيش. وحجَّ بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي وهو على ولايته (٢)، والعمال الذين كانوا في السنة الماضية على حالهم. وفيها توفي بَكْر بن عبد الله المُزَني البصري، من الطبقة (٣) الثانية من التابعين من أهل البصرة [وليس هو بأخي علقمة] (٤). وكان ثقة مأمونًا ثبتًا كثير الحديث، حُجَّةً فقيهًا. وكان يقول: عزمت على نفسي أن لا أسمع قومًا يذكرون القدر إلا قمتُ وصلَّيتُ ركعتين. ووقف على عرفة فرقَّ وقال: لولا أني واقف فيهم لقلت: قد غُفر لهم (٥)

стр. 4901

وقال صالح المُرِّي: وقف مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير وبكر بن عبد الله المُزَني بعرفة، فقال مطرِّف: اللهم لا تردَّهم اليوم من أجلي، وقال بكر: ما أشرفَه من مقام وأرجاه لأهله لولا أني فيهم (١). وكانت قيمة كسوة بكر أربعة آلاف، وكانت أمُّه مُوسرةً، وكان زوجها كثير المال، وكان يكره أن يردُّ عليهما (٢) شيئًا. واشترى طيلسانًا بأربع مئة درهم (٣). ومرض فدخل الناس عليه يعودونه، فجلسوا، فقال بكر: المريض يُعاد، والصحيح يُزار (٤). [وكان يخضب بالسواد]. وقال: إذا رأيتَ من هو أكبرُ منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيتَ من هو أصغر منك فقل: سبقتُه إلى المعاصي، فهو خيرٌ مني، وإذا رأيتَ إخوانك يعظّمونك ويكرمونك فقل: هذا فضل منهم عليّ، وإذا رأيتَ منهم تقصيرًا فقل: هذا بذنب أحدثتُه (٥). [وفي غير رواية ابن أبي الدنيا: إذا رأيتَ من هو أكبر منك، فقل: عَرَفَ اللهَ قبلي، وإذا رأيتَ من هو أصغر منك، فقل: عصيتُ اللهَ قبله، وإذا رأيتَ من هو مثلك، فقل: أنا من ذنوبي على يقين، ومن ذنوب هذا على شكٍّ] (٦). وقال حُميد: كان بكر مجابَ الدعوة (٧).

стр. 4902

وقال عبد الله بن أحمد: كان بكر يقول: من مثلُك يا ابن آدم وقد خُلِّيَ بينك وبين الماء (١) والمحراب كلما شئتَ دخلتَ على الله ليس يبنك وبينه ترجمان (٢). [ذكر وفاته: قال ابن سعد: حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل قال: مات بكر سنة ستّ ومئة، وهو أثبت عندنا، وقيل: سنة ثمان ومئة] (٣). أسند بكر عن ابن عُمر، وجابر، وأنس، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن معاقل، وغيرهم. عثمان بن حَيَّان ابن مَعْبَد أبو المَغْرَاء، مولى أم الدَّرداء. كان جبَّارًا غَشومًا، ولَّاه الوليد المدينة سنة أربع وتسعين [وعَزَلَ عنها عمر بن عبد العزيز]. [وقال مالك بن أنس:] وكان يُنشد الأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، ويأكلُ التمر، ويرمي أهل المسجد بالنَّوَى، ويستخفَّ بأهل المدينة، ويسبُّ عليًّا ﵇، وحلق رؤوس جماعة ولحاهم، وكان يؤذي الفقهاء، فلقَّبوه الخبيث. [وما ولّاه الوليد المدينة إلا ليكون عونًا للحجَّاج على سفك الدماء والظلم]. وكان قد التجأ إلى المدينة جماعة من أهل العراق، فبعث بهم إلى الحجَّاج، فضرب رقابَهم، وأقام واليًا على المدينة ثلاث سنين، فما أبقى قبيحًا إلا ارتكبه. فلما مات الحجَّاج والوليد وكان أهل المدينة يقولون في الأزقَّة: يا مهلك مَن مضى، أهْلِك من بقي. فيقول عثمان: أنا الباقي. ولما عُزل لعنوه في وجهه وسبُّوه.

стр. 4903

[وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل في غيرها] (١). مُوَرِّق بن المُشَمْرج [أبو المعتمر] العجلي البصري، من الطبقة الثانية (٢) من التابعين [من أهل البصرة]. كان ثقةً عابدًا، وكان يقول: أطلب (٣) أمرًا منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، فقيل له: وما هو؟ قال: الصمت عمَّا لا يعنيني. [وقال: تعلَّمتُ الصمت عشرين سنة. أو عشر سنين] (٤). وقال: ما قلتُ شيئًا في حال الغضب فندمتُ عليه في حالة الرِّضى، وربما أتَتْ عليَّ السنة لا أغضبُ فيها. [وقال مورِّق: ما وجدتُ للمؤمن مثلًا في الدُّنيا إلا كمثل رجل على خشبة في البحر وهو يقول: لعل الله ينجيني] (٥). [قال (٦): وكان يُفلِّي رأس أمه]. وكان يدخلُ على إخوانه فيضع عندهم الدراهم ويقول: أمسكوها حتَّى أعودَ إليكم. ثم يبعث إليهم: أنفقوها، فأنتم [منها] في حِلّ (٧). وطبخ له غلام بيضًا في قِدْر، فقال: في أيِّ شيء طبختَه؟ قال: في قِدْرٍ رُهِنَ عندي. فلم يأكله، وكره استعمال الرَّهن. وقال غيلان بن جرير (٨): حبس الحجَاج مورِّقًا في السجن فلقيَني مُطَرِّف فقال: ما صنعتُم في صاحبكم؟ [قال:] قلت: محبوس. قال: تعال حتَّى ندعو [قال:] فدعا

стр. 4904

مطرِّف، وأمَّنَّا على دعائه. فلما كان العِشاء، خرج [الحجاج] فجلس وأذِنَ للناس، فدخلوا عليه، وفيهم أبو مورِّق، فدعا الحجَّاجُ حَرَسيًّا وقال: اذْهَبْ بذاك الشيخ إلى السجن، فادفع إليه ابنه. [وكانت وفاتُه في هذه السنة. وقال ابن سعد: توفي مورِّق في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق] (١). موسى بن محمد [بن علي] بن عبد الله بن عبَّاس، أبو عيسى الهاشمي، وهو أخو السَّفَّاح والمنصور لأبيهما، وأخو إبراهيم الإمام لأبيه وأمِّه. وُلد بالشَّراة من أعمال البلقاء، ومات في حياة أبيه محمد غازيًا في بلاد الروم وله ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع وعشرون سنة، وروى عن أبيه محمد (٢). نُصَيْب بن رباح أبو مِحْجَن الشاعر مولى عبد العزيز بن مروان، وأمُّه نُوبيَّة، فجاء أسودَ، فباعه عمُّه (٣). و [قال ابن الكلبي:] كان من العرب من بني الحاف بن قُضاعة [وكانت أمُّه سوداء، فوثب عليها سيِّدها، فجاءت به، فباعه عمُّه من رجل، فاشتراه عبد العزيز بن مروان]. وقيل: إنه هرب، فدخل على عبد العزيز [بن مروان] فمدحه، فقال: ما حاجتُك؟ فقال: أنا عبدٌ. فقال عبد العزيز للمقوِّمين: قَوِّموه. فقالوا: عبدٌ أسودُ ليس به عيب بمئة (٤) دينار. قال: إنه راعي إبل يُحسنُ القيام عليها. قالوا: مئتا دينار. قال: إنه يَبْرِي

стр. 4905

النَّبْلَ وَيرِيشُها. قالوا: ثلاث مئة دينار. قال: إنه يرمي فيُصيب. قالوا: أربع مئة دينار. قال: إنه راوية للأشعار. قالوا: ستّ مئة دينار. قال: فإنه شاعر. قالوا: ألف دينار. فاشتراه بألف دينار. فقال: أصلح الله الأمير، فأين جائزتي؟ فأعطاه ألف دينار، فاشترى أمَّه وأهلَه وأعتقَهم (١). وذكره محمد بن سلّام في الطبقة السادسة من شعراء الإسلام (٢). قال (٣): وكان حسن الشِّعر، عفيف الفرج، سخيًّا، يفضُل على الناس بماله وطعامه [وكان أهل البادية يسمُّونه (النُّصيب) بالألف واللام لما يرون من جُوده وسخائه] (٤) ولم يَهْجُ أحدًا تديّنًا. [وقال: وكان عبدًا لبني كعب راعيًا لهم، فباعوه من قلاص بن محرز الكناني، فكان يرعى إبلَه] (٥). ومدح عبد العزيز بن مروان وعبد الملك وأولادهما، وحصلَ له منهم الأموال [الكثيرة]. ومدح يومًا هشام بن عبد الملك، فقال له: سلني. فقال: يدُك بالعطيَّة أبسطُ من لساني بالمدح. فقال: هذا واللهِ أحسنُ من مدحك بالشعر. وأجزلَ جائزته (٦). [وكان يخلو بهشام، فينشده مراثي بني أمية (٧)، فيبكي هشام ويبكي معه نُصيب، ونُصيب هو الَّذي ذكرناه في ذكر ترجمة عمر بن عبد العزيز].
следующие страницы →