← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وقال صالح المُرِّي: وقف مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير وبكر بن عبد الله المُزَني بعرفة، فقال مطرِّف: اللهم لا تردَّهم اليوم من أجلي، وقال بكر: ما أشرفَه من مقام وأرجاه لأهله لولا أني فيهم (١). وكانت قيمة كسوة بكر أربعة آلاف، وكانت أمُّه مُوسرةً، وكان زوجها كثير المال، وكان يكره أن يردُّ عليهما (٢) شيئًا. واشترى طيلسانًا بأربع مئة درهم (٣). ومرض فدخل الناس عليه يعودونه، فجلسوا، فقال بكر: المريض يُعاد، والصحيح يُزار (٤). [وكان يخضب بالسواد]. وقال: إذا رأيتَ من هو أكبرُ منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيتَ من هو أصغر منك فقل: سبقتُه إلى المعاصي، فهو خيرٌ مني، وإذا رأيتَ إخوانك يعظّمونك ويكرمونك فقل: هذا فضل منهم عليّ، وإذا رأيتَ منهم تقصيرًا فقل: هذا بذنب أحدثتُه (٥). [وفي غير رواية ابن أبي الدنيا: إذا رأيتَ من هو أكبر منك، فقل: عَرَفَ اللهَ قبلي، وإذا رأيتَ من هو أصغر منك، فقل: عصيتُ اللهَ قبله، وإذا رأيتَ من هو مثلك، فقل: أنا من ذنوبي على يقين، ومن ذنوب هذا على شكٍّ] (٦). وقال حُميد: كان بكر مجابَ الدعوة (٧).

стр. 4902

وقال عبد الله بن أحمد: كان بكر يقول: من مثلُك يا ابن آدم وقد خُلِّيَ بينك وبين الماء (١) والمحراب كلما شئتَ دخلتَ على الله ليس يبنك وبينه ترجمان (٢). [ذكر وفاته: قال ابن سعد: حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل قال: مات بكر سنة ستّ ومئة، وهو أثبت عندنا، وقيل: سنة ثمان ومئة] (٣). أسند بكر عن ابن عُمر، وجابر، وأنس، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن معاقل، وغيرهم. عثمان بن حَيَّان ابن مَعْبَد أبو المَغْرَاء، مولى أم الدَّرداء. كان جبَّارًا غَشومًا، ولَّاه الوليد المدينة سنة أربع وتسعين [وعَزَلَ عنها عمر بن عبد العزيز]. [وقال مالك بن أنس:] وكان يُنشد الأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، ويأكلُ التمر، ويرمي أهل المسجد بالنَّوَى، ويستخفَّ بأهل المدينة، ويسبُّ عليًّا ﵇، وحلق رؤوس جماعة ولحاهم، وكان يؤذي الفقهاء، فلقَّبوه الخبيث. [وما ولّاه الوليد المدينة إلا ليكون عونًا للحجَّاج على سفك الدماء والظلم]. وكان قد التجأ إلى المدينة جماعة من أهل العراق، فبعث بهم إلى الحجَّاج، فضرب رقابَهم، وأقام واليًا على المدينة ثلاث سنين، فما أبقى قبيحًا إلا ارتكبه. فلما مات الحجَّاج والوليد وكان أهل المدينة يقولون في الأزقَّة: يا مهلك مَن مضى، أهْلِك من بقي. فيقول عثمان: أنا الباقي. ولما عُزل لعنوه في وجهه وسبُّوه.

стр. 4903

[وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل في غيرها] (١). مُوَرِّق بن المُشَمْرج [أبو المعتمر] العجلي البصري، من الطبقة الثانية (٢) من التابعين [من أهل البصرة]. كان ثقةً عابدًا، وكان يقول: أطلب (٣) أمرًا منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، فقيل له: وما هو؟ قال: الصمت عمَّا لا يعنيني. [وقال: تعلَّمتُ الصمت عشرين سنة. أو عشر سنين] (٤). وقال: ما قلتُ شيئًا في حال الغضب فندمتُ عليه في حالة الرِّضى، وربما أتَتْ عليَّ السنة لا أغضبُ فيها. [وقال مورِّق: ما وجدتُ للمؤمن مثلًا في الدُّنيا إلا كمثل رجل على خشبة في البحر وهو يقول: لعل الله ينجيني] (٥). [قال (٦): وكان يُفلِّي رأس أمه]. وكان يدخلُ على إخوانه فيضع عندهم الدراهم ويقول: أمسكوها حتَّى أعودَ إليكم. ثم يبعث إليهم: أنفقوها، فأنتم [منها] في حِلّ (٧). وطبخ له غلام بيضًا في قِدْر، فقال: في أيِّ شيء طبختَه؟ قال: في قِدْرٍ رُهِنَ عندي. فلم يأكله، وكره استعمال الرَّهن. وقال غيلان بن جرير (٨): حبس الحجَاج مورِّقًا في السجن فلقيَني مُطَرِّف فقال: ما صنعتُم في صاحبكم؟ [قال:] قلت: محبوس. قال: تعال حتَّى ندعو [قال:] فدعا

стр. 4904

مطرِّف، وأمَّنَّا على دعائه. فلما كان العِشاء، خرج [الحجاج] فجلس وأذِنَ للناس، فدخلوا عليه، وفيهم أبو مورِّق، فدعا الحجَّاجُ حَرَسيًّا وقال: اذْهَبْ بذاك الشيخ إلى السجن، فادفع إليه ابنه. [وكانت وفاتُه في هذه السنة. وقال ابن سعد: توفي مورِّق في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق] (١). موسى بن محمد [بن علي] بن عبد الله بن عبَّاس، أبو عيسى الهاشمي، وهو أخو السَّفَّاح والمنصور لأبيهما، وأخو إبراهيم الإمام لأبيه وأمِّه. وُلد بالشَّراة من أعمال البلقاء، ومات في حياة أبيه محمد غازيًا في بلاد الروم وله ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع وعشرون سنة، وروى عن أبيه محمد (٢). نُصَيْب بن رباح أبو مِحْجَن الشاعر مولى عبد العزيز بن مروان، وأمُّه نُوبيَّة، فجاء أسودَ، فباعه عمُّه (٣). و [قال ابن الكلبي:] كان من العرب من بني الحاف بن قُضاعة [وكانت أمُّه سوداء، فوثب عليها سيِّدها، فجاءت به، فباعه عمُّه من رجل، فاشتراه عبد العزيز بن مروان]. وقيل: إنه هرب، فدخل على عبد العزيز [بن مروان] فمدحه، فقال: ما حاجتُك؟ فقال: أنا عبدٌ. فقال عبد العزيز للمقوِّمين: قَوِّموه. فقالوا: عبدٌ أسودُ ليس به عيب بمئة (٤) دينار. قال: إنه راعي إبل يُحسنُ القيام عليها. قالوا: مئتا دينار. قال: إنه يَبْرِي

стр. 4905

النَّبْلَ وَيرِيشُها. قالوا: ثلاث مئة دينار. قال: إنه يرمي فيُصيب. قالوا: أربع مئة دينار. قال: إنه راوية للأشعار. قالوا: ستّ مئة دينار. قال: فإنه شاعر. قالوا: ألف دينار. فاشتراه بألف دينار. فقال: أصلح الله الأمير، فأين جائزتي؟ فأعطاه ألف دينار، فاشترى أمَّه وأهلَه وأعتقَهم (١). وذكره محمد بن سلّام في الطبقة السادسة من شعراء الإسلام (٢). قال (٣): وكان حسن الشِّعر، عفيف الفرج، سخيًّا، يفضُل على الناس بماله وطعامه [وكان أهل البادية يسمُّونه (النُّصيب) بالألف واللام لما يرون من جُوده وسخائه] (٤) ولم يَهْجُ أحدًا تديّنًا. [وقال: وكان عبدًا لبني كعب راعيًا لهم، فباعوه من قلاص بن محرز الكناني، فكان يرعى إبلَه] (٥). ومدح عبد العزيز بن مروان وعبد الملك وأولادهما، وحصلَ له منهم الأموال [الكثيرة]. ومدح يومًا هشام بن عبد الملك، فقال له: سلني. فقال: يدُك بالعطيَّة أبسطُ من لساني بالمدح. فقال: هذا واللهِ أحسنُ من مدحك بالشعر. وأجزلَ جائزته (٦). [وكان يخلو بهشام، فينشده مراثي بني أمية (٧)، فيبكي هشام ويبكي معه نُصيب، ونُصيب هو الَّذي ذكرناه في ذكر ترجمة عمر بن عبد العزيز].

стр. 4906

[قال ابن الكلبي:] وكان نُصيب يُشبِّبُ بأمِّ مسكين، واسمها زينب [وكانت بيضاء مستحسنة، وقيل: كانت سوداء]. قال الضحَّاك بن عثمان الحزامي: خرجت أُريد الحج، فنزلنا الأبواء، فإذا بامرأة حسناء، فأعجبتني، فأنشدتُ: بزينبَ ألْمِمْ قبلَ أن يرحلَ الرَّكْبُ … وقُلْ إنْ تَمَلِّينا فما مَلَّكِ القَلْبُ وقولا لها ما في البِعاد لذي الهوى … مريح (١) وما فيه لصدع النَّوى شعبُ فقالت: يا فتى العرب، أتعرفُ لمن هذا الشعر؟ قلتُ: نعم، لنُصَيب. قالت: أفتعرف زينب؟ قلتُ: لا. قالت: فأنا زينب [والميعاد لزيارته اليوم، ولعلك لا تبرح حتَّى تراه. قال: فبينما هي تحدّثثي وإذا براكب قد أقبل، فأناخ راحلته وأتى الخيمة، وإذا به نُصَيب، فسلَّم وجلس ناحية، وأخذَ يُنشدها ما أحدث من شعره، فقلت في نفسي: عاشقان أطالا النَّأيَ مدَّة، ولا بدَّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة، فقمتُ لأشدَّ راحلتي، فقام معي، فركبنا ووَدَّعَها، وتسايَرْنا، فقال لي: خطر ببالك كذا وكذا؟ قلتُ: نعم. قال: وربِّ الكعبة ما جلستُ منها مجلسًا أقربَ من هذا، ولا كان بيني وبينها مكروهٌ قطّ] (٢). وقال معاذ (٣): دخلتُ مسجد الكوفة، فرأيتُ رجلًا لم أرَ أَشدَّ سوادًا منه، ولا ثوبًا أنقى من ثوبه. [قال:] فقلت: من أنت؟ فقال: نُصَيب. قلت: أخبرني عنك وعن أصحابك. فقال: جميلٌ إمامُنا، وعُمر أوْصَفُنا لِرَبَّات الحِجال، وكُثَيِّر أبكانا على الأطلال والدِّمَن، وأمَّا أنا فقد قلتُ ما قد سمعتَ. قلتُ: فإنَّ الناس يزعُمون أنك لا تُحسن الهَجْو. قال: فأقَرُّوا أنَّني أُحْسِنُ أن أمدح؟ قلتُ: نعم. قال: أفَتَراني لا أُحسنُ أن أقول مكان: عافاك الله: أخزاك (٤) الله؟! قلت: بلى. قال: ولكنّي رأيتُ الناسَ بين

стр. 4907

رجلين؛ رجلٍ لم أسأله، فإنْ هجوتُه ظلمتُه، ورجلٍ سألتُه فمنعني، فكانت نفسي أحقَّ بالهجو منه حيث سوَّلت لي بذل ماء وجهي إليه. وقيل لنُصيب: هَرِمَ شِعْرُك. فقال: بل هَرِمَ عطاؤُكم (١). وقال عبد العزيز يومًا لنُصَيب: هل لك فيما يثمر (٢) المنادمة؟ [فقال: أصلح الله الأمير، اللون مُرَمَّد، والشَّعْرُ مُفَلْفَل، ولم أقعد إليك بكريم عنصر، ولا بِحُسْنِ] مَنْظَر، وإنما أُجالسُك بعقلي ولساني، فإنْ رأيتَ أن لا تَحُولَ بينهما فافْعَلْ، فإنَّ الكأس تُغيِّر الخِلْقَة، فيعظُم أنفُ الرجل ويحمرُّ ويندَمِل. أي: يصير مثل الدُّمَّل. فأعاد عليه القول، فقال: كيف أشربُ ما يشربُ عقلي (٣)؟! قوله: مرمَّل مثل الرُّمال وهي خيوط الحصير (٤). و [قال العتبي:] قال له عبدُ العزيز بنُ مروان: هل عشقتَ؟ قال: نعم جارية لبني مُدلج، وكنتُ لا أقدرُ عليها من الواشين، وكنتُ أجلس على الطريق لعلي أراها، وفيها أقول: جلستُ لها كيما تَمُرَّ لعلَّني … أُخالِسُها التسليمَ إنْ لم تُسلِّمِ فلمَّا رأَتْني والوُشاةَ تَحدَّرَتْ … مَدَامعُها خوفًا ولم تَتَكَلَّمِ مساكينُ أهلِ العِشْقِ ما كُنْتُ أشتري … حياةَ جميعِ العاشقين بدرهمِ (٥) [وهو القائلُ في عمر بن عبد العزيز: أميرَ المؤمنين فَدَتْك نفسي … ومَنْ فوقَ الترابِ لك الفداءُ من أبيات (٦)]

стр. 4908

وقال الزُّبير بن بكَّار: كانت أمُّ مِحْجَن عند نُصَيب، وكانت سوداء، فلما أثْرَى تزوَّجَ بيضاءَ، فغارَتْ أمُّ محجن، فقال لها: [يا أمَّ محجن] واللهِ ما مثلي مَنْ يُغار عليه، وما أحدٌ أكرمَ عليَّ منك. ثم قال لها بعد مدَّة: أريد أن أجمعَ بينكما لإصلاح ذات البين ولمِّ الشَّعَث. فقالت: افعل. فأعطاها دينارًا وقال لها: ازدادي لها به ضيافة لئلا ترى بكِ خَصَاصة، وأعطى الجديدة دينارًا وقال: أصلحي لها به ضيافة (١)، ولا تقولي إنه من عندي. ثم قال لصاحب له: إذا اجتمعنا فقل لي: أمْا أحبُّ إليك من زوجَتَيك؟ ثم اجتمعا، فسأله الرجل، فقال: صاحبةُ الدينار. وكانا خلف السّتر، فظنَّتْ كلُّ واحدة أنَّه عناها، فرضيتا (٢). ونُصيب من شعراء الحماسة، فمن شعره: كأنَّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغْدَى … بليلى العامريَّةِ أو يُراحُ قَطاةٌ عَزَّها شَرَك (٣) فباتَتْ … تُجاذبُه وقد عَلِقَ الجناحُ لها فرخانِ قد تُرِكا بوَكْرٍ … فعشُّهما تُصَفِّقُهُ الرِّياحُ إذا سمعا هبوب الرِّيح نَصَّا (٤) … وقد أَوْدَى به (٥) القَدَرُ المتاحُ فلا (٦) في الليل نالتْ ما تَمَنَّتْ … ولا في الصبح كان لها بَرَاحُ (٧) السنة التاسعة بعد المئة فيها غزا معاوية بن هشام الروم، ففتح حصنًا يقال له: الطينة (٨).

стр. 4909

و [فيها] غزا أسد بن عبد الله الترك، فهزم خاقان، وفتح بلدًا يقال له: غُورين، فقال ثابت قطنة: أرى أسدًا في الحرب إذْ نزلَتْ بِهِ … فقارعَ أهلَ الحربِ فازَ وأوجَبَا أتَتْك وفودُ التُّركِ ما بينَ كابُلٍ … وغُورين إذْ لم يهربوا منكَ مَهْرَبا حليمٌ وإنَّ الحلمَ فيه سَجِيَّةٌ … على القوم وَثَّابٌ على مَنْ تَوَثَّبا (١) ألم يكُ بالحِصْنِ المباركِ عِصْمةٌ … لجندك إذ هابَ الجبانُ وأرهبا بنى لك عبدُ اللهِ حصنًا وَرِثْتَهُ … قديمًا إذا عُدَّ القديمُ وأنجبا من أبيات. وفيها عَزل هشام بنُ عبد الملك خالدَ بنَ عبد الله القسري عن خُراسان، وصرف أخاه أسدًا عنها (٢). وسببُه أن أسدًا تعصَّب على بعض القبائل ونصرِ بنِ سيَّار، وضربهم بالسِّياط. وخطب يوم جمعة فقال: قبَّح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشِّقاق والنِّفاق، والشَّغَب والفشل، اللهمَّ فرِّقْ بيني وبينهم، وأخرِجْني إلى وطني ومهاجَري. وقال (٣): من يروم ما قِبَلي وأميرُ المؤمنين هشام خالي، وخالدٌ أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يمانٍ. ثم نزل ودعا بجماعة من أعيانهم، منهم نصر بن سيَّار، فضربهم، ويقال: إنه حلقَهم وقيَّدهم، وبعث بهم إلى أخيه خالد، فكتبَ إليه: ألا بعثتَ برؤوسهم؟ فقال عرفجة التميمي: فكيفَ وأنصارُ الخليفةِ كلُّهم … عُناةٌ (٤) وأعداءُ الخليفةِ تُطْلَقُ

стр. 4910

بكَيتُ ولم أملك دموعي وحُقَّ لي … ونصر وشهابُ الحرب في الغُل مُوثَقُ وفي ذكرهك قال نصر بن سيَّار: إنْ أكُن مُوثقًا أسيرًا ليهم … في همومٍ وكربةٍ وغُمومِ (١) رهْنَ قَسْرٍ (٢) فما وجدتُ بلاءً … كإسارِ الكريمِ عند اللئيمِ من أبيات. وقال الفرزدق: أخالدُ لولا اللهُ لم تُعْطَ طاعةً … وَلولا بنو مروانَ لم يُوثِقُوا نَصرا إذًا لَلَقِيتُم دون شَدِّ وَثاقِهِ … بني الحربِ لا كُشْفَ اللقاءِ ولا ضَجرا وكان أهل خُراسان قد لقَّبوا أسدًا الزَّاغ (٣)، فخطبَ على منبر بَلْخ وقال: لقَّبْتُموني الزَّاغ! واللهِ لأزِيغنَّ قلوبَكم. فلما تعصَّب لليمانيَّة على القبائل؛ فسدت الأمور، وبلغَ هشامًا، فكتب إلى خالد: اغزِلْ أخاك، فقد أفسد بالعصبيَّة البلاد. فكتب إلى هشام يستأذنُ لأسد في الحجّ، فأذِنَ له، فأرسل خالد إلى أخيه، فقدم عليه في دهاقين خُراسان في شهر رمضان، واستخلفَ على خُراسان الحكَمَ بن عَوانة الكلبيَّ (٤). وكان أسد قد أفنى دعاةَ بني العباس على ما ذُكر، فإنه أوَّلُ من قدم خُراسان في ولاية أسد أبو محمد زياد مولى همدَان؛ بعثَه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال له: انزل باليمن (٥)، والطف بالمُضَرِيَّة (٦). ونهاه عن رجل من أبْرَشَهْر (٧) يقال له:

стр. 4911

غالب، وكان مائلًا إلى آل أبي طالب، وكان محمد بنُ علي يخافُه أن يدعوَ إلى آل أبي طالب، فحذَّرَ زيادًا منه. فلما دخل زياد خُراسان دعا إلى بني العباس، وبسط يدَه في إطعام الطعام، ولسانَه في ذمّ بني أمية، وبلغَ غالبًا، فخرج من أَبْرشَهْر، فقدم مرو، واجتمع بزياد، ففاوضَه في جعل الأمر في آل أبي طالب، وتنازعا، ثم افترقا عن غير اتفاق على شيء، وخرجَ غالب إلى أبرشهر، وأقام زياد بمرو، واختلف إليه الشيعة، منهم يحيى بن عقيل الخُزاعي، وإبراهيم بن الخطَّاب العَدَويّ. وكان ينزل بَرْزَنَ (١) سويدٌ [الكاتب] وكان الحسن بن شيخ كاتب الخَراج على مرْو، ويسكنُ هناك، فبلغَه أمرُ زياد، فأخبر أسدًا به، وكان معه عشرة فيهم رجل يقال له: أبو موسى، فاستحضرهم أسد وقال: اخرجوا من خُراسان. فقالوا: نحن تجار، إذا استوفينا مالنا على الناس خرجنا. فتركهم، ثم دعاهم مرة ثانية وقال: اخرجوا. فقال له أبو موسى: فاقض ما أنت قاضٍ (٢). فقال أسد: جعلتَني مثلَ فرعون؟! ثم أمر بهم فعُذِّبُوا، وقُتلوا شرَّ قِتْلة (٣). وفيها ولَّى هشامٌ على خُراسان أشرسَ بنَ عبد الله السُّلَميّ، وأمرَه أن يُكاتب خالدَ بنَ عبد الله القسريَّ. وكان أشرس فاضلًا خيِّرًا يسمُّونه: الكامل، فقدم خُراسان، فسُرَّ الناسُ بقدومه، فاستقضى على مَرْو أبا المنازل (٤) الكندي، فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتلَ

стр. 4912

ابنَ حيَّان، فأشار عليه بمحمد بن زيد (١)، فاستقضاه، فلم يزل قاضيًا حتى عُزل أشرس. وباشر أشرس الأمور دقيقَها وجليلَها بنفسه، واتَّخَذَ الرابطة (٢)، وهو أوَّلُ من اتَّخَذها بخُراسان، ووَلَّى على الرابطة عبد الملك بن زياد الباهلي. ولما قدم أشرس كبَّر الناسُ فَرحًا به، فقال شاعر: لقد سمعَ الرحمنُ تكبيرَ أمَّةٍ … غداةَ أتاها من سليم إمامُها إمامُ هدًى قوَّى به اللهُ أمرَهُم … وكانت عِجافًا ما تصحُّ (٣) عظامُها ولما قدم (٤) أشرس خُراسان قدم على حمار، فقال له بعض النَّبَط: أيها الأمير، إن كنتَ تريدُ أن تكون والي خُراسان فاركَبْ فوسك، وشُدَّ حِزامَه بيدك، وارفع السَّوْط والسيف، واقتحم النار، وإلَّا فارجع. فقال: لا أقتحمُ النار، وأركبُ الحمار والخيل (٥). وحجَّ بالناس إبراهيم بن هشام [المخزومي] وهو على ولايته. و [قال الواقدي:] خطب بمنى يوم العيد بعد الظهر وقال: سلوني، فأنا ابنُ الوحيد، لا تسألونَ أحدًا أعلمَ منّي. فقام إليه رجلٌ فقال: الأُضحيةُ واجبة أم سُنَّة؟ فما دَرَى ما يقول، ونزل! وكان على العراق خالد القَسْري، وعلى قضاء البصرة ثُمامة بن عبد الله الأنصاري، وعلى شرطتها بلال بن أبي بُرْدَة (٦).

стр. 4913

وفيها توفى حبيب بن الشهيد أبو مرزوق التُّجيبي المصري مولاهم، فقيهُ طرابلس الغرب من التابعين. حدَّث عن عُمر بن عبد العزيز، وحَنَش الصَّنْعاني، وغيرهما (١). عبد الملك بن رِفاعة ابن خالد الفَهْميّ المصري، أميرُ مصر [من قِبَل الوليد بن عبد الملك] بعد قُرَّة بن شريك، وأقرَّه سليمان، وعزلَه عُمر بن عبد العزيز ﵁، فكانت إمرتُه على مصر ثلاث سنين. ثم وفد على هشام، فولاه على مصر في المحرَّم، فقَدِمَها وهو مريض، فمات في المحرَّم، فكانت ولايته شهرًا، وقيل: نصف شهر. وكان ثقةً أمينًا. روى عنه الليث بنُ سعد، وقال الليث: كان يقول: إذا دخلت الهديَّةُ من الباب؛ خرجت الأمانةُ من الطَّاق. يريد العمَّال. ولما مات استخلفَ على مصر أخاه الوليد بنَ رِفاعة، فأقام واليًا عليها بتقرير هشام، إلى سنة سبع عشرة ومئة، فتوفّي بها في جمادى الآخرة (٢). لاحق بن حُميد ابن شعبة (٣) السَّدُوسيّ البصري، أبو مِجْلَز، من الطبقة الثانية [من أهل البصرة] (٤)

стр. 4914

وكان بمرو لمَّا قُتل قُتيبة بنُ مسلم، فولَّاه أهلُ مرْو أمرهم حتى قدم وكيع بن أبي سود (١). واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فسأله عن أمر خُراسان. وكان أبو مجلز يركب مع قُتيبة بن مسلم في موكبه، فيسبِّحُ الله تعالى اثنتي عشرة ألفَ تسبيحة؛ يعدُّها بأصابعه ولا يعلم به أحد (٢). وكان زاهدًا عابدًا شريفًا. [وذكره خليفة فقال: مات سنة تسع ومئة (٣)، وقال البخاري: (مات) قبل الحسن البصري بقليل، والحسن مات في سنة عشر ومئة] (٤). أسند عن عُمر، وابن عباس، وأنس، وحفصة زوج النبي ﷺ وغيرهم. وروى عنه قتادة، وابن سِيرِين (٥)، وسليمان التَّيميّ، وغيرهم، وكان ثقةً. السنة العاشرة بعد المئة فيها دعا أشرسُ بنُ عبد الله السلَمي [والي خُراسان] أهلَ الذِّمَّة من السُّغْد وسَمَرْقَنْد إلى الإسلام على أن يضع عنهم الجزية، فأسلموا (٦). فلما أسلموا أخذَ منهم الجزية، فاستنصروا عليه بخاقان والملوك وحاربوه، وكان على سمرقند الحسن بن أبي عَمَرَّطة، فكتب إليه أشرس: إنَّ الخَراج قد انكسر، وفيه

стр. 4915

قوَّةٌ للمسلمين (١)، وقد بلغني أنَّ أهل السُّغْد وأشباههم لم يُسْلِمُوا رغبةً، وإنما دخلوا في الإسلام تعوُّذًا من الجزية، فانظر من اختتنَ وأقام الفرائض وقرأ سورًا من القرآن وحسُن إسلامُه؛ فارفع عنه خَراجَه. وعزلَ ابنَ أبي العَمَرَّطة، وولَّى هانئ بن هانئ (٢)، فكتب إلى أشرس: إن الناس قد أسلموا وبنَوا المساجد. وشكا إلى أشرس دهاقينُ بُخارى كَسْرَ الخَراج، فكتب إلى هانئ: خُذ الخَراج. فأعاد الجزية على من أسلم، فامتنعوا. وخرج من السُّغْد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ، فخرج إليهم هانئ في جيش وألحَّ عليهم في جباية الجزية، فكفر أهل السغْد وبُخارى ومن كان أسلم، واستجاشوا التُّرك (٣)، فأَقبل خاقان في جيوشه، وقطع أشرس النهر -وقيل لم يقطعه- ونزل آمُل، وجاء بعض عسكر خاقان فقطع النهر، ثم عادوا وقد أصابوا رجالًا من المسلمين. ومضى أشرس فنزل بِيكَنْد، وقطعَ التُّرك عنهم الماء وعطشوا، وزحف إليهم الترك، فقاتلوهم، فقتلوا من المسلمين جماعةً، وقاتلهم المسلمون، فمات بالعطش منهم سبعُ مئة، ثم انتحى المسلمون وحملوا، فأزالوا التُّرك عن الماء، واقتتلُوا إلى الليل، وعاد العدوّ طالبين بلادهم. وسار أشرس حتى نزل على بُخارى، فحصرها، وكان نصر بنُ سيَّار بسمَرْقَنْد. وجرت لأشرس مع التُّرك حروبٌ كثيرة ووقائع، تارةً له وتارةً عليه، وعاد إلى خُراسان وقد قُتل أعيان المسلمين وأشراف القبائل (٤). وحجَّ بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي، والعمال بحالهم.

стр. 4916

وفيها توفي [الحسن] بن أبي الحسن يسار البصري، أبو سعيد، من الطبقة الثانية من التابعين [من أهل البصرة] (١). ويقال: إنه (٢) من سبي مَيسان (٣)، ووقع إلى المدينة، فاشترَتْه الرُّبَيّع بنتُ النَّضْر عمَّةُ أنس بن مالك، وأعتَقَتْه. وذكر عن الحسن أنه قال: كان أبواي لرجل من بني النجار، فتزوَّج من بني سَلمة (٤)، فساقهما إليها من مهرها، فأعتَقَتْهُما. ويقال: بل كانت أمُّ الحسن، واسمُها خَيرة، كانت مولاة لأمِّ سلمة ﵄ زوجِ النبي ﷺ (٥). ووُلد الحسن بالمدينة لسنتين (٦) بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فيذكرون أنَّ أمَّه كانت ربَّما غابت، فيبكي الحسن، فتُعطيه أمُّ سلمة ثديَها تُعَلّلُهُ به إلى أن تجيء أمُّه (٧)، فيدرٌّ عليه فيشربُه، فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك (٨). وحنَّكه عمر رضوان الله عليه بيده (٩)، ونشأ بوادي القرى (١٠).

стр. 4917

وقال [ابن سعد عن] الحسن: رأيتُ عثمان رضوان الله عليه يخطب وأنا ابن خمس عشرة سنة قائمًا وقاعدًا (١). [وحكى ابنُ (سعد عن) أبي رجاء (٢) أنه قال: قلتُ للحسن: متى عهدُك بالمدينة يا أبا سعيد؟ فقال: ليالي صفّين. قال: فقلت: فمتى احتلمتَ؟ قال: بعد صفّين عامًا. ثم قال ابن سعد: وقال محمد بن عمر: والثبت عندنا أنه كان للحسن يوم قُتل عثمان أربع عشرة سنة، وقد رأى عثمان، وسمع منه] (٣). [قال ابن سعد]: وكان الحسن جامعًا عالمًا، عاليًا رفيعًا، فقيهًا ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم فصيحًا، جميلا وسيمًا (٤). [وقال هشام: كان من أحسن الناس وجهًا حتى سقط من دابة، فتغيَّر وجهُه]. وكان يصفِّر لحيته ويتختَّم بالفضة، ويتعمَّم بعمامة سوداء، ويلبس الطيلسان (٥). وقال [ابن سعد أيضًا بإسناده عن الحسن قال:، كنتُ أدخلُ بيوت أزواج رسول الله ﷺ في خلافة عثمان، فأتناولُ سقفَ البيت بيدي (٦). وكان قتادة يقول: عليكم بهذا الشيخ -يعني الحسن- فواللهِ ما رأيتُ رجلًا أشبه برأي عمر بن الخطاب منه (٧). وكان الحسن ينهى عن الفتن ولم يحضر شيئًا منها قظ، فلما كانت فتنةُ ابن الأشعث مع الحجَّاج انطلق عقبةُ بن عبد الغافر، وأبو الجوزاء، وعبدُ الله بن غالب في نفر من نظرائهم، فدخلوا على الحسن، فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذَ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ وذكروا

стр. 4918

من فِعال الحجَّاج. فقال: أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إنْ تكن عقوبةً من الله ، فما أنتم برادِّي عقوبتِه بأسيافكم، كان يكن بلاءً؛ فاصبروا حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين. فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العِلج! وهم قوم عرب، وخرجوا مع ابن الأشعث، فقُتلوا جميعًا (١). وقال رجل: يا أبا سعيد، ما تقول في الفتن مثل (٢) يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. فقال: ولا مع أمير المؤمنين؟ قال: لا (٣). وكان ينهى عن الخروج على الحجَّاج، ويأمرُ بالكفِّ عنه، ويقول: واللهِ ما سلَّطه اللهُ عليكم إلا عقوبةً، فلا تُعارضوا عقوبةَ الله بالسيف، ولكن عليكم بالسَّكِينة والتضرُّع (٤). وقال: لو أن الناس إذا ابتُلُوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يفرِّجَ اللهُ عنهم، ولكنهم (٥) يجزعون إلى السيف، فيوكلون عليه (٦). وقال القاسم بن الفضل: رأيتُ الحسن قاعدًا في أصل منبر ابن الأشعث (٧). وقال أيوب: قيل لابن الأشعث: إنْ سرَّك أن يُقتل الناسُ حولَك كما قُتلوا حول جمل عائشة؛ فأخْرِج الحسن. فأخرجه مكرهًا. فغفلوا عنه، فألْقَى نفسه في بعض تلك الأنهار، فنجا منهم، وكاد يهلك (٨).

стр. 4919

[قال هشام:] وكان يلبس مطارف الخَزّ ويتختَّمُ في يساره ويَخضِبُ بالحِنَّاء، ويركبُ الحمار، ويُبغض أصحابَ الأكسية ويقول: واللهِ لأحدُهم أشدُّ تعجُّبًا بكسائه من صاحب المِطْرف بمِطْرَفِه (١)، إنَّ أكثر أهل النار أصحابُ الأكسية (٢). [ذكر خوف الحسن وبكائه] وقال إبراهيم (٣) بن عيسى اليشكري: ما رأيتُ أطولَ حُزْنًا من الحسن، وما رأيتُه قطُّ إلا حسبتُه حديث عهدٍ بمصيبة. [وقال سليمان بن المغيرة:] وكان الحسن يقول: نضحكُ! ولعلَّ الله قد اطَّلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبلُ منكم شيئًا (٤). [وقال مسمع: لو رأيتَ الحسن لقلتَ: قد بُثَّ عليه حزنُ الخلائق؛ من طول تلك الدمعة، وكثرة ذلك النشيج (٥). وحكى ابنُ سعد عن يزيد بن حَوْشَب قال: ما رأيتُ أخوفَ من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنَّ النار لم تُخلق إلا لهما (٦). وقال حفص بن عمر:] وبكى الحسن، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني في النار غدًا ولا يبالي (٧). و [قال يوسف بن أسباط:] مكث ثلاثين سنة لم يضحك، وأقام أربعين سنة لم يمزح، وكان يقول: لقد أدركتُ أقوامًا ما أنا عندهم إلا لصّ (٨).

стр. 4920

و [روى أبو نُعيم عن حُميد قال:] بينما هو في المسجد تنفَّس (١) نَفَسًا شديدًا، ثم بكى حتى أُرعدت منكباه، ثم قال: لو أنَّ بالقلوب حياةً (٢) لبكيتُم (٣) من ليلة تتمخَّض عن يوم القيامة (٤) ما سمع الخلائق بيوم قطّ أكثر (٥) من سورة بادية، ولا عينٍ باكية من ذلك اليوم. وقال يونس [بن عبيد:] كان الحسن إذا أقبل كأنَّه أقبلَ من دفن حميم له، وإذا جلس كأنه أسير يُضرب عنقُه، وإذا ذُكرت النار كأنَّها لم تُخلق إلا له. و [قال أبو بكر بن عيَّاش:] كان الحسن إذا شيَّع جنازة لم يره أحد في ذلك اليوم، ينفردُ في بيت صغير مظلم، ويبكي ويقول: أنتَ غدًا من أهل القبور. [ذكر نبذة من كلامه ومواعظه] و [حدثنا جدّي ﵀ بإسناده] عن أبي عبيدة الناجي (٦) أنه سمع الحسن يقول: يا ابنَ آدم، إنك لا تُصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناسَ بعيب هو فيك، حتى تبدأ بصلاح ذلك العيب من نفسك فتُصلحَه، فإذا فعلتَ ذلك لم تُصلح عيبًا إلا وجدتَ عيبًا آخر لم تصلحه، فإذا فعلتَ ذلك كان شغلك في خاصَّة نفسك، وأحبُّ العباد إلى الله تعالى من كان كذلك (٧). وقال الحسن: يا ابنَ آدم لا تحقرن من الخير شيئًا وإن صَغُر، فإنَّ عملَك يُوزن، فإذا رأيتَه سرَّك، ولا تحقرنَّ من الشَّرّ شيئًا، فإنك إذا رأيتَه غمَّك، فرحم الله رجلًا كسب طيّبًا، وأنفق طيبًا، ولزم قصدًا، وقدَّم فضلًا ليوم فقره وفاقته (٨).

стр. 4921

ومرَّ الحسن ببعض القرَّاء على بعض بواب الملوك، فقال: فرطحتُم بنعالكم (١)، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم، فزَهِدُوا فيكم، أما إنكم لو جلستُم في بيوتكم حتى يكونوا هم الذين يُرسلون إليكم لكان أعظمَ لكم في أعينهم، تفرَّقُوا فرَّقَ الله بين أعضائكم (٢). [وقال مبارك بن فَضَالة: سمعت الحسن يقول] وقال له شابّ: أعياني قيامُ الليل، فقال [له]: قيَّدَتْك خطاياك (٣). وقيل للحسن: ألا تدخل على الأمراء فتأمرَهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر؟ قال: ليس للمؤمن أن يُذلَّ نفسه، إنَّ سيوفَهم لَتسبقُ ألسنتَنا (٤). و [روى هشام بن محمد عن أبيه قال:] جلس الحسن في المسجد الجامع، فطلع الحجَّاج على برْذَوْن أشهب والشُّرَط حولَه، فجاء إلى باب الجامع، فنزلَ، وجاء إلى حلقة الحسن، فسلَّم وجلس إلى جانبه والحسن يتحدَّثُ، فلما فرغ من حديثه أقبل الحجّاج على أهل الحلقة، فقال: إنَّ هذا لم مبارك، معظِّم لأهل القبلة، ناصحٌ للملَّة (٥)، صاحبُ سُنَّة ونصيحة للعامَّة والخاصَّة، فعليكم بمجالسته (٦)، فإنه يُعرفُ فضلُه، وتُرجى عاقبتُه (٧)، ولولا ما لزمَنا من حقوق الرعتة لأحببتُ الحضورَ معكم. ثم قام وانصرف. فقام شيخ كبير، فقال: يا أبا سعيد، عطائي زهيد، وأنا فقير، ولي عِيال. وبكى، فبكى الحسنُ وقال: إن عدوَّ الله قتلَ عباد الله على الدِّرهم والدِّينار، أخذه من خبيث،

стр. 4922

وأنفقَه في سَرَف، أمَّا إذا خرج عدوّ الله فصاحبُ بغال (١) زفَّافة، وجنائب (٢) هفَّافة، وأمَّا إذا خرج أخوه المسلم فطاوى ماشيًا. [قال:] وبلغَ الحجاجَ قولُه، فجاء حَرَسيّ وقال: أجب الأمير. فقام فدخل عليه، فسلّم وجلس، فردَّ عليه الحجَّاج وقال: يا حسن، أنت صاحبُ الكلمات؟ قال: نعم. قال: ما حملك على ذلك؟ قال: ما أخذ الله تعالى على العلماء في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] أخذ الله عليهم العهد أن يتكلَّموا بالحق، ويصدّقوا به بالعمل. فأطرق الحجَّاجُ ساعةً والحسن يدعو في نفسه، فرفع رأسَه وقال: اذهبْ فتكلّمْ بما بدا لك، فإنما أنت ناصحٌ لخاصَّتنا وعامَّتِنا (٣). وقال الشعبي (٤): لمَّا قدم الحجَّاجُ البصرة؛ جلس للناس في يوم صائف في قبَّة، وفيها الثلج والخِلاف (٥)، ودخل عليه أبناءُ المهاجرين والأنصار وأشرافُ الناس ووجوهُهم. واستدعى بالحسن، فجاء ودخل، وسلَّم، فردَّ عليه¬ السلام وقال: مرحبًا بأبي سعيد، ودعا بكرسيّ، فأجلَسَه عليه إلى جانبه، فقال له الحجَّاج: اخْلع قميصك يا أبا سعيد. فجعلَ الحسنُ يعالجُ زِرَّ قميصه، فأبطأ به، فطأطأ الحجَّاج رأسه إليه حتى قلنا: يتعاطاه؛ من لطفه. وقال: يا جارية، المُدهُن (٦). فجاءت بمُنهُنٍ، فوضعه على رأس الحسن، وما صنع ذلك بأحدٍ غيرِه، ثم قال له الحجَّاج: يا أبا سعيد، ما لي أراك

стр. 4923

منهوك الجسم؟ لعلَّ ذلك من سوء ولاية، أو قلَّة نفقة، ألا نأمرُ لك بخادم لطيف، ونفقةٍ تُوسع بها عليك؟ فقال: أنا من الله في كفاية. فقال الحجَّاج: لا والله، بل العلمُ والزُّهد فيما نحن فيه. ثم التفتَ الحجَّاح إلينا وذكرَ عليًّا ﵇، فنِلْنا منه خوفًا من الحجَّاج، والحسنُ ساكتٌ عاضٌّ على إبهامه، فقال له الحجّاج: أخبرني برأيك في أبي تراب. فقال: سمعتُ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] فعليُّ فيمن هدى الله إلى الإيمان، ثم ما أقولُ في ابن عمّ رسول الله ﷺ وخَتَنِه على ابنته وأحبِّ الناس إليه، وصاحبِ سوابقَ مباركات سبقت له من الله لا تستطيع أنت ولا أحدٌ من الناس أن تحولَ بينه وبينها؟! أقول قولي هذا، ولا أعدلُ عنه. فتغيَّر وجهُ الحجَّاج وبَسَرَ وكَلَحَ، وقام مُغْضَبًا عن سريره، فدخلَ بيتَه، وقمنا فخرجنا. قال الشعبي: فأخذتُ بيد الحسن وقلت له: يا أبا سعيد، أغضبتَ الأمير وأوغرتَ صدرَه. فنترَ يده من يدي وقال: إليك عنّي يا عامر، يقول الناس: عامرُ الشعبيّ عامرُ أهل الكوفة وفقيهُها، أتيتَ شيطانًا من شياطين الإنس تكلّمُه بهذا [الكلام]! ويحك يا عامر، هلَّا اتَّقيتَ الله إذْ سُئلتَ فصدَقتَ أو سكتَّ فسَلِمتَ! فقلت: يا أبا سعيد، قد قلتُها وأنا أعلمُ ما فيها. فقال: ذاك أعظمُ في الحجَّة عليك، وأشدُّ في التَّبِعة يا عامر (١). قال الشعبي: فما فرَّق الموتُ بيني وبين الحسن حتى اجتمعنا عند عُمر بن هُبَيرة لمَّا وليَ العراقَ ليزيد بن عبد الملك، واجتمع قرَّاء الأمصار، فسألهم عن مسائل، ثم أخرجَهم جميعًا، فلم يبقَ غيري وغير الحسن وابن سِيرِين، فالتفتَ إلى ابنِ سِيرِين فقال: يا أبا بكر، ما رأيتَ من أمرنا منذ قدمنا (٢)؟ فقال: رأيتُ ظلمًا فاشيًا، ومنكرًا قبيحًا. فغمزه ابنُ أخيه في منكبه، فقال له محمد: أنا الذي أُسألُ، لا أنتَ.

стр. 4924

قال: فالتفت إليَّ وقال: ما تقولُ أنتَ يا عامر؟ فقلت: الأميرُ -وفَّقه الله- مجتهدٌ، والتوفيقُ من الله. فالتفت إلى الحسن، فقال: ما تقول أنتَ يا أبا سعيد؟ إن أمير المؤمنين يزيد يكتب إليَّ في أشياء ليست من طامحة الله، هل ترى [لي] رخصة أن أُمضيَها؟ قال عامر: فنشز (١) الحسن وجثا (٢) على ركبتيه وقال: هذا الشعبيّ فقيه أهل العراق [-أو المشرق-] فسله. فأحال الجواب عليَّ، فقلت: قارِبْ وسدِّدْ وارفُقْ، فإني أرجو أن لا يكون عليك بأس. فقال للحسن: أريد جوابَك أنتَ يا أبا سعيد. فقال له الحسن وقد احمرَّتْ عيناه: إيهِ يا ابْنَ هُبيرة! خَفِ الله في يزيد، ولا تخف يزيدَ في الله، يا ابْنَ هُبيرة، اعرِضْ كتابَ يزيد على كتاب الله، فإن وافقَ، فأفضِه، كان خالف فاضْرِبْ به عُزضَ الحائط، يا ابن هُبيرة، يُوشِكُ -واللهِ- أن ينزل بك ملكُ الموت، فيُنزلك عن سريرك ويخرجَك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك (٣)، ثم لا يُوسعُه عليك إلا عملُك، يا ابن هُبيرة، إنَّ للهِ سطوات ونِقْمات، وما هي من الظالمين ببعيد، يا ابنَ هُبيرة، لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. فبكى ابنُ هُبيرة بكاءً شديدًا وقال: الحقُّ -واللهِ- فيما قال الشيخ. ثم قمنا فخَرَجْنا، ولَحِقَنا رسولُه بالبَدْر (٤) والهدايا إلى الحسن دونَنا، فلم يقبَلْها، وبعث إلينا بألفين [فقلنا: رَفَقْنا فَرَفَقَ لنا، وشدَّد غيرُنا فكثّر له]. قال الشعبي: ولما خرجنا قلتُ للحسن: يا أبا سعيد، ما كنّا نعرف لك الفضل علينا حتى اليوم، حيث أردنا الدنيا وأردتَ ما عند الله. [قال:] فضرب بيده في صدري وقال: ويحك يا عامر، تدري متى هلك بنو إسرائيل؟ إنما هلكوا حين رخَّص لهم علماؤهم في محارم الله تعالى (٥).

стр. 4925

[ذكر أخبار متفرّقة من سيرة الحسن] [قال الشعبي: كان الحسن كاتبًا للربيع بن زياد]. و [قال ابن سعد:] قدم الحسن مكة، فأجلسوه على سرير، واجتمعَ الناسُ إليه فحدَّثَهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وعَمرو بن شعيب، فقالوا: لم نرَ مثل هذا قطُّ. و [روى عنه قتادة أنه] قال: لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدَّثْتُكم (١). وكان يُحدِّثُ بالمعاني، فيزيد في الحديث وينقص منه، ولكن المعنى واحد. وكان [يتوضأ ممَّا مسَّت النار، و] يغتسل للجمعة، ويتختَّم في يساره، ولا يُحفي شاربه (٢). [قال: ووليَ الحسن قضاء البصرة بعد إياس بن معاوية، ثم استعفى، وتكاثر الناسُ عليه يومًا فقال: لابدّ لهؤلاء من وَزَعة. أي: مَن يردُّ عنهم. وقد ذكرناه فيما تقدَّم (٣). وقال ابن سعد أيضًا عن رَوْح بن عُبادة، عن الحجَّاج بن الأسود قال: تمنّى رجل فقال: ليتني بزهد الحسن، وَوَرع ابن سيرين، وعِبادةِ عامر بن عبد قيس، وفِقْهِ ابن المسيّب. فنظروا في ذلك، فوجدوه كلّه في الحسن] (٤). وسأله أبو سلمة بنُ عبد الرحمن فقال: هذا الذي تُفتي به الناس؛ شيءٌ سمعتَه، أم برأيك؟ فقال [الحسن]: لا واللهِ، ما كلُّ ما نُفتي به سمعناه، ولكنَّ رَأُيَنا لهم خيرٌ من رَأيهم لأنفسهم (٥). [وقال الحسن. ذهب الناسُ والنسناس، أسمع صوتًا ولا أرى إنسيًا] (٦).

стр. 4926

وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد. فقال له [الحسن]. أين غُذيتَ؟ قال: بالأُبُلَّة. قال: من هناك أتيت (١). وقال سعيد أخو الحسن يومًا: أنا أعربُ الناس قال الحسن: أنت؟! قال: نعم، فإن استطعتَ أن تأخذَ عليَّ كلمةً واحدة. فيال الحسن: نعم، هذه (٢). ووقع الطاعون بالبصرة، فاجتمع الناس إلى الحسن وقالوا: يا أبا سعيد، هلك الناس. فقال: ليس ما فعل بكم وبكم مهلكًا (٣)، أقلع مذنب، وأنفق مُمْسك (٤). و [قال الأصمعي: حُكي عن الحسن أنه] قال: في الكلب عشر خصال محمودة. أحدها: ما يزال جائعًا، وذلك [من] دأب الصالحين. والثانية: لا يكون له مكان معروف، وذلك من علامات المتوكِّلين. والثالثة: لا ينام طول ليله، وذلك من صفات المحبِّين. والرابعة: إذا مات لا يخلِّفُ شيئًا، وذلك من صفات المتزهدين. والخامسة: لا يُفارق صاحبَه وإن آذاه وجفاه، وتلك أمارات المريدين. والسادسة: أن يرضى من الدنيا بأدنى الأماكن، وذلك من أوصاف القانعين. والسابعة: إذا غلب على مكان تركه، ومَضى إلى غيره، وتلك علامات (٥) الوَرعين. والثامنة: إذا طُرد عَاد، وتلك من صفات المحافظين. والتاسعة: إذا حضر المعلوم قعد بعيدًا، وهذه صفات المساكين (٦). والعاشرة: ليس له مأوى، وهذه من أوصاف المتجرِّدين (٧).

стр. 4927

[ذكر وفاته رحمة الله عليه:] [قال الواقدي:] وتوفي الحسن رحمة الله عليه في رجب سنة عشر ومئة [وبينه وبين محمد بن سيرين مئة يوم؛ تقدَّمه الحسن. وقال حمَّاد بن سلمة: كان ذلك] يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، وغسَّله أيوبُ السَّخْتِياني، وحُميد الطويل. وكان له يوم مات سبع وثمانون سنة [كان أسنَّ من ابن سيرين بعشر سنين (١). وحكى ابن سعد قال:] قال رجل لابن سِيرِين: رأيتُ في المنام طائرًا أخذ [أحسن] حصاةٍ من المسجد. فقال [ابن سِيرِين]: إن صدقَتْ رؤياك مات الحسن. فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات (٢). [وقال ابن قتيبة: لم يحضر ابنُ سِيرِين جنازة الحسن لشيءٍ كان بينهما. قلت: وليس كما ذكر ابن قُتيبة، بل كان ابنُ سِيرِين محبوسًا في حبس الحجَّاج بدَيْن كان عليه، وسأل الخروج ليصلّيَ عليه، فلم يمكّن، ومات ابنُ سِيرِين في الحبس لما نذكر]. [ذكر ما رُؤي له من المنامات] [وفيها كثرة، فنقتصر على ما ثبت منها: قال الواقدي: قال ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات":] قال مالك بن دينار (٣): رأيت الحسن في منامي مشرقَ اللون، شديد بياض الوجه، تُبرق مجاري دموعه من شدَّة بياضها على سائر وجهه [قال:] فقلت: يا أبا سعيد، ألستَ عندنا من الموتى؟! قال: بلى. قلتُ: فما الذي صرتَ إليه بعد الموت في الآخرة؟ فواللهِ لقد طال حُزنُك وبكاؤُك في دار الدنيا. [قال:، فتبسَّم وقال: لقد رفع الله لنا بذلك الحزن والبكاء علم الهداية إلى طريق منازل الأبرار، فحلَلْنا بثوابه مساكنَ المتقين، وايمُ الله، إنَّ ذلك لمن

стр. 4928

فضل الله علينا. قلت: فَبِمَ تأمرُني يا أبا سعيد؟ فقال: أطول الناس حزنًا في الدنيا أطولُهم فرحًا في الآخرة. [قال أبنُ أبي الدنيا: ولما مات ابنُ سيرين بعد الحسن رؤي في المنام في حالٍ تُسرّ، فقيل له: فما صنع الله بالحسن؟ فقال: رفع فوقي بسبعين درجة. قيل: ولِمَ ذلك وقد كنتَ تُرى أفضلَ منه؟! فقال: ذاك بطول حُزنه] (١). أسند الحسن عن خلق من الصحابة وعاصرَهم، منهم عثمان، وعليّ، وابن عُمر، وأنس، وأبو سعيد الخُدري، وجابر بن عبد الله، وعمران بن الحُصَين، وسَمُرة بن جُنْدب، وعبد الرحمن بن سَمُرة وغزا معه كابُل، والأندقان والأندغان (٢) والأندلستان (٣) ثلاث سنين. واختلفوا في سماعه من أبي هريرة، وروى عنه خلقٌ كثير من التابعين. وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: عليكم بمولانا الحسن فسَلُوه، فقيل له في ذلك، فقال: نعم، إنّا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا (٤). وأرسل الحسن الحديث، واختلف العلماءُ في مراسيله: فعند أبي حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وعامَّة العلماء أنَّها حُجَّة، وعند الشافعيّ ليست بحجَّة (٥). وحجّ الحسن مرَّتين، مرَّة في أوَّل عمره، وأخرى في آخر عمره (٦).

стр. 4929

[قلت: وقد روى ابن سعد أن الحسن غسل كتبه قبل الموت] (١). وقال سهل بن حُصين كان منلم الباهليّ: بعثتُ إلى عبد الله بن الحسن أنِ ابعثْ إليَّ بكتب أبيك. فبعث إليَّ يقول: إنه لما ثَقُل قال: اجمعها لي. فجمعتُها له، وما أدري ما يصنع بها. فقال للخادم: اُسْجُرْ في التَّنُّور. فسَجَرَه له، ثم أمر بها، فأُحرقت (٢). وقد روى ابنُ سعد أنه كان يميل إلى القدر، فقال: أخبرنا عارم بن الفضل، حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيد، عن أيوب قال: أنا نازلتُ الحسن في القَدَر غيرَ مرَّة حتى خوَّفتُه السلطان (٣) فقال: لا أعودُ فيه بعد اليوم. وقال أيوب (٤): لا أعلَمُ أحدًا يستطيعُ أن يعيبَ الحسن إلا به. وقال عمر مولى غَفْرة: كان أهلُ القَدَر ينتحلُون الحسن، وكان قولُه مخالفًا لهم، كان يقول: يا ابن آدم، لا تُرضِ أحدًا بسخط الله، ولا تُطيعنَّ أحدًا في معصية الله، ولا تحمَدَنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تلومَنَ أحدًا فيما لم يؤتك الله، إنَّ الله خلقَ الخلق، فمضَوا على ما خلقَهم عليه، فمن كان يظنّ أنه يزداد بحرصه في رزقه، فليزدد بحرصه في عمره، أو يغيّر لونه، أو يزيد في أركانه أو بنائه (٥). وقال حمَّاد بن سلمة: كان سبب نسبته إلى القدر أنه كان يجتمع إليه جماعة ممَن يرى القدر، كمعبد الجُهنيّ وأمثاله، فيقولون: يا أبا سعيد، إن هؤلاء الظَّلَمة الأشرار يأخذون الأموال، ويسفكون الدماء، ويفعلون ويفعلون، ويَدَّعُون أنما تجري أعمالهم على قَدَر الله تعالى، فيقول: كذبَ أعداء الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، إن الله لا يرضى لعباده الكفر (٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

стр. 4930

[النحل: ٩٠] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ويستنزع آياتِ القرآن المتعلقةَ بهذا المعنى، فنسبوه إلى القَدَر، وتعلَّقُوا عليه به. شعبة مولى عبد الله بن عباس أبو عبد الله من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة (١). محمد بن سِيِرين مولى أنس بن مالك، وكنية سِيرِين أبو عَمْرَة، وكنية محمد أبو بكر، وهو من الطبقة الثانية من أهل البصرة. وقيل: من الثالثة (٢). [وأبوه سِيرِين من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. وقال اين سعد: وأصل محمد من سَبْي عين التمر (٣). وقال ابن عائشة: كان سِيرِين من أهل جَرجَرايا (٤)، وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر، فسباه خالد بن الوليد، فوقع في سهم أنس بن مالك، فكاتبه على كذا وكذا ألفًا وغلامين يغلَّان عليه (٥). قال: وكان سِيرِين قَينًا (٦). وفي رواية ابن سعد أيضًا أنه كاتبَه على عشرة آلاف درهم وعشر وُصَفاء، في كل سنة ألفُ درهم ووصيفة (٧). وقال ابن سعد: وُلد لسِيرِين ثلاثةٌ وعشرون ولدًا من أمَّهات أولاد شتَّى (٨).

стр. 4931

وروى سِيرِين شيئًا من الحديث، وكانت له أرض بجَرجَرايا، وكانت في يد محمد ابن سِيرِين] (١). [ذكر مولد محمد بن سِيرِين:] [واختلفوا فيه؛ ذكر ابنُ سعد أنه] وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ (٢). [وقال أبو الحسن الزيادي:] ولد سنة (٣) إحدى وثلاثين [في أيام عثمان]. وأمُّه صفيَّة (٤) مولاةُ أبي بكر الصديق ﵁ طيّبَها ثلاثةٌ من أزواج رسول الله ﷺ ، ودعَوْا لها، وحضر إملاكها ثمانيةَ عشرَ بدريًّا، فيهم (٥) أُبيّ بنُ كعب [يدعو وهم يؤمِّنُون]. ووُلد لمحمد بن سِيرِين ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة، لم يبق منهم غير عبد الله بن محمد (٦). [وروى ابن سعد عن حفصة بنت سيرين قالت:] وكان محمد يشتري لأمّه ألين ثوب يجد، ويصبُغه، وكانت تحبُّ الصَّبْغ [وما رأيتُه رافعًا صوته عليها قطّ] وكان إذا كلَّمها كأنه مريض، فلو رآه رجلٌ لا يعرفه قال: هذا مريض، فيقال: ما الذي به؟ فيقال: كذا يكون عند أمّه (٧). وقال جرير بن حازم: سمعتُ محمد بن سِيرِين يحدث رجلًا فقال: ما رأيتُ الرجل الأسود. ثم قال: أستغفرُ الله، ما أُراني إلا [قد] اغتبتُه (٨).

стр. 4932

وكانوا إذا ذكروا عنده رجلًا بسيِّئة ذكر أحسن ما فيه، وذكر يومًا طبيبًا ثم قال: فلانٌ أطبُّ منه. فانتبه وقال: غفر الله له، ما أُراني إلا قد اغتبتُه (١). [وروى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل عن أبيه، عن عفَّان بن مسلم، عن حمَّاد بن زيد قال: قال عاصم الأحول: سمعت] مورِّق (٢) العجلي [يقول:] ما رأيتُ رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورعَ في فقهه من محمد بن سيرين (٣). وقال أبو قِلابة: وأيُّنا يُطيق ما يُطيق محمدُ بنُ سِيرِين، يركبُ مثل حدِّ السِّنان (٤). [وروى ابن أبي الدنيا عن أبي عَوَانة قال: كان محمد بن سِيرِين إذا مشى فيكبّر الناس، كان قد أُعطِيَ هديًا وسمتًا وخشوعًا، فكان الناس إذا رأوه ذكروا الله تعالى] (٥). [وقال عاصم:] ولم يكن محمد بن سيرين يترك أحدًا يمشي معه (٦) وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا (٧). وأرسل إليه عُمر بن هُبيرة بثلاثة آلاف درهم، فلم يقبلها، فقيل له في ذلك [وأن الحسن قد قبل أربعة آلاف] فقال: إنما بعث بها إليَّ على خير يظنُّه فيَّ (٨)، ولئن كنتُ كما ظنَّ بي فما ينبَغي لي أن أقبل؛ وإن لم أكن كما ظنّ بي فبالحريِّ أنني لا أقبل (٩). وكان يقول: العُزْلة عبادة (١٠).

стр. 4933

[وقال أبو نعيم عن ابن عون:] وكان له منازل لا يُكْرِيها إلا لأهل الذمِّة، فقيل له في ذلك، فقال: إذا جاء رأسُ الشهر رُعْتُ الساكن، وأكرهُ أن أروِّع مسلمًا (١). [وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن أيوب: كان محمد يخاف أن يبغته الموت، فإذا ذي الموت مات كل عضو منه على حدة] (٢). [وقال عاصم:] وكان يضحك بين الناس، فإذا خلا بنفسه نشج (٣)، ولو أُعطيَ الدنيا بحذافيرها لم يفعل. [قال ابن سعد:] وجاءه رجل فقال: نلتُ منك، فاجعلني في حلّ. فقال: لا أُحِلُّ شيئًا حرَّمه الله (٤). وكان له سبعة أوراد، فما فاته في الليل يقرأه في النهار (٥). [وقال مجالد بن سعيد: كان ابنُ سيرين كاتبًا لأنس بن مالك بفارس]. [وقال أبو أحمد العجلي:] وطُلب للقضاء، فهرب إلى الشام، ومرَّة إلى اليمامة. ولقد أقام بالشام وبدمشق أربع سنين لا يعرف (٦). [وقال ابن سعد:] وكان يكنُس المسجد بثوبه (٧). و [قال أبو أحمد العجلي]: جاءه رجل فادَّعى عليه درهمين، فأنكر، فطلب الرجلُ يمينَه، فحلف، فقيل له في ذلك، فقال: أحلف صادقًا ولا أطعمه حرامًا وأنا أعلم (٨). [ذكر طرف من تعبيره للرؤيا] وكان أوحدَ وقته في تعبير الرؤيا، وقيل: إنما أخذها عن أمّهِ مولاةِ أبي بكر ﵁.

стр. 4934

و [قال أيوب:] كان الحسن إذا سُئل عن شيء من تعبيرها يقول: عليك بالذي كان (١) من آل يعقوب. يعني ابن سيرين. [وقال عبد الله بن مسلم؛ جالستُ ابن سيرين مدَّة ثم توكتُه، وجالستُ الإباضيَّة، فرأيت في منامي كأني مع قوم يحملون جنازة رسول الله ﷺ . فأتيتُ ابنَ سيرين، فأخبرتُه، فقال: قد جالستَ أقوامًا يريدون أن يدفنوا ما جاء به رسول الله ﷺ (٢). وقال مغيرة بن حفص: رأيت كأنَّ الجوزاء قد تقدَّمت إلى الثريَّا. فقال: إن صدقت رؤياك مات الحسن، ثم أموتُ بعده. فكان كذلك] (٣). ذكر حبسه بالدَّين ووفاته: حكى أبو نعيم عن محمد بن سيرين قال (٤): إني لأعرفُ الذنْبَ الذي حمل به عليَّ الدَّين؛ قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس (٥). قال أحمد بن أبي الحواري: فحدَّثتُ أبا سليمان الدارانيّ بذلك، فبكى وقال: قَلَّت ذنوبُهم، فعرفوا من أَين يُؤْتَوْن، وكثُرت ذنوبُنا فلم ندر من أين نُؤتى (٦). [وقال المدائني:] سببُ حبسه أنه اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجدَ في زِقٍّ منه فأرةً ميتة، فقال: هذه الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كلَّه (٧). [قال:] ولما حُبس قال له السَّجَّان: اذهب أبي أهلك ليلًا، وتعال نهارًا. فقال: لا والله لا أتعرَّض للجناية على الشرع والسلطان وعليك (٨).

стр. 4935

وقال ابن سعد: اشترى طعامًا بأربعين ألف درهم، فأُخبر عن أصله بشيء كرهه، فتصدَّق به، وبقي المال عليه، فحُبس به، ومات في الحبس، والذي حبسه مالك بن المنذر في دَينِ [امرأةٍ يقال لها:] أمّ محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان زوجَها سَلْمُ بنُ زياد [وأخرجها معه إلى خراسان، وكان أبوها يلقب كركرة] (١). قال ابن سعد [أيضًا]: باع ابن سيرير جارية من هذه المرأة، فرجعت إليه، فشكت أنها تعذبُها، فأخذَها محمد، وكان قد أنفق ثمنها [وهي التي حبسَتْه، وهي التي تزوَّجها سَلْمُ بنُ زياد] (٢). وقال ثابت البُناني: قال لي محمد بن سِيرِين: يا أبا محمد، إنه لم يكن يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي وأقمت على المصطبة، فقيل: هذا محمد بن سِيرِين، أكلَ أموال الناس (٣). وقال هشام: اشترى ابنُ سيرين شيئًا (٤) فيه ربح ثمانون ألفًا، فعرض في قلبه شيء، فتركه [قال هشام:] وواللهِ ما هو بِرِبًا (٥). وقال حمَّاد بن زيد: مات محمد بن سِيرِين يوم الجمعة، وغسَّله أيوب وابنُ عون، وذلك لتسع خلون من شوال، وقيل: ليلة الجمعة لعشر خلون منه، ومات الحسن ليلة الجمعة أول يوم من رجب، بينهما مئةُ يوم [وقيل: أربعون يومًا، والأول أصح وأشهر، وقد ذكره ابن سعد وغيره] (٦).

стр. 4936

وقد بلغ نيّفًا وثمانين سنة. وقد ذكرنا أنه كان له ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة عربية؛ مات الجميع بالطاعون، فلم يبق إلا واحد، وهو عبد الله بن محمد، وضمن عن أبيه دينه وقال: لما ضمنتُ عنه دينه قال لي: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء. فدعا في بخير. قال ابن سعد (١): فقضى عن أبيه ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد الله بن محمد حتى قَوّمَ مالُه، فكان ثلاث مئة ألف درهم أو نحوها. قال المصنف ﵀: وقد اتفقوا أنه لمَّا مات أنس كان ابنُ سيرين محبوسًا، وأوصى أن يغسّله ابن سيرين، وأنه خرج فغسَّله وعاد إلى الحبس. واتفقوا أيضًا على أنه مات محبوسًا بالدَّين. وبين وفاة أنس ومحمد بن سِيرِين سبع (٢) عشرة سنة؛ لأن أنسًا مات [إما] في سنة إحدى وتسعين أو ثلاث وتسعين (٣)، ومحمدٌ مات سنة مئة وعشر سنين. [قلت:] والعجب من مُقدمه في السجن هذه المدة الطويلة وقد كان في أيامه الخلفاء الأمجاد والأسخياء الأجواد، مثل سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز ﵁، وأولاد المهلَّب بن أبي صُفْرة، أفما كان في هؤلاء من يُقيلُه هذه العَثْرة (٤)؟! أسند ابنُ سِيرِين عن زيد بن ثابت، وابنِ عمر، وأنس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعمران بن حُصَين، وأبي بَكْرَة، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعديّ بن حاتم، وأبي قتادة، وغيرهم. وقال الفُضَيل بن عياض (٥): قلت لهشام بن حسان: كم أدرك ابنُ سِيرِين من الصحابة؟ قال: ثلاثين.

стр. 4937

وروى عن جماعة من التابعين، منهم شُريح القاضي، وكان يُدني مجلسه، وعَبِيدةُ السَّلْماني، ومسلم بن يسار، وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، منهم الشعبي، وقتادة، وأيّوب، وابنُ عَوْن، ويونس بن عُبيد. وكان ابن سِيرِين يحدِّث بالحديث على حروفه ويقول: إن هذا العلم دينٌ، فانظُروا عمن تأخذونه. وكان إذا حدَّث لم يقدّم ولم يؤخّر (١). وعرض له في آخر عمره في أُذُنيه صَمَم، فكان يتحفَّظ في رواية الحديث. [وقد ذكرنا أنه كان له جماعة من الإخوة، والمشهور منهم ثلاثة: معبد بن سيرين، وكان أسنَّ من محمد وأقدم إخوته. وقال الفلَّاس: كانوا خمسة إخوة: معبد، وهو أكبرهم، ويحيى، وخالد، ومحمد، وأنس، وأنس أصغرهم. وأمَّا حفصة فسنذكرها في سنة ست عشرة ومئة. انتهت ترجمة ابن سيرين رحمه الله تعالى] (٢). وَهْب بن مُنَبِّه اليَمَاني [وكنيتُه] أبو عبد الله، وهو من الأبناء، وذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية (٣) من التابعين [من أهل اليمن، وروى في ترجمته حديثًا، فقال: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبّه الصنعاني بإسناده عن عُبادة بن الصامت قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يكون في أمتي رجلان، أحدهما اسمُه وَهْب، يهبُ اللهُ له الحكمة، والآخر غَيْلان، فتنتُه على هذه الأمة أشرُّ من فتنة الشيطان" (٤).

стр. 4938

وروى ابنُ سعد عن وَهْب أنه] قال: لقد قرأتُ اثنين وتسعين كتابًا كلّها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس وفي أيدي الناس، وعشرون لا يعلمها إلا قليل، وجدتُ في كلِّها أنَّ من أضافَ إلى نفسه شيئًا من أمر المشيئة فقد كفر. قال: وقرأت ثلاثين كتابًا أُنزلت على ثلاثين نبيًّا. [قال:] ولبث وَهْب اربعين سنةً لم يسبَّ شيئًا فيه روحٌ، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. و [قال محمد بن عمر:] مات [وَهْب] بصنعاء سنة عَشر ومئة. [هذا صورة ما ذكره ابن سعد (١). قلت: ولم يُنصف وَهْبًا، فإنه أعظمُ ممَّا ذكر. والحديثُ الذي رواه عن النبي ﷺ في ذكر وَهْب وغَيلان لا يصحّ. ذكره جدِّي في "الموضوعات" (٢). قال الزُّبَيْر بن بكَّار: ومعنى من الأبناء: الذين بعثهم كسرى من فارس إلى اليمن، فأجْلَوْا السُّود عنها، وقد ذكرناه (٣). وقال أبو القاسم بن عساكر: قال هشام (٤): كان وَهْب وهمَّام (وعبد الله) ومعقل ومسلمة (٥) بنو منبّه من خُراسمان من بلدة هراة (ومنبّه من أهل هراة، خرج) فوقع في فارس أيام كسرى، وكسرى أخرجه (من هراة) ثم أسلم على عهد رسول الله ﷺ ، وحسُن إسلامُه (٦).

стр. 4939

قال الإمام أحمد بن حنبل: كانوا أربعة إخوة، أكبرهم وهب، ومعقل، وهمَّام، وغَيلان، وهو أصغرهم، وهو جدُّ غوث (١). مات وهب، ثم معقل، ثم غيلان، ثم همام آخرهم (٢). وقال أبو أحمد العجلي: كان وَهْب قاضيًا على صنعاء، وهو تابعي ثقة، وله المواعظ البالغة (٣). وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن وَهْب قال: الإيمان (عُريان)، ولباسُه التقوى، وزينتُه الحياء، ورأس ماله الفقه (٤). ورُوي عن وَهْب أنه قال في مواعظه: يا ابنَ آدم؛ لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر من طالب، ولا أضعف من مطلوب في يد طالبه (٥). يا ابن آدم؛ إنه قد ذهب منك ما لا يرجعُ إليك، وأقام معك ما سيذهب عنك، أقْصِر عن تناول ما لا تَنال، وعن طلب ما لا تُدرك، وعن ابتغاء ما لا يوجد. يا ابن آدم؛ انظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام: يومًا مضى لا ترتجيه، ويومًا لابدّ منه، ويومًا يجيءُ (٦) لا تأمنه، فأمس شاهد مقبول، وأمين مؤدٍّ، وحكم نافذ الحكم، واليوم صديق مودّع وهو سريع الظَّعْن، وغدًا مظنون. يا ابن آدم؛ مضت أصول نحن فروعُها، فما بقاء الفروع بعد الأصول؟! يا ابن آدم؛ إنما أهل هذه الدنيا -أو الدار- سَفْر؛ لا يَحُلُّون عُقَد الرِّحال إلا في غيرها، وإنما يتبلَّغُون بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمُعير (٧).

стр. 4940

وقال أبو نعيم بإسناده عن بكَّار بن عبد الله قال: سمعتُ وَهْبَ بنَ منبّه يقول: مرَّ عابد على عابد، فقال: مالك؟ قال: أعجبُ من فلان، كان قد بلغ من عبادته، ثم مالت به الدنيا، فقال: لا تعجب ممَّن مال إلى الدنيا، ولكن العجب ممَّن استقام (١). وقال أبو نُعيم بإسناده عن ابن المبارك، عن أشرس، عن وَهْب قال: قرأتُ في بعض الكتب أن مناديًا ينادي من السماء الرابعة كل صباح أبناءَ الأربعين: زرع قد دنا حصادُه. أبناءَ الخمسين: ماذا قدَّمتُم وماذا أخَّرتُم. أبناءَ الستين: لا عُذر لكم، ليت الخلق لم يُخلقوا، وإذ (٢) خُلقوا؛ علموا لماذا خُلقوا، قد أتتكم الساعة، فخذوا حذركم (٣). وروى أبو نُعيم أيضًا أنه قال: قرأتُ في التوراة: أيّما دار بُنيت بقوَّة الضعفاء؛ جُعلت عاقبتُها إلى الخَراب، وأيُّما مالٍ جُمع من غير حِلّهِ كانت عاقبتُه إلى الفقر (٤). وقال أيضًا: صلَّى وَهبٌ وطاوسُ الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة (٥). وكان وَهْب يعظ عطاء الخُراساني فقال: ويحك يا عطاء، ألم أُخبَر أنك تحملُ علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا! ويحك يا عطاء، تأتي من يُغلق عنك بابه ويُظهر فقره، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر غناه ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ويحك يا عطاء، اِرْضَ بالدُّون من الدنيا مع سلامة الدين، ولا ترض بالكثير من الدنيا مع ذهاب الدين. وفي رواية: ارضَ بالدُّون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضَ بالدُّون من الحكمة مع الدنيا. ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك (فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن
следующие страницы →