← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وقد بلغ نيّفًا وثمانين سنة. وقد ذكرنا أنه كان له ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة عربية؛ مات الجميع بالطاعون، فلم يبق إلا واحد، وهو عبد الله بن محمد، وضمن عن أبيه دينه وقال: لما ضمنتُ عنه دينه قال لي: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء. فدعا في بخير. قال ابن سعد (١): فقضى عن أبيه ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد الله بن محمد حتى قَوّمَ مالُه، فكان ثلاث مئة ألف درهم أو نحوها. قال المصنف ﵀: وقد اتفقوا أنه لمَّا مات أنس كان ابنُ سيرين محبوسًا، وأوصى أن يغسّله ابن سيرين، وأنه خرج فغسَّله وعاد إلى الحبس. واتفقوا أيضًا على أنه مات محبوسًا بالدَّين. وبين وفاة أنس ومحمد بن سِيرِين سبع (٢) عشرة سنة؛ لأن أنسًا مات [إما] في سنة إحدى وتسعين أو ثلاث وتسعين (٣)، ومحمدٌ مات سنة مئة وعشر سنين. [قلت:] والعجب من مُقدمه في السجن هذه المدة الطويلة وقد كان في أيامه الخلفاء الأمجاد والأسخياء الأجواد، مثل سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز ﵁، وأولاد المهلَّب بن أبي صُفْرة، أفما كان في هؤلاء من يُقيلُه هذه العَثْرة (٤)؟! أسند ابنُ سِيرِين عن زيد بن ثابت، وابنِ عمر، وأنس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعمران بن حُصَين، وأبي بَكْرَة، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعديّ بن حاتم، وأبي قتادة، وغيرهم. وقال الفُضَيل بن عياض (٥): قلت لهشام بن حسان: كم أدرك ابنُ سِيرِين من الصحابة؟ قال: ثلاثين.

стр. 4937

وروى عن جماعة من التابعين، منهم شُريح القاضي، وكان يُدني مجلسه، وعَبِيدةُ السَّلْماني، ومسلم بن يسار، وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، منهم الشعبي، وقتادة، وأيّوب، وابنُ عَوْن، ويونس بن عُبيد. وكان ابن سِيرِين يحدِّث بالحديث على حروفه ويقول: إن هذا العلم دينٌ، فانظُروا عمن تأخذونه. وكان إذا حدَّث لم يقدّم ولم يؤخّر (١). وعرض له في آخر عمره في أُذُنيه صَمَم، فكان يتحفَّظ في رواية الحديث. [وقد ذكرنا أنه كان له جماعة من الإخوة، والمشهور منهم ثلاثة: معبد بن سيرين، وكان أسنَّ من محمد وأقدم إخوته. وقال الفلَّاس: كانوا خمسة إخوة: معبد، وهو أكبرهم، ويحيى، وخالد، ومحمد، وأنس، وأنس أصغرهم. وأمَّا حفصة فسنذكرها في سنة ست عشرة ومئة. انتهت ترجمة ابن سيرين رحمه الله تعالى] (٢). وَهْب بن مُنَبِّه اليَمَاني [وكنيتُه] أبو عبد الله، وهو من الأبناء، وذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية (٣) من التابعين [من أهل اليمن، وروى في ترجمته حديثًا، فقال: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبّه الصنعاني بإسناده عن عُبادة بن الصامت قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يكون في أمتي رجلان، أحدهما اسمُه وَهْب، يهبُ اللهُ له الحكمة، والآخر غَيْلان، فتنتُه على هذه الأمة أشرُّ من فتنة الشيطان" (٤).

стр. 4938

وروى ابنُ سعد عن وَهْب أنه] قال: لقد قرأتُ اثنين وتسعين كتابًا كلّها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس وفي أيدي الناس، وعشرون لا يعلمها إلا قليل، وجدتُ في كلِّها أنَّ من أضافَ إلى نفسه شيئًا من أمر المشيئة فقد كفر. قال: وقرأت ثلاثين كتابًا أُنزلت على ثلاثين نبيًّا. [قال:] ولبث وَهْب اربعين سنةً لم يسبَّ شيئًا فيه روحٌ، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. و [قال محمد بن عمر:] مات [وَهْب] بصنعاء سنة عَشر ومئة. [هذا صورة ما ذكره ابن سعد (١). قلت: ولم يُنصف وَهْبًا، فإنه أعظمُ ممَّا ذكر. والحديثُ الذي رواه عن النبي ﷺ في ذكر وَهْب وغَيلان لا يصحّ. ذكره جدِّي في "الموضوعات" (٢). قال الزُّبَيْر بن بكَّار: ومعنى من الأبناء: الذين بعثهم كسرى من فارس إلى اليمن، فأجْلَوْا السُّود عنها، وقد ذكرناه (٣). وقال أبو القاسم بن عساكر: قال هشام (٤): كان وَهْب وهمَّام (وعبد الله) ومعقل ومسلمة (٥) بنو منبّه من خُراسمان من بلدة هراة (ومنبّه من أهل هراة، خرج) فوقع في فارس أيام كسرى، وكسرى أخرجه (من هراة) ثم أسلم على عهد رسول الله ﷺ ، وحسُن إسلامُه (٦).

стр. 4939

قال الإمام أحمد بن حنبل: كانوا أربعة إخوة، أكبرهم وهب، ومعقل، وهمَّام، وغَيلان، وهو أصغرهم، وهو جدُّ غوث (١). مات وهب، ثم معقل، ثم غيلان، ثم همام آخرهم (٢). وقال أبو أحمد العجلي: كان وَهْب قاضيًا على صنعاء، وهو تابعي ثقة، وله المواعظ البالغة (٣). وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن وَهْب قال: الإيمان (عُريان)، ولباسُه التقوى، وزينتُه الحياء، ورأس ماله الفقه (٤). ورُوي عن وَهْب أنه قال في مواعظه: يا ابنَ آدم؛ لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر من طالب، ولا أضعف من مطلوب في يد طالبه (٥). يا ابن آدم؛ إنه قد ذهب منك ما لا يرجعُ إليك، وأقام معك ما سيذهب عنك، أقْصِر عن تناول ما لا تَنال، وعن طلب ما لا تُدرك، وعن ابتغاء ما لا يوجد. يا ابن آدم؛ انظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام: يومًا مضى لا ترتجيه، ويومًا لابدّ منه، ويومًا يجيءُ (٦) لا تأمنه، فأمس شاهد مقبول، وأمين مؤدٍّ، وحكم نافذ الحكم، واليوم صديق مودّع وهو سريع الظَّعْن، وغدًا مظنون. يا ابن آدم؛ مضت أصول نحن فروعُها، فما بقاء الفروع بعد الأصول؟! يا ابن آدم؛ إنما أهل هذه الدنيا -أو الدار- سَفْر؛ لا يَحُلُّون عُقَد الرِّحال إلا في غيرها، وإنما يتبلَّغُون بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمُعير (٧).

стр. 4940

وقال أبو نعيم بإسناده عن بكَّار بن عبد الله قال: سمعتُ وَهْبَ بنَ منبّه يقول: مرَّ عابد على عابد، فقال: مالك؟ قال: أعجبُ من فلان، كان قد بلغ من عبادته، ثم مالت به الدنيا، فقال: لا تعجب ممَّن مال إلى الدنيا، ولكن العجب ممَّن استقام (١). وقال أبو نُعيم بإسناده عن ابن المبارك، عن أشرس، عن وَهْب قال: قرأتُ في بعض الكتب أن مناديًا ينادي من السماء الرابعة كل صباح أبناءَ الأربعين: زرع قد دنا حصادُه. أبناءَ الخمسين: ماذا قدَّمتُم وماذا أخَّرتُم. أبناءَ الستين: لا عُذر لكم، ليت الخلق لم يُخلقوا، وإذ (٢) خُلقوا؛ علموا لماذا خُلقوا، قد أتتكم الساعة، فخذوا حذركم (٣). وروى أبو نُعيم أيضًا أنه قال: قرأتُ في التوراة: أيّما دار بُنيت بقوَّة الضعفاء؛ جُعلت عاقبتُها إلى الخَراب، وأيُّما مالٍ جُمع من غير حِلّهِ كانت عاقبتُه إلى الفقر (٤). وقال أيضًا: صلَّى وَهبٌ وطاوسُ الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة (٥). وكان وَهْب يعظ عطاء الخُراساني فقال: ويحك يا عطاء، ألم أُخبَر أنك تحملُ علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا! ويحك يا عطاء، تأتي من يُغلق عنك بابه ويُظهر فقره، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر غناه ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ويحك يا عطاء، اِرْضَ بالدُّون من الدنيا مع سلامة الدين، ولا ترض بالكثير من الدنيا مع ذهاب الدين. وفي رواية: ارضَ بالدُّون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضَ بالدُّون من الحكمة مع الدنيا. ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك (فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن

стр. 4941

كان لا يغنيك ما يكفيك) فليس في الدنيا شيءٌ يكفيك، ويحك يا عطاء، إنما بطنُك بحرٌ من البحور، ووادٍ من الأودية، وليس يملؤه إلا التراب (١). وروى أبو نُعيم عن منير مولى الفضل بن أبي عيَّاش قال: كنتُ قاعدًا عند وَهْب، فجاءه إنسان فقال: مررتُ بفلان وهو يشتُمك. فغضب وقال: ما وجدَ الشيطان رسولًا غيرك؟! قال: فما برحتُ من عنده حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم، فسلَّم على وَهْب، فردَّ عليه، ومدَّ يده فصافَحه وأجلسه إلى جنبه (٢). وقال إبراهيم بن عمر: قال وَهْب: إذا مدحك الرجل بما ليس فيك؛ فلا تأمن أن يذمَّك بما ليس فيك (٣). وقال الهيثم: قال وَهْب: مكتوبٌ في التوراة: أنا الله، قلوبُ الملوك بيدي، أُقلِّبُها كيف شئتُ، فمن كان على الطاعة؛ جعلتُ الملوك عليهم رحمة، ومن كان على المعصية؛ جعلت الملوك (عليهم) نقمة] (٤). وقال المثنَّى بن الصبَّاح: أقام وَهْب أربعين سنة لم يُفرش له فراش. وكان يحفظُ كلامَه في كل يوم، فإن سَلِمَ أفطر تلك الليلة، وإلا طوى. وسرد الصومَ أربعين سنة. [وقال المثنَّى بن الصبَّاح: وليَ وَهْب القضاء لعروة بن محمد السعدي في أيام عمر بن عبد العزيز (٥).

стр. 4942

واختلفوا في وفاته؛ فذكرنا عن الواقدي أنه مات في سنة عشر ومئة. قال هشام: وفي سنة عشر ومئة مات الحسن وابن سيرين بالبصرة، ومات وَهْب بن مُنبِّه بصنعاء. وقال (غيره: مات) (١) وهب بن منبّه سنة أربع عشرة ومئة، وقيل: سنة ستَّ عشرة ومئة، والأول أصحّ] (٢). ولما وليَ يوسف بن عمر العراق بكى صالح بن طريف -وكان سيّدًا- وقال: شهدتُ هذا الخبيث وقد ضرب وَهْبَ بنَ منبّه … (٣) حتى قتله. يعني يوسف بن عمر. أسند وَهب عن جماعة من الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وابنُ عُمر، وابنُ عَمرو، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخُدري، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم. وروى عنه طاوس، وعَمرو بن دينار، وموسى بن عقبة في آخرين. أبو جعفر القارئ المدني واسمه يزيد بن القعقاع، مولى عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة [بن المغيرة المخزومي] مولى [عتاقة، وهو] من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان إمامَ أهلها في القراءة (٤) [فلذلك سُمِّيَ القارئ. وقال هشام: غزا مع مولاه بلاد الروم، وأخذ القراءة عن مولاه، وابن عبَّاس، وأبي هريرة، وهم أخذوا القراءة عن أُبيّ بن كعب، وأخذها أُبيُّ عن النبي ﷺ ]. ومسحت أمُّ سلمة ﵄ على رأسه وهو صغير، ودَعَت له بالبركة.

стр. 4943

[وكان يُقرئُ الناس في مسجد رسول الله ﷺ . وقال نافع بن أبي نُعيم، هو أحد القرَّاء السبعة، قال:] ولما مات وغُسِّل نَظروا ما بين منحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فقالوا: هذا نور القرآن، ثم صار ذلك البياض غُرَّة بين عينيه (١). واختلفوا في وفاته، فقال ابن سعد: توفي في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة قليل الحديث (٢)، وحكى أبو القاسم الهُذَلي في كتاب "الكامل" أنه توفي سنة عشر ومئة (٣). وروى ابن أبي الدنيا عن سليمان العمري قال: رأيتُ أبا جعفر القارئ في المنام على ظهر الكعبة، فقلتُ: أبا جعفر؟ قال: نعم، أَقْرِئْ إخواني السلام مني، وأخْبِرهم أنَّ الله تعالى جعلني مع الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقْرِئْ أبا حازم السلام، وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكَيسَ الكَيس، فإن الله وملائكته يتراءَوْن مجلسك بالعشيَّات (٤). [وهذا أبو حازم الأعرج صاحب الموعظة لسليمان بن عبد الملك، وسنذكره في سنة أربعين ومئة في خلافة المنصور]. أسند أبو جعفر عن مولاه عبد الله، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وزيد بن أسلم. وروى عنه أبو معشر نَجِيح، وعبد العزيز الدراورديّ، وغيرهما (٥).

стр. 4944

السنة الحادية عشرة بعد المئة فيها عزلَ هشامُ بنُ عبد الملك أشرسَ بنَ عبد الله السُّلَميَّ عن خُراسان، وولَّاها الجُنيد بن عبد الله المُرِّي (١). وسببُه ما فعل بأهل الذِّمَّة، وانتقضت عليه السُّغْد وبخارى، واستجاشوا عليه بخاقان (٢)، وفَتَحَ على المسلمين بابًا واسعًا، وذهبت الأموال، وضعفت العساكر من سوء تدبير أشرس مع الذين أعاد عليهم الجزية، فكتب أعيان أهل خُراسان ووجوهُ القبائل إلى هشام بذلك، فعزم على عزله، وتوقَّف حتى ينظر من يصلح، فأهدى الجُنيد إلى أمِّ الحكم (٣) بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة من جوهر لم يُرَ مثلُها، وأهدى لهشام أُخرى مثلَها، فأعجَبْتُه، فولَّاه خُراسان، فقدمَها وأشرسُ يُقاتل أهلَ بُخارى والسُّغْد، فقال الجُنيد: من يسير معي إلى ما وراء النهر؟ فقيل له: حطَّان (٤) بن محرز السُّلَمي، وكان نائبَ أشرس على خُراسان، فسار معه، وقطع النهر، وخافَ من التُّرك، فأرسل إلى أشرس أن يُمدَّه بخيل (٥)، فأرسل إليه عامرَ بنَ مالك الحِمَّاني، فلما كان عامرٌ ببعض الطريق؛ عرضَ له التُّرك والسُّغْد ليمنعوه (٦) قبل أن يصل إلى الجُنيد وضايقوه، فدخل عامر حائطًا هناك وقاتلوه، وخاقانُ على تل واقف ينظر، وأشرف عامرٌ على التَّلف، فلحقه جماعة من القبائل، فقاتلوا التُّرك، فهزموهم، وهُزم خاقان، وخرج عامر من الحائط، وسار ليلقى الجُنيد وقد صار في سبعة آلاف، فلقيَ الجُنيدَ.

стр. 4945

فلما قربوا من بِيكَنْد؛ جاءهم خاقانُ في جيوشه، واقتتلوا، فظهرَ عليهم خاقان، ثم أنزل الله نصرَه على المسلمين، فهزموا العدوَّ، وأسروا ابنَ أخي خاقان، فبعث به الجُنيد إلى هشام، ثم عاد الجُنيد إلى مروٍ سالمًا غانمًا (١). وكان نَصْرُ بن سيَّار على بَلْخ، فعزله الجُنيد، وولَّى على الثغور جماعةً من الأعيان (٢). وفيها غزا معاوية بنُ هشام الصائفة، ووغلَ في بلد الروم، وغزا أيضًا أخوه سعيد بن هشام، فوصل إلى قيسارية. وولَّى هشامٌ الجرَّاحَ بنَ عبد الله الحَكَميَّ على أرمينية (٣). وحجَّ بالناس إبراهيم بن هشام وهو على ولايته، وعلى العراق خالد القَسْريّ، وعلى خُراسان الجُنيد (٤). وفيها توفّي جرير [الشاعر البصري؛ قال الزُّبَيْر بن بكَّار: هو جرير] بن عطية بن حُذيفة -و [حذيفة] هو الخَطَفَى (٥) - بن بدر بن سَلَمة بن عَوْف بن كُليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو حزرة. وذكره محمد بن سلَّام في الطبقة الأولى من شعراء الإسلام (٦) وقال: وُلد لسبعة أشهر، وعاش ثمانين سنة، وكانت وفاتُه باليمامة بعد الفرزدق بأربعين يومًا.

стр. 4946

[وقال الجوهري: والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العِذار للدابة غير الزِّمام، وبه سمّي الرجل جريرًا (١). وقال الهيثم:] وكان جرير يقدَّم على الفرزدق والأخطل. وقال الجاحظ: الشعر أربعة (٢) أصناف: مديح، وافتخار، وهِجاء، ونَسِيب، وفي جميعها جريرٌ مقدَّم، فإنه قال في الافتخار: إذا غَضِبَتْ عليكَ بنُو تميمٍ … رأيتَ الناسَ كلَّهمُ غِضابا وقال في المديح: ألستُم خيرَ من ركب المَطَايا … وأندى العالمينَ بطونَ راحِ وقال في النَّسِيب: إنَّ العيون التي في طَرْفها مرضٌ (٣) … قَتَلْنَنَا ثمَّ لم يُحيينَ قَتْلَانا وقال في الهجو: فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ … فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا (٤) و [قال القُتبي:] (٥) كان جرير ديِّنًا عفيفًا. قال: ما عشقتُ قطّ فأحتاجَ أن أُشبِّب بالحُرَم، ولو عشقتُ لشَبَّبْتُ تشبيبًا تسمعُه العجوز فتبكي على شبابها. [وروي أنه كان يشبِّب]. وقال عثمان الليثي (٦): رأيتُ جريرًا وما يضمُّ شفتيه من التسبيح. قلت: وما ينفعُك هذا وقد قذفتَ المُحْصَنات؟! فقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].

стр. 4947

وفَدَ جرير على عبد الملك فاستأذنَه في الإنشاد، فقال له: ألستَ القائلَ في الحجَّاج بن يوسف: هذا ابنُ يوسفَ فاعْقِلُوا وتَفَهَّمُوا … بَرِحَ الخفاءُ فليس حين تَنَاجي مَنْ سَدَّ مُطَّلَعَ النِّفاقِ عليكُمُ … أم مَنْ يصولُ كصَوْلَةِ الحجَّاجِ أم مَنْ يغارُ على النساءِ حفيظةً … إذْ لا يَثقْنَ بغَيرِة الأزواجِ قال له: يا أمير المؤمنين، إنما الحجَّاج سيفُك، فإذا مدحناه فإنَّما نمدحُك. فأذنَ له فقال: أتصحُو أم فُؤادُك غيرُ صاحِ … عشيَّةَ همَّ صَحْبُكَ بالرَّوَاحِ فعَجِلَ عليه عبد الملك وقال: بل فؤادُك يا ابن اللَّخْناء. فقال: تقول العاذلاتُ علاكَ شَيبٌ … أهذا الشَّيبُ يمنعُني مِراحي (١) ثِقي بالله ليس له شريكٌ … ومِن عندِ الخليفةِ بالنجاحِ ألستُم خيرَ مَنْ ركبَ المطايا … وأندى العالمين بُطونَ راحِ فطرب عبد الملك، وجعل يقلِّبُ كفّيه ويردِّدُ البيت ويقول: مَنْ مَدَحَنا فليَمدَحنا كذا. وأمرَ له بمئة ناقة برِعائها، فقال جرير: يا أمير المؤمنين، اجْعَلْها سُودَ الحَدَق. ففعل (٢). قال المصنف ﵀: فهذه من أبيات طويلة منها: أغِثْني يا فِداكَ أبي وأمّي … بسَيْبٍ منك إنك ذو ازتياحِ فإني قد رأيتُ عليَّ حقًّا … زيارتيَ الخليفةَ وامتداحي سأشكرُ إن رَددتَ عليَّ ريشي … وأنْبَتَّ القَوَادم في جَناحي أبَحتَ حِمَى تِهامةَ بعد نَجْدٍ … وما شيءٌ حَمَيتَ بمستباحِ لكم شُمُّ الجبالِ من الرَّوَاسي … وأعظمُ سَيلِ (٣) معتلجِ البِطاحِ رأى الناسُ البصيرةَ فاستقاموا … وبيَّنَتِ المِراضُ من الصحاحِ

стр. 4948

دخل أعرابي على عبد الملك فمدحه فأعجبه، فقال: من أنت يا أعرابي؟ فقال: من عُذْرَة، فقال: أولئك أفصحُ الناس، فهل تعرفُ أهجى بيتٍ في الإسلام؟ قال: نعم، قولُ جرير: فَغُضَّ الطَّرفَ إنَّك من نُمَيرٍ … فلا كعبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا فقال: أحسنت. فهل تعرفُ أمدَحَ بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قولُ جرير: ألَسْتُم خيرَ منْ ركبَ المطايا … وأنْدَى العالمينَ بطونَ راحِ فقال: أحسنت يا أعرابي، فهل تعرفُ أرقَّ بيتٍ قيلَ في الإسلام؟ قال: نعم، قولُ جرير: إنَّ العيونَ التي في طَرفها مَرَضٌ … قَتَلْنَنا ثم لم يُحيينَ قَتْلَانا قال: أحسنتَ يا أعرابي. فهل تعرفُ جريرًا؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق. فقال: هذا جرير، وهذا الأخطل، وهذا الفرزدق. فأنشأ الأعرابي يقول: فحيَّا الإلهُ أبا حَزْرَةٍ … وأزغَمَ أنفَكَ يا أخْطَلُ وجَدُّ الفرزدقِ أتْعِسْ به … ودَقَّ خَياشِيمَه (١) الجَنْدَلُ فقال الفرزدق: يا أرغم (٢) الله أنفًا أنتَ حاملُهُ … يا ذا الخَنَا ومقالِ الزُّورِ والخَطَلِ ما أنتَ بالحَكَم التُّرْضَى حُكُومتُهُ … ولا الأصيلِ ولا ذي الرأيِ والجَدَلِ وقال الأخطل: يا شَرَّ مَنْ حَمَلَتْ ساقٌ على قَدَمٍ … ما مِثْلُ قولكَ في الأقوام يُحتَمَلُ إنَّ الحكومة ليست في أبيك ولا … في معشرٍ أنتَ منهم إنهم سَفِلُ وقال جرير:

стр. 4949

شَتمْتُما قائلًا بالحقِّ مقتديًا (١) … عند الخليفةِ والأقوالُ تنتَضِلُ شَتَمْتُماه على رَفْعي ووَضْعِكما … لا زلتُما في انحطاط أيُّها السَّفِلُ ثم قام جرير، فقبل رأس الأعرابيّ وقال: يا أمير المؤمنين، جائزتي له. وكانت خمسةَ عشرَ ألفًا في كل سنة، فقال عبد الملك: وله مثلُها من مالي. فأعطاه إياها (٢). [وقال هشام ابن الكلبيّ:] كان عبد الملك يفضّل الأخطل على جرير، فحضرا يومًا عنده، فأنشد الأخطل: وإني لَقوَّامٌ مقاماتٍ (٣) لم يكن … جريرٌ ولا مولى جريرٍ يقومُها فقال جرير: أجل والله، إنك تقومُ (٤) إلى الخمر فتشربه، وإلى الخنزير فتذبحه وتأكله، وإلى الصليب فتسجد له وتقبِّلُه، وجريرٌ ما يفعل شيئًا من ذلك (٥). ومن أحسن ما قال جرير: إنَّ الذين غَدَوْا بقلبك (٦) غادروا … وَشَلًا بعينك ما يزالُ مَعِينا (٧) غَيَّضْنَ مِنْ عَبَراتهنَّ وقُلْن لي … ماذا لَقِيتَ من الهوى ولَقِينا وسمع ابنُ السائب المخزومي (٨) هذين البيتين -وكان من ظراف الناس، وكان صائمًا- وقد قام إلى صلاة المغرب، فلمَّا صلَّى المغرب وقُدِّمت إليه المائدة قال:

стр. 4950

امرأتُه طالق، وكل مملوك له حرّ إن أفطر الليلة إلا على هذين البيتين. وهما من أبيات، منها -وهو أوَّلُها-: ما للمنازل لا تُجيب حَزِينا … أصَممْنَ أم قَدُمَ المَدَى (١) فَبَلِينا ولقد تكنَّفني (٢) الوُشاةُ فصادفوا … حِصنًا بسرِّكِ يا أُميمُ حَصِينا (٣) قد هاج ذِكْرُكِ والصبابةُ والهوى … داءً تمكَّنَ في الفؤاد مكينا (٤) وقال الأصمعي: أحسنُ ما قيل في ملاطفة الإخوان: إلى الله أشكو أنَّ بالغَوْر حاجةً … وأُخرى إذا أبصرتُ نجدًا بدا ليا فقولا لواديها الذي نزلَتْ به … أَوَاديَ ذي القَيصُوم أمرعتَ واديا (٥) وإني لأستحيي أخي أن أرى له … عليَّ من الفضل الذي لا أرى ليا (٦) وقال جرير: يا أختَ ناجية السلامُ عليكمُ … قبل الرَّحيلِ (٧) وقبل لَوْمِ العُذَّلِ لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخِرَ عهدِكُم … يومَ الرَّحيلِ فعلتُ ما لم أفعلِ وقال: يا أمَّ عمرٍو جزاكِ الله صالحةً (٨) … رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا قد خُنْتِ مَنْ لم يكن يخشى خِيانَتَكُم … ما كنتِ أوَّلَ موثوقٍ بمن (٩) خانا

стр. 4951

إنَّ العيونَ التي في طَرْفها مَرَضٌ … قَتَلْنَنَا ثم لم يُحيينَ قَتْلانا يَضرعنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حِراكَ بهِ … وهُنَّ أضْعَفُ خلقِ اللهِ أركانا أتْبَعتُهُم مُقْلَةً إنسانُها غَرِقٌ … هل ما ترى تاركٌ (١) للعين إنسانا يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيَّانِ من جَبَلٍ … وحَبَّذا ساكنُ الرَّيَّانِ مَنْ كانا هلْ يَرجِعَنَّ وليس الدهرُ مُرتَجِعًا … عيش (٢) بها طالما احلَوْلَى وما لانا ومن شعره: لمَّا تذكَّرتُ بالدَّيرَينِ أرَّقَني … صوتُ الدَّجاجِ وقَرعٌ بالنَّواقِيسِ فقلتُ للرَّكْبِ إذْ جدّ الرَّحيلُ بنا … يا (٣) بُعدَ يَبْرِينَ من باب الفَراديسِ (٤)! هل دعوةٌ من جبال الثلج مُسْمِعةٌ … أهلَ الإياد وَحَيًّا بالنَّباريس (٥) يَخْزَى الوشيظُ إذا قال الصميمُ (٦) لهم … عُدُّوا الحصى ثم قيسوا بالمقاييسِ وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يَسْتَطِع صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ (٧) قد جَرَّبَتْ عَرَكي في كلِّ معتركٍ … غُلْبُ الأسودِ فما بالُ الضغابيسِ (٨)

стр. 4952

ودخل جرير على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، قد قلتُ فيك ثلاثة أبيات، ما قالت العربُ مثلها، ولن أُنشدك إيَّاها إلا كلّ بيت بعشَرة آلاف درهم. فقال: هاتها، للهِ أبوك. فقال: رأيتُكَ أمسِ خيرَ بني (١) مَعَدٍّ … وأنتَ اليومَ خيرٌ منك أمس وبيتُكَ في المناقب خيرُ بيتٍ (٢) … وغَرسُكَ في المغارس خَيمُ غَرْسِ وأنتَ غدًا تزيدُ الضِّعْف ضِعْفًا … كذاك تَزيدُ سادَةُ عبدِ شمسِ (٣) فأمر له بثلاثين ألفًا. وكان السبب في وقوع الهجاء بين الفرزدق وجرير أن جريرًا كان يُهاجي البَعِيث -واسمُه خِداش بن بِشْر المجاشعي- فأعانه الفرزدق على جرير، فصار جرير يهجوهما، ثم أعان الأخطل الفرزدق على جرير. والغالبُ على شعر الفرزدق أنه كان يفخر بآبائه، وكان جرير يُعيّر الفرزدق بأن قومه أجاروا الزُّبَيْر ﵁ وقتلوه (٤). عطيَّة بن سَعْد (٥) ابن جُنادة العَوْفيّ، من جُذيلة، أبو الحسن، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة، وكانت أمّه أمَّ ولد.

стр. 4953

وخرج مع ابن الأشعث على الحجَّاج، فلما انهزم ابنُ الأشعث هرب عطيَّة إلى فارس، فكتب الحجَّاج إلى محمد بن القاسم الثقفي أن ادعُ عطيَّة، فإن لعنَ عليَّ بنَ أبي طالب؛ وإلَّا فاضْرِبْه أربع مئة سوط واحْلِقْ رأسه ولحيتَه. فدعاه، فأقرأه كتابَ الحجَّاج، فأبى عطيَّة أن يفعل، ففعل به محمد ذلك. فلما وليَ قُتيبةُ خراسان؛ خرج عطية إليه، فلم يزل بخراسان حتى وليَ عُمر بنُ هُبيرة العراقَ، فكتب إليه يستأذنُه في القدوم، فأذِنَ له، فقدم الكوفةَ، فلم يزل بها إلى أن توفِّي في سنة إحدى عشرة ومئة. وكان ثقةً، وله أحاديثُ صالحة، ومن الناس من لا يحتجُّ بحديثه (١). وقد روى عن ابنِ عباس، ومعظمُ رواياته عنه في التفاسير (٢). الفرزدق الشاعر واسمُه همَّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عِقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، أبو فراس المجاشعي البصري، والفرزدق لقب له. [قال الجوهري: الفَرَزْدَقَةُ: القطعة من العجين، وأصله بالفارسية: برازدة، وبه سُمِّيَ الفرزدق، واسمه همَّام، فإذا جمعت قلت: فرازق (٣). وقال الفرَّاء: الفرزدق: الرغيف الحُوَّارَى (٤) الواسع، شُبّه وجهُه به لِسَعَتِه. وقال أبو نصر بن ماكولا: كان الفرزدق يُكنى في شبابه أبا مكيَّة (٥). وقال عثمان بن أبي شيبة:] أحيا جدُّه صعصعة في الجاهلية ألف موؤودة، وحمل على ألف فرس، وكان الفرزدق يفتخرُ به وقال:

стр. 4954

ومنَّا الذي منَعَ الوائدات … وأحيا الوئيدَ فلم يُوأَدِ وقال ابن الكلبي: قدم صعصعة على رسول الله ﷺ [فأسلم] وعلَّمه آياتٍ من القرآن، وقال: يا رسول الله، قد أحييتُ ألف موؤدة، اشتريتُ كلَّ واحدة بناقتين عُشَرَاوين (١) وحملتُ على ألف فرس، فهل لي من أجر؟ فقال: "ما أحييتَ فمن باب البرِّ، لك أجرُه، وقد منَّ الله عليك بالإسلام" (٢). [ذكر طرف من أخبار الفرزدق: روى هشام بن الكلبي عن أبيه قال:، دخل غالب [بن صعصعة] على عليّ ﵇ ومعه ابنُه الفرزدق صغيرًا، فقال علي ﵁: مَنْ أنت؟ قال: غالب بن صعصعة المجاشعي، فقال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: فما فعلت إبلك؟ قال: نكَبَتْها النوائب، ودَهمَتْها الحقوق. فقال: ذلك خيرُ سُبُلها. ثم قالماله: من هذا الفتى معك؟ قال: ابني، وإنه يقول الشعر. قال: علّمه القرآن، فهو خيرٌ له من الشِّعر. قال الفرزدق: فما زال ذلك في نفسي حتى قَيَّدتُها بقيد، وقلت: واللهِ لا أنْزِعُه من رِجْلي حتى أحفظَ القرآن. فما نزعتُه حتى حفظتُه (٣). [قال ابن الكلبي:] ومات غالب بِسِيفِ كاظمة (٤)، فدُفن على رابية، فجعل الفرزدق ذلك المكان حِمًى لا يستجيرُ به أحدٌ إلا أجاره، ولا يلوذُ به عانٍ إلا فكَّه، ولا يأتيه غارم إلا أدَّى عنه. فلما عزم على هجو بني جعفر بن كتاب لشيءٍ جرى بينهم؛ جاءت امرأةٌ من بني جعفر إلى قبر غالب، فضربت عليه فسطاطًا، واستجارت به، وكان ابنُها نافع قد هجا

стр. 4955

الفرزدق، فجاء الفرزدق إلى قبر أبيه فرآها هناك، فأخذَتْ حَصَياتٍ من القبر، وقالت: أنا مستجيرة بصاحب هذه التوبة من هجائك. فأجارها، فلما هجا بني جعفر ووصل إليها، قال: عجوزٌ تُصلِّي الخمسَ عاذَتْ بغالبٍ … فلا والذي عاذَتْ به لا أَضِيرُها وإني على إشفاقها من مخافتي … وإنْ عَقَّها بي نافعٌ لَمُجيرُها (١) وعاذ بقبره مكاتَبٌ قد عجز عن نجومه (٢) وقال: بقبر ابنِ ليلى غالبٍ عُذتُ بعد ما … خَشِيتُ الرَّدَى أو أنْ أُرَدَّ إلى (٣) قَسْرِ فقال: كم كتابُك؟ قال: أربعون ألفًا (٤). فأدَّاها عنه. [وقال الزُّبير بن بكَّار:] وقدم الفرزدق على معاوية وابنِه يزيد وعبدِ الملك [بن مروان] وسليمان [بن عبد الملك] وعمر بن عبد العزيز ﵁. [وقال العتبي:] ودخل [الفرزدق] على سليمان بن عبد الملك فقال له: من أنت؟ كأنه لا يعرفُه. فقال الفرزدق: أوَ ما تعرفُني يا أمير المؤمنين؟! قال: لا. قال: أنا الذي منهم أوفى العرب، وأسود العرب، وأجود العرب، وأحلم العرب، وأفرس العرب، وأشعر العرب. فقال: بيِّنْ ما تقول. فقال: أمَّا أوفى العرب؛ فحاجب بن زُرارة الذي رهن قوسه عن جميع العرب، فوفَى بذلك، وأما أسود العرب؛ فقيسُ بنُ عاصم الذي وفدَ على النبيِّ ﷺ ، فبسط له رداءَه وقال: "هذا سيِّدُ أهلِ الوَبَر". وأمَّا أحلم العرب؛ فالأحنف بنُ قَيس الذي يُضربُ المَثَلُ بحلمه، وأمَّا أجودُ العرب فعتاب بن وَرْقاء الخُزاعي، وأما أفرس العرب؛ فالحَرِيش بن عبد الله السعدي، وأما أشعر العرب؛ فها أنا بين يديك. فغضب سليمان، وساءه ما سمع من افتخاره، ولم يقدر على إنكاره، فقال له: ارجع على عقبيك، فلا شيء لك عندنا. فرجع وهو يقول: أتيناك لا من حاجةٍ عَرَضَتْ لنا … إليك ولا من قلَّةٍ في مُجاشعِ

стр. 4956

ثم دخل عليه بعد ذلك وأنشده: وَرِثْتُم قناةَ المُلكِ لا عن كَلالةٍ … عن ابنَيْ منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشمِ (١) فأجازَه ووصلَه. وكان الفرزدق يهاجي جريرًا ويُهاجيه جرير، ومع هذا فكان كلُّ واحد منهما يراعي صاحبه. ولمَّا هجا الفرزدق هشام بن عبد الملك بقوله: يُقلِّبُ عينَّا لَم تكُنْ لخليفةٍ (٢) في نور زين العابدين. قول الفرزدق (٣): هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَهُ (٤) وحبس هشام الفرزدق بعُسْفان؛ دخل جرير (٥) على هشام (٦) وقال له: إن كنت تريد [أن] تبسط يدك على مُضَر؛ فأطلقْ لها شاعرها. يعني الفرزدق. فأطلقه. [وقد ذكرنا القصة] ولم يكن هشام في ذلك الوقت وليَ الخلافة (٧).

стр. 4957

و [قال أبو عبيد:] جلس الفرزدق يومًا عند الحسن البصري، فجاءه رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا نكون في هذه البعوث والسرايا، فنُصيبُ المرأة من العدوّ، وهي ذاتُ بَعْل، أفَتَحِلُّ لنا من غير أن يطلِّقها زوجُها؟ فقال الفرزدق: قد أجبتُ عن هذا في قولي: وذاتِ حليل أنكحَتْنا رماحُنا … حلالٌ لمن يَسبِي (١) وإنْ لم تُطَلَّقِ فقال الحسن: صدق. و [قال أبو عبيدة:] كانت هند (٢) بنت صعصعة عمَّة الفوزدق تقول: مَنْ جاءت من نساء العرب بأربعة مثل مثالي (٣) يحلُّ لها أن تضع خمارها عندهم؛ فصِرمَت لها (٤): أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبْرِقان بن بدر. فسُمّيَتْ ذاتَ الخمار. [قلت:] وقد روى صعصعة [أبو هذه] الحديثَ [عن رسول الله ﷺ ، فأخرج له الإمام أحمد في "المسند" حديثًا واحدًا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده] عن صعصعة بن معاوية عمِّ الفرزدق أنه أتى النبيَّ ﷺ ، فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، فقال: حسبي، لا أُبالي أن [لا] أسمعَ غيرَها (٥). حديث النَّوَار (٦) [زوجة الفرزدق] [حكى أبو عَمرو الشَّيباني قال:] كانت النَّوَار ابنة عبد الله بن أعين [بن ضُبيعة] المجاشعي، وكان قد بعثه عليٌّ ﵇ إلى البصرة أيام الحَكَمين، فقتلَتْه الخوارج

стр. 4958

غِيلةً، فخطب ابنتَه النَّوار رجل من قريش فبعثت إلى الفرزدق، وكانت ابنةَ عمِّه، فقالت: أنتَ أولى ألناس بي، فزوِّجْني من هذا الرجل. فقال: أشْهِدِي عليكِ أَنك [قد] فوَّضْتِ أمركِ إليَّ، وقد رضيتِ بمن أزوِّجكِ. ففعلت. فلما اجتمع الناسُ خطب الفرزدق وقال: إن النَّوَار [قد] فوَّضَتْ أمرَها إليَّ، فاشْهدُوا أني قد تزوَّجْتُها على مئة ناقة سود الحَدَق. وبلغها فأبت، ونافرَتْه إلى عبد الله بن الزُّبَيْر، فلما قدما مكة نزلت على زوجة عبد الله، وهي بنتُ منظور بن زبَّان، ونزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله [بن الزبير]. فكان كما أصلح حمزة مع أبيه نهارًا أفسدَتْه بنتُ منظور ليلًا، فتحاكما إلى ابن الزبير، فحكم على الفرزدق، فقال [الفرزدق]: أمَّا البنونَ فلم تُقبل شفاعتُهم … وشُفِّعَتْ بنتُ منظورِ بنِ زَبَّانا ليس الشفيعُ الذي يأتيك متَّزرًا … مثلَ الشفيعِ الذي يأتيك عُريانا وبلغ ابنَ الزبير، فقال للنَّوَار: هذا خبيثُ اللسان، وسيهجوني وأضربُ عنقَه، فإن أحببتِ ذلك فافعلي. فقالت: قد أجزتُ نكاحه. فزوَّجَه بها، فأقامَتْ عنده زمانًا، تارةً ترضى به، وتارةً تسخط (١). فجاء [يومًا] إلى حلقة الحسن وقال له: يا أبا سعيد، إني قد طلَّقتُ النَّوَار ثلاثًا. ثم ندم وأتبع الثلاث نفسه (٢)، فقال له الحسن: واللهِ لئن رجعتَ لأرجمنَّك بأحجارك. فمضى وهو يقول: نَدِمتُ ندامةَ الكُسَعِيِّ (٣) لمَّا … غَدَتْ منّي مطلَّقةً نَوَارُ وكانت جنَّتي فخرجتُ منها … كآدمَ حين أخرجه الضِّرارُ

стр. 4959

فأصبحتُ الغداةَ ألومُ نفسي … بأمرٍ ليس في فيه خيارُ وكنتُ كفاقئٍ عينَيهِ عمدًا … فأصبحَ ما يضيءُ له النهارُ (١) ثم راجعها، وماتت عنده، وأوصَتْ أن يصليَ عليها الحسن، فصلَّى والفرزدق حاضرٌ، فلما سُوَّيَ عليها قام فقال: أخافُ وراءَ القبر إن لم يُعافِني … أشدَّ من القبر التهابًا وأضْيَقا إذا جاءني يومَ القيامة قائدٌ … عنيد وسوَّاقٌ يسوقُ (٢) الفرزدقَا لقد خابَ من أولاد آدمَ مَنْ مَشَى … إلى النار مغلولَ القِلادةِ أزْرَقَا يُساقُ إلى نار الجحيم مُسَربَلًا … سَرابِيلَ قَطْرانٍ لباسًا مُحَرَّقا إذا شربوا فيها الصديدَ رأيتَهم … يذوبون من حرِّ الحميم تمزُّقا فبكى الحسن وقال: يا همَّام، ماذا أعدَدتَ لهذا اليوم؟ فقال: شهادةُ أن لا إله إلا الله [وأن محمدًا رسول الله] منذ ثمانين [أو سبعين] سنة، قال الحسن: قد كنتَ من أبغض الناس إليّ، وإنك اليوم لأحبُّ الناس إليّ (٣). [وفي رواية: فبكى الحسن وقال: يا همَّام، ما أعددتَ لهذا اليوم؟ فكم من مُحصَنةٍ قد قَذَفْتَها! فقال: هل لي من توبة؟ قال: نعم. فقال: أستغفر الله. فقال الحسن: نحن وإياك على الأثْر، فقال الفرزدق: ولسنا بأبقى بعدهم (٤) غير أنَّنا … أقمنا قليلًا بعدهم وترحَّلُوا] (٥) فلما مات الفرزدق رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: نفعتني الكلمة التي راجعتُ الحسنَ فيها عند القبر (٦). [وقد ذكرنا اجتماع الحسن والفرزدق عند جنازة أبي رجاء العُطاردي وقول الفرزدق: يا أبا سعيد، يزعم الناس أنه قد اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وهو

стр. 4960

أنت، وشرُّ الناس وهو أنا. فقال الحسن: لا أنا خيرُ الناس، ولا أنت شرُّ الناس. ما أعددتَ لهذه الحفرة؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: نِعم العُدَّة، خُذوها من غير فقيه] (١). ومن شعره: إن تُنصفونا يا آل مروانَ نقتربْ … إليكمْ وإلَّا فأْذنوا بِبِعادِ ولولا بنو مروانَ كان ابنُ يوسفٍ … كما كان عبدًا من عبيد إيادِ (٢) وقيل: هي لمالك بن الرَّيب (٣). وقال الفرزدق: إذا ما الدَّهْرُ جرَّ على أُناسٍ … كَلَاكلَهُ (٤) أناخَ بآخرينا فقُل للشامتين بنا أَفِيقوا … سيَلْقَى الشامتونَ كما لَقِينا [حديث دارة الجُلْجُل (٥) روى ابنُ الكلبيّ عن أبيه، عن الفرزدق قال: مُطرنا في بعض السنين، فخرجتُ إلى ظاهر البصرة على بغلة، فأبعدتُ، وإذا بنسوة في غدير ماء إلى حلوقهنّ مستنقعاتٍ، فقلتُ: سبحان الله! ما أشبه هذا اليوم بدارة جُلْجُل. فنادَتْني واحدٌ منهن: يا صاحبَ البغلة، حدِّثْنا عن دارة جُلْجُل. فقلت: نعم، كان امرؤ القيس بن حُجْر الكِنْدي يَهْوَى عُنيزة بنتَ عمِّه، فخرجَ يومًا في طلبها على ناقة، فوجدها مع أترابٍ لها في غدير يقال له: دارة جُلْجُل وهنَّ في الغدير إلى حلوقهنَّ مثل ما أنتنَّ. فأخذَ ثيابَهنّ وقال: لا أعطيكنّ منها شيئًا حتَّى تخرجَ كلُّ واحدة منكنَّ مجرَّدة، فتأخذ ثيابَها.

стр. 4961

ثم نزل الفرزدق عن البغلة، وأخذ ثيابهنَّ وقال: هكذا أفعل بكنّ؛ كما فعل امرؤ القيس. فنادته واحدةٌ منهنَّ وقالت: ويحك! إن امرأ القيس كان عاشقًا عُنيزة، أفعاشقٌ أنتَ بعضَنا؟ قال: أتشبّه به. قال: وتعالى النهار، فخرجت عُنيزة من الغدير وحدَها خوفًا من أهلها، فرآها مُقبلةً ومُدبرة، وخرج الباقيات، فقُلْنَ: يا امرأ القيس، قد أجَعْتَنا وحبستَنا، فما أنت صانعٌ بنا؟ فقال: هذه ناقتي لكُنَّ. فنَحَرَها، وأجَّجَ نارًا وأطعمهنَّ، فقالت واحدة: أنا أحملُ طِنْفِسَتَه (١)، وقالت أخرى: وأنا أحملُ رَحْلَه، وقالت عُنيزة: وأنا أحملُه على غارب جملي (٢)، فكان إذا مال ليُقبِّلها؛ مال الخِدْر، فيكاد أن يقع، فلذلك قال: ألا ربّ يومٍ لك منهنَّ صالحٍ … ولا سيَّما يومًا (٣) بدارة جُلْجُلِ ويومَ عَقَرْتُ للعَذَارى مَطِيَّتي … فواعَجَبًا من رَحْلِها المُتَحمِّلِ وأنشد الأبيات. فقلن النساء (٤) للفرزدق: ولابدَّ لك أن تفعل بنا ما فعل امرؤ القيس بصواحبات عُنيزة؟ قال: نعم. فهمست واحدة منهنَّ إلى صواحباتها بشيءٍ لم أفهمه، فقالت: ادْنُ منَّا لتنال بُغْيتَك. قال: فدنوتُ، وانغطَطْن في الغدير، ثم خرجت كلُّ واحدة منهنَّ وفي يدها طِين قد ملأت يدها منه، فتعادَين نحوي، وضَرَبْنَ بذلك الطين وجهي وعيني، فامتلأتْ عيناي، وتلوَّثَتْ ثيابي، ووقعْتُ على وجهي لا أدري أين أنا، فأخَذْنَ ثيابي وبغلتي ومَضَينَ، وبقيتُ مكاني مَغْشيًّا عليَّ إلى الليل، فقمتُ وغسلتُ وجهي، وأتيتُ منزلي على أقبح حال، وإذا بالبغلة يقودُها إنسان ويقول: أخَوَاتُك يُسلِّمْنَ عليك، ويُقلْنَ: طلبت منَّا ما لا يمكن دفعُه إليك، وقد بعثنا إليك زوجتَك البغلة، فافعلْ بها سائر ليلتك، وهذا كيسٌ فيه دراهم، فإذا أصبحتَ؛ فادفَعْه إلى الحمَّامي. قال الفرزدق: واللهِ ما رأيتُ مثلهنَّ (٥).

стр. 4962

وقد أشرنا إلى طرف من القصة في صدر الكتاب في ترجمة امرئ القيس. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان الفرزدق أروى الناس للأشعار. وقد ذكرنا مدحه لأهل البيت] (١). ذكر وفاته: قال أبو عمرو بن العلاء: حضرتُ الفرزدق عند وفاته، فما رأيتُ أحسنَ ثقة بالله منه (٢). [واختلفوا فيها؛ فقال الواقدي: مات في سنة إحدى عشر ومئة. وقال الهيثم: في سنة عشر ومئة. وقال أبو عمرو بن العلاء:] وقدم جرير من اليمامة بعد موته، فاجتمع إليه الناس، فما أنشدهم، ولا كلَّمهم كلمةً. قالوا: فما الَّذي بك؟ قال: أطفأ -واللهِ- موتُ الفرزدق جمرتي وأسألَ عَبْرتي وقرَّب منيَّتي. ثم شخص إلى اليمامة، فنُعي لنا في شهر رمضان بعد الفرزدق (٣). وقال [أبو] الهيثم الغَنَويّ: كان جرير بالبادية، فنُعي إليه الفرزدق، فاعترض الطريق، فإذا بأعرابيّ على قَعُود، فقال [له جرير]: من أين؟ قال: من البصرة. قال: فما الخبر؟ قال: رأيت جنازةً عظيمة فيها الحسن البصري فسألتُ عنها، فقيل: جنازة الفرزدق. قوله: رأيتُ جنازة عظيمة فيها الحسن البصري، فيه نظر لأنه ذُكر وفاة الحسن رحمة الله عليه في سنة عشر ومئة، والفرزدق في سنة إحدى عشرة إلا أن تكون تأخَّرت وفاة الحسن رحمة الله عليه (٤).

стр. 4963

فبكى جرير بكاءً شديدًا، فقيل له: أتبكي على رجل يهجوك وتهجوه منذ أربعين سنة؟! فقال: إليكم عنّي، فواللهِ ما تسابَّ رجلان، ولا تناطح كبشان؛ فمات أحدهما؛ إلا تَبِعَه الآخر عن قريب. ثم قال: لعمري لئن كانَ المُخَبِّرُ صادقًا … لقد عَظُمتْ بلوى تميمٍ وجَلَّتِ فلا حملَتْ بعدَ الفرزدقِ حُرَّةٌ … ولا ذاتُ حمل في نِفاسٍ تعلَّتِ هو الوافدُ المجبورُ والدافع الأذى (١) … إذا النَّعلُ يومًا بالعشيرة زَلَّتِ [وفي رواية أن جريرًا قال: مات الفرزدق بعد ما جدَّعْتُهُ (٢) … ليتَ الفرزدقَ كان عاشَ طويلا فقيل له: بئس ما قلت! أتهجو ابنَ عمِّك بعد الموت، لو رثيته كان أولى بك. فقال: واللهِ إني لأعلم أن بقائي بعده قليل. فعاش أربعين يومًا (٣). وقيل: إن جريرًا مات بعده بأربعة أشهر، وإنهما ماتا في سنة عشر ومئة، ويدلُّ عليه أنَّ الحسن صلى عليه إن ثبتت الرواية. واختلفوا في مقدار عمره، فقال هشام:] عاش تسعين سنة. وقيل: قارب المئة، ومات بعلَّة الذُّبَيلة (٤). وأسند [الفرزدق] عن عليٍّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدري، والحُسين بن عليّ، ﵁، [وقد ذكرنا أنَّه لقيه في طريق العراق وهو متوجّه إليها]. وروى عن الفرزدق أولاده، وهم: لَبَطَة، وخَبَطَة، ورَكَضَة، وسبطة، والحنطبا.

стр. 4964

قال لَبَطَة: حدثنا أبي قال: لقيَني أبو هريرة، فقال: كم من محصنة قذفتَها! ثم نظر إلى قدميّ، فرآهما صغيرتين، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي حوضًا كما بين أَيلة وعَمَّان" فإن قدرتَ أن يكون لقدميك عنده موضع؛ فافعل. قال: فقلت: ذنوبي كثيرة. فقال: لا تيأس (١). وكانت وفاته بالبصرة، ولم يبقَ له عقب (٢). وروى عنه الكُميت الشاعر، وخالد الحذَّاء. يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير [أخو مُطرِّف، وكنيتُه] أبو العلاء، [وهو] من الطبقة الثانية من أهل البصرة. وكان يقول: أنا أسنُّ من الحسن بعشر سنين، وأخي مُطرِّف أسنُّ مني بعشر سنين (٣). وحكى أبو نُعيم أنَّه كان يقول (٤): لأن أُعافَى فأشكر؛ أحبُّ إليَّ من أن أُبْتَلَى فأصبر. ثم يقول: اللهمَّ، أيُّ ذلك كان خيرًا لي فعجِّلْ به. وكان إذا قرأ في المصحف؛ غُشِيَ عليه، وكان ثقةً صالحًا، وكانت وفاته بالبصرة، وروى عن أبيه وغيره (٥).

стр. 4965

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الحادي عشر [١١٢ - ١٣٢ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد رضوان عرقسوسي

стр. 4966

السنة الثانية عشرة بعد المئة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح حصن خَرْشَنة (١)، وأوغل في بلاد الرُّوم. وفيها استُشهد الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ بمرج أرْدَبِيل (٢)، وافتتحت التُّرْك أرْدَبِيل. ولما دخلَ الجرَّاح غازيًا استخلف أخاه الحجَّاج [بن عبد الله] على أرمينية (٣). وفيها كانت وقعة الجُنيد [بن عبد الرحمن] مع التُّرك وخاقان. وقيل: كانت هذه الوقعة في سنة ثلاث عشرة ومئة (٤). قال علماء السير رحمهم الله تعالى: سار الجُنيد من مَرْو، فنزل على نهر بَلْخ، وفرَّق عساكره، فبعثَ عُمارة بنَ خُريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفًا، وبعث إبراهيم بنَ بسام الليثي إلى جهة أخرى في عشرة آلاف، وجاءت التُّرك إلى سمرقند وعليها سَوْرة بن الحُرّ الدارميّ، فكتبَ سَوْرَة إلى الجُنيد يخبره أنَّ خاقان نزل على سمرقند، ولم يمكنه دفعُه، فالغوثَ الغوثَ. فقال الجُنيد للناس: اقطعوا النهر وأغيثوا سَوْرة. فقال له جماعة الأشراف ووجوه القبائل: قد فرَّقتَ جندك، وخاقانُ ليس كغيره، وصاحب خُراسان لا يقطع النهر إلا في خمسين ألفًا، فاكتُبْ إلى الجُند واجمَعْهم واعْبُر. فقال: وكيف لي بسَوْرَة ومن معه من المسلمين؟! لو لم أكن إلا في بني مُرَّة أو أهل الشام لَعَبَرْتُ النهر (٥).

стр. 4967

ثم قطع النهر فنزل كِسّ (١) وبعث العيون، فعادوا وقالوا: تأهَّبْ فقد أتَوْك. فقال: أيُّ الطريق أقربُ إلى سَمَرْقَنْد؟ قالوا: طريق المحترقة. فقال المجشّر بن مُزاحم السُّلَميّ: القتلُ بالسيف أهونُ من القتل بالنار، إن طريق المحترقة فيها الحشيش والشجر، ولم تُزرع منذ زمان، فإن لقينا خاقان، فأطلقَ علينا النارَ؛ هلكنا كلُّنا. ثم قال المجشِّر: إنه كان يقال: إن رجلًا من قيس عَيلان مُترفًا يهلك على يديه جندٌ من جنود خُراسان، وما إخالُك إلا إيَّاه. فقال الجُنيد: أفْرِخْ رُوعَك (٢). فقال [المجشّر]: أمَّا ما كان (٣) بينَنَا مثلك فلا يُفْرَخ. وتلقَّاهم فارسٌ فقالوا: ما اسمُك؟ قال: حَرْب. قالوا: ابنُ مَنْ؟ قال: ابنُ محربة. قالوا: ممَّن؟ قال: من بني حنظلة. قالوا: سلَّط الله عليكم الحَرْب والحَرَب (٤) والمرّ. ثم دخل الشِّعب وبينهم (٥) وبين سمرقند أربعةُ فراسخ، وصبَّحهم خاقان في جمع عظيم ومعه أهل السُّغْد وفرغانة والشاش، وصفَّ الجُنيد أصحابَه وفيهم نَصْر بن سيَّار، واقتتلوا قتالًا لم يرَ الناس مثله، وانكشفت الميمنة والميسرة والجُنيد في القلب، وعادت الميمنة إلى مكانها بعد قتال شديد. وجاء الجُنيد إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأَزْد وكان قد جفاهم، فقال له صاحب رايتهم: ما جئتَنا لتُكرمنا، ولكن لعلمك أنَّه لا يُوصل إليك ورجل منَّا حيٌّ، فإن ظفرنا كان الفتح لكم، وإن هلكنا لم تبكِ علينا. ثم حمل بالراية، فقُتل، وتناولَها منهم ثمانيةَ عشرَ (٦) فقُتلوا، وقُتل من أعيان الأزد ثمانون رجلًا، منهم يزيد بن المفضّل الحُدَّاني،

стр. 4968

وكان قد حجَّ فأنفقَ في حجته ثمانين ومئة ألف درهم، وسألَ اللهَ الشهادة، فاستُشهد بعد مقدمه من الحجّ بأيام. ثم نادى الجُنيد: الأرضَ الأرضَ. فنزلوا، وخندقوا عليهم، وأُصيب من الأزد مئةٌ وثمانون، وخلقٌ كثير من القبائل. وكانت الوقعةُ يومَ الجمعة، وباتوا وقد تحصَّنوا بالرِّجال والرِّحال، ليس للعدوّ عليهم طريق إلا من جهة واحدة، وأصبح خاقان يوم السبت، وقصدَهم فلم يقدر عليهم، فنزل مقابلتهم (١). وقيل للجُنيد: اكتب إلى سَوْرَة بن الحرّ؛ فليُوافِك بأهل سمرقند. فكتب إليه الجُنيد: أغِثْني. فقال له أصحابه: وكيف تصنع بخاقان وهو بينك وبينهم؟ فاعتذِرْ إليه. فكتب يعتذرُ إليه، فكتب إليه الجُنيد: يا ابنَ اللَّخْناء. وشتمه وتهدَّدَه، وقال له: الزم الماء حتَّى نصل إليك. فخاف فسلك طريقًا آخر، فخرج في خمس مئة (٢) من أهل سمرقند. وبلغ التركَ، وسار حتَّى بقيَ بينه وبين الجُنيد فرسخ، وركبَ خاقان، فأحاطَ بهم من كل جانب، وأطلق النار في الحشيش، وكانوا قد عطشوا، فترجَّلوا، فقُتلوا عن آخرهم، وأول من قُتل سَوْرَة. وقيل: كانوا ألفين، فسلم منهم القليل (٣). ولمَّا رأى الجُنيد اشتغال التُّرك بقتال سَوْرَة وأصحابِه خرج من الشِّعب يريد سمرقند، وعاد خاقان، فقيل للجنيد: انزل. فنزلَ، وأحاطَ بهم خاقان، فلما كان في الليل ساروا على حميَّة، وتبعهم العدوّ، فقاتل الموالي قتالًا شديدًا (٤)، وتأخَّر العدوّ، ومضى الجُنيد إلى سمرقند، فأقامَ بها، ومضى خاقان إلى بلاده.

стр. 4969

وأقام الجُنيد بسمرقند أربعة أشهر، وندبَ بعضَ الناس ليمضي من سمرقند إلى هشام، فجَبُنُوا، فبعث نَهارَ بنَ توسعة وقال له: … (١) وكتب إليه: إنَّ سَوْرَة أمرتُه بلزوم الماء، فعصاني، فقُتل. وقال نهار بن توسعة: لعمريَ (٢) ما حابيتَني إذْ بعثتَني … ولكنَّما عَرَّضْتَني للمتالفِ دعوتَ لها قومًا فهابُوا ركوبَها … وكنتُ امْرأ ركَّابةً للمخاوفِ وأيقنتُ إنْ لم يدفعِ اللهُ أنَّني … طعامُ سِباعٍ أو لِطَيرٍ عَوائفِ من أبيات. فكتب هشام إلى الجُنيد: قد وجَّهتُ إليك عشرين ألفًا من أهل البصرة والكوفة، وبعث له سلاحًا كثيرًا، منه ثلاثون ألف رمح، وثلاثون ألف قوس. واسترجع هشام وقال: إنَّا لله، الجرَّاح بالباب، وسَوْرَة بخُراسان. وأبلى نصر بن سيَّار في ذلك اليوم بلاءً حسنًا ولم يشكره الجُنيد، فقال نصر: إنْ تحسُدُوني على حُسْنِ البلاء لكم … يومًا فمثلُ بلائي جرَّ لي الحَسَدا يَأبَى الإلَهُ الَّذي أعلى بقدرتِهِ … كعبي عليكم وأعطى (٣) فوقكم عَضُدا (٤) وضَرْبيَ التُّركَ عنكم يومَ فَرْقِكُمُ … بالسيف في الشِّعْبِ حتَّى جاوزَ السَّنَدَا هلَّا شكرْتُمْ (٥) دفاعي عن حَرِيمِكُمُ (٦) … وَقْعَ القَنَا وشهابُ الحربِ قد وَقَدَا من أبيات. وكان التُّرك قد قصدوا الجُنيد، فمال به نَصْر بن سَيَّار إلى سند الجبل (٧) وحماه.

стр. 4970

ونزلَ خاقان على بُخارى، والجُنيد بسمرقند قد تحصَّن بها ورجع إليها الناس، وكان ببُخارَى قَطَن بنُ قتيبة، فأراد الجُنيد أن يسير إليه ليُنجده، فمنعه أهل الرأي وقالوا (١): اصبْر حتَّى يأتيَ المدد من العراق. فخلَّفَ عثمانَ بنَ عبد الله بن الشَخِّير بسمرقند في جيش، وأنفقَ فيهم المال، وأمر الجُنيد … (٢) فحُملوا إلى مرو. ولحقَهم خاقان، فاقتتلوا، وعطش خاقان ومن معه، فرجعوا عنهم، وأتى المسلمون بُخارى. وهذه الوقعة يقال لها: وقعة الشِّعْب، وقد أكثر الشعراء فيها القول، وقال بعضُهم يمدحُ نصر بن سيَّار في ذلك اليوم، وهو خالد بنُ المعارك، وهو ابن عرس: يا نصرُ أنت فتى (٣) نزارٍ كلِّها … ولك المآثرُ والمَحَلُّ الأرفعُ فرَّجْتَ عن كلِّ القبائلِ كُرْبةً … بالشِّعْب حين تخاصموا وتضعضعوا ما زلتَ ترميهم بنفسٍ حُرَّ؛ (٤) حتَّى تفرَّقَ (٥) جمعُهم وتَصَدَّعُوا فالناسُ كلٌّ بعدها عتقاؤكم … ولك المكارمُ والمعالي أجمعُ وقال أيضًا من قصيدة طويلة منها (٦): وكم ثَوَى بالشِّعْب من حازمٍ … جَلْدِ القُوى ذي مِرّةٍ ماجدِ

стр. 4971

يستصغرُ (١) الخَطْبَ ويغشى الوغى … لا هائبٍ رَعشٍ (٢) ولا ناكدِ (٣) فَتَقْتَ ما لم يلتئمْ صَدْعُهُ … بالفشل المنحسر (٤) الزائدِ تساقَطُ الهاماتُ من وَقْعها … بين جناحَي مُتْرَفٍ (٥) راعد إذْ أنتَ كالطِّفلة في خِدْرها … لم تدرِ ما مَكْيَدَةُ (٦) الكائدِ ليتكَ يومَ الشِّعْبِ في حفرةٍ … مرموسة بالمَدَرِ الجامدِ طارَ لها قلبُك من خِيفةٍ … ما قَلْبُكَ الطائرُ بالعائدِ سبعون (٧) ألفًا قُتلُوا ضِيعةً … وأنتَ منهم دعوةُ الناشدِ لا تُرجعنَّ (٨) الحربَ من قابلٍ … ما أنتَ في العودةِ بالحامدِ طوَّقتُه (٩) طوقًا على نحره … طوقَ الحمامِ الغَرِدِ الفاردِ (١٠) قصيدةً حَبَّرَها شاعرٌ … تسري بها البُرْدُ إلى خالدِ (١١) وحجَّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: إبراهيم بن هشام المخزومي (١٢). والعمَّال في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة الماضية.

стр. 4972

وفيها توفّي الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ من بني الحَكَم بن سعد (١) العشيرة، دمشقيّ، [ذكره ابن سُميع في] الطبقة الرابعة (٢) [من أهل الشام. وقال أبو حاتم الرازي: هو مولى مُشْكان بن أبي هانئ جدّ أبي نُواس الشاعر. وقد وهم أبو حاتم، إنما هو دمشقي (٣)، وكذا وهم خليفة، فذكره في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة (٤). وقال الحافظ الدمشقي: وهم خليفة، إنما هو دمشقي]. وكنيتُه أبو عقبة، وليَ البصرة للحجَّاج بن يوسف في أيام الوليد بن عبد الملك، ثم وليَ العراق في أيام سليمان خلافة عن يزيد بن المهلّب، ثم وليَ خُراسان وسجستان لعمر بن عبد العزيز ﵁ وولي أذربيجان وأرمينية ليزيد بن عبد الملك. و [قال الوليد بن مسلم:] كان [الجرَّاح] إذا مشى في [المسجد] جامع دمشق يُميلُ رأسه عن القناديل من طُوله (٥). وكان الحجاج يسمِّيه الطويل. و [قال أبو مسهر:] كان يقول: تركتُ المعاصي أربعين سنة حياءً من الناس، فلما جاوزتُ الأربعين تركتُها حياءً من الله تعالى (٦). و [قال علماء السير:] دخل الجرَّاح إلى التُّرك وكانوا قد ساروا إليه من اللَّان، فالتَقَوْا دون باب الأبواب بفرسخين على نهر أران، وكان الجرَّاح في بعض أهل

стр. 4973

الشام؛ لم يجتمع إليه جنده، والتقَوْا [فاقتتلوا] فانهزمَ ابنُ خاقان، وتبعَهم الجرَّاح، فقتلَهم قتلًا ذريعًا، وأتى مدينةَ الخَزَر -ويقال لها: البيضاء- فافتتحها عَنْوةً، وكان مسيرُه إليها من تَفْلِيس. وجمعت الخَزَر جموعًا عظيمة مع ابن خاقان، وسار الجرَّاح من بَرْذَعَة، فقدم أذربيجان، ونزل بمرج سَبَلان، وبه نهر، فعقد عليه جسرًا، وهو إلى اليوم يسمَّى جسرَ الجرَّاح. ونزلَ ابنُ خاقان على أردبيل -وقيل: ببَلَنْجَر- بمكان يقال له: أشقّ (١)، واقتتلوا قتالًا لم يجرِ في الإسلام مثلُه، وظهرت الخَزَر على المسلمين، فكشف الجرَّاحُ رأسَه ونادى: يا معاشر الأمراء، ما تنعمون (٢)؟ غدوتُم أمراء، وتروحُون شهداء. ثم قال: لم يبق إلا حسبي وديني … وصارمٌ تلذُّه يميني أين أهلُ الحِفَاظ (٣)، إنما هي هفوة (٤)، والملتقى عند الله. وحملَ، وحملَ [معه] الناس، فأبلى بلاءً حسنًا، فاستُشهد، واستُشهد معه جماعة من أعيان الناس (٥). ورُويَ أن الجُنيد [بن عبد الرحمن] واليَ خُراسان قال في ليلة من ليالي الشِّعْب: يا قوم، ليلةٌ كليلةِ الجرَّاح. فقال له بعضُ القوم: إن الجرَّاح سار إليه العدوّ، فقتلَ أهلَ الحِجَى والحِفاظ، وجنَّ عليه الليل، فانسلَّ مَنْ كان معه تحت الليل إلى مدائن أذربيجان، فأصبح الجرَّاحُ في قلَّةٍ فقُتل (٦). وقال هشام: لما بلغ الأمصارَ مقتلُ الجرَّاح؛ اهتزَّت الدنيا حُزنًا عليه، وكان صالحًا شجاعًا، فاضلًا عفيفًا، وحزن عليه هشام حزنًا شديدًا.

стр. 4974

[وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات"] عن امرأة (١) من قواعدِ بيت المقدس [قالت]: كان رجاء بن حَيوَة جليسًا لنا، وكان نِعْمَ الجليس، فمات، فرأيتُه في المنام بعد موته بشهر أو نحوه، فقلت له: [يا] أبا المقدام، إلامَ صرت؟ قال: إلى خير، ولكن فَزِعْنا فَزْعةً ظننَّا أن القيامةَ قد قامت، قلت: وفيم ذاك؟ قال: دخل الجرَّاح وأصحابُه بأثقالهم حتَّى ازدحموا على باب الجنَّة، ونُوديَ أهلُ الجنَّة: قُوموا إلى لقاء الجرَّاح. وذلك قبل أن يأتيَهم نعيُ الجرَّاح. و [قال هشام:] بعثَ هشام سعيدَ بنَ عَمرو الحَرَشيَّ إلى أرمينية، فسار حتَّى نزلَ بَرْذَعَة، وبها ابنُ خاقان فبيَّتَهم ليلًا، فقتلَ ابنَ خاقان وقتلَ من أبطال التُّرك ثلاثين ألفًا، وفنيت التُّرك والخَزَر. ثم بعثَ هشام في أَثَره أخاه مسلمةَ بنَ عبد الملك، فجاز بابَ الأبواب، فأفنى الخَزَر والترك. ورتَّبَ على باب الأبواب الجيوش. وكان مسلمةُ والحرشيُّ في جمع لم يجتمع في الإسلام مثلُه، فيقال: إنه كان زيادةً على مئتي ألفٍ من الفرسان والرَّجَّالة. رجاء بن حَيوَة [ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثالثة من أهل الشام؛ قال: وكنيتُه أبو نصر، وكان ثقة فاضلًا كثيرَ العلم. قال جرير بن حازم: رأيتُ رجاء بن حَيوَة ورأسُه أحمر، ولحيتُه بيضاء. هذا صورة ما ذكره ابن سعد (٢). وذكره الحافظ الدمشقي، فقال: كنيتُه] أبو المقدام الكنديّ، الأردنِّيّ، كان ثقة فاضلًا، كثير الحديث، وكان ينزل الأردنّ، وكان سيِّدَ زمانه [وهو الَّذي أشار على سليمان بن عبد الملك بأن يوليَ عمر بن عبد العزيز الخلافة. وقد ذكرناه.

стр. 4975

وحكى عن أبي مسهر قال]: كان (١) من أهل بَيسان، فانتقلَ إلى فلسطين، وقدم الكوفة مع بشر بن مروان [فسمع منه أبو إسحاق السَّبِيعي وقتادة في هذه القَدْمة] (٢). وقال مطر الورَّاق: ما رأيتُ أفضلَ ولا أفقهَ من رجاء إلا أنك إذا حرَّكْتَه وجدتَه شاميًّا (٣). [قال: ولا نعلم أحدًا جازت شهادتُه وحدَه إلا هو. يعني أنَّ رجاء شهد عند سليمان بن عبد الملك بن مروان أن عمر بن عبد العزيز يصلح للخلافة. وأثنى عليه. قلت: ليست هذه بشهادة، وإنما سأله سليمان عن عمر، فأثنى عليه، ولو لم يعلم سليمان بديانة عمر وزهادته، وأنه يصلح للخلافة لما ولَّاه، ولوكان شهادة، فقد قضى سليمان بن عبد الملك بشهادة الواحد مع علمه، وقضاء القاضي بعلمه يجوز عند البعض، فهو فضل منه يجتهد فيه. وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن] ابن عون [أنَّه قال]: ثلاثة (٤) لم أرَ مثلهم، كأنهم (٥) التَقَوْا فتواصَوْا: ابنُ سِيرِين بالعراق، والقاسمُ بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيوَة بالشام. [وقال الهيثم:] كان رجاء عظيمًا عند بني أمية [صلَّى يومًا خلف عبد الملك بن مروان، فأُرْتِجَ على عبد الملك، فلما سلَّم قال لرجاء: هلَّا فتحتَ عليَّ (٦)؟.
следующие страницы →