← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

يستصغرُ (١) الخَطْبَ ويغشى الوغى … لا هائبٍ رَعشٍ (٢) ولا ناكدِ (٣) فَتَقْتَ ما لم يلتئمْ صَدْعُهُ … بالفشل المنحسر (٤) الزائدِ تساقَطُ الهاماتُ من وَقْعها … بين جناحَي مُتْرَفٍ (٥) راعد إذْ أنتَ كالطِّفلة في خِدْرها … لم تدرِ ما مَكْيَدَةُ (٦) الكائدِ ليتكَ يومَ الشِّعْبِ في حفرةٍ … مرموسة بالمَدَرِ الجامدِ طارَ لها قلبُك من خِيفةٍ … ما قَلْبُكَ الطائرُ بالعائدِ سبعون (٧) ألفًا قُتلُوا ضِيعةً … وأنتَ منهم دعوةُ الناشدِ لا تُرجعنَّ (٨) الحربَ من قابلٍ … ما أنتَ في العودةِ بالحامدِ طوَّقتُه (٩) طوقًا على نحره … طوقَ الحمامِ الغَرِدِ الفاردِ (١٠) قصيدةً حَبَّرَها شاعرٌ … تسري بها البُرْدُ إلى خالدِ (١١) وحجَّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: إبراهيم بن هشام المخزومي (١٢). والعمَّال في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة الماضية.

стр. 4972

وفيها توفّي الجرَّاح بن عبد الله الحَكَميّ من بني الحَكَم بن سعد (١) العشيرة، دمشقيّ، [ذكره ابن سُميع في] الطبقة الرابعة (٢) [من أهل الشام. وقال أبو حاتم الرازي: هو مولى مُشْكان بن أبي هانئ جدّ أبي نُواس الشاعر. وقد وهم أبو حاتم، إنما هو دمشقي (٣)، وكذا وهم خليفة، فذكره في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة (٤). وقال الحافظ الدمشقي: وهم خليفة، إنما هو دمشقي]. وكنيتُه أبو عقبة، وليَ البصرة للحجَّاج بن يوسف في أيام الوليد بن عبد الملك، ثم وليَ العراق في أيام سليمان خلافة عن يزيد بن المهلّب، ثم وليَ خُراسان وسجستان لعمر بن عبد العزيز ﵁ وولي أذربيجان وأرمينية ليزيد بن عبد الملك. و [قال الوليد بن مسلم:] كان [الجرَّاح] إذا مشى في [المسجد] جامع دمشق يُميلُ رأسه عن القناديل من طُوله (٥). وكان الحجاج يسمِّيه الطويل. و [قال أبو مسهر:] كان يقول: تركتُ المعاصي أربعين سنة حياءً من الناس، فلما جاوزتُ الأربعين تركتُها حياءً من الله تعالى (٦). و [قال علماء السير:] دخل الجرَّاح إلى التُّرك وكانوا قد ساروا إليه من اللَّان، فالتَقَوْا دون باب الأبواب بفرسخين على نهر أران، وكان الجرَّاح في بعض أهل

стр. 4973

الشام؛ لم يجتمع إليه جنده، والتقَوْا [فاقتتلوا] فانهزمَ ابنُ خاقان، وتبعَهم الجرَّاح، فقتلَهم قتلًا ذريعًا، وأتى مدينةَ الخَزَر -ويقال لها: البيضاء- فافتتحها عَنْوةً، وكان مسيرُه إليها من تَفْلِيس. وجمعت الخَزَر جموعًا عظيمة مع ابن خاقان، وسار الجرَّاح من بَرْذَعَة، فقدم أذربيجان، ونزل بمرج سَبَلان، وبه نهر، فعقد عليه جسرًا، وهو إلى اليوم يسمَّى جسرَ الجرَّاح. ونزلَ ابنُ خاقان على أردبيل -وقيل: ببَلَنْجَر- بمكان يقال له: أشقّ (١)، واقتتلوا قتالًا لم يجرِ في الإسلام مثلُه، وظهرت الخَزَر على المسلمين، فكشف الجرَّاحُ رأسَه ونادى: يا معاشر الأمراء، ما تنعمون (٢)؟ غدوتُم أمراء، وتروحُون شهداء. ثم قال: لم يبق إلا حسبي وديني … وصارمٌ تلذُّه يميني أين أهلُ الحِفَاظ (٣)، إنما هي هفوة (٤)، والملتقى عند الله. وحملَ، وحملَ [معه] الناس، فأبلى بلاءً حسنًا، فاستُشهد، واستُشهد معه جماعة من أعيان الناس (٥). ورُويَ أن الجُنيد [بن عبد الرحمن] واليَ خُراسان قال في ليلة من ليالي الشِّعْب: يا قوم، ليلةٌ كليلةِ الجرَّاح. فقال له بعضُ القوم: إن الجرَّاح سار إليه العدوّ، فقتلَ أهلَ الحِجَى والحِفاظ، وجنَّ عليه الليل، فانسلَّ مَنْ كان معه تحت الليل إلى مدائن أذربيجان، فأصبح الجرَّاحُ في قلَّةٍ فقُتل (٦). وقال هشام: لما بلغ الأمصارَ مقتلُ الجرَّاح؛ اهتزَّت الدنيا حُزنًا عليه، وكان صالحًا شجاعًا، فاضلًا عفيفًا، وحزن عليه هشام حزنًا شديدًا.

стр. 4974

[وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات"] عن امرأة (١) من قواعدِ بيت المقدس [قالت]: كان رجاء بن حَيوَة جليسًا لنا، وكان نِعْمَ الجليس، فمات، فرأيتُه في المنام بعد موته بشهر أو نحوه، فقلت له: [يا] أبا المقدام، إلامَ صرت؟ قال: إلى خير، ولكن فَزِعْنا فَزْعةً ظننَّا أن القيامةَ قد قامت، قلت: وفيم ذاك؟ قال: دخل الجرَّاح وأصحابُه بأثقالهم حتَّى ازدحموا على باب الجنَّة، ونُوديَ أهلُ الجنَّة: قُوموا إلى لقاء الجرَّاح. وذلك قبل أن يأتيَهم نعيُ الجرَّاح. و [قال هشام:] بعثَ هشام سعيدَ بنَ عَمرو الحَرَشيَّ إلى أرمينية، فسار حتَّى نزلَ بَرْذَعَة، وبها ابنُ خاقان فبيَّتَهم ليلًا، فقتلَ ابنَ خاقان وقتلَ من أبطال التُّرك ثلاثين ألفًا، وفنيت التُّرك والخَزَر. ثم بعثَ هشام في أَثَره أخاه مسلمةَ بنَ عبد الملك، فجاز بابَ الأبواب، فأفنى الخَزَر والترك. ورتَّبَ على باب الأبواب الجيوش. وكان مسلمةُ والحرشيُّ في جمع لم يجتمع في الإسلام مثلُه، فيقال: إنه كان زيادةً على مئتي ألفٍ من الفرسان والرَّجَّالة. رجاء بن حَيوَة [ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثالثة من أهل الشام؛ قال: وكنيتُه أبو نصر، وكان ثقة فاضلًا كثيرَ العلم. قال جرير بن حازم: رأيتُ رجاء بن حَيوَة ورأسُه أحمر، ولحيتُه بيضاء. هذا صورة ما ذكره ابن سعد (٢). وذكره الحافظ الدمشقي، فقال: كنيتُه] أبو المقدام الكنديّ، الأردنِّيّ، كان ثقة فاضلًا، كثير الحديث، وكان ينزل الأردنّ، وكان سيِّدَ زمانه [وهو الَّذي أشار على سليمان بن عبد الملك بأن يوليَ عمر بن عبد العزيز الخلافة. وقد ذكرناه.

стр. 4975

وحكى عن أبي مسهر قال]: كان (١) من أهل بَيسان، فانتقلَ إلى فلسطين، وقدم الكوفة مع بشر بن مروان [فسمع منه أبو إسحاق السَّبِيعي وقتادة في هذه القَدْمة] (٢). وقال مطر الورَّاق: ما رأيتُ أفضلَ ولا أفقهَ من رجاء إلا أنك إذا حرَّكْتَه وجدتَه شاميًّا (٣). [قال: ولا نعلم أحدًا جازت شهادتُه وحدَه إلا هو. يعني أنَّ رجاء شهد عند سليمان بن عبد الملك بن مروان أن عمر بن عبد العزيز يصلح للخلافة. وأثنى عليه. قلت: ليست هذه بشهادة، وإنما سأله سليمان عن عمر، فأثنى عليه، ولو لم يعلم سليمان بديانة عمر وزهادته، وأنه يصلح للخلافة لما ولَّاه، ولوكان شهادة، فقد قضى سليمان بن عبد الملك بشهادة الواحد مع علمه، وقضاء القاضي بعلمه يجوز عند البعض، فهو فضل منه يجتهد فيه. وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن] ابن عون [أنَّه قال]: ثلاثة (٤) لم أرَ مثلهم، كأنهم (٥) التَقَوْا فتواصَوْا: ابنُ سِيرِين بالعراق، والقاسمُ بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيوَة بالشام. [وقال الهيثم:] كان رجاء عظيمًا عند بني أمية [صلَّى يومًا خلف عبد الملك بن مروان، فأُرْتِجَ على عبد الملك، فلما سلَّم قال لرجاء: هلَّا فتحتَ عليَّ (٦)؟.

стр. 4976

قال:] وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ إذا قدمت عليه حُلَل يعزلُ منها حُلَّةً لرجاء ويقول. هذه لخليلي رجاء (١). وقال رجاء: كُنْتُ واقفًا على باب سليمان، فجاءني رجلٌ لم أره قبل ذلك، فقال: يا رجاء، إنك قد ابتُليتَ بهذا، وابتُليَ بك، وفي دُنُوِّك منه الوَتَغ (٢)، فعليك بإغاثةِ الملهوف والضعيف، فإنَّ مَنْ رفعَ حاجةَ ضعيفٍ إلى سلطان لا يقدرُ على رفعها ثبَّتَ اللهُ قدمَه في الآخرة إذا زلَّتِ الأقدام. ثم غاب عني. [الوَتَغ: الهلاك] ويقال: إن الرجل كان الخضر ﵇. و [قال الحكم بن عُتيبة:] كان رجاء خطيبًا فصيحًا، وكان يقصُّ على الناس، ويصحبُ الخلفاء، ويأمرُهم بالمعروف، فلمَّا توفّي عمر بنُ عبد العزيز انقطع عن صحبتهم، فسأله يزيد بنُ عبد الملك أن يصحبه فأبى. فقيل له: نخاف عليك منه. فقال: يكفيني إيَّاه مَنْ تركتُه لأجله (٣). [واختلفوا في وفاته، فقال الواقدي:] مات رجاء بالشام سنة اثنتي عشرة ومئة، وقيل: سنة إحدى عشرة. ولقي جماعة من الصححابة، وأسندَ عنهم، منهم معاذ بنُ جبل (٤)، وعبدُ الله بن عَمْرو (٥)، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، والنوَّاس بنُ سمعان (٦) ومحمود بن الربيع، وعُبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخُدري، وجابر بن عبد الله، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة، ومعاوية، وأمّ الدرداء (٧).

стр. 4977

شَهْر بنُ حَوْشَب (١) [وكنيتُه] أبو عبد الله، الأشعري، وقيل: أبو الجعد [مولى أسماء بنت يزيد بن السَّكَن. ذكره ابن سعد في] الطبقة الثانية (٢) من التابعين من [أهل] الشام. [وذكره خليفة في قرَّاء الشام، دمشقي، وقيل: حمصي. قال خليفة: و] قرأ القرآن على عبد الله بن عباس، عرضَه عليه سبع مرات (٣). [وقدم البصرة، وسمع (منه) البصريون، وحدَّث بها] (٤). وقال: كنت بدمشق وقد جاؤوا برأس الحسين ورؤوس أصحابه، فوضعوها على درج دمشق، ورأيتُ أبا أُمامةَ يبكي (٥). و [قال الهيثم:] اعتمَّ يومًا وهو يريد السلطان، ثم نظر في المرآة، فرأى طاقةً بيضاء، فنقضَ عِمامتَه وقال: أبَعْدَ الشَّيب سلطان (٦)؟! واختلفوا في وفاته، أمَّا ابنُ سعد، فذكر ثلاثةَ أقوال: أحدها: سنة اثنتي عشرة ومئة؛ حكاه عن الواقدي. والثاني: سنة ثمان وتسعين؛ وحكاه عن عبد الحميد بن بهرام. والثالث: سنة ثمان عشرة ومئة؛ حكاه عن عبد الله بن عامر اليحصبي (٧).

стр. 4978

[وحكى أبو القاسم بن عساكر ما حكاه ابن سعد وقال: مات بحَوْلَايا (١) في أيام عمر بن عبد العزيز. قال: وقيل: في أيام عبد الملك بن مروان. وقيل: في سنة إحدى عشرة ومئة. قلت: وقد اختلفوا فيه، فقال ابنُ سعد عن الواقدي: كان ضعيفًا قليل الحديث (٢). قلت: وقد رَمَوْا شهرًا بشيء آخر، وهو السرقة. وقد روينا أنَّه كان في خُراسانَ على بيت المال، وأنه (أخذ) خريطة فيها دراهم. وقال فيه القَطامي: لقد باعَ شهرٌ دينَه بخريطةٍ … فمَنْ يأمنُ القرَّاءَ بعدَك يا شهرُ أخذتَ به شيئًا طفيفًا وبعتَهُ … من ابن جريرٍ إنَّ هذا هو الغدرُ (٣) وحكى الحافظ ابن عساكر عن ابن عَوْن قال: حَجَجْتُ مع شهر، فسرق عَيبَتِي (٤). قال: وقال أبو حاتم: بخس الناسُ شهرًا، أي: طعنوه (٥)].

стр. 4979

طلحة بن مُصَرِّف ابن عَمْرو، أبو عبد الله (١)، وقيل: أبو محمد، الكوفيّ الهَمْدانيّ، من الطبقة الثالثة. و [قال ابن سعد:] كان قارئ أهل الكوفة يقرؤون عليه، فلما كثُروا عليه كأنَّه كره ذلك، فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوه (٢). وكان طلحةُ عالمًا زاهدًا ورعًا. [وروى ابن سعد عن] مالك (٣) بن مغول [قال:] انتهيتُ أنا وطلحة إلى زقاق، فتقدَّمني فيه، ثم التفتَ إليَّ وقال: لو علمتُ أنك أكبرُ منّي بساعة ما تقدَّمتُك. [وقال أبو نعيم الأصبهاني:] أرسل طلحة إلى جارةٍ له فقال: إني أريد أن أُوتِدَ في حائطك وتدًا، فقالت: نعم (٤). ودخلت امرأة وبيدها قصبة تأخذ من بيته نارًا، فقالت لها زوجتُه: قفي حتَّى أشويَ عليها هذا القَدِيد؛ لأبي محمد يُفطر عليه، وكان في الصلاة، فسلَّم وقال: حبستِ الجاريةَ على أهلها وشويتِ القَدِيدَ على قصبتها بغير إذن سيدتها، لا أذوقه أبدًا (٥). و [روى أبو نعيم أيضًا عن الفضيل بن عياض قال: بلغني أن طلحة بن مصرِّف] ضحكَ يومًا، فوثب على نفسه، فقال: فيم الضحك؟ إنَّما يضحك من قطعَ الأهوال وجازَ السِّراط (٦). ثم آلى على نفسه أن لا يضحك حتَّى يعلم بماذا تقع الواقعة. فما افترَّ ضاحكًا (٧) حتَّى لَقِيَ الله تعالى.

стр. 4980

[وروى ابنُ أبي الدنيا عن الشعبيّ قال (١): ما رأيتُ أحدًا أملك للسانه من طلحة بن مصرِّف. وقال ابن سعد: خرج طلحة مع مَنْ خرج من قرَّاء الكوفة إلى الجماجم، وتوفي بعد ذلك سنة اثنتي عشرة ومئة (٢). وقال الواقدي: عصمه الله من الحجَّاج] (٣). أسند طلحة عن أنس، وعبد الله بن أبي أوْفَى، وعبد الله بن الزُّبير، وأدركَ خلقًا من الصحابة، وكان ثقةً، وله أحاديث [صالحة]. عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدري من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة. توفّي بالمدينة سنة اثنتي عشرة ومئة وهو ابن سبعٍ وسبعين سنة. وروى عن أبيه وغيره (٤). القاسم بن عبد الرحمن مولى جُوَيرِية بنت أبي سفيان، وقيل: مولى معاوية، وقيل: مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية. أدرك أربعين بدريًّا، مات سنة اثنتي عشرة ومئة، وقيل: سنة ثماني عشرة ومئة (٥). [أبو المليح الهُذَليّ واختلفوا في اسمه، فقال ابن سعد: عامر بن أَسامة بن عُمير. وذكره في الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة (٦).

стр. 4981

وقال هشام: اسمه أسامة بن عُمير. وقيل: اسمه كنيتُه. قال ابن سعد: وكان عاملًا على الأُبُلَّة، وكان يشهد الجمعة بالبصرة. واختلفوا في وفاته، فقال ابن سعد: توفي في سنة اثنتي عشرة ومئة. قال: وأخبرني رجل من ولده أنَّه مات قبل الحسن بسنة أو نحوها، وشهد الحسن جنازته. قال: وكان ثقة، وله أحاديث، وروى عنه أيوب وغيره. قال: وأوصاهم إذا مات أن يأخذوا من شاربه وأظفاره.] (١) المغيرة بن حكيم الصنعاني، من الطبقة الثانية [من أهل صنعاء من الأبناء] (٢) كان عابدًا مجتهدًا. [قال ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد الله بن إبراهيم، عن أبيه قال:] سافر المغيرة من صنعاء إلى مكة أكثر من خمسين سفرة حافيًا محرمًا [صائمًا]. لا يترك صلاة السَّحَر في سفره؛ إذا كان السَّحَر؛ نزلَ فصلَّى ويمضي أصحابُه، فإذا صلَّى [الصُّبْح] لحقهم متى ما لحق. [قال:] وكان يقرأ يومه وليلته القرآن كلَّه، وكان يقرأ في صلاة الصبح من البقرة إلى هود، ويقرأ في صلاة الظهر والعصر وما بينهما تمام القرآن، ثم يختُم بعد العصر، زمانُه كلُّه [كذا]. وكانت وفاتُه بصنعاء. أدرك جماعةً من الصحابة، وروى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما [رحمه الله تعالى] (٣).

стр. 4982

السنة الثالثة عشرة بعد المئة فيها ولَّى هشام بنُ عبد الملك أخاه مسلمةَ أذربيجان وأرمينية، وعزل الحَرَشيَّ عنها، فأخذَه مسلمة وقيَّده، وبلغَ هشامًا فشقَّ عليه، وكتب إلى مسلمة، فأغلظ له، وقال له: بئس ما فعلت، ما هذا بلاء الحَرَشيّ منَّا. فأطلقَه (١). وغزا مَسْلَمةُ اللَّان، ففتحَ حصونًا كثيرة، وأفنى أُممًا من التُّرك. وفيها غزا عبدُ الله البطَّال الرومَ، فاستُشهد معه عبد الوهَّاب بن بُخْت (٢). وفيها أوغلَ مَسْلَمةُ في بلد التُّرك حتَّى وصل إلى وراء جبار بَلَنْجَر، وقتلَ ابنَ خاقان، ودانَتْ له تلك البلاد، ووصل إلى أماكن لم يصل إليها غيرُه (٣). وفيها دخل جماعةٌ من دعاة بني العباس إلى خُراسان، فأخذهم الجُنيد [بن عبد الله] فمثَّل بهم وقتلَهم (٤). و [اختلفوا فيمن] حجَّ بالناس في هذه السنة [فقال الواقدي وأبو معشر:] هشام بن عبد الملك [بن مروان (٥). وقال هشام بن محمد.] إبراهيم بن هشام المخزومي. وقيل: سليمان بن هشام بن عبد الملك [بن مروان]. وفيها توفّي عبد الله بن عُبيد بن عُمير (٦) من الطبقة الثانية من أهل مكة، وكان من أفصح أهل مكة وأصلحهم (٧).

стр. 4983

كان يقول: لا ينبغي لصاحب ورع أن يُذِلَّ نفسَه لصاحب دنيا (١). توفّي سنة ثلاث عشرة ومئة بمكة، وكان ناسكًا عابدًا (٢). أسندَ عن أبيه (٣)، وغيره. عبد الوهَّاب بن بُخْت صاحب البطَّال، مولى آل مروان، من الطبقة الثالثة من أهل مكة (٤). خرج من المدينة للغزو، فانبعثت به راحلتُه فقال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فاستشهد (٥). وكان إذا خرج في سفر لم يكن أحقَّ بما في يده ورَحْلِه من رفاقه. وكان كثيرَ الحجِّ والعمرة، وغزا مع البطَّال سنةَ ثلاث عشرة ومئة، فكُشف الناس عن البطَّال، فألقى بيضَتَه عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهَّاب بن بُخْت، يا معاشر المسلمين، أمِنَ الجنَّة تفرُّون؟! ثم قاتل في نحر العدوّ. ومرَّ على رجل يقول: واعَطَشاه! فقال له: تقدَّمْ فقاتِلْ، فالرِّيُّ أمامَك. ثم غاصَ في العدوّ، فقُتل هو (٦). أسند عن ابن عمر، وأنس، وأبي هريرة، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزِّناد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وروى عنه: مالك بن أنس، وأيوب السَّخْتياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن سعد، وأسامة بن زيد الليثي، وغيرهم، وكان ثقةً صدوقًا صالحًا (٧).

стр. 4984

مكحول الشامي أبو عبد الله، من الثالثة من أهل الشام، قال: كنت مولًى لعمرو بن سعيد بن العاص، فوهَبَني لرجل من هُذَيل بمصر، فأنعمَ عليَّ بها، فما خرجت من مصر حتَّى ظننتُ أنَّه ليس بها علم إلا وقد سمعتُه، ثم قدمت المدينة، فما خرجتُ منها حتى ظننتُ أنَّه ليس بها علمٌ إلا وقد سمعتُه، ثم لقيتُ الشعبيَّ فلم أرَ مثلَه (١). واختلفتُ إلى شُريح ستة [أشهر] (٢) لم أسأله عن شيء، أكتفي بما أسمعُه يقضي به. ورأيتُ أنس بنَ مالك في مسجد دمشق، فسلَّمتُ عليه، وسألتُه عن الوضوء من شهود الجنازة، فقال: كنَّا في صلاة ورجعنا إلى صلاة، فما بال الوضوء فيما بين ذلك (٣)؟ وكان في يده خاتمٌ من حديد نَقْشُه: ربِّ باعِدْ مكحولًا من النار. وكان يتختَّم في يساره، ويأخذ العطاء، فيتقوَّى به على جهاد عدوّ الله. ورُويَ أنَّه كان من أهل كابُل، وكان يقول بالقدر (٤)، وكان ضعيفًا في حديثه وروايته. ومات سنة اثنتي عشرة ومئة، وقيل: سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة ثماني عشرة ومئة (٥). معاوية بن قُرَّة ابن إياس، أبو إياس المُزَنيّ، من الطبقة الثانية من أهل البصرة، كان ثقةً، وله أحاديث (٦).

стр. 4985

قيل له: كيف ابنُك لك؟ فقال: نِعْمَ الابنُ، كفاني أمر دنيايَ، وفرَّغني لآخرتي (١). وفد معاويةُ على عبد الملك مع الحجَّاج، فسألَه عبدُ الملك عن الحجَّاج، فقال: إن صدقناكم قَتَلْتُمونا، وإن كذبناكم خشينا الله. فنظرَ إليه الحجَّاج، فقال له عبد الملك: لا تَعْرِضْ له. فنفاه الحجَّاج بعد ذلك إلى السِّنْد (٢). وكان معاوية يقول: مَنْ يدلُّني على بكَّاءٍ بالليل، بسَّامٍ بالنهار (٣)؟ ومات سنة ثلاث عشرة ومئة. وأسند عن أبيه، وعن عليّ ﵇، وأنس، وابن عُمر، وغيرهم. وقال: لَقِيتُ سبعين من الصحابة، ولو خرجوا فيكم ما عرفوا شيئًا ممَّا أنتم فيه إلا الأذان (٤). وقال: رأيتُ في المنام -في العام الَّذي مات فيه- أبي (٥) كأنّي وإيَّاه على فرسَين، فجَرينا جميعًا، فلم أسبِقْه، ولم يسبِقْني، وعاش أبي ستًّا وتسعين سَنَةً، وقد بلغتُ سِنَّهُ. فمات في تلك السنة رحمة الله عليه. يوسف بن ماهَك من الطبقة الثالثة (٦) من أهل مكة، وأمُّه مُسَيكة. مات سنة ثلاث عشرة ومئة، وقيل: سنة أربع عشرة ومئة. وكان ثقةً قليل الحديث (٧). أسند عن ابن عَمرو، وابنِ عبَّاس، وابن عُمر، وعائشة، وأمِّ هانئ، وغيرهم (٨).

стр. 4986

السنة الرابعة عشرة بعد المئة فيها غزا عبدُ الله البطَّال بلادَ الروُّم [أيضًا] وخرجَ إليه قسطنطين في جموع الرُّوم، فاقتتلُوا، فكانت الدَّبَرَة (١) على قسطنطين، فانهزمَ أصحابُه، وأسرَه البطَّال، وغنمَ عسكرَه وما فيه [ولله الحمد والمنَّة] (٢). وفيها ولَّى هشامُ بنُ عبد الملك محمدَ بنَ هشام المخزوميّ [مكة] (٣). وفيها عاد مَسْلَمة بنُ عبد الملك من باب الأبواب بعد ما هَزَمَ خاقان، وأوغلَ في بلاده، وأتى باب الأبواب. ورتَّب عليه الجيوش. وولَّى هشام بنُ عبد الملك مروانَ بنَ محمد بنِ مروان أرمينية وأذربيجان بعد عود مَسْلَمة (٤). وفيها عزل هشام بنُ عبد الملك إبراهيمَ بنَ هشام عن المدينة، وولَّاها خالدَ بنَ عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فقَدِمَها خالد في النصف من ربيع الأول، وكانت ولايةُ إبراهيمَ عليها ثماني سنين (٥). وإبراهيم المعزول خال هشام بن عبد الملك، وهو صاحب العَرْجيّ الشاعر، واسمُه: عبد الله بن عُمر بن عَمْرو ابن عثمان بن عفَّان، وكنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو عَمرو الأموي (٦)، وأمُّه آمنة بنتُ عمر بن عثمان بن عفَّان، وأمُّها أمُّ ولد، وإنَّما نزلَ عَرْجَ الطائف، وهو منزل، فنُسبَ إليه.

стр. 4987

وكان شاعرًا مجيدًا من الفرسان المعدودين، جوادًا شجاعًا سخيًّا، صاحب فتوَّة وغَزَل. غزا القسطنطينية في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك، فقلَّت النفقةُ على الناس، فقال: يا معاشر التُّجَّار، من احتاجَ من الغُزاة إلى مال، فأعطُوه وأنا ضامنٌ له. فأعطَوْهم عشرين ألفَ دينار، فلما وَلِيَ عُمر بنُ عبد العزيز ﵁ قال: بيتُ مالِ المسلمين أوسعُ من بيت مال العَرْجيّ. فقَضَى عمر ﵁ التجَّار من بيت المال (١). وسبب حبسِ إبراهيمَ بنِ هشام العَرْجيَّ أن العَرْجيَّ وكَّل بِحُرَمِهِ مولًى له، وقيل: كان مولَى لعبد الله بن عُمر، فقيل له لما قدم: إنه كان يُخالف إلى أهلك، فقتلَه، فحبسَه لأجله (٢). وقيل: إن الَّذي حبسه محمد بنُ هشام أخو إبراهيم، وكان قد شبَّبَ بأمِّه، واسمُها جَيداء. ومن شعره: إلى جَيدَاءَ قد بعثُوا رسولًا … ليُخبرَها فلا صُحِبَ الرسولُ كأنَّ العامَ ليس بعامِ حَجٍّ … تغيَّرتِ المواسمُ والشُّكُولُ (٣) ومعناه أنَّه بعث الرسول إليها ليخبرَها بسلامة ابنها، وإنَّما شبَّب بأمِّه ليفضحه، فكان محمد يقول لأمِّه: أنت غَضَضْتِ منِّي، وحطَطْتِ من منزلتي، ولو كانت أمي من قُريش لما ولي الخلافة غيري (٤). وشبَّب العَرْجيُّ بزوجة محمد أيضًا -واسمها جَبْرَة- فقال: عُوجي عليَّ وسلِّمي جَبْرُ … ماذا الوقوفُ (٥) وأنتمُ سَفْرُ ما نلتقي إلا ثلاثَ منى … حتَّى يُفَرِّقَ بيننا الدهرُ (٦) الحَوْلُ بعدَ الحَوْلِ يتبعُهُ … ما الدهرُ إلا العامُ (٧) والشهرُ

стр. 4988

وقال في جَيداء: عُوجِي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ … إنَّكِ إنْ لا تفعلي تَحْرَجي إنِّي أُتِيحَتْ لي يمانيَّةٌ … أختُ (١) بني الحارثِ من مَذْحِجِ في الحجِّ إن حَجَّتْ وماذا منًى … وأهلُهُ إنْ هِيَ لم تَحْجُجِ نَلْبَثُ حولًا كاملًا كلَّه … ما نلتقي إلا على منهجِ (٢) وبلغ عطاءً قولُه: وماذا منًى … فقال: الخيرُ كلُّه واللهِ في منًى، حجَّتْ أو لم تحجَّ (٣). ولم يزل ذلك في قلب محمد بن هشام حتَّى ولَّاه هشامُ بنُ عبد الملك مكةَ، وكتب إليه أن يحجَّ بالناس، فهجاه العَرْجيُّ وقال: ألا قُلْ لِمَنْ أَمْسَى بمكة قاطنًا … ومن جاء من عمقٍ ونَقْبِ المُشَلَّلِ دَعُوا الحجَّ لا تستهلكوا نَفقاتِكُمْ … فما حجَّ هذا العام بالمُتَقَبَّلِ وكيفَ يُزَكَّى حجُّ مَنْ لم يكن لَهُ … إمامٌ لدى تجهيزه (٤) غَيرُ دُلْدُلِ (٥) يظَل يُرائي بالصِّيامِ نهارَهُ … ويلبسُ في الظلماءِ سِمْطَي (٦) قَرَنْفُلِ وبلغ محمدًا فقال: هذا الفاسق شبَّبَ بِحُرَمِنا، وفَضَحَ نساءَنا، وهجانا من غير سابقةٍ سبقت منَّا إليه، فأخذه فضربه ضربًا مبرِّحًا، وقيَّده، وألبسَه الصوف، وعذَّبه عذابًا أليمًا، وحلفَ لا يُخرجُه من الحبس ما دام له سلطان، فأقام تسع (٧) سنين حتَّى مات في حبسه. وقال الزُّبير: سببُ حبسه ما كان في قلب محمد منه، فاسْتَعْدَتْ امرأة مولاه الَّذي قتلَه عليه محمدًا، وكان جبَّارًا تائهًا شديدَ الكِبْر، فأخذ العَرْجيَّ، فأقامَه للناس،

стр. 4989

وشهرَه، ونكَّل به، وتركَه في الشمس مُلْقًى في حرِّ مكة، وصبَّ عليه الزيت، وعذَّبه والنساء يبكين عليه، فقال: سينصرُني الخليفةُ بعدَ رَبِّي … ويغضبُ حين يُخبَرُ عن مَسَاقي عليَّ عَبَاءةٌ برقاءُ (١) ليسَتْ … مع البلوى تُغَيِّبُ نصفَ ساقي وتغضبُ لي بأجمعها قُصَيٌّ … قَطِينُ البيتِ والدُّمْثِ الدِّقاقِ (٢) فكم من كاعبٍ حوراءَ بِكْرٍ … أَلُوفِ السِّتْرِ واضحةِ التَّراقي بكَتْ جَزَعًا وقد سُمِرت كُبُولي … وجامعةٌ يُشَدُّ بها وَثاقي (٣) فلما لم يُغَث قال: أضاعُوني وأيَّ فتًى أضاعُوا … ليومِ كريهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ وخَلَّوْني بمعترك (٤) المنايا … وقد شُرعت أسِنَّتُها لنحري كأنِّي لم أكن فيهم وسيطًا … ولم تكُ نسبتي في آلِ عَمْرِو (٥) ويقال: إن هذا الشعر لمحمد بن القاسم الثقفي، وإنَّما تمثَّل به العَرْجيّ. وقال إسحاق المولى: غَنَّيتُ الرشيدَ يومًا: أضاعوني، الأبيات، فقال: هذا لمن؟ قلت: للعَرْجيّ. وأخبرتُه خبرَه وما جرى عليه، فتغيَّر وجهُه، وغضب، وقال: وما جرى على مَنْ فعل به ذلك؟ قلت: إن الوليد بن يزيد قتلَ محمدًا وأخاه إبراهيم. فأسفرَ وجهُه وقال: واللهِ لولا ما (٦) أخبرتني بأن الوليد قتلهما لما تركتُ أحدًا من بني مخزوم إلا قتلتُه. وقال الزُّبير بن بكَّار: كان أبو السائب المخزوميُّ ظريفًا، سمع منشدًا يُنشد بمكةَ قولَ العَرْجيّ:

стр. 4990

باتا بأنعم ليلةٍ حتَّى بَدَا … صُبْحٌ (١) تلوَّحَ كالأغرِّ الأشقرِ فتلازمَا عند الفراقِ صَبَابةً … أَخْذَ الغريمِ بفضلِ ثوبِ المُعْسِرِ فخرج من مكة إلى المدينة، وحلفَ بالطلاق أنَّه لا يتكلَّم من مكة إلى المدينة إلا بهذين البيتين، فلَقِيَه عبدُ الله بنُ حسن بن حسن، فسلَّم عليه، فقال أبو السائب: فتلازما عند الفراقِ صَبابةً … فظنَّ عبد الله أنَّه قد خُولط، وجعلَ ينظرُ إليه وهو يُنشد البيتين، ثم لقيَه محمد بنُ عمران الطلحي (٢) قاضي المدينة، فسلَّم عليه، فأنشده: فتلازما عند الفراق … فأمر القاضي غلامَه فقيَّد أبا السائب بقيدِ بغلتِه، وحملَه إلى المدينة مقيَّدًا. وحجَّ بالناس في هذه السنة (٣) خالد بنُ عبد الملك بن الحارث بن الحكم وهو على المدينة. وقيل: حجَّ محمد بن هشام المخزومي أميرُ مكة. وفيها توفي عُلَيّ (٤) بنُ رَباح أبو موسى اللَّخْمي، المصريّ، من الطبقة الثانية، وقيل: من الأولى. روى عن عمرو بن العاص، وغيره، وكان ثقة. ووُلد عام اليرموك، وذهبت إحدى عينيه في غزاة الصَّواري في البحر. وأغزاه عبدُ العزيز بنُ مروان إفريقية، فأقام بها حتَّى توفّي سنة أربع عشرة ومئة (٥) وقيل: سنة سبع عشرة (٦).

стр. 4991

محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، وإنَّما سميَ الباقر لوجهين: أحدُهما: لكثرة سجوده، فإنه بقر جبهتَه، أي: فتحَها، ووسَّعَها. والثاني: لغزارة علمه، وفيه يقول القرَظيّ: يا باقرَ العلمِ لأهل التُّقَى … وخَير مَنْ لَبَّى على الأجْبُلِ (١) وقيل: إنَّما سمّيَ الباقر أقوله: استصرخني الحقُّ وقد حواه الباطل في جوفه، فبقرتُ عن خاصرته، وأطلعتُ الحقَّ (٢) من حُجُبه حتَّى ظهرَ وانتشرَ بعد ما خفيَ واستتر. ويسمَّى الشاكر والهادي. وهو من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ عبد الله بنت الحَسَن بن علي بن أبي طالب (٣). وقال الحاكم: وَلَدَ علي بنُ الحسين ستةً رَوَوا العلم وحدَّثُوا: محمدًا، وعبدَ الله، وزيدًا، وعمر، وحسينًا، وفاطمة، وليس فيهم تابعي غير محمد، وهو باقر العلم. ولمَّا ولِيَ عمرُ بنُ عبد العزيز ﵁ الخلافة أُوفد عليه، فكان يستشيرُه في أموره، فأقام عنده مدَّةً، فلمَّا أراد الانفصال عنه بعث إليه عمر: أنا آتيك لوداعك، فأتاه في رَحْله، فجلس بين يديه، والتزمَه عُمر، ووضعَ صدرَه على صدره، وبكى، وقضى حوائجَه كلَّها، ثم افترقا فلم يجتمعا (٤). وقال عبدُ الله بنُ عطاء: ما رأيتُ العلماء عند أحدٍ أصغرَ منهم عند محمد الباقر، لقد رأيتُ الحَكَمَ بن عُتيبة عنده كأنَّه يتعلَّم (٥). وكان الحَكَم عالمًا نبيلًا.

стр. 4992

وقال الباقر: الصواعقُ تُصيب المؤمن وغيرَ الْمؤمن، ولا تصيب الذاكر (١). وقال: الغنى والعزّ يجولانِ في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكانٍ فيه التوكُّلُ أوطناه (٢). وقال: ما دخل قلبَ امرئ (٣) شيءٌ من الكِبْر إلا نَقَصَ من عقله مثلُ ما دخل، قلَّ أو كثُر (٤). وقال جابر الجُعْفي: قال محمد بن علي: يا جابر، إني لمحزون، وإني لمشتغلُ القلب. قلت: وما سببُ ذلك؟ فقال: يا جابر، إنه من دخلَ قلبَه صافي خالصِ دينِ الله شغلَه عمَّا سواه، يا جابر، ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟! هل هو إلا مركبٌ ركبتَه، أو ثوبٌ لبستَه، أو امرأة أصبتَها (٥)؟ يا جابر، إن المؤمنين لم يطمئنُّوا إلى الدنيا لبقاءٍ فيها، ولم يأمنوا قدومَ الآخرة عليهم، ولم يُصِمَّهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يُعمهم عن نور الله (٦) ما رأوا بأعينهم من الزِّينة، ففازُوا بثواب الأبرار، إنَّ أهلَ التقوى أيسرُ أهلِ الدنيا مؤونةً، وأكثرُهم لك معونةً، إن نسيتَ ذكَّروك، وإن ذكرتَ أعانوك، قوَّالين بحقِّ الله، قوَّامين بأمره. يا جابر، انزل (٧) الدنيا مثل منزلٍ نزلتَه (٨) وارتحلت عنه، أو كمالٍ أصبتَه في منامك، فاستيقظتَ وليس معك منه شيء، واحفظ اللهِ ما (٩) استرعاك من دينه وحكمته.

стр. 4993

وقال الباقر: قبيح الكلام سلاح (١) اللئام، ولَمَوتُ عالمٍ واحد أحبُّ إلى إبليس من موت سبعين عابدًا (٢). وقال: ما اغرورقت عين بمائها إلا حرَّم اللهُ وَجْهَ صاحِبِها على النار، فإنْ سالتْ على الخدَّين؛ لم يُرْهَقْ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ يومَ القيامة، وما من شيءٍ إلا وله جزاء إلا الدَّمْعة، فإن الله يُكفِّرُ بها بُحور الخطايا، ولو أنَّ باكيًا بكى في أمَّةٍ لحرم الله تلك الأمَّةَ على النار (٣). وقال عروة بن عبد الله: سألتُ محمد بنَ عليّ عن حِلْيةِ السيوف، فقال: لا بأس بها، قد حلَّى أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ سيفَه. فقلت: وتقول: الصِّدِّيق؟!. [قال:] فوثبَ وَثْبَةً، واستقبَل القبلةَ وقال: نَعَمْ الصِّدِّيق، نَعَمْ الصِّدِّيق، نَعَمْ الصِّدِّيق. -قالها ثلاثًا- ومن لم يقل: الصِّدِّيق، فلا صَدَّقَ اللهُ قولَه لا في الدنيا ولا في الآخرة (٤). وقال جابر: قال لي محمد بن علي: يا جابر، بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يُحبُّوننا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني أمرتُهم بذلك، ألا فأَبْلِغْهم أنَّني أبرأُ إلى الله منهم، أَمَا والذي نفسي بيده، لو وَلِيتُ لتقرَّبْتُ إلى الله بدمائهم، ولا نالتْني شفاعةُ محمد ﷺ إن لم أكنْ أستغفرُ لهما وأَترحَّمُ عليهما (٥). وقال أفلح مولى محمد بنِ عليّ: خرجتُ معه حاجًّا، فلما دخل المسجدَ نظرَ إلى البيت، وبكى حتَّى علا صوتُه، فقلت له: بأبي أنتَ وأمِّي، إنَّ الناس ينظرون إليك، فلو رفقتَ بصوتك (٦) قليلًا: فقال: ويحك يا أفلح! ولم لا أبكي؟! لعلَّ الله أن ينظر

стр. 4994

إليَّ برحمة منه فأفوزَ بها عنده غدًا. ثم طافَ بالبيت، وجاء إلى المقام، فصلَّى عنده ركعتين، فلمَّا رفعَ رأسَه إذا موضعُ سجوده مبتلٌّ من دموع عينيه (١). وكان محمد إذا ضحك قال: اللهم لا تَمْقُتْني (٢). وقال: كان لي أخٌ عظيمٌ في عيني، والذي عظَّمه في عيني صِغَرُ الدنيا في عينه (٣). وقال: ما من عبادةٍ أفضلَ من عفَّةِ بطنٍ أو فَرْج، وما من شيءٍ أحبَّ إلى الله من أن يُسأل، وما يدفعُ القضاءَ إلا الدعاء، وإنَّ أسرع الخير ثوابًا البرُّ والعدل، و [إنَّ] أسرعَ الشرِّ عقوبةً البغي، وكفى بالمرء عيبًا أن يُبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمرَ الناسَ بما لا يستطيعُ التحوُّلَ عنه، وأن يؤذيَ جليسَه بما لا يعنيه (٤). وقال عُبيد الله بن الوليد: قال لنا محمد بن علي: أيُدخِلُ أحدُكم يدَه في جيب صاحبه فيأخذَ ما يريد؟ قلنا: لا. قال: فلستُم إخوانًا كما تزعمون (٥). وقال الأسود بن كثير: شكوتُ إلى محمد الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بئس الأخُ أخٌ يرعاك غنيًّا وَيقطعك فقيرًا. ثم أمر غلامه، فأخرجَ كيسًا فيه سبعُ مئة درهم، فدفعَه إليَّ وقال: استَنْفِقْ هذه، فإذا نفدت فأَعْلِمْني (٦). وقال محمد بن عليّ: مَنْ عَبَدَ الاسم دون المعنى فإنه يعبدُ المسمَّى، ومن عبدَ المعنى دون الاسم فإنه يُخبرُ عن غائب، ومن عبدَ الاسمَ والمعنى فإنَّه يعبد إلهين، ومن عبدَ الاسم بتقريب الاسم إلى حقيقة المعرفة فهو مُوَحِّد (٧). وقال: شيعتُنا ثلاثةُ أصناف: صنفٌ يأكلون بنا الناسَ، وصنفٌ ينهشمُ مثل الزُّجاج، وصنفٌ مثل الذَّهَب الأحمر، كلَّما دخل النار ازدادَ جَوْدةً (٨).

стр. 4995

وقال: أجمعَ بنو فاطمة [على] أنْ يقولوا في أبي بكر وعمر أحسنَ القول (١). وقال أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابت: لَقِيتُ أبا جعفر محمدَ بنَ علي، فقلتُ: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحمة الله عليهما. فقلت: إنه يقال عندنا في العراق: إنك تبرأ منهما. فقال: معاذَ الله! كذبَ مَنْ يقولُ هذا عنّي، أوَ مَا علمتَ أنَّ عليًّا زوَّجَ ابنتَه أمَّ كلثوم بنت فاطمة من عمر، وجدَّتُها خديجةُ، وجدُّها رسولُ الله ﷺ (٢)؟! وقال أبو جعفر محمد بن علي: إيَّاكم ومجالسةَ (٣) أصحابِ الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله (٤). وقال جابر: قلت لمحمد بن علي: أكانَ منكم أهلَ البيت أحدٌ يزعُمُ أنَّ ذنبًا من الذنوب شرك؟ قال: لا. قلتُ: أفكان أحد منكم يقولُ بالرَّجْعَة؟ قال: لا. فقلتُ: أو كان منكم أحدٌ يسبُّ أبا بكر وعمر؟ قال: لا. فأحبَّهما وتولَّاهما واستَغْفِر لهما (٥). وكان محمد بن علي يلبس الخَزَّ والمُعَصْفَرَ ويقول: لا بأس بالعَلَم في الثوب من الإبْرَيسِم بمقدار أصبعين (٦). وكان يُرسل عِمامتَه خلفَه. وسُئل عن الخِضاب بالحِنَّاء والكَتَم، فقال: هو خضابُنا أهلَ البيت (٧). وكان يقول: إيَّاكم وكثرةَ الضحك، فإنه يَمُجُّ العِلمَ (٨) مَجًّا. ذكر وفاته: قال الواقدي: توفي سنة سبع عشرة ومئة.

стр. 4996

وقال الفضل بن دُكين: سنة أربع عشرة ومئة بالمدينة (١). وقال ابن عساكر: سنة ثلاث عشرة، أو خمس عشرة، أو ستَّ عشرة، أو أربع وعشرين ومئة (٢). وقال الواقديّ: عاش ثلاثًا وسبعين سنة. وقال الهيثم: ثماني وخمسين سنة. وأوصى أن يكفَّن في قميصه الَّذي كان يتعبَّدُ فيه، ودُفن بالبقيع عند أبيه ﵉ (٣). ذكر أولاده: كان له من الولد جعفر، وعبدُ الله، وأمُّهما أمُّ فَرْوَة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وإبراهيم، وأمُّه أمُّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة بن الأخْنَسِ بن شَرِيق الثقفي، وعليّ، وزينب، وأمُّهما أمُّ ولد، وأمّ سلمة لأمِّ ولد، والنَّسْلُ لجعفر (٤). أسند أبو جعفر عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، وأنس، وعبد الله بن جعفر، ومحمد بن الحنفيَّة، وغيرهم. وقد روى المدائني حديثًا فقال: أتى جابرُ بنُ عبد الله إلى محمد بن علي وهو في الكُّتَاب صغير، فقال له: رسولُ الله ﷺ يسلِّمُ عليك. قيل لجابر: وكيف هذا؟! قال: كُنْتُ جالسًا عند النبيِّ ﷺ والحسينُ في حِجره وهو يُداعبُه، فقال: يا جابر، يُولد له مولودٌ اسمُه عليّ، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم سيِّدُ العابدين. فيقوم ولدُه عليّ. ثم يُولد لعليٍّ ولدٌ اسمُه محمد، فإن أدركتَه فأقْرِئْهُ منِّي السلامَ (٥). وروى أبو جعفر عن ابن المسيِّب، والزُّهري، وقتادة، وكبارِ التابعين. وروى عنه أبو حنيفة، وعَمرو بن دينار، وعبد الرحمن بنُ هُرمز الأعرج، وهو أسنُّ منه، وابنُه جعفر بنُ محمد، وأبو إسحاق الهَمْداني، وعطاء، وابن جُرَيج، وربيعة، ويحيى بن أبي كثير، والحَكَم بن عُتَيبة، والحجَّاج بن أرطاة، وخلق كثير.

стр. 4997

وقال أبو يوسف: سألتُ أبا حنيفة فقلتُ: هل لقيتَ أبا جعفر الباقر؟ قال: نعم، وسألتُه يومًا فقلت: هل أراد الله المعاصي؟ فقال: أفيُعصى قهرًا؟ قال أبو حنيفة: فما سمعتُ جوابًا أفحمَ منه (١). أبو النَّجْم الشاعر واسمُه المفضَّل (٢) بن قُدامة بن عُبيد الله، من ولد رَبِيعة بن نزار، وهو من رُجَّاز الإسلام في الطبقة التاسعة (٣). قال الأصمعيّ: أشعر أرجوزةٍ قالها العرب قول أبو النَّجم: الحمدُ للهِ الوَهُوبِ المُجْزِلِ … أعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ (٤) وَفَدَ أبو النَّجم على سليمان وهشام ابْنَي عبد الملك، وأنشدهما وأجازاه. السنة الخامسة عشرة ومئة (٥) فيها وقع بخراسان قحطٌ شديد، ومجاعة عظيمة، فكتب الجُنيد إلى الكُوَر: إن مَرْو كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقُها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله (٦). فاحملُوا إليها المادة. فحملُوا الطعام، وبلغ الرغيفُ فيها درهمًا، فقال الجنيد: أَتَشْكُون الجوع؟! ولقد وقع بالهند جوعٌ، فبلغت الحبَّة من الحنطة فيها درهمًا (٧).

стр. 4998

وفيها وقع طاعون بالشام، فأفنى الناس. [واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة، فقال أبو معشر:] حجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام [بن إسماعيل] المخزوميّ، وكان أميرًا على مكة والطائف، وقيل: خالد بن عبد الملك [وهو وهم] والأوَّل أصح [والله أعلم] (١). وفيها توفيّ جُعْثُل بن هاعان (٢) أبو سعيد الرُّعيني المصري، قاضي إفريقية في زمان هشام. وكان عمر بنُ عبد العزيز ﵁ قد أشخصه من مصر إلى المغرب ليعلِّم الناسَ القرآنَ، وكان قارئًا فقيهًا، فتوفي هناك (٣). عبد الله بن بُرَيدة ابن الحُصَيب الأسلميُّ، من الطبقة الثالثة من أهل البصرة (٤). ولد لثلاث سنين خَلَوْنَ من خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وخرج هو وأخوه سليمان من المدينة في فتنة عثمان رضوان الله عليه، فنزلا البصرة وبها عمران بن الحُصَين، وسَمُرة بنُ جُندب، فسمعا منهما (٥). أسند عبد الله عن أبيه، وعليّ، وأبي موسى، وابن عبَّاس، وأبي هريرة، والمغيرة، وعائشة ﵃، وغيرهم. وقيل: إنه لم يسمع من أبيه (٦).

стр. 4999

عطاء بن أبي رَباح [واسم أبي رباح أسلم] كان [عطاء] من موالي الجُند من مخاليف اليمن، ونشأ بمكة [وهو مولى آل أبي مرة بن أبي خُثيم الطبري، ذكره ابن سعد في] الطبقة الثانية من التابعين [من أهل مكة] (١). قال: أعْقِلُ قتلَ عثمان. وكان معلِّم الكتَّاب (٢)، ثقةً فقيهًا، عالمًا كثير الحديث، لم يكن في زمانه أعلمَ بمناسك الحجِّ منه. وكان يُطعم صدقةَ الفطر عن أبويه وهما ميِّتان إلى أن مات (٣). [وكان يصفِّرُ لحيتَه. قال ابن سعد: سمعت بعض أهل العلم يقول:] كان [عطاء] أسود أعور، أفطس أشلَّ أعرج، ثمّ عَمِيَ بعد ذلك. وانتهت فتوى أهل مكة إليه (٤). [هذا حاصل ما ذكره ابنُ سعد (٥). وقال البخاري: كنيتُه أبو محمد (٦). وكان فقيه أهل الحجاز ومكة، وكانت أمُّه سوداء يقال لها: بَرَكة (٧). ويقال: إن شلله كان في أيام ابن الزبير، ضُرب فشَقَتْ يدُه (٨).

стр. 5000

وقال سفيان بن عُيينة. وُلد عطاء لسنتين مضتا من خلافة عثمان، وشهد مقتل عثمان، ويقال: إنه وُلد سنة سبع وعشرين. وحكى الفُضيل بن زياد قال (١):] قال الإمام أحمد بن حنبل: العلم خزائنُ، يقسم الله تعالى منه لمن أحبَّ، لو كان يخصُّ بالعلم أحدًا لكان بيت رسول الله ﷺ أولى، كان عطاء بنُ أبي رباح حبشيًّا، وكان يزيد بنُ أبي حبيب نُوبيًّا أسود، وكان الحسن وابن سيرين [من] موالي الأنصار. [وروى أبو بكر الخطيب بإسناده إلى إبراهيم الحربي قال:] (٢) كان عطاء [بن أبي رباح] عبدًا أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء؛ جاء سليمانُ بنُ عبد الملك بن مروان، إليه ومعه ابناه وهو يصلِّي، فلما فرغَ من صلاته سألوه عن مناسك الحجِّ وقد حوَّل قفاه إليهم، فقال سليمان لابنيه: قُوما ولا تَنِيا في طلب العلم، فوالله ما أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود. [وقال أبو نُعيم: كانت حلقة الفُتيا بمكّة في المسجد الحرام لابن عباس، وبعده لعطاء بن أبي رباح (٣). وروى أبو نُعيم عن ابن جُريج قال:] كان المسجد (٤) فراشَ عطاء عشرين سنةً، وكان ثوبُه يساوي خمسة دراهم. وقال معاذ بن سعيد: كنا في مجلس عطاء، فتحدَّثَ رجل، فاعترضَ له آخر، فقطعَ حديثَه، فغضبَ عطاء وقال: سبحان الله! ما هذه الأخلاق (٥)، إني لأسمع الحديثَ من الرجل وأنا أعلمُ به منه فأُرِيه أنِّي لا أُحسنُ منه شيئًا.

стр. 5001

وقال ابن معين: حجَّ عطاء سبعين حجةً (١). [قلت: يعني من مكة إلى عرفات]. وقال الهيثم: حجَّ عبد الملك [بن مروان] فدخل عليه عطاء وهو جالسٌ على سريره وحولَه الأشراف، فقام له قائمًا وأجلسَه معه على سريره وقال له: يا أبا محمد، سَلْ حاجتَك. فقال: اتَّقِ الله في حَرَمِ الله وحَرَمِ رسولِه وأولادِ المهاجرين والأنصار، فبهم جلستَ هذا المجلس، واتَّقِ اللهَ في أهل الثُّغور، فإنهم حصن المسلمين، واتَّقِ اللهَ فيمن على بابك، لا تغفل عنهم. فقال عبد الملك: أفعلُ إن شاء الله. ثم قبض عبد الملك على يده وقال: يا أبا محمد، إنَّما سالتَنا حوائجَ الناس، فما حاجتُك أنت؟ قال: ما لي إليك حاجة. ثم قام وخرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك السُّؤْدُد .. وجعلَ يردِّدُها (٢). [وقال الهيثم:] وقد جرى له مع هشام [بن عبد الملك] مثلُ هذا، وبعث إليه [هشام] بمال، فردَّه وقال: قل لا أسألكم عليه أجرًا، إن أجريَ إلا على ربِّ العالمين (٣). [وقال عبد الرزاق: أخذ الصلاةَ أهلُ مكة (عن ابن جُرَيج، وأخذها ابنُ جُرَيج) (٤) عن عطاء، وأخذها عطاء عن ابن الزبير، وأخذها ابنُ الزبير عن جدِّه أبي بكر ﵁، وأخذها أبو بكر عن رسول الله ﷺ ، وأخذها رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇. وقال الإمام الشافعيّ: عطاء سيّد المسلمين] (٥) ورأَتْ أمُّ عمر بن سعيد بن أبي حسين (٦) رسولَ الله ﷺ في منامها وهو يقول: عطاء سيِّد المسلمين.

стр. 5002

وقال [ابنُه] يعقوب بن عطاء: ذهبت إحدى عينَي أبي، فقلت له يومًا: تشتكي عينيك؟ فقال: ما أبصرتُ بها منذ أربعين سنة شيئًا، وما علمَتْ بها أمُّك (١). [واختلفوا في وفاته، فحكى ابن سعد عن الواقدي قال:] مات عطاء بمكة سنة خمس عشرة ومئة وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة، وقيل: ثمان وتسعين سنة. وقيل: عاش مئة سنة (٢). وقيل: مات سنة أربع عشرة [ومئة]، وقيل: سنة سبع عشرة ومئة (٣). أسند [عطاء] عن ابن عُمر، وابن عَمرو، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عبَّاس، وابن الزُّبير، وجابر بن عبد الله، ورافع بن خَدِيج، وزيد بن خالد الجُهني [وابن الزُّبير]، وعائشة، وغيرهم. وكان يقول: أدركت مئتين من الصحابة (٤). وروى عنه ابن جُريج، والزُّهري، وعَمرو بنُ دينار، وقتادة، وأيوب، ومالك بنُ دينار، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيّ، والأعمش، والأوزاعيّ، وجابر الجُعْفي، وخلقٌ كثير (٥). وقال أبو حنيفة: ما رأيتُ أفضلَ من عطاء، ولا أكذبَ من جابر الجُعْفيّ، ما أتيتُه بشيءٍ من رأي إلا أتاني بحديث عن النبيِّ ﷺ (٦). عُمر (٧) بن مروان بن الحكم وكنيتُه أبو حفص، وأمُّه زينب بنت عُمر بن أبي سَلَمة المخزوميّ.

стр. 5003

وكان من خيار بني مروان، ولم يكن بمصر في أيام بني أمية أفضلَ منه، كان يأتي خراب المعافر راكبًا على فرس في السنة يومًا، فيدفع إلى عجائز هناك ما يكفيهنَّ طول السنة. وكان خلفاء بني أمية يكتبون إلى أمراء أهل مصر لا يعصون له أمرًا. وولدُه بالأندلس منهم بقيَّة، وكان لعمرو من الولد: إبراهيم، ومحمد، والوليد، وعبد الملك. وروى عنه الحديث يزيد بن أبي حبيب وغيره (١). السنة السادسة عشرة بعد المئة فيها تزوَّج الجُنَيدُ الفاضلةَ ابنةَ المهلَّب بن أبي صُفْرة، وبلغ هشامًا فغضب، وعزله، وولَّى عاصمَ بنَ عبد الله بن يزيد الهلالي على خُراسان، وقال له: إنْ أدركتَه حيًّا فأزْهِقْ نفسَه. فقدم عاصمٌ خُراسان وقد مات الجُنَيد، وكان بالجُنَيد مرض البَطَن. دخل عليه جَبَلَة بن أبي روَّاد عائدًا، فقال له: يا جَبَلَة، ما يقول الناس؟ قال: يتوجَّعون للأمير. فقال له: ليس عن هذا أسألُك. وأشارَ بيده نحو الشام. فقال: يقولون: يقدَمُ على خُراسان يزيد بن شجرة الرُّهاوي. فقال: ذاك سيِّدُ أهلِ الشام. قال: ومَنْ؟ قال: عاصم الهلالي. فقال: لا مرحبًا به ولا أهلًا، إنه عدوّ جاهل (٢). ومات قبل قدومه. وفيها كانت الحرب بين الحارث بن سُرَيج (٣) وبين عاصم وأهلِ خُراسان، وخلع الحارثُ هشامَ بنَ عبد الملك، ودعا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ والرضى من آل محمد ﷺ ، وقصدَ مدينةَ بَلْخ وبها نصر بن سيَّار، فلَّما وصل إلى قنطرة عطاء- وهي

стр. 5004

على نهر بَلْخ مقدارَ فرسخين من المدينة- خرج إليه نصر بن سيَّار في عشرة آلاف، وكان الحارثُ في أربعة آلاف، فدعاهم [الحارث] إلى كتاب الله والبيعة للرضى، فناداه قطن بن عبد الله (١) الباهليّ: يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسنة؟! واللهِ لو أنَّ جبريلَ عن يمينك، وميكائيل عن يَسارك ما أجبتك. وقاتَلَهم الحارثُ، فأصابت قطن نشابة في عينه، فوقعَ، فكانَ أوَّلَ قتيل. وانهزم نصرُ بنُ سَيَّار إلى بَلْخ، وأتبعَه الحارثُ حتَّى دخَلها، وخرج نصر من باب آخر، وأمر الحارثُ بالكفِّ عنهم. ومر أعرابيٌّ بنساء يبكين، وواحدة منهن تقول: يا أبتاه! ليتَ شِعري! مَنْ دهاك؟ فقال: مَنْ هذه؟ قالوا (٢): بنتُ قَطَن. فقال لها: أنا دَهَيتُ أباك. وكان على شرطة بَلْخ رجلٌ يقال له: المجتبى (٣) بن ضُبيعة، وكان قد ضرب الحارثَ بنَ سُريج أربعين سوطًا في إمرة الجُنيد، فحبسه الحارث، فجاء رجل من بني حنيفة، فادَّعَى على المجتبى أنَّه قتلَ أخاه بهَرَاة، فدفعه الحارثُ إليه، فقال: أنا أفدي نفسي منك بمئة ألف درهم. فلم يقبل، وقتلَه. واستولى الحارث على بَلْخ، والجُوزْجان، والفارياب، والطالقان، ومَرْو الرُّوذ. وشاورَ أصحابَه في قصد مَرْو، فقالُوا: لا تفعل، فإن مَرْو بيضة خُراسان، وبها الفرسان، وليس لك بهم طاقة، فأقم هنا، فإنْ جاؤوا إليك فقاتِلْهم، وإلا فاقطعْ عنهم المادة. فسار فنزل الجُوزْجان، وقال أهلُ مَرْو: إنْ مضى إلى أبْرَشَهر ولم يأتنا فرَّقَ جماعتَنا، وإنْ أتانا نُكبِ. وكاتبَه جماعة منهم، وبلغ عاصمًا، فأجمع على الخروج من مَرْو وقال: يا أهل خُراسان، قد بايعتُم الحارث ولا يقصدُ بلدًا إلا أخليتُموها له، أنا لاحقٌ بأبرشهر، وأُكاتبُ أميرَ المؤمنين منها حتَّى يُمِدَّني من الشام بعشرة آلاف. فحلفَ له أعيانُ القبائل إنهم لا يُفارقونه حتَّى يموتوا إنْ بذلَ المال، فقال: نعم.

стр. 5005

وأقبل الحارث إلى مَرْو في ستين ألفًا ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنَّى، وحمَّاد بنُ عامر الحِمَّاني، وداود الأعسر، وغيرُهم، وعدَّةٌ من ملوك الطالقان والدَّهاقين. وخرج عاصم، فعسكر بأهل مَرْو بجياسر (١) عند البيعة، وأعطى الجُند دينارًا دينارًا، وخمسةَ دراهم (٢)، فخفَّ عنه الناس، فأعطى كلَّ واحد ثلاثة دنانير. ثم التقَوْا فمال محمد بنُ المثنى برايته إلى عاصم في ألفين، فأتى الأزدَ، وفعل كذلك حمَّاد بن عامر وداود الأعسر وغيرهم، واقتتلُوا، فانهزم أصحابُ الحارث، وغرق منهم بشرٌ كثير في أنهار مَرْو وفي النهر الأعظم، ومضت الدَّهاقين إلى بلادها. وثبت الحارث في بعض الجيش، فبعث إليه عاصم جماعةً، منهم مقاتل بن حبَّان النَّبطي يسألُه ماذا يريد، فلما رآهم الحارثُ بعثَ إليهم محمد بنَ مسلمة (٣) العنبريّ وحدَه، فقال: إنَّ الحارث وإخوانكم يُقرؤونكم السلام، ويقولون: قد عطشنا وعطشَتْ دوابنا، فدعُونا ننزلِ الليلةَ وتختلفِ الرسل فيما بيننا ونتناظر، فإنْ وافقتمونا على الَّذي نُريد وتريدون (٤)، وإلا كنتم وراء أمركم. فأبَوْا عليه، فقال مقاتل بنُ حيان: يا أهل خُراسان إنَّا كنَّا بمنزلة أهل بيت واحد، ويدُنا واحدة، وقد أنكَرْنا صنعَ صاحبكم، يوجِّهُ إليه أميرنا عاصم الفقهاءَ والقرَّاء من أصحابه، ويوجِّهُ صاحبُكم -يعني الحارث- رجلًا واحدًا! فقال محمد: إنَّما أتيتُكم مبلِّغًا، الرجلُ يطلبُ كتابَ الله وسنَّةَ نبيِّه ﷺ والعملَ بهما، وسيأتيكم ما تطلبون من الغد. فلما انتصف (الليل) سار الحارث إلى عاصم، وبلغ عاصمًا، فسارَ إليه، فالتَقَوْا، فاقتتلُوا قتالًا شديدًا، فقُتل من الفريقين مئة، وظهر عاصم على الحارث، فسار الحارث، فقطع وادي مرو (٥)، واجتمع إليه زُهاءُ ثلاثة آلاف، ولو ألحَّ عليه عاصم لأهلكه.

стр. 5006

وبعث إليه عاصم يقول: إني أرُدُّ عليك ما أصبتُ منك ومن أصحابك (١) على أن ترتحلَ عنَّا. ففعل (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وحمل معه (٣) الخمور والملاهي والكلاب، وأراد أن يشرب بمكة. وكانت الولاة في هذه السنة على ما كانوا عليه إلا خُراسان، فإنه كان عليها عاصم بن عبد الله الهلالي (٤). وفيها توفي الجُنيد بن عبد الرحمن أبو يحيى، والي خُراسان، كان شجاعًا جَوادًا محترزًا هيوبًا صالحًا. عبر النهر مرارًا، وفتح من بلاد السِّند والهند ما لم يفتحه غيره. وسببُ عزله تزويجُه بنت المهلَّب، فحسده هشام، واستقلَّه لها. والجُنيدُ صاحب غَزَاة الشِّعْب (٥)، وكانت ولايته على خُراسان خمسَ سنين، وَلِيَها في سنة إحدى عشرة ومئة، ومات في المحرَّم سنة ستَّ عشرة ومئة [وقد ذكرنا وقائعه واجتهاده]. ولمَّا توفي بخراسان استخلفَ عُمارة بن حُريم، فلما قدم عاصم حبسَ عُمارة وعمَّال الجنيد وعذَّبهم على الأموال (٦). وقال الجُنيد: دخلتُ (٧) من حَوْرَان آخذُ عطائي فصلَّيتُ الجمعة بجامع دمشق، ثم خرجت إلى باب الدرج؛ وإذا عليه شيخ يقصُّ على الناس يقال له: أبو شيبة، فوَعَظَنا

стр. 5007

وخوَّفَنا، فبكَينا، فلما فرغَ من قصصه قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب. فلعنوا أبا تراب. [قال الجُنيد:] فقلتُ لمن عن يميني: ومَنْ أبو تراب؟ فقال: عليُّ بنُ أبي طالب ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ زوجُ ابنتِه، وأبو الحسن والحسين. قال الجُنيد: فقمتُ إليه -وكان ذا وَفْرَة- فأخذت بوَفْرَتِه وجعلتُ ألطمُ وجهَه ورأسَه بالحائط، وصاحَ، واجتمعَ الناسُ، فوضعوا ردائي في عنقي وساقُوني إلى هشام [بن عبد الملك] والقاصّ يمشي قدَّامي، فدخلنا على هشام، فصاح أبو شيبة: يا أمير المؤمنين، قاصُّك وقاصُّ آبائك وأجدادك يُفعل به هذا؟ قال: ومَنْ فعلَه؟ فأشار إليَّ، فقال لي هشام وعنده أشراف الناس: أبو يحيى! متى قدمتَ؟ فقلت: أمسِ، وكنتُ على المصير إلى أمير المؤمنين، فأدركَتْني الجمعةُ وصلَّيت، وخرجتُ إلى باب الدرج (١)، فإذا هذا الشيخُ يقصُّ على الناس، فبكَينا، ودعا فأمَّنَّا، ثم قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب، فسألتُ: من أبو تراب (٢)؟ فقال لي رجل: علي بنُ أبي طالب، ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ ، وصهرُه على ابنتِه، وأوَّلُ القوم إسلامًا. فواللهِ لو ذكرَ قرابةً لك بمثل هذا لفعلتُ به ما فعلتُ، أفلا أغضبُ لابن عمِّ رسول الله ﷺ ؟! فقال هشام: بئس ما صنع! ثم عقدَ لي على السِّند، وقال لجلسائه: مثلُ هذا لا يُجاورُني في بلد (٣) فيُفسدَ عليَّ البلد. فباعَدَ بِهِ إلى السِّند. رَوَى ذلك ابنُ عساكر عن جُنادة بن عَمرو بن الجُنيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه الجُنيد. قال: فمضى، فماتَ بالسِّند، وهو على باب السِّند مُصَوَّرٌ، بيده اليمنى سيف، وفي [يده] الآخرى كيس يُعطي منه الدراهم (٤).

стр. 5008

[وروى ابن عساكر أيضًا أنه مات بمَرْو في خُراسان]. ورثاه جماعة من الشعراء، منهم عيسى بن عَصبَة (١) أبو جُويرة، فقال: هلك (٢) الجُودُ والجُنَيدُ جميعًا … فعلى الجود والجُنَيدِ السلامُ أصْبَحا ثاوَيينِ في بطن مَرْوٍ … ما تغنَّى على الغصونِ الحَمَامُ (٣) كنتُما نُهْزَةَ الكرامِ فلمَّا … مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ ثم إنَّ عيسى [بن عَصَبَة] قدم العراق، فلما دخل على خالد القسريّ يمدحُه قال له: ألستَ القائل (٤): ذهب (٥) الجودُ والجُنَيدُ جميعأ؟! اذهب إلى حيثُ دفنتَ الجُودَ فاستخرِجْهُ (٦). فقال: أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول: لو كان يقعدُ فوق الشمس من كَرَمٍ … قومٌ بأوَّلهم أو مَجْدِهم قَعَدُوا أوْ خَلَّدَ الجُودُ أقوامًا ذَوي حَسَبٍ … فيما يحاولُ من آجالهم خَلَدُوا قومٌ أبوهُمْ سِنانٌ حينَ تَنْسِبُهمْ … طابوا وطابَ من الأولاد ما وَلَدُوا يُحَسَّدُونَ على ما كان من نِعَمٍ … لا يَنْزغُ اللهُ عنهم ما لَه حُسِدُوا فخرج ولم يعطه شيئًا (٧). وقوله: أبوهم سِنان، هو جدُّ الجُنَيد؛ لأنه الجُنَيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سِنان المُرِّيّ.

стр. 5009

وكان الجنيد من الأجواد الممدَّحين، ولم يكن بالمحمود في حروبه. ولما احتُضر جاءه مؤذِّنُه يُؤْذِنُه بالصلاة، فقال: الصلاةَ أيها الأمير. فقال: يا ليتَها لم تُقل لنا (١). حفصة (٢) بنت سِيرِين أخت محمد [بن سِيرِين] الزاهدة العابدة. [ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الفوائد" بإسناده عن] هشام بن حسان [أنها] قرأتِ القرآن (٣) وهي ابنةُ اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي بنتُ تسعين سنة، ومكثت في مُصلّاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة، وكانت تختِمُ القرآنَ كل يوم وليلة (٤)، وتصومُ الدهر، وتُفطر العيدَين وأيَّام التشريق. واشترت جاريةً، فقيل للجارية: كيف رأيتِ مولاتَكِ؟ فقالت: صالحة؛ إلا أنَّها قد أذْنَبَتْ ذنبًا عظيمًا فهي الليلَ كلَّه تبكي وتصلِّي. [وقال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى هشام بن حسان قال:] جاءت [حفصة] إلى بيتها (٥)، فإذا زوجُها على فراشها مع جارية له، فأغلقت الباب، ولم تتكلَّم، فلما كان بعد مدَّة، ضرب زوجُها الجاريةَ، فقالت له [حفصة]: أتضربُ العروس؟! فقال: وقد علمتِ؟! فوهبَ الجاريةَ لها. [وقال هشام بن حسان:] كان لحفصة كَفَنٌ مُعَدٌّ، فإذا حجَّتْ وأحرَمَتْ؛ لَبِسَتْه، وإذا كان العشر الآخر (٦) من رمضان لَبِسَتْهُ، وقامت فيه الليل. [قال:] وكانت تقول: أما تستحي الحرَّة تغار؟

стр. 5010

و [وروى ابنُ أبي الدنيا عن هشام بن حسان أنه قال:] كان إذا أشكل على محمد بن سِيرين شيء من القرآن يقول: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ. وقال ابنُ أبي الدنيا: ربَّما طَفِئَ المصباح في بيت حفصة، فينوَّرُ لها البيت. وقال عاصم الأحول: كنا ندخل (١) عليها المسجد وقد تنقَّبت ووضعت الجلبابَ على رأسها، فنقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. فتقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] وذلك بلبس الجلباب. وكان أنس بن مالك يزورُها، وكذا الحسنُ وعلماء البصرة. وكانت وفاتُها بالبصرة في هذه السنة، فلم يبقَ بِكرٌ ولا عانسٌ إلا وشهدَها [رحمها الله تعالى] (٢). الحَكَم بن عُتيبة أبو عبد الله، مولى كِنْدة، من الطبقة الثالثة (٣). كان عالمًا ثقة كثير الحديث، فقيه أهل الكوفة. وكان هو وإبراهيم النَّخَعي في سنٍّ واحدة. حمزة بن بِيض ابن نَمِر بن عبد الله، من بني الدُّول بن حنيفة. كان شاعرًا مجيدًا [وكان كالمنقطع] إلى المهلَّب بن أبي صُفْرة، ثم إلى ولدِه، ثم إلى بلال بن أبي بُرْدة، واكتسبَ بالشِّعر ألفَ ألفِ درهم (٤).
следующие страницы →