لا تشعرون.
فإن قيل: فلم خصَّ يعقوبُ الذئبَ دون سائر الوحوش؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن تلك الأرض كانت كثيرة الذئاب.
والثاني: لأنَّ يعقوب رأى في منامه كأن الذئب شدَّ على يوسف وكان يحذره. وقال مقاتل: كان ذلك من باب معجزات يعقوب، فكأنه يقول: كأني بكم قد جئتم غدًا وقلتم أكله الذئب. فإن قيل: فذكْره الذئب تلقينٌ لهم، وكانوا لا يدرون، فقد عرَّفهم العلَّة، قلنا: بل هو تنبيه على ما في نفوسهم وإعلام لهم بما قد عزموا عليه.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عشرة رجال ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] أي: ضَعَفَةٌ عَجَزة مغبونون. وقال أبو عبيد: في الكلام محذوف وتقديره: لئن أكله الذئب الذي رأيته في منامك إنَّا إذن لخاسرون، فأرسله معهم.
ذكر خروجه معهم
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا على ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَينَا إِلَيهِ﴾ أي: ناديناه. فإن قيل: ما بعث الله نبيًّا إلَّا بعد الأربعين، فكيف قال: وأوحينا إليه؟ فالجواب: أنَّ الوحي عبارة عن الإلهام ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فألهمه الله لتصدُقنَّ رؤياك ولتخبرنَّ إخوتك بصنيعهم إذا دخلوا عليك وأنت ملك مصر ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] ومعنى "لتنبِّئنَّهم" أي: لتخبرنهم في المستقبل، وهذا معنى قول ابن عباس. وقال مقاتل: معناه وهم لا يشعرون أنك يوسف، لما نذكر في آخر القصة.
وحكى السُّديُّ عن ابن عباس قال: لما خرج معهم يوسف أظهروا له الكرامة أولًا، فلما أصحروا أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وجعلوا يضربونه، وكلما لجأ إلى واحدٍ ضربه، فكادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه، لو ترى ما يَصنَعُ بابنكَ بنو الإماء لعزَّ عليك. ومعنى قوله: بنو الإماء لأنَّ بعضهم كان من الأَمَتين اللتين وهبتهما ليَّا ليعقوب. فأخذه روبيل فضرب به إلى الأرض، ويوسف يبكي ويقول: يا أبة، ما أسرع ما نسوا عهدك وضيَّعوا وصيتك. فجثم روبيل على صدره ليذبحه فزجره يهوذا وقال:
стр. 527
أين المواثيق والعهود؟ فتركه وهو يصيح: يا أبة، لو رأيت ما أنا فيه لأحزنك وساءك. ثم أجْمعوا على أن يُلقوه في غيابة الجب، فلمَّا دلُّوه جعل يتعلق بجوانب البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصي أُواري به عورتي، فقال له روبيل، وكان عليه أشدَّ من الباقين: يا ابنَ راحيل، يا صاحب الأحلام، ادعُ الشَّمسَ والقمر والكواكبَ تخلصك. ثم دلُّوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماءٌ فوقع فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه فظنَّ أنها رحمة له، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا، وكان أحنَّ عليه منهم لأنَّه كان ابن خالته، وكان يأتيه بطعام ويتفقد أحواله. قال ابن عباس: وأمر الله الصخرة فارتفعت من الأرض ووقف عليها وهو عريان، وكان إبراهيم لما ألقي في النَّار جرَّدوه من ثيابه فجاءه جبريل بقميص من حرير الجنَّة فألبسه إيَّاه، فلمَّا توفي إبراهيم ورَّثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورَّثه يعقوب، فلما شبَّ يوسف جعل يعقوبُ القميصَ في تعويذٍ وجعله في عنقه، فلما أُلقي في الجبِّ جاءه جبريل فأخرج القميص من التعويذ فألبسه إيَّاه. وأضاءَ له الجبُّ وعَذُبَ ماؤه، وأَنِسَ بجبريل، فلما أراد جبريل أن ينصرف قال له يوسف: إنِّي أستوحش، فقال: إذا استوحشت فقل: يا صريخَ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرِّج كرب المحزونين، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري، فاجعل لي ممَّا أنا فيه فرجًا ومخرجًا. -وفي رواية: يا قريبًا غير بعيد، ويا شاهدًا غير غائب- فلما قالها حفَّتِ الملائكة بالجبِّ، واستأنس. وقيل: إنه ما بات فيه بعدما دعا بهذا الدعاء (١). وقال ابن عباس: أقام في الجب ثلاثة أيَّام وإخوته حول الجب يرعون أغنامهم، ويهوذا يحرسه منهم لئلا يقتلوه.
واختلفوا في مبلغ سنِّه حين ألقي في الجب على أقوال:
أحدها: أنَّه كان له اثنتا عشرة سنة، قاله مقاتل.
والثاني: سبع عشرة سنة، قاله مجاهد.
والثالث: ثمان عشرة سنة، قاله الرَّبيع. والأول أظهر.
стр. 528
وقال السُّدِّي: ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦] وكان وقت العتمة، وإنَّما جاؤوا في الليل ليكونوا أجرأ على الكذب في الظلمة بخلاف الضوء -ولهذا قيل: لا تطلب الحاجةَ في الليل فإن الحياءَ في العين، ولا تعتذر في النهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار فلا تقدر على إتمام العذر- فلما سمع يعقوب أصواتهم فزع وقال: ما الذي بهم؟ وأين يوسف؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي يسابق بعضنا بعضًا ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: عند ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف: ١٧] لسوء ظنك بنا وتهمتك إيَّانا في يوسف، وهذا قميصه ملطَّخ بالدم، وأخرجوا القميص، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: هو كذب، وقيل: مكذوب لأنَّه لم يكن دم يوسف وإنَّما كان دمَ سخلة. وقرأت عائشة: "بدم كَدِب" -بدال مهملة- أي: طري. فلما رأى يعقوب القميصَ صحيحًا قال: تالله ما رأيت ذئبًا أحلم ولا أشفق من هذا، أكل ابني ولم يخرقْ قميصه، فعلم كذبهم فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨] أي: زيَّنتْ وحسنت ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فصبري صبر جميل (١). وقال الحسن: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه ولا شكوى ولا تعبيس وجهٍ ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] من الكذب والبُهت.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي: رفقة مارة من قِبل مديَن يريدون مصر فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبًا من الجب، وكان بعيدًا من العمران، وكان ماؤه ملحًا فعذب حين ألقي فيه يوسف، فأرسلوا رجلًا من العرب من أهل مدين يقال له: مالك بن دُعْر ليطلب لهم الماء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء ليهيء لهم الأرشِيَة والدلاء للبئر.
واختلفوا في اسم الوارد على أقوال:
أحدها: أنَّه مالك بن دُعْر من العرب. وقال الثعلبي: هو من ولد إبراهيم ﵇.
стр. 529
والثاني: أن اسمه عنقود، قاله مقاتل.
والثالث: مخلب بن رعويل، قاله وهب بن منبه.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أي: أرسلها، فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام من أحسن الغلمان. قال الثعلبي: قال النبيُّ ﷺ : "أُعطيَ يُوسُف ﵇ شَطْرَ الحُسْنِ، والنِّصفُ الآخرُ لسائرِ النَّاسِ" (١).
قال: وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسنَ الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مُستوي الخَلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور من ثناياه، وكان جبينه كضوء النهار، وكان يشبه آدم يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيبَ المعصية، وقيل: إنه ورث الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سُدس الحسن (٢).
قلت: وقد روي في حُسنه حديث: أنبأنا جدِّي ﵀ قال: حدَّثنا محمد بن ناصر بإسناده عن جعفر بن الزُّبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن كَانتِ الحُبلى لَتَرى يُوسُفَ فَتَضعُ حَملَها". إلَّا أنَّه حديث لا يصحُّ، ذكره جدِّي في "الموضوعات" وقال: هذا حديث موضوع، وقد اجتمعت فيه آفات منها: القاسم وهو ابن عبد الرحمن وجعفر بن الزُّبير وأبو الفضل الأنصاري واسمه عباس، واتفق أحمد بن حنبل وشُعبة وابن معين والنَّسائيُّ وغيرهم على أنهم كانوا كذا بين وضَّاعين للأخبار (٣).
قال السُّدي: فلمَّا رآه الوارد دهش وتحيَّر وقال: ﴿قَال يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ ومعناه: أن المستقي نادى رجلًا من أصحابه اسمه بشرى، كما تقول: يا زيد، وهو في موضع رفعٍ على النداء، قاله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩] أي: أخفوه.
وقال مجاهد: أسره مالك بن دُعر وأصحابه التجار الذين هم معه من أهل المياه وقالوا: هو بضاعة استبضعناها، خيفة أن يطلبوا منهم الشركة فيه. وجاء يهوذا بالطعام
стр. 530
على عادته إلى الجبِّ فلم يجده، فأخبر إخوته فجاؤوا فرأوه عند مالك بن دعر فقالوا: هذا عبد لنا أَبَق. وكتم يوسف شأنه خوفًا من إخوته أن يقتلوه، فاعترف بأنه عبدهم، وكانوا أهل شرٍّ ومنعة (١).
فإن قيل: فالعبودية هوانٌ عظيم، ويوسف "الكريم بن الكريم بن الكريم … " الحديث (٢)، فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: لأنَّه خرج ليلعب واللعب لا يليق بمثله. وقال أبو حنيفة عبد الوهاب بن النوبي: لم يضحكْ يوسف في مدة البلاء إلَّا ثلاث مرات، حين وقع في البئر قال: من لعب في خدمة مولاه فغيابة الجب مأواه، وحين قُيِّد قال: من لم يخدم مولاه عظُمت بلواه، وحين نودي عليه بالبيع قال: من لم يرض بمولاه تملكه مولًى سواه. وهذا الضحك منه على وجه التعجب لا على وجه الفرح.
قال: والوجه الثَّاني: فلأنه نظر يومًا في المرآة فأعجبته نفسه، فقال: لو كنت عبدًا لكان ثمني عظيمًا فبيعَ بأَوكس ثمن.
والثالث: ليرحم العبيد إذا ملك، وكذا ابتلاه بالسجن ليرحم المسجونين.
والرابع: لأنَّه جرى في السابق أنَّه يصير ملكًا فراضَه الله بالعبودية.
وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: إن الله ابتلى يوسف بعشرة أشياء وعوَّضه بعشرة: ابتلاه بفراق أبيه وعوَّضه بلقائه، وابتلاه بجفاء إخوته ثم عوَّضه سجودهم له، وابتلاه بالجبِّ وأكرمه بمؤانسة جبريل، وابتلاه بالعبودية وعوضه عبودية أهل مصر، وابتلاه بزليخا وعوَّضه بالشاهد، وابتلاه بالنسوة وعوَّضه بتصديقهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بالهَمَّةِ وعوضه بالعصمة، وابتلاه بالسجن وعوَّضه المُلْك، وابتلاه بالكذب عليه وعوَّضه بالاعتراف ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] وابتلاه بفرعون ثم أطاعه له حتَّى صار على خزائن الأرض.
قال السُّدي: فلما اعترف يوسف لإخوته بالرِّق قال مالك بن دُعر: أنا أشتريه
стр. 531
منكم، فباعوه منه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعوه. واختلفوا فيه، قال قتادة: ظُلْم. وقال الضَّحَّاك ومقاتل والسدي: حرام لأنَّ ثمن الحرِّ حرام، وقال الشعبي: قليل. وقال مقاتل بن حيان: زيفُ دراهم.
فإن قيل: فَلِم قال: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ونحن نعلم قطعًا أن الدراهم معدودة؟ فالجواب: أنَّه على وجه المبالغة في التحقير، لأنَّ القليل يُعَدُّ، والكثير يوزَن، وما كانوا يَزِنون أقل من أربعين درهمًا، وإنَّما كانوا يَعدونها عَدًّا، فإذا بلغ أربعين وزنوه، لأنَّ ذلك عندهم أوقية. وقيل معناه: باعوه بدراهم ناقصة غير وافية لزهدهم فيه.
واختلفوا في مبلغ عدد الدراهم التي باعوه بها على أقوال:
أحدها: عشرون درهمًا، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي، اقتسموها درهمين درهمين.
والثاني: بتسعة عشر درهمًا، ونعلين، اقتسموها درهمين درهمين، وأخذ واحد منهم درهمًا مع النعلين، قاله عكرمة.
والثالث: اثنان وعشرون درهمًا، قاله مجاهد.
والرابع: ثلاثون درهمًا، قاله عكرمة.
والخامس: أربعون درهمًا. والأول أصحُّ، ولم يذكر الثعلبي النعلين (١).
فإن قيل: فما معنى النعلين؟ قلنا: فيه إشارة إلى التواضع، لأنَّ من كان في ثمنه نعلان فهو حقير الثمن، فإذا مَلَكَ مِصرَ لا ينبغي له أن يتكبر بل يتواضع.
قلت: ما جرى على يوسف من أصحاب هذه التأويلات قليلٌ، فإنَّه لو ملك الدُّنيا من المشرق إلى المغرب بالنسبة إلى ما جرى عليه لكان ذلك حقيرًا لا يساوي نعلين.
﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] يعني إخوته، لأنهم لم يعلموا كرامته على الله تعالى، ولا منزلته عنده، ولا ما يؤول أمره إليه.
стр. 532
ذكر قدومه إلى مصر
قال علماء السير: ثم انطلق مالك بن دُعر وأصحابه بيوسف إلى مصر وتبعهم إخوته يقولون لهم: استوثقوا منه فإنَّه آبق. فلمَّا قدموا مصر اشتراه العزيز واسمه قطفير بن روبخت، وكان على خزائن مصر. قال ابن عباس: وكان الملك على مصر ونواحيها يومئذٍ الريان بن الوليد بن ثروان بن راشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتَّى آمن واتَّبع يوسف على دينه، ومات ويوسف حيٌّ، فملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن البيلوان بن واران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان جبارًا كافرًا، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل، وقيل: إنه أسلم (١).
واختلفوا في مبلغ ثمن يوسف لما بيع بمصر على أقوال:
أحدها: أنَّه بيع بعشرين دينارًا ونعلين وثوبين أبيضين، حكاه الثعلبي عن ابن عباس (٢).
والثاني: بوزنه مسكًا وورقًا، قاله وهب (٣).
والثالث: بوزنه ذهبًا وفضة، قاله مقاتل.
والرابع: بوزنه ذهبًا مرارًا، قاله الحسن.
فإن قيل: فكيف أثبت الله الشرى في قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾، ﴿وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ ولم ينعقد عليه بيع؟ فالجواب: أن الشرى هو المماثلة، فلما وقعت المماثلة بالمال جاز أن يقال: اشتراه على وجه المجاز، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية.
وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل في "كتاب الزهد" عن أبيه عن عبد الرزاق عن معمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: يُجاءُ يوم القيامة بالعبد سيقال له: ما منعك أن تكون
стр. 533
عبدتني؟ فيقول: يا رب، أبليتني وجعلت عليَّ أربابًا يشغلونني عن خدمتك، فيُجاء بيوسف في عبوديته فيقول: أنت أشدُّ عبودية أم هذا؟ فيقول: بل هذا، فيقول: إن هذا لم تمنعه عبوديته أن عبدني (١).
﴿وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ واختلفوا في اسمها على أقوال:
أحدها: راعيل بنت عابيل، قاله محمد بن إسحاق (٢).
والثاني: زليخا، قاله قتادة.
والثالث: نبوس، قاله أبو هشام الرفاعي (٣).
ومعنى ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: منزلته ومقامه ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ إذا بلغ وفهم الأمور ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١] فنتبنَّاه، وقال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي النساء وكانت امرأته حسناء ناعمة طاعمة طامعة في ملكه ودنياه (٤).
وحكى الثعلبي عن عبد الله أنَّه قال: أفرسُ النَّاس ثلاثة: العزيز حين قال: "أكرمي مثواه"، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: "يا أبتِ استأجره"، وأبو بكر حين استخلف عمر (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما خلَّصناه من الجبِّ وكيد إخوته وكانوا قد همُّوا بقتله، مكَّنّاه من أرض مصر وصيَّرناه إلى أعلى المنازل عند عزيز مصر وجعلناه على خزائنها. وقال أهل الكتاب: لما تمت ليوسف ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (٦) أي تعبير الرؤيا ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾
стр. 534
[يوسف: ٢١] فقد قالت العلماء: حيث أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتَّى قصَّها، ثم أراد يعقوبُ أن لا يكيدوه فغلب أمر الله حتَّى كادوا، ثم أراد إخوة يوسف قتله فغلب أمر الله فلم يقدروا عليه، ثم أرادوا أن يلقوه في الجبِّ ليلتقطه بعض السيَّارة فيندرس اسمه، فغلب أمر الله حتَّى اشتهر ذكره ونفذ أمره، ثم باعوه ليصير مملوكًا فغلب أمرُ الله حتَّى صار مالكًا وسجد إخوته له، ثم أرادوا أن يخلو لهم وجه أبيهم، فغلب أمر الله حتَّى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قومًا صالحين تائبين ناسين لذنوبهم، فغلب أمر الله حتَّى اعترفوا بعد أربعين سنة ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ثم أرادوا أن يَغُرُّوا أباهم بالقميص والدم والبكاء فغلب أمر الله حتَّى لم يخدع، وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨ - ٨٣] ثم احتالوا حتَّى تذهب محبته من قلب أبيه، فغلب أمر الله حتَّى ازداد محبة وشوقًا إليه، ثم احتال يوسف على الخلاص من السجن بقوله للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فغلب أمر الله حتى نسي الساقي، فلبث في السجن بضع سنين، ثم احتالت امرأة العزيز على أن تزيل المراودة عن نفسها حين قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فغلب أمر الله حتَّى شهد الشاهد من أهلها. وكل هذا دليل على القول الأول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ما الله صانع بيوسف ولا ما يؤول إليه أمره.
فإن قيل: فما سبب ميل يعقوب إلى يوسف دون إخوته؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: للسرِّ الذي كان فيه.
والثاني: لحسنه وجماله.
والثالث: لأنَّه لم يكن له أم.
والرابع: لعقله وتأنِّيه.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: منتهى شبابه وقوَّته، واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أربعون سنة، قاله مقاتل.
والثاني: ثلاث وثلاثون سنة، قاله مجاهد (١).
стр. 535
والثالث: عشرون سنة، قاله الضَّحَّاك (١).
والرابع: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، قاله ابن عباس (٢).
والخامس: ستون سنة، حكاه الثعلبي. والأول أصح. وقيل: منتهى الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء عند الأربعين.
﴿آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: العقل والعلم والنبوة، قاله مجاهد.
والثاني: الإصابة في القول، قاله أهل المعاني.
والثالث: علم الرؤيا.
والرابع: مصادر الأمور ومواردها.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] أي: الصابرين على نوائب الدُّنيا كما صبر يوسف، ﵇.
فصل في ما جرى له مع امرأة العزيز
قال (٣) الله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: أرادته وطلبت منه أن يواقعها ويوافقها ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وكانت سبعة ﴿وَقَالتْ هَيتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: زينت وحسنت.
قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] الآية، معنى الهمِّ بالشيء: حديث المرء به نفسه ولم يفعله، قال الشاعر (٤): [من الطَّويل]
هممتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني … تركت على عثمان تبكي حلائلُهْ
واختلفوا في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ على أقوال كثيرة، منهم من قال: حلَّ
стр. 536
الهِمْيان وجلس منها مجلس الخاتن، قاله ابن عباس (١)، وفي رواية عنه: جلس منها مجلسَ الرجل من أهله. وقال السُّدي: جعلت تذكّر له محاسن نفسها حتَّى همَّ بها، وكان شابًا يجد شبق الشباب (٢).
وأنكر جماعة من المتأخرين هذا وقالوا: لا يليق هذا بالأنبياء وأوَّلوا الآية. فقال بعضهم: همَّ بالفرار منها. وقيل: همَّ بضربها. وقال آخرون: تم الكلام عند قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ ثم ابتدأ الخبر عن يوسف ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ على التقديم والتأخير، وتقديره: لولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها ولكنه رأى البرهان فلم يَهم. ورُوي عن ابن عباس أنَّه قال: ولقد همَّت به أن يفترشها وهمَّ بها أن تكون له زوجة.
وهذه التأويلات كلها غير مرضية، أما قول من قال: همَّ بالفرار منها فلا يصحُّ لأنَّ الفرار غير مذكور في الآية، وأمَّا تقدير "لولا" فالعرب لا تقدِّم جواب لولا قبلها، لا تقول: لقد قمت لولا زيد لقمت، وكذا أقوال مَنْ تأَوَّلَ غير ذلك. والدليل عليه أنَّه (٣) لما أقرَّت المرأة وقال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾ [يوسف: ٥٢] قال له جبريل: ولا حين هممتَ بها يا يوسف، فقال عند ذلك: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
والمختار في هذا أنَّ الهمَّ همَّان: همّ مقيمٌ يضاف إليه عزمٌ ونية ورضًى، مثل همِّ إمرأة العزيز، والعبدُ مأخوذ به.
والثاني: عارضٌ وهو الخطرةُ والفكرة وحديث النَّفس من غير اعتبارٍ ولا عزم، مثل همِّ يوسف ﵇، والعبد غير مأخوذ به ما لم يلفظ به أو يفعله. والدليل عليه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ : إذا همَّ عَبدِي بحَسنةٍ فَلم يَعمَلها كُتِبَتْ له حَسنةً، وإن عمِلَها كُتِبَت له عَشرُ حَسناتٍ إلى سبع مئةِ ضِعفٍ، وإذا همَّ عَبدِي بِسيئةٍ فإن تَركَهَا من أَجلِي كَتبتُها لَهُ حَسَنةً" (٤).
стр. 537
وأمّا من نزَّه الأنبياء عن الصغائر فغير جائز لوجوه:
أحدها: ليكونوا على وجلٍ من الله إذا ذكروها فيجدون في الطَّاعة إشفاقًا منهم ولا يتكلمون على حالهم.
والثاني: ليعرِّفهم مواقعَ نعمهِ عليهم بالعفو عنهم.
والثالث: ليجعلهم قادة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله تعالى وترك الإياس من عفوه وفضله، بخلاف الكبائر فإنهم مُنَزَّهون عنها، إذ لا عذر لهم في ارتكابها لأنها تكون على وجه العناد.
واختلفوا في البرهان الذي رآه يوسف على أقوال:
أحدها: أن يعقوب مَثَلَ له فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله، رواه سعيد عن ابن عباس. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن سيرين وغيرهم: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضًّا على إصبعه، قال ابن جبير: فكل ولد يعقوب وُلد له اثنا عشر ولدًا، إلَّا يوسف فإنَّه ولد له أحد عشر من أجل ما نقص من شهوته حين رأى صورة أبيه واستحيى منه. وقال قتادة: قال له يعقوب: يا يوسف، تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟! وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: قال له يعقوب: يا يوسف، تزني فتكون كالطير وقع ريشه، فيذهب ليطير ولا ريش (١).
والثاني: أنَّه رأى كتابًا في حائط البيت فيه مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية، قاله محمد بن كعب القرظي.
والثالث: أنَّه لما قعد منها مقعد الرجل من أهله بدت له كفٌّ ليس فيها عضد ولا معصم عليها مكتوب: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] فقام هاربًا عنها وقامت، فلما ذهب الرعبُ منهما عادا، فلما قعده منها مقعد الرجل من أهله بدت الكفُّ وفيها مكتوب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية، فقام هاربًا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عاد وعادت، فلما قعد منها مقعد الرجل من إمرأته قال الله لجبريل أدركْ عبدي قبل أن يصيبَ
стр. 538
الخطيئة، فانحطَّ جبريل عاضًّا على إصبعه وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عملَ السفهاء وأنت مكتوبٌ عند الله في ديوان الأنبياء؟! فذلك قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤] قاله ابن عباس (١).
والرابع: أنَّه لما همَّ بها خرجت بينهما كفٌّ بلا جسد مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] ثم انصرف الكف وقاما مقامهما ثم رجعت الكف وعليها مكتوب بالعبرانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] وانصرف الكف وقاما مقامهما ثم عادت الكف ثالثة وعليها مكتوب بالعبرانية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ الآية، وانصرف الكف وقاما مقامهما؛ ثم عادت الكف رابعة، وعليها مكتوب بالعبرانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فولى يوسف هاربًا، قاله وهب بن منبه.
قلت: ذكر هذه الأقوال الثعلبي وهي ضعيفة لوجوه:
أحدها: لأنَّ الأنبياء قد نُزِّهوا عن مثل هذا.
والثاني: لأنَّ يوسف قد كان يعلم أنَّ الزنا حرام وكذا مقدماته، وأنَّ ارتكاب الفاحشة قبيح، فكان البرهان الذي رآه العصمةَ عن مثل ذلك الفعل. وقد قال مقاتل: صارت زليخا في عينه سوداءَ مشوَّهة.
وروى علي بن الحسين عن أبيه عن جدِّه ﵇ أنَّه قال في تفسير البرهان: إنه كان عندها صنم تعبده فغطت وجهه بثوب، فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت: أستحيي أن يرانا، فقال: ويحك أنت تستحيين ممن لا يسمع ولا يبصر، أفلا أستحيي أنا ممن يسمع ويبصر (٢)؟
والثالث: أن القرآن لم يكن نزل على يوسف، فمن أين هذه الآيات التي ذكرها ابن عباس ووهب وغيرهما؟!
وقال جعفر بن سليمان: لقيتُ امرأة في بعض الطرق وهي ترفثُ، فقلت: إنكنَّ
стр. 539
صواحبُ يوسف، فقالت: واعجباه نحن دعوناه إلى لذة وأنتم أردتم قتله، وقتل النَّفس أعظم ممَّا أردناه، فَمَنْ أصحابه نحن أو أنتم؟
وقال الفراء: جواب ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لَواقَعَ الفعل ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: الزنا والإثم ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] أراد المختارين للنبوَّة. ومن قرأها بكسر اللام كأهل مكّة والبصرة أراد المخلصين لله في التوحيد والعبادة.
وقيل: إن البرهانَ قطفير، رآه عند الباب.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ الآية، قال علماء السير: لما رأى يوسف البرهان قام مبادرًا هاربًا ممَّا أرادته منه، واتبعته المرأة لتقضيَ حاجتها، فأدركته فتعلقت بقميصه فجذبته إليها وقدَّته من دُبرٍ لأنها كانت طالبةً وبوسفُ مطلوبٌ، فلما خرجا ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وجدا زوجها قطفير عند الباب جالسًا مع أبن عم لراعيل، وقيل: أن قطفير كان البرهان، فلما رأته هابته فسبقت بالقول إليه ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ كَنَتْ عن الزنا ﴿إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] يعني بالضرب بالسياط فقال يوسف: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ فهربتُ منها فأدركتني فشقت قميصي.
فإن قيل: فالفتى لا يكون غمازًا، فالجواب: ما ذكره نوف الشَّاميُّ، فإنَّه قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، فلما قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ غضب وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.
قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ واختلفوا في الشاهد على أقوال:
أحدها: أنَّه كان صبيًّا في المهد أنطقه الله تعالى، رواه العوفي عن ابن عباس وأبي هريرة. وفي حديث ابن عباس عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تكلَّم في المهد أربعة: ابن ماشطة فرعون، وصاحب يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم" (١). وكان الصبي
стр. 540
ابن خالتها، فلهذا قال من أهلها.
والثاني: أن الشاهد ابن عم راعيل الذي كان قاعدًا على الباب مع زوجها، حكم برأيه فيما أخبر الله عنه في قدِّ القميص، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد والضَّحَّاك، وهو رواية عن ابن عباس. وكان من خاصة الملك.
والثالث: أنَّ الشَّاهد القميصُ المقدود قاله ابن أبي نجيح (١). وقال ابن عباس: حكَموا القميصَ فقال ابن عم راعيل: ﴿قَال هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧] فجعل بيان هذا الأمر في القميص.
ولما رأى قطفير القميص قُدَّ من دبر عرف خيانة زوجته وبراءة ساحة يوسف فقال لامرأته: ﴿إِنَّهُ﴾ أي هذا الصنيع ﴿مِنْ كَيدِكُنَّ﴾ وقيل: هو من قول الشاهد ﴿إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ثم أقبل قطفير على يوسف وقال: ﴿يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٢٩] أي: يا يوسف، نداء مفرد ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الأمر واصرف عنه، ولا تكثرن هذا الحديث ولا تذكره لأحد فقد بأن عمرك وبراءتك. ثم قال لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وقيل: إنَّما هذا من قول الشاهد، يقول: سلي زوجك أن يصفحَ عنك ولا يعاقبك ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩] أي: المذنبين حيث راودت شابًا عن نفسه وخنتِ زوجك، فلما استعصم كذبت عليه، وهذا قول ابن عباس. وخطئَ الرجل يخطئ خطأً إذا أذنب، والاسم الخطيئة، وإنَّما لم يقل من الخاطئات لأنَّه لم يرد الخبر عن النساء، وإنَّما قصد الخبر عن من يفعل ذلك من القوم الخاطئين، ومثله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
فصل في حديث النسوة
قال الله تعالى: ﴿وَقَال نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية. والعزيز: نائب الملك؛ وقال ابن عباس: لما شاع حديث راعيل في المدينة -وهي مصر- أنها راودت فتاها عن نفسه عِبْنَ عليها وقلن: عبدها الكنعاني ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]: وصل حبُّه إلى شغافها، وهي جِلْدةٌ رقيقة تسمى لسان القلب إذا وصل الحبُّ إليها عسر خروجه،
стр. 541
وقيل: إنَّما هي جلدة رقيقة في باطن القلب، وقيل: برَّح بها، وقال مقاتل: إنَّما فلان ذلك مكرًا منهن ليرين يوسف لأنها كانت قد حجبته عنهن ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ تعني حديثهن ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيهِنَّ﴾ وكنَّ أربعين امرأةً منهن امرأة الساقي والخباز والحاجب وصاحب السجن ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أي: أعدَّتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] وهو مجلس الطَّعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد. قال ابن قتيبة: أصل هذا أنَّ من دعوتَهُ ليطْعَم عندك أعددتَ له وسادةً يتكئ عليها، فسمي الطَّعام متكأً على الاستعارة، قال عدي بن زيد:
فظَلِلنَا بنَعمةٍ واتَّكأنا … وشَرِبنا الحلال من قُلَلِه (١)
واختلفوا فيه: قال ابن عباس: هو الأُترُجُّ (٢). وقال الضَّحَّاك: البزماورد (٣). وقيل: الموز والبِطِّيخ، والأصح أنَّه الأترُجُّ وكل ما يقطع بالسكين، دليله قوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ﴿وَقَالتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيهِنَّ﴾ وزيَّنته بأنواع الجواهر، وكان نور وجهه يشرق على الحيطان كنور الشَّمس والقمر ﴿فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: عظمنه وأجللنه وهبنه، وقرأ ابن عباس: "أكبرن" بغير هاء، ومعناه: حِضْنَ عند رؤيته ﴿وَقَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] أي: حززنها بالسكاكين وجرى الدّم، ولم يشعرن بذلك لشغل قلوبهن بيوسف، وهنَّ يحسبن أنهنَّ يقطعن الأُترُجَّ.
وحكى الثعلبي عن وهب بن منبه أنَّه قال: بلغني أن تسعًا من الأربعين متن في المجلس وَجْدًا بيوسف (٤).
فإن قيل: فلمَ لم تقطع زليخا يدها؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن رؤية يوسف وقعت لهنَّ مفاجأة، والمرأة كانت قد اعتادت النظر إليه، وكلُّ أمرٍ يقعُ بغتةً يؤثر، ألا ترى أن موسى خاف من العصا لما انقلبت حية لأنَّه ما ألِفها كذلك، ولم يخف من النَّار لأنَّه ألفها من يوم التنور.
стр. 542
والثاني: لأنهن بغين عليها، والبغي مصرع، فعوقبن بقطع الأيدي.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] أي: ببشر ﴿قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي: في حبي له. ثم أخبرتهن بما هو أحسن من الصورة الظاهرة، وهو العفاف الباطن، وأقرَّت فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع واستعصى عليَّ، فقلن له: أطع مولاتك، فقالت راعيل: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ أي: يطاوعني فيما دعوته إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: الأذلاء.
وقال مجاهد: ولما راودته ثانيًا اختار السجن على مباشرة المعصية، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ﴾ أي: أميل وأتابعهن ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] أي: العاصين.
فإن قيل: إنما راودته راعيل، وهي واحدة، فكيف قال: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾ فالجواب: إنهن أشرن عليه، فانصرف الكلام إليها وإليهن ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٤] بمكرهنَّ.
فصل في سجنه
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: للعزيز وأصحابه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ وهي شهادة الطفل، وقدُّ القميص من دُبر، وقطعُ النسوة أيديهن ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] وهذه لام اليمين. والحين: الوقت، والمراد به ها هنا: سبع سنين، وقال الكلبي: خمس سنين، والأول أصح.
وقال السُّدي: قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني بين النَّاس، يقول: راودتني عن نفسي، فإما أن تأذن لي أن أخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته، فجعل الله الحبس تطهيرًا ليوسف من همِّه بالمرأة وتكفيرًا لزلته (١).
وقال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين همَّ بها فسجن، وحين قال للساقيَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فلبث في السجن بضع سنين وأنساه
стр. 543
الشيطان ذكر ربه، وحين قال: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُون﴾ [يوسف: ٧٠] فقالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
قلت: أمَّا قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُون﴾ فإنه صادق في قوله، وأيُّ سرقة أعظم من يوسف؟
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، وهما غلامان كانا للوليد بن الريان صاحب مصر، أحدهما خبازه صاحب طعامه، واسمه: مجلث، والآخر ساقيه صاحب شرابه، واسمه: نبو. وكان الملك قد غضب عليهما فحبسهما، لأنه بلغه أنّ خبازه يريد أن يسمَّه، وأن ساقيه مالأه على ذلك، وكان أهل مصر قد سئموا الملك فدسوا إليهما مالًا، فأما الساقي فرجع عن الرشوة، وأما الخباز فقبلها فسمَّ الطعام، فلما أحضره بين يدي الملك قال له الساقي: أيها الملك لا تأكلْ فإنه مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشرب منه فلم يضرَّه، وقال للخباز: كُلْ فلم يأكل، فجرَّب الطعام في دابةٍ فانفسخت وهلكت، فأمر بحبسهما.
وكان يوسف في السجن يعبّر الأحلام، فقال الخبَّاز والساقي: نريد أن نجرِّب هذا العبد العبراني بمنام.
واختلفوا هل رأيا شيئًا؟ على قولين: أحدهما: أنهما ما رأيا شيئًا وإنما أرادا أن يجرِّباه، وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أنهما رأيا رؤيا، قاله مقاتل.
وقال مجاهد: ولما رأى الفتيان يوسف قالا له: والله لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليَّ من حبِّه بلاءٌ شديد، لقد أحبتني عمتي فدخل عليَّ من محبتها بلاء، يشير إلى المنطقة، لما نذكر، ثم أحبني أبي فدخل عليَّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة العزيز فدخل عليَّ من حبها بلاء، يشير إلى الحبس، فلا تحبَّاني بارك الله فيكما. قال: فأبيا إلا حبَّه وأَلِفَاه وجعلا يعجبهما ما يريان من فَهمه وعقله، وقد كانا رأيَا حين أدخلا السجن، فقال الساقي ليوسف: رأيتُ كأني في بستانٍ فإذا نُخَيلَة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه، وقال الخباز: رأيتُ كأنَّ فوق رأسي ثلاثَ سلالٍ من خبزٍ وألوان الأطعمة وإذا بسباع الطير تنهشُ منه، فذلك
стр. 544
قوله تعالى: ﴿قَال أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنبًا، واسم هذا القائل نبو، وقال الآخر، وهو مجلث: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ﴾ أي: أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] إلى أهل السجن، كان إذا مرض أحد منهم عاده، وإذا ضاق وسَّع عليه، وإذا احتاج جمع له، وكان يداوي مرضاهم ويعزي حزينهم.
وقال قتادة: كره أن يعبر لهما رؤياهما لما علم ما فيها من المكروه، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره، فقال: ﴿قَال لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ وتطعمانه وتأكلانه ﴿إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ﴾ أي: بتفسيره وألوانه، أي طعام أكلتم وكم أكلتم، فقالا له: هذا من فعل العرَّافين والكُهَّان، فقال: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك العلم ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] لأنهم كانوا يعبدون الأصنام وإنما كرر على التأكيد ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ أي: ما يجوزنا ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]، ثم أقبل يوسف عليهما وعلى أهل السجن، وكان بين أيديهم أصنام يعبدونها من دون الله فقال: ﴿يَاصَاحبَيِ الْسِّجْنِ﴾ لكونهما فيه ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُوْنَ﴾ آلهة لا تضر ولا تنفع ﴿خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، الواحد: الَّذي لا ثاني له، القهار: الَّذي يقهر كل شيء، ثم بين ضعفها وعجزها فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَسْمَاءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ وإنما قال: "ما تعبدون" وإن كان الخطاب قد بدأ لاثنين لأنه قصد جميع مَنْ هو بمثلِ حالهما من الكفر. والأسماء: للآلهة والأديان والأرباب، من غير أن يكون للتسمية حقيقة ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ أي: ما القضاء والأمر والنهي ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ﴾ الَّذي دعوتكم إليه من التوحيد ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ثم فسَّر المنامين لما ألحَّا عليه فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الساقي ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أي: سيده يعني الملك ﴿خَمْرًا﴾ وأما العناقيد الثلاثة التي رآها فإنها ثلاثة أيام يبقى في السجن ويخرج بأمر الملك ويعود إلى ما كان عليه ﴿وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ والسلال الثلاث التي رآها فإنها
стр. 545
ثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه الملك ويُصلب ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فقالا: ما رأينا شيئًا إنما كنا نلعب، فقال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] أي فُرغ من الأمر الَّذي سألتما عنه ووجب حكم الله عليكما.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بإسناده عن سعيد بن جبير عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْرَى الفِرى أن يُرِيَ الرجلُ عينَيه ما لم تَرَيا" انفرد بإخراجه البخاري (١).
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من تحلَّم بحلمٍ لم يره كُلِّفَ أن يعقِدَ بين شعرَتَين، ولن يَفْعلَ" (٢).
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي رَزين العقيلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنَّ الرُّؤيا على رجلِ طائرٍ ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت، وإنَّ الرُّؤيا جُزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جُزءًا من النُّبوةِ" (٣).
قال أبو سليمان الخطَّابي: ومعناه: أن النبي ﷺ أقام في النبوّة ثلاثًا وعشرين سنة، منها بمكة ثلاثة عشر وبالمدينة عشرًا، وكان: يوحى إليه في منامه في أول الأمر ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوَّة (٤).
﴿وَقَال﴾ يوسف عند ذلك ﴿لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ يعني الساقي، والظن هنا بمعنى اليقين ﴿أذَكُرْنِي إذا خرجت ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الملك، وقل له: إنَّ في السجن غلامًا مظلومًا ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢].
واختلفوا في قوله: "فأنساه": ظاهر الكلام أن الشيطان أنسى الساقي ذِكْرَ يوسف للملك عقوبة له حيث استغاث بمخلوق مثله، وقد نصَّ عليه محمد بن إسحاق.
قال ابن عباس: وتلك غفلةٌ من يوسف حيث استغاث بمخلوق، ولو استغاث بربه لأسرع خلاصه، ولكنه زلَّ فطال حبسه. والواجب تنزيه الأنبياء على كل حال.
стр. 546
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] واختلفوا فيه، فقال أبو عبيدة: البضع ما بين الثلاثة إلى الخمسة، وقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى السبع، وقال قتادة: ما بين الثلاث إلى التسع، وقال ابن عباس: ما دون العشرة.
وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين. وقال وهب: أصاب أيوبَ البلاءُ سبع سنين، وترك يوسف في السجز سبع سنين (١).
وحكى الثعلبي عن الفراء: أن البضع لا يذكَّر إلا مع عشرة وعشرين إلى تسعين، قال: وكذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومئة ولا بضع وألف.
وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذتَ من دوني وكيلًا، لأُطيلنَّ حبسك، فبكى وقال: يا رب أنْسى قلبي كثرةُ البلوى فقلتُ كلمةً، فويلٌ لإخوتي (٢).
وروى الوالبي عن ابن عباس قال: دخل جبريل الحبس على يوسف، فلما رآه عرفه فقال يوسف: يا أخا المنذِرِين، ما لي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر ابن الطاهرين، يقرأ عليك السلام ربُّ العالمين ويقول لك: ما استحييت مني حيث استشفعتَ بالمخلوقين؟ فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضعَ سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عني راضٍ؟ قال: نعم، قال: إذن لا أبالي (٣).
قال الكلبي: وهذه السبع غير الخمس الأول التي كانت قبل ذلك. وقال مقاتل: أجرى الله على لسان يوسف ما كان سببًا لحبسه اثنتي عشرة سنة، خمسة متقدمة وسبعة متأخرة، وهي قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ اثنا عشر حرفًا (٤).
فصل ذكر خروجه من السجن
قال علماء السِّير: ولما دنا فرَجُهُ، رأى ملك مصر الريانُ بنُ الوليد رؤيا هالته، رأى
стр. 547
سبع بقرات سمانٍ يخرجن من نهر يابس، وسبع بقرات عجاف مهازيل، فابتلعت العجافُ السمانَ فدخلن في بطونهن، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا أُخَر يابساتٍ قد استحصدت وأفركت، فالتَوت اليابسات على الخضر حتَّى علين عليها، فجمع السحرةَ والكهنة والقافة وقصَّها عليهم وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ أي: الأشراف ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ فاعبروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أي: تفسرون، والرؤيا: الحلم ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] أي: مختلطة مشتبهة وأباطيل، واحدها ضِغْثٌ، وهو الحزمة من أنواع الحشيش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] والأحلام: جمع الحلم، وهي الرؤيا (١).
﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: من القتل وهو الساقي ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي: ذكر حاجة يوسف وقوله: "اذكرني" ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد حين، وقيل: بعد نسيان ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: فأطلقوني لأمضي إلى السجن، فإن فيه من يعرف تأويلها فأرسلوه. وقال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينةِ بل بعيدًا عنها: فقال: ﴿يُوسُفُ﴾ أي: يا يوسف ﴿أَيُّهَا الْصِّدِيقُ﴾ فيما عبَّرتَ لنا من الرؤيا، والصديق: الكثير الصدق ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ الآية فإن الملك قد رأى هذه الرؤيا ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: إلى مصر ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]، فضلك، فقد عجزوا عنها، فقال يوسف: أمَّا البقرات السمان والسنبلات الخضر، فسبع سنين مخاصب، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبة، فذلك قوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: كعادتهم في الزراعة سائر السنين ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] وإنما أشار عليه بذلك لتبقى الغلة ولا تفسد ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ﴾ يعني سبع سنين مُجدبة قحطة ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ يعني يأكلن أو يؤكل فيهنَّ ما أعددتم لهن، وهذا مجاز من الكلام ﴿إلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أي: تحرزون وتدخرون ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] قال وهب: وهذا من علم الغيب الَّذي علَّمه الله ليوسف، لأنه لم يكن في رؤيا الملك هذه الزيادة. وقال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها. ويغاث الناس: من الغَيث، ويعصرونَ العنبَ خمرًا، والزيتون زيتًا، والسمسم دهنًا.
стр. 548
وقال الملك: ائتوني به ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، قال علماء السِّير: لما رجع الساقي إلى الملك، وأخبره بتأويل يوسف لرؤياه قال ذلك، لأنه علم صدقَ تعبيره، فقال: ائتوني بهذا الَّذي عبَّر رؤياي فقد وقع في قلبي صدقه ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ قال له: أجب الملك، فقال للرسول: ﴿(ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: سيدك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ﴾ والمرأة التي حُبست بسببها ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] أي: بصنيعهن.
فإن قيل: فهذا الجواب غير مطابق للسؤال، لأن طلب الملك له لا تعلق له بالنسوة. فالجواب: إنما قصد براءَة ساحته عند الملك وإظهارَ عذرِهِ للناس، لأن حديثه وصل إلى الملك، فأراد أن يزولَ ما في باطن الملك مما نُقِلَ إليه عنه لينتفع به ويحسن ظنُّه ولا يبقى في قلبه أثر.
وقد روينا في "الصحيحين" عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ولو لبثتُ في السِّجنِ ما لبِثَ يُوسفُ لأجَبتُ الدَّاعي" (١). وقد ذكرنا الحديث في سيرة الخليل ﵇.
وذكر الثعلبي حديثًا فقال: قال رسول الله ﷺ : "لقد عجِبتُ من يُوسفَ وكرمِه وصبرِه، واللهُ يَغفرُ له، حينَ سُئل عن البقراتِ السِّمانِ والعِجافِ، ولو كُنْتُ مكانَه ما أخبرتُهم بشيءٍ حتَّى يُخرجُوني، أو أشترط محليهم أن يُخرجُوني، ولقد عجِبتُ من يُوسفَ وصبرِه وكرمِه، واللهُ يغفرُ له، حين أتاهُ الرَّسولُ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٥] الآية، ولو كُنْتُ مكانَه ولبثتُ في السِّجنِ ما لبثَ لأسرعتُ الإجابةَ وبادرتُهم إلى البابِ وما ابتغيتُ العُذرَ إنَّه كان لحليمًا ذا أناة" (٢). وكل هذا مدح ليوسف ﵇.
وقال ابن عباس: لو خرج يوسف قبل أن يعلم الملك شأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجةٌ، يقول: هذا الَّذي راود امرأتي.
стр. 549
ولما عاد الرسول إلى الملك وأخبره بما قال يوسف، دعا الملك النسوةَ وإمرأة العزيز وقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: ما شأنكن وما قصتكن ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: معاذ لله ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِن سُوءٍ﴾ أي: زنا، وإنما امرأة العزيز أخبرتنا بأنها راودته.
فإن قيل: إنما راودته امرأة العزيز، فكيف قال: "إذ راودتنَّ"؟ فالجواب: لما وافقْنَها في قولهن ليوسف: أَطِعْ سيدتك، صار كأنهنَّ راودنه جميعًا.
﴿قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهر وتبين وبان الصحيح من الكذب ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] في قوله: ﴿قَال هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] فقال يوسف ﴿ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٥٢]، الَّذي فعلتُ من ردِّي الرسول إليه في شأن النسوة ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز قطفير ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾ في زوجته في حال غيبته عني وخلوتي بها، قال ابن عباس: فقال له جبريل: ولا حينَ هممتَ بها؟ فقال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال مقاتل: اتصل قول يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ بقول المرأة ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] الذين يخونون مواليهم في نسائهم.
ومعنى ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: بالفاحشة ﴿إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] فلما ظهر للملك عذر يوسف وعرف أمانته وفضله قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤] لأنه كان قد بلغه حديث زليخا. فلما ظهر برهانه زال ما كان في نفسه، وهذا من معجزات يوسف ﵇.
قال مقاتل: ولما جاءه الرسول قال له: أجب الملك، قال: سمعًا وطاعة، أما الآن فنعم. ثم دعا لأهل السجن وبكى وبكوا لفراقه لأنه كان محسنًا إليهم، ووقف على باب السجن ودعا لهم فقال: اللهم اعطفْ عليهم قلوبَ الأخيار ولا تعمِّ عليهم الأخبار. قال وهب: فهم أعلم الناس بأخبار الدنيا، ثم كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء (١). ثم دخل على الملك
стр. 550
فسلَّم عليه بالعربية فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمِّي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي.
قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانًا، فكلما كلّم يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملكَ ما رأى منه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة وازداد به عجبًا، ورأى حسنه وجماله فدهش، وقربه وأكرمه، وقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ثم قال له: أحبُّ أن أسمع رؤياي منك شفاهًا، قال: نعم أيها الملك، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرِّ حسان كشف لك عنهن النيلُ، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنًا ويعجبك حسنهن، إذ نضب النيل وغار ماؤُهُ، فخرج من حمأته ووحله سبعُ بقراتٍ عجاف شُعْث غُبر مقلَّصات البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف ولهن أنياب وأضراس وخراطيم كالكلاب والسباع، فافترسن السمانَ فأكلنهن ومزَّقن جلودهن، فبينما أنت تعجبُ إذا بسبع سنابلَ خضرٍ وسبع أُخر سود، فعجبتَ وقلت: المنبَتُ واحد، فبينما أنت تقول في نفسك ذلك إذ هبتْ ريحٌ فذرتِ اليابسات على الخُضْرِ اليانعات وأشعلتْ فيهن نارًا فأحرقتهن، قال: صدقت فما تعبير هذه الرؤيا؟ قال: أرى أن تجمع الطعام وتزرعَ مهما قدرت عليه في هذه السنين المخصبات، وتجعلَ الطعام في الأهراء (١) بحاله في سنبله وقصبه، ليكون علفًا للدواب ويحفظَ الطعام من التغيّر، وإن الناس يشترون منك في الأعوام المجدبة بمالٍ لا تسعه خزائنك، فقال: ومن لي بهذا ومن يكفيني أمره فقال يوسف: أنا، فحينئذ قال: ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] أي: كاتب حاسب حافظ لأمانتي (٢).
فإن قيل: قد وصف نفسه بالأمانة والحفظ، وكان ينبغي أن يصفه غيره، فالجواب: إنه عَلِمَ بسنيِّ المجاعة والقحط، فخاف أن يتولَّى أمرَ الناس من يضيعهم، فسأل ذلك لأنه مؤيدٌ بالوحي، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].
فتوقف الملك سنةً، ويوسف عنده في قصره.
стр. 551
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ الله أخِي يُوسفَ لو لم يقُلْ ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ لاستَعمَلَه من ساعتِه، ولكنَّه أخَّره سنة" (١).
وحكى الثعلبي عن [ابن] أبي الهذيل قال: أقام يوسف عند الملك، فقال له الملك: أريد أن تخالطني في كل شيء سوى أني آنف أن تأكل معي. فقال يوسف: إني أحق أن آنف، أنا ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، فكان يأكل بعد ذلك معه (٢).
وروى مقاتل: أن عمر بن الخطاب عرض على أبي هريرة الإمارة فامتنع، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ طَلَبَ الإمارَةَ لم يَعدِلْ فيها" فقال له عمر: قد طلب الإمارة من هو خير منك يوسف ﵇ حيث قال: ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] (٣).
فإن قيل: فلمَ لمْ يستثن يوسف وقال: إني حفيظ عليم إن شاء الله؟ قلنا: خصَّ الله هذه الأمة بالاستثناء دون سائر الأمم، ولأن يوسف على ثقة من أمانته بخلاف الغير.
ودلت الآية على أن الوالي ينبغي أنْ يكون جامعًا بين العلم والأمانة؛ لأنه متى كان علمٌ بغير أمانة ضاع ما يلزم حفظه، ومتى كانت أمانة بغير علم لم يحسنْ بالوالي أن يتصرف.
وقال ابن عباس: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارةَ دعاه الملك فتوَّجه وردَّاه بسيفه، ووضع له سريرًا من ذهب مكلَّلٍ بالدُّر والياقوت، وضرب عليه كِلَّةً (٤) من استبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعًا وعرضه عشرة أذرع، وعليه ثلاثون فراشًا وستون
стр. 552
مِقْرَمَة (١)، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوَّجًا ووجهه كالقمر يرى فيه الناظر وجهه من صفائه، ودخل قطفيرُ بيته، وفوَّض إليه الملك وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم لم يلبث قطفير أن مات، فزوج الملك يوسفَ راعيلَ امرأةَ قطفير فلما دخل بها قال لها: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصدِّيق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في دنيا واسعة، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وجمالك، فغلبتني نفسي.
ولما دخل بها وجدها بكرًا، فولدت له رجلين أفرائيم وميشا، وولد لأفرائيم نون وولد لنون يوشَع، وولد لميشا موسى نبي آخر قبل موسى بن عمران.
قال ابن قتيبة: ويزعم أهلُ التوراة أنَّه هو الَّذي رأى الخضرَ ﵇ (٢).
وقد روي أن يوسف تزوج امرأة العزيز بعد مدة من ملكه وسنذكره.
وقال ابن الكلبي: واستوسق ليوسفَ ملك مصر، وأقام فيهم العدل وأحبه الرجال والنساء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكناه ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] أي: الصابرين على مثل ما أصاب يوسف وصبر عليه في الجب والسجن والرق وغيره.
وقد أكثر الشعراء في قصته فقال البحتري (٣):
أَمَا في رسولِ اللهِ يوسفَ أُسوةً … لِمِثْلِكَ مَحْبُوسًا على الظُّلْمِ والإفْكِ
أقامَ جميلَ الصبر في الحبْسِ بُرْهَةٌ … فآل به الصَّبرُ الجميلُ إلى المُلْكِ
ويوسف أوَّل من عمل الكاغد (٤).
وأمر الناس فزرعوا، وترك الزرع في سنبله في السنين المخصبة، ودخلت السنون المجدبة وكان يوسف قد دعا الملك إلى الإسلام فأسلم هو وأهل بيته، فهذا في الدنيا
стр. 553
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] أي: ثواب الآخرة.
وقال ابن الكلبي: جاع الناس واشتدَّ الأمر، وجاء هولٌ لم يُعْهَدْ مثله، ولما كان ابتداء القحط، بينما الملك ذات ليلةٍ نائم استيقظ وقد أصابه جوعٌ شديد فصاح: يا يوسف الجوع، فقال يوسف: هذا أوان القحط. ودخلت السنة الأولى، باعهم يوسف الطعام بالنقود حتَّى لم يبقَ عندهم درهم ولا دينار حتَّى قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتَّى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، ثم باعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتَّى احتوى على الجميع، ثم باعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء بأسرهم، ثم باعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع والدور حتَّى احتوى على الجميع، ثم باعهم في السنة السادسة بأولادهم حتَّى استرقهم، ثم باعهم في السنة السابعة برقابهم حتَّى صار جميع من بمصر عبيدًا له. فقال الناس: تالله ما رأينا كاليوم ملكًا أجلَّ ولا أعظم من هذا (١).
وقال وهب: مدَّ السيل بمصْرَ فحسر عن غارٍ في أصل جبل المُقَطَّم، فأبدى عن بيتٍ عليه مصراعان، ففتحوهما فإذا ببَهْو فيه سرير من ذهبِ، وعليه امرأةٌ عليها سبع عقود وسبع أساور، وعند رأسها لوحٌ من ذهب فيه مكتوب: أنا شادةُ الملكة بنتُ الملكِ الفلاني أصابتنا مجاعةٌ في زمن يوسف فبذلت صاعًا من درٍّ في صاع من برّ فلم يوجد، فطحنت الدرَّ وأكلته فمتُّ جوعًا.
ثم قال يوسف للملك: كيف رأيت الله خوَّلني، أو كيف رأيت صُنْعَ الله فيما خولني؟ فماذا ترى؟ فقال: نحن لك تبع، قال: فإني أُشهد الله وأُشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددتُ عليهم أموالهم وأملاكهم.
وروي: أن يوسف كان لا يشبعُ في تلك الأيام من طعام، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن مصر؟ فقال: أخاف إن شبعت نسيت الجياع. وأمرَ خبازَ الملكِ وطباخَه وساقيه أن يجعلوا طعامَهُ نصفَ النهار، فلذلك جعل الملوكُ طعامهم نصف النهار، وما فعل ذلك إلا لئلا ينسى المَلِكُ الجياع.
стр. 554
وقال ابن الكلبي. واشتغل يوسف عن زليخا فانحنت وعميت وغيَّرها الزمان.
ذكر دخول إخوة يوسف لطلب الميرة وما جرى لهم معه
قال علماء السير: ولما وقع القحط بمصر عمَّ ذلك الشام وغيره، فقصد الناسُ مصرَ من كل ناحية يمتارون، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس، وكان يوسف لا يمكِّن أحدَّا مَن حمله الطعام إلى الشام سوى حمل بعير واحدٍ، تقسيطًا بين الناس وتوسعةً عليهم، فأرسل يعقوب بنيه العشرة، وكان منزلهم بالعَرَبات من أرض فلسطين بغَور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاء، وأمسك بنيامينَ عنده، فلما دخلوا عليه عرفهم يوسف وهم له منكرون (١).
فإن قيل: فلمَ أنكروه؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكره ابن عباس قال؛ كان بين أن القوه في الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه.
والثاني: لأنه كان متزييًا بزيّ فرعون مصر، عليه ثياب الحرير، جالسًا على سرير من ذهب، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصع بالجواهر، فلذلك أنكروه، قاله مقاتل.
والثالث: أنَّه كان بينه وبينهم ستر، قاله مجاهد.
والرابع: كان على وجهه برقع من اللؤلؤ، قاله الضحاك.
والخامس: لأنهم جنوا عليه، والجناية تورث النُّكْرة، والوفاء يورث المعرفة، ولما أرادَ الله من إنفاذ قضائه وقدره (٢).
فلما نظر إليهم يوسف كلَّموه بالعبرية فقال: من أنتم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: نحن قوم رعاة من الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم عيونٌ جئتم تنظرون عورةَ بلادي، قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، وإنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ
стр. 555
صدِّيق يقال له: يعقوب، نبيٌّ من أنبياء الله، قال: فكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهبَ أخٌ لنا مَعَنا إلى البرية فهلك فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا، قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الآخر قالوا: عند أبينا لأنه أخو الَّذي هلك من أُمِّه، فأبونا يتسلَّى به، قال: فمن يعلم أنَّ الَّذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا نعرفُ بها أحدًا ولا يعرفنا أحدٌ. قال يوسف: فأتوني بأخيكم الَّذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. قالوا: إن أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه وإنا لفاعلون. فقال: دعوا بعضكم عندي رهينة حتَّى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون (١)، وكان أبرَّهم بيوسف وأحسنهم رأيًا فيه، فخلَّفوه عنده فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ يعني حمل لكل واحد بعيرًا بعددهم قَال ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني بنيامين ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ﴾ أي: لا أبخسُ الناس شيئًا وأتمُّ لهم كيلهم وأزيدهم حملَ بعير يعني آخر لأخيكم، وأحسن إليكم ﴿وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] أي: لا تقربوا بلادي ﴿قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: نخدعه حتى يرسله معنا ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ما أمرتنا به.
وروي عن ابن عباس أنَّه قال: لم يأخذ منهم رهينة في المرة الأولى، بل ترك بضاعتهم في رحالهم. ثم قال يوسف "لفتيته (٢) "، أي: لغلمانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ وفِتْيَته هم الذين يكيلون الطعام، والبضاعةُ هنا ثمن طعامهم.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: كانت بضاعتهم النعال والأدم والرحال والأوعية. وقيل: كانت دراهم فوضعوا كل صُرَّةٍ في حِمْل ولم يعلم بها صاحبها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] إليَّ.
فإن قيل: فلم فعل ذلك؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه خاف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به إليه مرةً أخرى، قاله
стр. 556
ابن الكلبي.
والثاني: خشي أن يضرَّ أخذه منهم ذلك بأبيهم إذ كانت السنةُ سنةَ جدب وقحط فأحبَّ أن ترجع إليه، وإنما قصد أن يتسع بها أبوه.
والثالث: لأنه رأى [لؤمًا] (١) أَخْذَ ثمن الطعام من إخوته وأبيه مع حاجتهم إليه، فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرّمًا وتفضُّلًا.
والرابع: لأنه علم أَن أمانتهم تحملهم على ردِّ البضاعة، وأنهم لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها، وطمعًا في كرمه.
والخامس: أنَّه قصد أنهم إذا رأوها لم يروا أخذها مع الطعام لاحتمال أن كيَّال الطعام نسيها فيرجعون إليه، لا لأنهم أَدَّوْا الأمانة، لأن خيانتهم قد ظهرت في حق يوسف، وإنما يرجعون بها لئلا يراهم الملك بعين الخيانة، فلا يمكِّنهم من دخول مصر، فيموتون جوعًا.
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامةً لو كان رجلًا من ولد يعقوب لما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرئوه مني السلام وقولوا له: إن أبانا يصلِّي عليك ويدعو لك بما أوليتنا. ثم قال: أين شمعون؟ قالوا: أخذه الملك رهينةً، وقصوا عليه القصة، قال: ولمَ أخبرتموه؟ قالوا: لأنَّا كلَّمناه بالعبرية فقال: أنتم جواسيس.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بَنْيامِين ﴿نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] فقال يعقوب: ﴿قَال هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسف ﴿مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا﴾ ومعناه: وأي شيء نطلب وراء هذا؟ أَوْفى لنا الكيل وردَّ علينا الثمن، وأرادوا بذلك أن يطيِّبوا نفسَ أبيهم كأنهم قالوا: ما نريد منك دراهم ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم، يقال:
стр. 557
مَارَ أهلَه يميرُهم مَيرًا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامين ﴿وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾ أي: من أجله ﴿ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] لا كلفةَ فيه ولا مشقة.
وحكى الثعلبي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: حمل حمار، قال: وهي لغة، يقال للحمار: بعير، ولم يكن بأرض كنعان جمال وإنما كانت الحمير.
فقال: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ميثاقًا ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: حتَّى تحلفوا لي أن لا تغدروا بأخيكم ﴿إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ فتهلكوا جميعًا، وقال قتادة: إلا أن تُغلبوا حتَّى لا تطيقوا ذلك ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي: أعطوه عهودهم ﴿قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] أي: شاهد وحافظ بالوفاء، وقيل: كفيل، ولما خرجوا من عنده قال لهم: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ مصر ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.
فإن قيل: فالدخول من باب واحد أكثر في الهيبة، فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي جمالٍ وهيبة وصورٍ حسان وقاماتٍ ممتدة، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا عند دخولها لئلا تصيبهم العين.
والثاني: أن معناه: لا تسألوا الملك حاجةً واحدة بأجمعكم، بل كل واحد يسأله حاجة.
والثالث: تفرقوا لعلكم تظفرون بيوسف، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ ومعناه: أن المقدور كائن، وأن الحذر لا ينفع من القدر ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] أي: المفوِّضون.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ وكان لمصر أربعة أبواب، فدخلوها من أبوابها كلِّها ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ أي: من قَدَره ﴿إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ والحاجة: هي شفقتُه عليهم من العين ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ يعني يعقوب ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨].
فإن قيل: فكيف جاز ليوسف أن يفرِّقَ بين يعقوب وبين بنيامين، مع علمه بما في قلب أبيه من الحزن عليه وأنه يتسلَّى به.
стр. 558
فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّه قصد تنبيه يعقوب بذلك على حياة يوسف.
والثاني: أنَّه قصد سرور يعقوب بردِّ يوسف وأخيه عليه جملة. والثالث: أن هذه التفرقة تكون سببًا للوصلة.
ولما دخلوا على يوسف ومعهم بنيامين قال لهم: أهلًا وسهلًا بكم، وأكرم مثواهم وقال: سوف أفعل معكم ما ترون. وقال ابن الكلبي: لما دخلوا عليه قالوا: هذا أخونا الَّذي أمرتنا أن نأتيك به، فأجلس كل اثنين منهم على مائدة، وبقي بنيامين وحده يبكي ويقول: لو كان أخي يوسف حيًّا لأجلسني معه. فقال يوسف: قد بقي أخوكم هذا وحيدًا، فأَجْلَسه معه على مائدته وأكل معه، ثم فرش لكلِّ اثنين فراشًا، وفرش لبنيامين فراشًا فبكى فقال: نم معي على الفراش، فنام فجعل يضمه إليه ويشم ريحه ويبكي، فلما أصبح أنزلهم منزلًا وأحسن ضيافتهم، وقال: أرى هذا الرَّجُل الَّذي أتيتم به ليس معه ثانٍ، فسأضمُّه إليَّ فيكون منزله عندي. وخلا بأخيه فقال: ما اسمك؟ فقال: بنيامين، وقال: وأمك؟ فقال: راحيل، قال: فهل لك أخ؟ قال: كان وهَلَك، فقال يوسف: أتحبُّ أن أكون أخاك؟ فقال: من لي بذلك، ولكن لم يلدك يعقوب وراحيل، فبكى يوسف وقال: إني أنا أخوك وقام واعتنقه (١). فذلك معنى قوله: ﴿آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ ثم قال له: اكتم هذا عن القوم ﴿فَلَا تَئتَبِسْ﴾ أي: لا تحزن ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا.
وقال عبد الصمد بن مَعْقِل، سمعت وهب بن منبه، وقد سئل عن قول يوسف لأخيه: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوْكَ﴾ فكيف أخافه حين أُخِذَ بالصُّواع، وقد زعمتم أن يوسف لم يزل متنكرًا لهم إلى آخر الأمر؟ فقال وهب: لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال: أنا أخوك مكانَ أخيك الهالك، ولم يقل له: أنا يوسف على الفور.
ثم طلب إخوة يوسف منه الكيل فأمر بذلك، ثم أمر بالسقاية أنْ تُجعلَ في رَحلِ بَنْيامِين.
والسقاية: المشربة التي يشرب بها الملك، وكانت من ذهب مرصعة بالجواهر،
стр. 559
وقيل: كانت من فضة، جعلها يوسف مكيالًا لئلا يُكال بغيرها. وقال ابن عباس: كان لأبي في الجاهلية مثلها وهي والصواع واحدٌ.
وقال السُّدي: جُعلت في رحْل بنيامين ولم يشعر.
وقال كعب: لما قال له ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، قال يوسف: قد علمتَ اغتمام والدي بي، ومتى حبستك ازداد غمه فلا يمكنِّي هذا إلا بعد أن أنسبك إلى أمر فظيع لا يليق (١) بك، فقال: افعل ما بدا لك فإني لا أفارقك. قال: فإني أَدُسُّ صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة، قال: افعل، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هيَّأ لهم أسباب الميرة ﴿جَعَلَ الْسِقَايَةَ في رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين ثم ارتحلوا مرحلة، وأرسل يوسف مَن رَدَّهم وحبسهم ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِنٌ﴾ أي: نادى منادٍ ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وهي القافلة التي فيها الجمال، قال الفراء: لا يقال: عير إلا لأصحاب الإبل، وقال مجاهد: كانت العير حميرًا ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] ثم قالوا لهم: ألَم نكرمْ مثواكم ونوفِّكم الكيلَ ونحسنْ إليكم؟ قالوا: فما الَّذي بكم؟ ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيهِمْ﴾ أي: عطفوا على المؤذِّن وأصحابه وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وقرأ أبو هريرة: "صاع الملك" ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: كفيل. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ ومعناه: والله ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، ولما دخلنا بلادكم كَعَمْنا (٢) أفواهَ الإبل لئلَّا ترعى ما ليس لها، فكيف نسرق وقد رددنا عليكم الدراهم؟ فلو كنا سارقين ما رددناها.
فإن قيل: فكيف سمَّاهم يوسف سارقين وما سرقوا؟ فالجواب: إنه من قول المنادي، ولو كان من قول يوسف فقد سرقوه.
﴿قَالُوا﴾ يعني المنادي وأصحابه ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] وهو أن يسلَّم إلى المسروق منه فيسترقَّه سنةً، وكان ذلك سنَّةَ آلِ يعقوب في حكم السارق. فقال المنادي: لا بد من
стр. 560
تفتيش رحالكم. وانصرف بهم إلى يوسف ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ﴾ دفعًا للتهمة، وكان يفتش أمتعتهم واحدًا واحدًا (١). قال قتادة: ذكر لنا أنَّه كان لا يفتش ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثمًا مما قذفهم به (٢). حتَّى إذا لم يبقَ إلا بنيامين قال: ما أظنُّ هذا أخذ شيئًا، فقال إخوته: والله لا يُتْرَكُ حتَّى يُنْظَر في رحله، فإنه أطيبُ لنفسك ولنفوسنا، ففتحوا متاعه واستخرجوه منه، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استَخرَجَهَا مِن وعَاءِ أَخِيهِ﴾ وإنما قال: "استخرجها"، لأن الصاعَ يذكَّر ويؤَنَّث، وقيل: ردَّه إلى السقاية، وقيل: إلى السرقة.
واختلفوا في معنى قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال مجاهد: يعني كما فعلوا به في الابتداء فعلنا بهم في الانتهاء، لأن الله تعالى أخبر عن يعقوب أنَّه قال: ﴿فَيَكِيدُوأ لَكَ كَيدًا﴾ والكيد جزاء الكيد.
وقال ابن عباس: معناه "كذلك كِدْنا ليوسف" أي: الهمناه وصنعنا له حتَّى ضمَّ أخاه إلى نفسه وحال بينه وبين إخوته بعلَّة كادها الله له، فاعتلَّ بها يوسف ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ ولضمَّه إلى نفسه ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ أي: في حكمه وقضائه، وبه قال قتادة.
وقال الضحاك: إن يوسف لم يتمكن من أخذ أخيه بَنْيامين وحبسه عنده في دين الملك، أي: في حكمه، لولا ما تلطفنا له حتَّى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجري على لسان إخوة يوسف أنَّ جزاءَ السارق الاسترقاق فأقرُّوا به وسلَّموا أخاهم، وكان ذلك مرادَ يوسف به.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على درجة إخوته ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٧٦] قال الحسن: ما على ظهر الأرض عالم إلا وفوقه عالم حتَّى ينتهي العلم إلى الله تعالى.
وقال وهب: ولما أخرج الصُّواع من رحل أخيه نكَّسَ إخوتُه رؤوسهم من الحياءِ وأقبلوا على بنيامين وقالوا: يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذتَ هذا
стр. 561
الصُّواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال بهم منكم البلاء، ذهبتم بأخي فاهلكتموه في البرية، وضَعَ الصُّواع في رحلي الَّذي وضع الدراهم في رحلكم.
ثم قالوا ليوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] واختلفوا في ذلك على أقوال:
أحدها: أن يوسف أخذ صنمًا كان لجده أبي أمه فكسره والقاه في الطريق، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
والثاني: إن أمَّه أمَرته أن يسرق صنمًا لخاله كان يعبده، وكانت مسلمة، قاله ابن جريج.
والثالث: أنَّه جلس يومًا مع إخوته على طعام فأخذ يوسف عرقًا فخبَّأه فعيَّروه، قاله الربيع.
والرابع: أن سائلًا جاءه فسرق بيضةً من البيت فدفعها إليه فعيَّروه بها.
والخامس: إنما كانت دجاجة دفعها إلى السائل، قاله سفيان بن عيينة.
والسادس: أنَّه سرق عَنَاقًا فدفعها إلى السائل، قاله كعب.
والسابع: أنَّه كان يخبأ من المائدة طعامًا للفقراء، قاله وهب.
والثامن: أنَّه كان مع أبيه عند خاله لابان فأخذ تمثالًا صغيرًا من ذهب، قاله زيد بن أسلم.
والتاسع: أن أول ما دخل من البلاء على يوسف أن أمه لما وضعته رفعه يعقوب إلى أخته بنت إسحاق فأقام عندها حتَّى ترعرع وأحبته حبًّا شديدًا، فطلبه يعقوب منها فقالت: لا صبر لي عنه فَدَعْهُ عندي أيامًا، وعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر، وكانت أكبر ولد إسحاق، فشدَّتها على وسطه تحت ثيابه، وكان من سنَّتهم أنَّ السارقَ يُسْتَرقُّ بسرقته، فلما جاء يعقوب يطلبه قالت: فقدتُ المنطقةَ، ثم وضعت مَنْ كَشَفَ ثيابَ يوسف فظهرت المنطقة، فأخذته، فلم يقدرْ عليه يعقوبُ حتَّى ماتت أخته، قاله ابن عباس وابن أبي نجيح والضحاك ومجاهد (١). وهذا المثل السائر:
стр. 562
عُذْرُه شرٌّ من جُرمه، كذا قولُ إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقال مقاتل: أقبلوا يلطمون وجه بنيامين وهو يقول: وشيبةِ إبراهيم ما سرقتُ، ويبكي، وإنما قال ذلك ليقصروا عن ضربه ومعيرته ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي: أضمرها ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ومعنى أسرَّها إشارة إلى المقالة فأنَّثَ للكناية و ﴿قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: شر منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] أي: تكذبون.
قال مقاتل: ثم إن يوسف أخذ الصواع بيده فنقره (١) ثم أدناه إلى أذنه وقال: هذا الصُّواع يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم صغير فألقيتموه في جبٍّ ثم بعتموه، فقام بنيامين وسجد له وقال: أيها الملك سَلْ صواعك هل أخي حيٌّ أم لا؟ فنقره فقال: هو حيٌّ وسوف تراه (٢).
فإن قيل: فالصواع لا ينطق، قلنا: هذا على سبيل المجاز والتوسعة، فقال بنيامين: أيها الملك سَلْ صُواعك فيخبرك بالحق مَن الَّذي سرقه وجعله في رحلي؟ فنقره وقال: إن صواعي غضبان يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيتَ مع مَنْ كُنْتُ؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فغضب روبيل وقال: والله أيها الملك لتَتْرُكَنَّا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمِصْر امرأةٌ حاملٌ إلا وأَلقتْ ما في بطنها، وقامت كلُّ شعرةٍ في جسده فخرجتْ من ثيابه، وكان بنو يعقوب إذا غضب منهم واحد فمسَّه آخر من ولد يعقوب ذهب غضبه فقال يوسف لابنه: قم إليه فَمُسَّهُ، ففعل، فذهب غضبه، فقال روبيل: إن في هذا البلد لبذرًا من بذر يعقوب.
فلما أصرَّ يوسف على أنه لا يسلِّم إليهم أخاهم ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] في أفعالك وقبولك لنا.
فإن قيل: فما معنى هذا الإحسان وقد فعل بهم ما فعل؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه من المحسنين إن أطلقتَ أخانا. والثاني: بإنزالك إيَّانا وإكرامنا وعدم المؤاخذة بما قلنا.
стр. 563
﴿قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقل: مَنْ سرق احترازًا من الكذب ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] إنْ أخذنا بريئًا بسقيم.
﴿فَلَمَّا اسْتَيأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠] أي: يئسوا أن يجيبهم إلى ما سألوا ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم ﴿قَال كَبِيرُهُمْ﴾ واختلفوا فيه، قال ابن عباس: رُوبيل، وقال مجاهد: شمعون، وقال مقاتل: يَهُوذا، وكان أسنهم وأعقلهم، وقال ابن إسحاق: لاوي ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا﴾ أي: عهدًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي: قصَّرتم ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: بأرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروج منها ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالخروج منها وترك أخي فيها ﴿وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ يوسف: ٨٠] الفاصلين بين الناس.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ هذا قولُ أخيهم يَهوذا الَّذي كان محتبسًا بمصر ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ صُواع الملك ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليست هذه شهادة، وإنما هي إخبار عن ما نُسب إلى بنيامين من السرقة ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] أي: ما كنا نعلم أنَّ ابنك سيسرق، ولو علمنا ما أخذناه معنا. وقال الضحاك: الغيب بلغة حمير هو الليلُ، يعنون أنَّه سرق ليلًا وهم نيام.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وهي مصر ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: القافلة، ومن صحبناه من جيراننا، وكل هذا قالوه ليزيلوا التهمة عنهم.
فلما وصلوا إلى أبيهم وأخبروه ﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمّرًا فَصَبْرٌ جَمَيلٌ﴾ أي: حَسَّنَتْ وزيَّنت، ومعناه فصبري جميلٌ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يُوسف وبَنْيامين وأخاهما المقيم بمصر ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحزني على فقدهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] فيما حكم علي ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض ﴿وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ والأسف أشد الحزن ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ قال مقاتل: أقام ست سنين لم يبصر بهما ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] والكظيم: المكظوم الممسك على الحزن الَّذي لا ينتهي عنه، ومنه كظم الغيظ.
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لَم يُعْطِ الله أمَّةً مِنَ الأممِ" ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّ إِليهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] عند المُصيبَةِ
стр. 564
إلَّا هذِه الأمةَ، ألَم تَسمَعْ إلى قولِ يعقوبَ حينَ أصابَه ما أصابَه، فإنَّه لم يَسترجِعْ، وإنَّما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] (١). وقال الفرّاء: معناه يا ربِّ ارحمْ شدةَ أسفي على يوسف.
وقال الحسن البصري: بين خروج يوسف من حجر أبيه وبين أن التقيا ثمانون عامًا لم تجفَّ فيها عينا يعقوب، وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وفي رواية: مات أخو الحسن البصري فأقام سنة لا ينام الليل، فقيل له في ذلك فقال: الحمد لله الَّذي لم يجعل حزن يعقوبَ على ولده عارًا.
فإن قيل: فقوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ لا يوافق فصبرٌ جميل، قلنا: قد ذكرنا أن معناه يا ربِّ ارحم شدَّة أسفي على يوسف فلا يكون شكاية.
وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: لما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ نودي: أتشكونا وقد أخذنا منك واحدًا وأبقينا أحد عشر؟
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال ﴿حَتَّى تَكُوْنَ حَرَضًا﴾ أي: دَنَفًا، وقيل: هالكًا فاسدًا ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: الموتى.
فلما أغلظوا له ﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ لا إليكم، والبث: أشدُّ الحزن، وقيل: إنما سمِّيَ البثُّ أشدَّ الحزن لأن صاحبه لا يصبرُ عليه حتَّى يَبُثَّهُ، أي: يظهره.
وحكى الثعلبي قال: دخل على يعقوب جار له فقال له: ما لي أراكَ قد انهشمت وفنيت، ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ فقال: همُّ يوسفَ فعل بي هكذا، فأوحى الله إليه، يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا ربِّ خطيئةٌ أخطأتها فاغفرها لي، قال: قد غفرتها لك، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
وفي رواية: أن يعقوب كبر حتَّى سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما الَّذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله
стр. 565
إليه، وذكره.
وفي رواية: وعزَّتي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك حتَّى تنظر إليهما، وإنما وجدت عليك لأنك ذبحت شاةً فقام ببابك مسكين فلم تطعمه منها شيئًا، وإن أحبَّ خلقي إليَّ الأيتام ثم المساكين، فاصنع طعامًا وادعُ إليه المساكين، فصنع طعامًا وقال: من كان صائمًا فليفطر الليلة عند آل يعقوب.
وذكر الثعلبي عن وهب قال: أوحى الله إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست يوسف عنك ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك شويتَ عَنَاقًا وقتَّرتَ على جارك فلم تطعمه. وفي رواية: وقف على بابك سائلٌ اسمه دانيال فرددته خائبًا، فانصرف حزينًا.
قال: وقال وهب والسُّدي وغيرهما (١): جاء جبريل ﵇ إلى يوسف وهو في السِّجن فقال: هل تعرفني أيها الصدِّيق؟ قال: أرى صورةً طاهرةً وريحًا طيبة، قال: أنا الروح الأمين، رسولُ ربِّ العالمين، قال: فما الَّذي أدخلك مدخل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر البيوت والأرضين بالنبيين وقد طهَّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين، قال: وكيف لي باسم الصدِّيقين، وأنا في عداد المذنبين، وقد دخلت مدخل العاصين؟ قال: لأنك لم تعصِ ربّك ولم تطع امرأة العزيز فلذلك ألحقك الله بآبائك الصالحين، قال: هل لك علمٌ بيعقوب؟ قال: نعم وهَب الله له الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم، قال: فما قدْر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فما له من الأجر؟ قال: أجرُ مائةِ شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم؛ فطابت نفس يوسف وقال: ما أبالي ما لقيتُ إن رأيته.
وقال مقاتل: أوحى الله إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك؟ قال: لا، قال: لأنك ذبحتَ شاةً وهي تنظر إلى سخلتها، فعاقبتك بفراق ولدك لتذوقَ ألم الفراق.
وقال أبو حنيفة النُّوبي: فأراه دمًا بدم، وفرقة بفرقة، وحرقة بحرقة، فقال: يا إلهي