← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وبعث إليه عاصم يقول: إني أرُدُّ عليك ما أصبتُ منك ومن أصحابك (١) على أن ترتحلَ عنَّا. ففعل (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وحمل معه (٣) الخمور والملاهي والكلاب، وأراد أن يشرب بمكة. وكانت الولاة في هذه السنة على ما كانوا عليه إلا خُراسان، فإنه كان عليها عاصم بن عبد الله الهلالي (٤). وفيها توفي الجُنيد بن عبد الرحمن أبو يحيى، والي خُراسان، كان شجاعًا جَوادًا محترزًا هيوبًا صالحًا. عبر النهر مرارًا، وفتح من بلاد السِّند والهند ما لم يفتحه غيره. وسببُ عزله تزويجُه بنت المهلَّب، فحسده هشام، واستقلَّه لها. والجُنيدُ صاحب غَزَاة الشِّعْب (٥)، وكانت ولايته على خُراسان خمسَ سنين، وَلِيَها في سنة إحدى عشرة ومئة، ومات في المحرَّم سنة ستَّ عشرة ومئة [وقد ذكرنا وقائعه واجتهاده]. ولمَّا توفي بخراسان استخلفَ عُمارة بن حُريم، فلما قدم عاصم حبسَ عُمارة وعمَّال الجنيد وعذَّبهم على الأموال (٦). وقال الجُنيد: دخلتُ (٧) من حَوْرَان آخذُ عطائي فصلَّيتُ الجمعة بجامع دمشق، ثم خرجت إلى باب الدرج؛ وإذا عليه شيخ يقصُّ على الناس يقال له: أبو شيبة، فوَعَظَنا

стр. 5007

وخوَّفَنا، فبكَينا، فلما فرغَ من قصصه قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب. فلعنوا أبا تراب. [قال الجُنيد:] فقلتُ لمن عن يميني: ومَنْ أبو تراب؟ فقال: عليُّ بنُ أبي طالب ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ زوجُ ابنتِه، وأبو الحسن والحسين. قال الجُنيد: فقمتُ إليه -وكان ذا وَفْرَة- فأخذت بوَفْرَتِه وجعلتُ ألطمُ وجهَه ورأسَه بالحائط، وصاحَ، واجتمعَ الناسُ، فوضعوا ردائي في عنقي وساقُوني إلى هشام [بن عبد الملك] والقاصّ يمشي قدَّامي، فدخلنا على هشام، فصاح أبو شيبة: يا أمير المؤمنين، قاصُّك وقاصُّ آبائك وأجدادك يُفعل به هذا؟ قال: ومَنْ فعلَه؟ فأشار إليَّ، فقال لي هشام وعنده أشراف الناس: أبو يحيى! متى قدمتَ؟ فقلت: أمسِ، وكنتُ على المصير إلى أمير المؤمنين، فأدركَتْني الجمعةُ وصلَّيت، وخرجتُ إلى باب الدرج (١)، فإذا هذا الشيخُ يقصُّ على الناس، فبكَينا، ودعا فأمَّنَّا، ثم قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب، فسألتُ: من أبو تراب (٢)؟ فقال لي رجل: علي بنُ أبي طالب، ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ ، وصهرُه على ابنتِه، وأوَّلُ القوم إسلامًا. فواللهِ لو ذكرَ قرابةً لك بمثل هذا لفعلتُ به ما فعلتُ، أفلا أغضبُ لابن عمِّ رسول الله ﷺ ؟! فقال هشام: بئس ما صنع! ثم عقدَ لي على السِّند، وقال لجلسائه: مثلُ هذا لا يُجاورُني في بلد (٣) فيُفسدَ عليَّ البلد. فباعَدَ بِهِ إلى السِّند. رَوَى ذلك ابنُ عساكر عن جُنادة بن عَمرو بن الجُنيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه الجُنيد. قال: فمضى، فماتَ بالسِّند، وهو على باب السِّند مُصَوَّرٌ، بيده اليمنى سيف، وفي [يده] الآخرى كيس يُعطي منه الدراهم (٤).

стр. 5008

[وروى ابن عساكر أيضًا أنه مات بمَرْو في خُراسان]. ورثاه جماعة من الشعراء، منهم عيسى بن عَصبَة (١) أبو جُويرة، فقال: هلك (٢) الجُودُ والجُنَيدُ جميعًا … فعلى الجود والجُنَيدِ السلامُ أصْبَحا ثاوَيينِ في بطن مَرْوٍ … ما تغنَّى على الغصونِ الحَمَامُ (٣) كنتُما نُهْزَةَ الكرامِ فلمَّا … مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ ثم إنَّ عيسى [بن عَصَبَة] قدم العراق، فلما دخل على خالد القسريّ يمدحُه قال له: ألستَ القائل (٤): ذهب (٥) الجودُ والجُنَيدُ جميعأ؟! اذهب إلى حيثُ دفنتَ الجُودَ فاستخرِجْهُ (٦). فقال: أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول: لو كان يقعدُ فوق الشمس من كَرَمٍ … قومٌ بأوَّلهم أو مَجْدِهم قَعَدُوا أوْ خَلَّدَ الجُودُ أقوامًا ذَوي حَسَبٍ … فيما يحاولُ من آجالهم خَلَدُوا قومٌ أبوهُمْ سِنانٌ حينَ تَنْسِبُهمْ … طابوا وطابَ من الأولاد ما وَلَدُوا يُحَسَّدُونَ على ما كان من نِعَمٍ … لا يَنْزغُ اللهُ عنهم ما لَه حُسِدُوا فخرج ولم يعطه شيئًا (٧). وقوله: أبوهم سِنان، هو جدُّ الجُنَيد؛ لأنه الجُنَيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سِنان المُرِّيّ.

стр. 5009

وكان الجنيد من الأجواد الممدَّحين، ولم يكن بالمحمود في حروبه. ولما احتُضر جاءه مؤذِّنُه يُؤْذِنُه بالصلاة، فقال: الصلاةَ أيها الأمير. فقال: يا ليتَها لم تُقل لنا (١). حفصة (٢) بنت سِيرِين أخت محمد [بن سِيرِين] الزاهدة العابدة. [ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الفوائد" بإسناده عن] هشام بن حسان [أنها] قرأتِ القرآن (٣) وهي ابنةُ اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي بنتُ تسعين سنة، ومكثت في مُصلّاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة، وكانت تختِمُ القرآنَ كل يوم وليلة (٤)، وتصومُ الدهر، وتُفطر العيدَين وأيَّام التشريق. واشترت جاريةً، فقيل للجارية: كيف رأيتِ مولاتَكِ؟ فقالت: صالحة؛ إلا أنَّها قد أذْنَبَتْ ذنبًا عظيمًا فهي الليلَ كلَّه تبكي وتصلِّي. [وقال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى هشام بن حسان قال:] جاءت [حفصة] إلى بيتها (٥)، فإذا زوجُها على فراشها مع جارية له، فأغلقت الباب، ولم تتكلَّم، فلما كان بعد مدَّة، ضرب زوجُها الجاريةَ، فقالت له [حفصة]: أتضربُ العروس؟! فقال: وقد علمتِ؟! فوهبَ الجاريةَ لها. [وقال هشام بن حسان:] كان لحفصة كَفَنٌ مُعَدٌّ، فإذا حجَّتْ وأحرَمَتْ؛ لَبِسَتْه، وإذا كان العشر الآخر (٦) من رمضان لَبِسَتْهُ، وقامت فيه الليل. [قال:] وكانت تقول: أما تستحي الحرَّة تغار؟

стр. 5010

و [وروى ابنُ أبي الدنيا عن هشام بن حسان أنه قال:] كان إذا أشكل على محمد بن سِيرين شيء من القرآن يقول: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ. وقال ابنُ أبي الدنيا: ربَّما طَفِئَ المصباح في بيت حفصة، فينوَّرُ لها البيت. وقال عاصم الأحول: كنا ندخل (١) عليها المسجد وقد تنقَّبت ووضعت الجلبابَ على رأسها، فنقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. فتقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] وذلك بلبس الجلباب. وكان أنس بن مالك يزورُها، وكذا الحسنُ وعلماء البصرة. وكانت وفاتُها بالبصرة في هذه السنة، فلم يبقَ بِكرٌ ولا عانسٌ إلا وشهدَها [رحمها الله تعالى] (٢). الحَكَم بن عُتيبة أبو عبد الله، مولى كِنْدة، من الطبقة الثالثة (٣). كان عالمًا ثقة كثير الحديث، فقيه أهل الكوفة. وكان هو وإبراهيم النَّخَعي في سنٍّ واحدة. حمزة بن بِيض ابن نَمِر بن عبد الله، من بني الدُّول بن حنيفة. كان شاعرًا مجيدًا [وكان كالمنقطع] إلى المهلَّب بن أبي صُفْرة، ثم إلى ولدِه، ثم إلى بلال بن أبي بُرْدة، واكتسبَ بالشِّعر ألفَ ألفِ درهم (٤).

стр. 5011

ولما مدح مَخْلَدَ بنَ يزيد بن المهلَّب -وهو خليفةُ أبيه على خُراسان- أعطاه مئةَ ألف درهم (١). ودخل على يزيد بن المهلب السجنَ لمَّا حبسَه عُمر بن عبد العزيز ﵁، فأنشدَه: أُغْلِقَ دونَ السَّماحِ والجودِ والـ … ــنَّجْدةِ بابٌ حَدِيدُه أَشِبُ بَرَّزْتَ سبقَ الجَوَادِ في مهَلٍ … وقَصَّرَتْ دونَ سعيك الرُّتبُ (٢) فقال له يزيد: يا حمزة أسأتَ حيثُ نوَّهتَ باسمي في غير وقت تنويهه. ثم رمى إليه بخرقة مصرورة، وقال: خُذْ هذا الدينار، وكان عنده صاحب خُبْرِ واقفٌ، فأراد حمزة أن يردَّه، فأشار إليه: خذه ولا تُخدع عنه. فخرج، فإذا في الخرقة فَصٌّ من الياقوت الأحمر، فخرج إلى خُراسان، فباعه بثلاثين ألفًا، فقال له المشتري: واللهِ لو أبيتَ إلا خمسين ألفًا لأعطيتُك. فضاق صدرُه، فأعطاه مئة دينار زيادة (٣). ميمون بن مِهْران ابن أيوب (٤)، أبو أيوب الجزري [فقيه أهل الجزيرة. ذكره ابن سعد في] الطبقة الأولى (٥) من التابعين [الذين نزلوا الجزيرة. وكان ثقة كثير الحديث] (٦). وولّاه عُمر بنُ عبد العزيز ﵁ خَراج الجزيرة، وولَّى ابنه عَمرو (٧) [بن ميمون] على الديوان.

стр. 5012

وكان ميمون بزَّازًا وهو على الخَراج يجلسُ في حانوته، فكتب إلى عمر يستعفيه من الخَراج، فكتب إليه عمر: إنما هو درهمٌ تأخذه من حقِّه وتضعُه في حقّه، فما استعفاؤك من هذا؟ فلمَّا وليَ يزيد بن عبد الملك أقام على الخَراج أشهرًا. وكان وليَ قبلَ ذلك بيت المال بحرَّان لمحمد بن مروان، فكتبَ إليه غَيلان القَدَريُّ يعظُه في ذلك، فقال ميمون: وَدِدْتُ - واللهِ - أن حدقتي سقطت (١)، ولم أعمل عملًا (٢). قيل: ولا لعمر بن عبد العزيز؟ فقال: ولا لعمر بن عبد العزيز. وقال: أدركتُ من لا يتكلَّم إلا بحقّ أو يسكتُ، وأدركتُ مَنْ لم يملأ عينيه من السماء فَرَقًا من ربه، وأدركتُ من أستحيي أن أتكلَّم عنده (٣). [وقال خَلَف بن حَوْشَب: تكارينا دوابَّ مع ميمون إلى مكان معروف، فقال: لولا ذلك لمررنا على آل فلان] (٤). وقال أحمد بنُ عبد الله العِجْليّ: كان ميمون إذا رأى شابًّا حسنَ الفعل، ولم يكن على طريقةٍ مُرضيةٍ ابتدأه بالسلام وأكرمَه ولاطفَه، ثم يقول له: ها هنا مريضٌ؛ اذْهَبْ بنا نعوده، ها هنا جنازةٌ؛ اذْهَبْ بنا نحضرها، فيذهب معه، فإذا خلا الفتى بأصحابه قالوا له: ما قال لك ميمون؟ فيخبرهم، فلا يزال به حتى يَنْسُك (٥). وكان يقول لأصحابه: قولوا في وجهي ما أكره، فإنَّ الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره (٦).

стр. 5013

وقال [أبو نُعيم: قال ميمون]: إن العبدَ إذا أذنبَ نكتَ في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإن تاب مُحِيَتْ من قلبه، فترى قلبَ المؤمن مثلَ المرآةِ الصقيلة، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصرَه، وأمَّا الذي يُتابع في الذنوب؛ فإنَّه كلَّما أذنبَ نكتَ في قلبه نكتةٌ سوداء، فلا يزال كذلك حتى يسودَّ قلبُه، فلا يُبصر الشيطانَ من حيث يأتيه (١). وقال: لا تضربِ المملوكَ على ذنب، ولكن احْفَظْ ذلك كلَّه، فإذا عصى الله فعاقِبْه على معصية الله، وذكره الذنوب التي أذنبَ بينَك وبينَه (٢). وقال: لا خير في الدنيا إلا لرجلٍ تائب، أو رجل يعمل في الدرجات (٣). وقال ميمون: قال لي عمر (٤) بن عبد العزيز: يا ميمون، احفَظْ عني أربعًا: لا تصحبنَّ سلطانًا وإن أمرتَه بمعروف ونهيتَه عن منكر، ولا تخلون بامرأةٍ أجنبية وإنْ أَقْرَأْتَها القرآنَ، ولا تَصِلْ من قطعَ رَحِمَهُ، فإنه لك أقطع، ولا تتكلَّمنَّ اليومَ بكلام تعتذرُ منه غدًا (٥). وتوفي ميمون بالرقة سنة ست عشرة -وقيل: سنة سبع عشرة- ومئة. وقيل: سنة ثمان عشرة (٦). [قال أبو القاسم عن] إبراهيم بن محمد السِّمَّريّ (٧): صلَّى ميمون في سبعةَ عشرَ يومًا سبعةَ عشرَ ألفَ ركعةً، فلما كان في اليوم الثامنَ عشرَ انقطع في جوفه شيءٌ فمات.

стр. 5014

أسند ميمون عن عمر (١)، وعثمانَ، وابنِ عمر، وابن عَمرو، وابنِ عبَّاس [وأمِّ الدرداء]﵁، وغيرهم. وروى عن عمر بن عبد العزيز، وأئمة التابعين. وروى عنه الأوزاعيُّ، وحُميد الطويل، والأعمش، وغيرهم. وكان ميمون زاهدًا عابدًا، وَرِعًا صالحًا، ثبتًا، كثيرَ الحديث [رحمه الله تعالى] (٢). نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب من الطبقة الثالثة من التابعين (٣)، وكان عبد الله بن جعفر قد أعطى ابن عمر (٤) فيه اثني عشر ألف درهم، فأبى وأعتَقَه. وقال: سافرتُ مع ابن عمر بضعًا وثلاثين سَفْرة ما بين حَجَّةٍ وعُمرة. وكان نافع عند عبد الله بن عمر كبعض ولده، وكان ثقةً كثيرَ الحديث. ومات سنة ستَّ عشرة ومئة. وقيل: سنة سبع عشرة، وثماني عشرة، وعشرين (٥). أسند عن مولاه، ورافع بن خَدِيج، وأبي سعيد الخُدري، وغيرِهم. وروى عنه القاسم بن محمد (٦)، ومالك، والليث، وأيوب، والزُّهري، والأوزاعيّ، وغيرهم. وقال خَلَف البزار: قلتُ للإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: أيُّ الأسانيد أثبت؟ قال: أيوب، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية: الزُّهريّ، عن نافع، عن ابن عمر.

стр. 5015

وقال البخاريُّ: أصحُّ الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر (١). أبو حَيَّة (٢) النُّميري [الشاعر، واسمه] الهيثم (٣) بن الربيع بن زُرارة، شاعر مشهور. وكان قد اختلَّ في آخر عُمره، ويُصرع في أوقات، وكان له سيفٌ يقال له: لُعاب المنيَّة، لا فرقَ بينه وبين الخشبة. دخل عليه كلبٌ، فظنَّه لصًّا، فانتضى سيفَه، وقال: أيُّها المجترئُ علينا، أما سمعتَ بلعاب المنيَّة؟ اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل (٤) بالعقوبة عليك. فخرج الكلبُ، فقال: الحمدُ لله الذي مسخكَ كلبًا وكفانا حربًا (٥). السنة السابعة عشرة بعد المئة فيها أعادَ هشام (٦) ولاية خُراسان إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ، فولَّاها أخاه أسد (٧) بن عبد الله، وعزلَ عاصمَ بنَ عبد الله عنها. وكان السببُ في ذلك أنَّ عاصمًا كتب إلى هشام: أمَّا بعد؛ فإن الرائد لا يكذبُ أهلَه، وقد سبق من أمير المؤمنين إليَّ ما أؤذي به حقَّه، وأُعزفُه وجهَ المصلحة، فإنَّ ذلك من واجب النصيحة. إنَّ خُراسان لا تصلح إلا لصاحب العراق، ليكونَ موادُّها من العراق، فإنَّ أمير المؤمنين بعيد عنها، وربَّما أبطأ الغِياث إليها. فقال بعض أصحاب عاصم: كأنّكم بأسد وقد أقبل. فلمَّا قدم أسد، بعث الكُميتُ بنُ زيد الأسديّ إلى مَرْو بأبيات، منها:

стр. 5016

ألا أبْلِغْ جماعةَ أهل مَرْوٍ … على ما كان من نأْيٍ وبُعْدِ رسالةَ ناصحٍ يُهدِي سلامًا … ويأمرُ في الذي ركبوا بِجِدِّ فلا تَهِنوا ولا تَرْضَوْا بخَسْفٍ … ولا يَغْرُرْكُمُ أَسَدٌ بعهدِ وكونوا كالبَغَايا إنْ خُدِعْتُمْ … وإنْ أقْرَرْتُمُ ضيمًا لوَغْدِ وإلا فارفَعوا الراياتِ سُودًا … على أهلِ الضَّلالةِ والتَّعَدِّي فكيفَ وأنتُمُ سبعون ألفًا … رَمَاكُمْ خالدٌ بشَبيهِ قِرْدِ فمهلًا يا قُضَاعَ فلا تكوني … توابعَ لا أصولَ لها بنجدِ (١) وفيها وادعَ عاصمٌ الحارثَ الخارجي لمَّا بلغَه قدومُ أسد إلى خُراسان، وكتب عاصم بينه وبين الحارث كتابًا على أن ينزلَ الحارثُ أيَّ كُورةٍ شاء من خُراسان حتى يكتبوا إلى هشام يدعونه إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فإنْ أبى كانوا كلُّهم عليه، وأبي يحيى بن حُضَيْن أن يُوادع، وقال: هذا خَلْعٌ لأمير المؤمنين، ولم يختم على الكتاب مع مَنْ ختمَ، فقال خَلَف بن خليفة أبياتًا منها يخاطب يحيى بن حُضَين: أبى همُّ قلبِك إلا اجتماعا … ويأْبَى رُقادُك إلا امتناعا حَفِظْنا أُميَّةَ في مُلْكها … ونَخْطِرُ من دونها أنْ تُراعَي نُدافعُ عنها وعن مُلكها … إذا لم نجد بيديها امتناعا ومنَّا الذي سادَ (٢) أهلَ العراقِ … ولو غابَ يحيى عن الثَّغْر ضاعا على ابنِ سُرَيج نَقَضْنا الأمورَ … وقد كانَ أحْكَمَهما ما اسْتَطاعا من أبيات. وكان عاصم في قرية لكندة (٣) بأعلى مَرْو، والحارث بقرية لبني العنبر، والتَقَوْا واقتتلُوا، فانهزم الحارث وأصحابه، وعظَّم الناسُ ما فعلَ يحيى بن الحُضَين.

стр. 5017

وكتب أسد إلى أخيه خالد يخبره أنه هزمَ الحارث -وإنَّما كان أسد ببَيْهَق، ولم يشهد الوقعة- ويُخبره بأمر يحيى وما فعل، فأجازَ يحيى بعشرة آلاف دينار، ومئة حُلَّة. وكانت ولاية عاصم على خُراسان سبعة أشهر، وقيل: سنة. وقدم أسد وقد انصرف الحارث بن سُرَيج، فحبس عاصمًا وحاسبَه على ما أنفق من الأموال. ووصل كتاب هشام إلى خالد يأمرُه أن يكتبَ كتابًا إلى أسد يطلب منه الحارث أينما كان، فكتبَ إليه، وكان الحارث بمَرْو الرُّوذ، فسار أسد إلى آمُل، وقدَّمَ بين يديه عبدَ الرحمن بن نُعيم الغامديّ (١) في أهل الكوفة والشام. وسار الحارثُ إلى التِّرْمِذ، فحصرَها وطال عليه الحصار، فتأخّر عن البلد خديعةً منه لأهله، فخرج أهلُ البلد، فعاد عليهم، فهزَمهم وقتل عدَّة من الفرسان، وسارَ إليه أسد، فنزل دون النهر، وخرج أهلُ التِّرمذ، فقاتلُوا الحارث فانهزم، وجاء أسد فنزل سمرقند، ثم قفل من سمرقند حتى نزلَ بَلْخ (٢). وفيها أخذ أسد جماعة من دعاة بني العباس، فقتل بعضَهم وحبسَ بعضًا، وكان فيهم سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، وغيرهم. ولما جيء بهم إلى أسد قال: يا فُسَّاق ألم أنهكم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] فقال له سليمان: نحن وإيَّاك كما قال الشاعر: لو بغيرِ الماء حَلْقي شَرِقٌ … كنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري صِيدَتْ - واللهِ - العقارب على يدك لأنَّا أُناسٌ من قومك، وإنما رَفَعَتْ إليك هذه المُضَريَّة علينا لأنَّا كنَّا أشدَّ الناس على قُتيبة بن مسلم، فطلبوا أن يدركوا بثأرهم (٣).

стр. 5018

فأمر بهم أسد إلى الحبس، وكان فيهم موسى بن كعب، وكان رأسًا في الشيعة، فأمر به فلُجم بلجام حمار، وجُذب حتى تحطَّمت أسنانُه، ثم كُسر أنفُه ووجهُه، وضربه ثلاث مئة سوط، ثم أَمر به ليُصلب، فشَفَعَ فيه الحسن بن زيد الأزديّ وقال: هو جاري وهو بريءٌ ممَّا قُذِفَ به، وكذا الآخرون. فخلَّى سبيلَهم، فلمَّا ظهر بنو العبَّاس تقدَّم عندهم موسى بنُ كدب، وكان يقول: لمَّا كان لنا أسنان لم يكن لنا خبز، فلما جاء الخبر. ذهبت الأسنان (١). و [فيها] حجَّ بالناس خالد بنُ عبد الملك بن الحارث بن الحَكَم بن أبي العاص -ويعرف بابن مَطِيرة- وهو أمير على المدينة، وكان على مكة والطائف محمد بن هشام المخزوميّ، وعلى العراق والمشوق خالد بن عبد الله، وأسدٌ نائبُه، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٢). وفيها توفي أبان بن صالح ابن عمير بن عُبيد (٣) وُلد سنة ستين، وهو من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة (٤). دخل أبان على عمر بن عبد العزيز، فقال له: أفي ديوانٍ أنت؟ قال: قد كنتُ أكره ذلك مع غيرك، فأَمَّا معك فلا أُبالي. ففرض له. وكانت وفاته بعسقلان وهو ابن خمس وستين سنة (٥).

стр. 5019

سُكَينةُ بنتُ الحسين ابن علي بن أبي طالب، واسمُها آمنة، وقيل: أُميمة، وقيل: أمينة، وسُكينة لقبٌ لها. وأمُّها الرَّباب (١) بنت امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُلَيم بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذرَة بن زيد اللات بن رُفيده بن ثور بن كلب (٢). وفيها يقول الحسين بن علي ﵇: لعمري (٣) إنَّني لأُحِبُّ دارًا … تَحُلُّ بها سُكَينةُ والرَّبَابُ وكانت الرَّبابُ تقول: إنما أُلْبِسُ الدُّرَّ سُكَينةَ لتفضحَهُ، لا أنه يُزيِّنها (٤). وأوَّلُ من ابتكرهَا مصعب بن الزُّبير بن العوَّام، فولدَتْ له فاطمة، وهي اللباب، وأصدَقَها ألفَ ألفِ درهم، وحملَها إليه أخوها عليّ بن الحسين، ثم قُتل عنها. وقيل: أوَّلُ أزواجِها الحسن بن الحسن بن عليّ، ثم مصعب (٥)، ثم خلفَ عليها عبدُ الله بن عثمان (٦) بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خُويلد، فولَدَتْ له عثمان وحكيمًا وربيحة، ثم هلك عنها، فخلف عليها زيد بن عَمرو بن عثمان بن عفان، فهلك عنها، فتزوَّجَها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهْريّ، فأقامت معه ثلاثة أشهر،

стр. 5020

فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه بالمدينة أن يُفرِّقَ بينهما؛ باعتبار أنها كانت وليِّةَ نفسها (١)، ثم خلف عليها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان -وكان على مصر- ولم يدخل بها، فنَفِسَ عليه عبدُ الملك، فكتب إليه: اختر إمَّا سُكينة، وإمَّا مصر، فطلَّقها ومتَّعَها عشرين ألف دينار (٢). وقيل: إنَّ أوَّلَ مَنْ تزوَّجَها عبد الله (٣) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، فقُتل مع الحسين يوم الطُّفوف قبل أن يبتنيَ بها (٤). وكانت من أجلِّ نساء قريش، دخلت على هشام في قواعد نساء قريش، فسلبَتْه مِنْطَقَتَه، ومِطْرَفَهُ وعِمامتَه، فدعا هشام بثيابٍ غيرِها فلبسَها. وكان مروان إذا لعن جدَّها عليًّا ﵇؛ لعنَتْه وأباه وأبا أبيه (٥). ومن شعرها لما قُتل مصعبٌ زوجُها: فإن يقتلُوه يقتلوا الماجد الذي … يرى الموتَ إلا بالسيوف حراما وقبلَكَ ما خاضَ الحسينُ منيَّةً … إلى السيف حتى أوردوه حِماما (٦) و [قال أبو اليقظان:] كانت [سُكينةُ] من الجمال والأدب والظَّرَف والسخاء والعفاف والفضل بمنزلة عظيمة، وكان يأوي إلى منزلها العلماء والأدباء والشعراء، فتُخيِّر بينهم وتُجيزهم بالألف دينار وأكثر من ذلك على أقدارهم، وكانوا يفتخرون بأشعارهم ويُحكِّمونها لِما يعلمون من عقلها وأدبها وحِذْقِها بالشعر، وكان يجتمع إلى بابها الفرزدق، وجرير، وكُثَيِّر عَزَّة، ونُصَيب، وجميل، والأحوص، وغيرهم (٧). [وفدت سُكينة على عبد الملك، فأكرمها وقضى حوائجها.

стр. 5021

ذكر وفاتها: حكى ابن سعد عن هشام بن الكلبي، عن خلف الزهري قال:] ماتت سُكينة وعلى المدينة خالدُ بن عبد الله بن الحارث بن الحكم، فقال: انتظروني حتى أُصلِّيَ عليها. وخرج إلى البَقِيع، فلم يدخل حتى الظهر، وخشُوا عليها أن تتغير، فاشترَوا لها كافورًا بثلاثين دينارًا، فلمَّا دخل أمَرَ شيبة بن نِصَاح القارئ، فصلَّى عليها. [وهذه رواية ابن سعد أنها ماتت بالمدينة] (١). وقال الشيخ أبو الفَرَج في "المنتظم": إنها توفيت بمكة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول (٢). روت عن النبيِّ ﷺ حديثًا مرسلًا أنه قال: "بَشرْ قاتلَ الحسين بالنار" (٣). وقال فائد: حدَّثَتْني سُكينة بنت الحسين، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : "حَمَلَةُ القرآن عُرفاءُ أهلِ الجنة" (٤). عَبد الله بن عُبَيد الله ابن عَبْد الله بن أبي مُلَيكة بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن تيم (٥) بن مُرَّة. وأمُّه ميمونة بنت الوليد بن أبي حُسين من بني عبد مناف، ولم يكن لعبد الله عقب. وهو من الطبقة الثانية من أهل مكة (٦).

стр. 5022

قيل: كان عبد الله بن جُدْعان عقيمًا، فادَّعى رجلًا وسمَّاه زهيرًا، وكنَّاه أبا مُليكة، وولدُه كلُّهم ينسبون إلى أبي مُليكة. وكان عبد الله [بن جُدْعان] جوادًا، وله مال عظيم، وكانت له جَفْنة عظيمة مباحة للناس، فلما أسَنَّ حَجَرَ عليه رَهْطُه، فكان إذا أعطى أحدًا رجعوا فأخذوه منه، فكان يقول للسائل: كُنْ قريبًا مني حتى ألطمك، وقل: ما أريد إلا لطمتي، أو ما أريد من المال (١). فلما رأى ذلك أهلُه؛ خلَّوْا بينه وبين ماله، فقال: إني وإنْ لم يَنَلْ مالي مدى خُلُقي … وهَّابٌ ما ملكَتْ كفّايَ من مالِ لا أحبسُ المال إلا حيث أتلِفُهُ … ولا يُغيِّرُني حالٌ على حالِ (٢) توفي عبدُ الله بمكة سنة سبع عشرة ومئة، وروى عن ابن عباس، وابن الزبير، وعقبة بن الحارث، وعائشة، وكان ثقة كثيرَ الحديث. وأخوه أبو بكر لأبيه وأمِّه، روى الحديث، وله عقب (٣). عبد الرحمن بن هرمُز الأعرج، أبو داود، مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، وكان عالمًا فاضلًا. خرج إلى الإسكندرية مرابطًا، فأقام بها حتى مات في سنة سبع عشرة ومئة، وكان ثقةً كثيرَ الحديث (٤). أسند عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخُدْري، وغيرهما، وأخرج البخاري عنه في "صحيحه" (٥).

стр. 5023

عليُّ بن عبد الله بن العبَّاس ابن عبد المطّلب بن هاشم [وكنيتُه] أبو محمد [ذكره ابن سعد في أوَّل] الطبقة الثالثة (١) من التابعين من أهل المدينة. [قال:] وأمُّه زُرعة بنت مِشْرَح بن معدي كرب الكنديّ. [قال:] وُلد ليلةَ قُتل عليٌّ ﵇[في شهر رمضان سنة أربعين] فسُمِّيَ باسمه، وكُنِّيَ بكنيته أبا الحسن، فقال له: عبد الملك بن مروان: والله لا أحمل لك الاسم والكنية جميعًا، فغَيِّرْ أحدَهما. فَغيَّرَ الكنية، وصيَّرها أبا محمد (٢). [وقد اختلفوا فيمن غيَّر كنيته، فحكى ابن سعد أنه عبد الملك بن مروان. وكذا قال الهيثم بن عدي]. قال الهيثم: قدم على عبد الملك، فأكرمه وأقعدَه معه على سريره، وسألَه عن اسمه وكنيته وقال له: حوِّل كنيتك ولك مئة ألف درهم، فقال: أَما وأبي حيٌّ؛ فلا. قال: فهل لك ولد؟ قال: نعم، محمد. فقال: تكَنَّ به. ففعل. [وذكره الطبري بمعناه وقال: قال له عبد الملك: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد (٣). وقيل: إنما غيَّرها معاوية]. وقال البلاذري: لما وُلد عليّ أراد معاويةُ عبدَ الله بنَ عباس أن يسمِّيَه معاوية، فأبى عبدُ الله وقال: قد سقَيتُه عليًّا، وكنَّيتُهُ أبا الحسن. ووُلد لعبد الله بن جعفر غلام، فسقَاه عليًّا، وكنَّاه أبا الحسن، فأرسلَ إليهما معاويةُ أن انقلا اسمَ أبي تراب وكنيتَه عن ابنَيْكما، وسمِّياهما باسمي، وكنِّياهما بكنيتي، ولكلِّ واحد منكما ألفُ ألفِ درهم، فأما عبدُ الله بنُ عباس فأبى ذلك، وأجاب عبدُ الله بنُ جعفر، وأخذ المال، فقال

стр. 5024

معاوية لابن عباس: انقل كنيتَه ولك خمس مئة ألف [ألف] درهم. فقال: أمَّا هذا فنعم. فكنَّاه أبا محمد (١). وقال المُعافَى: فامتنع عبدُ الله بن عبَّاس وقال: حدَّثني عليُّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من قوم يكون فيهم رجلٌ صالح يموت، فيخلُف فيهم مولود فيسمُّونه (٢) باسمه وكنيته إلا خَلَفَهم الله بالحسنى". وما كنتُ لأغيِّر اسمَه أبدًا. فقال معاوية: فالكنية. قال: أمَّا هذه فنعم (٣). و [قال ابن سعد:] كان أصغرَ ولدِ أبيه سنًّا، وكان أجملَ قرشيِّ مشى على وجه الأرض (٤). وكان يقال له: السَّجَّاد لكثرة صلاته؛ كان يصلِّي في اليوم والليلة خمس مئة ركعة [يسجد فيها ألف سجدة. وفي روإية ابن سعد أنه كان يصلي في اليوم والليلة] ألف ركعة (٥). [ذكر طرف من أخباره: قال أبو نُعيم بإسناده عن هشام بن سليمان المخزومي: إن عليًّا، كان إذا قدمَ حاجًّا أو معتمرًا عطَّلت قريشٌ مجالسَها في المسجد الحرام، وعطَّلت حِلَقَها، ولزمَتْ مجلسَه إعظامَّا وإجلالًا له، فإن قعد قعدوا، وإن نهض نهضوا، وإن مشى مَشَوْا جميعًا حتى يخرج من المسجد الحرام (٦). [وروى أبو القاسم الدمشقي عن الوليد بن مسلم قال: كان لعليّ خمس مئة شجرة، فكان يصلي كلَّ يوم عند كلِّ شجرة ركعتين (٧).

стр. 5025

قال:] وسكن علي الشَّراة من أرض البلقاء، وكان له دارٌ بدمشق قِبليّ سوق الدوابّ (١). و [قال المدائني:] كان صديقًا لعبد الملك بن مروان، وكان [عبد الملك] يحترمُه، دخل عليه يومًا والبرد شديد وقد حال بينهما دخان العُود، فقال له: احمدِ اللهَ يا أمير المؤمنين على ما أنت فيه من الدِّفْء، وممَّا الناسُ فيه من البرد. فقال له عبد الملك: يا أبا محمد، أبعْدَ ابن هند؟! كان أميرًا عشرين سنة، وخليفةَ مثلُها، أصبحَ تهتزُّ على قبره يَنْبُوتة، ما هو إلا كما قال الشاعر: وما الدَّهْرُ والأيامُ إلا كما ترى (٢) … رَزِيَّةَ مالٍ أو فراقَ حَبِيبِ وإنَّ امْرَأً قد جرَّبَ الدَّهْرَ لم يَخَفْ … تصرُّفَ عصرَيهِ لَغيرُ أرِيبِ ودخل عبد الملك بن حُريث بن عبد الله (٣) العُذري (٤) على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة، فسأله حَمَالةً (٥)، فزَبَرَهُ الوليد بنُ عبد الملك وقال: أنت صِهْرُ لَطيم الشيطان، -يعني عمرَو بنَ سعيد الأشدقَ، وكانت أمُّ حبيب بنت حُريث العُذْريّ (٦) تحت عَمرو، وولَدَتْ له سعيدًا وأميَّة- فقال: ما أنا صهرَ لَطِيم الشيطان، أنا صهرُ أبي أميَّة عَمرو بن سعيد. ثم أنشدَ شعر يحيى بن الحكم فقال: وما كان عَمرٌو عاجزًا غيرَ أنَّهُ … أتَتْهُ المنايا بغتةً وهو لا يدري فلو أنَّ عَمرًا كان بالشام زُرْتُهُ … بأغوارها أو حَلَّ يومًا على مِصْرِ

стр. 5026

وكانت أمُّ البنين امرأةُ الوليد خلف الستر، فقالت: من هذا الأحمق؟ وسمعها العُذريّ، فأنشد يعرِّضُ بأبيها، وكان قد جُلد في الخمر: وَدِدْتُ وبيتِ اللهِ أنّي فَدَيتُهُ … وعبدُ العزيز يومَ يُجلد في الخمرِ فقالت للوليد: ما أجرأه عليك! فقال: كُفِّي لا يأتي بما بعده. يعني إلى قوله في القصيدة: غَدَرْتُم بعَمرٍو (١) يا بني خَيطِ باطلٍ … وكلُّكُمُ يبني البَنَانَ (٢) على غَدْرِ وخَيط باطل: مروان بن الحكم. ثم أمرَ به الوليد، فأُخرِج، فجاء إلى عليِّ بن عبد الله بن عبَّاس فأخبره، فأعطاه حَمَالتَه وكساه. وقال العُذْريّ: شهدتُ عليكمْ أنّكُمْ (٣) خيرُ قومِكُمْ … وأنَّكُمُ آلُ النَّبيِّ محمَّدِ فنِعْمَ أبو الأضيافِ والطُّالِبِي القِرَى … عليٌّ حليفُ الجُودِ في كلِّ مَشْهَدِ فإنَّ الذي يرجو سواكُم وأنتمُ … بنو الوارثِ الدَّاعي (٤) لَغيرُ (٥) مُسَدَّدِ وإنِّي لأرجُو أنْ تكُونوا أئمَّةً … تسوسون من شئتُم (٦) بمُلكٍ مؤيَّدِ وإنِّي لِمَنْ والاكُمُ لَمُواليًا … وإنّي لِمَنْ عاداكُمُ سُمُّ أَسْوَدِ وقال ابنُ الكلبيّ: كان عبد الملك صديقًا لعليّ صداقةً مؤكّدة، لم يزل أثيرًا عنده حتى طلَّق عبد الملك بنتَ عبد الله بنِ جعفر، فتزوَّجها عليٌّ، فتغيَّر عليه عبد الملك، وبسطَ لسانَه فيه، وقال. إن صلاته رياء وسُمعة، وكان الوليد يسمع ذلك من أبيه، فبقي في قلبه حتى آذاه بسبب سَلِيط (٧).

стр. 5027

حديث سَلِيط: كانت لعبد الله بن عباس جاريةٌ صفراءُ مولَّدةٌ تخدُمُه، فواقعها اتفاقًا غير طالب ولد، فاغتَنَمتْ ذلك، فأمكَنَتْ من نفسها عبدًا من عبيد المدينة، فوقع عليها فحبلَتْ منه، وحدَّها ابنُ عبَّاس، واستعبدَ ولدَها، وأنكره، وسمَّاه سَلِيطًا. فنشأ جَلْدًا ظريفًا، ولم يزل يخدُم عبد الله بنَ عبَّاس حتى مات، وانتقل إلى علي بن عبد الله، فكان معه يخدُمه بالشام، وكان له من بني أمية موقع، فدسَّ الوليدُ بنُ عبد الملك إلى سَلِيط لما كان في نفسه من عليّ أن يدَّعيَ أنه ابنُ عبد الله بنِ عبَّاس، ويخاصمَ عليًّا في الميراث، ففعل سَلِيط، وأقام شهودًا، وأثبت ذلك على القضاء، فألحقه الوليد بابن عباس، فكان سَلِيط بعد ذلك يؤذي عليًّا، ويستطيل عليه، وينال منه. وكان عند عليّ رجلٌ من ولد أبي رافع مولى رسول الله ﷺ يقال له: عمر الدَّنّ، فقال لعليٍّ: ألا أقتلُ هذا الدَّعيَّ؟ فناشده اللهَ أن لا يفعل، ونهاه عنه. فاتَّفقَ أنَّ عليًّا خرج إلى بستان على فرسخ من دمشق ومعه سَلِيط وعمر الدَّنّ، ورجل آخر يقال له: عروة بن راشد (١)، وقيل: أبو المهنَّى فايد مولى لعلي، فقام عليٌّ يصلِّي، وجلس الدَّنُّ وفايد وسَلِيط يأكلون فاكهةً، فقاما إلى سَلِيط فقتلاه ودفناه، وعفَّيا آثاره وهربا، فلما فرغ على من الصلاة طلبَهم، فلم يجد منهم أحدًا. وقام عليٌّ، فدخل دمشق، وفشا الحديثُ، واستغاثت أمُّ سَلِيط -وقيل: زوجتُه- إلى الوليد، فحرثَ البستان، وأُجري الماء عليه، فوقف عند قبر سَلِيط، فأُخرجَ مقتولًا. فأحضر الوليدُ عليًّا، وسألَه، فقال: واللهِ ما أعلمُ بذلك، وما أمرتُ به. فأحلفه أنه ما يعلمُ مكانَ الدَّنِّ وصاحِبِه، فحلفَ، فأقام الوليدُ عليًّا في الشمس، وصبَّ على رأسه الزيت، وألبسه جُبَّة صوف، وضربَه ستين سوطًا، وقيل: خمس مئة سوط، كان يضربُه أبو الزُّعيزعة مولى عبد الملك بين يدي الوليد.

стр. 5028

فكلَّمه فيه عبَّاد بنُ زياد، فأمر أن يُسَيّر إلى دَهْلَك (١) -جزيرة في البحر- فكلَّمه فيه سليمان بنُ عبد الملك وقال: إنَّه ابنُ العمِّ ورجل صالح عابد، فإنْ سيَّرتَه إلى دَهْلَك؛ هلك وتقوم علينا الشناعة، فسيَّره إلى الحِجْر، فأقام حتى هلك الوليد. فلما قام سليمان ردَّه إلى دمشق، فانتقل إلى الشَّراة (٢). وحكى أبو مسعود الدمشقيّ (٣) أنَّ الوليد رأى أباه عبدَ الملك في المنام، فقال: لِمَ تُؤذي عليًّا وتظلِمُه؟! واللهِ لَيَسْلُبَنَّكُم مُلكَكُم. فزادَه ذلك بُغضًا. وكان الوليدُ خبيثًا مبغضًا لآل رسول الله ﷺ ، وكتبَ إلى الآفاق يُشنِّع على عليّ ويقول: قتلَ أخاه. وكان أبو مسلم الخُراساني يدَّعي أنَّه ابنُ سَلِيط، ومما عَدَّدَ عليه المنصور لمَّا ظفر به قال: زعمتَ أنَّك ابنُ سَلِيط، فلم ترضَ حتى نسبتَ إلى عبد الله غيرَ ولده، لقد ارْتَقَيتَ مُرْتَقًى صعبًا. وكان عليُّ بن عبد الله على المدينة في وقعة الحَرَّة، فأحضَرَه مسرف بنُ عقبة (٤)، وقال له: بايعْ يزيد. فبايعَه (٥). [واختلفوا في وفاته، فحكى ابنُ سعد على قولين: فقال أبو معشر وغيره:] توفّي سنة سبع عشرة ومئة. [وقال الواقدي:] سنة (٦) ثمان عشرة ومئة [قال: وكان يصبغ بالسواد (٧).

стр. 5029

وقال خليفة: مات، سنة (١) أربع عشرة ومئة بالحِمَّة من أرض الشَّراة وهو ابن ثمان أو سبع وسبعين سنة (٢). وهو معتدل القامة، وكان يخضب بالوَسْمة (٣). ذكر أولاده (٤): قال ابن سعد: فولدَ عليٌّ محمدًا، وأمُّه العالية بنت عُبيد الله بن العبَّاس بن عبد المطلب، وداودَ، وعيسى؛ لأمّ ولد، وسليمانَ، وصالحًا، وهما لأمِّ ولد، وأحمدَ، وبِشْرًا، ومُبشِّرًا، وإسماعيل، وعبدَ الصمد، وهم جميعًا لأمِّ ولد، ولا عقب لبِشْر ومبشِّر، وعبدَ الله الأكبر؛ لا عقب له، وأمُّه أمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر، وعُبيدَ الله؛ لا عقب له، وأمُّه (٥) امرأةٌ من بني الحَرِيش، وعبدَ الملك، وعثمان، وعبدَ الرحمن، وعبدَ الله الأصغر الخارج بالشام على أبي جعفر، ويحيى، وإسحاقَ، ويعقوبَ، [وعبدَ العزيز] (٦)، وإسماعيلَ الأصغر، وعبدَ الله الأوسط، وهو الأحنف، ولا عقب له، وهم لأمَّهات أولاد شتَّى، وفاطمةَ، وأمَّ عيسى الكبرى، وأمَّ عيسى الصغرى، وأمينة (٧)، ولُبابه، وبُريهةَ الكبرى، وبُريهةَ الصغرى، وميمونةَ، وأمَّ عليّ، والعالية، وهنّ لأمَّهات أولاد شتَّى، وأمَّ حبيب؛ وأمُّها أمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر. فهؤلاء اثنان وثلاثون ولدًا؛ منهم أحد وعشرون ذكرًا (٨)، وإحدى عشرة أنثى. فأمَّا محمد؛ فهو أبو الخلفاء، وسنذكره.

стр. 5030

وأمَّا داود؛ فنذكره في سنة ثلاث وثلاثين ومئة. وأمَّا عيسى؛ فهو صاحب قصر عيسى ببغداد؛ توفي في خلافة المهديّ. وأمَّا سليمان؛ فكان وصيَّ أبيه، ونذكره. وأمَّا صالح؛ فهو الذي قتل مروان بنَ محمد الجعديّ، وسنذكره. وأمَّا عبد الصمد؛ فنذكره في سنة خمس وثلاثين ومئة. وأمَّا عبد الله الأصغر؛ فهو الخارج على المنصور، وسنذكره في خلافة أبي جعفر. وأمَّا بناتُ عليّ؛ فكانت فاطمةُ من أفضلهنّ وأسنِّهنَّ، وكان بنو العبَّاس يعظِّمونها لعقلها وفضلها ورأيها. وأمّا أمُّ عيسى الصغرى؛ فكانت عند عبد الله بن الحسين بن عُبيد الله بن العبَّاس (١) فلم تلد له، ومات عنها فورثَتْه مع عَصَبته. وأما أمينة (٢)، فكانت عند يحيى بن جعفر بن تَمَّام بن العبَّاس فلم تلد له. وأمَّا لُبابة فكانت عند عُبيد الله بن قُثَم بن العبَّاس، فولدَتْ له محمدًا؛ مات في حياة أبيه، وولدَتْ له بُريهة؛ تزوَّجَها جعفر بنُ أبي جعفر المنصور، وهو جعفر الأصغر، ويُدعى ابنَ الكُرْدِيَّة. وأمَّا باقي بنات عليّ؛ فلم يتزوَّجن (٣). أسند عليٌّ الحديثَ عن أبيه، وأبي سعيد الخُدري، وابنِ عُمر، وأبي هريرة، وكان ثقةً قليلَ الحديث. فاطمة بنت الحسين ابن علي بن أبي طالب، ﵁، وأمُّها أمُّ إسحاق بنت طلحة بنِ عُبيد الله.

стр. 5031

تزوَّجها ابنُ عمها حَسَن بنُ حَسَن بنِ عليّ، فولدَتْ له عبدَ الله، وإبراهيمَ، وحسنًا، وزينب، ثم ماتَ عنها، فخلفَ عليها عبدُ الله بنُ عَمرو بنِ عثمان بنِ عفَّان -ويقال له: المُطْرَف لجماله- فولدت له القاسمَ، ومحمَّدًا، وهو الدِّيباج؛ سُمِّيَ بذلك لجماله، ورُقَيَّةَ؛ بني عبد الله بن عَمرو، ومات عبد الله عنها. وكان زوَّجَه بها ابنُها عبدُ الله بن حسن بن حسن (١). وقدمت فاطمة وأختُها سُكينة على هشام بن عبد الملك، فأكرمهما وانبسط إليهما وقال لفاطمة: يا بنت الحسين، صِفي لنا ولدَكِ من ابنِ عمِّك الحسن -يعني عبد الله والحسن وإبراهيم بني (٢) حسن بن حسن- وولدَكِ من ابن عمِّنا، يعني الديباج والقاسم ابنَي عبد الله بن عَمرو بن عثمان الملقب بالمُطْرَف. فقالت: أمِّا عبد الله بن حسن؛ فسيِّدُنا وشريفُنا والمطاعُ فينا، وأمَّا حسن بن حسن؛ فلسانُنا (٣) ومِدْرَهُنا (٤)، وأما إبراهيم بن الحسن؛ فأشبهُ الناس برسول الله ﷺ شمائلًا. وأمَّا [اللذان من] ابنِ عمّكم [فإنَّ] محمدًا (٥) -يعني الدِّيباج- جمالُنا (٦) الذي نُباهي به، وأمَّا القاسم؛ فعارِضَتُنا الذي نمتنعُ به، وهو أشبهُ الناس بأبي العاص بن أميَّة عارضةً ونفسًا. فقال لها هشام: واللهِ لقد أحسنتِ في وصفهم. ثم وثبَ، فجذبَتْ سُكينةُ بردائه وقالت: يا أحول، كم تَهَكَّمُ بنا! واللهِ ما أبرَزَنا لكم إلا يومُ الطُّفُوف (٧). فضحك هشام وقال: أنتِ امرأةٌ كبيرةُ السِّنِّ كثيرةُ الشَّرّ إلا أنَّا نُكرمُكِ (٨).

стр. 5032

وتوفّيت فاطمة في سنة سبعَ عشرةَ ومئة، وقيل: في سنة أربعَ عشرة، وستَّ عشرة ومئة. وكانت وفاتُها بالمدينة. روت عن جدَّتها (١) مرسلًا، وعن أبيها، وعمَّتها زينب بنت عليّ، وأخيها عليِّ بن الحسين، وبلال مرسلًا، وعن ابن عباس، وعائشة، وأسماء بنت عُميس. وروى عنها بنوها: عبد الله والحسن وإبراهيم بنو الحسن بن الحسن، وابنُها محمد الدِّيباج، وعائشةُ بنت طلحة بن عُبيد الله (٢). وقال محمد بنُ عبد الله بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان -وهو الدِّيباج- قال: جمعَتْنا أُمُّنا فاطمة بنتُ الحسين بن عليّ فقالت: يا بَنِيّ، واللهِ ما نال أحدٌ من أهل السَّفَه بسفهه شيئًا ولا أدركوا لذَّةً إلا وقد نالها أهلُ المروءات بمروءاتهم، فاستَتِرُوا بجميل ستر الله تعالى (٣). أمُّ البنين بنتُ عبد العزيز ابن مروان، [أخت عمر بن عبد العزيز، ويقال: إن] اسمها فاطمة، وأمُّها ليلى بنتُ سُهيل بن حنظلة بن الطُّفَيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وكانت أمُّ البنين صالحةً عفيفةً ديِّنةً متصدِّقةً. وقال [ابنُ أبي الدنيا بإسناده عن] عليّ بن أبي حَمَلَة [قال]: سمعتُ أمَّ البنين تقول: أفٍّ للبُخْل، لو كان قميصًا ما لبستُه، ولو كان طريقًا ما سلكتُه (٤). [قال:] وكنَّا ندخلُ عليها وما عليها سوى المِقْنَعَة (٥).

стр. 5033

وقال [ابن أبي الدنيا بروايته عن] سعيد بن مسلمة بن هشام الأموي [قال:] كانت أمُّ البنين تبعثُ إلى نسائها فتجمعهنّ (١)، فيتحدَّثن عندها وهي تصلِّي، ثم تنصرف إليهن، فتقول: أُحبُّ حديثَكنَّ، فإذا دخلتُ في صلاتي لَهَوْتُ عنكنَّ (٢). وكانت تكسوهنَّ الثياب الحسنة، وتُعطيهنَّ الدنانير، وكانت تقول: [لكلّ شيء، أو:] لكل قوم نَهمة في شيء، ونَهْمَتي في العطاء والصِّلة، وواللهِ إنَّ البذل والمواساة أحبُّ إليَّ من الطعام الطيِّب على الجوع، ومن الشراب البارد على الظمأ. وقالت: ما حسدتُ أحدًا على شيء إلا أن يكون في معروف، فإني كنتُ أُحبُّ أن أشرَكَه فيه. [قال:] وكانت تُعتق في كلِّ جمعة رقبةً، وتحملُ على فرسٍ في سبيل الله (٣). وكانت تقول: البخيل من بخل على نفسه بالجنة (٤). وكانت تقول: إنَّ من كنوز الذخائر عند الله حُسنَ الضمائر في خلقه. وقالت: ما تحلَّى المتحلُّون بشيءٍ أحسنَ من تحلِّيهم بعِظَم مهابة الله في صدورهم، وما استشعر المستشعرون بمثل الخوف من الله تعالى (٥). و [قال ابن أبي الدنيا بإسناده عن مروان بن محمد بن عبد الملك قال:] دخلت عَزَّةُ كُثَيِّر عليها، فقالت لها ما قال كُثَيِّر: قضى كلُّ ذي دَينٍ فوفَّى غَرِيمَهُ … وعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعَنًّى غَرِيمُها ما كان هذا الدين يا عَزَّة؟ فاستحيَتْ، فقالت: عليَّ ذاك [قالت:]، كنتُ وعَدْتُهُ قُبلةً فتحرَّجْتُ منها. فقالت لها: أنْجِزِيها له، وعليَّ إثْمُها. ثم إنها ندمَتْ وأعتقتْ لهذه الكلمة أربعين رقبةً، وكان إذا ذكَرَتْها بكَتْ وتقول: يا ليتني خَرِسْتُ ولم أتكلَّم بها (٦).

стр. 5034

وقال شيخنا موفَّق الدين رحمةُ الله عليه: تَعَبَّدَتْ أمُّ البنين عبادةً ذُكِرَتْ بها في عصرها من شدَّة اجتهادها، فوفَضَت فراش المملكة، تُحيي ليلَها (١)، وتصومُ نَهارَها، وكانت على مذهبٍ جميلٍ حتى توفِّيت، رحمها الله تعالى (٢). [وهي صاحبة وضَّاح اليمن، وقد ذكرناه] (٣). قَتَادة بن دِعامة السَّدُوسيّ، [ذكره ابن سعد في أوّل] (٤) الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة. [قال: وكنيتُه أبو الخطاب، و] كان ثقةً حُجَّةً مأمونًا على الحديث [أو: في الحديث]. وكان يقول بشيءٍ من القدر. وقال: الحِفْظُ في الصِّغَر كالنَّقْشِ في الحَجَر. وقال: ما قلتُ برأي منذ أربعين سنة. وقال: إذا أعَدْتَ الحديثَ في مجلس أذهبتَ نورَه (٥). وقيل له: ألا نكتبُ ما نسمعُ منك؟ فقال: إن اللطيف الخبير قد كتبَ. وقرأ: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. وقدم على سعيد بن المسيِّب، فأقام عنده ثمانية أيام، فقال له سعيد: يا أعمى، ارْتَحِلْ عنَّا فقد أنزَفْتَنا. وقال له سعيد: ما أظنُّ أن اللهَ خلقَ مثلك (٦).

стр. 5035

و [روى عنه أبو نُعيم أنه كان يقول:] ما سمعَتْ أذناني شيئًا إلا وعاه قلبي (١). [قال:] وكان يختم القرآن كل سبع ليال مَرَّةً، فإذا جاء رمضان ختمَ في كلِّ ثلاث ليالٍ مَرَّةَ، فإذا جاء العشر ختم في كلِّ ليلةٍ مَرَّةً (٢). وكان قد ذهبَ بصرُه. [وروى ابن سعد أيضًا أنه] مات في سنة (٣) سبع عشرة ومئة أو في سنة ثمان عشرة ومئة. [هذا صورة ما ذكره ابن سعد] (٤). أسند عن أنس، وعبد الله بن سَرْجِس، وحنظلة الكاتب (٥)، وأبي الطُّفَيل، وغيرهم. السنة الثامنة عشرة بعد المئة فيها قفل أسد بنُ عبد الله من سمرقند إلى بَلْخ، وبعث جُدَيعًا الكِرْمانيَّ إلى القلعة التي فيها ثَقَل الحارث بن سُرَيج وثَقَلُ أصحابه (٦)، ويقال لها: التبوشكان (٧) من طخارستان العُليا، وكان فيها جماعة من بني تغلب أصهارُ الحارث، فحصرهم الكِرْمانيُّ وفتحَها عَنْوَةً، فقتل المقاتلةَ، وسبى أهلها من العرب والموالي والذراري، وباعهم في سوق بَلْخ (٨). وفيها اتخذ أسدٌ بَلْخ دارًا، ونقلَ إليها الدواوين.

стр. 5036

وفيها عزلَ هشام بنُ عبد الملك خالدَ بن عبد الملك عن المدينة، واستعملَ عليها محمد بنَ هشام والي مكة (١). وكان خالد بنُ عبد الملك بن الحارث بن الحكم أقام واليًا على المدينة سبع سنين، فرمى اللهُ المدينةَ وما حولَها بالجَدْب والقحط حتى هجَّ الناس إلى الشام، وبولايته يُضرب المثل، فيقال: سُنَيَّات خالد (٢). وحجَّ خالد بالناس سنة أربع عشرة ومئة، وسبع عشرة، ثم عُزل في سنة ثمان عشرة ومئة. وكان يشتم عليًّا رضوان الله عليه على المنبر؛ قال يومًا: ولقد استعمل رسول الله ﷺ أبا تراب وهو يعلم أنه كذا كذا، ولكن كلَّمته فيه فاطمة. فصاح به داود بن قيس: كذبتَ كذبتَ (٣). قال الواقدي: فحدثني [ابن أبي سَبْرَة، عن] صالح بن محمد قال: لما قال خالد ما قال، كنتُ نائمًا (٤)، فرأيتُ قبر رسول الله ﷺ قد انشقَّ -وانفرج- وهو يقول لخالد: كذبتَ كذبتَ. وحجَّ بالناس محمد بنُ هشام وهو على مكة والمدينة والطائف، وعلى العراق خالدٌ القَسْريّ، وعاملُه على البصرة بلال بن أبي بُرْدَة، وعلى خُراسان أخوه أسدُ بنُ عبد الله، وعلى أرمينية وأذربيجان مروانُ بنُ محمد (٥).

стр. 5037

وفيها توفي أنس بنُ سِيرين أبو حمزة، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة (١). وقيل: مات سنة عشرين ومئة (٢). أسند عن زيد بن ثابت (٣)، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وغيرهم. وكان ثقةً قليلَ الحديث (٤). ثابت بنُ أسلم البُنانيّ [أبو محمد. قال ابن سعد: كان من أنفسهم، وبُنانةُ إلى قريش (٥). وقال الجوهريّ:] بُنانة [بالضم] اسم امرأة كانت تحت سعد بن لؤيّ بن غالب بن فِهْر، وينسب ولده إليها، وهم رهط ثابت [البُناني (٦). وذكره ابن سعد في] الطبقة الثالثة (٧) من التابعين من أهل البصرة. قال: [كان] أنس بن مالك [يقول: إن] لكلِّ شيء مفتاحًا، وإنَّ ثابتًا من مفاتيح الخير.

стр. 5038

[قال:] وكان ثابت يقول: ما أكثر (١) أحد من ذكر الموت إلا ورُئي (٢) ذلك في عمله. وكان ثابت من أعبد أهل زمانه، وكانت عيناه تُشبه عينَي رسولِ الله ﷺ ، فقال له أنس بن مالك: ما أشبهَ عينَيك بعينَي رسولِ الله ﷺ فما زال يبكي حتى عَمِشَتْ عيناه (٣). [قال:] وقال له الطبيب: اضمن لي خصلة لأُبرئ عينيك (٤). قال: وما هي؟ قال: لا تبك. فقال ثابت: وما خيرٌ في عين لا تبكي. و [حكى عنه أبو نُعيم أنه] قال: كابدتُ الليلَ عشرين سنة، ثم نَعِمْتُ به عشرين سنه (٥). [وروى عنه أيضًا أنه قال: ما دعا العبد (٦) بدعوة إلا وكَّلَ الله جبريل بحاجته، فيقول: لا تعجل بحاجته (٧)، فإني أُحبُّ أن أسمع صوت عبدي المؤمن، وإن الفاجر ليدعو، فيقول الله: يا جبريل، عجِّلْ إجابته، فإني لا أُحبُّ أن أسمع صوته] (٨). وقال: إني لأعلم متى يذكُرُني ربي ويستجيب لي، إذا ذكرتُه، فوَجِلَ قلبي، واقشعرَّ جلدي وفاضت عيناي؛ علمتُ أنَّ ربي قد ذكرني (٩).

стр. 5039

و [قال ابن أبي الدنيا:] كان ثابت يصلّي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، فإذا أصبح نظر إلى قدميه وقد ضمرتا، فيأخذُهما بيده (١)، فيعصرُهما ويقول: مضى العابدون وقُطع بي (٢)، والهفاه! [قال:] وكان يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصومُ الدهر، ويبكي حتى تختلف أضلاعُه (٣). [وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بإسناده عن جعفر قال: سمعتُ ثابتًا يقول: ما تركتُ في المسجد سارية إلا وختمتُ القرآنَ عندها، وبكَيتُ عندها (٤). يعني في المسجد البصرة. ذكر وفاته: أمَّا ابنُ سعد؛ فإنه قال: مات في ولاية خالد بن عبد الله القَسْريّ على العراق. ولم يعين وقتًا (٥). وأمَّا هشام فقال:] مات بالبصرة سنة ثمان عشرة ومئة. وقال [عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: حدَّثني علي بن مسلم، أخبرنا جعفر، أخبرنا، محمد بن ثابت [البُناني قال]: ذهبتُ أُلقِّنُ أبي وهو في الموت، فقلت: يا أبة، قل لا إله إلا الله، فقال: يا بني، خلِّ عني، فإني في وردي السادس أو السابع (٦). و [قال أبو نعيم بإسنادهٍ عن شيبان بن حسين (٧) عن أبيه قال: أنا -واللهِ الذي لا إله إلا هو- أدخلتُ ثابتًا لحدَه ومعي حميد الطويل [أو رجل غيره، شكّ محمد قال:] فلمَّا

стр. 5040

سوَّينا عليه اللّبِنَ سقطت لَبِنَةٌ، فإذا بثابت قائمٌ يصلِّي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟! فقال: اسكت. فلما سوَّينا عليه وفرغنا منه؛ أتينا ابنتَه، فقلنا لها: ما كان عملُ ثابت؟ فقالت: وما رأيتُم؟ فأخبرناها، فقالت: إنَّه كان يقومُ الليل خمسين سنة، فإذا كان في السَّحَر؛ دعا وقال في دعائه: اللهمَّ إنْ كنتَ أعطيتَ أحدًا من خلقك الصلاةَ في قبره، فأعْطِنيها. فما كان الله تعالى ليردَّ دعاءه (١). [وقد ذكر ابن سعد طرفًا منه، فقال بإسناده عن حماد بن سلمة قال: قال ثابت: اللهمَّ إن كنتَ أعطيتَ أحدًا الصلاةَ في قبره، فأعطني ذلك. قال ابن سعد: وكان ثقةً مأمونًا] (٢). وقال [ابن أبي الدنيا بإسناده عن] إبراهيم بن الصّمّة المهلَّبي [قال:] حدَّثني الذين كانوا يمرُّون بالجَصّ بالأسحار؛ قالوا: كنَّا إذا مرَرْنا بجنبَات قبر ثابت سمعنا قراءة القرآن (٣). [وكان لثابت ابنة صالحة، ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب "الفوائد"، وروى أبو سلمة الخراز قال: لما احتُضر ثابت جعل يوصي ابنته ويقول: يا بُنيَّة. فبكت وقالت: يا أبة، ارض بالذي حفظك في ابنك حتى بلغ بك من السنّ والإسلام ما ترى، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. أسند ثابت عن ابن عمر، وأنس، وأبي هريرة، وابن الزبير، وغيرهم، وكان ثقة مأمونًا. عُبادة بن نُسَيّ الكِنْدي، من الطبقة الثالثة من التابعين، وكان ثقة، مات سنة ثمان عشرة ومئة (٤).

стр. 5041

وكان من الأبدال. وقال مسلمة بن عبد الملك: في كِنْدة ثلاثةُ نفر يُنزل اللهُ بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عُبادة بن نُسَيّ، ورجاء بن حَيوَة، وعديّ بن عديّ (١). وعُبادة قاضي الأردنّ وسيِّدُ أهلها. وكان بين عبادة ورجلٍ منازعةٌ في شيء، فأسرع إليه الرجل، وبلغَ رجاءَ بنَ حَيوَة، فلقيَ عُبادةَ، فقال له: بلغني ما كان من فلان إليك، فأخبِرْني. قال: لولا أن تكون غيبةٌ لأخبرتُك (٢). رأى عبادةُ عقبة بنَ عامر الجُهَنّي، وأبا عبد الله الصُّنَابحيّ، وغيرَهما (٣). عبد الله بن عامر القارئ اليَحْصَبيّ، إمام أهل الشام في القراءة. [ذكره ابن سعد في] الطبقة الثانية (٤) من التابعين من أهل الشام. [قال:] وكان قليلَ الحديث، مات سنة ثماني عشرة ومئة (٥). [هذا صورة ما ذكر ابن سعد، ولم يُنصفه، فإنَّ الرجل كان عظيمًا، وقد ذكره الأئمة. واختلفوا في كنيته، فقيل: أبو عمران، وقيل: أبو عُبيدة، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو نُعيم، وقيل: أبو عُليم، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن. وقال الجوهري: ويَحْصِب؛ بالكسر: حيٌّ من اليمن، فإذا نسبتَ إليه قلت: يَحْصَبي؛ بفتح الصاد (٦). وذكره أبو زُرعة الدمشقي في الثالثة وقال: عبد الله بن عامر القاضي]. قضى في أيَّام الوليد بن عبد الملك بدمشق بعد أبي إدريس الخَوْلاني.

стр. 5042

[قال:] وعنه أُخذت القراءةُ العثمانية بالشام (١). [واختلفوا في مولده، فقا ل قوم: في سنة عشرة من الهجرة. وقال خالد بن يزيد: سمعت عبد الله بن عامر يقول: ولدتُ في سنة ثمان من الهجرة بقرية يقال لها: رُحاب، من أعمال البلقاء، وقُبض رسول الله ﷺ ولي سنتان. قال خالد: وأقام بدمشق إلى أن توفي بها في سنة ثمان عشرة ومئة وله مئة وعشر سنين. ولما مات أبو الدرداء خلفه ابنُ عامر، وقام بمقامه، واتخذه أهل الشام إمامًا. ورجعوا إلى قراءته، وكان ابن عامر قاضي الجند، وكان على بناء جامع دمشق، لا يرى بدعة إلا غيّرها. وشيخُه الذي قرأ عليه القرآن المغيرة بن أبي شهاب، من بني مخزوم، وبعثه عثمان بالمصحف إلى الشام، وأمره أن يُقرئ الناس، وأقام بالشام مدة، ثم دخل اليمن، فتوفي بها في زمان معاوية بن أبي سفيان، وقيل: في أيام الوليد بن عبد الملك، وله تسعون سنة.] (٢) عبد الرحمن بن سابط الجُمحيّ المكيّ، من الطبقة الثالثة (٣). أسند عن أبيه، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وغيرهم.

стр. 5043

عروة بن أُذَيْنَة الشاعر الليثي، [وكنيتُه] أبو عامر، وأُذينة لقبُ أبيه، واسمُه يحيى بن مالك بن الحارث بن عَمرو بن عبد الله (١) بن رِجْل (٢) من يعمر، وهو الشُّدَّاخ من بني بكر بن عبد مناة بن كِنانة. وعُروة شاعر غَزَل. [وقال أبو الفرج الأصبهاني: معدود في الشعراء] مقدَّم، من شعراء أهل المدينة، وهو معدودٌ في الفقهاء والمحدِّثين نقيُّ الدَّخْلَة في تغزُّله، ظاهر العفَّة. روى عنه مالك بن أنس، وعُبيد الله بن عمر العدويّ (٣). [ذكر قصته مع هشام بن عبد الملك بن مروان: حدثنا غير واحد عن أبي القاسم (ابن) السمرقندي إسماعيل، بإسناده عن (يحيى) ابن عروة بن أُذينة قال:] أصابت أبي (٤) إضاقةٌ شديدة، فعملَ شعرًا، وقدمَ على هشام بن عبد الملك في وفد المدينة، فدخل مع الشعراء، فقال له هشام: من أنت؟ فانتسبَ له، فقال: أنت القائل: لقد علمتُ وما الإسرافُ (٥) من خُلُقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيُعَنِّينِي تَطَلُّبُهُ … ولو قعدتُ أتاني ما يُعنِّيني قال: نعم. وقد جئتُ إليك وأنا أعلم ذلك. فقال له هشام: تقولُ هذا وتأتي من المدينة إلى الشام [-أو إلى الرُّصافة، قيل: إن هشام كان بها-] (٦) هلَّا قعدتَ في بيتك

стр. 5044

حتى يأتيَك رزقك؟! فقد أكذبتَ نفسَك. فقال: يا أمير المؤمنين، جاء بي أمران، إما تحريكُ رزق، أو أجل. فجزاك الله خيرًا، فلقد وعظتَ فأبلغتَ. فعجب هشام من فصاحته. ثم قام من وقته، فخرج وركب راحلته، وقصد المدينة. فلما كان في الليل؛ ذكره هشام وقال: رجلٌ من قريش وفد عليَّ فجبهتُه ورَدَدْتُه عن حاجته، وهو مع ذلك شاعر لا آمنُ أن يهجوَني. فلمَّا أصبح سأل عنه، فقيل: توجَّه إلى المدينة، فقال هشام: لا جرم واللهِ ليعلمنَّ أنَّ رزقه يأتيه وهو في بيته. فدعا مولًى له، فأعطاه ألفَ دينار، وفرض له فريضتين (١) وقال: الحَقْه واعتذِرْ إليه. فسار خلفَه أيامًا، فلحقه فقال له: أمير المؤمنين يقول لك (٢): أردتَ أن تُكذِّبنا وتُصدِّقَ نفسك، هذه جائزتُك مضاعفة. فقال: قل لأمير المؤمنين: قد صدَّقَني الله وبعثَ برزقي. وواللهِ لا سألتُ أحدًا بعدَها حاجةً أبدًا. فكان سَوْطُهُ يسقطُ من يده، فينزل فيأخذه، ولا يستعينُ بأحد على تناوله. وهذان البيتان من أبيات، منها: لا خيرَ في طمعٍ يُدْنِي لِمَنْقَصَةٍ … وبُلْغَةٌ من كَفَاف (٣) العيشِ تكفيني لا أركبُ الأمر تُزْرِي بي عواقبُهُ … ولا يُعابُ به عِرْضي ولا ديني أقومُ بالأمر أو ما كان (٤) من أرَبي … وأُكثِرُ الصمتَ عمَّا (٥) ليس يعنيني كم مِنْ فقيرٍ غنيِّ النفسِ تعرفُهُ … ومِنْ غنيٍّ فقيرِ النفسِ مسكينِ ومِنْ أخٍ لي طَوَى كَشْحًا (٦) فقلتُ له … إنَّ انطواءك عنّي سوف يطويني لا أبتغي وَصْلَ مَنْ يبغي مُفارقَتي … ولا أَلِينُ لمن لا يَشتَهِي لِينِي ولمَّا فصل عن هشام قال (٧):

стр. 5045

شادَ الملوكُ قصورَهم وتَحَصَّنُوا … من كلِّ طالبِ حاجةٍ أو راغبِ فإذا تلطَّفَ للدُّخول عليهمُ … عافٍ تَلَقَّوْهُ بوعدٍ كاذبِ فارْغَبْ إلى مَلِكِ الملوكِ ولا تَكُنْ … يا ذا الضَّراعةِ طالبًا من طالبِ (١) وقال الخرائطي: قال بعض الحكماء: المالكُ [للشيء] (٢) هو المسلَّط عليه، فمن أحبَّ أن يكون حرًّا فلا يهوى ما ليس له، وإلا صار عبدًا، قال عُروة بن أُذينة: فما كيِّسٌ في الناس يُحْمَدُ رأيُهُ (٣) … فيوجدُ إلا وهْو في الحبِّ أحمقُ وما من فتىً ما ذاق طعمَ مرارةٍ … فيعشقُ إلا ذاقها حين يعشقُ ووقفت سُكَينة بنتُ الحسين ﵇ على عروة ومعها جَوارٍ، فقالت: يا عمّ، تدَّعي النُّسُكَ وتقول: إذا وجَدْتُ أُوَارَ الحبِّ في كَبِدي … عَمَدْتُ نحو سقاءِ القومِ أبتردُ هَبْني بَرَّدْتُ ببرد الماء ظاهرَهُ … فمَنْ لنارٍ على الأحشاءِ تَتَّقِدُ ثم التفتَتْ إلى جواريها وقالت: هنَّ أحرارٌ إن كان هذا خرج من قلب صحيح (٤). وقال عبد الله بن عُبيدة (٥) بن عمَّار بن ياسر: قلت لأبي السائب المخزومي: لقد أحسن عُروة بن أُذينة حيث يقول: نزلوا ثلاثَ منىً بمنزلِ قلعةٍ (٦) … وهُمُ على غَرَضٍ لَعَمْرُكَ ما هُمُ متجاورين بغير دار إقامةٍ … لو قد أجَدَّ رحيلُهم لم يندموا ولهنَّ بالبيت العتيقِ لُبانةٌ (٧) … والبيتُ يعرفُهنَّ لو يتكلَّمُ
следующие страницы →