← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وكان من الأبدال. وقال مسلمة بن عبد الملك: في كِنْدة ثلاثةُ نفر يُنزل اللهُ بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عُبادة بن نُسَيّ، ورجاء بن حَيوَة، وعديّ بن عديّ (١). وعُبادة قاضي الأردنّ وسيِّدُ أهلها. وكان بين عبادة ورجلٍ منازعةٌ في شيء، فأسرع إليه الرجل، وبلغَ رجاءَ بنَ حَيوَة، فلقيَ عُبادةَ، فقال له: بلغني ما كان من فلان إليك، فأخبِرْني. قال: لولا أن تكون غيبةٌ لأخبرتُك (٢). رأى عبادةُ عقبة بنَ عامر الجُهَنّي، وأبا عبد الله الصُّنَابحيّ، وغيرَهما (٣). عبد الله بن عامر القارئ اليَحْصَبيّ، إمام أهل الشام في القراءة. [ذكره ابن سعد في] الطبقة الثانية (٤) من التابعين من أهل الشام. [قال:] وكان قليلَ الحديث، مات سنة ثماني عشرة ومئة (٥). [هذا صورة ما ذكر ابن سعد، ولم يُنصفه، فإنَّ الرجل كان عظيمًا، وقد ذكره الأئمة. واختلفوا في كنيته، فقيل: أبو عمران، وقيل: أبو عُبيدة، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو نُعيم، وقيل: أبو عُليم، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن. وقال الجوهري: ويَحْصِب؛ بالكسر: حيٌّ من اليمن، فإذا نسبتَ إليه قلت: يَحْصَبي؛ بفتح الصاد (٦). وذكره أبو زُرعة الدمشقي في الثالثة وقال: عبد الله بن عامر القاضي]. قضى في أيَّام الوليد بن عبد الملك بدمشق بعد أبي إدريس الخَوْلاني.

стр. 5042

[قال:] وعنه أُخذت القراءةُ العثمانية بالشام (١). [واختلفوا في مولده، فقا ل قوم: في سنة عشرة من الهجرة. وقال خالد بن يزيد: سمعت عبد الله بن عامر يقول: ولدتُ في سنة ثمان من الهجرة بقرية يقال لها: رُحاب، من أعمال البلقاء، وقُبض رسول الله ﷺ ولي سنتان. قال خالد: وأقام بدمشق إلى أن توفي بها في سنة ثمان عشرة ومئة وله مئة وعشر سنين. ولما مات أبو الدرداء خلفه ابنُ عامر، وقام بمقامه، واتخذه أهل الشام إمامًا. ورجعوا إلى قراءته، وكان ابن عامر قاضي الجند، وكان على بناء جامع دمشق، لا يرى بدعة إلا غيّرها. وشيخُه الذي قرأ عليه القرآن المغيرة بن أبي شهاب، من بني مخزوم، وبعثه عثمان بالمصحف إلى الشام، وأمره أن يُقرئ الناس، وأقام بالشام مدة، ثم دخل اليمن، فتوفي بها في زمان معاوية بن أبي سفيان، وقيل: في أيام الوليد بن عبد الملك، وله تسعون سنة.] (٢) عبد الرحمن بن سابط الجُمحيّ المكيّ، من الطبقة الثالثة (٣). أسند عن أبيه، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وغيرهم.

стр. 5043

عروة بن أُذَيْنَة الشاعر الليثي، [وكنيتُه] أبو عامر، وأُذينة لقبُ أبيه، واسمُه يحيى بن مالك بن الحارث بن عَمرو بن عبد الله (١) بن رِجْل (٢) من يعمر، وهو الشُّدَّاخ من بني بكر بن عبد مناة بن كِنانة. وعُروة شاعر غَزَل. [وقال أبو الفرج الأصبهاني: معدود في الشعراء] مقدَّم، من شعراء أهل المدينة، وهو معدودٌ في الفقهاء والمحدِّثين نقيُّ الدَّخْلَة في تغزُّله، ظاهر العفَّة. روى عنه مالك بن أنس، وعُبيد الله بن عمر العدويّ (٣). [ذكر قصته مع هشام بن عبد الملك بن مروان: حدثنا غير واحد عن أبي القاسم (ابن) السمرقندي إسماعيل، بإسناده عن (يحيى) ابن عروة بن أُذينة قال:] أصابت أبي (٤) إضاقةٌ شديدة، فعملَ شعرًا، وقدمَ على هشام بن عبد الملك في وفد المدينة، فدخل مع الشعراء، فقال له هشام: من أنت؟ فانتسبَ له، فقال: أنت القائل: لقد علمتُ وما الإسرافُ (٥) من خُلُقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيُعَنِّينِي تَطَلُّبُهُ … ولو قعدتُ أتاني ما يُعنِّيني قال: نعم. وقد جئتُ إليك وأنا أعلم ذلك. فقال له هشام: تقولُ هذا وتأتي من المدينة إلى الشام [-أو إلى الرُّصافة، قيل: إن هشام كان بها-] (٦) هلَّا قعدتَ في بيتك

стр. 5044

حتى يأتيَك رزقك؟! فقد أكذبتَ نفسَك. فقال: يا أمير المؤمنين، جاء بي أمران، إما تحريكُ رزق، أو أجل. فجزاك الله خيرًا، فلقد وعظتَ فأبلغتَ. فعجب هشام من فصاحته. ثم قام من وقته، فخرج وركب راحلته، وقصد المدينة. فلما كان في الليل؛ ذكره هشام وقال: رجلٌ من قريش وفد عليَّ فجبهتُه ورَدَدْتُه عن حاجته، وهو مع ذلك شاعر لا آمنُ أن يهجوَني. فلمَّا أصبح سأل عنه، فقيل: توجَّه إلى المدينة، فقال هشام: لا جرم واللهِ ليعلمنَّ أنَّ رزقه يأتيه وهو في بيته. فدعا مولًى له، فأعطاه ألفَ دينار، وفرض له فريضتين (١) وقال: الحَقْه واعتذِرْ إليه. فسار خلفَه أيامًا، فلحقه فقال له: أمير المؤمنين يقول لك (٢): أردتَ أن تُكذِّبنا وتُصدِّقَ نفسك، هذه جائزتُك مضاعفة. فقال: قل لأمير المؤمنين: قد صدَّقَني الله وبعثَ برزقي. وواللهِ لا سألتُ أحدًا بعدَها حاجةً أبدًا. فكان سَوْطُهُ يسقطُ من يده، فينزل فيأخذه، ولا يستعينُ بأحد على تناوله. وهذان البيتان من أبيات، منها: لا خيرَ في طمعٍ يُدْنِي لِمَنْقَصَةٍ … وبُلْغَةٌ من كَفَاف (٣) العيشِ تكفيني لا أركبُ الأمر تُزْرِي بي عواقبُهُ … ولا يُعابُ به عِرْضي ولا ديني أقومُ بالأمر أو ما كان (٤) من أرَبي … وأُكثِرُ الصمتَ عمَّا (٥) ليس يعنيني كم مِنْ فقيرٍ غنيِّ النفسِ تعرفُهُ … ومِنْ غنيٍّ فقيرِ النفسِ مسكينِ ومِنْ أخٍ لي طَوَى كَشْحًا (٦) فقلتُ له … إنَّ انطواءك عنّي سوف يطويني لا أبتغي وَصْلَ مَنْ يبغي مُفارقَتي … ولا أَلِينُ لمن لا يَشتَهِي لِينِي ولمَّا فصل عن هشام قال (٧):

стр. 5045

شادَ الملوكُ قصورَهم وتَحَصَّنُوا … من كلِّ طالبِ حاجةٍ أو راغبِ فإذا تلطَّفَ للدُّخول عليهمُ … عافٍ تَلَقَّوْهُ بوعدٍ كاذبِ فارْغَبْ إلى مَلِكِ الملوكِ ولا تَكُنْ … يا ذا الضَّراعةِ طالبًا من طالبِ (١) وقال الخرائطي: قال بعض الحكماء: المالكُ [للشيء] (٢) هو المسلَّط عليه، فمن أحبَّ أن يكون حرًّا فلا يهوى ما ليس له، وإلا صار عبدًا، قال عُروة بن أُذينة: فما كيِّسٌ في الناس يُحْمَدُ رأيُهُ (٣) … فيوجدُ إلا وهْو في الحبِّ أحمقُ وما من فتىً ما ذاق طعمَ مرارةٍ … فيعشقُ إلا ذاقها حين يعشقُ ووقفت سُكَينة بنتُ الحسين ﵇ على عروة ومعها جَوارٍ، فقالت: يا عمّ، تدَّعي النُّسُكَ وتقول: إذا وجَدْتُ أُوَارَ الحبِّ في كَبِدي … عَمَدْتُ نحو سقاءِ القومِ أبتردُ هَبْني بَرَّدْتُ ببرد الماء ظاهرَهُ … فمَنْ لنارٍ على الأحشاءِ تَتَّقِدُ ثم التفتَتْ إلى جواريها وقالت: هنَّ أحرارٌ إن كان هذا خرج من قلب صحيح (٤). وقال عبد الله بن عُبيدة (٥) بن عمَّار بن ياسر: قلت لأبي السائب المخزومي: لقد أحسن عُروة بن أُذينة حيث يقول: نزلوا ثلاثَ منىً بمنزلِ قلعةٍ (٦) … وهُمُ على غَرَضٍ لَعَمْرُكَ ما هُمُ متجاورين بغير دار إقامةٍ … لو قد أجَدَّ رحيلُهم لم يندموا ولهنَّ بالبيت العتيقِ لُبانةٌ (٧) … والبيتُ يعرفُهنَّ لو يتكلَّمُ

стр. 5046

لو كان حيَّا قملَهنَّ طعائنًا … حيَّا الحطيمُ وجوهَهنَّ وزمزمُ ثمَّ انصرفْنَ لهنَّ زِيٌّ فاخرٌ … فأفَضْنَ في رَفَثٍ وحَلَّ المُحْرِمُ فقال أبو السائب: لا والله، ما أجملَ ولا أحسنَ، يصفُهنَّ بهذه الأوصاف، ولا يندمُ على رحيلهنَّ (١)؟! وقال عروة: نُراعُ إذا الجنائزُ قابلَتْنا … ويُحزِنُنا بكاءُ الباكياتِ كَرَوْعةِ ثَلَّةٍ لمُغارِ سَبْعٍ (٢) … فلمَّا غابَ عادَتْ راتعاتِ (٣) و [قال الواقدي:] توفي سنة ثماني عشرة ومئة. وقيل: إنه عاش إلى [أيَّام] الدولة العبَّاسية [بعد ما أسنَّ]. و [قال الواقدي:] أسند [عروة] عن ابن عمر، وروى عنه ابنُه يحيى بن عروة، ومالك بن أنس، وعُبيد الله العُمريّ، [وروى هو عن نُصيب الشاعر]. وقال أبو عبيد المرزُباني: عروة بن أُذينة مأمون على ما روى من المسند والمرسل، وهو شاعر فصيح مُكثر. محمد بن كعب بن حَيَّان أبو حمزة القُرَظيّ حليف الأوس، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كان عالمًا زاهدًا عابدًا (٤). قال: إذا أراد اللهُ بعبدٍ خيرًا جعل فيه ثلاثَ خِلال: فقهًا في الدين، وزَهادةً في الدُّنيا، وبَصَرًا بعيوبه (٥).

стр. 5047

ومات محمد سنة سبع عشرة -أو ثمان عشرة- ومئة. وقيل: سنة تسع وعشرين ومئة. وقال الفضل بن دُكَين: كان محمد يقصُّ على أصحابه، فسقطَ عليه وعليهم المسجدَ، فقتلهم في سنة ثمان ومئة (١). أسند محمد عن زيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأنس، وابن عبَّاس، وغيرهم، وكان ثقةً كثيرَ الحديث (٢). السنة التاسعة عشرة بعد المئة فيها قصد خاقان (٣) أسدَ بنَ عبد الله بجموع الترك، فقُتل خاقان وقُتل أصحابه، وغنم أسد بن عبد الله أموالًا عظيمة، وفتح بلادًا لم يصل إليها غيره. وتلخيص القصة أنَّ أسدَ بنَ عبد الله غزا الخُتَّلَ (٤)، وفتحَ حصونًا حصينة، وفرَّق جيوشه وسراياه في البلاد، وبلغَ خاقانَ، فتجهَّزَ للمسير إليه، وقيل لأسد: قد قصَدَك خاقان، فاخْرُجْ من الخُتَّل، فلم يصدِّق. ولما قرب خاقان أرسل صاحب الخُتَّل إلى أسد يقول: أنا الذي كتبتُ إلى خاقان، وإنه قد أظلَّك في جمع عظيم، وأخافُ أن يظفر بك فتعاديَني العرب، ويتقوَّى عليَّ خاقانُ ويستطيل ويقول: أنا (٥) أخرجتُ العربَ من بلادك، ورددتُ عليك مُلْكَكَ. فعلم أسدٌ حينئذٍ أنه قد صَدَقَه، فأمرَ بالأثقال أن تُقدَّم، وولَّى عليها إبراهيم بنَ عاصم العُقيليَّ، وأخرج معه جماعةً من وجوه القبائل. وكتب أسدٌ (٦) إلى داود بن شعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبي -وقد كان بعثَهما إلى بعض الوجوه-: إن خاقان قد أقبل، فانضمَّا إلى الأثقال مع إبراهيم بن عاصم.

стр. 5048

وجاء رجل إلى داود والأصبغ، فقال: قُتل أسدٌ ومن معه (١)، فقال داود: قبَّح الله الحياةَ بعد إخواننا. وقال الأصبغ: إنْ يهلك أسد؛ فإن الله ناصرٌ دينَه، وإن خالدًا وأميرَ المؤمنين فينا نرجع إليهما. فقال داود: ألا ننظرُ ما فعل أسد؟ فخرجا حتى شارفا عسكر إبراهيم، ورَأَيَا النيران، وقال داود: هذه واللهِ نيرانُ المسلمين. فقال الأصبغ: من أين لك هذا؟ قال: لأنها مجتمعة، ونيرانُ التُّرك متفرِّقة. فقال الأصبغ: هم في مَضِيق. ثم دَنَوَا، فسمعا نُهاقَ الحمير، فعلما أنهم أَخوانُهم؛ لأن التُّرك لا يُعانون الحمير (٢)، فكبَّرُوا (٣)، فأجابهما أهلُ العسكر بالتكبير، فنزلا عند إبراهيم. وأقبل أسدٌ من الخُتَّل يريد أن يخوض نهر بَلْخ وقد قطع إبراهيم بالأثقال والسَّبْي. وبلغ أسدًا أن خاقان (٤) قد قطع المفاوز في أيَّام يسيرة، فقال له أبو تمَّام بن زَحْر وعبد الرحمن بن خنفر الأزديَّان: أيُّها الأمير، إنَّ اللهَ قد أحسنَ بلاءَك في هذه الغزوة وغنمتَ وسلمتَ، فاقطع بنا هذه النُّطفة، فاجعلْها وراء ظهرك. يعنيان نهر بَلْخ. فأَمَرَ بهما فوُجِئَتْ عنقُهما (٥)، وأقام يومَه. فلما كان من الغد ارتحل، وفي النهر ثلاث وعشرون مخاضة، فأمرَ أن لا يعبر أحدٌ إلا ومعه شاة، وحمل هو بنفسه شاةً، فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرِّف بن الشِّخِّير: قد فرَّقتَ الناسَ وشَغَلْتَهُم بحمل الشَّاء، وقد أظلَّك العدوّ، فدَعْ هذا الشَّاء إلى لعنة الله، ومُرِ الناس بالاستعداد للقاء عدوِّهم. فقال: واللهِ ما يعبُر أحدٌ وليس معه شاةٌ حتى يفنى هذا (٦) الغنم إلا قطعتُ يدَه. فحملَ الناسُ الشَّاء؛ الفارسُ على قَرَبُوس سَرْجه (٧)، والراجل على عُنقه.

стр. 5049

ولما خاضت الخيلُ حفرت السنابك مواضع الخائض، فصارَتْ سِباخة، فكان بعضهم يميل مع الشاء، فيقع عن دابَّته، فأمر أسد بإلقاء الشاء في النهر، وأن يعبُر الناس، فما استكملوا العُبور حتى طلعت طلائع التُّرك على الخيل الدُّهْم، فقتلُوا من لم يعبُر، ومَنْ بقيَ ألقى نفسه في النهر فغرق. وإذا خاقانُ قد أقبل، فلما رأى النهر وقف وقال لأصحابه: ما ترون؟ فقال بعضهم: ما نقدرُ على قطعه، وقال آخرون: بلى، نحن خمسون ألفَ فارس، فإذا اقتحمنا جملةً ردَّ بعضُنا عن بعض جِرْيَةَ الماء. فاقتحموا النهر بأجمعهم. فلما رأى المسلمون ذلك، وما كانوا يظنُّون أنهم يقطعون النهر، فدخل المسلمون عسكرهم (١)، وخندقوا عليهم، وأدخلُوا معهم أثقالهم، وخرج الغلمان بالبراذع والعَمَد (٢)، فضربوا وجوه التُّرك، فأدبَرُوا، وبات أسد والتُّرك مُقابِلَهُ. وبلغ خاقان أنَّ الأثقال مع إبراهيم بن عاصم أمامَ أسد، فسار يطلبُها، فأرسل أسدٌ يحذّرُه ويقول: خاقانُ قاصدٌ إليك، فاستعدَّ، وبعثَ به مع فارس يقال له: سعيد الصغير، وقال له: اِلْحَقْ بإبراهيم قبل الليل، وإلا قتلتُك، فقال: ادفع إلي فرسَك الكُمَيت الذَّنُوب، فدفعَه إليه وقال: لئن جُدْتَ برُوحك وأبخلْ (٣) عليك بفرسي إنَّني لئيم. وسار الرجل، واستشار أسدٌ أصحابه وقال: ما تَرَوْن؟ ننزلُ أم نسير؟ فقالوا: اِقْبَلِ العافية، وماذا عسى أن يكون من الأثقال مع سلامة نفوسنا؟! ونصرُ بنُ سيَّار ساكتٌ، فقال له: ما عندك؟ قال: المسير، فإن أدركنا الأثقال خلَّصناهم، وإلَّا قطعنا مسافةً يُحمدُ قطعُها. فقَبِلَ رأيه وسار.

стр. 5050

وأما الرَّسول إلى إبراهيم؛ فإنَّه سار حتى شارف التُّركَ، فرأته طلائعهم، فقصدُوه، فنجا على فرسِ أسد، ووصل بالكتاب إلى إبراهيم، وخاقانُ قريبٌ من إبراهيم، وقد كشفَ خبرَه، وقد خندقَ إبراهيم عليه، وعلى الأثقال. وجاء خاقان، فصعد على تلٍّ، وجعلَ ينظر على عورةٍ يدخُلُ منها على المسلمين ومعه أهل السُّغْد والخُتَّل، وخلقٌ لا يُحْصَوْن، وجعل يفتقد من أين يُؤتَى المسلمون (١)، فرأى وراءهم جزيرةً بينها وبين المسلمين مخاضة، فقال: اذهبوا إلى الجزيرة، وأْتُوهم من أدبارهم. ففعلوا، واستولَوْا على طرف العسكر، وقتلوا جماعةً من المسلمين، واحتَوَوْا على بعض الأثقال، وأحسَّ المسلمون بالهلاك، وإذا رَهَجٌ (٢) قد ارتفع، ورايةٌ سوداء قد أقبلت (٣)، وإذا به أسدٌ في جنوده، فنكصت التُّركُ عنهم، وجعل إبراهيم يتعجَّبُ من كفِّ التُّرك عنهم وقد ظفروا، وما ظنَّ أنَّ أسدًا يُوافيه. وكان أسدٌ قد أغذَّ (٤) السَّيرَ، وجاء فوقف على التلّ الذي كان عليه خاقان، وتَنَحَّى خاقان إلى الجبل، وكان أصحابُه قد قَتَلُوا من المسلمين الذين في الأثقال خلقًا كثيرًا، منهم صَغان، وعامَّةُ أصحابه، وخرجت امرأتُه تبكي إلى أسد، وأسد يبكي معها. ومضى خاقان يقود الأسارى الذين كانوا في الخندق والأوهاق، والإبل وعليها الجواري، فأراد المسلمون أن يحملوا عليهم، فمنعهم أسد وقال: قد استقتلُوا فدَعُوهم. فلم يتبعهم أحد، وانصرفوا. ومضى أسد إلى بَلْخ ونزل في مرجها، وأقبل الشتاء، ونزل الناس في الدُّور، ودخل أسدٌ المدينة. وكان الحارثُ بن سُرَيج في طخارستان، فانضمَّ إلى خاقان، وحسَّنَ إليه قَصْدَ أسد. وبلغ أسدًا، فخطب يوم الأضحى وقال: إن عدوَّ الله الحارث قد استجاش (٥) طاغيته

стр. 5051

خاقان ليطفئَ نُورَ الله، واللهُ مُتمُّ نورِه وخاذلُه إن شاء الله، ولا تنظروا إلى قلَّتِكم وكثرتِهم وما جرى على إخوانكم، فإنَّ الله ناصرُكم وخاذلُهم، فضعوا جباهَكم على الأرض، وسَلُوا اللهَ النصرَ، فأقربُ ما يكون العبدُ إلى الله في سجوده (١). ففعلوا، ثم دعا ونزل بعد أن صلَّى بهم صلاة العيد. ثم استشار أصحابَه في لقاء خاقان، وكان قد قَرُب من بَلْخ، ولم يبق إلا المُنازَلة، وقد جمع خاقان جمعًا عظيمًا ممَّا وراء النهر، وكان في ثلاثين ألفًا، وأسد في طائفة يسيرة، قد تفرَّق عنه مُعظمُ جيشه، فقال: ما تقولون؟ فاختلفوا، فقال بعضهم: نقيم ببَلْخ، ونكتب إلى خالد والخليفة نستمدُّهما. وقال آخرون: نسلك طريقًا قربيةً إلى مَرْو، ونسبقُ خاقان إليها. وقال نصر بن سيَّار وآخرون: بل نخرجُ إليهم. فقال أسد: هذا هو الرأي. ففرَّقَ أموال بَلْخ في الناس وقوَّاهم وشجَّعَهم (٢). ثم ارتحل وعلى مقدِّمته سالمُ بنُ منصور البجلي [في ثلاث مئة] (٣) فلقيَ طليعةً من التُّرك في ثلاث مئة، فأسرهم وقتلهم وهرب بعضُهم (٤). وسار إليه خاقان، فلما تراءى الجمعان قال خاقان للحارث: ألستَ القائل: إنَّ أسدًا لا يقدر على الخروج من بَلْخ لضعفه؟ فقال له الحارث: إنما هم أكْلَةُ آكِل. وعبَّأَ خاقان جيوشه، وقيل: إنَّه لم يكن معه إلا أربعة آلاف -وكان قد فرَّق جيوشه في الغارات نحو مَرْو وخُراسان والجُوزْجان- وجعل في الميمنة ملك السُّغْد وصاحب الشاش وصاحب الخُتَّل، وفي الميسرة الحارثَ بنَ سُريج (٥)، ووقف خاقان في القلب ومعه التُّرك وخواصُّه. وعَبَّأ أسد العسكر، فجعلَ في الميمنة الأزد وتميم وملك الجُوزْجان، وفي الميسرة أهل الشام وقنَّسرين وربيعة، ووقف هو في القلب قد ضرب فسطاطه، ونصب سريرَه.

стр. 5052

وقيل: لم يقف في القلب، بل أقامَ أهلَه وأقاربَه فيه، وتأخَّر هو في جمع وراءهم يرى ما يكون منهم. والتقَوْا، فحمل الحارثُ على الميسرة، فهزمهم، فلم يردَّهم شيءٌ دون رُواق أسد، فشدَّت عليهم الميمنة، وكبَّرُوا، وصاحوا، فانهزم خاقان وأصحابُه لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون مقدارَ ثلاثة فراسخ، وأخذ خاقان طريقًا في الجبال غير الجادَّة، وجاء أسد خلفَه، فحال بينهم وبينَه نهرٌ. ومضى خاقان في خمس مئة فارس، فنزل في الليل وراء الجبل، فقال ملك الجُوزْجان لعثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير: إني لأَعْرَفُ الناسِ ببلادي وطُرُقِها، فهل لك في أمر تسودُ به ما عشتَ؟ قال: نعم. قال: تتبعُني. قال: سِرْ. فأخذ به طريقًا يعرفُه حتى أشرفَ على خاقان، وكان خاقان قد فتكَ بالجُوزْجان، وكان خاقان وأصحابُه قد نزلوا وراء الجبل آمنين، فغَشِيَهم الجُوْزجانيُّ وعثمانُ، وحملُوا عليهم، فانهزم خاقان، وتركَ ما في عسكره، فاحتوى عليه الجُوْزجاني وعثمانُ، وكان شيئًا عظيمًا، من جملته ثلاثُ مئة ألفِ رأس من الغنم والخيل والدوابّ، ونساء العرب المَسْبيَّات، ونساء الترك، وأواني الذَّهَب والفضة ممَّا لم يوجد مثلُه، وعادوا إلى أسد بالغنائم. وعاد أسد إلى بَلْخ في اليوم التاسع من خروجه منها، وبين مكان الوقعة وبَلْخ سبعةُ فراسخ. وأمَّا خاقان؛ فوصل إلى بلاده، وأقام يجدِّدُ العُدَّة (١) ويجمعُ الرِّجال، ويستعدُّ للغُدُوّ إلى بَلْخ ومَرْو، وقال: ننزلُ أوَّلًا على سمرقند. ودفعَ للحارثِ بنِ سُرَيج وأصحابه الخيلَ والعُدَّة (٢). ذكر مقتل خاقان: [قال علماء السير:] كان عنده ملك كبير يقال له: كُورصُول، فجلسا يومًا يلعبان بالنَّرْد على سمرقند، وكان خاقان يحاصوها، فتخاطرا (٣) على حكم أحدهما، فغلب

стр. 5053

كُورصول فكسرَ يد خاقان، فحلف خاقان ليقتلنَّه، فانعزل كُورصُول بأصحابه ناحيةً، وبيَّتَ خاقان ليلًا فقتله، وانهزم الترك، ومال بعضهم إلى كُورصُول وانقضت أيام خاقان (١). وبعث أسد (٢) إلى أخيه خالد بالفتح مع إبراهيم بن هشام على البريد، فبعث به إلى هشام بن عبد الملك، فأخبره، فلم يُصدِّقه، ثم تبيَّن بعد ذلك، فنزل عن سريره، وسجد سجدةَ الشكر. فحسدت القيسيَّةُ أسدًا وخالدًا، وقالوا لهشام: هذا بعيد، فاكتبْ إلى خالد يكتبْ إلى أخيه أسد أن يبعثَ بمقاتل بن حيَّان، فهو رجلٌ صدوق، فكتبَ هشام إلى خالد، فبعث خالدٌ بكتاب هشام إلى أسد، فدعا بمقاتل بن حيَّان، وقال: سِرْ إلى الشام فأخبِرْ هشامًا بما عاينتَ، فأنتَ ما تقول إلا الحقَّ. فسار مقاتل حتى قدم على هشام وعنده الأبرش الكلبي، فسأله، فقال: إنَّا غزونا الخُتَّل مع أسد، فغنمنا غنائم عظيمة، وأنفد ملك الخُتَّل فاستصرخ بخاقان، فلم نحفل بهم (٣)، حتى لحقونا، فاستباحوا بعضَ عسكرنا، وأُخذ منا بعضُ المتاع، ونساء من نساء العرب، ومضَوْا. وجئنا إلى مشاتينا، فنزَلْنَا بَلْخ، فأقمنا، وبلَغَنا مجيءُ خاقان، فخرَجْنا إليه، فالتقينا برسداق الجُوْزجان، وأنزلَ اللهُ النصر علينا، فهزمناهم واستبحنا أموالهم ومواشيَهم. وكان هشامٌ متَّكئًا، فاستوى جالسًا وقال: أنتُم استبحتُم عسكر خاقان؟ قال: نعم، وفعلنا به وصنَعْنا. قال: ثم ماذا؟ قال: وانهزم خاقان إلى بلاده، فقُتل. قال هشام: إنَّ أسدًا لضعيف. فقال مقاتل: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما هو بضعيف، ولقد فعل فوق طاقته. قال: حاجتَك. قال: إن يزيد بن المهلَّب أخذَ من أبي مئة ألف درهم غَصْبًا. فكتب له بها، ففرَّقها مقاتل في أهلِه وورَثَة أبيه.

стр. 5054

وقيل: إن هشامًا أحلفَه عليها. وقيل: كتبَ إلى أسد يقول: إنْ صحَّ ذلك، فادْفَعْها إليه. ففعل. وهذه الوقعة تسمَّى وقعة سان وجزَّة (١)، وفيها يقول أبو (٢) الهنديّ يُخاطبُ أسدًا من أبيات، منها: أبا منذرٍ لولا مسيرُك لم تكن … غزاةٌ (٣) ولا انْقادَتْ ملوكُ الأعاجمِ ولا حجَّ بيتَ اللهِ ما سار (٤) راكبٌ … ولا عَمرَ البطحاءَ بعدَ المواسمِ فكم من قتيلٍ بين سانٍ وجَزَّةٍ … كثيرِ الأيادي من ملوكٍ قَماقمِ (٥) تَرَكْتَ بأرضِ الجُوزَجانِ تَزُورُهُ … سِباعٌ وعِقْبانٌ لِحَزِّ الغلاصمِ فَدَتْكَ نفوسٌ من تميمٍ وعامرٍ … ومن مُضَرَ الحمراءِ عند المحارمِ (٦) وفيها خرج المغيرة بنُ سعيد (٧) بالكوفة، وكان ساحرًا متَشيِّعًا، فحكى عنه الأعمش أنه كان يقول: لو أراد عليُّ بنُ أبي طالب [أن] يحييَ عادًا وثمود وقرونًا بين ذلك كثيرًا لفعل (٨). وكان يخرج إِلى القبور، فيتكلَّم بكلام، فيُرى شبيه الجراد على القبور.

стр. 5055

وبلغ خالدَ بنَ عبد الله [القسريَّ] خبرُه، فأرسل إليه، فجيء به وهو في نفر؛ ستة أو سبعة. قال الزُّهري (١): وأمر خالد بالنار والنّفط والقَصَب، وقال للمغيرة: خُذْ طَنًّا (٢)، فأبى، فأخذَتْه السِّياط، فاحتضنَ طَنَّا، فأُحرقَ (٣) هو ومن معه (٤). وفيها حكَّم جماعةٌ من الخوارج منهم بُهلولَ بنَ بشر، وكان خرج إلى الحجِّ، فنزل بقرية من قُرى السَّواد، فأمر غلامَه أن يشتريَ بدرهم خلًّا، فجاء غلامُه بخمر، فودَّه، ومضى بُهلول إلى عامل القرية، فكلَّمه، فلم يلتفت إليه وقال: الخمر خيرٌ منك ومن أصحابك. وأغلظَ له، وبقي في قلبه. ومضى إلى مكة، فلقيَ بها مَنْ هو على مثل رأيه، فعزمَ على الخروج على السلطان، فاتَّعد هو ومن كان معه (٥) أنه إذا عاد من الحجّ خرج بقرية كذا من أرض الموصل. فاجتمعوا هناك وهم أربعون رجلًا، وأمَّرُوا عليهم البُهلول، ونهبوا دوابَّ البريد، فقال البُهلول لأصحابه: ابدؤوا بالعامل (٦) الذي شتمني فقالوا: إنْ بدأنا به اشتهرَ أمرُنا، وحَذِرَنا خالدٌ وغيره، ونحن نريد أن نبدأ بخالد الذي يهدم المساجد، ويبني البِيَعَ والكنائس، ويولِّي المجوس وأهل الذِّمَّة على المسلمين ينكحون المسلمات (٧). فدعنا نقصده بغتةً فنقتلَه ونريحَ المسلمين منه. فقال: لابدّ من قَتْلِه. فأتاه فقتلَه.

стр. 5056

وعلم بهم الناس، وكان خالد بواسط، فكتبوا إليه يخبرونه (١)، فجاء حتى نزل الحِيرة وبها جيشٌ يُريدُ أن يسير إلى خُراسان مددًا، فجهَّزه إليهم، والتقَوْا على الفرات، واقتَتَلُوا، فقصد البُهلول زعيمَهم، فطعنَه فقتله، وانهزم أصحابُه إلى أبواب الكوفة، فجهَّز إليهم خالد جيشًا آخر، فهزموه إلى الكوفة. وقصد البُهلولُ الموصل، فخاف عاملُها، فكتب إلى هشام يخبره ويستنجدُه، فجهَّز إليهم الجيوش من الشام والجزيرة، وبعث خالد بجيش من العراق، فنزلوا بدَيرٍ بين الجزيرة والموصل، وكان البُهلول في سبعين رجلًا، واقتتلُوا، فلما رأوْا عين الغَلَبة، ترجَّلُوا، وكسروا جُفُون سيوفهم وقاتلوا حتى قُتلوا. وقتلَ البُهلولَ رجلٌ من جَدِيلةِ قيس، كنيتُه (٢) أبوالموت، طعنَه فصرعه، ونجا منهم اليسير. فرثاه الضَّحَّاك بنُ قيس فقال: بُدِّلْتُ بعد أبي بِشْرٍ وصُحبتِهِ … قومًا عليَّ مع الأحزابِ أعوانا كأنَّهُمْ لم يكونوا من صَحَابَتِنا … ولم يكونوا لنا بالأمس إخوانا يا عينُ أذْرِي دُموعًا منكِ واكفةً … وابْكي لنا جِيرةً كانوا وخِلَّانا خَلَّوْا لنا ظاهرَ الدُّنيا وباطنَها … وأصبحوا في جِنان الخُلْد جِيرانا (٣) ولما قُتل البُهلول، خرج عَمرو اليشكري بوصيةٍ من البُهلول، فلم يلبث أن قُتل. ثم خرج وزير السَّخْتِياني بالحِيرة، فجعل لا يمرُّ بقرية إلا أحرقها ولا بأحدٍ إلا قتلَه، فبعث إليه خالد جيشًا، فقاتلوه، فأثخن بالجواح، وحُمل إلى خالد، فلما دخلَ عليه وعظَه، وتلا آياتٍ من القرآن، فأعجبَ خالدًا ما سمع منه، فأمسك عن قتله، وحبسَه، وكان لا يزال يبعثُ إليه في الليل، فيُحادثه ويُسائله. وبلغ ذلك هشامًا، فكتب إليه: قد صِرْتَ حَرُوريًّا تحمي من قده قَتَلَ وحرق! اقْتُلْهُ ثم احْرِقه، فلم يفعل حتى كتب إليه هشام مرارًا يعزمُ عليه، فلمَّا لم يستطع دَفْعَهُ؛ قَتَلَه

стр. 5057

وحرَّقه وجماعةً من أصحابه؛ أُدخلوا المسجد، وجيئوا بالقصب، فأدخلوا فيه، ورُميتْ فيهم النيران، فما اضطربوا، وما زال السَّخْتِياني يتلو القرآن حتى مات (١). وفيها خرج الصحاري (٢) بن شبيب، جاء إلى خالد، فسأله أن يفوض له، فأبى، فخرج إلى جَبُّل (٣)، واجتمع إليه ثلاثون رجلًا وقالوا له: ما الذي دعاك إلى سؤال خالد الفرض؟ فقال: واللهِ ما أردتُ إلا قَتْلَ ابنِ النصرانية. وقال: لم أُرِدْ منه الفَرِيضةَ إلا … طَمَعًا في قَتْلِه أنْ أَنَالا فأُرِيحَ الأرضَ منه وممَّن … عاثَ فيها وعن الحقِّ مالا كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ أراه … تركَ الحقَّ وسَنَّ الضَّلالا إنني سارٍ (٤) بنفسي لربّي (٥) … تاركٌ قِيلًا لديكم (٦) وقالا بائعٌ أهلي وماليَ أرجو … في جِنانِ الخُلْد أهلًا ومالا وخرج يريدُ خالدًا، فقال: قد كنتُ خائفًا منه. فبعث إليه جيشًا، فقتلوه وأصحابَه (٧). وفيها غزا أسدٌ الخُتَّل، وقتلَ ملكَها بدرطرخان. قال علماء السير: سار أسد إلى الخُتَّل (٨)، وقدَّم بين يديه مصعب بنَ عَمرو الخُزاعي، فلما نزل بقرب الخُتَّل بعث إليه بدرطرخان يطلب منه الأمان على أن يخرج إليه، فأجابه، فخرجَ، فطلب منه أسد أشياء، فقال بدرطرخان: خذ مني ألفَ ألفِ درهم، وصالِحْني. فقال أسد: اخْرُجْ من الخُتَّل، فإنها ليست ببلادك، وإنما غلبتَ

стр. 5058

عليها، فاخْرجْ منها كما دخلتَها. فقال: قد وُلد لي فيها أولاد، واكتسبتُ أموالًا، وأنفقتُ فيها شبابي، فكيف أخرج منها؟! فقال له أسد: فأَخْتِمُ في عنقك بالرصاص. فقال: يا أسد، فأين الأمان؟ فختم في عنقه، وبعثه إلى مولاه أبي الأسد ليُوصلَه إلى مأمنه. فسار به إلى عسكر مصعب، فوصلَ عند المساء، وكان سَلَمةُ بن أبي عبد الله في الموالي يضعُ الدَّرَّاجة (١) مواضعَها، فقال سَلَمة لأبي الأسد: ما صنعَ الأمير في أمر بدرطرخان؟ فقصَّ عليه القصة، وقال: وقد سيَّره معي إلى مصعب [ليُدخله الحصن، فقال سلمة: إنَّ الأمير لم يُصِبْ فيما صنع، وسينظر في ذلك ويندم، إنما كان ينبغي] (٢) أن يقبلَ منه ما عرض عليه، أو يحبسه فلا يدعُه يصلُ إلى حصنه، لأنه قد كان يمنعُه من الغارة علينا وقتالِنا رجاءُ الصلح، فأما الآن فإنه إن وصل إلى حصنه (٣) لم يدع مكيدة إلَّا افتعلَها، فدَعْهُ الليلةَ في قُبَّتي ولا تذهب به إلى مصعب، فإنه ساعةَ ينظرُ إليه يُدخلُه حصنَه. فبات عنده ومعه بدرطرخان في القبة، وسار أسد يقصد عسكر المصعب، فوقع في مضائق، وعطش أسد والناس (٤). [ونزل] (٥) أسد تحت شجرة، وجاء المجشّر بن مزاحم السُّلَمي، فقال: أيها الأمير، قد كان بدرطرخان في يدك، فلا أنت قبلتَ منه ما عرضَ، ولا أنت حبستَه حتى تنظر في أمرك، وخلَّيتَ سبيله، فإذا صار في حصنه فعلَ ما يريد.

стр. 5059

فندم أسد على تخليته، وأرسل فارسًا إلى عسكر مصعب يقول: إنْ كان العِلْجُ لم يخلّ سبيله فتوقف أمره (١)، فجاء الرسول، فوجده في قبَّة سَلَمة، فضبطه، وجاء أسد فنزل في قُبَّته، وأحضر بدرطرخان، فشتمه (٢)، فعرَّض بدرطرخان بأسد أنه قد نقض العهد، وغدر به بعد الأمان، ورفع حصاة فرفع بها إلى السماء وقال: هذا عهدُ الله، وأخذ أخرى وقال: وهذا عهد محمد ﷺ ، وأخذ أخرى وقال: هذا عهدُ المسلمين. فأمر أسد بقطع يدِه، ودفعَه إلى أولياء أبي فُدَيك - وكان قد قتلَه - فضربوا عنقه. وسار أسد إلى القلعة العظمى، فغلب عليها، وبقيت قلعة صغيرة فوقها فيها أولادُه وأموالُه، فلم يُوصل إليها، فرحلَ أسد إلى مَرْو. وحجَّ مَسْلَمة [بن هشام] (٣) بنُ عبد الملك بالناس، ومعه محمد بن شهاب الزُّهري. وكان على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق خالد، وأخوه أسد على خُراسان، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٤). وفيها توفي حبيب بن أبي ثابت [الأسديّ، مولى بني كاهل، واسم أبي ثابت] قيس بن دينار، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة (٥). وكان من أرباب الفضل والزُّهد والوَرَع والفتوى. [وقال ابن سعد: كنيتُه أبو يحيى] وكان يقول: طلبتُ العلم وما لي فيه نيَّة، ثم رزقَ الله النيَّة بعد ذلك (٦).

стр. 5060

[قال: وقال أبو بكر بن عيَّاش:] وما كان بالكوفة أحد إلَّا ويذلُّ لحببب (١). [وحكى أبو نُعيم عن أبي بكر بن عيَّاش قال: رأيتُ حبيبَ بنَ أبي ثابت ساجدًا، فلو رأيتَه قلتَ: ميّت؛ من طول سجوده. وروى أَبو نعيم عن كامل أبي العلاء قال:] أنْفق [حبيب بن أبي ثابت] على القرَّاء (٢) مئة ألف درهم. [وقال سفيان الثوري:] وكان [حبيب] يقول: ما استقرضت من أحد شيئًا أحبَّ إليَّ من نفسي، أقول لها: امهلي حتى يجيء من حيث أُحبُّ (٣). وكانت وفاتُه بالكوفة [في هذه السنة] وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (٤). أسند عن ابن عُمر، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وحكيم بن حِزام. حبيب بن محمد العجمي ويعرف بالفارسي البصري (٥)، من الطبقة الرابعة من التابعين من أهل البصرة. [واختلفوا في سبب زُهده في الدُّنيا وتخلِّيه عنها، وكان مجابَ الدعوة. ذكره جدّي ﵀ في "الصفوة" (٦) وقال: حضر مجلس الحسن البصريّ، فتأثَّر بموعظته، فخرج عمَّا كان فيه. ثم ذكر القصة فقال: حدثنا محمد بن أبي القاسم بإسناده عن يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة يقولون:] وكان الحسن يجلس في مجلسه الذي يُذَكِّر فيه كلَّ يوم، وكان حبيب أبو محمد يجلس في مجلسه الذي يأتيه فيه أهلُ الدنيا والتجار وهو غافل عمَّا فيه الحسن، لا يلتفت إلى شيءٍ من مقالته؛ إلى أن التفتَ إليه يومًا، فذكَّره الحسن بالجنَّة،

стр. 5061

وخوَّفه من النار، فانصرفَ من عنده، فلم يزل في تبديد ماله حتى لم يبق له شيء، ثم جعل يستقرضُ على الله بعد ذلك (١). [وقد ذكر القصة أبو القاسم ابن عساكر بهذا الإسناد عن أبي نُعيم (٢)، وذكر فيها أن حبيب العجمي وقف على حلقة الحسن وقال: اين همي كوي. ومعناه بالفارسية: أيش يقول هذا؟]. وقال أبو جعفر السائح: كان حبيب تاجرًا يُقرض (٣) الدراهم، فمرَّ ذات يوم بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الرِّبا. فنكَّس رأسه وقال: يا ربّ، أفشيتَ سِرِّي إلى الصِّبيان، وإنما كنتُ أُعيرُ الدراهم. فرجع إلى بيته، وقدَّم ماله كلَّه بين يديه، ولبس مِدْرَعَةَ شعر، ومرَّ بأولئك الصبيان، فقالوا: اسكتُوا، قد جاء حبيب الزاهد العابد. فبكى وقال: يا ربّ، الكلُّ منك. [وذكر ابنُ عساكر أنه كان يُعير الدراهم]. [وقرأتُ على شيخنا موفق الدِّين ﵀ من كتاب "التوَّابين" بإسناده قال (٤):] كان سببُ (٥) إقبال حبيب على الآجلة، وانتقاله عن العاجلة، حضورَه مجلس الحسن، فوقعت موعظتُه في قلبه، فخرج عمَّا كان فيه، ثقةً بالله، ومستكفيًا (٦) بضمانه، فاشترى نفسَه من الله ، فتصدَّق (٧) بأربعين ألف درهم [في] أربع دَفَعات؛ تصدَّقَ بعشرة آلاف درهم في أوَّل النهار، وقال: يا ربّ، قد اشتريتُ نفسي منك بهذه. ثم أَتْبَعَها

стр. 5062

بعَشَرة آلاف أخرى، وقال: هذه شكرًا (١) لما وفَّقْتَني له. ثم أخرجَ عَشرة آلاف أخرى، وقال: يا ربّ، إن لم تقبل منّي الأولى والثانية، فاقبل منّي هذه، ثم تصدَّق بعشرة آلاف أخرى، وقال: يا ربّ، إنْ قبلتَ مني الثالثة، فهذه شكرًا لها. [ذكر طرف من أخباره: قال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة لنا يقولون:] جاء رجل (٢) إلى حبيب، فشكا إليه دينًا عليه، فقال: اذهب واستقرض وأنا ضامن. فأتى رجلًا، فأقرضَه خمس مئة درهم، وضمنَها حبيب، ثم جاء الرجل فقال: يا أبا محمد، دراهمي، فقد أضرَّ بي حَبْسُها. فقال: نعم، غدًا. فتوضَّأ أبو محمد، ودخلَ المسجد، ودعا الله تعالى. وجاء الرجل، فقال: اذهب، فإن وجدتَ في المسجد شيئًا فخُذْهُ. فذهب، فإذا في المسجد صُرَّةٌ فيها خمس مئة درهم وزيادة، فرجع إليه وقال: يا أبا محمد، قد زادت الدراهم. فقال: اذْهَبْ فهي لك، مَنْ وَزَنَها، وَزَنَها راجحةً. [وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيبًا يقول:] أتانا سائل (٣) وقد عجنَتْ عَمْرَةُ (٤) وذهبت تجيءُ بنارٍ لتخبزه، فقلت للسائل: خذِ العجين. فاحتملَه، فجاءت عَمْرةُ، فقالت: أين العجين؟ فقلتُ: ذهبوا به يخبزونه (٥). فلما أكثرَتْ عليّ؛ أخبرتُها، فقالت: سبحان الله! لابدّ لنا من شيء نأكلُه (٦). وإذا برجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزًا ولحمًا، فقالت عَمْرة: ما أسرعَ ما خبزُوه وجعلوا معه لحمًا!

стр. 5063

[وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن جعفر قال:] كان حبيب (١) من أكثر الناس بكاءً؛ بكى ذاتَ ليلة بكاءً كثيرًا، فقالت له عَمْرةُ بالفارسية: كم (٢) تبكي! فقال: دعيني، فإني أُريد أن أسلك طريقًا لم أسلكه قبل. قال: [وسمعتُه يقول:] إن الشيطان ليلعب بالقرَّاء كما يلعب الصبيان بالجَوْز. [قال:] ولو دعاني الله تعالى يومَ القيامة وقال: يا حبيب، هل جئتَني بصلاة يوم، أو صوم يوم، أو ركعة، أو تسبيحة، أو سجدة، سَلِمَتْ من إبليس؟ ما استطعتُ أقول: نعم (٣). [وروى أبو نُعيم عن أحمد بن أبي الحواريّ قال: سمعتُ أبا] سليمان الداراني [يقول:] كان حبيب (٤) يأخذ متاعًا من التُّجَّار يتصدَّق به، فأخذ مرَّةً، فلم يجد شيئًا يُعطيهم، فقال: يا ربّ، ينكسر (٥) وجهي عندهم. فدخلَ بيتَه فإذا جُوالقُ شعر (٦) من أرض البيت إلى السقف مملوءةٌ دراهم، فقال: يا رلث، ليس هذا أردتُ [أو ليس أريد هذا. قال:] فأخذ حاجته وترك الباقي. [وقال أبو بكر بن عبيد المعروف بابن أبي الدنيا: حدثني أبو إسحاق الأدمي (٧) قال: سمعتُ] مسلم بن إبراهيم [يقول:] إن رجلًا (٨) أتى حبيبًا [أبا محمد] فقال: إن لي عليك ثلاث مئة درهم. قال: من أين؟ قال: لي عليك. فقال له حبيب: اذهبْ إلى

стр. 5064

غد. فلما كان من الليل توضَّأ وصلَّى وقال: اللهمَّ إنْ كان صادقًا فأدِّ إليه، وإن كان كاذبًا فابتله في بَدَنه. [قال:] فجيء بالرجل من الغد وقد ضَرَبَ شِقَّه الفالج (١)، فقال: ما لك؟ فقال: أنا الذي جئتُك بالأمس ولم يكن لي عليك شيء، وإنما قلتُ: تستحيي من الناس فتعطيني. فقال له: تعود؟ فقال: لا. فقال. اللهمَّ إن كان صادقًا فألْبِسْهُ العافية. فقام الرجل كأنَّه لم يكن به شيء. وقال [ابن أبي الدنيا عن] السَّريّ (٢) بن يحيى: اشترى حبيبٌ طعامًا في مجاعة أصابت الناس، فقسَمَه على المساكين، ثم خاط أكيسةً، فجعلها تحت فراشه، ثم دعا الله، فجاء أصحابُ الطعام يتقاضَوْنه، فأخرج تلك الأكيسة، فإذا هي مملوءةٌ دراهم، فوزنَها، فإذا هي حقوقهم، فدفعها إليهم. [وروى ابن أبي الدنيا عن السريّ أيضًا قال:] كان حبيب (٣) يُرى يوم التروية بالبصرة، ويرى يوم عرفة بعرفات. [وروى ابن أبي الدنيا عن] عبد الواحد بن زيد [قال:] كنا عند مالك (٤) بن دينار ومعنا محمد بن واسع وحبيب أبو محمد، فجاء رجل فكلَّم مالكًا وأغلظَ له في قِسْمَةٍ قَسَمَها فقال: وضعتَها في غير موضعها، وتبعث بها إلى أهل مجلسك ومن يغشاك لتكثر غاشيتك وتصرفَ وجوه الناس إليك. فبكى مالك وقال: واللهِ ما أردتُ هذا. قال: بلى، أردتَ هذا. ومالك يبكي والرجل يُغلظ له، فلما كثَّر الرجلُ رفع حبيب يديه إلى السماء وقال: اللهم إنَّ هذا قد شغلَنا عن ذكرك، فأرِحْنا منه كيف شئت. [قال:] فسقَطَ الرجلُ ميِّتًا، فحمله أهله على سرير. وكان أبو محمد مستجابَ (٥) الدعوة.

стр. 5065

[وروى أبو نُعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال:] كان (١) حبيب: يقول: من لم يُقِرَّ عينَه (٢) بك فلا قرَّت، ومن لم يأنس بك فلا أنِس. [وروى ابنُ أبي الدنيا عن عبد الواحد بن زيد قال:] كانت عَمْرَةُ (٣) زوجة أبي محمد حبيب سيِّئةَ الخُلُق؛ قالت له يومًا: قد أخرجتَ كلَّ ما كان عندك، وهَبْ أني وأنت نصبر (٤)، ما تصنع بهؤلاء الصبيان؟ فقُم واخْرُجْ وتسبَّبْ. فخرج إلى المقابر، وأقام يصلي طوال النهار (٥)، ثم رجع آخر النهار إلى بيته، فقالت: أين كنت؟ فقال: أجَّرْتُ نفسي من (٦) مستعمل أعمل معه. ثم فعل ذلك أيَّامًا، فقالت له: فأين أجرتُك؟ اطْلُبْ من مستعملك القُوت. فلما غدا إلى الجَبَّان (٧) قام فصلَّى على عادته، ثم قال: إلهي قد علمتَ الحال، وأنت مطَّلعٌ على السرائر، وقد قالت عَمْرَةُ ما قد علمتَ، ولولاها ولولا الصِّبيان (٨) لصبرت. ثم أقام إلى الليل، وجاء بعد العشاء الآخرة، وإذا بمائدة قد نُصبت والصبيان يلعبون حولَها والمرأة مسرورة، فدخل البيت وإذا بأكياس فيها دراهم وثياب كثيرة، فقال (٩): من أين هذا؟ فقالت عمرة: بعث به مستعملُك إلينا مع غلمان صِباح الوجوه، ما رأيتُ في الدُّنيا أحسنَ من وجوههم، وقالوا: سلِّمي على حبيب، وقولي له: يقولُ

стр. 5066

لك مستعملك: ما منعتُك الدنيا بُخلًا (١)، ولكن ليستكمل نصيبُك من كرامتي، فطِبْ نفسًا، وقَرَّ عينًا، فعندي كلُّ ما تؤمِّلُ. فبكى بكاءً شديدًا، فقالت: مالك؟! فقال: ويحك! إنما هو إلهى. فبكت المرأة وقالت: واللهِ لا عُدْتُ لمثلها (٢). [وحكى أحمد بن أبي الحواري قال: مرَّ حبيب بمصلوب، فوقف عليه وقال: بأبي ذلك اللسان الذي كنت تقول به: لا إله إلَّا الله. اللهم هَبْ لي ذنبَه. قال: وكان قد صلب ووجهه إلى الشرق، فأصبحت خشبتُه قد استدارت إلى القبلة] (٣). [ذكر وفاته]: وتوفي بالبصرة في هذه السنة. [وروى ابن أبي الدنيا عن أبي زكريا قال:] وقالت امرأته: كان يقول: إن مِتُّ اليوم، فأرسلي إلى فلان يغسّلني، وافعلي كذا وكذا. يقول ذلك كلَّ يوم (٤). وقال عبد الواحد بنُ زيد: جزع حبيب عند الموت جَزَعًا شديدًا، فكان يقول بالفارسية: أريدُ أن أسافر سفرًا ما سافرتُه قطّ، وأسلكَ طريقًا ما سلكتُه قطّ، وأزورَ سيِّدي ومولاي ما (٥) رأيتُه قطّ، وأدخلَ تحت التراب، فأبقى فيه إلى يوم القيامة، ثم يُوقِفُني بين يديه، فأخاف أن يقول: يا حبيب، هل جئتَني بتسبيحة واحدة في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء؟ فماذا أقول وليس لي حيلة؟ أقول: ها يا ربّ قد أتيتُك مقبوضَ اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد بن زيد: فهذا عَبَدَ اللهَ ستين سنةً لم يشتغل بغير العبادة، ولم يتلبَّس من الدنيا بشيء قطّ، فكيف يكون حالُنا نحن؟ واغوثاه بالله (٦)!.

стр. 5067

[قلت: روى جدّي ﵀ في "الصفوة" عن أبي نُعيم الأصفهاني أنه قال: كان حبيب مشغولًا بالتعبُّد، ولا نعرف له حديثًا مسندًا. قال: وقيل: إنه أسند عن الحسن وابن سيرين (وهو وهمٌ من قائله، فإنَّ حبيبًا الذي أسندَ عنهما) (١) حبيب المعلِّم]. وروى عنه جعفر بن سليمان، وصالح بن بِشْر المُرِّيّ، ويزيد الخثعمي، وغيرهم (٢). [وله مع الفرزدق الشاعر حكاية: قال:] وقدم حبيب [العجمي] الشام، ودخل دمشق، ولقي الفرزدق الشاعر وغيره. قال حبيب: لقيتُ الفرزدق بالشام، فقال: قال لي أبو هريرة (٣): إنه (٤) سيأتيك أقوام يؤيسونك من رحمة الله، فلا تأيس (٥). [وحكى أبو القاسم ابن عساكر أن] الحسن البصري أتاه هاربًا (٦) من الحجَّاج، فقال: يا أبا محمد، احفظني من الشُّرَط، فهم على إثري. فقال حبيب: يا أبا سعيد، ليس بينك وبين ربِّك من الثقة ما تدعو فيسترَك من هؤلاء؟! ادْخُل البيت. فدخل، ودخلَ الشُّرَط على إثره، فقالوا: يا أبا محمد، دخل الحسن ها هنا؟ قال: ادخُلوا. فدخلوا، فلم يروا الحسن، فخرجوا، وذكروا ذلك للحجَّاج، فقال: بلى كان في بيته، ولكنَّ الله طمس على أعينكم فلم تروه. [انتهت سيرة حبيب العجمي، رحمه الله تعالى].

стр. 5068

السنة العشرون بعد المئة فيها كانت وفاة أسد بن عبد الله القَسْريّ (١). وفيها بعثت الشيعة سليمان بن كثير إلى محمد بن علي [بن العبَّاس] (٢) يعتذرون إليه ممَّا فعل خِداش، وكان محمد حَنِقًا عليهم، فتنكَّر سليمان، واجتمع به بالشَّراة من أرض البلقاء، فلامه محمدٌ على اتِّباعهم بخِدَاش وما بدا منه، وعاد سليمان بكتاب محمد إلى خُراسان، فلما فتحوه لم يجدوا فيه شيئًا سوى البسملة، فعلموا أنَّ ما كان يأمرهم به خِدَاشٌ من عنده، لا من عند محمد بن علي (٣). وفيها عزل هشام بنُ عبد الملك خالدَ بنَ عبد الله القَسْريَّ عن العراقين وخُراسان، وعن جميع ما كان إليه، وله أسباب: منها: أن خالدًا كان يستخفُّ بهشام ويقول: ابن الحمقاء، وإذا ورد عليه كتابٌ منه يقول: جاءني (٤) كتاب الأحول، ويقول: أنا أفتخرُ بولاية العراق من قِبَل الأحول. وبلغ هشامًا، فكتبَ إليه: يا ابنَ اللخناء النصرانية، بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق بشرف، كيف [لا] تكون إمرةُ العراق لك شرفًا وأنت من بَجِيلة القليلة الذليلة؟! والله ليأتينَّك أصغرُ مَنْ في قريش فيشدُّ يدك إلى عنقك (٥). ومنها: أن غَلَّة خالد كانت في كل سنة ثلاثة عشر ألفَ ألفِ درهم (٦)، وكان عليها. . (٧).

стр. 5069

ومنها: أن خالدًا كان يقول لابنه يزيد: ما أنتَ بدون مَسْلَمة بن هشام، وكيف بك إذا احتاج إليك أولاد هشام (١)؟ ومنها: أنَّ رجلًا من قريش -يقال له: أبو عَمرو (٢) - دخل على خالد فاستخفَّ به، وعضَّه بلسانه (٣)، فكتب القرشيُّ إلى هشام يشكوه ويقول: إنه فعل بي وفعل، وأنا قرشيّ وهو من بَجِيلَة. فكتب هشام إلى خالد: أمَّا بعد؛ فإنَّ أمير المؤمنين؛ وإنْ كان أطلقَ يدَك فيمن استرعاك رجاء كفايتك ونهضتك؛ غير أنه لم يفترشك أعزَّة (٤) أهل بيته لتطأهم بقدمك، فبسطتَ لسانَك عليه بالتوبيخ، تُريد بذلك تصغير خَطَره، واحتقار قدره، حتى أخرجَك ذلك إلى إغلاظ اللفظ عليه في مجلس العامَّة، وباللهِ يُقسِمُ أميرُ المؤمنين لولا ما تقدَّم من خدمتك (٥)، وما يكره من شماتة عدوِّك بك؛ لوضعَ فيك ما رفع، ويجعلُك تابعًا لمن كان لك تبَعًا، فانهضْ عند قراءتك كتابَ أمير المؤمنين إلى باب القرشيّ (٦) ماشيًا مستأذنًا عليه، متنصِّلًا إليه، أذِنَ لك أو منعَك، فإن حرَّكَتْه عواطفُ رحمةٍ؛ رحمك، وإن احتَمَلَتْهُ حميَّةٌ وأَنَفَة (٧) من دخولك عليه؛ فقِفْ ببابه حَوْلًا كاملًا غير مُزايل له حتى يرضى، ثم أمْرُك بعدُ إليه في عزلٍ وولاية، فعليك لعنةُ الله من مُتَّكلٍ عليه بالثقة، فما أكثرَ هفواتِك! وأقذعَ لأهل الشرف ألفاظَك التي لا تزالُ تبلغُ أميرَ المؤمنين من إقدامك بها على من هو أَوْلى بما أنت فيه!

стр. 5070

وكتب إلى القرشي (١) كتابًا من جنس هذا يقول فيه: وقد بلغ أميرَ المؤمنين بَسْطُ لسانِ خالد عليك، وإمساكُك عنه تعظيمًا لأمير المؤمنين مع مُؤلم ألفاظِه، وشِرار منطقه، وقد حمدَ أميرُ المؤمنين لك ذلك، وجعل أمرَ خالدٍ إليك في عَزْلِه وولايته، فإن عزلتَه؛ أُمضي عزلك إيّاه (٢)، وإن أقرَرْتَه؛ فتلك مِنَّةٌ عليه، لا يشركك فيها أمير المؤمنين (٣). ومنها: أن رجلًا مَن أهل الشام قال لهشام: سمعتُ خالدًا يذكرُ أميرَ المؤمنين بما لا أقدرُ على ذكره. قال: قال: الأحول؟ قال: بل أعظم من هذا. ولمَّا كثَّر الناسُ على خالد؛ عزمَ هشامٌ على عزله، وأخفى ما قد عزم عليه من أمره، وكتب إلى يوسف بن عُمر الثقفيِّ كتابًا بخطِّه وهو باليمن، فيه: سِرْ إلى العراق، فقد ولَّيتُك إيَّاه، وإيَّاك أنْ تُخبر بذلك أحدًا، وخُذِ ابنَ النصرانية وعماله واشْفِ صدري منهم. فقدم في ثلاثين من أصحابه في جمادى الآخرة، ولما كان قريبًا من الكوفة؛ نزل فعرَّس، وكان طارق بن أبي زياد خليفةُ خالد بالكوفة قد ختنَ ولده، فأهْدَى [له] (٤) ألفَ عتيق، وألفَ وصيف، وألفَ وصيفة؛ سوى الثياب والأموال. وجاء يوسف، فدخل المسجد، وصلَّى بالناس صلاة الفجر، وأرادَ العَسَسُ خالدًا، فخرج (٥) [طارق] (٦) من الكوفة إليه وهو بواسط، فقال له: ما أقدمَك؟ قال: أتيتُ معزِّيًا للأمير في أسد، وكان الواجبُ أن أسعى ماشيًا. فبكى خالد وقال له: ارجعْ إلى عملك. فأخبرَه طارقٌ الخبر، فقال له خالد: فما الرأي؟ قال: تركبُ إلى أمير

стр. 5071

المؤمنين، فتعتذرُ إليه مما بلغه عنك. فقال خالد: كيف أمضي إليه بغير إذنه؟ قال: فتسيرُ إلى آخر عملك، وأتقدَّم أنا، فأستأذنُه في القدوم عليه. قال: ولا هذا. قال: فأذهبُ إلى هشام، فأضمنُ له جميعَ ما انكسر في هذه السنين، وآتيك بعهدك مستقبلًا. قال: وما مبلغُه؟ قال: مئة ألف ألف. قال: ومن أين أجد هذا، واللهِ ما أجدُ عَشَرةَ ألفِ ألف (١). قال طارق: أتحمَّلُ أنا وسعيد بن راشد [أربعين] ألف ألف درهم والزَّينبي وأبانُ بنُ الوليد عشرين ألفَ ألفٍ، ونفرِّق الباقي على العمال. فقال خالد: إني إذًا للئيمٌ حيث سوَّغْتُ قومًا (٢) نعمةً ثم أرجعُ فيها! فقال طارق: إنَّا نقيك بأنفسنا وأموالنا (٣)، ونستأنفُ الدنيا، وتبقى النعمة عليك وعلينا خيرٌ من أن يجيءَ من يطالبُنا بالأموال. وهي عند تُجَّار الكوفة، فيتربَّصون بنا فنقتل، وتُؤكل تلك الأموال. فأبى خالد، فودَّعه طارق وبكى وقال: هذا آخِرُ ما نلتقي في الدنيا. ومضى (٤). وبعث يوسف بنُ عمر، فأخذ طارقَ بنَ أبي زياد، فضربَه خمس مئة سوط، وكبَّله بالحديد، ثم صادرَ عمال خالد على تسعة آلاف ألف درهم، فقيل له: أخطأتَ، لو لم تفعل لصالحوك على مئة ألف ألف، فقال: قد رَهَنْتُ لساني معهم، فلا أرجعُ فيما قلتُ (٥). وقيل: إنه أخذَ منهم مئة ألف ألف درهم، ثم أخذ خالدًا فعذَّبه. وفيها ولَّى يوسفُ بنُ عمر خُراسان جُدَيعَ بنَ عليّ الكِرْمانيَّ، وعزل جعفرَ بنَ حنظلة، وكان أسدٌ لمَّا مات استخلفه عليها. وكان يوسف بنُ عمر قد كتبَ إلى هشام يستأذنُه أن يولِّيَ على خُراسان سَلْمَ بنَ قُتيبة الباهليَّ، فكتب إليه هشام: إنَّ سَلْمَ بنَ قُتيبة ليس له بخُراسان عشيرة، ولو كان له بها عشيرةٌ لم يُقتل أبوه بها (٦).

стр. 5072

وكان جُدَيع بمَرْو، فلمَّا جاءه كتاب يوسف صَعِدَ المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ذكر ما كان في خُراسان من الفتن وغلبة الأعداء، وذكر أسدًا وترحَّم عليه، وذكر أنَّ اللهَ أخمد به الفتن، وفتح البلاد، وذكر أخاه خالدًا بالجميل وأثنى عليه، وذكر قدوم يوسف بن عمر العراق، وحثَّ الناس على الطاعة ولزوم الجماعة، ثم قال: غفر الله للميِّت -يعني أسدًا- وعافَى اللهُ المعزول -يعني خالدًا- وبارك للقادم - يعني يوسف بن عمر. ثم نزل (١). وفيها عُزلَ الكِرْمانيُّ هذا عن خُراسان، ووليَها نصرُ بنُ سيَّار بن ليث بن رافع من بني بكر بن عبد مناة بن كِنانة، وأمُّه زينب بنت حسان من بني تغلب (٢). وسببُ ولايته أنَّ أسدًا لمَّا توفّي استشار هشامٌ أصحابَه فيمن يولِّي خُراسان، فأشاروا عليه بأقوام، وكان فيمن سمَّوْا عثمان بنُ عبد الله بن الشِّخِّير، ويحيى بن الحُضين بن المنذر الرَّقاشي، ونَصْرُ بنُ سيَّار الليثيّ، وقَطَن بن قُتيبة بن مسلم، والمجشِّر بن مُزاحم السُّلَمي، فقال: صِفُوهم لي، فقالوا: أمَّا عثمانُ فصاحبُ شراب، وأمَّا [ابنُ] حُضين ففيه تِيهٌ شديد، وأمَّا قَطَن فرجلٌ موتور، وأما المجشِّر فشيخ هرم (٣). وسكتوا عن نَصْر بنِ سيَّار، فقال: أُولِّيها نَصْرًا. فقالوا: ليس له بها عشيرة. فقال هشام: أنا عشيرتُه. ثم بعث بعهده مع عبد الكريم بن عقبة الهِفَّاني (٤). وقيل: إن هشامًا استشار أصحابَه، فذكروا له الكِرمانيَّ، ووصفُوه بالحزم والشجاعة، فقال: ما اسمه؟ قالوا: جُدَيع. فتطيَّر منه وقال: لا حاجةَ لي فيه، وسمَّوْا له يحيى بنَ نُعيم الشيباني من ربيعة، فقال: ربيعة لا يُسَدُّ بها الثُّغُور. فوصفُوا له عقيل بن معقل الليثيّ وقيل: ليس بالعفيف، فقال: لا حاجةَ لي فيه. وسمَّوْا له جماعةً، ووصفُوا بعضهم بالشُّؤم، وبعضَهم بالكذب، حتى وصفُوا له نَصْرَ بنَ سيَّار، فقال باسمه، فولَّاه (٥).

стр. 5073

وقيل: إن يوسف بن عمر لما قدم العراق استشار أصحابه من يولِّي خُراسان، فسمَّوْا له جماعة، منهم نَصْرُ بنُ سيَّار، فكتب إلى هشام بأساميهم، وأثنى على القيسيَّة، وكتبَ اسم نَصْر بن سيَّار الكِناني في آخرهم، وقال: هو قليل العشيرة بخُراسان. فكتب إليه هشام يقول: قد فهمتُ كتابَك وإطراءك القيسيَّة، ولكنك تَقَيَّسْتَ عليَّ وأنا مُتخندِفٌ عليك (١)، وأمَّا قِلَّةُ عشيرة نَصْر؛ فما قلَّ مَنْ أنا عشيرتُه. وولَّاه خُراسان، وكتب إلى نَصْر أن يُكاتب يوسف بنَ عُمر (٢). ولمَّا وليَ نَصْر خُراسان؛ أحسنَ السيرة وعَدَلَ، فَعَمَرَتْ خُراسانُ عِمارةً لم تُعمر قبلَها مثلَها، فقال سوَّار بن الأشعر (٣): أضْحَتْ خُراسانُ بعد الخوفِ آمنةً … من ظلمِ كلِّ غَشُومٍ الحُكم جبَّارِ لما أتى يوسفًا أخبارُ ما لقيَتْ … اختارَ نصرًا لها نصْرَ بنَ سيَّارِ ووصل عهدُ نَصْر إليه في رجب هذه السنة، فكانت ولايةُ الكِرْمانيّ (٤) شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر. وحجَّ بالناس [في هذه السنة] محمد بنُ هشام بن إسماعيل، وكان على مكة والمدينة والطائف. وقيل: سليمان بن هشام بن عبد الملك. وقيل: يزيد بن هشام بن عبد الملك. وكان على العراق يوسفُ بنُ عُمر، وعلى قضاء الكوفة ابنُ شُبرمة، وعلى قضاء البصرة كثير بنُ عبد الله السُّلَمي، وقيل: عامر بن عبيدة الباهليّ (٥)، وعلى خُراسان نَصْرُ بن سيَّار، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٦).

стр. 5074

وفيها توفِّي أسدُ بنُ عبد الله ابن يزيد بن أسد بن كُرْز بن عامر البجليّ القَسْريّ [أخو خالد بن عبد الله القسري. قال أبو القاسم ابن عساكر: وهما] من أهل دمشق، وكان لأَسَد دارٌ بها عند سوق الزَّقَّاقين بناحية دار بطيخ. [وذكر أن جدّه من الصحابة. وقال أبو القاسم: ولَّاه أخوه خُراسان سنة ثمان ومئة (١)، فغزا التُّرك، وكانوا في جمع عظيم، فهزمَهم، ثم عزله هشام في سنة تسع ومئة (٢)، وولَّى أشرسَ بن عبد الله السُّلَمي، ثم عزله في سنة ثلاث عشرة ومئة، وولّى الجُنيد بن عبد الرحمن بن مُرَّة الغطفاني، ثم عزله في سنة خمس عشرة ومئة، وولَّى عاصم بن عبد الله الهلاليَّ، ثم ولَّى أسدًا] ففتح البلاد (٣)، وأباد العدوَّ، وبنى مدينة بَلْخ، وأقام بها. وكانت له مع التُّرك وخاقان وقائعُ لم تكن لغيوه، ودوَّخ ملوك الهند والصين، وقطعَ النهر مرارًا، وفي كلِّ وقائعه كان منصورًا، وأقام إلى سنة عشرين ومئة، فتوفِّي بها قبل عَزْل أخيه خالد بيسير، واستَخْلَفَ على مَرْو جعفرَ بنَ حنظلة البَهْراني. [وولَّى هشام نَصْرَ بن سيَّار على خُراسان، فلم يزل نجها حتى مات هشام]. ذكر وفاة أسد: [ذكر هشام والمدائني والواقدي قالوا: كان له دُبَيْلَةٌ (٤) في جوفه، فحضر المِهْرجَان ببَلْخ، وقدم عليه الدَّهاقين والأمراء بالهدايا، وكان فيمن قدم عليه إبراهيم بن

стр. 5075

عبد الرحمن الحنفي عاملُه على هَراة، وكان معه دِهْقان هَراة (١)؛ قَدِما بهديَّة، فقُوِّمَتْ بألفِ ألفِ درهم، وكان فيما قدما به قصرٌ من ذهب، وقصرٌ من فضة، وصِحافٌ من ذهب وفضة، وأسدٌ جالسٌ على السرير، وأشرافُ خُراسان على الكراسيّ حولَه، فدخلا، فوضعا القَصْرَين بين يديه والهدايا والثيابَ على اختلاف أنواعها [بحيث امتلأ البساط] (٢) ثم قام الدِّهْقانُ -واسمُه خُراسان- خطيبًا، فقال: أصلح الله الأمير، إنَّا معاشرَ الفرس، أكلنا الدنيا [أربع مئة سنة -وهذه رواية الواقدي، أما هشام فقال:] أربعة آلاف سنة [وهو الأصح؛ لأنها مدة ملك فارس - أيها الأمير، إنَّا أكلنا الدنيا] بالحلم والوقار، والهَيبة والعقل، وليس فينا كتاب منزَّل (٣)، ولا نبيٌّ مُرْسَل، وكانت الرجالُ عندنا ثلاثة: رجلٌ ميمون النقيبة، أينما توجَّهَ فتحَ الله عليه، ورجلٌ تَمَّتْ مروءتُه وعظم عفوُه، ورجلٌ رَحُبَ صدرُه وبسطَ يدَه. وإن الله جعل أوصاف هؤلاء الثلاثة فيك، فلا نعلمُ أحدًا أتمَّ للملك والرئاسة منك أيها الأمير (٤). إنك ضبطتَ أهل بيتك وحَشَمَك ومواليَك عن الرعيَّة، فليس منهم أحدٌ يستطيع التعدِّي على كبير ولا صغير، وغني وفقير، وبنيتَ الرِّباطات في المفاوز يأوي إليها الفقراء (٥) والغُرباء. ومن يُمْنِ نقيبتك أنك لقيتَ (٦) خاقان في مئة ألف ومعه الحارث بن سُريج أوهذه رواية المدائني: في مئة ألف، وفي رواية هشام: ثلاثين ألفًا] فهزمتَه، وقتلتَ أصحابه، وغنمتَ عسكره.

стр. 5076

ومن يُمْنِ نقيبتك بسطُ يدك في الأموال، فلا ندري (١) أيُّ المالينِ أقرُّ لعينك؛ مالٍ قدم عليك، أم مالٍ خرجَ من يدك، بل أنت بما خرج أقرُّ عينًا وأسمحُ نفسًا (٢). فجزاك الله عن رعيَّتك أفضلَ الجزاء، ووفَّقهم لشكر أياديك، وأدام عليهم نعمتَه، وأسبغ (٣) فضله. [قال المدائني:] فأعجبَ أسدًا كلامُه وقال: أنت خيرُ دهاقيننا، وأحسنُهم هديَّةً. ثم فرَّقَ أسدٌ الهدايا على من كان حاضرًا، فلم يُبق منها شيئًا، ثم قام عن سريره. ومرض بعد أيام، وأفاقَ، فجلس يومًا والناسُ حولَه وخُراسانُ - دهقانُ هَراة - فيهم، فأُهْدِيَ لأسد كُمَّثْرَى، ففرَّقَه على الناس واحدةً واحدة، [ورَمَى إلى خُراسان بواحدة] فانقطعت الدُّبَيلة في جوفه فمات، وكانت وفاتُه في المحرَّم (٤). وقال محمد بن أبي رجاء: مرَّ أسدُ بنُ عبد الله على دِهقان يعذَّب في حبسه بِدَهَقٍ (٥)، فناداه: يا أسد، إن كنتَ تعطي مَنْ يَرحم، فارحَمْ من يُظلم (٦)، إن السماوات لتنفرجُ لدعوة المظلوم، فاحْذَرْ ممن (٧) لا ناصر له إلَّا الله، ولا جُنَّةَ إلَّا الثقة به، ولا سلاحَ إلَّا الابتهالُ إليه، فإنَّه لا يُعجزه شيءٌ، يا أسد، إنَّ البغي مصرعُه وَخِيمٌ، ولا تغترَّ بإبطاء الغِياث من ناصرٍ منى شاء أن يُغيثَ أَغاثَ، وقد أَمْلَى لقومٍ لكي يزدادوا إثمًا، ومَنْ رغبَ عن التمادي فقد نال إحدى الغنيمتبن، ومن خرج عن (٨) السعادة فلا غاية له إلَّا الشقاوة.

стр. 5077

ولما بلغ خالدًا وفاةُ أسد أخيه، بكى بكاءً عظيمًا، وتأسَّف وقال: رحم الله أسدًا، واللهِ ما مشيتُ قطُّ نهارًا إلَّا ومشى خلفي، ولا مشيتُ ليلًا إلَّا ومشى أمامي، ولا علا قطُّ بيتًا أنا تحتَه (١). وقال سليمان بن قتَّة، وكان صديقًا لأسد: سَقَى اللهُ غيثًا (٢) حَزْنَ بَلْخٍ وسَهْلَهَا … ومَرْوَى خُراسانَ السحابَ المُجمَّمَا وما بي لتُسقاهُ ولكنْ لحفرةٍ (٣) … بها غَيَّبُوا شِلْوًا (٤) كريمًا وأعظُما فقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْع حقَّهُ … ويُرْوِي السِّنانَ الزَّاعِبيَّ (٥) المُقَوَّما وقال العبديُّ، ويقال له: ابن عِرْس (٦): نَعَى أسدَ بنَ عبدِ الله ناعٍ … فَرِيعَ القلبُ للمَلِكِ المُطاعِ ببَلْخٍ وافقَ المقدارُ يسري … وما لقضاءِ ربِّك من دِفاعِ فجُودي عينُ بالعَبَراتِ سَحًّا … ألم يُحْزِنْكِ تفريقُ الجِماعِ أتاه حِمامُهُ في جوف نجدٍ (٧) … وكم بالصِّيغ من بَطَلٍ شُجاعِ كتائبُ قد يُجيبون المنادي … على جُرْدٍ مُسَوَّمةٍ سِراعِ سُقِيتَ الغَيثَ إنك كنتَ غَيثًا … مَرِيعًا عند مُرتادِ النَّجاعِ أسند أسدٌ عن أبيه، وعن ابن عفيف الكندي، وروى عنه سَلْم بن قُتيبة الباهليُّ وغيرُه. وقال البخاري: أسدُ بنُ عبد الله القَسْريُّ دمشقيٌّ ثقة (٨).

стр. 5078

وقال هشام: سمع رجل عِباديٌّ (١) نصرانيٌّ قول (٢) سليمان: وقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْعِ حقَّهُ (٣) فقال العِباديُّ: لقد وجدَه الموتُ ليلًا، وما أغنى عنه عِزُّه فتيلًا، وأصبح في التراب حاسرًا مسؤولًا، قد تبرَّأ منه الحميم، ومَلَّهُ الخليلُ والنديم، وصار إلى ربِّ العرش العظيم، يسألُه عما قدَّم، ويحاسبُه على ما اجترم. فبلغ خالدًا قولُه، فأمرَ به فضُرب مئةَ سَوْط، وحلقَ رأسَه ولحيتَه وقال: يا خبيث، ومَنْ لم يذلَّ بالموت؟! فقال العِباديُّ: لو علمتَ أنك تذلُّ بالموت لما صنعتَ بي هذا كلَّه في كلمة ما قصدتُ بها مكروهًا، وأخفرتَ ذِمَّةَ نبيِّك، وظلمتَ رجلًا من رعيَّتك، وقد وكلتُك إلى الله يوم يَعَض الظالم على صديه. فرقَّ له خالد، وأعطاه خمسة آلاف درهم وقال له: حلِّلْني. فقال: أنت في حِلّ (٤). حمَّاد بن أبي سليمان فقيه أهل الكوفة، من الطبقة الثالثة من التابعين. وكان يقرأ في المصحف ودموعُه تبَلُّ الورق (٥). وقيل لإبراهيم النَّخَعيّ: من نسألُ بعدَك؟ قال: حمَّاد بنَ أبي سليمان (٦) وعنه أخذ أبو حنيفة العلم، وهو أوَّلُ من جلسَ في حلقته. وكان أبو حنيفة يقول: ما أُصلي صلاة إلَّا وأترحَّمُ على حمَّاد (٧).

стр. 5079

وقال ابن سعد: كان حمَّاد ضعيفًا في الحديث، واختلط في آخر عمره، وكان كثيرَ الحديث مُرْجئًا (١). سَلْم بن قيس العلويُّ البصريُّ، من الطبقة الثانية، وليس من ولد عليّ بن أبي طالب، وإنما هو من ولد عليِّ بن ثوبان (٢)، كانوا بالبصرة، وأمُّهم فُكيهة (٣)، تزوَّجَها بعد أبيهم عليُّ بنُ مسعود الغسَّانيّ، وإيَّاهم عَنَى أميَّةُ بنُ [أبي] الصَّلْت بقولِه: للهِ دَرُّ بني عليٍّ … أَيِّمٍ (٤) منهم وناكِحْ ويقال: إنما نُسبوا إلى عليِّ بن مسعود زوجِ أمِّهم (٥). وفي رواية الحديث أربعةٌ (٦) يقال لكلِّ واحد منهم: العَلَويّ، وليسوا من ولد عليّ ابن أبي طالب رضوان الله عليه: أحدهم هذا. والثاني: خالد بن يزيد، من ولد عليِّ بن سُوْد (٧). والثالث: جندب بن سرحان (٨)، من بني مدلج.

стр. 5080

والرابع: مديح بن عبد مناة (١). وما عدا هؤلاء ممَّن يقال له: العَلَويّ، منسوب إلى عليِّ بن أبي طالب ﵇. وكانت أشفار عيني سَلْم بيضاء، فينظر إليها، فيظنُّها الهلال، فيقول: قد رأيتُ الهلال، قبل الناس بيومين، فيقول له الحسن البصري: خلِّ بين الناس وبين هلالهم حتى يَرَوْه. أسند سَلْم عن أنس بن مالك، وروى عنه جرير بن حازم، وغيره، وضعَّفه ابنُ المديني، ووثَّقه ابنُ معين، وكانت وفاته بالبصرة في هذه السنة (٢). سليمان بن حبيب أبو ثابت (٣) الداراني الدمشقي المحاربي، من الطبقة الثالثة من التابعين، وكان ثقةً، صدوقًا، قليل الحديث. توفي سنة عشرين ومئة. وقيل: لسنة ستٍّ وعشرين. ويقال له: قاضي الخلفاء، لأنَّه أقام قاضيًا على دمشق ثلاثين سنة، قضى للوليد بن عبد الملك، ولسليمان، ولعُمر بن عبد العزيز ﵁، وليزيد بن عبد الملك، ولهشام. ويقال: إنَّه قضى لعبد الملك، وللوليد بن يزيد على قول من قال: إنه مات سنة ستٍّ وعشرين. أسند عن أنس، وأبي هريرة، ومعاوية، والوليد بن عُبادة بن الصامت، وغيرهم.
следующие страницы →