← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

ومن يُمْنِ نقيبتك بسطُ يدك في الأموال، فلا ندري (١) أيُّ المالينِ أقرُّ لعينك؛ مالٍ قدم عليك، أم مالٍ خرجَ من يدك، بل أنت بما خرج أقرُّ عينًا وأسمحُ نفسًا (٢). فجزاك الله عن رعيَّتك أفضلَ الجزاء، ووفَّقهم لشكر أياديك، وأدام عليهم نعمتَه، وأسبغ (٣) فضله. [قال المدائني:] فأعجبَ أسدًا كلامُه وقال: أنت خيرُ دهاقيننا، وأحسنُهم هديَّةً. ثم فرَّقَ أسدٌ الهدايا على من كان حاضرًا، فلم يُبق منها شيئًا، ثم قام عن سريره. ومرض بعد أيام، وأفاقَ، فجلس يومًا والناسُ حولَه وخُراسانُ - دهقانُ هَراة - فيهم، فأُهْدِيَ لأسد كُمَّثْرَى، ففرَّقَه على الناس واحدةً واحدة، [ورَمَى إلى خُراسان بواحدة] فانقطعت الدُّبَيلة في جوفه فمات، وكانت وفاتُه في المحرَّم (٤). وقال محمد بن أبي رجاء: مرَّ أسدُ بنُ عبد الله على دِهقان يعذَّب في حبسه بِدَهَقٍ (٥)، فناداه: يا أسد، إن كنتَ تعطي مَنْ يَرحم، فارحَمْ من يُظلم (٦)، إن السماوات لتنفرجُ لدعوة المظلوم، فاحْذَرْ ممن (٧) لا ناصر له إلَّا الله، ولا جُنَّةَ إلَّا الثقة به، ولا سلاحَ إلَّا الابتهالُ إليه، فإنَّه لا يُعجزه شيءٌ، يا أسد، إنَّ البغي مصرعُه وَخِيمٌ، ولا تغترَّ بإبطاء الغِياث من ناصرٍ منى شاء أن يُغيثَ أَغاثَ، وقد أَمْلَى لقومٍ لكي يزدادوا إثمًا، ومَنْ رغبَ عن التمادي فقد نال إحدى الغنيمتبن، ومن خرج عن (٨) السعادة فلا غاية له إلَّا الشقاوة.

стр. 5077

ولما بلغ خالدًا وفاةُ أسد أخيه، بكى بكاءً عظيمًا، وتأسَّف وقال: رحم الله أسدًا، واللهِ ما مشيتُ قطُّ نهارًا إلَّا ومشى خلفي، ولا مشيتُ ليلًا إلَّا ومشى أمامي، ولا علا قطُّ بيتًا أنا تحتَه (١). وقال سليمان بن قتَّة، وكان صديقًا لأسد: سَقَى اللهُ غيثًا (٢) حَزْنَ بَلْخٍ وسَهْلَهَا … ومَرْوَى خُراسانَ السحابَ المُجمَّمَا وما بي لتُسقاهُ ولكنْ لحفرةٍ (٣) … بها غَيَّبُوا شِلْوًا (٤) كريمًا وأعظُما فقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْع حقَّهُ … ويُرْوِي السِّنانَ الزَّاعِبيَّ (٥) المُقَوَّما وقال العبديُّ، ويقال له: ابن عِرْس (٦): نَعَى أسدَ بنَ عبدِ الله ناعٍ … فَرِيعَ القلبُ للمَلِكِ المُطاعِ ببَلْخٍ وافقَ المقدارُ يسري … وما لقضاءِ ربِّك من دِفاعِ فجُودي عينُ بالعَبَراتِ سَحًّا … ألم يُحْزِنْكِ تفريقُ الجِماعِ أتاه حِمامُهُ في جوف نجدٍ (٧) … وكم بالصِّيغ من بَطَلٍ شُجاعِ كتائبُ قد يُجيبون المنادي … على جُرْدٍ مُسَوَّمةٍ سِراعِ سُقِيتَ الغَيثَ إنك كنتَ غَيثًا … مَرِيعًا عند مُرتادِ النَّجاعِ أسند أسدٌ عن أبيه، وعن ابن عفيف الكندي، وروى عنه سَلْم بن قُتيبة الباهليُّ وغيرُه. وقال البخاري: أسدُ بنُ عبد الله القَسْريُّ دمشقيٌّ ثقة (٨).

стр. 5078

وقال هشام: سمع رجل عِباديٌّ (١) نصرانيٌّ قول (٢) سليمان: وقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْعِ حقَّهُ (٣) فقال العِباديُّ: لقد وجدَه الموتُ ليلًا، وما أغنى عنه عِزُّه فتيلًا، وأصبح في التراب حاسرًا مسؤولًا، قد تبرَّأ منه الحميم، ومَلَّهُ الخليلُ والنديم، وصار إلى ربِّ العرش العظيم، يسألُه عما قدَّم، ويحاسبُه على ما اجترم. فبلغ خالدًا قولُه، فأمرَ به فضُرب مئةَ سَوْط، وحلقَ رأسَه ولحيتَه وقال: يا خبيث، ومَنْ لم يذلَّ بالموت؟! فقال العِباديُّ: لو علمتَ أنك تذلُّ بالموت لما صنعتَ بي هذا كلَّه في كلمة ما قصدتُ بها مكروهًا، وأخفرتَ ذِمَّةَ نبيِّك، وظلمتَ رجلًا من رعيَّتك، وقد وكلتُك إلى الله يوم يَعَض الظالم على صديه. فرقَّ له خالد، وأعطاه خمسة آلاف درهم وقال له: حلِّلْني. فقال: أنت في حِلّ (٤). حمَّاد بن أبي سليمان فقيه أهل الكوفة، من الطبقة الثالثة من التابعين. وكان يقرأ في المصحف ودموعُه تبَلُّ الورق (٥). وقيل لإبراهيم النَّخَعيّ: من نسألُ بعدَك؟ قال: حمَّاد بنَ أبي سليمان (٦) وعنه أخذ أبو حنيفة العلم، وهو أوَّلُ من جلسَ في حلقته. وكان أبو حنيفة يقول: ما أُصلي صلاة إلَّا وأترحَّمُ على حمَّاد (٧).

стр. 5079

وقال ابن سعد: كان حمَّاد ضعيفًا في الحديث، واختلط في آخر عمره، وكان كثيرَ الحديث مُرْجئًا (١). سَلْم بن قيس العلويُّ البصريُّ، من الطبقة الثانية، وليس من ولد عليّ بن أبي طالب، وإنما هو من ولد عليِّ بن ثوبان (٢)، كانوا بالبصرة، وأمُّهم فُكيهة (٣)، تزوَّجَها بعد أبيهم عليُّ بنُ مسعود الغسَّانيّ، وإيَّاهم عَنَى أميَّةُ بنُ [أبي] الصَّلْت بقولِه: للهِ دَرُّ بني عليٍّ … أَيِّمٍ (٤) منهم وناكِحْ ويقال: إنما نُسبوا إلى عليِّ بن مسعود زوجِ أمِّهم (٥). وفي رواية الحديث أربعةٌ (٦) يقال لكلِّ واحد منهم: العَلَويّ، وليسوا من ولد عليّ ابن أبي طالب رضوان الله عليه: أحدهم هذا. والثاني: خالد بن يزيد، من ولد عليِّ بن سُوْد (٧). والثالث: جندب بن سرحان (٨)، من بني مدلج.

стр. 5080

والرابع: مديح بن عبد مناة (١). وما عدا هؤلاء ممَّن يقال له: العَلَويّ، منسوب إلى عليِّ بن أبي طالب ﵇. وكانت أشفار عيني سَلْم بيضاء، فينظر إليها، فيظنُّها الهلال، فيقول: قد رأيتُ الهلال، قبل الناس بيومين، فيقول له الحسن البصري: خلِّ بين الناس وبين هلالهم حتى يَرَوْه. أسند سَلْم عن أنس بن مالك، وروى عنه جرير بن حازم، وغيره، وضعَّفه ابنُ المديني، ووثَّقه ابنُ معين، وكانت وفاته بالبصرة في هذه السنة (٢). سليمان بن حبيب أبو ثابت (٣) الداراني الدمشقي المحاربي، من الطبقة الثالثة من التابعين، وكان ثقةً، صدوقًا، قليل الحديث. توفي سنة عشرين ومئة. وقيل: لسنة ستٍّ وعشرين. ويقال له: قاضي الخلفاء، لأنَّه أقام قاضيًا على دمشق ثلاثين سنة، قضى للوليد بن عبد الملك، ولسليمان، ولعُمر بن عبد العزيز ﵁، وليزيد بن عبد الملك، ولهشام. ويقال: إنَّه قضى لعبد الملك، وللوليد بن يزيد على قول من قال: إنه مات سنة ستٍّ وعشرين. أسند عن أنس، وأبي هريرة، ومعاوية، والوليد بن عُبادة بن الصامت، وغيرهم.

стр. 5081

وأقام في مدَّة ولايته يقضي بالشاهد واليمين (١). عبد الله بن كثير أبو مَعْبَد القارئ، من أبناء فارس الذين كانوا بصنعاء، وهو أحدُ القرَّاء السبعة. أخذ القراءة عن مجاهد، وقرأ عليه أبو عَمرو بنُ العلاء، وكان ديِّنًا صالحًا (٢). عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان الأنصاري، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة، له رواية بالعلم والسِّيَر والمغازي ومناقبِ الصحابة، وكان ثقةً كثير الحديث. أسند عن أبيه، وأنس بن مالك، وغيرهما، وروى عنه محمد بن إسحاق، وغيره. وقيل: إنه مات سنة تسع وعشرين ومئة، وهو وهم، وليس له عقب (٣). عديّ بن عديّ بن عميرة ابن فروة بن زُرارة (٤) الكندي الحضرمي، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الجزيرة، وليَ القضاء عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁. وكان ثقة إن شاء الله تعالى، ناسكًا، وليَ الجزيرة وأرمينية وأذربيجان لسليمان بن عبد الملك، ويقال له: سيّد أهل الجزيرة، ومات بالجزيرة، وقيل: بالرُّها. ووثَّقه عامَّة الأئمة، وسئل الإمام أحمد ﵁ عنه فقال: لا يُسألُ عن مثل هذا (٥).

стр. 5082

عَمرو بن شُعيب ابن محمد بن عبد الله بن عَمرو بن العاص، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة. كان يُطيل الصلاة بين الظهر والعصر، وقد تكلَّموا فيه (١). مُجَمِّع بن سمعان (٢) أبو حمزة الكوفي التيميّ من الطبقة الثالثة من التابعين، كان ورعًا صالحًا صديقًا لسفيان الثوريّ، وكان سفيان يقول: ليس من عملي (٣) ما أرجو أن لا يَشُوبَه شيء سوى حبِّي (٤) لمجمِّع، وما في الدنيا أورع منه. ودخل سفيان الثوري عليه؛ فإذا في إزار سفيان خرق، فناول مجمِّع سفيانَ أربعةَ دراهم وقال: اشتر إزارًا، فقال سفيان: لا أحتاجُ إليها. فقال مجمِّع: أنا أحتاجُ إلى ذلك. فأخذَها واشترى بها إزارًا، فكان سفيان يقول: كساني مجمِّع جزاه الله خيرًا إزارًا (٥). و [روى ابن أبي الدنيا عن مجمِّع أنه] خرج إلى السوق (٦) ليبيع شاةً، فقال له المشتري: أترضاها لي؟ فقال: لو رضيتُها لنفسي ما بعتُها، قال: وما الذي بها. قال: في لبنها مُلوحة (٧).

стр. 5083

[قال أبو حاتم الرازي:] كان [مجمِّع] مجاب الدعوة (١)؛ دعا الله أن يميته قبل الفتنة، فمات بالكوفة صبيحة اليوم الذي خرج فيه زيد بنُ علي. روى مجمِّع عن ماهان العابد، وروى عنه سفيان الثوريّ، وغيره (٢). محمد بن واسع بن جابر الأزدي البصريّ، أبو عبد الله، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة (٣) من أهل البصرة؛ قال: ومات بعد الحسن بعشر سنين؛ كأنه مات في سنة عشرين ومئة. وقال خليفة: محمد بن واسع من الطبقة الرابعة (٤). ولا يقدَّم عليه أحدٌ في زمانه في الزُّهد والعبادة والورع، وكان الحسن يُسمِّيه زَينَ القُرَّاء (٥). وكان محمد يصوم الدهر ويُخفيه (٦)، ويقول: اللهم إنْ كان أخلقَ وجهي كثرةُ ذنوبي؛ فهبني لمن أحببتَ من خلقِك (٧). وقال سعيد بن عامر: كان بين ابنِ محمدِ بن واسع وبين رجل شيء، فشكاه إلى أبيه، فقال له: وأيُّ شيءٍ أنت؟! واللهِ ما اشتريتُ أمَّك إلَّا بثلاث مئة درهم، وأما أبوك فلا كثَّر اللهُ في المسلمين مثلَه. قال سعيد بن عامر: ونحن نقول: بلى، كثَّر الله في المسلمين مثلَه (٨).

стр. 5084

ولما ثَقُل؛ دخلَ عليه أصحابُه، فجاء هارونُ بنُ رِئاب، فأوسعوا له، فجلس ناحيةً والقوم في تقريظ محمدٍ، ومحمدٌ مغلوبٌ، فأفاقَ، فسمعَ بعضَ قولهم، فقال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ الآية [٤١: الرحمن] إذا جُمع بين ناصيتي وقدمي لا يُغني عني -واللهِ- ما تقولون شيئًا، يا إخوتي، يُذهَبُ بي - واللهِ - عنكم إلى النار، أو يعفو الله عني (١). وروى أبو نُعيم عن موسى بن يسار قال: صحبتُ (٢) محمد بنَ واسع من مكة إلى البصرة، فكان يصلِّي الليل أجمع في المَحْمِل جالسًا يومئُ برأسه إيماءً، وكان يأمرُ الحادي يكونُ خلفَه أَنْ يرفع صوتَه حتى لا يُفطن له، وكان ربَّما عرَّس من الليل، فينزلُ فيصلِّي، فإذا أصبح أيقظَ أصحابَه (٣). [وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده قال: كان محمد بنُ واسع مع قتيبة بن مسلم في جيش، وكان قُتيبة صاحب خُراسان، وكانت التُّرك قد خرجت إليهم، فبعث إلى المسجد لينظر مَنْ فيه، فقيل: ليس فيه غير محمد بن واسع رافعًا أصبُعَة، فقال قُتيبة: أصبُعُه تلك أحبُّ إليَّ من ثلاثين ألفَ عِنان (٤). وروى أحمد الدورقيّ عن أبي أحمد المرُّوذي عن عليّ بن بكَّار، عن محمد قال: كان محمد. وذكره. وقد رواه الدورقيّ من وجه آخر] عن عبد الواحد بن زيد [قال:] خرج محمد (٥) بن واسع في غَزاة مع قُتيبة، وقد لقيَ التُّركَ في يوم لا يُرى فيه إلَّا الرؤوس طائرةً، فقال

стр. 5085

قتيبة [بن مسلم]: انظروا إلى (١) محمد بن واسع. فنظروا؛ وإذا به في طرف الميمنة رافعًا أصبُعَهُ إلى السماء، فأخبروا قُتيبة، فقال: تلك الأصبع الفاردة (٢) أحبُّ إليَّ من مئة ألف سيف شهير، وسِنانٍ طَرِير (٣). ثم قال: لا يُخذل جيشٌ فيه محمد بن واسع، احملُوا على بركة الله. فحملُوا، فانهزمت التُّرك. [قال الجوهري: شَهَرَ سيفَه يَشْهَرُه شَهْرًا، أي: سَلَّهُ. والطَّرِير: ذو الرُّواء والمنظر. وروى ابنُ أبي الدنيا عن عِلْجَةٍ كانت في دار محمد بن واسع أنها كانت تقول كلماتٍ بالأعجمية؛ معناها: هذا رجلٌ إذا جاء الليل؛ لو كان قتل أهل الدُّنيا ما زاد (٤). وروى ابنُ أبي الدُّنيا] عن مطر الوَّراق قال: ما اشتهيتُ (٥) أن أبكيَ قَطُّ إلا نظرتُ إلى وجه محمد بن واسع، فأبكي حتى أشتفيَ، كأنه ثَكِلَ عشرةً من الحُزْن. وروى أبو نُعيم عنه أنه كان يقول: لو كان (٦) للذنوب رائحة ما قدرتُم أن تدنُوا منّي من نَتَن ريحي. وروى أيضًا عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: رأيتُ في يد محمد (٧) بن واسع قَرْحة، فاغتممتُ، فقال: أتدري ما للهِ عليَّ في هذه القَرْحةِ من نعمةٍ حيثُ لم يجعلها على طرف ذكري، أو لساني، أو على حدقتي.

стр. 5086

وقال ابنُ شَوْذَب: فرَّق أميرٌ بالبصرة (١) مالًا، فبعث إلى مالك بنِ دينار منه فقبلَ، فأتى محمد بنُ واسع، فقال له: يا مالك، قبلتَ جوائزَ السلطان؟! [فقال: يا أبا بكر (٢)، سَلْ جلسائي، فقالوا: يا أبا بكر] اشتَرَى بها رقابًا فأعتقَهم. فقال له محمد: أنشدك الله، أقَلْبُكَ الساعةَ له على ما كان قبل أَن يُجيزك؟ قال: اللهمَّ لا. قال: ترى أيُّ شيء دخلَ عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما يعبد اللهَ مثلُ محمد بنِ واسع، أمَّا مالك فإنَّه حمار. ومرض محمد، فجاء يحيى البكَّاء يستأذنُ عليه، فقالوا: يحيى البكَّاء، فقال محمد: إن شرَّ أيامكم يومَ نُسبتُم فيه إلى البكاء (٣). [وفي رواية أبي نُعيم عن محمد أنه قال:] إن كان الرجلُ ليبكي عشرين سنةً وامرأتُه معه لا تعلم به (٤). وكان يقول: ما آسى من الدُّنيا على شيء إلَّا على صاحب (٥) إذا اعْوَجَجْتُ قوَّمَني، أو قوتٍ من الدنيا ليس لأحد فيه منَّة، ولا للهِ على فيه تبعة (٦). [وروى ابن أبي الدنيا عنه لما احتُضر بكى وقال لأصحابه: إخوتي، أتدرون إلى أين يُذْهب بي؟ واللهِ الذي لا إله إلَّا هو إلى النار، أو يعفو عني] (٧).

стр. 5087

أسند محمد عن أنس بن مالك، والحسن، وابن سيرين، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومُطرِّف بن الشِّخِّير، ومحمد بن المنكدر، وأبي بُرْدة، وعطاء، وطاوس، وعُبيد بن عمير، وغيرهم (١). وروى عنه حمَّاد بنُ سَلَمة، وهشام بن حسان، ومَعْمَر، وحمَّاد بنُ زيد في آخرين. وقدم الشام زائرًا بيتَ المقدس. وقال عبد الواحد بن زيد (٢): خرجتُ مع محمد بن واسع إلى الشام ومعنا مالك بن دينار نؤمُّ بيت المقدس، فلما كنا بين الرُّصافة وحمص سَمِعْنا مناديًا ينادي من تلك الرِّمال: يا محفوظ، يا مستور، اعْقِلْ في ستر مَنْ أنت، فإن كنت لا تعقل؛ فاحذر الدنيا، وإنْ كنتَ لا تُحسنُ أن تحذرَها؛ فاجْعَلْها شوكةً، وانظر أين تضعُ قدمك منها. وقال مالك: رأيتُ محمد بنَ واسع ومحمد بنَ سيرين في المنام وهما في الجنة، فقلت: فأين الحسن؟ قالا: عند سِدْرَةِ المُنْتَهى (٣). وقال وكيع: أريد محمد بنُ واسع على القضاء فامتنع، فقالت له زوجتُه: لك عيالٌ ونحن في ضائقة. فقال: ما دُمْتِ تَرَينِي أصبرُ على الخَلِّ والبَقْل فلا تطمعي في هذا منّي (٤). وقال القُشَيريُّ: قال بعضُهم: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وإذا بقائلٍ يقول: أدخِلُوا محمد بنَ واسع ومالك بنَ دينار الجنة، فنظرتُ أيُّهما يُقدَّم، فتقدَّم محمد بنُ واسع، وتأخَّر مالك [بن دينار، ودخلا الجنة]. فقلت: ما السببُ؟ فقيل لي: إنّه كان لمحمد قميصٌ واحد، ولمالك قميصان (٥).

стр. 5088

أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزم الأنصاريّ الخزرجيّ، اسمُه أبو بكر، وكنيتُه أبو محمد، وأمُّهُ كَبْشَة (١) بنتُ عبد الرحمن بن سعد، أنصاريَّة. وأبو بكر من الطبقة الثالثة من أهل المدينة [وخالتُه عَمرة بنت عبد الرحمن التي روت عن عائشة، وقد ذكرناها]. وولَّاه عمر بن عبد العزيز ﵁ قضاء المدينة في إمارته عليها، فلما وليَ عمرُ الخلافة ولَّاه إمرةَ المدينة (٢) فكان يصلي بالناس ويتولَّى أمرَهم. ولم يَطْلُعْ على منبر رسول الله ﷺ بسيفٍ قطّ، وكان يخلعُ نعليه إذا أراد صعود المنبر (٣). وقال عطَّاف بن خالد عن أمه قالت: قالت زوجة أبي بكر: ما اضطجع (٤) على فراش بالليل منذ أربعين سنة. وكان السجود قد أكلَ جبهتَه وأنفَه (٥). [قال خليفة]: وحجَّ بالناس سنة ستٍّ وتسعين، وسنة تسع وتسعين، وسنة مئة، كان أميرًا على الموسم (٦). وكانت وفاته بالمدينة في هذه السنة (٧) وهو ابن أربع وثمانين سنة.

стр. 5089

[وقال ابن سعد:] وكان ثقةً كثير الحديث. [ولم يذكر له رواية. وقال أبو القاسم ابن عساكر: أسند أبو بكر الحديث عن خالته عَمْرة عن عائشة، وعن عُمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وغيرهم.] (١) وكان له من الولد عبدُ الله؛ مات سنة ثلاثين ومئة، ومحمد، وعبد الرحمن، وأمُّهم فاطمة بنت عُمارة، أنصارية (٢)، وأَمَةُ الرحمن؛ لأمِّ ولد، وأبو بكر وهو اسمه (٣). أبو نَضْرة المنذرُ بنُ مالك ابن عبد القيس، من الطبقة الثانية من أهل البصرة. وكان ثقة إن شاء الله، كثيرَ الحديث، وليس كلُّ أحدٍ يَحتجُّ به. وقيل: إن وفاته كانت في زمن الحسن، وأنَّ الحسن صلَّى عليه (٤) السنة الحادية والعشرون بعد المئة وفيها غزا نَصْرُ بنُ سيَّار ما وراء النهر، وقتلَ كورصول، وكان ملكًا. قال علماء السير: كان نصر قد غزا ما وراء النهر مرارًا، فلما كان في الثالثة، أراد غزو الشاش، فحال بينه (٥) وبين قطع نهر الشاش كورصول، فكانت بينهم مُراماة بالنُّشَّاب،

стр. 5090

وجاء الحارث بن سُريج -وكان بأرض التُّرك- فانضمَّ إلى كورصول، وجلس نصر يتوضَّأ على [جانب النهر - وقيل: كان على] سريره - ووصيفٌ له يصبُّ على يديه [الماء] فقصده الحارث [بن سُريج] بسهم، فأصاب وجهَ الوصيف، فتحوَّل نصر من سريره. فلما كان في الليل قطع كورصول النهرَ في نفر يسير، فبيَّتَ (١) أهلَ العسكر، وظنَّ أهلُ العسكر أن التُّرك قد عَبَرُوا كلُّهم، فساقَ كورصول شاءَ العسكر (٢) ودوابَّهم، فخرج عاصم بنُ عُمير وهو على خيل سمرقند (٣)، وتبعَهم، فأسرَ كورصول، وجاءَ به إلى نَصر [فإذا هو] شيخُ كبير، فقال: من هذا؟ فقال بعضهم: هذا صاحبُ أربعة آلاف قبَّة، فقال نصر: اقتلوه. فقال له: وما ينفعُك قتلُ شيخ كبير؟ أنا أفدي نفسي بألف بُخْتيّ (٤) وألفِ بِرْذَوْن. فاستشار نصر من حولَه من أهل الشام وأهل خراسان فقالوا: وما يجدي علينا قتلُه؟ خُذْ منه ما بذلَ نتقوَّى به على الكفَّار. فقال له: كم سِنُّك؟ قال: لا أدري. قال: كم غزوتَ غزوةً؟ قال: اثنتين وسبعين غزوةً. قال: أشهدتَ يومَ العطش؟ قال: نعم. قال: واللهِ لو بذلتَ لي ما طلعَتْ عليه الشمس ما تركتُك تغزو في المسلمين بعدَها. ثم صلبه على شاطئ النهر، فلما نظر إليه التُّرك مرَّغُوا خدودَهم على التراب، وقطعوا آذانهم، وجعلوا يصرخون، وجاؤوا بآنيته (٥) فأحرقوها. ولما أراد نصر الرحلةَ؛ أمر به فأُحرق لئلا يعبروا فيأخذوا عظامَه، فكان ذلك أشدَّ عليهم من قتله (٦). ثم سار نصر إلى الشَّاش (٧)، فسبى ثلاثين ألفًا، وجاءه كتاب يوسف بن عمر: سِرْ إلى هذا الغارسِ ذنبَه في الشاش -يشير إلى الحارث بن سُرَيج- أينما كان. فاستشار

стр. 5091

أصحابه فتوقَّفوا، فقال يحيى بن حُضَيْن -وهو الذي خالف عاصمًا في نوبة (١) الحارث بن سُريج وقال: هذا عزلُ الخليفة (٢) -: يا نصر، سِرْ بنا إلى الحارث. فقال له نصر: إنك تكلَّمتَ في أيام عاصم بكلمة ارتفعتَ بها عند الخليفة، وزِيدَ في عطائك، وبلَغْتَ الدرجة الرفيعة، فقلتَ: أقولُ مثلَها لَعَلِّي أحظى، سِرْ في المقدِّمة فقد ولَّيتُك قتال الحارث. فسار إلى الحارث، فلم يظفر منه بشيء، ومضى الحارثُ في أهل الشاش والتُّرك (٣). وأقبل نصر فنزل سَمَرْقَند، ثم عاد فقصد الشَّاش، وكان ملكها يقال له: بدر (٤)، فصالح نصرًا على الجزية، وشرط عليه إخراجَ الحارث من بلده، فأخرجَه إلى فارياب (٥) ثم سار (٦) نصر إلى فَرْغَانة. ذكر صلحه مع ملكها: قال سليمان بن صُول: لما نزل نصر أرض فَرْغانة دعاني، فقال: اذهب إلى صاحب فَرْغَانة، وانظر ما يرى (٧) في حديث الصُّلح. قال سليمان: فلما قدمتُ على الملك قال: اذهبوا به إلى الخزائن والسلاح والعساكر (٨) ليرى ما أعددتُ لهم. قال سليمان: فرأيتُ سلاحًا كثيرًا وأموالًا ورجالًا، فلما رجعت إليه قال: كيف رأيت؟ قلت: رأيتُ عُدَّةً حسنة، ولكنَّ المحصورَ لا يَسْلَمُ من خصال، قال: وما هنَّ؟ قلت: لا يأمنُ أقربَ الناس إليه وأوثقَهم في نفسه أن يثبَ عليه، فيتقرَّبَ به، أو يفنى ما قد جمع فيسلِّم إلى

стр. 5092

خصمه، أو يصيبه (١) داء فيهلك. فقال: قم حتى ننظر. فقمتُ، وفكَّر، فرأى الصُّلْحَ خيرًا. فدعاني وأجابَ إلى الصُّلح، وأحسنَ جائزتي، وبعث معي أمَّه، وكانت صاحبةَ أمرِه. [قال:] وقدمتُ على نصر، فلما رآني؛ سُرَّ بالصُّلح وقال: أنت كما قال [الأول]: فأرسِلْ (٢) حكيمًا ولا تُوصِهِ. وأخبرتُه، فدعا لي (٣)، وأذنَ لأمِّه، فدخَلَتْ عليه، فأكرمَها، وبين يديها ترجمان يعبِّر عنها، فكان في (٤) جملة ما قالت: كلُّ مَلِكَ لا يكون عنده ستةُ أشياء فليس بمَلِك: وزيرٌ عاقلٌ يُشاورُه في أمره ويثقُ به، وطبَّاخٌ إذا لم يشتهِ الطعام (٥) اتَّخَذَ له ما يشتهي، وزوجةٌ إذا دخلَ عليها مغتمًّا، فنظر إلى وجهها ذهبَ غمُّه، وحصنٌ إذا فزع إليه نجَّاه -وقيل: إنها أرادت بالحصن الفرس السابق (٦) - وسيفٌ إذا قارعَ الأقران لم يخشَ خيانتَه، وذخيرةٌ إذا حملَها فأينما كان (٧) من الأرض عاش بها. ودخل تميم بن نصر بن سيار فقالت: مَنْ هذا؟ قال: تميم بن نصر. فقالت: ما له نُبلُ الكبار، ولا حلاوة الصِّغار. ثم دخل الحجَّاج بن قتيبة بن مسلم، فقالت: مَنْ هذا؟ قال: الحجَّاج بن قتيبة. [قال:] فحيَّتْه وسألت عنه وقالت: يا معشر (٨) العرب، ما لكم وفاء، ولا يصلح بعضُكم لبعض، قُتيبةُ هو الذي وطَّأَ لكم البلاد، وذلَّل ما أرى، وهذا ولدُه تُقعده دون مجلسك، فحقُّك يا نصر أنْ تُقعده مكانَك، وتجلسَ دونه.

стр. 5093

ثم قامت وخرجت، وبعثَ إليها نصر بالصِّلات والتُّحَف، وسار معها سليمان بن صول إلى ابنها، وتقرَّر الصلح، وانهزم الحارث إلى بلاد التُّرك والفارياب (١)، وعاد نصر إلى مَرْو (٢). وفيها خرج زيد بنُ عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇. واختلفوا في سبب خروجه على أقوال: فقال أبو مِخْنَف: كان أوَّلُ أمره أنَّ يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ ادَّعَى مالًا قِبَلَ زيد (٣) بن عليّ، ومحمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب، وداود بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس، وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، وأيوب بن سَلَمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. فكتبَ يوسف بن عمر إلى هشام في ذلك، وهشام بالرُّصافة يومئذ، وعنده زيد بنُ عليّ، والحسنُ بنُ الحسن بن علي؛ ارتفعا إليه في صدقة رسول الله ﷺ (٤)، ومحمد بنُ عمر بن عليّ بن أبي طالب يومئذٍ مع زيد بن علي، فلما وقف هشام على كتاب يوسف ذكرَ لهم ذلك، فأنكروا، فقال هشام: فأَنَا باعثٌ بكم إلى يوسف لتُقابلوا يزيد بنَ خالد، فقال له زبد: أنشدك الله والرحم أن تبعث بي إلى يوسف، فإنني أخافُ أن يتعدَّى عليَّ. فقال هشام: ليس له ذلك. وكتب إليه: إذا قدم عليك فلان وفلان فاجْمَعْ بينهم وبين يزيد بن خالد، فإنْ أقرُّوا بما ادَّعى عليهم فسَرِّحْهم إليَّ، وإنْ أنكروا فسله البيِّنة، فإنْ لم يُقم البيِّنة، فاستَحْلِفْهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلَّا هو ما استودعكم يزيد بن خالد القسريّ وديعة، ولا له قبلكم شيء (٥). ثم خلِّ سبيلَهم.

стр. 5094

وبعث بهم، واحتبسَ أيوبَ بنَ سلمة عنده؛ لأنه كان من أخواله (١)، فلم يؤخذ بشيء من ذلك. فلما قدموا على يوسف أكرمهم، وأجلسَ زيدًا قريبًا منه، وألطفَ (٢) في المسألة، فأنكروا. وأحضرَ يزيدَ بنَ خالد وقال: هؤلاء الذين ادَّعَيتَ عليهم المال قد حضروا. فقال: ما لي عندهم قليل ولا كثير. فغضب يوسف وقال: أَبِي تهزأُ، أم بأمير المؤمنين؟! ثم عذَّبه عذابًا ظُنَّ أنه قتلَه. وأخرجهم إلى المسجد، فاستحلفَهم، فحلفوا له، فخلَّى عنهم، فساروا إلى المدينة، وأقام زيد بالكوفة (٣). وقال الهيثم (٤): قدم زيدُ بنُ علي، ومحمد بنُ عمر بنِ علي، وداودُ بنُ علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله القَسْريّ العراقَ، فأجازَهم، ورجعوا إلى المدينة، فلما عُزل خالد ووليَ يوسفُ العراقَ؛ كتب إلى هشام يُخبوه بقدومهم على خالد، وأنه أجازَهم، وأن خالدًا ابتاعَ من زيد أرضًا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ولم يقبض الأرض، ودفعَ إليه المال. فكتب هشام إلى عامله بالمدينة أن يُسرِّحهم إليه، فلما قدموا على هشام، سألهم، فأقرُّوا بالجائزة، وأنكروا ما سواها. وسألَ زيدًا عن الأرض، فأنكرها وحلفوا لهشام فصدَّقَهم (٥). وقيل: إن زيدًا إنما قدم على هشام مخاصمًا لابن عِمِّه عبدِ الله بنِ حسن بنِ حسن بن عليٍّ في ولاية وقوف عليّ بن أبي طالب، وكانا تنازعا قبل ذلك إلى خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم والي المدينة، فتنازعا، فأغلظَ عبدُ الله لزيد، وقال له: يا ابنَ الهندكيَّة. فقال زيد: أجل، واللهِ لقد صبرَتْ بعد وفاة سيِّدها، فما تعتَّبَتْ بابها إذ لم يصبر غيرُها. أشار إلى عمَّته فاطمة بنت الحسين أمِّ عبد الله.

стр. 5095

ثم ندم زيد، واستحيا من عمَّته، فلم يدخل عليها زمانًا، فأرسلَتْ إليه: يا ابنَ أخي، إني لأعلم أنَّ أمَّك عندك كأمِّ عبد الله عنده. وقالت لابنها عبد الله: بئس ما قلتَ لأمِّ زيد، واللهِ لنِعْمَ دخيلةُ القوم كانت (١). وقال لهما خالد بن عبد الملك: اغْدُوا عليَّ لأفصلَ (٢) بينكما. واجتمع (٣) الناس، وجرت منازعات أفضَتْ إلى ما لا يليق. فخرج زيد إلى هشام بن عبد الملك (٤). وقيل: إن الذي ادَّعى بالمال خالدُ بنُ عبد الله؛ قال عطاء بن مسلم: لمَّا قدم زيد على يوسف قال له: إن خالدًا زعم أنه أودعك مالًا، فقال: أَنَّى يُودِعُني مالًا وهو يشتم آبائي على منبره! فأحضر خالدًا في عباءة وقال: زعمتَ أنك أودعتَ زيدًا مالًا وهذا زيدٌ يُنكر. فقال له خالد: أتريد أن تجمع مع إثمك فيَّ إثمًا في هذا؟! كيف أُودِعُه مالًا، وأنا أشتُمُهُ وأباه على المنبر؟! فشتمَه يوسف وردَّه إلى حبسه (٥). وقال أبو عُبيدة (٦): لمَّا جمع يوسفُ بينهم وبين خالد؛ قالوا له: يا خالد، ما دعاك إلى ما صنعتَ؟ فقال: غلَّظ عليَّ يوسفُ العذاب، فادَّعيتُ ما ادَّعيتُ، وأمَّلْتُ أن يأتيَ اللهُ بالفرج قبل قدومكم. فأَطلقَهم [يوسف]، فمضَوا إلى المدينة، وتخلَّفَ زيد وداود بالكوفة (٧). وقال ابن سعد: دخل زيد بنُ عليّ على هشام بن عبد الملك، فرفعَ إليه دَينًا كثيرًا وحوائج، فلم يقض له حاجة، وتهجَّمه (٨)، وأسمعَه كلامًا شديدًا.

стр. 5096

قال سالم مولى هشام وحاجبُه: فخرج زيد وهو يَفْتِلُ شارَبه [ويقول:] ما أَحَبَّ أحدٌ الحياة قطّ إلَّا ذَلَّ. ثم مضى، فكان وجهُه إلى الكوفة، فخرج بها. فأخبرتُ هشامًا بعد ذلك بما قال زيد يومَ خرجَ من عنده، فقال: ثكلَتْك أمُّك! ألا أخبرتَني بذلك قبل اليوم؟! وما كان دَينُه؟ قلت: خمس مئة ألف درهم. فقال هشام: إنَّ عطاءنا له ذلك أهونُ علينا ممَّا صارَ إليه (١). وقال عُمر بن شبَّة: لما دخلَ زيدٌ على هشام وكان يكرهُه، فقال له: بلغني أنك تذكرُ الخلافة وتتمنَّاها، ولستَ هناك. قال: ولمَ؟ قال: لأنك ابنُ أَمَة. فقال له زيد: ليس عند الله أعلى منزلةً من نبيّ ابتعثَه، وقد كان إسماعيلُ ﵇ ابنَ أَمَة، وخرجَ من ظهره سيِّدُ الأنبياء، وكان أخوه إسحاق ابنَ حُرَّة، فأخرجَ الله مِنْ ظهره من مَسَخَهُ خنازير وقردة. فقال هشام: اخرجْ. فخرج وهو يقول: واللهِ لا رأيتَني بعد اليوم إلَّا حيثُ تكره. فقال له سالم مولى هشام: يا أبا الحُسين (٢)، لا يظهرنَّ هذا منك. وقال هشام: واللهِ لانبئنا خبر (٣) قبل خلعه إيَّانا (٤). فخرج إلى الكوفة فكان كما قال. وقال هشام بن محمد: لمَّا أقام زيد بالكوفة جعلت الشيعة تختلف إليه ويقولون: إنَّا لنرجو أن تكون المهديّ (٥)، وأنَّ اللهَ يُهلك بني أمية على يدك (٦). [وجعل] يوسف بن عمر يسألُ عنه، فيقال (٧): هو ها هنا، فيرسل إليه [أن] (٨) اخْرُجْ إلى المدينة. وهو يعتلُّ عليه.

стр. 5097

فأقام سبعة أو ثمانية أشهر، فبعثَ فأخرجَه، وبعثَ معه من أشخصَه إلى القادسية أو إلى العُذيب، فتبعَتْه الشيعة وقالوا: إلى أين تذهب ومعك منَّا مئة ألف مقاتل يضربون دونك بأسيافهم؟ فقال له داود بنُ علي: يا ابن عمّ، لا يَغُرَّنَّك هؤلاء من نفسك، فقد رأيتَ ما فعلوا بأهل بيتك، قد خلَّوا من كان أعزَّ عليهم منك؛ خذلُوا جدَّك عليًّا حتى قُتل، والحسنَ بعده، ثم قتلوا الحُسين وإخوته وأعمامَك، وسَبَوْا أهلَك، وإني خائف واللهِ إن رجعتَ معهم أن لا يكون عليك أشدَّ منهم (١). وقال عطاء بن مسلم: كتب هشام إلى يوسف أن أَشْخِصْ زيدًا إلى بلده، فإنه لا يقيمُ ببلد غيره فيدعوهم إلَّا أجابوه. فأشخَصَه، فلما كان في الثعلبية أو القادسية؛ لحقه المشائيم (٢) -يعني أهل الكوفة- فردُّوه وبايعوه، فأتاه سَلَمةُ بنُ كُهيل، فقال له: كم بايع جدَّك منهم (٣)؟ قال: أربعون ألفًا. قال: فكلم بايع عليًّا (٤). قال: ثمانون ألفًا. قال: فكم معك (٥)؟ قال: ثلاث مئة. قال: نشدتُك الله، أنتَ خير أم جذُك؟ قال: جذي. قال: فأنتَ خيرٌ أم أميرُ المؤمنين؟ قال: أمير المؤمنين (٦). قال: أفَقَرْنُك الذي خرجتَ فيه خيرٌ أم القرنُ الذي خرج فيه جدُّك؟ قال: ذلك القرن. فقال: أتطمع أن يفيَ لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدِّك وبأبيه (٧)؛! قال: فإنهم قد بايعوني، ووجبت البيعةُ في عنقي وأعناقهم. قال: أفتأذنُ لي أن أخرجَ من البلد؟ قال: ولمَ؟ قال: لأنني لا آمنُ أن يحدثَ في أمرك حَدَثٌ، فلا أملكُ نفسي. فأَذِنَ له، فخرج من البلد إلى اليمامة، وقُتل زيد بعد ذلك (٨).

стр. 5098

وقيل: كتب هشام إلى يوسف بن عمر لما فصل عنه زيد: أما بعد، فقد قدم زيدُ بنُ عليّ الكوفة وهو رجلٌ لَسِنٌ قادرٌ على صناعة (١) الكلام، واجتلاب القلوب بحلاوة لسانه وكثرة مخارجه في حُججه، وما يُدِلُّ (٢) به عند لَدَدِ الخصام من السطوة على الخصم لنَيل (٣) الفَلْج (٤) بحجَّته، فأشْخِصْه عاجلًا إلى الحجاز، ولا تُمكِّنْه من المُقام (٥) بالكوفة، فإنه إنْ أعاره أهلُها أسماعَهم، فحشاها من لين لفظه، وحلاوةِ منطقِه، مع ما يُدِلُّ (٦) من القَرابة برسول الله ﷺ ، وجَدَهم مائلين إليه غير متَّئدةٍ قلوبُهم، ولا ساكنةٍ أحلامُهم (٧)، وحَقْنُ (٨) دمائهم والأمنُ من الفُرقة أحبُّ إليَّ من سفك دمائهم، وتفريقِ الكلمة، وقطعِ السُّبُل، والجماعةُ حَبْلُ الله المتينُ وعروتُه الوُثْقى، فأَوْعِدْ أشرافَ المِصْرِ بالعقوبة واستصفاء الأموال، وأوْقِعْ بأهل السَّوَاد، فأولئك من يختار الفتنة، ولا يغرَّنَّكم (٩) كثرتُهم، واجعل حصنك الذي تأوي إليه الثقةَ بالله، والمحاماةَ عن دينه (١٠). قال هشام: ورجع زيد من القادسية، فاختفى بالكوفة، وبايعَه خمسةَ عشرَ ألفًا، وبعث إلى أهل السَّوَاد، فبايعوه. وتزوَّج امرأتين بالكوفة، إحداهما ابنة يعقوب بن عبد الله السُّلَمي، والثانية ابنة عبد الله [بن أبي العنبس] الأزدي، وأمُّها أمُّ عَمرو بنت الصَّلْت، كانت شيعيَّة، فبلغها مكانُ زيد، فأتت مُسَلِّمةً عليه، وكانت امرأة جميلةً إلَّا أنَّها قد أَسَنَّتْ، فسلَّمت على

стр. 5099

زيد، فأعجبَتْه، فسألها أن يتزوَّجَها، فقالت: إني امرأة قد طعنتُ في السّنّ، فقال: وقد رضِيتُ. فقالت: أنا أعلمُ بنفسي، ولو كنتُ متزوِّجةً ما عدلتُ بك أحدًا، ولكن لي ابنةٌ هي أوسمُ منّي وأجمل. فتزوَّجَها، فأولدَها جارية، ثم توفيّت. وكان زيد ينتقل من البصرة إلى الكوفة إلى السَّواد، ومرَّة ينزل الكوفة في دُور أصهاره الأزْديِّين والسُّلَميِّين والقبائل، فأقام من سنة عشرين حتى قُتل في سنة اثنين وعشرين ومئة، ويوسف بالحِيرة. وكانت بيعتُه على كتاب الله، وسنَّة رسوله، وجهادِ الظالمين، والدَّفعِ عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، ونُصرة المظلومين، وما أشبه ذلك. فأقام بضعةَ عشرَ شهرًا، وقيل: سنتين، ثم أمرَ أصحابه بالتهيؤ للخروج، فأقاموا يستعدُّون ويتأهَّبُون (١). وفيها غزا مروان بن محمد بلاد صاحبِ سريرِ الذهب، وبابَ الأبواب، فأخربَ بلاده، وفتحَ حصونَه، وأعطاه الجزية كلَّ سنة ستة آلاف (٢) رأس، ومن الأموال ما لا يحصى (٣). وفيها أوفد يوسفُ بنُ عُمر خالدَ بنَ صفوان بن الأهتم على هشام بن عبد الملك، فوعظَه موعظةً بالغة. قال خالد: قدمتُ على هشام وقد خرجَ بأهله وحَشَمِهِ، فنزل في أرض قاع صَحْصَاح (٤) في عامٍ بَكَّرَ [وَسْمِيُّه، وتتابعَ وَلِيُّه (٥)، وأخذتِ الأرضُ زُخْرُفَها من نُوَّارٍ (٦)

стр. 5100

مُزْهِر، وربيعٍ مُونِق (١)، فهو أحسنُ منظرًا في صعيد كأنَّ ترابَه قِطَعُ الكافور، وقد ضُرب له فُسطاط فيه أربعةُ فُرُش من خَزّ أحمر، وعليه دُرَّاعةٌ (٢) حمراء، وعِمامةٌ حمراء من خَزّ، وقد أخذَ الناسُ مجالسَهم، فأخرجتُ رأسي من ناحية السِّماط (٣)، فنظرَ إليَّ كالمستنطق لي، فقلت: أتمَّ اللهُ عليك النعمة، وألهمَك الشُّكْر، وجعلَ ما قَلَّدَك من هذا الأمر رَشَدًا، وعاقبةَ ما تؤولُ إليه حَمْدًا يُخلصُه لك بالتُّقَى، فيدومُ لك بغير كَدَر عليك فيه، فقد أصْبَحْتَ للمسلمين ثقةً، ومُستراحًا يستريحون إليك في أمورهم، فجعلني الله فداك، ولقد منَّ الله عليَّ بالنظر إليك، وما أجدُ يا أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من حديثِ مَنْ سلفَ قبلَك من الملوك، ذلك هديَّة على ما أولى الله من الاجتماع بك، وكيف جعلني الله أهلًا لذلك (٤)، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يسمعَ مني ذلك أخبرتُه. قال: وكان هشام متَّكئًا، فاستوى جالسًا وقال: هاتِ يا ابنَ الأهتم. فقلت: إن ملكًا ممَّن كان قبلك خرج في عام مثلِ عامِنا هذا إلى الخَوَرْنَق والسَّدِير (٥)، فنظر فأبعد النظر، فقال لجلسائه: هل رأيتُم مثلَ ما أنا فيه؟ قال: وعنده رجلٌ من بقايا حَمَلَةِ الحُجَّة على أدب الله ومنهاجه، ولن تخلوَ الأرضُ من قائمٍ للهِ بحُجَّة. وذكرَ ابنُ الأهتم الموعظة التي ذكرناها في باب ملوك الحِيرة، وأنَّ ملكَ الخَوَرْنق والسَّدِير تزهَّد. وأنشدَ أبياتَ عديّ بن زيد العِباديّ التي أوَّلها: أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْـ … ــرِ أَأَنتَ المُخَلَّدُ المَوْفُورُ

стр. 5101

قال: فبكى هشام حتى أخْضَلَ لحيتَه، وبلَّ عِمامتَه، وأمرَ بنزع آنيته، وانفرد عن أهله وحشمه، وعاد إلى مصره. قال خالد: فاجتمع إليَّ حاشيتُه وخدمُه وقالوا: كدَّرْتَ على أمير المؤمنين لَذَّتَه، ونَغَّصْتَ عليه مأدُبتَه! فقلت: إليكم عنّي، فإني عاهدتُ الله أن لا أخلوَ بملكٍ إلَّا ذكَّرْتُه بأيَّام الله تعالى (١). وخالدُ بنُ صفوان بن الأهتم من بني تميم، واسمُ جدِّه الأهتم عبدُ الله بن سنان بن سُمَيّ (٢) بن سِنان بن مِنْقَر، وإنما لُقِّب بالأهتم لأن قيس بن عاصم (٣) ضربَه بقوس، فهتمَ فاه (٤). وكان صفوان رئيس بني تميم، وكان خطيبًا، وأوصى عند وفاته بمئة وعشرين ألف درهم، وحضره الحسن البصري فقال (٥): ما هذه؟ فقال صفوان: أعددتُها لعضِّ الزمان، وجفوةِ السلطان، وإعراض الإخوان. فقال الحسن: خلَّفْتَها لمن لا يحمدك، وتَقْدَمُ على من لا يعذُرُك. وكان خالد من فصحاء العرب، وكان شحيحًا، طلب منه رجلٌ شيئًا، فأعطاه درهمًا، فقال: أما تستحيي تُعطيني درهمًا؟! فقال خالد: يا أحمق، الدرهمُ عُشْرُ العَشَرة، والعَشَرةُ عُشْرُ المئة، والمئة عُشْرُ الألف، والألف عُشْر العَشَرَة آلاف (٦).

стр. 5102

وقال خالد بنُ صفوان لعمرو بن عبيد: لِمَ لا تأخذُ مني؟ فقال: ما أخذَ أحدٌ من أحدٍ شيئًا إلَّا ذلَّ له، وأنا أكرهُ أن أَذِلَّ لك (١). وتفاخرَ الأبرش الكلبيّ وخالد بين يدي هشام بن عبد الملك، فقال الأبرش: لنا رُبْع البيت -يريد الرُّكنَ اليمانيّ- ومنَّا حاتم الطائيّ، والمُهَلَّبُ بنُ أبي صُفْرة. فقال خالد: منَّا النبيُّ المُرسل، ولنا الكتابُ المُنزل، ولنا الخليفةُ المؤمَّل. فقال الأبرش: لا فاخرتُ مُضَريًّا بعد اليوم (٢). ووفد على هشام قومٌ من اليمن من كلب، ففخروا بقومهم، فأكثروا، فقال هشام لخالد (٣): أَجِبْهُم. فقال: يا أمير المؤمنين، هم بين حائكِ بُرْد، ودابغ جِلْد، وسائسِ قِرْد، ملكَتْهُم امرأةٌ، ودَلَّ عليهم هُدْهُد، وأغرقَتْهم فأرة. فلم تقم بعدها ليمانيّ قائمة. وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] فقال: كان - واللهِ - عيسى ﵇ سريًّا. فقال له خالد: يا أبا سعيد، إنَّ العرب تسمي الجدولَ: السَّرِيَّ. فقال له الحسن: صدقتَ (٤). وكان أمية بنُ عبد الله بن أَسِيد عاملَ عبد الملك على البصرة، وكان يحارب أبا فُديك الخارجي، فهزمه (٥)، فدخل البصرة، فقال الناسُ: كيف ندعو لمنهزم؟! فقام خالد بن صفوان فقال: بارك الله لك أيُّها الأمير في قدومك، والحمد لله الذي نظر لنا [عليك] ولم ينظر لك (٦) [علينا] فقد تعرَّضْتَ للشهادة جُهْدَك، لكن علمَ اللهُ حاجتَنا إليك، فآثَرَنا بك، ولك عند الله ما تحبُّ.

стр. 5103

وقال خالد: أحسنُ الكلام ما لم يكن بالبدويِّ المُغْرب، ولا بالقرويِّ المُخْدَج، ولكن ما شَرُفَتْ مبانيه، وظَرُفَتْ معانيه، ولذَّ على أفواه القائلين، وحَسُنَ في آذان المستمعين، وازداد حُسنًا على ممرِّ السنين (١). وقيل لخالد: أيُّ الإخوان أحبُّ إليك؟ فقال: مَنْ سدَّ خَلَلي، وغَفَرَ زَلَلي، وقَبِلَ عِللي، وحقَّق أملي (٢). وقال: من تزوَّج امرأة فليتزوَّجْ عزيزةً في قومها، ذليلةً في نفسها، أدَّبَها الغنى، وأذلَّها الفقر (٣). ودخل خالد الحمَّام، وفيه رجل معه ابنُه، فأراد أن يُعرِّف خالدًا ما عنده من البيان والفصاحة، فقال: يابنيّ، ابدأ بيداك ورجلاك. ثم التفتَ إلى خالد وقال: يا خالد، هذا كلامٌ قد ذهبَ أهلُه. فقال خالد: هذا كلامٌ ما خلق اللهُ له أهلًا قطُّ (٤). وقال: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلِها، ولا تطلبوا ما لستُم له بأهل، فتكونوا للمَنْع أهلًا (٥). وقال: لا تطلبُوا ما لا تستحقُّون، فإنَّ مَنْ طلبَ ما لا يستحقُّ؛ استوجبَ الحرمان (٦). وقال: فَوْتُ الحاجة خيرٌ من طلبها من غير أهلها، وأشدُّ من المصيبة سوءُ الخَلَف منها (٧). وقيل له: إن أقوامًا قد أصابوا أموالًا، فتكلَّموا وعَلَوْا، فقال: قَدَ انْطَقَتِ الدراهمُ بعد عِيٍّ … أُناسًا طالما كانوا سُكوتا

стр. 5104

فما عادُوا على جارٍ بخيرٍ … ولا رفعو المَكْرُمَةٍ بيوتا كذاك المالُ يستُرُ (١) كلَّ عَيبٍ … ويتركُ كلَّ ذي حَسَبٍ صُمُوتا (٢) وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بنُ هشام المخزوميُّ وهو على ولاية مكَّة والمدينة والطائف. وكان العاملَ على العراق يوسفُ بنُ عمر، وعلى قضاء الكوفة ابنُ شُبرمة، وعلى قضاء البصرة عامر بنُ عبيدة، وعلى خُراسان والمشرق نَصْرُ بن سيَّار (٣). وفيها توفي الربيع بن أبي راشد أبو عبد الله الزَّاهد، من الطبقة الثالثة من أهل الكوفة. [قال أبو نُعيم بإسناده عن عُمر بن ذرّ قال: كنتَ إذا رأيتَ الربيع بن أبي راشد كأنه مخمارٌ من غير شراب. وروى ابنُ أبي الدُّنيا عن خَلَف بن حَوْشَب قال:] قال الربيع: لو فارق (٤) ذكر الموت قلبي ساعةً لخشيتُ أن يفسد عليَّ قلبي (٥)، ولولا أن أُخالفَ مَنْ كان قبلي لكانت الجَبَّانةُ مسكني إلى أن أموت (٦). وقال (٧): لولا أن تكون بدعة لَسِحْتُ -أو هِمْتُ- في الجبال.

стр. 5105

وروى أبو نُعيم عن عُمر بن ذَرّ قال: رأى الربيع (١) رجلًا مريضًا يتصدَّق بصدقة، فقسمها بين جيرانه، فقال: الهدايا أمام الزيارة. فلم يلبث الرجل أيامًا حتى مات، فبكى الربيع وقال: أحسَّ (٢) - واللهِ - بالموت، فرأى أنه لا ينفعُه من ماله إلَّا ما قدَّمه بين يديه. [قال:] وقال [الربيع]: لولا ما يؤمِّل المؤمنون من كرامة الله لهم بعد الموت لتقطَّعت قلوبهم في الدنيا (٣). [قال:] وقال سفيان الثوري: لم يكن في الكوفة رجل أكثرَ ذكرًا للموت من الربيع بن أبي راشد، إنْ كان الربيعُ من الموت لعلى حذر (٤). [أسند الربيع عن الثوريّ، وسعيد بن جبير، وكان قليلَ الحديث، رحمه الله تعالى] (٥). عطاء السَّلِيمي [كان] من الخائفين المجتهدين، وهو من الطبقة الرابعة من أهل البصرة. [وذكرَ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان] أقام أربعين سنة لم يرفع رأسَه (٦) إلى السماء حياءً من الله تعالى، ولم يضحك، فرفعه مرةً ففُتق فتقٌ في بطنه. و [روى ابن أبي الدنيا أنه] كان إذا توضَّأ انتفض وارتعد وبكى، فيقال له في ذلك، فيقول: إني أُريد أن أَقْدَم على أمرٍ عظيم، أُريد أن أقوم بين يدي الله تعالى (٧).

стр. 5106

وروى ابن أبي الدنيا عن صالح المُرِّي أنه قال: كان عطاء (١) قد أضرَّ بنفسه حتى ضَعُفَ، فسألتُه أن يشربَ شَرْبةً من سَويق (٢)، وبعثتُ بها مع ابني، وقلت: لا تبرح حتى يشربَها، فجاء فقال: قد شربَها. فلما كان في اليوم الثاني بعثتُ له مثلَها، فرجع وقال: لم يشربها، فأتيتُه و [لُمتُه]. قلت: هذا ممَّا يُعِينُك على الصلاة والعبادة. فقال: إني عالجتُ نفسي على شُربها فلم أقدر، وكلما أردتُ أن أشربَها ذكرتُ قولَه تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. فبكى صالح وقال: أنا في وادٍ، وأنت في واد. وروى ابنُ أبي الدنيا أن جارة لعطاء سجرت تَنُّورًا (٣)، فنظر إليه [عطاء] فغُشيَ عليه. وقال الدورقي: كان إذا بكى (٤)، بكى ثلاثة أيام بلياليها، ودخلوا عليه وحوله بَلَلٌ، فظنُّوه قد توضَّأ، فقالت عجوز في داره: هذه دموعُه. و [قال ابن أبي الدنيا:] عُوتب على كثرة بكائه، فقال: إني إذا ذكرتُ أهل النار وما ينزلُ بهم من العذاب مثَّلتُ نفسى بينهم، فكيف بنفس تُغَلُّ يدُها إلى عنقها، وتُسحب إلى النار، وما يغني البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله (٥)؟! وخرج في جنازة، فغُشيَ عليه أربع مرات حتى صُلِّيَ عليها (٦). وروى أبو نُعيم قال: كان عطاء يمسُّ (٧) جسدَه بالليل مخافةَ أن يكون قد مُسخ.

стр. 5107

[قال:] وقيل له: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ فقال: صِدْتُ حمامًا منذ أربعين سنة وقد تصدَّقتُ بثمنه مرارًا. كأنه لم يعرف صاحبه (١). و [روى ابن أبي الدنيا أن عطاءً] كان يقول: التمسوا لي هذه الرُّخَصَ لعلِّي أن ألقى اللهَ وأنا حَسَنُ الظنِّ به (٢). [قال:] وقيل له: ما تشتهي؟ قال: أبكي حتَّى لا أقدر أن أبكي. وكان دموعه الدهر سائلة على خديه (٣). و [قال عليُّ بن بكَّار:] مكثَ على فراشه أربعين سنة لا يقوم ولا يخرج من مكانه من الخوف (٤). ولقد كانت الفاكهة تجيءُ وتمرُّ وهو لا يعرفُها (٥). وكانت وفاتُه بالبصرة في هذه السنة، فأدرك أيام أنس، ولقيَ الحسن، وابنَ سِيرين، ومالك بنَ دينار، وخلقًا من هذه الطَّبقة، وشغَلَتْه العبادة عن الرواية (٦). وروى ابنُ أبي الدنيا عن صالح المُرِّيّ قال: لما مات عطاء (٧) حزنتُ عليه حزنًا شديدًا، فرأَيتُه في المنام، فقلتُ: يَا أَبا محمَّد، ألستَ في زمرة الموتى؟ قال: بلى. قلتُ: فإلامَ صرتَ إليه؟ فقال: إلى خير كثير وربٍّ غفور شكور. قلت: واللهِ لقد كنتَ طويلَ الحزنِ في الدنيا. فتبسَّم وقال: أما واللهِ يَا أَبا بِشر، لقد أعقبني ذلك راحةً طويلة، وفرحًا دائمًا. قلت: ففي أيِّ الدرجات أَنْتَ؟ قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٨).

стр. 5108

عطيَّة بن قيس الكلابي مولاهم، وكنيتُه أبو يحيى، ولأبيه صحبة، وهو من الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل الشَّام (١). وذكره أبو زُرْعة في الثالثة وقال: غزا القسطنطينية (٢) مع يزيد بن معاوية (٣). وكان النَّاس يُصلحون مصاحفَهم على قراءة عطيَّة وهم جلوس على درج الكنيسة قبل أن يُبنى جامع دمشق (٤). و [اختلفوا في وفاته، فقال البُخَارِيّ:] مات سنة إحدى وعشرين ومئة وهو ابنُ مئة وأربع سنين (٥). وقيل: إنه مات سنة عشر ومئة، وإنه ولد في حياة رسول الله ﷺ ، وقبض [رسول الله] ﷺ وله سبع سنين (٦). حكاه أبو القاسم ابن عساكر عن أبي مُسْهِر؛ قال: وكانت له دار بدمشق (٧) بنواحي كنيسة اليهود عند الجِير. [قال:] أسند عن أبي الدَّرداء، وعَمرو بن عَبَسة، وعبد الله بن عَمرو، والنُّعمان بن بشير، وغيرهم. وروى عنه ابنُه سَعْد، وأبو بكر بن أبي مريم، وسعيد بن عبد العزيز، وكان ثِقَة كثير الحديث (٨).

стр. 5109

مُحارِب بن دِثار السَّدُوسيّ الشَّيبانِيّ، أبو المُطرِّف (١)، من الطَّبقة الثالثة من أهل الكوفة. قال: لما أُكرهتُ على قضاء الكوفة بكَيتُ وبكى عيالي، فلما عُزلت عن القضاء بكَيتُ وبكى عيالي (٢). وحدَّث عن ابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حِطَّان، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، وسفيان الثَّوريّ، وسفيان بن عُيينة، وغيرُهم. وقال سفيان الثوريّ: ما رأيتُ أحدًا أُفَضِّلُه على مُحارب (٣). وقال الإِمام أحمدُ ﵁ ابنُ مَعِين وابنُ أبي حاتم والدارقطني: مُحارب ثِقَة (٤). وكان إذا جلس في مجلس الحكم يترك على وجهه خرقة ويبكي ويقول: اللهمَّ كما ابتليتَني به؛ سَلِّمْني منه، وأعنّي عليه (٥). وكان يقول: أظلم الناسِ من ظُلم لغيره (٦). وتقدَّم إليه رجلان، فادَّعى أحدُهما على الآخر حقًّا، فأنكرَ، فشهدَ عليه رجلٌ، فقال المشهود عليه: واللهِ لقد شهدَ عليَّ بزُور، وإن بيني وبينه لحقدًا، فقال محارب: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تزولُ قدما شاهدِ الزُّور عن مكانهما حتَّى يُوجب الله له النَّار". فرجع الشاهدُ عن شهادته (٧).

стр. 5110

وقال عمر بن السَّكَن: رأيتُ (١) رسولَ خالد بن عبد الله القَسْريِّ قد جاء إلى مُحارب، فسارَّه بشيء، فقال مُحارب: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]. ولما مات عُمر بن عبد العزيز ﵁، دعا مُحارب كاتبَه، فقال: اكتب مرثيَّة، فكتب: بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فقال: امحُهُ، فإنَّ الشعر لا يُكتبُ فيه بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (٢). ثم قال مُحارب: لو أعظمَ الموتُ خَلقًا أن يُواقِعَهُ … لِعَدْلِهِ لم يَزُرْكَ الموتُ يَا عمرُ كم من شريعةِ حقٍّ قد أقَمْتَ لَهُمْ … كانت أُمِيتَتْ وأخرى منك تُنْتَظَرُ يَا لَهْفَ نفسي ولَهْفَ الواجدينَ معي … على البحور (٣) التي تغتالُها الحُفَرُ لو كنتُ أملكُ والأقدارُ غالبةٌ … تأتي رَواحًا وتأتينا (٤) وتبتكرُ صرفتُ عن عُمرِ الخيراتِ مصرعَهُ … بدَيرِ سَمْعانَ لكنْ يغلبُ القَدَرُ ومات محارب في آخر ولايةِ خالدِ بنِ عبد الله القسريّ في خلافة هشام (٥). وقال ابنُ سعد (٦): له أحاديث ولا يحتجُّون بحديثه، وكان من المُرجئة الأُول الذين لا يشهدون لعليّ وعثمان بإيمان ولا كفر، ويرجئون أمرَهما. قال المصنف ﵀: لا يضرُّه قولُ ابن سعد مع شهادة من سمَّينا من الأئمة له بالصدق والثقة والأمانة والديانة. محمَّد بن يحيى بن حَبَّان ابن مُنقذ بن عَمرو الأَنْصَارِيّ، أبو عبد الله، من الطَّبقة الثالثة من أهل المدينة، وهو من فقهائها. كانت له حلقةٌ في مسجد رسول الله ﷺ ، وهو ثِقَة كثير الحديث.

стр. 5111

تُوفِّي بالمدينة وعمرُه أربعٌ وسبعون سنة، وله عقب (١). نُمير بن أوس الأَشْعريّ، قاضي دمشق، من الطَّبقة الرابعة، وكان يحضرُ القراءة في جامع دمشق. ولاه هشام القضاء، ثم استعفاه، فأعفاه. أسند نُمير عن حذيفة، وأبي موسى، وأبي الدَّرداء، وغيرهم، وروى عنه ابنُه الوليد بن نُمير، وكان قليلَ الحديث. وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (٢). السنة الثَّانية والعشرون بعد المئة فيها استُشهد زيدُ بن عليّ بن الحسين [بن عليّ بن أبي طالب]﵇، وعبدُ الله البطَّال (٣). وفيها سار يحيى بن زيد إلى خُراسان (٤). وفيها وُلد المفضَّلُ بنُ صالح، ومحمَّد بنُ إبراهيم بن عليّ (٥). واستقضى يوسفُ بنُ عُمر محمدَ بنَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى على الكوفة وابنَ شُبرمة على خُراسان (٦). وحجَّ بالنَّاس محمَّد بنُ هشام المخزومي، وكانت العمال في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة الماضية (٧).

стр. 5112

وفيها تُوفِّي إياس بن معاوية ابن قُرَّة بن إياس المُرِّيّ البصريّ، من الطَّبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة. [ونسبه ابنُ سعد، فقال: إياس بن معاوية بن قُرَّة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عُبيد بن سُواءة بن سارية بن ذُبيان بن ثعلبة بن أوس بن مُزينة]. وكنيتُه أبو واثلة [قال:] وكان ثقةً، قاضيًا على البصرة [وله أحاديث. قال: وكان] عاقلًا من الرجال فطنًا (١). [قال:] ولما استُقضيَ أتاه الحسن، فبكى إياس. [قال:] وقيل له: كيف ابنُك (٢)؟ فقال: نِعْمَ الابنُ، كفاني أمرَ دنياي، وفرَّغَني لآخرتي. [قال: وقيل له: ما أحدٌ إلَّا ويعرفُ عيب نفسه، فما عيبُك؟ قال: كثرة الكلام. وروى أبو نُعيم الحافظ بمعناه عن داود بن أبي هند قال: قال إياس:] كلُّ رجلٍ لا يعرفُ عيبَه فهو أحمق، فقيل له: يَا أَبا واثلة، ما عيبُك؟ فقال: كثرةُ الكلام (٣). وقدم البصرة، فأتاه ابنُ شُبرمة (٤)، فسأله عن خمس وسبعين (٥) مسألة، فما اختلفا إلَّا في ثلاث أو أربع مسائل، ردَّه فيها إياس إلى قوله، ثم قال له: يَا ابنَ شُبْرُمة، هل قرأتَ

стр. 5113

القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل قرأتَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]؟ قال: نعم. قال: فهل وجدتَه بَقَّى لآل شُبْرُمة شيئًا ينظرون (١) فيه؟ قال: لا. فقال إياس: إن للنُّسُك فروعًا -فذكر الصلاةَ، والصومَ، والحج، والجهاد- وإني لا أَعلمُك تعلَّقتَ من النُّسُك بشيء أحسن من النظر في الرأي (٢). وكان إياس سيّدًا فاضلًا ذكره الأئمة، وله نوادر [عجيبة، وحكايات] غريبة. [ذكره المدائنيُّ وصنَّفَ له كتابًا وسمَّاه: زَكَن إياس (٣). وقال هشام: وأمُّ إياس من أهل خُراسان، وكان رزقُه على القضاء في كل شهر أَلْف درهم] (٤) ذكر طرف من أخباره: قال إياس: قلتُ لأمي: ما شيء سمعتِه عند ولادتي؟ فقالت: طشت وقع من أعلى الدار، ففزعتُ، فولدتُك في تلك الساعة. وذكر أبو القاسم ابن عساكر عن حمَّاد بن سلمة قال: قال إياس: أذكُر ليلةَ وُلدتُ (٥)، وضعَتْ أمي على رأسي جَفْنة. وذكر في "مجمع الأمثال" (٦) طرفًا من حكاياته. وكذا ذكر هشام والهيثم، فمن ذلك أن إياسًا قدم الشَّام (٧)، فقدَّم خصمًا له إلى قاضي عبد الملك [بن مروان] وكان خصمُه

стр. 5114

شيخًا، فقال له القاضي: يَا غلام، أما تستحي تُقدِّمُ شيخًا كبيرًا؟! فقال [له] إياس: الحقُّ أكبر منه. فقال له: اسكُت. فقال: ومن ينطقُ بحجتي إذا سكتُّ؟ فقال: ما أحسبُك تقول حقًّا. فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله. قال: ما أظنُّك صادقًا. فقال: ما بالظَّنِّ تبطلُ أحكامُ الشرع وتذهب الحقوق. فدخل القاضي على عبد الملك، فأخبره، فقال: اقْضِ حاجته واصْرِفْه لئلا يُفسد علينا أهلَ الشَّام. [ومن ذلك أنَّه] دخل عليه ثلاث نسوة، فقال: الواحدة مُرضِع، والأخرى بِكْر، والثالثة ثيِّب. قيل له: من أين عرفتَ؟! فقال: أمَّا المُرضع فإنَّها لما قعدت أمسكت بيدها ثديَها، وأمَّا البِكْر فإنَّها لما دخلت لم تلتفت إلى أحد، وأمَّا الثيِّب فإنَّها لمَّا دخلت رمقت بعينيها (١). و [منها أنَّه] تحاكم إليه رجلان في مال، فجحدَ المدَّعَى عليه، فقال للطالب: أين دفعتَ إليه المال؟ قال: عند شجرة في مكان كذا وكذا، فقال للطالب: اذهب إلى تلك الشجرة لعلك [أن] تتذكَّر المال. فمضى، وأمسك المطلوبَ عنده، ثم قال له بعد ساعة: أترى خصمَك وصلَ إلى تلك الشجرة؟ قال: نعم [-أو لا بعد-] فقال: [قُم] يَا عدوَّ الله [أو:] يَا خائن، فأدِّ إليه ماله. فأقرَّ بالمال (٢). [وقال محمَّد القيسي (٣):] أودعَ رجلٌ رجلًا مالًا، وخرج إلى مكة، فلما عاد، طلبَ المال، فجحدَه، فأتى إياسًا، فأخبره، فقال: هل علم خصمُك أنك جئتَ إليّ؟ قال: لا. قال: فاذهب ولا تُحدث شيئًا حتَّى تأتيَني. فلما كان بعد أيام دعا إياس ذلك الرجل وقال: أمنزلُك حصين؟ قال: ولِم؟ قال: قد ضاق بيتُ المال بالمال، ولي أَيضًا مال، وأريدُ أن أُودع الجميع عندك. ففرح الوجل ومضى ليُفرغ منزله. فدعا إياسٌ صاحب المال وقال: اطلب مالك منه، فإن أبي فقل له: بيني وبينك القاضي. فجاءه فقال: ادفعْ إليَّ مالي. قال: مالك عندي شيء. فقال: بيني وبينَك القاضي. فقال: أُنسيت، خُذ

стр. 5115

مالك. فأخذَه، وأخبرَ صاحبُ المال القاضي، ثم جاء المُودَع إلى القاضي وقال: قد فرَّغتُ المنزل. فقال له القاضي: الخائنُ لا يكون أمينًا. وأسقط شهادتَه (١). وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عديّ بن أرطأة عاملِه على البصرة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجوشني، فَولّ القضاء أنفذَهما. فجمع بينهما، فقال إياس لعديّ: أيُّها الرَّجل، سَلْ عنّي وعن القاسم فَقِيهَي العصر: الحسنَ وابنَ سِيرِين. وكان القاسم يغشاهما، وإياسٌ لا يغشاهما، فعلم القاسم أنَّه إن سألهما عنه أشارا به، فقال لعديّ: أيها الأمير لا تسأل عني ولا عنه، فواللهِ إنَّ إياسًا أفقهُ منّي، وأعلم بالقضاء، فإنْ كنتُ كاذبًا فلا يحلُّ لك أن تولّيَني، وإن كنتُ صادقًا فينبغي أن تقبلَ قولي. فقال إياس لعديّ: إنك جئتَ برجلٍ فوقفتَه على شفير جهنم، فنَجَّى نفسه بيمين كاذبة يستغفرُ الله منها، وينجو مما يخاف. فقال له عديّ: أمَّا إذ فهمتَها فأنتَ لها. فاستقضاه (٢). [وذكر المدائنيّ عن أبي إسحاق بن حفص بن نوح قال:] قيل لإياس: فيك أربع خصال: دَمامة، وكثرةُ كلام، وإعجاب (٣) بنفسك، وتعجيل بالقضاء، فقال: أمَّا الدَّمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرةُ الكلام؛ فبصواب أتكلَّم أم بخطأ؟ قالوا: بصواب. قال: فالإكثارُ من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفسي؛ أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أحقُّ أن أُعجَبَ بنفسي، وأمَّا تعجيلُ القضاء؛ فكم هذه؟ وأشار بيده خمسة، فقالوا: خمسة. قال: عجلتُم، ألا قلتُم واحدة واثنتين وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعدُّ شيئًا قد عرفناه. قال: فمالي أحبسُ شيئًا قد تبيَّن لي فيه الحُكم (٤)؟!
следующие страницы →