← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

تُوفِّي بالمدينة وعمرُه أربعٌ وسبعون سنة، وله عقب (١). نُمير بن أوس الأَشْعريّ، قاضي دمشق، من الطَّبقة الرابعة، وكان يحضرُ القراءة في جامع دمشق. ولاه هشام القضاء، ثم استعفاه، فأعفاه. أسند نُمير عن حذيفة، وأبي موسى، وأبي الدَّرداء، وغيرهم، وروى عنه ابنُه الوليد بن نُمير، وكان قليلَ الحديث. وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (٢). السنة الثَّانية والعشرون بعد المئة فيها استُشهد زيدُ بن عليّ بن الحسين [بن عليّ بن أبي طالب]﵇، وعبدُ الله البطَّال (٣). وفيها سار يحيى بن زيد إلى خُراسان (٤). وفيها وُلد المفضَّلُ بنُ صالح، ومحمَّد بنُ إبراهيم بن عليّ (٥). واستقضى يوسفُ بنُ عُمر محمدَ بنَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى على الكوفة وابنَ شُبرمة على خُراسان (٦). وحجَّ بالنَّاس محمَّد بنُ هشام المخزومي، وكانت العمال في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة الماضية (٧).

стр. 5112

وفيها تُوفِّي إياس بن معاوية ابن قُرَّة بن إياس المُرِّيّ البصريّ، من الطَّبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة. [ونسبه ابنُ سعد، فقال: إياس بن معاوية بن قُرَّة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عُبيد بن سُواءة بن سارية بن ذُبيان بن ثعلبة بن أوس بن مُزينة]. وكنيتُه أبو واثلة [قال:] وكان ثقةً، قاضيًا على البصرة [وله أحاديث. قال: وكان] عاقلًا من الرجال فطنًا (١). [قال:] ولما استُقضيَ أتاه الحسن، فبكى إياس. [قال:] وقيل له: كيف ابنُك (٢)؟ فقال: نِعْمَ الابنُ، كفاني أمرَ دنياي، وفرَّغَني لآخرتي. [قال: وقيل له: ما أحدٌ إلَّا ويعرفُ عيب نفسه، فما عيبُك؟ قال: كثرة الكلام. وروى أبو نُعيم الحافظ بمعناه عن داود بن أبي هند قال: قال إياس:] كلُّ رجلٍ لا يعرفُ عيبَه فهو أحمق، فقيل له: يَا أَبا واثلة، ما عيبُك؟ فقال: كثرةُ الكلام (٣). وقدم البصرة، فأتاه ابنُ شُبرمة (٤)، فسأله عن خمس وسبعين (٥) مسألة، فما اختلفا إلَّا في ثلاث أو أربع مسائل، ردَّه فيها إياس إلى قوله، ثم قال له: يَا ابنَ شُبْرُمة، هل قرأتَ

стр. 5113

القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل قرأتَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]؟ قال: نعم. قال: فهل وجدتَه بَقَّى لآل شُبْرُمة شيئًا ينظرون (١) فيه؟ قال: لا. فقال إياس: إن للنُّسُك فروعًا -فذكر الصلاةَ، والصومَ، والحج، والجهاد- وإني لا أَعلمُك تعلَّقتَ من النُّسُك بشيء أحسن من النظر في الرأي (٢). وكان إياس سيّدًا فاضلًا ذكره الأئمة، وله نوادر [عجيبة، وحكايات] غريبة. [ذكره المدائنيُّ وصنَّفَ له كتابًا وسمَّاه: زَكَن إياس (٣). وقال هشام: وأمُّ إياس من أهل خُراسان، وكان رزقُه على القضاء في كل شهر أَلْف درهم] (٤) ذكر طرف من أخباره: قال إياس: قلتُ لأمي: ما شيء سمعتِه عند ولادتي؟ فقالت: طشت وقع من أعلى الدار، ففزعتُ، فولدتُك في تلك الساعة. وذكر أبو القاسم ابن عساكر عن حمَّاد بن سلمة قال: قال إياس: أذكُر ليلةَ وُلدتُ (٥)، وضعَتْ أمي على رأسي جَفْنة. وذكر في "مجمع الأمثال" (٦) طرفًا من حكاياته. وكذا ذكر هشام والهيثم، فمن ذلك أن إياسًا قدم الشَّام (٧)، فقدَّم خصمًا له إلى قاضي عبد الملك [بن مروان] وكان خصمُه

стр. 5114

شيخًا، فقال له القاضي: يَا غلام، أما تستحي تُقدِّمُ شيخًا كبيرًا؟! فقال [له] إياس: الحقُّ أكبر منه. فقال له: اسكُت. فقال: ومن ينطقُ بحجتي إذا سكتُّ؟ فقال: ما أحسبُك تقول حقًّا. فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله. قال: ما أظنُّك صادقًا. فقال: ما بالظَّنِّ تبطلُ أحكامُ الشرع وتذهب الحقوق. فدخل القاضي على عبد الملك، فأخبره، فقال: اقْضِ حاجته واصْرِفْه لئلا يُفسد علينا أهلَ الشَّام. [ومن ذلك أنَّه] دخل عليه ثلاث نسوة، فقال: الواحدة مُرضِع، والأخرى بِكْر، والثالثة ثيِّب. قيل له: من أين عرفتَ؟! فقال: أمَّا المُرضع فإنَّها لما قعدت أمسكت بيدها ثديَها، وأمَّا البِكْر فإنَّها لما دخلت لم تلتفت إلى أحد، وأمَّا الثيِّب فإنَّها لمَّا دخلت رمقت بعينيها (١). و [منها أنَّه] تحاكم إليه رجلان في مال، فجحدَ المدَّعَى عليه، فقال للطالب: أين دفعتَ إليه المال؟ قال: عند شجرة في مكان كذا وكذا، فقال للطالب: اذهب إلى تلك الشجرة لعلك [أن] تتذكَّر المال. فمضى، وأمسك المطلوبَ عنده، ثم قال له بعد ساعة: أترى خصمَك وصلَ إلى تلك الشجرة؟ قال: نعم [-أو لا بعد-] فقال: [قُم] يَا عدوَّ الله [أو:] يَا خائن، فأدِّ إليه ماله. فأقرَّ بالمال (٢). [وقال محمَّد القيسي (٣):] أودعَ رجلٌ رجلًا مالًا، وخرج إلى مكة، فلما عاد، طلبَ المال، فجحدَه، فأتى إياسًا، فأخبره، فقال: هل علم خصمُك أنك جئتَ إليّ؟ قال: لا. قال: فاذهب ولا تُحدث شيئًا حتَّى تأتيَني. فلما كان بعد أيام دعا إياس ذلك الرجل وقال: أمنزلُك حصين؟ قال: ولِم؟ قال: قد ضاق بيتُ المال بالمال، ولي أَيضًا مال، وأريدُ أن أُودع الجميع عندك. ففرح الوجل ومضى ليُفرغ منزله. فدعا إياسٌ صاحب المال وقال: اطلب مالك منه، فإن أبي فقل له: بيني وبينك القاضي. فجاءه فقال: ادفعْ إليَّ مالي. قال: مالك عندي شيء. فقال: بيني وبينَك القاضي. فقال: أُنسيت، خُذ

стр. 5115

مالك. فأخذَه، وأخبرَ صاحبُ المال القاضي، ثم جاء المُودَع إلى القاضي وقال: قد فرَّغتُ المنزل. فقال له القاضي: الخائنُ لا يكون أمينًا. وأسقط شهادتَه (١). وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عديّ بن أرطأة عاملِه على البصرة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجوشني، فَولّ القضاء أنفذَهما. فجمع بينهما، فقال إياس لعديّ: أيُّها الرَّجل، سَلْ عنّي وعن القاسم فَقِيهَي العصر: الحسنَ وابنَ سِيرِين. وكان القاسم يغشاهما، وإياسٌ لا يغشاهما، فعلم القاسم أنَّه إن سألهما عنه أشارا به، فقال لعديّ: أيها الأمير لا تسأل عني ولا عنه، فواللهِ إنَّ إياسًا أفقهُ منّي، وأعلم بالقضاء، فإنْ كنتُ كاذبًا فلا يحلُّ لك أن تولّيَني، وإن كنتُ صادقًا فينبغي أن تقبلَ قولي. فقال إياس لعديّ: إنك جئتَ برجلٍ فوقفتَه على شفير جهنم، فنَجَّى نفسه بيمين كاذبة يستغفرُ الله منها، وينجو مما يخاف. فقال له عديّ: أمَّا إذ فهمتَها فأنتَ لها. فاستقضاه (٢). [وذكر المدائنيّ عن أبي إسحاق بن حفص بن نوح قال:] قيل لإياس: فيك أربع خصال: دَمامة، وكثرةُ كلام، وإعجاب (٣) بنفسك، وتعجيل بالقضاء، فقال: أمَّا الدَّمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرةُ الكلام؛ فبصواب أتكلَّم أم بخطأ؟ قالوا: بصواب. قال: فالإكثارُ من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفسي؛ أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أحقُّ أن أُعجَبَ بنفسي، وأمَّا تعجيلُ القضاء؛ فكم هذه؟ وأشار بيده خمسة، فقالوا: خمسة. قال: عجلتُم، ألا قلتُم واحدة واثنتين وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعدُّ شيئًا قد عرفناه. قال: فمالي أحبسُ شيئًا قد تبيَّن لي فيه الحُكم (٤)؟!

стр. 5116

و [قال حُميد الطَّويل:] ماتت أمُّ إياس، فبكى وقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، فأُغلق أحدُهما. فقال له بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: يَا أَبا واثلة، أمَّا أحدُ بابَيك فقد أُغلق عنك، فانظر كيف تكون في الباب المفتوح (١). و [قال المدائنيّ:] كان يوسف بن عمر قد ضربه لأمر، فخرج من البصرة ومات [بعبداينا (٢)، وكانت له بها ضيعة. ولم يذكر المدائنيّ ولا ابن سعد تاريخ وفاته، وذكرها خليفة، فقال: مات إياس، بواسط سنة اثنتين وعشرين ومئة (٣). أسند [إياس] عن أنس بن مالك، وأبيه معاوية، والحسن البَصْرِيّ، وابن سيرين، وابن المسيِّب، وغيرهم. [وفيها تُوفِّي] بلال بن سعد ابن تميم السَّكوني، وذكره ابن سعد في الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام [وقال: كان ثِقَة لا يغيِّر شيبة. هذه صورة ما ذكر ابنُ سعد (٤). وذكره الأئمة؛ فقال البُخَارِيّ: كنيتُه أبو عمرو (٥). وذكره أبو القاسم ابنُ عساكر؛ فحكى عن أبي مسهر الغساني قال: كان بلال بن سعد] بالشَّام (٦) مثل الحسن البَصْرِيّ في العراق.

стр. 5117

وكان إمام جامع دمشق؛ جَهْوَرِيَّ الصوت، فكان إذا كبَّر أو قرأ؛ سُمع صوتُه (١) من الأوزاع -قرية على باب الفراديس- ولم يكن البنيان يومئذ متصلًا (٢). وكان واعظ أهل دمشق، وكان زاهدًا عابدًا، ورعًا صائمًا، قائمًا ثِقَة، وكان يغتسل لكل صلاة، وورده في كل يوم وليلة ألفُ ركعة. [قال:] ومن كلامه: زاهدُكم راغبٌ، وعالمُكم جاهل، ومجتهدُكم مقصِّر. وقال: كفى بنا أن الله يزهِّدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها. وقال: أخٌ لك كما لقيك أخبرك بعيب فيك خيرٌ لك من أخ كلَّما (٣) لقيَك وضعَ في كفِّك دينارًا (٤). وقال: لا تكن وليًّا لله في العلانية، عَدُوًّا له (٥) في السَّرِيرة. [واختلفوا في وفاته، فقيل: إنه مات في هذه السنة. وقيل: في أيام هشام من غير تحقيق] (٦). أسند بلال عن أَبيه، وجابر بن عبد الله مرسلًا، وعن أبي الدَّرداء (٧)، وروى عنه الأَوْزَاعِيّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وربيعة بن يزيد القصير، وغيرهم. زُبيد بن الحارث ابن عبد الكريم اليامي، أبو عبد الله، من الطَّبقة الثالثة من أهل الكوفة.

стр. 5118

قال شعبة: ما رأيت بالكوفة شيخًا خيرًا منه، كنتُ جالسًا معه يومًا في المسجد، فمرَّت امرأةٌ معها كُبَّة قُطن، فوقعت الكُبَّة منها، فلم تفطن لها، وفطن زُبيد، فقام وتركني جالسًا، فما زال يهرولُ على إثرها حتَّى أدركها، فدفع إليها الكُبَّة، ثم رجع إليَّ (١). وقال عبد الرَّحْمَن بن زُبيد: كان زُبيد قد قسم الليل أثلاثًا: ثُلُثًا عليه، وثُلُثًا عليَّ، وثلثًا على أخي، فكان يقوم ثُلُثه، ثم يضربُني برجله، فإذا رأى مني كسلًا قال: نَمْ يا بنيّ، وأنا أقوم عنك. ثم يجيء إلى أخي، فيضربُه برجله، فإذا رأى منه كسلًا قال: نم، فأنا أقوم عنك. فيقوم حتَّى يصبح (٢). وقال سفيان: كان زُبيد إذا كانت ليلة مَطِيرة، أخذ شعلةَ نار، فطافَ على عجائز الحيّ، فقال: أتُرِدْنَ نارًا؟ أَوَ كَفَ (٣) عليكنَّ بيت؟ فإذا أصبح طاف عليهنَّ فيقول: ألكنَّ حاجةٌ إلى السوق؟ أتُرِدْنَ شيئًا (٤)؟ توفّي سنة اثنتين وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومئة. أسند عن أَبن عُمر، وأنس بن مالك، وغيرهما (٥). زيد بن علي بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب ﵁. قد ذكرنا سبب [مُقامه و] خروجه [بالكوفة (٦).

стр. 5119

قال هشام:] ولما عزم [زيد] على الخروج وشاع ذلك؛ خرج سليمان بن سراقة البارقي (١) إلى يوسف بن عمر وهو بالحِيرة، فأخبره الخبر وقال: إنه يختلف إلى منزل رجل يقال له: طُعمة، من بني تميم، ورجل آخر يقال له: عامر، وكلاهما من بارق، فأرسلَ إليهما، فأحضرَهما عنده وسألهما عن زيد، فاتَّضَحَ له أمرُه لما كلَّماه. وخاف زيد أن يُؤخذ، فتَعجَّل الأجل (٢) الذي بينه وبين الذين (٣) بايعوه. ولما علم جماعةٌ من الشيعة ذلك اجتمعوا إلى زيد وقالوا: ما تقولُ في أبي بكر وعمر؟ فقال زيد: رحمهما الله وغفرَ لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي تبرَّأَ (٤) منهما ولا يقول فيهما إلَّا خيرًا. [ذكر مناظرته للشيعة: قال هشام:] فلما قال لهم ذلك، قالوا: هما وَثَبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم. فقال لهم زيد: إنهما وإن كانا قد دفعانا عن حقِّنا واستأثرا به دونَنا غير أنهما قد وَلِيَا فَعَدَلَا، وعملا بالكتاب والسُّنَّة. قالوا: فلمن تُقاتل إذا كانوا أولئك ما ظلموك، فهؤلاء الذين تريد قتالهم ما ظلموك أَيضًا؟! فقال لهم: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إنهم ظالمون لي ولنفوسهم وللأمة، وإنما أدعوكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسولِه، وإحياء السُّنن وإماتة البدع، فإنْ وافقتموني سعدتُم، وإنْ أبيتُم فلست عليكم بوكيل (٥). [وقال الهيثم:] قالوا له: ما نقاتل معك حتَّى تتبرَّأَ منهما، فقال: معاذَ الله، واللهِ لا فعلتُه أبدًا. ففارقوه ورفضوا الحقَّ، فسمَّاهم (٦) الرافضة (٧).

стр. 5120

[وقال هشام:] وكانوا قد اجتمعوا بأبي جعفر محمَّد بن عليّ وقالوا: ما تقولُ في زيد بن علي؟ قال: سيِّدُنا وأفضلُنا، بايِعُوه (١). فلما قال لهم ما قال في الشيخين رضوان الله عليهما؛ تركوه. ذكر خروجه ومقتله: [قال هشام:] اتفق زيد مع من بايعه أنَّه يخرجُ ليلةَ الأربعاء أول [ليلة من] صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة (٢) [وهذا قول هشام. أما المدائنيّ فإنَّه قال: كان خروجُه في صفر سنة إحدى وعشرين ومئة. وكذا قال الواقدي. فقد اتفقوا على أن مقتله في صفر، وإنما اختلفوا في السنة. ورُوي أنَّه قُتل يوم عاشوراء، والأول أصح] (٣). وبلغ يوسفَ بنَ عُمر وهو بالحِيرة، فبعث إلى الحَكَم بن الصَّلْت -وكان على شرطته- أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم ويَحْصُرَهم فيه، فبعث الشرطة (٤) والعُرفاء والمقاتلة، فأدخلهم المسجد ونادى مناديه: من أدركناه في رَحْلِهِ فقد برئت منه الذِّمَّة. فأتى النَّاسُ المسجدَ يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بليلة، فلما جنَّ الليل؛ خرج زيد من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصحاري وكانت ليلةً شديدة البرد، وأوقدوا النيران على الجرادي، وهو قصب مجتمع [والعامَّة تقول: الهرادي، بالهاء، وهو خطأ] ولما أوقدوا الجرادي نادَوْا بشعارِهِ: يَا منصور أمِت أمِتْ. فلما أصبحوا خرجوا إلى صحراء عبد القيس، فلقيَهم جعفر بن العبَّاس الكنديّ، فحمل عليه القاسم الحضرميّ من أصحاب زيد، فأُخذ (٥) وقد ارْتُتَّ (٦)، فجيء به إلى الحَكَم بن الصَّلْت، فقتله، وهو أوَّلُ من قُتل من أصحاب زيد، وأمر الحَكَم بالدروب فأُغلقت، وبأبواب المسجد وأهلُ الكوفة فيه.

стр. 5121

وأرسل [الحكم] إلى يوسف بن عمر، فأخبره، فأقبل من الحِيرة ومعه أهلُ الشَّام ووجوه قريش، فنزل قريبًا من الكوفة، وبعث الزُّبير بن سليم (١) الأراشي في ألفين، وزيدُ بنُ علي مكانَه لم يأته سوى مئتي رجل، وثمانية عشر رجلًا، فقال: سبحان الله! فأين الذين (٢) بايعوني؟! فقيل له: في المسجد الأعظم محصورون. فقال: ما هذا ممَّن بايَعَنا بعذر. ثم أقبل زيد من جَبَّانة سالم حتَّى انتهى إلى جَبَّانة الصيَّادين وبها خمس مئة من أهل الشَّام، فحمل عليهم زيد وأصحابُه -وتحت زيد بِرْذَون أدهم اشتراه من بني نَهْد بخمسة وعشرين دينارًا، فلما قُتل أخذه الحكم بن الصَّلْت صاحب الشرطة (٣) - فهزمَ أهلَ الشَّام، ثم مرَّ على دار رجل من الأزد يقال له: أنس بن عمرو، وكان ممَّن بايعه، فناداه زيد: يَا أنس، اخرج فقد جاء الحقّ وزهق الباطل. فلم يجبه، فناداه مرارًا ولم يخرج، فقال زيد: اللهُ حسيبُكم. ولما خذله أهلُ الكوفة؛ جعل يقول: قد حذَّرني داود بن عليّ منكم، فلم أحذر (٤). ثم سار زيد حتَّى انتهى إلى الكُناسة وبها جماعة من أهل الشَّام، فحمل عليهم، فانهزموا، وخرج إلى الجبَّانة ويوسف بنُ عمر على تل في مئتي رجل، فلو حملَ عليه زيد لقتله، فقال نصر بن خزيمة لزيد: اذهب بنا إلى المسجد، فإنَّ النَّاس الذين بايعوك به فلتخلِّصهم (٥). فذهب إلى المسجد، فلما انتهى إليه أقبل أصحابُ زيد يُدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يَا أهل الكوفة اخرجوا، وجعل نصرُ بن خُزيمة يناديهم: أخرجوا من الذُّلّ إلى العزّ. وأشرفَ أهلُ الشَّام عليهم من سطوح المسجد يرمونهم بالحجارة،

стр. 5122

واقتتلوا، وحال بينهم الليل، ورجع الفريقان، ونزل زيد بن عليّ دار الرزق، وبات يوسف بنُ عمر على التلّ. فلما كان صباح يوم الخميس جهَّز يوسف بنُ عمر العبَّاسَ بنَ سعد (١) المُزَنِيّ -وكان على شرطته بالحِيرة- فبعثَه في أهل الشَّام، فساروا (٢) حتَّى انتهَوْا إلى دار الرزق، فخرج إليه زيد في أصحابه، واقتتلوا، فهزمهم زيد، وقتلَ من أهل الشَّام نحوًا من سبعين رجلًا، وانصرفوا وهم بشرِّ حال. ثم بعث إليهم يوسف جيشًا آخر، فقاتلوهم في الليل إلى أن تهوَّر [الليل] فجاء زيدَ بنَ عليّ سهمٌ في جبهته (٣)، فثبتَ فيها، ووصلَ إلى دماغه، فرجعَ ورجعَ أصحابه، ولا يظنُّ أهلُ الشَّام أنَّهم رجعوا إلَّا بسبب المساء والليل. وجاء أصحابُه بطبيب يقال له: سفيان (٤) -مولًى لبني رُؤاس- فانتزع النَّصْل من جبهته (٥)، فصاح ومات. فقال أصحابُه: أين ندفنه؟ واختلفوا فيه، فقال بعضهم: نُلبسه درعه ونلقيه في الماء، وقال آخرون: بل نحزُّ رأسَه ونرميه بين القتلى. فقال ابنُه يحيى: لا والله، لا تأكل الكلاب لحم أبي. فدفنوه في حفرة، وسكَّروا ماء النهر، وأجْرَوْا عليه الماء. وأصبح يوسف بن عمرو قد تفرَّق أصحاب زيد، فعلم أنَّه قد قُتل، فجعل يفتِّشُ القتلى عليه، وكان معهم لما دُفن غلامٌ سِنْديّ، فدلَّهم على مكانه، فاستخرجَه يوسف، فقطع رأسَه، وبعث به إلى الشَّام، وصلبَ بدنَه بالكُناسة [هو] وجماعةٌ ممن كان معه: نصر بن خُزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأَنْصَارِيّ وغيرُهما (٦).

стр. 5123

والذي نبشَ زيدًا وقطع رأسه وصلبه خِراش بنُ حَوْشب بن يزيد الشَّيبانِيّ. وقد أشار إليه السيِّد (١) الحميري في مرثيَّة يرثي بها زيدًا فقال: بتُّ لَيلِي مُسَهَّدًا … ساهرَ العينِ مُقْصَدا (٢) ولقد قلت قولةً … وأطَلْتُ التَّلَدُّدا (٣) لعنَ الله حَوْشَبًا … وخِراشًا ومَزْيدا ويزيدًا فإنَّهُ … كان أعتى وأعندا (٤) ألفَ أَلْفٍ وألفَ أَلـ … فٍ من اللَّعْنِ سَرْمَدا إنهم حاربوا الإلـ … ـهَ وآذَوْاءَ محمَّدا شَرَكُوا في دم المُطَهَّـ … رِ زيدٍ تعمُّدا (٥) ثم عالوه (٦) فوق جِذْ … عٍ صريعًا مُجَرَّدا يَا خِراشَ بنَ حَوْشَبٍ … أنتَ أشقى الوَرَى غدا (٧) [وقال هشام:] لما وصل الرأس إلى هشام؛ نصبَه على درج دمشق، ثم بعثَ به إلى المدينة، وأقام البَدَنُ مصلوبًا حتَّى مات هشام ووليَ الوليد بن يؤيد، فأمر به فأُحرق (٨). [وقال أبو عُبيدة معمر:] لما قُتل زيد قال رجل من بني أسد لابنه يحيى (٩): الرأي أن تخرج إلى خُراسان، فلكم بها شيعة. قال يحيى: ومن لي بذاك؟ فقال: تتوارى حتَّى يكفَّ عنك الطلب، ثم تخرج. فواراه عنده ليلة، ثم خاف، فأتى عبدَ الملك بنَ بشر بن

стр. 5124

مروان بن الحكم فقال له: إنَّ قرابة زيد بك قريبة، وحقُّه عليك واجب، قال: أَجل، ولقد كان العفوُ عنه أقربَ للتقوى قال: وهذا ابنُه غلامٌ حَدَث لا ذنبَ له، وإن علمَ به يوسف بنُ عمر قتلَه، فتُجِيرُه وتُواريه عندك. قال: نعم وكرامة. فأتاه به، فواراه، وبلغَ يوسفَ بنَ عمر، فبعث إلى عبد الملك يقول: ابعثْ إليَّ بالغلام، وإلا كتبتُ فيك إلى أمير المُؤْمنين. فبعثَ إليه: كيف أُواري من ينازعُني سلطاني ويدَّعي أن له فيه أكثرَ من حقي؟! وما بلغك باطلٌ وزُور. فصدَّقه يوسف، ثم خرج يحيى في نفر يسير من الزيدية إلى خراسان (١). [وقال هشام وأبو عُبيدة:] ثم خطب يوسف بن عمر فقال: يَا أهل الكوفة إن يحيى بن زيد يتنقَّل في حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، واللهِ لو أبدى لي صفحته لفعلتُ به كما فعلتُ بأبيه (٢). [وقال أبو مِخْنَف:] ولما [قُتل زيد] دخل يوسف الكوفة [و] صعد المنبر وقال: يَا أهل هذه المَدَرَة الخبيثة، أبشروا بالصَّغار والهَوَان، لا عطاءَ لكم عندنا ولا رزق، ولقد هممتُ أن أهدم دوركم وأسلبكم أموالكم، وواللهِ ما صعدتُ المنبر إلَّا لأُسمعَكم ما تكرهون، فإنكم أهل بغي وشقاق، وخلاف ونفاق، ما منكم إلَّا من قد حارب الله ورسولَه، ولو أذنَ لي أميرُ المُؤْمنين فيكم لقتلتُ مقاتلتكم، وسبيتُ ذراريكم (٣). فصل يتعلق بزيد بن عليّ: كنيتُه أبو الحسين، وقيل: أبو الحسن، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: فتاة (٤)، وقيل: جيداء. وهو من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة (٥)، رأى في المنام كأنَّه أضرمَ نارًا بالعراق أُطفئت ومات، فقال لابنه يحيى: قُتلتُ يَا بُنيّ وربِّ الكعبة (٦).

стр. 5125

وذكر المسعودي أن زيدًا أقام مصلوبًا (١) بالكوفة خمس سنين -وقيل: أربع سنين- لم تُرَ له عورةٌ سترًا من الله عليه [فلما كان الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالكوفة أن أحرق زيدًا بخشبته، فحرقه، وأذرى رماده في الفرات (٢). وقال الواقديّ:] وصلبوه عُريانًا بغير سراويل، فجاءت عنكبوت، فنسجت على عورته. [وحدثني عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ رؤي مستندًا إلى خشبة زيد يبكي ويقول: هكذا تفعلون بولدي! قلت: وقد أخرج هذه الآثار أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" فروى عن إسماعيل بن عليّ الخطبي قال: كان كنية زيد بن عليّ أبو الحسين، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: جيداء. ظهر بالكوفة في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان سنة إحدى وعشرين ومئة، وقُتل ليومين خلوا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة وهو ابنُ اثنتين وأربعين سنة، وصُلب بالكوفة، وفي تاريخ قتله خلاف، ولم يزل مصلوبًا إلى سنة ستّ وعشرين ومئة، ثم أنزل بعد أربع سنين من صلبه (٣). قال: وسئل سفيان بن عُيينة: متى مات الزُّهريّ؟ قال: سنة ثلاث وعشرين ومئة، وفيها قُتل زيد بن عليّ ﵁. وروى أبو القاسم أَيضًا أن زيدًا صُلب ووجهُه ناحية الفُرات، فأصبح وقد دارت خشبتُه نحو القبلة، ففعلوا به ذلك مرارًا، وعمدت عنكبوت فنسجت على عورته، وكانوا صلبوه عُريانًا (٤). وروى أبو القاسم أَيضًا بإسناده إلى جرير بن حازم قال: رأيتُ النَّبِيّ ﷺ في النَّوم مسندًا ظهره إلى خشبة زيد وهو يبكي ويقول: هكذا تفعلون بولدي (٥)؟!

стр. 5126

وقال ابنُ سعد بإسناده (إلى سَحْبَل بن محمَّد) قال: ما رأيت أحدًا من الخلفاء أشدَّ عليه من الدِّماء من هشام، ولقد دخله من مقتل زيد بن عليّ ويحيى بن زيد أمرٌ شديد، وقال: وددتُ أني كنت فَدَيتُهما (١). قلت: وذِكْرُ يحيى في هذا الحْبر وهمٌ من ابن (سعد) فإنَّ يحيى قُتل بعد موت هشام في أيام الوليد لما نذكر. وقال ابنُ سعد (٢): قُتل زيد يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومئة -وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومئة -وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وقال أبو نُعيم -يعني الفضل بنَ دُكَيْن-: إن زيدًا قُتل يوم عاشوراء. وقال أبو القاسم ابن عساكر: كان زيد يسمَّى ذا الدمعة؛ لكثرة بكائه (٣). قال: وسمع الحديث من أَبيه، وأخيه محمَّد، وأبان بن عثمان. وروى عنه ابنُ أخيه جعفرُ الصادق، والزُّهْرِيّ، وشعبة، وغيرهم. قال أبو القاسم ابن عساكر.] (٤) وسأله آدم بن عبد الله الخثعميّ عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: مَنْ هم؟ قال: أبو بكر وعمر. قيل له: فأنت تقول هذا؟! قال: لا أنالني الله شفاعة محمَّد ﷺ إن لم أُوالهما (٥). ﵁. ومن شعر زيد رحمة الله عليه: مُنْخَرِقُ الخُفَّينِ (٦) يشكو الوَجَى … يُدمينَهُ (٧) أطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ شرَّدَه الخوفُ وأزْرَى بِهِ … كذاك مَنْ يكرهُ حَرَّ الجِلادْ

стр. 5127

قد كانَ في الموت له راحةٌ … والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العبادْ (١) وهذا قاله لمَّا كان يتردَّد من البصرة إلى الكوفة متخفّيا، ومن قبيلة إلى قبيلة. وكان يتمثَّل بهذين البيتين ويقول: وكنتُ إذا قومٌ غَزَوْني غَزَوْتُهمْ … فهل أنا في ذا يال هَمْدانَ (٢) ظالمُ متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارمًا … وأنفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظالمُ وهما لعَمرو بنِ برَّاقة الهَمْدانيّ؛ أغار عليه رجل من هَمْدان اسمُه حُريم، فاستاقَ إبلَه، فأغار عليه عَمرو، فاستاقَ إبلَه. وهي من أبيات منها: ومَنْ يطلبِ العزَّ الممنَّعَ بالقَنا … يَعِشْ ماجدًا أو تخترمْهُ المخارِمُ (٣) ذكر أولاد زيد: فولدَ [زيدُ بنُ علي] يحيى بنَ زيد المقتول بخراسان، وأمُّه رَيطة بنتُ أبي هاشم عبدِ الله بنِ محمَّد بن الحنفيَّة، بعث إليه نصرُ بنُ سيار سَلْم بنَ أحْوَز فقتله، وعيسى، وحُسينًا، ومحمدًا، وهم لأمِّ ولد (٤). وهذا حسين يقال له: المكفوف كُفَّ بصرُه، وكنيتُه أبو عبد الله، وكان له من الأولاد: مُلَيكَة، وميمونة؛ وتزوَّجَ ميمونةَ مُحَمَّد المهدي بن المنصور، فتوفي عنها، فخلفَ عليها عيسى بن جعفر الأكبر ابن أبي جعفر المنصور، فلم تلد له، وعُليَّة بنت حسين، وأمُهنَّ كَلْثم بنت عبد الله بن عليّ بن الحسين بن عليّ ﵇، ويقال لها: الصَّمَّاء، ويحيى بن حسين، وسُكينة بنت حسين لم تبرز، وفاطمة بنت حسين، تزوَّجَها محمَّد بنُ إبراهيم الإمامِ، فولدَتْ له حَسَنًا، وسليمان، وخديجة، وزَينب، والحُسين، بني (٥) محمَّد بن إبراهيم [بن محمَّد] بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس (٦).

стр. 5128

وقال أبو الفرج الأصفهاني (١): كان محمَّد بن يحيى بن زيد بن عليّ (٢) قد قام بطبرستان بعد مقتل أبيه في أيام بني العباس واستولى عليها، فكان يُفَوِّقُ الخَراجَ وبيتَ المال في القبائل؛ قريشٍ أولًا، ثم في الأنصار، ثم في العلماء وأهل القرآن وسائر الطبقات حتَّى لم يُبق درهمًا. وإنه جلس يومًا على عادته، ففرَّق المال، فقام إليه رجلٌ، فسأله: أَمِنْ بني عبد مناف أَنْتَ؟ قال: نعم. قال: أَمِنْ بني أميَّة أَنْتَ؟ قال: نعم. قال: من أيِّ ولده؟ فأمسك. قال: لعلَّك من ولد يزيد بن معاوية؟ قال: نعم. فقال: بئس الاختيارُ اخترتَ لنفسك حيث قصدتَ بلدًا ولاتُه آلُ أبي طالب، وعندك ثأرُهم في سيِّدهم، وقد كان لك منصرفٌ إلى الشَّام، أو إلى العراق، ولقد جهلتَ وخاطرتَ بنفسك. فنظر إليه العلويُّون نظرًا منكرًا، فصاح بهم محمَّد، فسكنوا، فقال: هل تظنُّون في قتل هذا دَرَكًا لقتل الحسين؟! أيُّ جُرم لهذا؟ إن الله يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وهذا ما قتل، وواللهِ لئن تعرَّضَ إليه أحد لأُقِيدنَّه به (٣). ثم قال: اسمعوا حديثًا يكون لكم قدوةً: عُرض على أبي جعفر سنةَ حجَّ جوهرٌ فاخر، وقيل له: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وقد بقيَتْ منه بقيَّة عند محمَّد بن هشام، وهو معك بمكة، فأمر بغلق أبواب الحرم، وأمرَ الربيعَ (٤) أن يقفَ على بابِ يعترضُ النَّاس، وكان محمَّد بن هشام في المسجد قد تنكّر، وكان في المسجد عمِّي محمدُ بن زيد، فرأى محمَّد بنَ هشام متحيِّرًا ولم يعرفه، فقال له: يَا هذا ما الذي بك؟ قال: ولي الأمان؟ قال: نعم. قال: أنا محمَّد بن هشام، فمن أَنْتَ؟ قال: محمَّد بن

стр. 5129

زيد بن عليّ بن الحسين. فقال: عند الله أحتسبُ نفسي. فقال: يَا ابنَ العمّ، لا بأس عليك، أنا أُخلِّصُك، ولكن لا بدَّ من مكروه أنالُك به يكون سببًا لخلاصك. قال: افعل. فجعلَ عِمامتَه في عنقه، وأقبلَ يجزُه ويَلْطِمُه إلى باب الحرم، والربيعُ قائم على الباب، فقال له: يَا أَبا الفضل (١)، إنَّ هذا جمَّالٌ خبيثٌ من أهل الكوفة، أكراني جِمالًا ذاهبًا وراجعًا، وقد هرب مني، وأكراها لبعض الخُراسانية، ولي عليه بيِّنة، فضُمَّ إليَّ حَرَسِيَّيْن يقدِّمانه إلى القاضي، ويمنعان الخُرَاسَانِيّ من إعزازه. فضمَّ إليه حَرَسِيّين وقال: اذهبا معه. فلما خرج من المسجد قال: تؤدِّي إليَّ حقِّي؟ قال: نعم يَا ابنَ رسول الله ﷺ فقال للحَرَسِيّينِ: انْصَرِفا فقد اعترف. فانصَرَفا. فقَبَّلَ ابنُ هشام يدَ محمَّد وقال: بأبي أَنْتَ وأمي، اللهُ أعلمُ حيث يجعلُ رسالاتِه. ثم أخرج جوهرًا له قيمة، فدفعَه إليه وقال: شَرِّفْني بقبوله. فقال له: يَا ابن عمّ، نحن أهلُ بيت لا نأخذُ على المعروف أجرًا وقد تركتُ [لك] (٢) أعظمَ من هذا وهو دمُ زيد بن علي، فانصرفْ راشدًا، ودارِ شخصَك حتَّى يخرجَ هذا الرجلُ من البلد، فإنَّه مُجِدٌّ في طلبك. فمضى وتوارى. قال: ثم أمر للرجل الأُموي من العطاء مثل ما أمر به لواحدٍ من بني عبد مناف، وكساه ووصلَه من عنده، وبعثَ معه رجالًا، فأوصلوه إلى مأمنه (٣). [وفيها تُوفِّي] سَلَمهُ بنُ كُهيل الحضرميّ، من الطَّبقة الثالثة من أهل الكوفة، كان ثِقَة كثير الحديث (٤). وقال سفيان الثَّوريّ: سَلَمةُ بن كُهيل ركنٌ من الأركان (٥).

стр. 5130

وكان من شيعة عليّ ﵇ (١). وقال سَلَمة: رأيت رأس الحسين بن عليّ على قناة وهو يقرأ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) [البقرة: ١٣٧]. ومولده سنة سبع وأربعين، ومات سنة اثنتين وعشرين ومئة. وقيل: سنة ثلاث وعشرين (٣). أسند عن جُندب بن عبد الله البَجَلي، وأبي جُحيفة السُّوَائي، وأبي الطُّفيل، والشعبيِّ، وغيرهم. وروى عنه سفيان الثوريّ، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر (٤)، ومنصور، والأعمش (٥). عبد الله البطَّال مولى بني أمية [شاميّ] دمشقي، وكنيتُه أبو يحيى، كان شجاعًا مقدامًا جوادًا، صاحب غَزَوات ونكايات في العدوّ. [وكان معه عبد الوهَّاب بن بُخْت وقد ذكرناه. قال خليفة: وفي سنة اثنتين وعشرين (٦) استُشهد البطَّال ببلاد الروم. وقال أبو عبيدة معمر: في سنة ثلاثَ عشرةَ ومئة. وهو وهم، الذي استُشهد في سنة ثلاث عشرة ومئة عبدُ الوهَّاب بن بُخت (٧). وقال ابنُ أبي الدنيا: أوَّلُ من قال: الشجاعة صبرُ ساعة البطَّال.

стр. 5131

وذكر أبو القاسم ابن عساكر فقال (١):] وكان ينزلُ أنطاكية، ولما ولَّى عبدُ الملك ولدَه مَسْلَمَة غزوَ الرُّوم أوصاه به، وقال: اجْعَلْهُ على طلائعك وعَسَسِ عسكرك في الليل، فإنَّه مقدامٌ ثِقَة أمين. [وخرج عبد الملك فشيَّعَهم إلى ظاهر دمشق]. فعقد مسلمة للبطَّال على عَشَرة آلاف من أهل الشَّام والجزيرة، وجعلهم سيَّارة فيما بين حصون الروم وعسكر المسلمين (٢). وحكى أبو القاسم عن الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه قال: قيل للبطَّال: ما أعجبُ (٣) ما رأيتَ في غَزَواتك؟ فقال: نزلتُ على قرية وقلتُ لأصحابي: لا تُهيجوهم، وإذا بيتٌ فيه سراج يَزْهَر، وامرأة تخوِّفُ ابنًا لها يبكي وهي تقول له: اسكُتْ وإلا سلَّمْتُك إلى البطَّال. [قال:] وأنا قائم على الباب وهي لا تشعر بي، فلما أكثر البكاء أخَذَتْه على يدها وأشارت به إلى الباب وقالت: خُذْ يَا بطَّال. فقلت: هاتِ. وأخذتُه. وحكى [أبو القاسم أَيضًا عن] الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه قال: رأيتُ البطَّال قافلًا من الحجّ في السنة التي قُتل فيها، يُخبر أنَّه لا يزال مشغولًا بالجهاد عن الحجّ، ويسأل الله الشهادة. ثم غزا في عامة ذلك، وأقبل ملك الروم -وقيل: ليبون (٤) - في مئة أَلْف، فالتقاهم البطَّال، فشدَّتْ عليه أبطال الروم، فشاطَتْه (٥) برماحها، وسقط عن سرجه وبه رَمَق. وأقبل الليل فافترقوا، فقال البطَّال للنَّاس: الحقوا ببعض الأمصار. وبقي الليلَ مكانَه، وبلغ ليبونَ الخبرُ، فجاء فنزل، وقعد عند رأسه وقال له: يَا أَبا يحيى، كيف رأيتَ؟ قال: ما زالت الأبطال تَقْتُلُ وتُقْتَل.

стр. 5132

ودعا ليبون بالأطباء، فنظروا إلى جراحاته، فقالوا: قد أَنْفَذَت مقاتلَه. فقال: هل من حاجة؟ قال: نعم، تأمرُ من ثبت معي من المسلمين يَتَولَّوْا أمري ودفني، وتُخْلِيَ سبيلَ مَنْ ثبتَ معي. فقال: نعم. ووفَىَ له (١). أبو عمران عبد الملك بن حبيب الجَوْنيّ، من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة (٢)، وكان من الخائفين المتعبِّدين. [قال ابن سعد (٣): كان] ثِقَة كثير الحديث. وكان إذا سمعَ (٤) صوتَ المؤذِّن؛ تغيَّر لونُه، وفاضَتْ عيناه. [وكان يقصُّ على النَّاس ويبكي. قال: وكان يقول في قَصصه: لا يغرنَّكم مِن ربِّكم طولُ الأمل، فإنَّ أخذه أليم شديد (٥)، وحتى متى تبقى وجوه أوليائه تحت أطباق الثرى، وإنما هم يحبسون ببقية آجالكم حتَّى تُبعثون جميعًا. وقال: وعظ موسى يومًا، فشقَّ رجلٌ ثيابَهُ، فأوحى الله تعالى إلى موسى: قُلْ للرجل صاحب القميص: لا يشقُّ قميصه، ولكن ليشقَّ لي عن قلبه. وقال: تصعدُ الملائكةُ إلى الله بالأعمال، فينادي المَلَكَ: ألقِ تلك الصحيفةَ -أو الصحائف- فيقول: يَا ربّ، قالوا خيرًا -أو عملوا- وحفظناه عليهم، فيقول الله: لم

стр. 5133

يريدوا به وجهي. قال: وينادي المَلَكَ: اكتُبْ لفلان كذا وكذا، فيقول: يَا ربّ لم يعمل! فيقول: إنه نواه] (١). أسند عن أنس، وجُندب بن عبد الله، وعائذ بن عَمرو، وأبي برزة الأسلميّ، وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين. قيس بن مسلم الجَدَلي، من الطَّبقة الرابعة (٢) من أهل الكوفة. كان من العبَّاد الخائفين، كان يصلي في المسجد من أول الليل إلى السَّحَر، يبكي طول ليلِه. وزارَ محمدَ بنَ جُحادة ليلةً، فأتاه وهو في المسجد بعد العشاء الآخرة ومحمدٌ قائم يصلي، فقام قيس في الناحية الأخرى يصلي (٣)، فلم يزالا على ذلك حتَّى طلع الفجر (٤). وكان قيس إمام مسجده، فرجع ليصلي بالحي، ولم يلتقيا فقال بعض أهل المسجد لمحمد: زارك أخوك قيس البارحة، فلم تنفتل إليه. فقال: واللهِ ما علمتُ به. ثم غدا محمَّد على قيس، فلما رآه قام، فاعتنقا، وجلسا يبكيان. أسند قيس عن طارق بن شهاب، وسعيد بن جبير، وعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (٥). محمَّد بن جُحادة الأزديّ مولاهم، من الطَّبقة الثالثة من أهل الكوفة. كان من العابدين لا ينام من الليل إلَّا أيسرَه.

стр. 5134

رأت امرأة من جيرانه كأنَّ حُلَلًا فُرِّقَتْ على أهل مسجدهم (١)، فلما انتهى الذي يُفرِّقها إلى محمَّد بن جُحادة؛ دعا بسَفَطٍ، فأخرجَ منه حُلَّةً صفراء. قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها وقال له: هذه لك بطول السَّهَر. قالت المرأة: فواللهِ لقد كنتُ أراه بعد ذلك، فأتخايلُها عليه (٢). مَسْلَمَةُ بنُ عبد الملك ابن مروان، وكنيتُه أبو سعيد (٣)، وقيل: أبو الأصبغ. وكان شجاعًا جوادًا صاحب همَّة وعزيمة، وله غَزَوات كثيرة من أول ولاية أَبيه عبد الملك إلى هذه السنة. وقد ذكرنا منازلتَه القسطنطينية، وبلادَ الخُوارزم، واللَّان، والعراق، وغيرَها، و [قد] كان جديرًا بالخلافة، وإنَّما زَوَى بنو أمية عنه الأمر؛ لأنَّ أمَّه أمَةٌ، وما كانوا يرون إلَّا ولايةَ أولاد الحرائر، ويُسمُّون بني الإماء الهُجَناء. وقال الأصمعيّ: سابقَ عبدُ الملك يومًا بين مَسْلَمة وسليمانَ ابنَيه، فسبق سليمانُ، فقال عبد الملك: ألم أنهكُمْ أنْ تحملُوا هُجَناءكم … على خيلكم يومَ الرِّهان فتُدركوا وما يستوي المرءانِ هذا ابنُ حُرَّةٍ … وهذا ابنُ أُخرى ظهرُها متشرِّكُ وتَرْعَشُ عَضْدَاهُ ويضعفُ صوتُهُ (٤) … وتَقْصُرُ رجلاه فلا يتحرَّكُ وأدرَكْتَهُ خالاتُه فَنَزعْنَهُ … ألا إنَّ عِرْق السَّوْءِ لا بدَّ يُدْرِكُ (٥) فقال مسلمة: يَا أمير المُؤْمنين، ما هذا قال حاتم الطَّائيّ. قال: فما الذي قال: فأنشد مسلمة:

стр. 5135

وما أنكحونا طائعين بناتِهمْ … ولكن خطبناها بأسيافنا قَسْرَا وكائِنْ ترى (١) فينا من ابنِ سَبِيّةٍ … إذا لقيَ الأعداءَ يطعنُهم شَزْرَا أغرُّ إذا اغبرَّ (٢) اللثامُ كأنَّهُ … إذا ما سرى تحت الدُّجَى قمرًا بدرا (٣) فخجل عبدُ الملك. وقيل: إنَّ بني أمية إنما امتنعوا من استخلاف أبناء أمَّهات الأولاد لا استهانة بهم (٤)، وإنما كانوا يرون في الملاحم (٥) أنَّ انتهاء ملكهم وزواله يكون على يد ابنِ أَمَة. وكذا كان، فإنَّ مروان بن محمَّد كانت أمُّهُ سَبِيَّة، سباها أبوه محمَّد من عسكر مصعب بن الزُّبير، وكان زوالُ ملكهم على يده، وإلا فما كان في بني عبد الملك أَسَدَّ رأيًا، ولا أتمَّ عقلًا، ولا أقوى قلبًا، ولا أشجع نفسًا، ولا أسخى كفًّا من مَسْلَمة، وإنَّما تركوه لما ذكرنا، وهو الأصحّ. وقيل: إنَّه رام الخلافةَ فلم ينلها، ومَنَعتْه الأقدار. وقال الزُّبير بن بكَّار: كان من رجالهم، ويلقَّب بالجَرَادة الصفراء. وله آثار في الحروب، ونكايات في التُّرك والروم والخَزَر واللَّان (٦). وذكره ابنُ سُميع في الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام (٧). وقال خليفة في سنة إحدى وتسعين (٨): عزل الوليدُ بنُ عبد الملك محمدَ بنَ مروان عن الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولَّاها مسلمةَ بنَ عبد الملك، ولم يزل يغزو الروم كلَّ عام

стр. 5136

من سنة ستٍّ وثمانين، إلى سنة ثمانٍ وتسعين؛ اثنتي عشرة سنة؛ ما فيها عام إلَّا ويفتح فيه حصونًا، أو يهزم فيه جيوشًا (١)، وافتتح مدينة الصقالبة، ولقيَ خاقان، فهزمه (٢). وحجَّ بالنَّاس سنة أربع وتسعين، وغزا قَيسارَّية سنة ثمان ومئة (٣)، وحجَ بالنَّاس أَيضًا سنة تسع عشرة ومئة (٤)، وأخربَ ما بين الخليج والقسطنطينية في البرّ والبحر، وحصرها في سنة ثمان وتسعين، أغزاه إياها أخوه سليمان في البرّ والبحر (٥)، وكان طامعًا في فتحها، لما رُويَ أن النبيَّ ﷺ قال: "لَتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطينيَّة، ولَنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولَنِعْمَ الجيشُ جيشُها" (٦). و [قال خليفة أَيضًا] (٧) في سنة إحدى ومئة: جمع له يزيد بن عبد الملك إمرة العراقين، وولَّاه محاربة يزيد بن المهلب. وفي سنة سبع ومئة ولّاه هشام [بن عبد الملك] أرمينية وأذَرْبيجان (٨). قال [أبو القاسم] ابن عساكر (٩): وكانت داره بدمشق عند باب الجامع القِبليّ. وقال هشام: جرى بين الوليد بن عبد الملك وأخيه مَسْلَمة شيءٌ، فدخل عليه، فاسترضاه، فلما قام مَسْلَمة ليخرج قال الوليد: خُذوا السمع كلَّه بين يدي أبي سعيد. فقال مَسْلَمة: واللهِ يَا أمير المُؤْمنين، لا أمشي إلَّا في ضوء رضاك عنِّي. فأُعجب الوليد، ورضي عنه (١٠).

стр. 5137

وقال الواقديّ: أوصى مَسْلَمَةُ بثلث ماله لأهل الأدب، وقال: إنها صناعة مهجورة، مجفوٌّ أهلُها (١). ويقال: إنه مات في سنة إحدى وعشرين ومئة. ورثاه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال: فليتك لم تَمُتْ وفَدَاكَ قومٌ … تراخى بينهم عنا (٢) الدِّيارُ سقيمُ الصدرِ أو عَسِرٌ (٣) نكيدٌ … وآخَرُ لا يزورُ ولا يُزارُ عنى بالأوَّل يزيدَ بنَ الوليد، وبالثاني هشام بنَ عبد الملك، وبالثالث مروان بنَ محمَّد. وقد رثاه الكُمَيت الشاعرُ -والأبياتُ في الحماسة- فقال: فما غابَ عن حِلْمٍ ولا شَهِدَ الخَنَا … ولا استعذبَ العوراءَ يومًا فقالها ويبتذلُ النفسَ المصونَةَ نفسَهُ (٤) … إذا ما رأى حقًّا عليه ابتذالها من أبيات (٥). وكان لمسلمة أولاد وعقب، منهم محمَّد بن يزيد بن مَسْلَمة الأُموي، عاشَ إلى زمن المأمون، ومَدَحَ الحسنَ بنَ وَهْب متولِّي الخَراج لعبد الله بن طاهر بدمشق، فقال: يسقي رياضًا من المعروف حاليةً … فهُنَّ للمجدِ مصطافٌ ومُرْتَبَعُ حيث المكارمُ معمورٌ مساكنُها … بآلِ وَهْبٍ وشَمْلُ المجدِ مجتمِعُ كانت عَوارِيَ حتَّى حلَّها حسنٌ … فأصْبَحَتْ ولها من جُودِهِ خِلَعُ (٦) أسندَ مسلمةُ عن عمر بن عبد العزيز ﵁، وروى عنه عُيينة والد سفيان (٧).

стр. 5138

ذكر واقعة جرت لمسلمة في بلاد الروم: حكى القاضي التنوخي عن رجل من أهل الكوفة قال (١): كنَّا في غَزاة مع مَسْلَمةَ بن عبد الملك في بلاد الروم، فسبى سَبْيًا كثيرًا، فأحضروا شيخًا كبيرًا، فأمر بقتله، فقال له: ما حاجتُك إلى قتلي (٢) وأنا شيخٌ كبير، إن تركتَني أتيتُك بأسيرَينِ شابَّين مسلمين. قال: ومن لي بذاك؟ قال: إنِّي إذا وعدتُ وفَيتُ. قال: لستُ أثقُ بك. قال: فدعني [حتى] أطوف [في] عسكرك لعلّي أجدُ من يكفلني إلى أن أعود. قال: اذهبْ. ووكَّل به من يطوفُ معه. فجعل يتصفَّح الوجوه حتَّى مرَّ بفتًى من بني كلاب قائمًا يَحُسُّ فرسَه، فقصَّ عليه القصة، فجاء معه إلى مسلمة وكَفِلَه، وأطلقَ الشَّيخ. فلما مضى قال له مسلمة: أتعرفُه؟ قال: لا واللهِ. قال: فكيف ضمنتَه؟ قال: رأيتُه يتصفَّح الوجوه، فاختارَني من بينهم، فكرهتُ أن أُخلفَ ظنَّه. فلما كان من الغد؛ حضر الشيخُ ومعه شابَّانِ أسيرانِ، فدفَعَهما إلى مسلمة وقال: إن رأى الأميرُ أن يأذنَ لهذا الشابّ بالمصير معي إلى حصني لأكافئه. فقال مسلمة للشابّ: إن شئتَ فامضِ معه. فمضى معه، فلما صار في حصنه قال له [الشيخ]: يَا فتى، علمتُ أنك ابني. قال: كيف أكونُ ابنَك، وأنا رجلٌ مسلم من العرب، وأنت شيخ نصرانيّ من الروم؟! قال: فأخبِرْني؛ هل أمُّك روميَّةٌ سُبِيَتْ؟ قال: نعم. قال: فإنْ وصفتُها تصدِّقُني؟ قال: نعم. فشرع الروميُّ يصفُها، فقال: هي واللهِ كذلك، فكيف عرفتَ أنّي ابنُها؟! قال: بالشَّبَهِ، وتعارفِ الأرواح، وصِدْقِ الفِراسة.

стр. 5139

ثم أخرج إليه امرأةً لم يشكَّ أنها أمّه، وخرجَتْ معها عجوزٌ كأنها هي. فقال الشيخ: هذه جَدَّتُك، وهذه ابنتُها خالتُك. فأقبلا يُقبِّلانِ رأس الفتى ويبكيان، ثم دعا بشبابٍ في الصحراء، فقال: هؤلاء أخوانُك وبنو خالاتك. ثم أخرجَ حُليًّا كثيرًا، وثيابًا فاخرة، وقال: هذا عندنا منذ سُبيتْ أمُّك، فخُذْهُ معك، وادْفَعْهُ إليها، وأَقْرِئْها عنّا السلامَ. وبكى الشيخ، وبكَوْا معه، ثم أعطاه لنفسه مالًا كثيرًا وثيابًا وحُلِيًّا، وحملَه على عدَّة دوابَّ، وألحقَه بعسكر المسلمين. فأخْبِرَ مسلمةُ الخَبر، فجعلَ يتعجَّب، فلما قدم الفتى على أمِّهِ، أخرجَ لها شيئًا فشيئًا وهي تعرفُه وتبكي وتقول: باللهِ (١) فتحتُم الحصن الفلانيّ، وقتلتُم شيخًا من صفته كذا وكذا، وهو واللهِ أبي، ولي أمٌّ عجوز، وأختٌ وإخوة. وأكثرتِ البكاء، فقال لها: لا بأس عليكِ. وحدَّثَها الحديث، ودفعَ إليها ما بعثَه الشيخ [معه إليها] (٢). السنة الثالثة والعشرون بعد المئة [حكى البلاذُري أنَّ في هذه السنة] خرج خمسة وعشرون ألفًا من الرُّوم، فنزلُوا على مَلَطْيَة، فبعثَ إليهم هشام بن عبد الملك الجيوش، فقَتلُوا منهم مقتلةً عظيمة، وانهزم الباقون (٣). وفيها صالحَ نَصْرُ بنُ سيَّار السُّغْد، وكانت التُّرك قد تفرَّقَتْ بعد مقتل خاقان في أيام أسد بن عبد الله، واشتغلوا بالغارات بعضهم على بعض، فطمع أهل السُّغد في الرجوع إلى بلادهم، فبعثوا إلى نَصْر بن سيَّار، فأجابهم إلى ما طلبوا.

стр. 5140

وكانوا قد شرطوا عليه شروطًا؛ منها: أنْ لا يُعاقبَ من كان مسلمًا وارتدَّ عن الإِسلام، ولا يؤخذون بما كانوا أخذُوه من بيت المال، ولا يُؤخذ أُسارى المسلمين من أيديهم إلَّا بحكم حاكم وشهادة العدول. وأنكر أمراءُ (١) خُراسان وأشرافُهم ذلك، فكلَّموا نصرًا، فقال: أما واللهِ لو عاينتُم نكايتَهم في المسلمين، وشدَّةَ شوكتهم؛ لما أنكرتُم ذلك. ثم كتب كتابًا إلى هشام، وبعثَ رسولًا في ذلك، فأبى هشام أن يُنفذ الصُّلح، فقال له الرسول: ما جَرَّبْتَ يَا أمير المُؤْمنين حَرْبَهم ونكايتهم في المسلمين، فقال له الأبرش الكلبي: يَا أمير المُؤْمنين، تألَّف القوم، فقد عرفتَ نكايتَهم. فأمضى الصُّلْح على ذلك (٢). وفيها بعث يوسفُ بنُ عمر الحكمَ بنَ الصَّلْت إلى هشام يسألُه أن يضمَّ إليه خُراسان مع العراق حسدًا منه لنصر بن سيَّار، فإنَّه كانت قد حَسُنت سيرتُه، فلم يلتفت إليه هشام، وكتب إلى يوسف: فيما قِبَلَك كفايةٌ، ولك فيه سَعَةٌ، فدع الكنانيَّ وعملَه (٣). وفيها غزا نَصْرُ بنُ سيَّار غزوةً ثانيةً إلى فَرْغَانة، وغَنِمَ غنائم كثيرة، وبعث معن بن أحمر (٤) إلى هشام، فجعل معن طريقه على العراق، فاجتمع بيوسف بن عمر، فقال: يَا ابن أحمر، أيغلبكم ابن الأقطع يَا معاشر قيس على سلطانكم. يعني نصرًا. فقال: قد كان ذلك. فقال: إذا وَرَدْتَ على أمير المُؤْمنين فابقر بطنَه. فلما قدم [على] (٥) هشام سألَه عن أمر خُراسان، فأثنى على يوسف بن عمر بخير، فقال: ويحك! أخْبِرْني عن خُراسان! فقال: ليس لك جند أعزّ ولا أكرم؛ إلَّا أنَّه ليس لهم قائد. قال: ويحك! فما فعل نصرُ بنُ سيَّار؟! قال: إنه لا يَعْرِفُ ولدَه من الكِبَر.

стр. 5141

وكان عنده شُبيل (١) بن عبد الرَّحْمَن المازنِيّ، فسأله عن نصر، فأثنى عليه، فلم يلتفت هشام إلى مقالِ ابن أحمر (٢). وقيل: إن يوسف كتب إلى هشام يذكرُ له كِبَرَ نَصْر وضعفَه، ويذكرُ له سَلْمَ (٣) بنَ قتيبة، فكتب إليه هشام: الْهُ عن ذكر الكِنانِيّ (٤). وقيل: إنَّ القيسيَّة اتفقت مع يوسف على مكايدة نصر، وكاتبوا هشامًا، ورمَوْه بأنه شيخ قد كَبِر، وأنه لا يصلح للولاية، فلم يلتفت هشام إليهم، وعرفَ حَسَدَ يوسفَ له، وكتب إلى نصر يخبرُه، فأبعدَ نصرٌ القيسية وأهانهم، فقال بعض الشعراء: لقد بغَّضَ اللهُ الكرامَ إليكمُ … كما بَغَّضَ الرحمنُ قيسًا إلى نَصْرِ رأيتُ أَبا ليث يُهين سَرَاتِهم … ويُدْني إليه كلَّ ذي ضَعَةٍ غَمْرِ (٥) [واختلفوا فيمن] حجَ بالنَّاس في هذه السنة [فقال الواقديّ:] يزيد بن هشام بن عبد الملك. وقال المسعوديّ (٦): محمَّد بن هشام المخزومي وهو على ولايته، وكذا باقي العمَّال. وفيها تُوفِّي ربيعة بن يزيد القصير الدِّمشقيّ، أبو شعيب (٧) الإياديّ، مولى بني أمية، من الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام (٨). [وقال أبو سعيد بن يونس:] كان حَسَنَ السَّمْت (٩)، كثيرَ العبادة.

стр. 5142

[وقال أبو القاسم الحافظ:] ما أذَّن المؤذِّن منذ أربعين سنة إلَّا وهو في المسجد (١) وقدم مصر، وخرج إلى المغرب مع كلثوم بن عياض (٢) القشيري، فاستُشهد بإفريقية. أسند عن واثلة بن الأسقع، وعُمر بن عبد العزيز، وأقرانه، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيره. وكان ثِقَة، أخرج له مسلم في "صحيحه" (٣). سعيد بن أبي سعيد كَيسان مولى بني ليث بن كِنانة المَقْبُريّ، من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة. مات سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل: سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة ستّ وعشرين. أسندَ عن جماعة من الصَّحَابَة، منهم سعدُ بنُ أبي وقَّاص، وابنُ عمر، وأنس، وأبو هريرة، وجابر، وغيرهم. وروى عنه مالك بن أنس، وابنُ أبي ذئب، وعُبيد الله بن عمر العُمري، وغيرهم. وكان ثقةً، جليلَ القدر، كثيرَ الحديث، لكنّه كَبِرَ واختلطَ قبل موته بأربع سنين، رحمةُ الله عليه (٤). عائشة بنتُ طلحةَ ابنِ عُبيد الله التَّيميّ أحدِ العشرة [المبشَّرين بالجنة] وأمُّها أمُّ كلثوم بنتُ أبي بكر الصِّدّيق رضوان الله عليه، وأمُّها حَبِيبةُ بنتُ خارجة (٥) بن زيد الأَنْصَارِيّ [الخزرجيّ. تزوَّجَها طلحةُ بنُ عُبيد الله. وقد ذكرناها في ترجمته].

стр. 5143

وأولُ أزواج عائشةَ [بنت طلحة] عبد الله بنُ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصديق، فولَدَتْ له عبدَ الرَّحْمَن، وعمرانَ، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، ثم هجرَتْه، وعادت إليه، فتوفِّيَ عنها، فخلف عليها مصعب بن الزُّبير [بن العوَّام] فأصدقها مئة أَلْف دينار -وقيل: خمس مئة أَلْف درهم- وأهدى إليها هدية بمثل ذلك، فكتب أنس بن زُنَيم (١) إلى عبد الله بن الزُّبير ﵄: أَبْلِغْ أميرَ المُؤْمنين رسالةً … من ناصح لك لا يُريد خِداعا بُضْعُ (٢) الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ (٣) … وتبيتُ ساداتُ الجنودِ جياعا (٤) [وقال هشام:] ولما قُتل عنها مصعب؛ أرسلَ إليها بشْرُ بنُ مروانَ عمرَ بنَ عبيد الله بن معمر التَّيميّ خاطبًا لها على بِشْر [بن مروان] فقالت لعمر: أما وجدَ رسولًا سواك؟! وأين أنتَ عن نفسك؟! فقال: أوتفعلين؟! قالت: نعم. فتزوَّجَها. وبعث إليها ألفَ ألفِ درهم [كما فعل مصعب] (٥). وقال الشيخ أبو الفرج ابنُ الجوزيّ [في "المنتظم"]: إنَّ بِشْر بنَ مروان لمَّا خطبها قدمَ عُمر بنُ عُبيد الله بن معمر التَّيمي من الشَّام، فنزل الكوفةَ، فبلغه أن بشرًا خطبها، فأرسلَ إليها جاريةً تقول لها: [يقول لك] (٦): أنا ابنُ عمّك، وخير لكِ من هذا المَطْحول، ولئن تزوَّجْتُك لأملأن بيتَك خيرًا. فتزوَّجَها، وبَنَى بها بالحِيرة (٧). وكانت تَصِفُ له مصعبًا، فيكاد يموتُ من الغيظ (٨).

стр. 5144

[وقال الزُّبير بن بكَّار: كان عبد الله بن مُحَمَّد الرَّحْمَن بن أبي بكر أَبا عُذْرها، ثم مصعب بن الزُّبير، ثم عمر بن عُبيد الله بن معمر، ولما مات عنها عُمر، ناحَتْ عليه قائمةً، وكان ذلك عند العرب أمارةً أن لا تتزوَّجَ المرأةُ بعد زوجها أبدًا (١). [وكانت تُؤْثرُ عُمرَ بنَ عُبيد الله بن معمر على عبد الله ومصعب. وقال محمَّد بن إسحاق: كانت امرأة لا تخشى من الرجال، وتبرزُ لهم. قال: وكنتُ أدخلُ عليها وهي متكئة، ولو أنَّ خلفَها بعيرًا أُنيخ ما رؤي. وكانت تقلبُ الجرَّةَ على رأسها، فلا يُصيب الماءُ باطنَ فخذَيها من عظم عجيزتها. وقال الواقديّ:] وكان بنو مروان يُعظِّمونها ويحترمُونها. ووفدت على جماعة منهم عبد الملك ابن مروان، والوليد بن عبد الملك، ولممليمان، وهشام، وكانوا يُعطونَها المال الكثير. وكانت فائقةَ الجمال، وافرةَ "الإحسان" ديِّنةً صالحة، كثيرةَ الخير (٢). [قال ابن الكلبي:] وكنيتُها أمُّ عمران. [وذكرها أبو زُرعة الدِّمشقيّ وقال: هي امرأة جليلة، حدَّث النَّاسُ عنها لجلالة قدرها وأدبها (٣). وذكرها الجاحظ في كتاب "البغال" فقال:] وفدَتْ [عائشة] على عبد الملك وأرادت الحج، فحملَها عليس ستين بغلًا من بغال الملوك [-وفي رواية أنها وفدت على الوليد-] فقال حاديها: يَا عيشَ يَا ذاتَ البغال الستِّينْ … لا زلتِ ما عِشْتِ كذا تَحُجِّينْ (٤) وكانت سُكينةُ بنتُ الحسين قد حَجَّت في تلك السنة، وكانت عائشةُ أكثر تحمّلًا منها، فنزل حادي سُكينة فقال:

стр. 5145

يَا عَيشَ هذي ضَرَّةٌ تشكوكِ … لولا أبوها ما اهتدى أبوكِ فأمرت عائشةُ حاديَها فسكت (١). [وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن عمر بن شبَّة قال:] استأذَنَت عاتكةُ بنتُ يزيد بن معاوية عبدَ الملك في الحجّ، فقال لها: ارفعي حوائجَكِ واستظهري، فإنَّ عائشةَ بنت طلحة العام في الحجّ. فرفعت حوائجَها وتجهَّزت، فبينا هي بين مكة والمدينة؛ أقبلَ رَكْبٌ في جماعة، فضَعضَعها، وفَرَّق جَمْعَها، فقالت: مَنْ هؤلاء؟ فقيل: جارية من جواري عائشة بنت طلحة، فلمَّا كان بعد ساعة؛ وإذا بِرَكْبٍ آخرَ مثلِه، فقالت: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا: ماشطة (٢) عائشة [بنت طلحة]. وإذا برَكْبٍ عظيم فيه ثلاثُ مئة راحلة، والعَمَّاريات (٣) والبغال الشُّهب، فقالت: من هؤلاء؟ فقالوا: عائشة. فقالت عاتكة: ما عند الله خيرٌ وأبقى (٤). و [قال الزُّبير بن بكَّار:] لما تأيَّمت عائشةُ كانت تُقيم بمكة سنةً، وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مالٍ لها بالطائف، وقصرٍ لها فيه تتنزَّه هناك (٥). [قال:] وقدمت على هشام بن عبد الملك، فقال: ما أقدَمَكِ؟ فقالت: منعت السماءُ القَطْرَ، وحبس السلطانُ الحقَّ. فأمرَ لها بمال (٦). وتوفّيت في هذه السنة. أسندت عن خالتها عائشة أمّ المُؤْمنين رضوان الله عليها، وروى عنها طلحة ابن عبد الله، (٧) بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، وكانت من ثقات النساء.

стр. 5146

و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] قد أخرج البُخَارِيّ حديثها (١). السنة الرابعة والعشرون بعد المئة فيها قدم جماعة من شيعة بني العباس من خُراسان إلى الكوفة يريدون مكة، ولما اجتمعوا بالكوفة غُمِزَ عليهم، فأُخِذُوا وحُبسوا، وكان فيهم بُكَير بن ماهان. ثم إنهم أُطلقوا، وبقيَ بُكَير، وكان في الحبس أبو عاصم، وعيسى بن معقل العجلي، ومعه أبو مسلم؛ غلام يخدُمُه، فدعاهم بُكير إلى بني العباس، وذكر ذهابَ دولة بني مروان، فأجاباه إلى ذلك، فقال بُكير لعيسى: ما هذا الغلام منك؟ قال: مملوك لي. قال: أتبيعُه؟ قال: هو لك بغير ثمن. فقال: لا آخذه إلَّا بالثَّمن. فقال: خُذه بما شئت، فأعطاه أربع مئة درهم. ثم أُطلقوا من السجن، فبعث به بُكير إلى إبراهيم الإِمام، فأعطاه إبراهيمُ لأبي موسى السَّرَّاج (٢)، وأقام معه، وكان يختلفُ إلى خُراسان. وفي رواية: قدم سليمان بن كثير، ولاهز بن قريط (٣)، وقحطبة بن شبيب من خُراسان إلى الكوفة يريدون مكة، كما دخلوا الكوفة سألوا عن عاصم بن يونس العِجْليّ وعيسى وإدريس ابني مَعْقِل (٤)، فقيل لهم: حبسهم يوسف بنُ عمر لميلهم إلى بني العبَّاس وهم من عمال خالد القَسْريّ، ومعهم في الحبس أبو مسلم غلامٌ يخدُمهم، فدخلوا عليهم في الحبس، فرأوا أَبا مسلم وفيه العلامات، فقالوا: مَنْ هذا الغلام؟ قالوا: غلام من السرَّاجين يخدُمُنا (٥).

стр. 5147

وفيها غزا سليمان بنُ هشام الصائفة، والتقاه ليبون (١) ملك الروم، فهزمه سليمانُ وغَنِمَهُ (٢). واختلفوا فيمن حجَّ بالنَّاس، فقال الواقديّ: محمَّد (٣) بن هشام المخزومي وهو على ولايته. وقال هشام: حجّ بهم (٤) عبدُ العزيز بنُ الحَجَّاج بن عبد الملك بن مروان، وكانت معه امرأتُه أمُّ سلمة ابنةُ هشام بن عبد الملك. و [قال الواقديّ:] أرسل إليها محمَّد بنُ هشام بالهدايا، فلم تقبل منه، فجاء فوقف على بابها، فاستحيَتْ منه، فأمرَتْ بقبض هداياه. والعمالُ بحالهم كما كانوا في العام الماضي (٥). وفيها تُوفِّي عامر بن عبد الله ابن الزُّبير بن العوّام، وأمُّه حَنْتَمَة بنتُ عبد الرَّحْمَن، مخزومية. [وذكره ابن سعد في] الطَّبقة الثالثة (٦) من التابعين من أهل المدينة، وكنيتُه أبو الحارث. وكان عابدًا فاضلًا، ويغتسل كل يوم طلعت شمسُه (٧). [وقال ابن سعد بإسناده عن سفيان قال: يقولون: إن عامرًا] اشترى نفسه من الله بستِّ ديات (٨). وقال مالك بن أنس: رأيتُ عامرَ بنَ عبد الله يواصلُ [يوم] سبع عشرة، ثم يُمسي، فلا يذوقُ شيئًا حتَّى القابلة يومين وليلة (٩).

стр. 5148

و [روى أبو نعيم عن مالك قال:] (١) كان [عامر] يقف عند موضع الجنائز يدعو وعليه قَطِيفة، وربَّما سقطت عنه وما يشعر بها، وربَّما خرج منصرفًا (من العتمة) (٢) من مسجد رسول الله ﷺ ، فيعرضُ له الدعاء في الطريق قبل أن يصل إلى منزله، فيرفعُ يديه ويدعو حتَّى يُنادَى بالصبح، فيرجع إلى المسجد، فيصلِّي الصبح بوضوء العَتَمة. وكان يفرِّقُ البَدْرة؛ عشرةَ آلاف درهم، فيُمسي وما معه منها درهم. و [روى ابنُ أبي الدنيا أن عامرًا] كان يتحيَّنُ العُبَّاد وهم سجود: أَبا حازم، وصفوان بن سُليم، وغيرهما، فيأتيهم بالصُّرر فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يُحسُّون بها ولا يشعرون بمكانه، فيقال له: هلَّا أرسلتَ بها إليهم؟ فيقول: أكرهُ أن يتمعَّرَ وجهُ أحدِهم إذا نظر إلى رسولي أو لقيَني (٣). و [قال الزُّبير بن بكار:] كان [عامر] إذا شهد جنازة وقف على القبر وقال: ألا أراك ضيقًا (٤)؟ واللهِ لأوسعنَّك، ألا أراك مظلمًا؟ واللهِ لأُنوِّرَنَّك. ثم يرجع، فأوَّلُ شيءٍ تقعُ عليه عيناه من ماله تقرَّبَ به إلى ربِّه، وإنْ كان رقيقُه ليتعرَّضُون له عند انصرافه من الجنائز ليُعتقهم (٥). و [قال الزُّبير بن بكَّار: فحدَّثني عمِّي مصعبُ بنُ عبد الله قال:] سمع [عامر] صوتَ المؤذِّن وهو يجودُ بنفسه، ومنزلُه قريب من المسجد، فقال: خُذُوا بيدي. فقالوا: إنك عليل. فقال: أسمعُ داعيَ الله فلا أجيبُه؟! فأخذوا بيده، فدخلَ إلى صلاة المغرب، فركع مع الإِمام [ركعة] ومات (٦).

стр. 5149

[وقال ابن سعد: مات عامر قبل موت هشام بن عبد الملك، أو بعده بقليل. ومات هشام في سنة أربع وعشرين ومئة] (١). أسند عامر عن أَبيه وغيره من الصَّحَابَة، وحدَّث عن خلق من التابعين، وكان ثقةً مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. فولدَ عامر عتيقًا (٢)، وعبدَ الله لا بقيَّة له، والحارثَ درج، وعائشةَ، وأمَّ عثمان "الكبرى" وأمَّ عثمان الصغرى، وأمُّهم قريبة بنت المنذر بن الزُّبير بن العوام ﵁. كلثوم بن عياض القُشيريّ، أمير المغرب، من الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل الشَّام (٣). وكان جليلًا نبيلًا فصيحًا، له خطب ومواعظ. ووليَ دمشقَ لهشام، وولَّاه غَزْوَ المغرب، فخرجَ في سنة ثلاث وعشرين ومئة واليًا على إفريقية، وخرج في سنة أربع وعشرين للقاء ميسرة الصُّفْريّ (٤)، فالتَقَوْا على وادٍ من أودية طنجة، فقاتل كلثوم قتالًا شديدًا حتَّى قُتل ومن صبر معه، واستولى ميسرة الصُّفْرِيّ على إفريقية، فولَّى عليها حنظلة بن صفوان، ثم مات ميسرة في هذه السنة (٥). الزُّهْريُّ واسمُه محمَّد بن مسلم بن عُبيد الله بن عَبْد الله الأصغر بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة بن كلاب بن مُرَّة. وكنيتُه أبو بكر، وأمُّه عائشةُ بنت عبد الله الأكبر بن شهاب. ذكره ابن سعد في أول الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل المدينة (٦).

стр. 5150

[وقد نسبَه مالك بن أنس كما ذكره ابنُ سعد؛ قال: وجدُّه عبد الله شهدَ مع المشركين بدرًا وأُحُدًا. وكان أحدَ النَّفَر الذين تعاقدُوا يومَ أُحُد على قتل رسول الله ﷺ إن رأوه، أو يُقتلون دونه، وهم عبد الله بن شهاب، وابنُ خَلَف، وابنُ قَمِئة، وعُتبة بن أجب وقَّاص. وقد ذكرناه] (١). وكان أبوه مسلم مع عبد الله بن الزُّبير (٢). واختلفوا في مولد الزُّهْريّ؛ فحكى ابنُ سعد عن الواقديّ أنَّه وُلد في سنة ثمان وخمسين؛ السنة التي ماتت فيها عائشة ﵂ (٣). وقال يعقوب بن شيبة: في سنة ستٍّ وخمسين (٤). وروى ابنُ سعد أنَّه كان يَصْبُغُ بالسَّوَاد، ووَوَى عن مالك بن أنس قال: رأيتُه يَخْضِبُ بالحِنَّاء (٥). وقال سفيان بن عُيينة: رأيتُ الزُّهريَّ أحمرَ الرأس واللحية، وفي حُمرتها انكفاء (٦)، كأنه يجعلُ فيه كَتَمًا. قال سفيان: وأنا يومئذ ابنُ ستَّ عشرةَ سنة. وقال ابنُ سعد: قال مالك بن أنس: ما أدوكتُ فقيهًا محدِّثًا غيرَ الزُّهْريّ؛ جمعَ بين العلم والرواية وكثرةِ الحديث (٧). وكان يقال: إنه جمع القرآن في ثمانين ليلة (٨).
следующие страницы →