← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] قد أخرج البُخَارِيّ حديثها (١). السنة الرابعة والعشرون بعد المئة فيها قدم جماعة من شيعة بني العباس من خُراسان إلى الكوفة يريدون مكة، ولما اجتمعوا بالكوفة غُمِزَ عليهم، فأُخِذُوا وحُبسوا، وكان فيهم بُكَير بن ماهان. ثم إنهم أُطلقوا، وبقيَ بُكَير، وكان في الحبس أبو عاصم، وعيسى بن معقل العجلي، ومعه أبو مسلم؛ غلام يخدُمُه، فدعاهم بُكير إلى بني العباس، وذكر ذهابَ دولة بني مروان، فأجاباه إلى ذلك، فقال بُكير لعيسى: ما هذا الغلام منك؟ قال: مملوك لي. قال: أتبيعُه؟ قال: هو لك بغير ثمن. فقال: لا آخذه إلَّا بالثَّمن. فقال: خُذه بما شئت، فأعطاه أربع مئة درهم. ثم أُطلقوا من السجن، فبعث به بُكير إلى إبراهيم الإِمام، فأعطاه إبراهيمُ لأبي موسى السَّرَّاج (٢)، وأقام معه، وكان يختلفُ إلى خُراسان. وفي رواية: قدم سليمان بن كثير، ولاهز بن قريط (٣)، وقحطبة بن شبيب من خُراسان إلى الكوفة يريدون مكة، كما دخلوا الكوفة سألوا عن عاصم بن يونس العِجْليّ وعيسى وإدريس ابني مَعْقِل (٤)، فقيل لهم: حبسهم يوسف بنُ عمر لميلهم إلى بني العبَّاس وهم من عمال خالد القَسْريّ، ومعهم في الحبس أبو مسلم غلامٌ يخدُمهم، فدخلوا عليهم في الحبس، فرأوا أَبا مسلم وفيه العلامات، فقالوا: مَنْ هذا الغلام؟ قالوا: غلام من السرَّاجين يخدُمُنا (٥).

стр. 5147

وفيها غزا سليمان بنُ هشام الصائفة، والتقاه ليبون (١) ملك الروم، فهزمه سليمانُ وغَنِمَهُ (٢). واختلفوا فيمن حجَّ بالنَّاس، فقال الواقديّ: محمَّد (٣) بن هشام المخزومي وهو على ولايته. وقال هشام: حجّ بهم (٤) عبدُ العزيز بنُ الحَجَّاج بن عبد الملك بن مروان، وكانت معه امرأتُه أمُّ سلمة ابنةُ هشام بن عبد الملك. و [قال الواقديّ:] أرسل إليها محمَّد بنُ هشام بالهدايا، فلم تقبل منه، فجاء فوقف على بابها، فاستحيَتْ منه، فأمرَتْ بقبض هداياه. والعمالُ بحالهم كما كانوا في العام الماضي (٥). وفيها تُوفِّي عامر بن عبد الله ابن الزُّبير بن العوّام، وأمُّه حَنْتَمَة بنتُ عبد الرَّحْمَن، مخزومية. [وذكره ابن سعد في] الطَّبقة الثالثة (٦) من التابعين من أهل المدينة، وكنيتُه أبو الحارث. وكان عابدًا فاضلًا، ويغتسل كل يوم طلعت شمسُه (٧). [وقال ابن سعد بإسناده عن سفيان قال: يقولون: إن عامرًا] اشترى نفسه من الله بستِّ ديات (٨). وقال مالك بن أنس: رأيتُ عامرَ بنَ عبد الله يواصلُ [يوم] سبع عشرة، ثم يُمسي، فلا يذوقُ شيئًا حتَّى القابلة يومين وليلة (٩).

стр. 5148

و [روى أبو نعيم عن مالك قال:] (١) كان [عامر] يقف عند موضع الجنائز يدعو وعليه قَطِيفة، وربَّما سقطت عنه وما يشعر بها، وربَّما خرج منصرفًا (من العتمة) (٢) من مسجد رسول الله ﷺ ، فيعرضُ له الدعاء في الطريق قبل أن يصل إلى منزله، فيرفعُ يديه ويدعو حتَّى يُنادَى بالصبح، فيرجع إلى المسجد، فيصلِّي الصبح بوضوء العَتَمة. وكان يفرِّقُ البَدْرة؛ عشرةَ آلاف درهم، فيُمسي وما معه منها درهم. و [روى ابنُ أبي الدنيا أن عامرًا] كان يتحيَّنُ العُبَّاد وهم سجود: أَبا حازم، وصفوان بن سُليم، وغيرهما، فيأتيهم بالصُّرر فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يُحسُّون بها ولا يشعرون بمكانه، فيقال له: هلَّا أرسلتَ بها إليهم؟ فيقول: أكرهُ أن يتمعَّرَ وجهُ أحدِهم إذا نظر إلى رسولي أو لقيَني (٣). و [قال الزُّبير بن بكار:] كان [عامر] إذا شهد جنازة وقف على القبر وقال: ألا أراك ضيقًا (٤)؟ واللهِ لأوسعنَّك، ألا أراك مظلمًا؟ واللهِ لأُنوِّرَنَّك. ثم يرجع، فأوَّلُ شيءٍ تقعُ عليه عيناه من ماله تقرَّبَ به إلى ربِّه، وإنْ كان رقيقُه ليتعرَّضُون له عند انصرافه من الجنائز ليُعتقهم (٥). و [قال الزُّبير بن بكَّار: فحدَّثني عمِّي مصعبُ بنُ عبد الله قال:] سمع [عامر] صوتَ المؤذِّن وهو يجودُ بنفسه، ومنزلُه قريب من المسجد، فقال: خُذُوا بيدي. فقالوا: إنك عليل. فقال: أسمعُ داعيَ الله فلا أجيبُه؟! فأخذوا بيده، فدخلَ إلى صلاة المغرب، فركع مع الإِمام [ركعة] ومات (٦).

стр. 5149

[وقال ابن سعد: مات عامر قبل موت هشام بن عبد الملك، أو بعده بقليل. ومات هشام في سنة أربع وعشرين ومئة] (١). أسند عامر عن أَبيه وغيره من الصَّحَابَة، وحدَّث عن خلق من التابعين، وكان ثقةً مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. فولدَ عامر عتيقًا (٢)، وعبدَ الله لا بقيَّة له، والحارثَ درج، وعائشةَ، وأمَّ عثمان "الكبرى" وأمَّ عثمان الصغرى، وأمُّهم قريبة بنت المنذر بن الزُّبير بن العوام ﵁. كلثوم بن عياض القُشيريّ، أمير المغرب، من الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل الشَّام (٣). وكان جليلًا نبيلًا فصيحًا، له خطب ومواعظ. ووليَ دمشقَ لهشام، وولَّاه غَزْوَ المغرب، فخرجَ في سنة ثلاث وعشرين ومئة واليًا على إفريقية، وخرج في سنة أربع وعشرين للقاء ميسرة الصُّفْريّ (٤)، فالتَقَوْا على وادٍ من أودية طنجة، فقاتل كلثوم قتالًا شديدًا حتَّى قُتل ومن صبر معه، واستولى ميسرة الصُّفْرِيّ على إفريقية، فولَّى عليها حنظلة بن صفوان، ثم مات ميسرة في هذه السنة (٥). الزُّهْريُّ واسمُه محمَّد بن مسلم بن عُبيد الله بن عَبْد الله الأصغر بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة بن كلاب بن مُرَّة. وكنيتُه أبو بكر، وأمُّه عائشةُ بنت عبد الله الأكبر بن شهاب. ذكره ابن سعد في أول الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل المدينة (٦).

стр. 5150

[وقد نسبَه مالك بن أنس كما ذكره ابنُ سعد؛ قال: وجدُّه عبد الله شهدَ مع المشركين بدرًا وأُحُدًا. وكان أحدَ النَّفَر الذين تعاقدُوا يومَ أُحُد على قتل رسول الله ﷺ إن رأوه، أو يُقتلون دونه، وهم عبد الله بن شهاب، وابنُ خَلَف، وابنُ قَمِئة، وعُتبة بن أجب وقَّاص. وقد ذكرناه] (١). وكان أبوه مسلم مع عبد الله بن الزُّبير (٢). واختلفوا في مولد الزُّهْريّ؛ فحكى ابنُ سعد عن الواقديّ أنَّه وُلد في سنة ثمان وخمسين؛ السنة التي ماتت فيها عائشة ﵂ (٣). وقال يعقوب بن شيبة: في سنة ستٍّ وخمسين (٤). وروى ابنُ سعد أنَّه كان يَصْبُغُ بالسَّوَاد، ووَوَى عن مالك بن أنس قال: رأيتُه يَخْضِبُ بالحِنَّاء (٥). وقال سفيان بن عُيينة: رأيتُ الزُّهريَّ أحمرَ الرأس واللحية، وفي حُمرتها انكفاء (٦)، كأنه يجعلُ فيه كَتَمًا. قال سفيان: وأنا يومئذ ابنُ ستَّ عشرةَ سنة. وقال ابنُ سعد: قال مالك بن أنس: ما أدوكتُ فقيهًا محدِّثًا غيرَ الزُّهْريّ؛ جمعَ بين العلم والرواية وكثرةِ الحديث (٧). وكان يقال: إنه جمع القرآن في ثمانين ليلة (٨).

стр. 5151

وقال الليث بن سعد: قال ابنُ شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا فنسيتُه (١). [وحكى أبو نُعيم عنه أنَّه قال: إنَّ هذا العلم إنْ أخَذْتَه بالمكابرة (٢)؛ غلبَكَ؛ ولم تظفر منه بشيء، ولكن خُدهُ مع الليالي والأيام تَظْفَرْ به]. وقال الزُّهْري: جالستُ سعيد بن المسيّب عشرين سنة (٣)؛ ركبتي مع ركبتِه، فكانت كيوم واحد. وقال ابن أبي ذئب: كان الزُّهْريُّ قد ركبه دين وضاقَتْ حالُه، فوفد [إلى] الشَّام يريد (٤) عبدَ الملك، فجالس قَبِيصة بنَ ذُؤيب. قال الزُّهْرِيّ: فبينا نحن ذات ليلة نَسْمُرُ عنده؛ إذْ جاءه رسولُ عبد الملك، فقال: أجِبْ أميرَ المُؤْمنين. فقام معه، ثم عاد إلينا، فقال: أيُّكم يحفظُ قضاء عمر في أمَّهات الأولاد؟ فقلت: أنا. فقال: قُمْ. فأدخَلَني على عبد الملك، وإذا به جالسٌ على نُمْرُقَة، وبيدِهِ مِخْصَرَةٌ (٥)، وعليه غِلالة (٦)، وهو ملتحفٌ بِسَبَنِيَّة (٧)، وبين يديه شمعة، فسلَّمتُ عليه، فقال: مَنْ أَنْتَ؟ فانتسبتُ له، فقال: إنْ كان أبوك لَنعَّارًا في الفتن (٨). فقلت: عفا اللهُ عمَّا سلف. فقال: اجلس. فجلست. فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: اقرأ من سورة كذا وكذا. فقرأتُ. فقال: أتفرض؟ قلت: نعم. فقال: ما تقول في امرأة

стр. 5152

ماتَتْ وتركَتْ زوجًا وأبوَين؟ فقلت: للزَّوج النِّصف، وللأمِّ السُّدُس، وللأب الباقي. فقال: أصبتَ الفرض؛ وأخطأتَ اللفظ، إنَّما لزوجها النِّصف، ولأمِّها ثُلُثُ ما بقي، وهو السُّدُس، ولأبيها الباقي. [قال: فإنَّ الفريضة على حالها، وهو رجلٌ ترك زوجتَه وأبوَيه. فقلت: لزوجته الرُّبُع، ولأمِّه الرُّبُع، ولأبيه ما بقي. قال: فقال لي: أصبتَ الفرض، وأخطأتَ اللفظ، ليس هكذا يُفرض، لزوجته الرُّبُع، ولأمِّه ثُلُث ما بقي، وهو الرُّبُع من رأس المال، وللأب ما بقي]. ثم قال: حَدِّثْني، فقلتُ: حدَّثَني سعيدُ بنُ المسيّب أنَّ فتًى من الْأَنصار كان يلزمُ عُمر بنَ الخطَّاب، وكان عُمر مُعْجَبًا به، فَفَقَدَهُ فقال: ما لي لا أرى فلانًا؟ وأرسل إليه، فجاء وهو بَزُّ الهيئة، فقال: ما الذي أرى بك؟! فقال: يَا أمير المُؤْمنين، إنَّ إخوتي خيَّروني بين أمِّي وبين ميراثي من أبي، فاخترتُ أمِّي، ولم أكن لأُخرِجَها على رؤوس الملأ، فأَخذتُها بجميع ميراثي من أبي. فقام عمر مُغْضَبًا، فصَعِدَ المنبر، فحمدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، أيُّها النَّاس، أيُّما رجلٍ وَطِيءَ أَمَةً، فولَدَتْ منه، فله أنْ يستمتع بها ما عاش، فإذا ماتَ فهي حُرَّة. فقال عبد الملك: صدقتَ، هكذا حدَّثني سعيدُ بنُ المسيِّب، فقلتُ: يَا أمير المُؤْمنين، اقضِ دَيني. فقال: قد قضاه الله. قلتُ: واقرض لي. قال: لا والله لا أجمعهما لك أبدًا. قال: فقدمتُ المدينة، فأتيت سعيدَ بن المسيِّب، فسلَّمتُ عليه، فدفَعَ في صدري فقال: ويحك يَا زُهْريّ! حملتَ حديثي إلى بني مروان! فجعلتُ أعتذرُ إليه فلم يقبل عذري (١). وقال ابن سعد: استعمل هشامُ بنُ عبد الملك ابنَه أَبا شاكر مسلمةَ بنَ هشام على الحجّ سنة [ستَّ] (٢) عشرة ومئة، وأمرَ الزُّهريَّ (٣) أن يسيرَ معه إلى مكة، ووضع عن

стр. 5153

الزُّهْريّ من ديوان مالِ الله سبعة عشر أَلْف دينار، فلمَّا قدم أبو شاكر المدينة؛ أشار عليه الزُّهْريُّ أن يصنع إلى أهل المدينة خيرًا، وحضَّه على ذلك، فأقام بالمدينة نصف شهر، وقسم الخُمس على أهل الديوان، وفعل أمورًا حسنة، وأمره الزُّهري أن يُهِلَّ من باب مسجد [ذي] الحُلَيْفَة إذا انبعثت به راحلتُه، وأمره محمَّد بنُ هشام [بن إسماعيل] المخزوميّ أن يُهِلَّ من البيداء، فأهلَّ من البيداء (١). واستعمل هشام ابنَه يزيد على الحجّ سنة ثلاث وعشرين ومئة (٢)، وأمر الزّهريَّ، فحجَّ معه في تلك السنة. وقضى هشام [بن عبد الملك] عن الزُّهْرِيّ ثمانين أَلْف درهم (٣). وكانت الدنيا عند الزُّهْريّ لا قدرَ لها (٤). وكان سخيًّا، ولا يدّخر شيئًا، وما جمع أحدٌ من العلم ما جمع [ابنُ شهاب]. وكان يقول: لولا هذه الأحاديث التي سالَتْ علينا من المشرق ما نعرفها؛ ما كتبتُ حديثًا، ولا أذنتُ في كتابته (٥). [وقال: ما هذه الأحاديث التي لا أَزِمَّة لها ولا خُطُم (٦). وقال المدائنيّ:] وأقام بالرصافة مع هشام [بن عبد الملك عشرين] (٧) سنة يعلّم أولاده الفقه والأدب. [وولَّاه قضاء المدينة، وكان قبل ذلك مع عبد الملك بن مروان، قدم عليه سنة اثنتين وثمانين، وكانوا يفضّلون الزُّهْريّ على الحسن البصري] (٨).

стр. 5154

وحكى أبو نُعيم عن عمرو بن دينار قال: ما رأيتُ أحدًا أهون عليه الدينار والدّرهم مثلَ الزُّهْريّ، ما كانت الدنيا عنده إلَّا مثل البعر (١). وقال الزُّهْريّ: ما سمعتُ مثلَ أربع كلمات تكلَّم بهنَّ رجلٌ عند هشام [بن عبد الملك]. قال له: لا تَعِدَنَّ عِدَةً لا تثق من نفسك بنجازها (٢)، ولا يغرَّنَّك (٣) المرتقى وإن كان سهلًا إذا كان المنحدرُ وَعْرًا، واعلم أنَّ للأعمال جزاءً، فاتَّق العواقب، وأن للأمور بغتاتٍ، فكُنْ على حَذَر. ودخل الزُّهْريُّ على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: يَا زُهْرِيّ، ما حديثٌ يُحدِّثُنا به أهلُ الشَّام؟ قال: وما هو يَا أمير المُؤْمنين؟ قال: يحدِّثُونا أنَّ الله إذا استرعى عبدًا [رعيَّته] كتبَ له الحسنات، ولم يكتب عليه السيّئات. فقال: هذا باطل يَا أميرَ المُؤْمنين، أيُّما أكرمُ على الله؛ خليفةٌ نبيٌّ، أم خليفةٌ غيرُ نبيّ؟ فقال: بل خليفةٌ نبيّ. قال: فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فهذا وعيدٌ (٤) لنبيٍّ خليفة، فكيف بخليفةٍ غيرِ نبيّ؟! فقال الوليد: إن النَّاس ليغرُّونا في ديننا (٥). ذكر وفاته: قال أبو الزِّناد: كان الزُّهْريُّ يقدحُ أبدًا عند هشام في الوليد بن يزيد ويقول: اِخْلَعْه. ويَعِيبُهُ، ويذكر أمورًا عظيمة لا يُنطقُ بها، حتَّى يذكرَ الصِّبيانَ أنَّهم يُخضبون بالحِنَّاء، ويقول لهشام: ما يحلُّ لك إلَّا خلعُه. وكان هشام لا يستطيع ذلك للعقد الذي عقده [له] ولا يسوءُه ما يصنعُ الزُّهري رجاء أن يُؤَلِّبَ ذلك النَّاس عليه.

стр. 5155

[قال أبو الزِّناد:] فكنتُ يومًا عند هشام في الفسطاط وأنا أسمعُ كلامَ الزُّهْريّ في الوليد وأتغافل. ودخل الحاجبُ فقال: هذا الوليدُ على الباب. فأذِنَ له، فلما دخلَ أوسعَ له هشام على فراشه، وأنا أعرف في وجه الوليد الغضبَ والشَّرّ. فلما استُخلفَ الوليدُ؛ دعاني فقال لي: أرأيتَ يومَ دخلتُ على الأحول وأنتَ عنده، والزُّهْريُّ يقدح فيَّ؟ فقلت: نعم. فمن أين علمتَ؟ قال: الخادم الذي كان قائمًا على رأس الأحول حدَّثَني بذلك قبل أن أدخل إليكم، وأخبرني أنك لم تنطق بحرف. فقلت: نعم. قال: قد كنتُ عاهدتُ اللهَ لئن أمكنني من الزُّهْريّ لأَقتلنَّه، وقد فاتَني (١). وكان الزُّهْريُّ قد اتَّعَدَ هو وابنُ هشام إن مات هشام قبلهما أن يلحقا بجبل الدُّخان. فمات الزُّهْري قبل هشام بأربعة أشهر -وقيل: بأشهر- سنة أربع وعشرين ومئة (٢). قال ابنُ سعد: وقال محمَّد بن عمر: قَدِمَ الزُّهْريُّ في سنة أربع وعشرين ومئة إلى أمواله بثلبة (٣) بشَغْب وبَدَا، فأقام فيها، فمرض هناك، فمات، وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق، ومات لسبع عشرة من شهر رمضان وهو ابنُ خمس وسبعين سنة. وقال ابنُ سعد: وأخبرني الحسين بن المتوكِّل العسقلاني قال: رأيتُ قبر الزُّهْرِيّ بأَدَامَى، وهي خلف شَغْب وبَدَا، وهي من أول محمل فلسطين، وآخر عمل الحجاز، وبها ضَيعَةُ الزُّهْرِيّ التي كان فيها (٤). قال: رأيت قبره مجصّصًا أبيض. قال ابنُ سعد: قالوا: وكان الزهريُّ ثِقَة كثير الحديث والعلم والرواية، فقيهًا جامعًا. هذا صورة ما ذكره ابنُ سعد. وقال هشام: مات سنة خمس وعشرين ومئة. والأول أشهر (٥).

стр. 5156

أسند عن جماعة من الصَّحَابَة: ابن عُمر، وأنس، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن ثعلبة، وأبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الرَّحْمَن بن أزهر، ومحمود بن الرَّبيع، ومحمود بن لبيد، ومسعود بن الحكم، وكثير بن العباس، وأبي مُويْهِبَة، وأبِي الطُّفَيل في آخرين من الصَّحَابَة. وروى عن فقهاء المدينة السبعة، وعليِّ بنِ الحُسين زين العابدين، وغيرهم، وروى عنه الجَمُّ الغفير. وقدم الشَّام فووى الحديث، فحدَّثَ عنه الأوزاعيّ، وسليمانُ بنُ موسى، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم (١). وقال الزُّهْريّ: قدمتُ على عبد الملك، فقال: من أين قدمتَ؟ قلت: من مكة. قال: مَنْ خلَّفتَ يسودُ أهلها؟ قلتُ: عطاء [بن أبي رباح] (٢) قال: فمن العربِ هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: وبمَ سادَهم؟ قلت: بالدِّيانة والرِّواية. قال: إنَّ أهل الدِّيانة والرواية ينبغي لهم أن يسودوا. ثم قال: فمن يسودُ أهلَ اليمن؟ قلت: طاوس. قال: فمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: وبمَ سادهم؟ قلتُ: بالدِّيانة والرِّواية. قال: فمَنْ يسودُ أهل مصر؟ قلتُ: يزيد بن أبي حبيب. قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: بم سادهم؟ قلتُ: بالدّيانة والرِّواية. قال: فمن يسودُ أهلَ الشَّام؟ قلت: مكحول. قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي؛ عبدٌ نُوبيّ أعتقَتْهُ امرأةٌ من هُذَيل. قال: فمن يسودُ أهلَ الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مِهْران. قال: من العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: فمن يَسُود أهلَ خُراسان؟ قلت: الضَّحَّاك بن مُزاحم. فقال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: فمن يسودُ أهلَ البصرة؟ قلتُ: الحسن بن أبي الحسن. قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يَسُودُ أهلَ الكوفة؟ قلت: إبراهيم النَّخَعيّ. قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب.

стр. 5157

فقال: فَرَّجْتَ عنِّي. واللهِ يَا زُهْريّ ليسودَنَّ الموالي على العرب حتَّى يُخطب لها على المنابر والعربُ تحتَها. فقلتُ: إنَّما هذا أمرُ الله ودينُه، مَنْ حفظَه سادَ، ومن ضَيَّعه سقط. قال: صدقتَ (١). السنة الخامسة والعشرون بعد المئة فيها توفّي هشامُ بنُ عبد الملك بن مروان، ووليَ الوليدُ بنُ يزيد بنِ عبد الملك بن مروان. الباب الحادي عشر في ولايته (٢) وكنيتُه أبو العباس، وأمُّه وأمُّ إخوته يحيى وعاتكةَ: أمُّ الحجَّاج بنت محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ أخي الحجَّاج. [قال الواقديّ:] ويُدْعَى خليع بني مروان (٣). واختلفوا في مولده على أقوال: أحدها: وُلد بدمشق سنة تسعين. والثاني: بطبريَّة؛ سنة اثنتين وتسعين. والثالث: سنة سبع وثمانين، وأربع وثمانين، وخمس وثمانين. [ذكر بيعته] واختلفوا فيها، فقال هشام بن محمَّد الكلبيّ: بُويع يومَ السبت في شهر ربيع الآخِر سنة خمس وعشرين ومئة. وقال الواقديّ: بُويع يوم الأربعاء لستٍّ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة.

стр. 5158

وقال الواقدي والهيثم: وليَ الوليد الخلافة وقد جاوز الأربعين، ووخطَه الشّيب (١). ولم يَلِ الخلافة بعد عمِّه سوى اثنين: الوليد، والمعتضد [من بني العبَّاس بعد عمِّه المعتمد]. ولمَّا وليَ الوليد كتب إلى الآفاق بالبيعة له، وجاءته الوفود. وكتب إليه مروان بن محمَّد -وكان واليًا على أرمينية وأذربيجان - كتابًا منه: بارك الله لأمير المُؤْمنين فيما صار إليه من ولاية عباده، ووراثةِ بلادِه، إنَّ سكرةَ الولاية حملَتْ هشامًا على ما حاول من تصغيرِ حقِّ أميرِ المُؤْمنين، ورامَ من الأمر المستصعب [عليه] الذي أجابه المدخُولُون في آرائهم وأديانهم، فوجد (٢) ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحَتْه (٣) الأقدار بأشدِّ مناكبِها، وكان أميرُ المُؤْمنين بمكان حاطه الله فيه حتَّى آزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه (٤) الله له أهلًا، ونهض مستقلًّا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايتُه في سابق القدر إلى الأجل المسمَّى. فالحمد لله الذي اختاره لخلافته ووثائق (٥) عُرى دينه، وساق إليه ما كرهه الظالمون، فرفعه الله ووضعَهم، فمن أقامَ على تلك الخسيسة من الأمور أوبق نفسَه، وأسخط ربَّه، ومن عدلت به التوبة نازعًا عن الباطل إلى الحقّ وجد الله توَّابًا رحيمًا. وإني نهضتُ إلى منبري لمَّا انتهى إليَّ ما خصَّ اللهُ به أميرَ المُؤْمنين، وأعلمتُ مَنْ قِبَلي، فاستبشَروا وبايعوني، فأكَّدْتُ عليهم العهودَ والمواثيق، فكلُّهم حَسُنَتْ إجابتُه، وحصلَتْ طاعتُه ومودَّتُه، فآتِهِمْ يَا أمير المُؤْمنين من مال الله الذي آتاك، فإنك أجودُ الخلائف جودًا، وأبسطُهم يدًا.

стр. 5159

ولولا ما أُحاولُ من سدِّ الثَّغْر الذي أنا به لخفتُ أن يحملَني الشوقُ إلى أمير المُؤْمنين أن أستخلفَ رجلًا عن غير أمره، وأَقدَمَ لمعاينته، فإنَّها لا تَعْدِلُها عندي نعمة، فإنْ رأى أميرُ المُؤْمنين أن يأذنَ لي في المسير إليه لأُشافِهَه بأمور كرهتُ ذكرها في كتاب فعل (١). [وقال الهيثم:] ولما بُويع الوليد جلس مجلسًا عامًّا، فأجرى النَّاسَ على ما كان لهم، ولم يُسأل عن شيء فقال لا. وأحسنَ إلى الخاصَّة والعامَّة، وأجرى الجِرايات على زَمْنَى أهل الشَّام وعُميانهم، وكساهم، وأمرَ لكلِّ إنسان منهم بخادم كما فعل الوليد بن عبد الملك، وزاد النَّاسَ في العطاء، وزاد مَنْ وفد إليه أَيضًا، وأقامَ دُور الضِّيافة للقادمين عليه، وأقام في المنازل للحجاج الضِّيافاتِ لهم ولدوابِّهم، فقيل له: [إنك تُبادر إلى نعم كثيرًا] لو تأنَّيتَ في المواعيد، فإنَّ للعِدَة عند الطالب حلاوةً. فقال: لا أُعوِّدُ لساني ما لم يَعْتَدْهُ. يعني ما قلتُ: لا، قطٌّ (٢). وفيها عقدَ الوليدُ البيعةَ لابنَيه الحَكَم وعثمان، وذلك في رجب لمَّا مضى من خلافته شهران، وكتبَ بذلك إلى الآفاق [وإلى يوسف بن عمر]. فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيَّار نسخةَ الكتاب، وكان فيه أن يبايعَ مَنْ قِبَلَه من الأمراء والأشراف، ويؤكِّد عليهم العهودَ والمواثيق، فيُبايع أولًا للحَكَم، ثم من بعده لعثمان، فإن حَدَث بواحد منهما حادث (٣)، فأمير المُؤْمنين [أملكُ] في ولده ورعيَّته، يقدِّمُ من شاء، ويؤخِّر من شاء. وكتب في يوم الخميس النصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة، وبعث يوسف بالكتاب إلى نَصْر مع عقَّال بن شَبَّة التَّمِيمِيّ، وعبد الملك بن نعيم القيني، فقرأ نَصْر كتابَه على أهل خُراسان، فأجابوا بالسمع والطاعة.

стр. 5160

وفيها وفدَ يوسفُ بنُ عمر على الوليد [بن يزيد] فاشترى نَصْرَ بنَ سيَّار وعماله، فأجابَه إلى ذلك، وعاد يوسفُ إلى العراق، ولم يُظهرْ شيئًا من ذلك، وكتب إلى نَصْر بن سيَّار بأن يَقْدَمَ عليه، ويحملَ معه ما قَدَرَ من الهدايا والأموال، ويقدم بأهله. فلما ورد كتابُه على نصر قسَّم الهدايا على أهل خُراسان والعمال، فلم يدع بخُراسان جاريةً ولا عبدًا ولا بِرْذَوْنًا فارهًا إلَّا أَعدَّه، واشترى أَلْف مملوك، وكساهم، وأعطاهم السلاح، وحملَهم على الخيول، وكان قد أعدَّ خمس مئة وصيفة، وأباريقَ الذهب والفضة والتماثيل. فبينا هو (١) كذلك جاءه كتابُ الوليد [بن يزيد] يستحثُّه ويقول: ابعثْ إلينا ببرابط وطنابير وكلِّ صَنَّاجة بخراسان، وكلِّ بازي وبِرْذَوْن، ويَقْدَم معه بوجوه خُراسان. فأخبر قومٌ من المنجِّمين نصرًا أنَّه سيكونُ فتنة، وألحَّ عليه يوسفُ بنُ عمر بالكُتُب، وبعث رسولًا وقال له: إنْ قَدِم؛ وإلا فعرِّف الناسَ أنَّه قد خُلع. فأكرمَ نصرٌ الرسولَ وأجازَه وأرضاه، وأقامَ يتربَّص حتَّى قُتل الوليد بنُ يزيد، وهربَ يوسفُ من العراق، فردَّ الهدايا إلى قصره (٢). وفيها بعثَ الوليدُ [بن يزيد] خاله يوسفَ بنَ محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ واليًا على المدينة ومكة والطائف، وعزل محمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، وأمرَه بتعذيبهما وإقامتهما للنَّاس، ويبعثَ بهما في عباءتين مقيَّدَينِ إلى يوسف بن عمر بالعراق، فيعذبهما ويقتلهما -وكان الوليد قد رُفعَ إليه أنهما اختانا أموالًا عظيمة- ففعل (٣). قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وكان الوليد مُضْطَغِنًا على هشام بن عبد الملك (٤)، فلما وليَ الخلافةَ أظهرَ ما كان في قلبه من هشام بن عبد الملك، وقصدَ

стр. 5161

أقاربَه، فاستدعى محمدًا وإبراهيمَ (١) من الحجاز، فقدما عليه في شعبان هذه السنة، فدعا الوليد بالسِّياط، فقال له محمَّد: أنشدُك اللهَ والرَّحِم! فقال الوليد: وأيُّ رحم بيني وبينَك؟ وهل أنتَ إلَّا رجلٌ من أشجع؟ قال: فإنِّي أسألك بصهر عبد الملك. فقال: إنَّك لم تحفظه. قال: فإنَّ رسول الله ﷺ قد نهى أن يُضربَ قرَشِيٌّ إلَّا في حدٍّ. فقال: ففي حدٍّ أضربُك، أنتَ أوَّلُ من سنَّ ذلك على العَرْجيّ (٢)، وهو ابنُ عمِّي وابنُ أمير المُؤْمنين عثمان، فما رَعَيتَ حقَّه ولا حقَّ جدِّه، ولا نسبتَه بهشام. قال: فإنَّه قد هجاني وفضحني وذكرَ أمِّي وزوجتي، وفعل بعرضي ما قد علمت. فقال: أنا وليُّ ثأرِه، فإنَّه ماتَ في حبسك. اضربْ يَا غلام. فضَرَبَهما، وأوثَقَهما في الحديد، وبعثَ بهما إلى يوسف بن عمر، فعذَّبَهما حتَّى قتلَهما (٣). ولمَّا وليَ يوسفُ بنُ محمَّد الثقفيّ المدينةَ عزلَ سَعْد (٤) بنَ إبراهيم عن القضاء، وولَّى يحيى بنَ سعيد الأَنْصَارِيّ. وفيها قدم جماعة من الشيعة مكةَ، فيهم سليمانُ بنُ كثير، وقحطبة بنُ شبيب، ومالك بن الهيثم (٥)، واجتمعوا بمحمد بن عليّ، وأخبروه بقصة أبي مسلم، وما رأَوْا فيه من العلامات، فقال لهم: حُرٌّ هو أم عبد؟ فقالوا: أمَّا هو فيزعُمُ أنَّه حُرٌّ، وأما عيسى (٦) فيزعُمُ أنَّه عبد. قال: فاشتَرَوْه وأعْتَقُوه، وأعطَوْا محمدًا مئتي أَلْف درهم وثيابًا، فقال: ما أظنُّكم تلقَوْني بعد عامي هذا، فإنْ حدثَ بي حَدَثٌ (٧) فصاحبُكم إبراهيم بن محمَّد، فإنِّي أختارُه لكم، وأُوصيكم به خيرًا. فصَدَرُوا من عنده، وتوفّي عقب ذلك في هذه السنة (٨).

стр. 5162

وفيها قتل يحيى بن زيد بن عليّ، وسنذكرُه. وحجَّ بالنَّاس يوسف بن محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ وهو على المدينة ومكة والطائف، والعمالُ بحالهم (١). وفيها توفّي إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ابن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي خال هشام بن عبد الملك (٢). قد ذكرنا ضَرْبَ الوليد له ولأخيه محمَّد [بن هشام] وإنفاذَهما إلى يوسف بن عمر، فعذَّبَهما عذابًا أليمًا، فأقَرَّا بأموال عظيمة. وكان الوليد قد كتب إلى يوسف: احْبِسْهما مع ابنِ النصرانية، يعني خالدًا القَسْرِيَّ. ففعل. وعذَّبَهما [يوسف] حتَّى لم يبقَ فيهما موضع للضرب، فكان محمَّد بنُ هشام مطروحًا، فإذا أراد أن يقوم جذبوا بلحيته. ولما اشتدَّ بهما الحال تحاملَ إبرإهيمُ لينظر في وجه أخيه محمَّد، فوقعَ عليه، فماتا جميعًا. وكان الوليد قد كتب إلى يوسف بن عمر: نفسَك نفسَك إنْ عاش منهما أحد. ولما بلغَ الوليدَ قتلُهما قال: يَا ثارات العَرْجيّ (٣). وكان إبراهيم لما وليَ المدينة احتجز الأموال، وبلغ هشامَ بنَ عبد الملك عنه أشياءُ، فكتب إليه: أمَّا بعد: فإنِّي لم أعْزِلْكَ حتَّى كنتُ أنا وإياك كما قال القَطاميُّ: ولكنَّ الأديمَ إذا تَفَرَّى … بِلًى وتَعَيُّنًا غلبَ الصَّنَاعَا

стр. 5163

واللهِ ما عزلتُك وقد بقيَ من أديمك شيءٌ أتَمَسَّكُ به (١) فلما قرأ كتابَه استرجع وقال: كنتُ واليًا، فأصبحتُ سوقةً. فقام رجل من بني أسد بن خُزيمة فقال: فإنْ تكن الإمارةُ عنك زاحَتْ … فإنك للهشامِ وللوليدِ وقد مرَّ الذي أصبحتَ فيهِ … على مروانَ ثمَّ على سعيدِ فسُرِّيَ عنه، وأحسنَ جائزة الأسديّ (٢). وقال خليفة: وفي سنة خمس وعشرين كتب الوليد إلى يوسف بن عمر، فقدمَ عليه، فدفعَ إليه خالدَ بنَ عبد الله القسريَّ، وإبراهيمَ ومحمدًا ابنَي هشام، وأمره بقتلهم. فحملهم إلى الحِيرة، وخالدٌ في عَباءة في شَقِّ مَحْمِل (٣)، فعذَّبَهم حتَّى قتلهم (٤). وأمَّا محمَّد: فقال الزُّبير: كان من وجوه قريش، حجَّ بالنَّاس سنة خمس عشرة ومئة، وثماني عشرة، وإحدى وعشرين، واثنتين وعشرين، وأربع وعشرين ومئة (٥). وفي أيامه قُتل جعفر بن عُلْبة الحارثيّ. وكان من حديثه أن محمدًا هذا تزوَّج أخت جعفر، وكان بينه وبين عقيل دمٌ، فاستجار بصهره محمَّد، فشكاه بنو عقيل إلى هشام بن عبد الملك، فكتب إلى محمَّد بإنصافهم، فلم يُنصفهم منه، وحبسه خوفًا عليه منهم، فشكوه (٦) مرارًا، فكان آخر الأمر أنَّ بني عقيل قالوا: يبرزُ لنا خصمُنا، ونحن نهبُ له الدم، فأخذ عليهم محمَّد العهود ألا يغدروه، فقال

стр. 5164

العقيليون لرجل فيهم يقال له: رحمة بن طراف: إذا برز جعفر فاقتُلْه، واندسَّ بين الناس، فلما أبرزه محمَّد؛ وثب عليه رحمة، فقتله، فأخذه محمَّد وأخذ بني عقيل، فحبسهم، ولا زال يعذِّب رحمة حتَّى قتله. ومات هشام بنُ عبد الملك بعد جمعة (١). وجعفر من شعراء الحماسة، فمن شعره: لا يكشفُ الغمَّاء إلا ابنُ حرَّةٍ … يرى غَمَراتِ الموتِ (٢) ثمَّ يزُورُها نُقاسِمُهُمْ أسيافَنَا شَرَّ قِسْمةٍ … ففينا غَواشيها وفيهم صدورُها (٣) ومن شعره: هوايَ مع الرَّكْبِ اليمانيّ (٤) مُصْعِدٌ … حثيثٌ (٥) وجُثماني بمكةَ موثَقُ عَجِبْتُ لِمَسْرَاها وأَنَّى تَخَلَّصتْ … إليَّ وبابُ السجنِ دونيَ مُغْلَقُ أَلَمَّتْ فَحَيَّتْ ثمَّ قامَتْ فَوَدَّعَتْ … فلمَّا تَوَلَّتْ كادتِ النفسُ تَزْهَقُ فلا تَحْسَبِي أَنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُمْ … لشيءٍ ولا أنِّي من الموتِ أَفْرَقُ ولا أنَّ نفسي يَزْدَهِيها وَعِيدُكُمْ … ولا أنَّني بالمَشْيِ في القَيدِ أخْرَقُ ولَكِنْ عَرَتْني في هواكِ صَبَابَةٌ … كما كنتُ أَلْقَى منكِ إذْ أنا مُطْلَقُ (٦) جَبَلَة بن سُحَيْم أبو سُرَيرة (٧) الشَّيباني الكُوفيّ، من الطَّبقة الرابعة [من أهل الكوفة (٨).

стр. 5165

قال ابن عساكر (١):] حكى عن ابن عُمر، [ورأى حنظلة الأَنْصَارِيّ (٢) إمام مسجد قُباء. وقد أخرجَ البخاريُّ حديثه في الصوم والمظالم والأطعمة والشركة]، وكان ثقةً. [وروى عن معاوية بن أبي سفيان] قال: دخلتُ على معاوية في خلافته وفي عنقه حبلٌ وصبيٌّ يقودُه، فقلت: أتفعلُ هذا وأنتَ خليفة؟! فقال: اسكت يَا لُكَع، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ كان له صبيٌّ فليتَصَابَى له" (٣). صالح بن أبي صالح مَوْلى التَّوْأمة، من الطَّبقة الثالثة من أهل المدينة (٤). أسند عن أبي هريرة، وله أخبار قليلة يُضعَّفُ فيها (٥) محمَّد بن عليّ بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطَّلب، [وكنيتُه] أبو عبد الله، [وهو] من الطَّبقة الرابعة (٦) من أهل المدينة، وأمُّه العالية بنتُ عُبيد الله (٧) بن العبَّاس. وهو أبو الخلفاء من بني العبَّاس، وكان بينه وبين أَبيه عليّ في السّنّ أربعَ عشرةَ سنةً وأشهُر، فلمَّا شابا خَضَبَ عليٌّ بالسَّوَاد، و [خضب] محمَّد بالحِنَّاء، فلم يُفَرَّق بينهما إلَّا بالخِضاب لتشابههما، وقُربِ سنَّي بعضهما من بعض (٨).

стр. 5166

ووُلد محمَّد (١) بالحِمَّة من أرض البلقاء سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين. وفي الليلة التي توفّي فيها محمَّد، وُلد فيها محمَّد المهديّ بن أبي جعفر المنصور، فسُمِّيَ باسمه، وكُنِّيَ بكنيته (٢). وذكره خليفة في الطَّبقة الثالثة من أهل الشامات (٣). وكان … (٤) بن العباس سيدهم بعد أَبيه عليّ. [قال هشام:] وكان نبيلًا جليلًا، فاضلًا فصيحًا، وله الكلامُ الحسنُ، والهمَّةُ العالية. قال: شرُّ الآباء مَنْ دعاه البِرُّ إلى الإفراط، وشَرُّ الأبناء مَنْ دعاه التقصيرُ إلى العقوق (٥). وكان وصيَّ أبي هاشم عبد الله بن محمَّد بن الحنفيَّة (٦)، وكان ابتدأ الدعوة، فلمَّا احتُضر أوصى إلى محمَّد بن عليّ، فلم يزل منذ سنة سبع وثمانين إلى سنة أربع وعشرين ومئة، فمات محمَّد وقد انتشرت الدعوة، وكثُرت الشيعة (٧). وكان يقول: لنا ثلاثةُ أوقات: موتُ الطاغية يزيدَ بنِ معاوية، ورأسُ المئة، وفتقٌ بإفريقية، فعند ذلك تظهرُ دولتُنا، ويُقبل أنصارُنا من المشرق (٨). و [قال أبو اليقظان:] بعث [محمد بن عليّ] إلى خُراسان رجلًا، وأمره أن يدعوَ إلى الرِّضى من آل محمَّد ﷺ ، ولا يسمِّيَ أحدًا، فأجابه سبعون، فاختارَ منهم اثني عشر نقيبًا (٩).

стр. 5167

وإنَّما اختار محمَّد خُراسان؛ لأنَّه فكَّر فرأى أهلَ الكوفة شيعةً لعليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه وهم غدر، وأهلَ البصرة عثمانية، وأهلَ الشَّام سفيانية ومروانية، وأهلَ الجزيرة خوارج، وأهلَ المدينة مختلفين، فبعضُهم شيعة عليّ رضوان الله عليه، وبعضُهم يميلون إلى أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، وأهلَ مصر مختلفي الآراء والأهواء، وأهلَ خُراسان قلوبُهم خاليةٌ من الأهواء (١)، وهم أهل قوة وبأس ونجدة وعُدَّة. و [حكى أبو القاسم ابن عساكر قال:] (٢) قدم محمَّد بن عليّ على هشام، فقال له: ما الذي أقدمك؟ قال: حوائج. قال: انتظر بها دولتَك التي تتوقَّعونها وتَرْوُون فيها الأخبار، وترشِّحون لها أحداثَكم. فقال: أُعِيذُك بالله يَا أمير المُؤْمنين من هذا. قال: بلى، أنتُم تقولون كذا، وقد جعلتُم رسولَ الله ﷺ سُوقًا، قد كتبَ إليَّ عاملُ ناحيتك أنَّ النَّاسَ يجيئون إليك بالمال من كل ناحية، فأدِّ (٣) مئة أَلْف درهم. وحبسه وأقدمه في الشَّمس وقال: عذِّبوه. وكان في عسكر هشام أبو موسى السَّرَّاج، ومعه أبو مسلم غلامٌ ابنُ عشرين سنة، يعلِّمُه صَنْعَةَ السُّروج، وكان أبو موسى من أهل الدعوة، فجمع له مئة أَلْف درهم، وكلَّمُوا فيه هشامًا، فأخذَها وأطلقه (٤). وقال [الهيثم: قال] الأبرش الكلبي لهشام: إن كان الله تعالى قد قدّر لهم أن ينالوا الخلافة، فلا بدَّ لهم منها، فيجب عليك مصانعتُهم لأجل ولدك وعَقِبك، وإنْ لم يكن في المقدور أن ينالوها؛ فما خوفُك ممَّا ليس بمقدَّر؟ فأمسك هشام عن محمَّد، وخلَّى سبيلَه (٥). وحكى أبو القاسم أَيضًا عن محمَّد بن سليمان (٦) بن عبد الله النَّوْفلي قال: لمَّا تحدَّث النَّاس أن الخلافة تصيرُ إلى بني العبَّاس؛ كتب هشام إلى عامله بالمدينة أن

стр. 5168

يُشخص محمَّد بنَ علي إلى الشام، فأشخصَه إلى دمشق، وأمره هشام بلزوم بابه، فاشترى محمَّد جاريةً بدمشق، فولدت ولدًا، فأنكره محمَّد، فخاصَمَتْه أمُّه إلى هشام، فأحضر محمدًا، فحلف أنَّه ليس منه، ففرَّق بينهما، فلما بلغ الغلام سبع سنين؛ دسَّ إليه محمَّد من اغتاله وقتلَه، فاستعدت أمُّه عليه هشامًا، فحلفَ إنه ما قتله، ولا دَسَّ عليه من قتلَه. فطرح هشام عليه العيون وقال: بالأمس يَقتُلُ أبوه عليٌّ سَلِيطًا (١)، واليوم يَقتلُ هذا ولدَه! وأرسل إلى ضياع الغوطة في السِّرِّ يبحثُ عنه، فقال رجل من أهل المِزَّة: عندي من هذا علم. فأُحضر إلى هشام، فسأله، فقال: كنتُ أسقي بستانًا لي بالمِزَّة ليلًا، فرأيتُ رجلًا راكبًا على فرس، وخلفَه آخر، ورجلٌ يمشي معه، فقتلوا واحدًا [منهم] ودفنوه، ولم يشعروا بي، وقد علَّمتُ على الموضع الذي دفنوه فيه، وتبعتُ أثرهم حتَّى دخلوا البلد (٢)، وعرفتُ الدار التي دخلوها. فقال له هشام: لله دَرُّك! فقد فرَّجتَ عني. وأرسل معه أقوامًا إلى الدار، فإذا هي دارُ محمَّد بنِ على، فأحضرَه وسألَه، فأنكر (٣)، فبعث إلى الصَّبي فنبشَه، وأخرجَه مقتولًا، فقال هشام: لولا أن الأب لا يُقاد بابنه (٤) لأقَدْتُك به. فضربه سبعَ مئة سَوْط (٥)، ونفاه إلى الحِمَّة. فكان ذلك سببًا لضرب عبد الله بن عليّ هشامًا بعد موته؛ لأنه فعلَ بأخيه ذلك (٦). واختلفوا في وفاته؛ فحكى ابنُ سعد أنَّه توفّي بالشَّراة من أرض الشَّام في خلافة الوليد بن يزيد سنة خمس وعشرين ومئة وهو يومئذ ابنُ ستين سنة، فعلى هذه الرواية ينبغي أن يكون مولده سنة خمس وستين (٧).

стр. 5169

وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن عيسى بن المنصور أنَّه مات سنة ستّ وعشرين (١) وهو ابنُ ثلاثٍ وستين. وقال المدائنيّ: في سنة أربعة وعشرين ومئة. [وقال الواقديّ: المثبت عندنا أنَّه مات في سنة خمس وعشرين ومئة قبل قتل الوليد بن يزيد بقليل، والوليدُ قُتل في سنة ست وعشرين ومئة] (٢). وبين وفاته ووفاة أَبيه سبع سنين، وقيل: خمس سنين، وقيل: مات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وقيل: سنة أربع وعشرين. ذكر أولاده: فولدَ محمدُ بنُ عليّ عبدَ الله الأصغر، وهو أبو العباس القائم بالخلافة، وداودَ، وعُبيدَ الله (٣)، ورَيْطَة؛ هلكت ولم تبرز، وأمُّهم رَيْطَة بنت عُبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان (٤). قال البلاذُري: خطب محمَّد بنُ عليّ إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ رَيطَةَ وعُمرُ يومئذ خليفة، فقال له: وما يمنعك منها؟ هي أملكُ بنفسها. فتزوجَها بحاضر قِنَّسْرِين في دار طلحة بن مالك الطَّائي. فحملت بأبي العبَّاس، وولدَتْه في سنة مئة، وقيل: في سنة إحدى ومئة. وكانت أوَّلًا عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فمات عنها، فتزوَّجَها الحجَّاج بنُ عبد الملك [بن مروان] ثم طلَّقها. فخرج محمَّد بن عليّ من الشراة إلى الصائفة، فتزوَّجها كما ذكرنا (٥).

стр. 5170

وعبدَ الله الأكبر، وهو أبو جعفر المنصور، وليَ الخلافة بعد أخيه [أبي العباس] (١)، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: سلامة، بربريَّة (٢). وإبراهيمَ الإِمام الذي كان أهلُ الدعوة يصيرون إليه، ويصدرون عن رأيه، وأمُّه أمُّ ولد، اسمها جان (٣). ويحيى، والعالية، وأمُّهما أمُّ الحكم بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب (٤). وموسى، وأمُّه أمُّ ولد، غزا مع أَبيه محمَّد، فمات ببلاد الووم، وابنُه عيسى؛ ولَّاه أبو العبَّاس للعهد بعد أبي جعفر، فخلعَه أبو جعفر (٥). والعبَّاسَ، وأمُّه أم ولد، وإسماعيلَ، ويعقوبَ -وهو أبو الأسباط (٦) - ولُبابة؛ تزوَّجَها جعفر بن سليمان بن عليّ، فهلكت عنده ولم تلد له شيئًا، وهم لأمَّهات أولاد شتَّى. أسند محمَّد بنُ عليّ عن أَبيه، وعمر بن عبد العزيز، وأبي هاشم بن محمَّد بن الحنفية. وروى عنه حبيبُ بنُ أبي ثابت، وهشامُ بنُ عروة، والزُّهْري، وأخوه عيسى بن علي، وابناه أبو العباس، وأبو جعفر، وغيرهم (٧).

стр. 5171

مَعْبَد المغنِّي [واختلفوا في اسم أَبيه، فقيل: قَطَن، وقيل: وَهْب، وكنيتُه] أبو عبَّاد، من أهل المدينة مولى معاوية بن أبي سفيان، وقيل: مولى العاص بن وابصة المخزوميّ (١). كان أديبًا فصيحًا يُضربُ المَثَلُ بجودة غنائه، وكان مقدَّم المغنّين بالمدينة. [وذكره أبو الفَرَج الأَصْبهانِيّ في أول "الأغاني" في شعر أبي قَطِيفة (٢)، وقال: له الصوت المشهور: القَصْرُ فالنَّخْلُ فالجَمَّاءُ بينَهما … أشهى إلى القلب من أبواب جَيرُونِ وقد ذكرناه في ترجمة أبي قَطِيفَة. قال:] ومع هذا كان مقبولَ الشهادة عند قضاة المدينة إلى أن نادمَ الوليدَ بنَ يزيد، فردُّوا شهادته (٣). وتوفّي بدمشق عند الوليد (٤) في سنة خمس وعشرين ومئة، ومشى الوليد في جنازته هو [وأخوه] الغَمْر بن يزيد [والوليد يومئذ خليفة. قال: وقال كَرْدَم بن مَعْبَد: رأيتُ الوليدَ وأخاه الغَمْر يمشيان في جنازة أبي في قميصين ورداءين حتَّى دُفن. قال: وخرجَتْ سَلَّامة جاريةُ يزيد بن عبد الملك -وهي سَلَّامة القَسّ- فأخذت بعمود سرير أبي وقالت: كلما أبصرت رسمًا (٥) … خاليًا فاضَتْ دموعي] (٦)

стр. 5172

هشام بن عبد الملك بن مروان [قد ذكرنا بعض سيرته، فنذكرُ طرفًا من أخباره. ذكر المدائنيّ جملةً منها فقال:] كان فظًّا غليظًا بخيلًا، يجمع الأموال، ويباشر الأمور بنفسه، وكان يخضب بالسَّواد. [قال: وبلغ من بخله أنَّه] كان يقف على القصَّاب بنفسه، فيسألُه عن اللحم وسعره. ورأى رجلًا يشتري لحمًا بدرهم. فقال: أحسنتَ، أكثرُ من هذا سَرَفٌ (١). [قال:] ودخل [هشام] بستانًا، فأقبلَ خواصُّه يأكلون من الثمر ويقولون: بارك الله لأمير المُؤْمنين. فقال: كيف يباركُ فيه وأنتم تأكلون هذا الأكل؟! ثم قلع (٢) شجرَه وغرسَه زيتونًا. [قلت: وهذا بعيد أن يصدر من خليفة، وقد أجبنا عن هذا في ترجمة الوليد بن عبد الملك، ولعل هذا البستان قد كان للمسلمين، فكره أن يختصَّ به هؤلاء دون غيرهم. والعجب من المدائنيّ يحكي مثل هذا ويقول: وكان طِرازُه (٣) يُحمل على تسع مئة جمل (٤). وقال الهيثم بن عديّ:] وكان [هشام] إذا صلَّى الغداة؛ فأوَّلُ مَنْ يدخلُ عليه صاحبُ حرسه، فيخبرُه بما حدث في الليل، ثم يدخل عليه بعده مَوْليانِ له، مع كلِّ واحد منهما مصحف، فيقعدُ واحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقرأ جزأه، وهما يأخذان عليه، ثم يدخلُ الكاتب، فيقعدُ بين يديه، ويدخل الحاجب، فيقول: فلان على الباب، وفلان، فيأذنُ لمن شاء منهم، ثم تُعرض عليه القصص وهو يقرأها، ويأمر

стр. 5173

الكاتب بالتوقيع، إلى نصف نهار الظهر، فيحضر الطعام، فيأكلُ هو والناس إلى الظهر، فإذا أذَّنَ قام إلى الصلاة [فيصلِّي] فإن كانت قائلةٌ قال (١) إلى العصر، ثم يجلس، فيقضي حوائج النَّاس إلى المغرب، وإن لم تكن قائلة لم يَقِل (٢)، ويقضي حوائج النَّاس طول النهار (٣). [قال الهيثم:] وما كان يأكل التفَّاح؛ لأنه رأى في منامه أنَّه قُدِّم إليه طبق فيه تفَّاح، فأكل منه تسعةَ عشر تفاحةً وبعض الأخرى، فأمر مَنْ يسألُ المُعبِّرين، فقالوا: تملك تسعَ عشرةَ سنة وبعضَ أخرى، فكان يتطيَّر من التفَّاح (٤). [وحكى الهيثم أَيضًا قال:] قال عقَّال بن شبَّة: دخلتُ على هشام وعليه قَبَاءٌ أخضر فَنَكٌ (٥)، فبعثني إلى خُراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظرُ إلى القَبَاء، ففَطِنَ، فقال: ما لك؟! فقلت: رأيتُ عليك قَبَاءً مثل هذا قبل أن تليَ الخلافة، أهو هذا؟ قال: إي واللهِ الذي لا إله إلَّا هو، ما لي سواه، وما لي من هذا المال إلَّا حفظُه لكم، وصونُه عمَّن يأكلُه. قال: فكنتُ إذا دخلتُ عليه رأيتُ رجلًا محشوًّا عقلًا (٦). المشهور عن طِراز هشام خلافُ ذلك، فإنَّه قيل: إن كسوتَه تُحمل على ماتين كره (٧) من البغال. وقد تقدَّم في هذا الكتاب ما يدل على ذلك. وكان عطاء هشام في كلِّ سنة مئتي دينار لنفسه (٨).

стр. 5174

[فإن قيل: فهذا يُنافي ما ذكروا أنَّ طِرازَه كان يُحمل على تسع مئة جمل، ووُجد له يومَ ماتَ عَشَرَةُ آلاف قميص، وسبعةُ آلاف سراويل؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّه يحتمل أنَّه كانت له أموال من مواريثَ واكتساب، فكانت ثروتُه منها، وما كان يأخذُ من بيت المال سوى مئتي دينار. والثاني: أنَّه يحتمل أنَّ هذا القولَ منه كان قبل أن يليَ الخلافة، ثم تغيَّر حالُه بعد ما وليَها. والثالث: أنَّه يحتمل أنَّ ما نُقل عنه أنَّه كان طِرازُه يُحمل على تسع مئة جمل وما كان له من القمصان وغيرها غيرُ ثابت. وقال أبو اليقظان:] وأغلظ رجلٌ لهشام، فقال له غير مُغْضَب: ليس لك أن تُغلِظَ على إمامك (١). قال: وتفقَّد [هشام] بعضَ ولدِه يومَ جمعة، فلم يجده، فسأل عنه، فحضر، فقال: ما الذي منعك من الجمعة؟ فقال: نفَقَتْ دابَّتي. فقال: واللهِ لا ركبتَ دابَّةً إلى سنة (٢). [قال:] ونظر يومًا إلى قوم يَنْفُضُون الزيتون، فقال: القُطُوهُ لَقْطًا، ولا تنفُضُوه نَفْضًا، فتُفقأَ عيونُه، وتكسرَ (٣) غصونُه (٤). و [قال هشام بن الكلبي:] كان سبب نزوله الرُّصافة الهرب من الطاعون، [وكذا كان بنو أمية ينزلون البراري، فوقع طاعون بدمشق، فخرج هشام إلى موضع الرُّصافة] فلما خرج قيل له. لا تخرج، فإنَّ الخلفاء لا يُطْعَنُون [وإن الطاعون لا يصيب أحدًا من الملوك] فقال: تريدون [أن] تجرِّبُوا فيَّ؟! وبنى قصَرين عظيمين بالرُّصافة، وكانت مدينةً عتيقةً من مدائن الروم، وقصد أيضًا القرب من العراق والجزيرة والشَّام (٥).

стр. 5175

[وحكى القاضي التنوخي عن الهيثم بن عدي، عن حمَّاد الراوية قال: كنتُ منقطعًا إلى يزيد بن عبد الملك، وهو يومئذ خليفة، وكان هشام يجفوني لذلك. فلمَّا مات يزيد ووليَ هشام؛ نزلتُ إلى العراق، فأقمتُ بالكوفة سنةً ملازمًا لبيتي لا أخرج منه سنة. قال: فخرجت يوم جمعة، فصلَّيتُ عند باب الفيل، وإذا شرطيَّان قد وقفا على رأسي، فقالا: أحب الأمير يوسف بن عمر. فقلتُ: أسيرُ إلى أهلي، فأودِّعُهم وداعَ من لا يرجع إليهم أبدًا. قالا: لا سبيل إلى ذلك (١). قال: فاستسلمتُ ومضَيْتُ إلى يوسف، فدخلتُ، فسلَّمتُ عليه، فردَّ السلام، ورمى إليَّ بكتاب هشام، وإذا فيه: فإذا قرأتَ كتابي هذا؛ فابعث إليَّ بحمَّاد الراوية غير مروَّع، وادْفَعْ إليه جملًا مَهْرِيًّا (٢)، وخمس مئة دينار، وليكن عندنا بدمشق بعد اثنتي عشرة [ليلة]. قال: فقبضتُ المال، وسِرتُ إلى دمشق، فوافيتُها في اثنتي عشرة ليلة، ودخلتُ على هشام، وإذا به في مجلس مفروش بالرُّخام، بين كل رُخامتين قضيبٌ من الذهب، وحيطانُه كذلك، وهو جالس على طِنْفِسةٍ حمراء، وعليه ثياب من الخَزّ حُمْرٌ، وبين يديه أواني الذهب، فيها المسك والعنبر، يُقلِّبُهُ بيده، فتفوحُ رائحتُه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ، واستدناني، فقَبَّلْتُ قدميه، وبين يديه جاريتان لم أرَ مثلَهما، وفي أذن كلِّ واحدة منهما حلقتان تتوقَّدان، فسألني عن حالي، فقلتُ: أنا بخير. فقال: أتدري لِمَ أرسلتُ إليك؟ قلت: لا. قال: خطرَ ببالي قولُ القائل: ودَعَوْا (٣) بالصَّبوح يومًا فجاءت … قَينَةٌ في يمينها إبريقُ فلم أدرِ لمن هو. قال: فقلتُ: هذا البيت لعديّ بن زيد العِبَادي، من قصيدة أنشدني إيَّاها هو. قال: وما هي؟ فقلت:

стр. 5176

بَكَرَ العاذلون في بَكَرِ (١) الصُّبْـ … ــــــحِ يقولون لي ألا تَسْتَفِيقُ ويلومون فيكِ يَا ابنة عبد اللـ … ــهِ والقلبُ عندكم موهوقُ (٢) لستُ أُصْغِي إلى مَلَامِ عَذولٍ (٣) … أعَدُوٌّ يلومُني أم صديقُ زانَها حسنُها وفرعٌ عميمٌ … وجَبِينٌ صَلْتٌ (٤) ووجهٌ أنِيقُ نادمتُها على عُقارٍ كعين الـ … ـــــدِّيكِ صَفَّى سُلافها الرَّاووقُ ثم كان المِزاجُ ماءَ سحابٍ … لا صَرًى آجِنٌ ولا مطروقُ فدعا بالصَّبُوح يومًا فجاءَتْ … قَيْنةٌ في يمينها إبريقُ فقال هشام: أحسنتَ يَا حمَّاد واللهِ. ثم قال للجارية: اسقيه. فسقَتْني شَرْبَةً أذهبَتْ ثُلث عقلي. وقال: أعِدْ. فأعدتُها، فطرب حتَّى نزل من فرشه وقال للجارية الأخرى: اسقِيه. فسقَتْني شَرْبَةً أذهبَتْ بثلثي عقلي. فقال هشام. إن شربتَ الثالثة افتضحْت، فسَلْ حوائجَك. فقلتُ: كائنةً ما كانت؟ قال: نعم. قلت: إحدى الجاريتين. قال: هما معًا لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأخرى: اسقيه. فسقَتني شَرْبَةً سقطتُ منها، فلم أعقل. فلما أصبحتُ؛ إذا الجاريتان عند رأسي، وإذا عَشَرةٌ من الخدم؛ مع كل واحد بَدْرَة، فقال لي واحد: أميرُ المُؤْمنين يعتذرُ إليك، فخُذْ ما بعثَ به إليك. فأخذتُ البِدَرَ والجاريتين وانصرفتُ. قلت: كذا ذكر القاضي التَّنوخي وأبو الفَرَج الأصفهاني أن الواقعة كانت مع هشام (٥). وقال المُعافَى بن زكريا: وقد رُوي مثلُ هذا لحمَّاد مع يزيد بن عبد الملك، وهو أشبه؛ لأنه كان جوادًا، وهشام كان بخيلًا.

стр. 5177

قلتُ: وهذا أصحّ من وجه آخر، وذلك أن هشامًا لم يكن يشربُ المسكر، ولا يسقيه أحدًا بحضرته، وكان يُنكر ذلك ويُعاقب عليه، وقد كانت أوقاتُه محفوظة؛ بخلاف الوليد، فإنَّه كان مشتهرًا بشرب الخمر، ولو كانت الواقعة مع هشام فقد رُويَ أنَّه لما أنشده حمَّاد الشعر طربَ، وأقام عنده مدَّة، فوصله بمئة أَلْف درهم] (١). [وقال الهيثم:] ووقَّع [هشام] على قصة متظلّم: أتاك الغَوْث (٢) إن كنتَ صادقًا، وحلَّ بك النَّكال إن كنتَ كاذبًا. [وكتبَ إلى والي خُراسان وهو محارب الترك: احذَرْ ليالي البيات] (٣). وكتبَ إليه والي المدينة يشكو أولاد الْأَنصار. فكتب إليه: احْفَظْهم في رسول الله ﷺ ، وهَبْهُم له. وكتب إلى والي العراق وهو يحارب الخوارج: ضَعْ سيفَك في كلاب أهل النَّار، وتقرَّبْ إلى الله بقتل الفجَّار (٤). و [قال الأبرش بن الكلبيّ:] وقع طاعون بدمشق، فخرجَ هشام هاربًا، فمرَّ على دَير فيه راهبٌ، وإلى جانبه بستان، فأدخلَ هشامًا إليه، وجعل يتخيَّرُ له أطايبَ الفاكهة، وهو يأكلُ. فقال: يَا راهب، بعني (٥) بستانك. فلم يجبه، فقال: ما لك ساكت؟ فقال: وددتُ أنَّ النَّاس كلَّهم ماتُوا غيرك. قال: ولِمَ؟ قال: عساك [أن] تشبع! والتفت هشام إلى الأبرش فقال: تسمعُ ما يقول؟ فقال له الأبرش: واللهِ ما لَقِيَك ابنُ حرّة غيره (٦).

стр. 5178

و [قال الأبرش:] كان هشام يقول: أكلتُ الحُلو والحامض حتَّى لم أجد لواحدٍ منهما طعمًا، وشممتُ ألوانَ الطِّيب حتَّى ما أجدُ له رائحةً، وأتيتُ النساء حتَّى ما أُبالي أتيتُ امرأةً أو حائطًا. وعدَّدَ ما نال من اللذَّات في الدنيا، ثم قال: وما رأيتُ (١) ألذَّ من جليس تسقطُ بيني وبينه مؤونةُ التحفُّظ (٢). وقال الأبرش: ما كان يدخلُ بيتَ مالِ هشام درهمٌ حتَّى يُشْهِدَ على العامل أربعين عَدْلًا، ويستحلفَه أربعين يمينًا أنَّه أخذ هذا المال من وجهه، وأنه (٣) صرف كل حقٍّ إلى مستحقِّه (٤). و [قال الأبرش:] شتم هشامٌ رجلًا من الأشراف، فقال له: أما تستحي تشتِمُني وأنت خليفة الله في أرضه؟! فاستحيا هشام منه وقال: اقتصَّ. فقال: أكون إذن سفيهًا. قال: فخُذْ من المال ما شئت، قال: ما كنتُ لأبيعَ عِرْضي بعَرَض الدنيا. قال: فهَبْهَا لي. قال: أمَّا هذه فنعم. قال: فنكَّسَ هشام رأسَه وقال: واللهِ لا أعودُ لمثلها أبدًا (٥). [وقال المدائني: كان هشام يذكر في خطبته يوم العيدين: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى وما شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع، ومن شاء ضرَّ ومن شاء نفع (٦). وقال المدائنيّ:] وجرى بين مسلمة وأخيه هشام منافرة، فقال له مسلمة: كيف تطمع في الخلافة وأنت جبانٌ بخيل؟! فقال [هشام]: إلَّا أني عفيف حليم (٧).

стр. 5179

وقال هشام: اثنان يتعجَّلان النَّصَب، ولعلهما لا يظفران بالبُغْية: الحريصُ في حرصه، ومعلِّمُ البليد بما لا يبلُغه فهمُه (١). وقال لما تغيَّر على خالد القَسْرِيّ: الإفراط في الدالَّة تُفسد الحُرمة (٢). [وقال أَيضًا:] (٣) نال رجل من عرض هشام فأحضره، فأخذ يعتذر، فقال له هشام: وتتكلَّم أَيضًا؟! فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] أفنُجادِلُ اللهَ جدالًا ولا نُكلِّمُك كلامًا. فقال له هشام: تكلَّم بحجِّتك (٤). [قال:] ودخل عليه أعرابيٌّ، فجلس يأكل على سِماطه، فتعلَّقَتْ شعرة بلقمة في يد الأعرابي، فقال له هشام: نَحِّ الشعرةَ من لقمتك. فقال الأعرابي: وكأنَّك تُلاحظُني ملاحظةَ من يرى الشعرةَ في اللقمة! واللهِ لا أكلتُ لك بعد اليوم طعامًا. ثم خرج وهو يقول: ولَلموتُ خيرٌ من زيارة باخلٍ … يلاحظُ أطرافَ الأكيلِ على عَمْدِ (٥) وبعث إليه خالد القَسْريُّ حاديًا وقال: ليس في الدُّنيا من يَحْدُو مثلَه، فأحضره هشام وحدا بين يديه، فقال: قد همَّتِ الشمسُ ولما تَقْفُلِ … فَهيَ على الأُفْقِ كعينِ الأحولِ فلم يقل هشام شيئًا (٦). و [روى ابن أبي دريد، عن أبي عبيدة، عن يونس قال:] اشترى هشام جارية، وخلا بها، فقالت: يَا أمير المُؤْمنين، ما أطمعُ في منزلة أعلى من منزلتي هذه إذْ صِرتُ إلى الخلافة، ولكن أخافُ النَّار، فإنَّه ليس لها خطر. قال: وما ذاك؟ قالت: إن بعض ولدك

стр. 5180

فلانًا اشتراني، فبتُّ عنده ليلة فألمَّ بي، ولا يحلُّ لك مَسِّي. [قال:] فحظيت عنده، ولم يعرض لها، وولَّاها أمره (١). وقال لمؤدِّب أولاده: إذا سمعتَ من أحدٍ منهم كلمةً عوراء في مجلسِ جماعةٍ؛ فلا تُؤنِّبه، فتُخجله، وعسى أن يُبصر خطأه، فيكون بصره للخطأ أعظمَ من ابتدائه به، ولكن احفظها عليه، فإذا خَلَوْتَ به فرُدَّه عنها (٢). ودخل الأبرش الكلبيُّ -واسمُه سعيد بن الوليد بن عبد عَمرو- على هشام، فسأله حاجة، فامتنع منها، فقال الأبرش: قد وعدتُ بها رجلًا، فلا بدَّ منها. فقال هشام: فذاك أبعدُ لك أن تعدَ بما ليس إليك. قال: فإنَّه مستحقٌّ. فقال هشام: فالكثيرُ من يرى أنَّه مستحقٌّ أمرًا ليس له بأهل. قال الأبرش: فقلت: أفٍّ لك، [إنك] واللهِ ما علمتُ قليلُ الخيرِ نَكِدًا، واللهِ ما نُصيبُ الشيء منك إلَّا بعد مسألة، فإذا أصبناه منك؛ مَنَنْتَ به، فقال: لا واللهِ، ولكن وجَدْنا الأعرابيَّ أقلَّ شكرًا. فقلت: واللهِ إنِّي لأكرهُ الرجلَ يُحصي ما يُعطي. ودخل أخوه سعيد بن عبد الملك ونحن في ذلك، فقال: يَا أَبا مجاشع، أتقول هذا لأمير المُؤْمنين؟! قلت: نعم، صحبتُ هذا وهو - واللهِ - أرذلُ بني أميَّة، وأنا يومئذ سيِّدُ قومي، وأكثرُهم مالًا، وأوجهُهُم جاهًا، [أُدْعَى] إلى الأمور العظام من قِبل الخلفاء، وما يطمع هذا فيما صار إليه، حتَّى إذا صار إلى البحر الأخضر؛ غرفَ لنا منه غَرْفَةً. فقال هشام: صدقتَ يَا أبرش، اغْفِرْها لي، فواللهِ لا أعودُ إلى شيءٍ تكره أبدًا. [قال:] فما زال مكرمًا لي حتَّى مات (٣). وكان بين مسلمة وهشام ابني عبد الملك تباعدٌ، وكان الأبرش يدخلُ عليهما، وكان أحسنَ النَّاس حديثًا وعقلًا، فقال له هشام: كيف تكون خاصًّا بي وأنت تتردَّد إلى مسلمة وقد علمتَ ما بينَنا، فقال الأبرش: أنا كما قال الشَّاعر:

стр. 5181

أُعاشِرُ قومًا لستُ أُخبِرُ بعضَهم … بأسرار بعضٍ إنَّ صدري لَواسعُ فقال له هشام: أنتَ -واللهِ- كذلك (١). و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] عاش الأبرش إلى أيام [أبي جعفر] المنصور، [فحكى محمَّد بن سلَّام قال:] حدا الأبرش بالمنصور في طريق الحج فقال: أغرُّ بين حاجبيه نورُهُ … إذا توارى وبه ستورُهُ فأعطاه المنصور درهمًا، فقال له: يَا أمير المُؤْمنين، لقد حَدَوْتُ هشامًا بهذا [البيت] فأعطاني عَشَرَةَ آلاف درهم، فقال: يَا ربيع، طالِبْهُ بها، فإنَّ هشامًا أخذه من غير حِلِّهِ وأعطاه لمن لا يستحقُّه، فلم يزل أهل الدولة يشفعون له حتَّى أخذ المنصور منه الدرهم وخلَّاه (٢). وقال هشام يومًا لجلسائه: كم أكثرُ [ما] ضَمَّتْ عليه الحَلَبَةُ من الخيل في الجاهلية والإِسلام؟ قالوا: ألفُ فرس. فأقام هشام أربعة آلاف فرس، وبرز إلى الدَّهناء -وهي صحراء الرُّصافة- وأطلق الخيل، فقال حفص الأُمويُّ الشَّاعر: إنَّ الجوادَ السابقَ الإمامُ … خليفةُ اللهِ الرِّضى الهُمامُ أنجبَه (٣) السَّوابقُ الكرامُ … من منْجِباتٍ ما بهنَّ ذَامُ إنَّ هشامًا جدُّه هشامُ … جرى به الأخوالُ والأعمامُ وأحرز المجدَ الذي أقاموا … في حَلْبةٍ تَمَّ لها التَّمامُ من آلِ فِهْرٍ وهمُ السَّنَامُ … سُبَّاقُ غاياتٍ لها ضِرامُ من أبيات. فأعطاه هشام مالًا وثيابًا وخيلًا. ولا تُعلم حَلْبَةٌ أُقيمت بمثل هذه (٤). وكان حفصٌ هجَّاءً لبني هاشم، مادحًا لبني أمية، فلما ظهر عبد الله بن عليّ، أباح دمَه، فهرب، وطال عليه الأمر، وضاقت به الحيل، فجاء إلى مجلس عبد الله، فقال:

стр. 5182

عائذٌ بالله وبالأمير. قال: من أنت؟ قال: حفص الأُموي. قال: ألستَ الهجَّاء لبني هاشم؟! [قال:] فأنا الذي أقول: وكانَتْ أميةُ في ملكها … تجورُ وتُكثرُ عُدْوانَها فلمَّا رأى اللهُ أنْ قد طغَتْ … ولم يُطِقِ النَّاسُ طغيانَها رماها بسفَّاحِ آل الرسولِ … فجدَّ بكفَّيه أعيانَها ولو آمنَتْ قبلَ وقعِ العذابِ … لقد قَبِلَ اللهُ إيمانَها فقال له عبد الله: اقعُدْ. فقعدَ بين يديه، وتغدَّى معه، فسارَّ عبد الله خادمًا له، ففزع حفص وقال: أيها الأمير، إنِّي قد تَحرَّمْتُ بطعامك، وفي أقلَّ من هذا كانت العربُ تُجير في الدِّماء، فقال: لا بأس عليك. وجاء الخادمُ ومعه خمسُ مئة دينار، فقال له: خُذْها وأصلح ما شَعَّثْتَ منَّا. وكان هشام جالسًا يومًا وعنده الأبرش [الكلبي] إذ طلعت جارية، فقال الأبرش؛ مازحَها فقال: هَبي لي حُلِيَّكِ، فقالت: لأنتَ أطمعُ من أَشْعَب. فقال هشام. مَنْ أَشْعَب؟ قالت: مِضْحاكٌ بالمدينة. وذكرتْ طرفًا من حكاياته، فقال هشام: اكتُبوا إلى عامل المدينة ليُحمل إلينا. ثم استدرك، فأطرقَ رأسه ساعةً (١) ورفع رأسه فقال: يَا أبرش، نكتبُ إلي عامل مدينةِ رسول الله ﷺ ، فيحمل إلينا مضحاكًا! لا ها اللهِ ذا. ثم تمثَّل بهذا البيت: إذا أنتَ طاوَعْتَ الهَوى قادَك الهَوَى … إلى بعض ما للنفسِ فيه مقالُ (٢) وقال سليمان بنُ مجالد أخو أبي جعفر المنصور من الرَّضاعة: قدمنا الرُّصافةَ على هشام وأبو جعفر على حمار، وإنا أسوقه، فنرلنا على مَسْلَمةَ بنِ عبد الملك ليأخذ

стр. 5183

رأيه، فدفَع إلينا خمس مئة درهم، وسُفْرَة فيها طعام، وحذَّرَنا هشام (١) وقال: لا تبيتا الليلة ها هنا. فخرجنا فسرينا طُول الليل، فلما طلعَ الفجر نَزَلْنَا نصلي، فإذا بهشام في موكبه، فلما رآنا رقَّ لنا، ونزل فصلَّى، وبعث إلى أبي جعفر بفرسه الذي كان عليه، فركبه (٢)، وركبتُ الحمار، فقال أبو جعفر: اللهمَّ كما حَمَلْتَنِي على فرسه؛ فأجْلِسْنِي في مجلسِه. فاستجابَ الله له (٣). وقال هشام: يُعرفُ حُمقُ الرجلِ بأربعة أشياء: بطول لحيته، وكنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه. فدخل عليه شيخ طويل اللحية، فقال: أمَّا هذا فقد أتاكم بواحدة، فانظروا أين هو من الثلاثة؟ فقال له: ما كنيتُك؟ قال: أبو الياقوت. قال. فأيُّ الطعام تحبُّ؟ قال: الجَلَنْجَبِين (٤). قال: فما نَقْشُ خاتَمِك؟ قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] فقال: حسبك (٥)! ذكر جماعة من الوافدين عليه: [قال علماء السير: ومن الوافدين على هشام:] مقاتل بن حيَّان البَلْخيّ [مولى بني بكر بن وائل، وقيل: مولى بني شيبان، وقيل: مولى تيم الله] ذكره خليفة في الطَّبقة الثالثة (٦) من أهل خُراسان.

стр. 5184

وفد على عمر بن عبد العزيز ﵁ وعنده رجلٌ يُحدِّثُه، وعُمرُ مقبلٌ عليه بوجهه. قال مقاتل: فلما خرج قلت: يَا أمير المُؤْمنين، مَنْ هذا الذي أقبلتَ عليه بوجهك؟ قال: أرأيتَ؟! قلت: نعم. قال: ذاك الخَضِر ﵇ (١). [قال: وكانوا ثلاث إخوة، أو أربعة: مقاتل، والحسن، ويزيد، ومصعب بنو حيَّان]. وكان حيَّان يلي الولايات بخراسان، عظيمَ القدر عند بني أمية، وحضر قتال المهلَّب بن أبي صُفْرة يوم العَقْر (٢). وكان قتيبة يكتب إلى الحجَّاج، فيشكره ويذكر مواقفه، فكتب إليه الحَجَّاج: يَا أَبا حفص، ما أدري ما حيَّانُك، إلَّا أني أراه مشتملًا لك على غَدْرَة. فكان كما قال، ألَّب [حيَّان] على قتيبة، وأعان عليه حتى قتلوه (٣). وكان مقاتل ناسكًا فاضلًا، أسلمَ على يده خلقٌ كثير من أهل كابل في أيام أبي مسلم، وكان قد هرب منه، فالتجأ إلى ملك كابُل، وأقام عنده حتَّى مات، فحزن عليه الملك فقيل له: إنه ليس من أهل دينك! فقال: إنه رجل صالح (٤). حدَّث مقاتل عن سالم، وعطاء، ومجاهد، والحسن البَصْرِيّ، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وأبي بُرْدَة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وصنَّف التفسير (٥)، وروى عنه الأئمة والزُّهَّاد، كعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن الأدهم، وحفص بن ميسرة، في آخرين.

стр. 5185

واتفقوا على صدقِهِ وثقته وورعه، لم يتكلَّم فيه أحد. قال المصنف ﵀: ولم أقف على تاريخ وفاته (١). ومن الوافدين عليه: الفرزدق الشاعر [قال أبو عبيدة: أنشده: فبِتْنَ بجانبيَّ مصرَّعاتٍ … وبتُّ أفُضُّ أغلاقَ الخِتامِ عنى بالفَضِّ عن الجماع. فقال هشام: أمَّا أَنْتَ؛ فقد أقررتَ بالزِّنى، وأنا وليُّ إقامته، ولابدَّ من حدِّك. فقال له الفرزدق: يمنعك من ذلك آية. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]. ثم ارتحل يقول: لقد شهدتْ لي في الطواسينِ آيةٌ … أقامَ بها عذري الكتابُ المنزَّلُ "يقولون ما لا يفعلون" وإنني … من القوم قوَّالٌ لما كنتُ أفعلُ فقال له هشام: نجَوْتَ] (٢). و [من الوافدين على هشام:] الأخطل الشاعر [واسمه غياث بن غَوْث، وقيل: ابن غُوَيْث. وقال الجاحظ: اسمه غيث (٣) بن مُغيث بن الصَّلْت بن طارق (٤) التغلبي النصراني. واختلفوا لم سُمِّيَ الأخطل؛ قيل: لطول أُذنيه ورخاوتهما.
следующие страницы →