← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

أُعاشِرُ قومًا لستُ أُخبِرُ بعضَهم … بأسرار بعضٍ إنَّ صدري لَواسعُ فقال له هشام: أنتَ -واللهِ- كذلك (١). و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] عاش الأبرش إلى أيام [أبي جعفر] المنصور، [فحكى محمَّد بن سلَّام قال:] حدا الأبرش بالمنصور في طريق الحج فقال: أغرُّ بين حاجبيه نورُهُ … إذا توارى وبه ستورُهُ فأعطاه المنصور درهمًا، فقال له: يَا أمير المُؤْمنين، لقد حَدَوْتُ هشامًا بهذا [البيت] فأعطاني عَشَرَةَ آلاف درهم، فقال: يَا ربيع، طالِبْهُ بها، فإنَّ هشامًا أخذه من غير حِلِّهِ وأعطاه لمن لا يستحقُّه، فلم يزل أهل الدولة يشفعون له حتَّى أخذ المنصور منه الدرهم وخلَّاه (٢). وقال هشام يومًا لجلسائه: كم أكثرُ [ما] ضَمَّتْ عليه الحَلَبَةُ من الخيل في الجاهلية والإِسلام؟ قالوا: ألفُ فرس. فأقام هشام أربعة آلاف فرس، وبرز إلى الدَّهناء -وهي صحراء الرُّصافة- وأطلق الخيل، فقال حفص الأُمويُّ الشَّاعر: إنَّ الجوادَ السابقَ الإمامُ … خليفةُ اللهِ الرِّضى الهُمامُ أنجبَه (٣) السَّوابقُ الكرامُ … من منْجِباتٍ ما بهنَّ ذَامُ إنَّ هشامًا جدُّه هشامُ … جرى به الأخوالُ والأعمامُ وأحرز المجدَ الذي أقاموا … في حَلْبةٍ تَمَّ لها التَّمامُ من آلِ فِهْرٍ وهمُ السَّنَامُ … سُبَّاقُ غاياتٍ لها ضِرامُ من أبيات. فأعطاه هشام مالًا وثيابًا وخيلًا. ولا تُعلم حَلْبَةٌ أُقيمت بمثل هذه (٤). وكان حفصٌ هجَّاءً لبني هاشم، مادحًا لبني أمية، فلما ظهر عبد الله بن عليّ، أباح دمَه، فهرب، وطال عليه الأمر، وضاقت به الحيل، فجاء إلى مجلس عبد الله، فقال:

стр. 5182

عائذٌ بالله وبالأمير. قال: من أنت؟ قال: حفص الأُموي. قال: ألستَ الهجَّاء لبني هاشم؟! [قال:] فأنا الذي أقول: وكانَتْ أميةُ في ملكها … تجورُ وتُكثرُ عُدْوانَها فلمَّا رأى اللهُ أنْ قد طغَتْ … ولم يُطِقِ النَّاسُ طغيانَها رماها بسفَّاحِ آل الرسولِ … فجدَّ بكفَّيه أعيانَها ولو آمنَتْ قبلَ وقعِ العذابِ … لقد قَبِلَ اللهُ إيمانَها فقال له عبد الله: اقعُدْ. فقعدَ بين يديه، وتغدَّى معه، فسارَّ عبد الله خادمًا له، ففزع حفص وقال: أيها الأمير، إنِّي قد تَحرَّمْتُ بطعامك، وفي أقلَّ من هذا كانت العربُ تُجير في الدِّماء، فقال: لا بأس عليك. وجاء الخادمُ ومعه خمسُ مئة دينار، فقال له: خُذْها وأصلح ما شَعَّثْتَ منَّا. وكان هشام جالسًا يومًا وعنده الأبرش [الكلبي] إذ طلعت جارية، فقال الأبرش؛ مازحَها فقال: هَبي لي حُلِيَّكِ، فقالت: لأنتَ أطمعُ من أَشْعَب. فقال هشام. مَنْ أَشْعَب؟ قالت: مِضْحاكٌ بالمدينة. وذكرتْ طرفًا من حكاياته، فقال هشام: اكتُبوا إلى عامل المدينة ليُحمل إلينا. ثم استدرك، فأطرقَ رأسه ساعةً (١) ورفع رأسه فقال: يَا أبرش، نكتبُ إلي عامل مدينةِ رسول الله ﷺ ، فيحمل إلينا مضحاكًا! لا ها اللهِ ذا. ثم تمثَّل بهذا البيت: إذا أنتَ طاوَعْتَ الهَوى قادَك الهَوَى … إلى بعض ما للنفسِ فيه مقالُ (٢) وقال سليمان بنُ مجالد أخو أبي جعفر المنصور من الرَّضاعة: قدمنا الرُّصافةَ على هشام وأبو جعفر على حمار، وإنا أسوقه، فنرلنا على مَسْلَمةَ بنِ عبد الملك ليأخذ

стр. 5183

رأيه، فدفَع إلينا خمس مئة درهم، وسُفْرَة فيها طعام، وحذَّرَنا هشام (١) وقال: لا تبيتا الليلة ها هنا. فخرجنا فسرينا طُول الليل، فلما طلعَ الفجر نَزَلْنَا نصلي، فإذا بهشام في موكبه، فلما رآنا رقَّ لنا، ونزل فصلَّى، وبعث إلى أبي جعفر بفرسه الذي كان عليه، فركبه (٢)، وركبتُ الحمار، فقال أبو جعفر: اللهمَّ كما حَمَلْتَنِي على فرسه؛ فأجْلِسْنِي في مجلسِه. فاستجابَ الله له (٣). وقال هشام: يُعرفُ حُمقُ الرجلِ بأربعة أشياء: بطول لحيته، وكنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه. فدخل عليه شيخ طويل اللحية، فقال: أمَّا هذا فقد أتاكم بواحدة، فانظروا أين هو من الثلاثة؟ فقال له: ما كنيتُك؟ قال: أبو الياقوت. قال. فأيُّ الطعام تحبُّ؟ قال: الجَلَنْجَبِين (٤). قال: فما نَقْشُ خاتَمِك؟ قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] فقال: حسبك (٥)! ذكر جماعة من الوافدين عليه: [قال علماء السير: ومن الوافدين على هشام:] مقاتل بن حيَّان البَلْخيّ [مولى بني بكر بن وائل، وقيل: مولى بني شيبان، وقيل: مولى تيم الله] ذكره خليفة في الطَّبقة الثالثة (٦) من أهل خُراسان.

стр. 5184

وفد على عمر بن عبد العزيز ﵁ وعنده رجلٌ يُحدِّثُه، وعُمرُ مقبلٌ عليه بوجهه. قال مقاتل: فلما خرج قلت: يَا أمير المُؤْمنين، مَنْ هذا الذي أقبلتَ عليه بوجهك؟ قال: أرأيتَ؟! قلت: نعم. قال: ذاك الخَضِر ﵇ (١). [قال: وكانوا ثلاث إخوة، أو أربعة: مقاتل، والحسن، ويزيد، ومصعب بنو حيَّان]. وكان حيَّان يلي الولايات بخراسان، عظيمَ القدر عند بني أمية، وحضر قتال المهلَّب بن أبي صُفْرة يوم العَقْر (٢). وكان قتيبة يكتب إلى الحجَّاج، فيشكره ويذكر مواقفه، فكتب إليه الحَجَّاج: يَا أَبا حفص، ما أدري ما حيَّانُك، إلَّا أني أراه مشتملًا لك على غَدْرَة. فكان كما قال، ألَّب [حيَّان] على قتيبة، وأعان عليه حتى قتلوه (٣). وكان مقاتل ناسكًا فاضلًا، أسلمَ على يده خلقٌ كثير من أهل كابل في أيام أبي مسلم، وكان قد هرب منه، فالتجأ إلى ملك كابُل، وأقام عنده حتَّى مات، فحزن عليه الملك فقيل له: إنه ليس من أهل دينك! فقال: إنه رجل صالح (٤). حدَّث مقاتل عن سالم، وعطاء، ومجاهد، والحسن البَصْرِيّ، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وأبي بُرْدَة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وصنَّف التفسير (٥)، وروى عنه الأئمة والزُّهَّاد، كعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن الأدهم، وحفص بن ميسرة، في آخرين.

стр. 5185

واتفقوا على صدقِهِ وثقته وورعه، لم يتكلَّم فيه أحد. قال المصنف ﵀: ولم أقف على تاريخ وفاته (١). ومن الوافدين عليه: الفرزدق الشاعر [قال أبو عبيدة: أنشده: فبِتْنَ بجانبيَّ مصرَّعاتٍ … وبتُّ أفُضُّ أغلاقَ الخِتامِ عنى بالفَضِّ عن الجماع. فقال هشام: أمَّا أَنْتَ؛ فقد أقررتَ بالزِّنى، وأنا وليُّ إقامته، ولابدَّ من حدِّك. فقال له الفرزدق: يمنعك من ذلك آية. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]. ثم ارتحل يقول: لقد شهدتْ لي في الطواسينِ آيةٌ … أقامَ بها عذري الكتابُ المنزَّلُ "يقولون ما لا يفعلون" وإنني … من القوم قوَّالٌ لما كنتُ أفعلُ فقال له هشام: نجَوْتَ] (٢). و [من الوافدين على هشام:] الأخطل الشاعر [واسمه غياث بن غَوْث، وقيل: ابن غُوَيْث. وقال الجاحظ: اسمه غيث (٣) بن مُغيث بن الصَّلْت بن طارق (٤) التغلبي النصراني. واختلفوا لم سُمِّيَ الأخطل؛ قيل: لطول أُذنيه ورخاوتهما.

стр. 5186

قال الجوهريُّ (١): أذنٌ خَطْلاء: بيِّنة الخَطَل مسترخية، وثَلَّةٌ خُطْل، وهي الغنم المسترخية الآذان. وكذا الكلاب. قال: ومنه سُمِّيَ الأخطل. وقيل: إنما سُمِّيَ به لخَطَل لسانه، أي: طوله. وقيل: إنما سُمِّيَ به لفُحش كلامه. قال الجوهري (٢): وكان الأخطل يلقَّب بدَوْبَل، وهو حمار صغير لا يكبر، وكان الأخطل مقدَّمًا عند بني أمية. قال حمَّاد الراوية: وكان يُقدَّم على الفرزدق وجرير. والأخطل هو الذي أمره يزيد بن معاوية أن يهجوَ الْأَنصار، فقال: واللُّؤمُ تحتَ عمائمِ الأنصارِ (٣) وقد ذكرناه. وقال أبو عُبيد:] دخل على هشام، فأنشده قصيدتَه التي يقول فيها: وإذا افْتَقَرْتَ إلى الذخائر لم تَجِدْ … ذُخْرًا يكون كصالحِ الأعمالِ فقال له هشام: يهنيك الإِسلام. فقال: مازلتُ مسلمًا. يعني في دينه (٤). ذكر وفاته [روى هشام بن محمَّد الكلبي عن أَبيه قال:] جلس [هشام بن عبد الملك] يومًا في قصره [مع ندمائه] وأمر بحفظ الأبواب، وإذ دخل عليه رجل جميلٌ، كأنَّ الشمسَ تطلعُ من ثناياه [أو ثيابه]، فألقى إليه صحيفة من ذهب فيها مكتوب: بئس الزاد إلى المعاد العدوانُ على العباد. ثم غاب الرَّجل، فسأل هشامٌ الحجَّاب: من أين دخل هذا؟! فقالوا: ما رأيناه. فأنكر هشام (٥)، ومات بعد ذلك بشهر (٦).

стр. 5187

وقال الواقديّ: خرج هشام يومًا إلى أصحابه وهو كئيب، فسألوه عن حاله، فقال: كيف لا أحزن وأنا أموت بعد ثلاث وثلَاثين ليلة؟! فلما استكملها مات، كأنَّه رآه في منامه (١). [قال أبو اليقظان:] ولما احتُضر نظر إلى أولاده يبكون حوله، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجُدْتُم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتُم عليه إثم ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يُغفر له (٢)! وقال [ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان" عن] المنهال مولى بني أمية: حبسَ هشام بنُ عبد الملك عياضَ بن مسلم (٣) كاتب الوليد بن يزيد، وضربه، وألبسه المُسُوح، فلم يزل محبوسًا حتَّى مات هشام. فلما ثَقُل وصار في حدِّ أنَّه لا يُرجى؛ رَهِقَتْه غَشْيَة، فظنُّوا أنَّه قد مات، فأرسل عِياض إلى الخُزَّان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنَّ أحدٌ إلى شيء. وأفاقَ هشام فطلبوا من الخُزَّان شيئًا، فلم يعطوهم. فقال هشام: إنما كنا خُزَّانًا للوليد. ومات [هشام] من ساعته، فخرج عِياض إلى الخزائن فختم عليها، وأمر بهشام، فأُنزل عن سريره، ومنعهم أن يكفِّنوه من الخزائن، فكفَّنه غالب مولاه، ولم يجدوا قُمْقُمًا يسخنوا [له] فيه الماء حتَّى استعاروه (٤). [وقيل:] واشترَوْا له حطبًا من السوق، فقال النَّاس: إن في ذلك لعبرةً لمن اعتبر (٥). [قال هشام: وكان الوليد بن يزيد قد هرب من الرُّصافة خوفًا من هشام، وتركَ كاتبَه عياضَ بنَ مسلم عند هشام يطالعُه الأخبار، وكان عياض كاتبًا لعبد الملك بن مروان، فعلم هشامٌ، فحبسَه] (٦).

стр. 5188

وقال الهيثم [والواقدي]: لما حجَّ الوليد بنُ يزيد في سنة ستَّ عشرة ومئة، وظهر منه من الفسق ما ظهر [وحملِه الخَمر في الصناديق إلى مكة، وكلابَ الصيد]، مَقَتَه هشام ونفاه، فخرج من الرُّصافة إلى الشَّام بأهله [وقيانه] فنزل ماءً [بالشام] يقال له: الأزرق، وقيل: [نزل على ماء يقال له]: الأغدق (١) [وخلَّف كاتبه عياضًا بالرُّصافة] وخرج معه بعبد الصمد بن عبد الأعلى، فجلسا يشربان يومًا [فقال الوليد لعبد الصمد: أنشدني]. فأنشده عبدُ الصمد أبياتًا منها: لعلَّ الوليدَ دنا مُلْكُهُ … فأمسى إليه (٢) قد استجمعا وكُنَّا نُؤمِّلُ في مُلْكِهِ … كتأميلِ ذي الجَدْب أن يُمْرِعَا عَقَدْنا له مُحْكَمَاتِ العُهُو … دِ (٣) طوعًا وكان لها موضعا فبلغ هشامًا، فكتب إلى الوليد: قد بلغني [أنك] اتخذت عبدَ الصمد الزنديقَ نديمًا وجليسًا، وقد تحقَّقَتْ عندي الآن زندقتُك ومروقُك عن الإِسلام، فإنْ عشتُ فسوف ترى. ثم قطع ما كان يُجريه عليه وعلى عبد الصمد، ثم قال لابنه: إنَّ عِياضًا يكاتب الوليد، فاضربه ضربًا مبرّحًا. فضربه وسجنه، وبلغ الوليد فقال: مَنْ يثقُ بالنَّاس؟ هذا الأحول المشؤوم قدَّمه أبي [عليّ] ويفعل بي هذا؟! ثم تمثَّل: أتشمخون ومنَّا (٤) رأسُ دولتِكم (٥) … ستعلمون إذا كانَتْ لنا دُوَلُ (٦)

стр. 5189

ثم كتب إلى هشام: بلغني أنَّك قطعتَ صلتي وما فعلتَ بأصحابي، فإن كان ذلك لشيءٍ في نفسك عليَّ، فقد سَبَّبَ [الله] لي من العهد، وكتبَ لي من العمر، وقَسَمَ لي من الرِّزق ما لا يقدرُ أحدٌ على قطعه، أو على قطع شيء منه دون مدَّته، وقَدَرُ الله يجري بمقاديره، كره النَّاس أو أحبُّوا، لا تأخير لعاجله، ولا تعجيل لآجله. وكتب في أسفل الكتاب: رأيتُكَ تبني دائمًا (١) في قطيعتي … ولو كنتَ ذا عزمٍ (٢) لهَدَّمْتَ ما تبني تُثير على الباقين منّي (٣) ضغينةً … فويلٌ لهم إنْ مُتَّ من شرِّ ما تجني كفرتَ يدًا من منعمٍ لو شكرتَها … جزاكَ بها الرحمنُ ذو الفضلِ والمَنِّ (٤) فكتب إليه هشام يُوبِّخُه ويُفَسِّقُه ويزندقُه، وقال: أستغفرُ الله مما كنتُ أُجريه عليك، فإنِّي إلى المأثم أقربُ من غيره. فلما قرأ كتابَه أيقن بالعزل، ولم يجد من طرد عبد الصمد بدًّا، فأبعدَه، وكتبَ إلى هشام يعتذرُ من منادمته. و [بقي] الوليد مقيمًا بالأزرق منكسرًا مهمومًا، فركب يومًا ولجَّجَ في البَرِّيَّة ومعه أبو الزُّبير المنذر بن أبي عمرو، فقال: يَا منذر، لقد طالتْ عليَّ الليلة، وأرقْتُ أرقًا كثيرًا، وإني لخائفٌ من الأحول المشؤوم. وجعل يشكو إليه، وإذا براكبين قد أقبلا من صدر البَرِّيَّة، فَقرُبا منه، فتأمَّلَهما، وإذا بمولًى لآل أبي سفيان (٥)، وآخر يقال له: جردبة، فقال لهما: أمات هشام (٦)؟! قالا: نعم. قال: فما فعل كاتبي (٧)؟ فأخبراه بما

стр. 5190

صنع في الخزائن، فكتب الوليد إلى العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك وكان بدمشق: أن سِرْ إلى الرُّصافة، واحْتَطْ على الخزائن، وعلى أموال بني هاشم، إلَّا مسلمة بن هشام، فلا تتعرَّضْ له، وكان مسلمةُ يكلِّم أباه دائمًا في الرِّفق بالوليد (١). فسار العبَّاس إلى الرُّصافة، ففعل ما أمره له الوليد. وجاءته أمُّ سلمة بنت يعقوب المخزومية -وهي امرأة مسلمة بن هشام- فشكت زوجَها إلى العبَّاس [وقالت: إنه لا يُفيق من الشراب، ولا اكترث لموت أَبيه. فوبَّخه العبَّاس] ونهاه عنها فأكذَبها مسلمة، وطلَّقَها في ذلك المجلس، فشخصت تُريد فلسطين، فمرَّت بالحِمَّة، فتزوَّجَها أبو العبَّاس السفَّاح (٢). واختلفوا في وفاة هشام، فقال أبو معشر: تُوفِّي هشام ليلة الأربعاء لستٍّ خلونَ من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومئة بقصره بالرُّصافة، وبها قبرُه، وهي من أرض قنّسرين. وقال المدائنيّ والبلاذُري: مات لستّ خلونَ من ربيع الآخِر من ورم لحقَه في حَلْقِهِ يقال له: الحرذون، وقيل: الذُّبْحَة [وهي وجع الحلق. قال المدائني: والرُّصافة قديمة بناها بعض ملوك الرُّوم، وإنما نُسبت إلى هشام لبنائه بها قصرَين عظيمَين. واختلفوا في أيَّامه، فقال الواقديّ:] كانت أيامُ خلافتِه تسعَ عشرةَ سنة وسبعة أشهر وعشر ليال. [وهذا موافق لما أكل من التفاح في منامه]. وقال الكلبي: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا. واختلفوا في سنّه، فقال هشام: عاش خمسًا وخمسين سنة، وقيل: ستًّا وخمسين، وقيل: من الخمسين إلى خمس وخمسين، وصلّى عليه ابنُه مسلمة بن هشام (٣).

стр. 5191

[وقال ابن أبي الدنيا:] ولما مات [هشام] ودفن، وقف مولًى له على قبره، فقال: فُعل بنا بعدك. وعدَّد أشياءَ. وهناك أعرابيٌّ قائم، فقال: إيه عنك (١)، فلو كُشف لكم عنه لأخبركم أنَّه لقيَ أشدَّ ممَّا لقيتُم (٢). [قال أبو القاسم ابن عساكر:] ولمَّا مات هشام وأخذوا في غَسْلِهِ والناسُ قيامٌ؛ نظرَ ابنُ عبد الأعلى الشَّاعر إلى البيت الذي فيه هشام وقال: وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمٍ … ولو كثُرَتْ أحراسُه وكتائبُهْ ومَنْ يكُ ذا بابٍ شديدٍ وحاجبٍ … فعمَّا قليلٍ يهجُرُ البابَ حاجِبُهْ ويُصبحُ بعد العزِّ يُقصيهِ أهلُهُ … رهينًا بلحدٍ لم تُمَهَّدْ جوانبُهْ فما كان إلَّا الدَّفْنُ حتَّى تفرَّقَتْ … إلى غيره أجنادُهُ ومَوَاكبُهْ وأصبح مسرورًا به كلُّ شامتٍ … وأَسْلَمَهُ أحبابُه وأقارِبُهْ فنفسَكَ فَاكْسُهَا (٣) السَّعادةَ والتُّقَى … فكلُّ امرئٍ رهنٌ بما هو كاسِبُهْ [قال:] فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم (٤). وسالم في هذا الشعر كاتبُ هشام ومولاه. وهذا الشَّاعر اسمُه عبد الله [بن عبد الأعلى] وهو أخو عبد الصمد المتهومِ بالزَّنْدقَة [وكان جليسَ الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وكان لعبد الله شعر، ومنه ما كان يَتَرنَّمُ به عمر بنُ عبد العزيز: أيقظانُ أنتَ اليومَ أمْ أنتَ نائمُ] (٥) وكان عبد الله مباينًا لعبد الصمد، وهو القائل:

стр. 5192

قال لي أنتَ أخو الكلبِ وفي … ظَنِّهِ أنْ قد تَنَاهَى واجْتَهَدْ فَحَمِدْتُ اللهَ شُكرًا أنَّهُ … ما دَرَى أنِّي أخو عبد الصَّمَدْ (١) وكان أبو جعفر المنصور يثني على هشام ويقول: كان رجل القوم. ذكر أولاده: كان له عدَّةُ أولاد: معاوية، وسليمان، ومَسْلَمة، ويزيد، [ومحمد]، وسعيد، وعبد الملك، ومروان، وزيد، وعبد الرحمن، وقُريشْ، وأمُّ يحيى، وأمُّ سلمة، وزَينب. فأمَّا معاوية: [بن هشام؛ فقال الزُّبير بن بكار:] كنيتُه أبو شاكر، كان جوادًا ممدَّحًا، سيِّد ولد هشام، وكان يسكن دار أَبيه بدمشق. [وحكينا عن أبي القاسم ابن عساكر أنها كانت] بناحيه الخوَّاصين، وبعضُها اليوم مدرسة نور الدين محمود [بن زنكي] ﵀. وأمُّه أمُّ ولد، وهي أمُّ أخيه سعيد، ويقال: أمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهي أمُّ مَسْلَمة، ويزيد، ومحمَّد، وأمّ يحيى. ومعاوية من الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام، غزا الروم (٢) من سنة ست ومئة إلى سنة تسع عشرة ومئة وفتح فتوحًا كثيرة، [وكان البطَّال معه في بعضها، وكان ينزل دَيْرَ حَنِينَاء (٣).

стр. 5193

وقال الهيثم: لما حجَّ الوليد بن يزيد في سنة ست عشرة ومئة ومعه الخمور وكلاب الصيد والقِيان؛ عزم هشام على خلعه وتوليةِ ابنِه معاوية الخلافة، فكتب الوليد بن يزيد إلى هشام: يَا أيُّها السائلُ عن مذهبي … إنِّي على دينِ أبي شاكرِ يشربها صِرْفًا وممزوجةً … بالثلج أحيانًا وبالفاترِ فقال هشام لابنه: ويحك! أُرَشِّحُك للخلافة، ويعَيِّرُني بك الوليد! وقيل: إن صاحب الواقعة مسلمة بن هشام، وإن الوليد عيَّرَ هشامًا بمسلمة، وكان يكنى أَبا شاكر أَيضًا] (١). وذكر أبو القاسم ابن عساكر عن مروان بن الهُذيل (٢) قال: تذاكروا أيامَ هشام ودوامَها، وما كفَّ الله عنه من المكروه ممَّن خالفه من أعدائه، وما يعطي جيوشَه من النصر والظَّفَر في جميع الأقطار، فخرج ابنُه معاويةُ يومًا يتصيَّد، فركض خلف ثعلب، فعثر به فرسُه، فوقعَ ميتًا، فقال هشام: واغوثاه بالله! أُرَشِّحُهُ للخلافة، ويعدو خلف ثعلب (٣)! قال مروان (٤): ولم تزل المصائب تتوالى على هشام بعد ذلك حتَّى مضى لسبيله. وقيل: إن معاوية هلك في سنة ثماني -أو تسع- عشرة ومئة. وولدُه عبد الرَّحْمَن بنُ معاوية هو الداخل إلى المغرب، وسنذكره. وأمَّا سليمان: فكنيتُه أبو الغَمْر، وأمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم، وهي أمُّ مروان. وقيل: سليمان لأمِّ ولد. وكان شاعرًا، وسجنَه الوليد بن يزيد بعد موت أَبيه هشام بعمَّان بعد أنْ ضربَه مئةَ سَوْط، وحلقَ رأسَه ولحيتَه لأنه كان يحرِّض أباه عليه.

стр. 5194

فأقام محبوسًا، فلمَّا قُتلَ الوليد بن يزيد؛ خرجَ من السجن، فلحقَ بيزيد بن الوليد، فولَّاه بعض حروبه، فكسَرَهُ مروان بن محمَّد بعين الجَرّ (١)، فهرب إلى تدمر، ثم استأمن [إلى] مروانَ فأمَّنه، فبايعه، ثم خلعه، واجتمع إليه سبعون ألفًا، وطمع في الخلافة، فبعث إليه مروان جيشًا فكسره، ومضى إلى حمص، فتحصَّن بها، فسار إليه مروان، فهرب منه، ولحق بالضحَّاك بن قيس الشيبانيّ الحروريّ، فبايَعَه سليمان، فقال الشَّاعر: ألم ترَ أن الله أظهرَ دينَهُ … وصلَّتْ قريشٌ خلفَ بَكْرِ بنِ وائلِ (٢) وعاش سليمان إلى أيام السَّفَّاح، فقتله السفَّاح [بشعر قاله سُدَيف، وسنذكره في أيام السفَّاح] (٣). وغزا سليمان أرضَ الرُّوم سنة ثلاث عشرة ومئة، فافتتح أقرن، وأخذ عظيمًا من عظمائهم، وغزا الصائفة في سنة عشرين، وما زال على الصوائف حتَّى مات هشام (٤). وأمَّا مسلمة بنُ هشام: كنيتُه أبو شاكر، وأمُّه أمُّ حكيم، وكان شريفًا ممدَّحًا. وليَ الموسمَ سنة عشر ومئة، وغزا الصائفة سنة تسعَ عشرةَ ومئة (٥)، وغزا سنة إحدى وعشرين، وسنة عشرين، وسار معه أبوه هشام مودِّعًا له حتَّى أتى مَلَطْيَة (٦). وكان قد عزمَ على توليته الخلافة وخلع الوليد، وأجابه أعيان بني أمية وأهلُ الشَّام، فعيَّر الوليدُ بنُ يزيد أباه هشامًا فقال:

стр. 5195

يَا أيُّها السائلُ عن ديننا … إنِّي (١) على دينِ أبي شاكرِ نشربُها صِرْفًا وممزوجةً … بالثَّلجِ (٢) أحيانًا وبالفاترِ فقال بعضُ موالي المدينة: يَا أيُّها السائل عن ديننا … إنِّي (٣) على دين أبي شاكرِ الواهب الجُرْدَ (٤) بأرسانها … ليس بزنديقٍ ولا كافرِ يعرِّضُ بالوليد بن يزيد. ولما رشّحه هشام للخلافة قال الكُميت الشَّاعر (٥): إنَّ الخلافةَ كائنٌ أوتادُها … بعدَ الوليدِ إلى ابنِ أمِّ حكيمِ ولما بلغَ خالدَ بنَ عبد الله القَسْرِيَّ قال: أنا بريءٌ من خليفة يسمَّى أَبا شاكر، فحقدَها عليه مسلمة، فلما مات أسدُ بنُ عبد الله أخو خالد؛ كتبَ مسلمةُ بنُ هشام إلى خالد بشعرٍ هجاه به يحيى بنُ نوفل وأخاه حين مات: أراحَ من خالدٍ وأهلكَهُ … ربٌّ أراحَ العبادَ من أسَدِ أما أبوه فكان مُؤْتَشَبًا … عبدًا لئيمًا لأَعْبُدٍ قُفُدِ (٦) وبعث بالطُّومار (٧) مع رسولٍ على البريد، فظنَّ خالدٌ أنَّه عزَّاه عن أخيه، فلما فتح الطُّومار لم يجد فيه غيرَ البيتين، فقال: ما رأيتُ كاليومَ تعزيةً (٨).

стр. 5196

وأمَّا يزيد بنُ هشام: فاستعملَه أبوه على الحجِّ سنةَ ثلاث وعشرين ومئة (١)، وحجَّ معه الزُّهريّ [وكان الزهريُّ مؤدِّبه] فقال: بعَثَنا هذا مع ولده ليُقيمَ من أَوَدِه، وعاش يزيد بعد قتل الوليد بن يزيد (٢)، ويعرف بالأفقم، وأمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص. وأما محمَّد بن هشام: فأمُّه أمُّ حكيم، وكان هشام يحبُّه حبًّا شديدًا، أدَّبَهُ سليمان بن سليم، وكان فاضلًا، فقدم على هشام الرُّصافة، فقال له: يَا سليمان، قد بلغَني عنك فضلٌ، وأنا مسارعٌ إليك بكلِّ خير، ومستعينٌ بك على أموري، وإنَّ محمدًا ابني منِّي بالمكان الذي بلغك، وهو جِلْدَةُ ما بين عينيّ، وأرجو أن يبلغَ اللهُ به أفضلَ ما بلغَ [من] أهل بيته، وقد ولَّيتُك تعليمَه وتأديبه، فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه بخصال لو لم يكن إلَّا واحدة لكنتَ حقيقًا أن لا يضيِّعَها، فكيف إذا اجتمعت؟! أما الأولى: فأنتَ مؤتَمَنٌ عليه، فيحقُّ لك أداءُ الأمانة فيه. وأمَّا الثَّانية: فإنِّي إمامٌ ترجوني وتخافُني. وأما الثالثة: فأوَّلُ ما آمرُك فيه أن تأخذَه بكتاب الله وسنة رسوله، وروِّه من الأشعار التي للعرب، ثم اخْتَرْ له من مغازي رسول الله ﷺ وأخباره، وعَلِّمْهُ طرفًا من الحلال والحرام، والخُطب والسِّيَر، وأدْخِلْ عليه أهلَ الفضل والدِّين، وجَنِّبْهُ أهلَ الدَّعارة والفسوق وشرَّاب الخمور، وإذا سمعتَ منه الكلمةَ الحسنةَ فاشكُرْهُ عليها، وإذا سمعتَ منه الكلمة العوراء فأغضَّ عنها (٣). وأمَّا سعيد بن هشام: فأمُّه أمُّ ولد، وقيل: أمُّ عمَّار (٤) بنت سعيد بن خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان.

стр. 5197

وكان عاملًا لأبيه على حمص، وكان مُغْرًى بالشراب والنساء، فوفد أبو الجَعْد الطائيّ على هشام، فبينا هو في الطريق، إذا بخصيّ لهشام، فقال له أبو الجَعْد: هل لك أن أُعْطِيَك هذا الفرس؟ فإنِّي لا أعلمُ في الخيل مثلَه. قال الخصيّ: نعم. قال: تُوصلُ هذا الكتاب إلى مولاك. ودفع إليه كتابًا مختومًا، فدفعه الخَصِيُّ إلى هشام، ففتحه، فإذا فيه: أبْلِغْ لديك أميرَ المُؤْمنين فقد … أمدَدْتَنا بأميرٍ ليس عِنِّينا (١) طَوْرًا يُخالفُ عَمْرًا في حَلِيلَتِهِ … وعند داحةَ (٢) يبغي الأجْرَ والدِّينا ففهم هشامٌ، فأرسلَ إلى سعيد من جاء به، فضربه بالخيزرانة، وقال: يَا لُكَع، أعَجَزْتَ أن تفجر فجور قريش؟! يعني أخْذَ المال دون الزِّنى. واللهِ لا وَلِيتَ لي ولايةً أبدًا. فما وليَ له ولاية حتَّى مات هشام (٣). وقال البلاذري (٤): ولَّى هشامٌ ابنَه سعيدًا حمص، فكان يُرسل إلى امرأة عَمرو بن الدليل من بني الرَّباب، فيكون معها، فشهدوا عليه بذلك عند هشام، فأحضره وقال: يا ابن الخبيثة، أتزني وأنتَ ابنُ أمير المُؤْمنين؟! فضربه الحدّ وقال: والله لا وَلِيتَ لي ولايةً أبدًا. فيقال: إنه مات من ذلك الضرب (٥). [قال البلاذري:] والمثبت أنَّه عاشَ بعد موت أَبيه. وقال أبو اليقظان: كان سعيد من أجمل الغلمان، وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى يؤدِّبُه، فأراده على الفاحشة، فدخل سعيد على أَبيه هشام، فقال: إنه واللهِ لولا أنتَ لم … ينجُ منّي سالمًا عبدُ الصَمَدْ إنَّه قد رامَ منِّي خُطَّة … لم يَرُمْها قبلَه منِّي أَحَدْ

стр. 5198

رامَ بي جهلًا وجهلًا بأبي … يُولجُ العصفورَ في بيت الأَسَدْ (١) فقال له هشام: لا ولا كرامة (٢). وقال الزُّبير بنُ بكَّار: هذه الواقعة جرت لسعيد بن عبد الرَّحْمَن بن حسان [مع عبد الصمد] وكان [سعيد] غلامًا مضيئًا، وفَدَ على هشام، فأراد عبدُ الصمد منه الفاحشةَ، فدخل على هشام، فأنشده الأبيات، فقال: لو فعلتَ بعبد الصمد شيئًا لم أُنكر عليك [لأنه أنشده: لم ينجُ مني سالمًا عبد الصمد] (٣). وقال هشام: وفي سنة إحدى عشرة ومئة أغزى [هشام ابنَه] سعيدًا الصائفة، فبلغ [إلى] قيسارية الروم (٤). وخلع سعيدٌ مروانَ بنَ محمَّد، وكان بحمص، فنازله مروان، وصالحَ أهلَ حمص على أن يُسلِّمُوا إليه سعيدًا وابنيه عثمان ومروان، فسلَّموهم إليه، فبعثَ بهم إلى خُراسان، فحبسَهم. ولما هُزم مروان يومَ الزَّاب وثب سعيد على السَّجَّان فقتلَه، وكان معه في الحبس جماعة، منهم أبو محمَّد السفياني، وشَرَاحيل بن مَسْلَمة بن عبد الملك. فأمَّا أبو محمَّد فلم يبرح من الحبس، وخرج سعيد وشَراحيل إلى خُراسان وأرادا أن يملكاها، فوثبَ الغوغاء عليهما، فقتلوهما. وجاء مروان منهزمًا بعد خمس عشرة ليلة، فأطلقَ السفيانيَّ من الحبس (٥). وباقي أولاد هشام ليس لهم ذكر (٦).

стр. 5199

ذكر نساء هشام [بن عبد الملك: ذكر المدائنيّ أنَّه] كان عنده فاطمة بنت القاسم بن محمَّد بن جعفر بن أبي طالب، وهي فاطمة الكبرى (١)، وأمُّها زينب الكبرى بنتُ عليّ بن أبي طالب ﵇. قال لها هشام يومًا: أنتِ بغلةٌ لا تلدين، فقالت: ليس كما ظننتَ، ولكن يأبَى كرمي أن يُدَنِّسَه لُؤمُك. [وقال الزُّبير بن بكَّار:] وكان عنده عَبْدَة بنت عبد الله الأسوار (٢) بن يزيد بن معاوية [بن أبي سفيان]، وأمُّها أمُّ موسى بنت عَمرو بن سعيد بن العاص، وَلَدَتْ من هشام. [وعَبْدَةُ هذه المذبوحة لمَّا ظهر عبد الله بنُ عليّ بن عبد الله بن العباس على الشَّام] وكانت من أجمل النساء، نظر إليها يومًا [هشام] وعليها ثيابٌ سُودٌ رِقاق [مثل ثياب الرُّهبان يوم عيدهم] فملأته سرورًا، ثم فكّر، ففطنت، فقالت [له]: أكرهتَ هذه الثياب؟ قال: لا، ولكن رأيتُ هذه الشامة بكَشْحِك (٣)، وبها تُذبحُ النساء، أما إنهم سيُنزلونك عن بغلة شهباءَ وردة، ثم يذبحونكِ ذَبْحًا. فلما ظهر عبد الله بنُ علي أَخَذَ منها جواهر لا يعلم قيمتَها إلَّا الله تعالى، ثم أطلقها، فخرجت في الليل على بغلة، فقالت: ما لونُها؟ قالوا: دهماء. فقالت: نَجَوْتُ. فقيل لعبد الله [بن عليّ]: إن أفلتَتْ أخبرَتْ أَبا جعفر (٤) بما أخذتَ منها فيأخذَه منك، اقْتُلْها. فبعثَ في آثارها وقد أضاء الصبح، فنظرَتْ، فإذا بالبغلة شهباء وردة. ولحقها (٥) الرسول، فقال لها: قد أُمرنا بقتلك. فقالت: هذا أهونُ [عليَّ]. ثم نزلَتْ، فشَدَّتْ دِرْعَها بحيث لم يُرَ منها ومن جسدها شيء. فذَبَحها (٦).

стр. 5200

وقال ابنُ عساكر: دفعَها عبد الله بنُ علي -وتعرفُ بصاحبة الخال- إلى قوم من الخُراسانية، فدخلوا بها البَرِّيَّة حافيةً حاسرةً، فقتلوها (١). [قال:] وكانت قبل هشام عند يزيد بن عبد الملك، وكانت حَوْلاء جميلة. وحكى ابن عساكر أَيضًا عن ثعلب قال. أخذها عبد الله بنُ عليّ من حمص بعد ما أَخَذَ منها الجواهر، فدفعها إلى الكابلي (٢) مولاه، وقال: اذبحها بامرأةِ زيد بن عليّ [قال:] فلما أراد أن يذبحها تمثَّلَتْ بقول الفرزدق: إذا جرَّ الزمانُ على أُناسٍ … كلاكلَهُ أناخَ بآخرينا فقُلْ للشَّامتين بنا أفِيقُوا … سيَلْقَى الشامتون كما (٣) لَقِينا فذبحها الكابليّ بحربته (٤). فلما دخل الزَّنْجُ البصرةَ في أيام الخبيث المدَّعي بأنه علويّ؛ هجموا دار جعفر بن سليمان بن عليّ [بن عبد الله بن العباس]-وجعفرٌ ابنُ أخي عبد الله بن عليّ الذي ذَبَحَ عَبْدة- فوجدوا ابنتَه وهي عجوز كبيرة -وقيل: كانت أمَّه- وقد بلغت تسعين سنة، فقالت: اذهبوا بي إلى صاحبكم، فإنَّه ابنُ خال جدَّتي أمِّ الحسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ [وكان الخبيث يدَّعي أنَّه عَلَويّ] فقال [لها] الزَّنْج: بكِ أُمِرْنا: فذبحوها بحربةٍ كما ذُبحت عَبْدة (٥). [قال الزُّبير بن بكَّار:] وكان عند هشام أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وحفصة بنت عمران بن محمَّد بن طلحة بن عُبيد الله التَّيمي، ورُقَيَّة بنت عبد الله بن عَمرو بن عثمان بن عفان، وأمُّ سَلَمة بنت عبد الرَّحْمَن بن سُهيل بن عَمرو، وأمُّ عبد الله (٦)؛ مخزوميّة.

стр. 5201

ذكر حاشيته: كان قاضيه محمَّد بن صفوان الجُمحي، وكان على شرطته خالد بن عثمان الكلبي، ويلقَّب بالمجراش. وحَجَبُهُ جماعة، منهم الأبرش الكلبي، واسمُه سعيد [بن الوليد] (١) بن عبد عمرو بن جبلة بن وائل. وكان قوَّالًا بالحقّ، وسالمٌ مولاه كان يَحجبُهُ ويكتُب له. [وقال هشام بن الكلبي:] جاءت الخلافةُ هشامًا وعنده الأبرش [وسالم] فسجد هشامٌ وسالم، ولم يسجد الأبرش، فلما رفعَ هشام رأسَه من السجود، قال له: يَا أبرش، ما منعك أن تسجد؟ فقال: أمَّا أنتَ فأتَتْك الخلافة فسجدتَ شكرًا لله، وأمَّا هذا فشريكك فيها، وأما أنا فلي بك خاصَّة، ولي عليك حُرمة، وأنا رجل من العرب، وأخافُ أن تغيِّرك الخلافة عليَّ، فعلَامَ أسجد؟ فقال [له] هشام: لك عليَّ [الآن] عهدُ الله وميثاقُه أن لا أتغيَّر عليك أبدًا. فقال الأبرش: الآن طاب السجود، الله أكبر. وسجد (٢). [وقد ذكرنا واقعة الأبرش معه، وأنه عاش إلى أيام المنصور، وأنه حدا بالمنصور في طريق الحج، وأنه أعطاه درهمًا] (٣). ذكر موالي هشام [بن عبد الملك] ومولياته: كان له خلقٌ لا يُحْصَوْن على قدر طِرازه، ولم يكن في مواليه أنجبُ من سالم [وقد ذكرناه]. ولم يكن في مولياته مثل غضيض [ولها قصة عجيبة]. قال شيخنا موفقُ الدين رحمة الله عليه [في كتاب "التوَّابين" عن سليمان بن خالد] (٤): وُصف لهشام رَبِيبةٌ لبعض عجائز الكوفة؛ جاريةٌ مشهورةٌ بالكمال والفضل، فائقةُ الحُسْن، قارئةٌ لكتاب الله، راويةٌ للأشعار، مع عقل وأدب، فأرسل إلى عامله بالكوفة، فاشتراها بمئتي أَلْف درهم (٥) وحديقة نخل يُسْتَغَلُّ منها كلَّ سنة خمسُ مئة دينار (٦).

стр. 5202

فقَدِمَتْ على هشام، فأَمَرَ لها بأنواع الحُلِيّ والجواهر، وفاخر الفُرُش، وأفردَ لها مقصورةً ووصائفَ. فبينا هو ذاتَ يوم قد خلا بها في مستشرف له، فتذاكرا طُرُفَ الأخبار، وأنشدَتْ غرائبَ الأشعار، فازدادَ بها سرورًا، وإذا بصوارخَ في جِنازة يحملُها فِئامٌ من النَّاس، ووراء الجنازة نادبةٌ من بين النساء وهي تقول: بأبي المحمول على الأعواد، المُنْطَلَقُ به إلى محلَّة الأموات، المُتَخَلَّى في قبره وحيدًا فريدًا، ليت شعري هل أنتَ ممَّنُ يناشد حَمَلَتَهُ: أسْرِعُوا بي؟ أم أنتَ ممَّن يُناشدهم: ارجعوا بي، إلامَ تُقدِّموني (١)؟! قال: فهملَتْ عينا هشام ولها عن لذَّته، وجعل يبكي ويقول: كفى بالموت واعظًا. فقالت غَضِيض: قد قَطَّعَتْ هذه النادبةُ نِياطَ قلبي، فقال هشام: الأمرُ جِدٌّ. ثم دعا الخادمَ ونزلَ عن مستشرفه، ومضى. ونامت غَضِيض في مكانها (٢)، فأتاها آتٍ في منامها فقال لها: أَنْتَ المفتنةُ بشبابِك، واللاهيةُ بِدلالِكِ، كيف بكِ إذا نُقر في النَّاقور، وبُعثر ما في القبور، وخرجوا منها للنشور، وقُوبلوا بالأعمال التي قدَّموها؟! فاستيقَظَتْ مُرْتاعةً، ودَعَتْ بماء فاغتَسَلَتْ، وألقَتْ عنها لِباسَها وحُلِيَّها، وتَدَرَّعَتْ بمِدْرَعَةِ صوف، وحَزَمَتْ وَسَطَها بخيط، وتناولَتْ عصًا، وألقَتْ في عُنقها جِرابًا، واقتحَمَتْ مجلس هشام، فلمَّا رآها أنكرها، فنادَتْ: أنا جاريتُك غَضِيض، أتاني النذير، فقَرَعَ مسامعي وَعِيدُه، وقد قَضَيتَ مني وَطَرًا، وقد أتيتُك لتُعتِقَني من رِقِّ الدنيا. فبكى هشام، وقال: شَتَّانَ ما بين النَّظْرَتَين (٣) وأنت في طَرَبِك، فإلى أيِّ مكان تقصدين؟ قالت: إلى البيت الحرام. فقال: أنتِ حُرَّةٌ لوجه الله، لا سبيلَ لأحدٍ عليك.

стр. 5203

فخرَجَتْ من قصر الخلافة زاهدةً في الدنيا، راغبةً في الآخرة، سائحةً على وجهها، حتَّى قدمت مكة. وأقامت صائمةً قائمةً تعود على نفسها بالغَزْل (١) في قُوتها، فإذا أَمْسَتْ طافَتْ بالبيت، ثم تدخلُ الحِجْرَ، فتبكي وتنوحُ على نفسها وتقول: يَا ذُخْري، أنتَ عُدَّتي، لا تَقْطَعْ منك رجائي، وأنِلْنِي مُنايَ، وأحسِنْ منقلبي ومثواي. فلم تزل كذلك حتَّى غَيَّرَ مَرُّ الجديدَينِ (٢) بَشَرَتَها، وأقرحَ البكاء عينَيها، والمِغْزَلُ بَنَانَها، حتَّى تُوفِّيت على ذلك، رحمها الله تعالى. انتهت سيرة هشام بن عبد الملك. يحيى بن جابر ابن حسان الطائيّ، قاضي حمص، [وكنيتُه] أبو عمرو. وذكره ابنُ سعد في الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل الشَّام، [وقال:] له أحاديث، مات سنة ستّ وعشرين ومئة. هذا صورة ما ذكر ابنُ سعد (٣). وذكر أبو القاسم ابنُ عساكر، فروى عن بعضهم أنَّه قال: خرجتُ ليلةً في السَّحَر، وإذا بركبٍ؛ قلتُ: من أنتم؟ قالوا: الجنّ. قلتُ: وما لكم؟ قالوا: رحلنا من عند يحيى بن جابر من كثرة قراءته للقرآن (٤). وقال: أسند يحيى عن أبي ثعلبة البَهْزيّ (٥)، وعَوْف بن مالك، والنَّواس بن سمعان، والمقدام بن معدي كرب مرسلًا، وكان ثِقَة صالحًا، رحمه الله تعالى (٦).

стр. 5204

يحيى بن زيد بن عليّ ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇. قد ذكرنا خروجَه إلى خُراسان (١). [وقال هشام بن محمَّد:] قال أبو مِخْنَف: أقام [يحيى بن زيد] عند الحَرِيش بن عَمرو [بن داود] ببَلْخ حتَّى هلك هشام [بن عبد الملك] ووليَ الوليدُ بنُ يزيد [بن عبد الملك] فكتب يوسفُ بنُ عمر إلى نَصْر بنِ سيَّار يخبرُه بخبر يحيى بن زيد ويعرِّفُه أنَّه عند الحَرِيش [بن عمرو] ويأمرُه أن يُرسلَ إليه فيأخذَه. فكتب نصر [بن سيَّار] إلى عَقِيل بن مَعْقِل العِجْليّ يأمرُه أن يأخذَ الحَرِيش، فلا يفارقَه حتَّى يُهلكه أو يأتيَه بيحيى بن زيد. فبعث عَقِيل إلى الحَرِيش، فطلبَه منه، فقال: لا علمَ لي به. فجلدَ (٢) الحَرِيشَ ستَّ مئة سَوْط، فقال له: واللهِ لو كان تحتَ قدميَّ ما رفعتُهما لك عنه. فحبسه. فجاء قُريش بن الحَرِيش، فقال له: لا تقتلْ أبي، وأنا أدلُّك عليه. فدلَّه عليه، وإذا هو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه رجلان، أحدهما يزيد بن عَمْرو (٣)، والآخر الفَضْل مولى عبد القيس؛ صحباه من الكوفة. فحبسهم نصر، وكتب إلى يوسف بن عُمر يُخبرُه. فكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد يُخبرُه، فكتب إليه الوليد: مُرْ نَصْرَ بنَ سيَّار بأن يؤمِّنَه، ويأخذَ عليه العهود، ويُخلِّيَ سبيلَه وسبيلَ أصحابه. فدعاه نَصْر، فحذَّرَهُ الفتنة، وأمرَه باللَّحاق بالوليد بن يزيد، وأخذَ عليه العهود والمواثيق، وأَمر له بألفي درهم وبغلين.

стр. 5205

فخرج هو وأصحابُه حتَّى انتهى إلى سَرَخْس وعليها عبد الله بنُ قيس بن عُباد (١)، فأقامَ بها، فكتبَ نَصْر إلى عبد الله أن يُشْخِصَه عنها. وكان على طُوس الحسن بن يزيد (٢) التَّمِيمِيّ، فكتبَ إليه نصر: إذا مرَّ بك يحيى فلا تُمكِّنْهُ من المُقام [بطُوس] وأشْخِصْه إلى أبرشهر، وكان عليها عَمرو (٣) بن زُرارة. وكتب إليه نصر بمثل ذلك، وإلى ولاة البلاد، كلَّما وصل إلى بلد لا يُمكِّنوه من المُقام حتَّى يَقْدَمَ الشَّام. فسار حتَّى وصل إلى بَيْهق، وكان يخاف اغتيال يوسف بن عُمر [إيَّاه] (٤). وبَيهَق أقصى خُراسان، وأدناها من قُومَس، فاجتمعَ إليه سبعون رجلًا، وكان قد صحبَه تجَّار، فأخذَ أصحابُه دوابَّهم، وقالوا: نحن نُعطيكم أثمانَها. وكان عَمرو بن زُرارة على أبرشهر، فكتب إلى نصر يُخبُره بما صنع يحيى. فكتب إليه وإلى ولاة البلاد: [عبد الله بن قيس والي سَرَخْس، والحسن بن يزيد والي طُوس] (٥) أن اجتمعوا على قتال يحيى. فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس، ويحيى في سبعين رجلًا، والتَقَوْا، فهزمَهم يحيى، وقَتلَ عَمرَو بنَ زُرارة، وأصاب يحيى دوابَّ (٦) كثيرة. وأتى [يحيى] هَرَاة وعليها مُغَلِّس بنُ زياد العامريّ، فلم يعرض واحد منهما لصاحبه، وبلغَ نصرَ بنَ سيَّار، فبعث سَلْمَ بنَ أحوز إلى يحيى في جيش كثيف، فسار حتَّى أتى هَراة وقد رَحَلَ عنها يحيى، فسار خلفَه، فأدركَه بالجُوزْجَان على قرية منها، والتَقَوْا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فرمى عيسى العَنَزِيّ - من عَنَزَة (٧) - بنُشَّابة نحو يحيى،

стр. 5206

فوقعت في جبهته، فوقع ميِّتًا، وقُتل أصحابُه بأسرهم. ومرَّ سوْرَة بن مُحَمَّد بن عزيز (١) الكِنديّ بيحيى، فنزلَ، فحزَّ رأسه، وسلبوه قميصه، وبعثوا برأسه إلى يوسف بن عُمر، وصلبوا جسدَه كما فعلوا بأبيه. وقيل: إنهم صلبوه برأسه وجسده، وكتبوا إلى الوليد [بن يزيد] فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر. إذا أتاك كتابي هذا فأحْرِقْ (٢) عجل العراق، ثم انْسِفْه في اليمِّ نَسْفًا (٣). فأنزلُوه من جِذْعِه، ففعلوا به ذلك. [وهذه رواية هشام عن أبي مِحْنَف] (٤). وقال الهيثم [وأبو اليقظان]: لم يزل مصلوبًا حتَّى ظهر أبو مسلم، فأنزله من جِذْعِه، وغسَّلَه، وكفَّنَهُ، وصلَّى عليه، وأقام النِّياحة عليه بالجُوزجان سبعة أيام، وفي جميع كُوَرِ خُراسان (٥). وجعل أبو مسلم يبحثُ على أسامي من قاتلَ يحيى من أهل الديوان، فإن كان حيًّا قتلَه، وإن كان ميّتًا نبشَه وأحرقَه، وخَلَفَه في أهله وعشيرته (٦) بسوء. [واختلفوا في مقتل يحيى، وقال هشام: في سنة خمس وعشرين ومئة، والأصحّ في هذه السنة. قال الواقديّ:] وأمُّ يحيى [بن زيد] رَيطَة بنت أبي هاشم بن محمَّد بن الحنفية (٧). وكان ليحيى [بن زيد] أولاد، منهم: محمَّد بن يحيى (٨)؛ لما قُتل أبوه كان صغيرًا [وقيل: كان قد] نشأ بالكوفة، ثم خرج إلى طبرستان، واستولى عليها.

стр. 5207

السنة السادسة والعشرون بعد المئة فيها قُتل الوليدُ بنُ يزيد بن عبد الملك بن مروان، ووليَ يزيدُ بنُ الوليد بن عبد الملك الخلافة. الباب الثاني عشر في ولايته (١) وكنيتُه أبو خالد، وأمُّه شاه فريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى بن أبرويز (٢)، وهو القائل: أنا ابنُ كسرى وأبي مروانُ … وجدِّيَ المعظَّمُ الخاقانُ (٣) وقال المدائني: أمُّ يزيد أمُّ ولد [من ولد] المُخدج بن يزدجرد، أصابَها قتيبةُ بنُ مسلم بخُراسان، فبعثَ بها إلى الحجَّاج، فبعث الحجَّاج بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأصابها، فحملت بيزيد، وكان لها نسبة إلى كسرى وقيصر (٤). ويزيد هذا أولُ خليفة من بني أمية كانت أمُّه أمَّ ولد، لأنها سُبيت كما ذكرنا. وذكره ابن سُميع في الطبقة الرابعة (٥) من أهل الشام. وُلد بدمشق سنة ثمانين، وقيل: سنة ستٍّ وتسعين، وقيل: بعد السبعين (٦). وكان أسو نحيفًا، طُوالًا، أحول، مربوعًا، خفيفَ العارضَين، مليح الوجه، حسن السِّيرة. وسُمِّيَ النَّاقص. واختلفوا لم سُمِّيَ الناقص على أقوال:

стр. 5208

أحدها (١): لأنه نقصَ الجندَ عن العطاء الذي كان الوليد بنُ يزيد زادهم، وكان قد زادَهم عشرةً عشرةً، فردَّ العطاءَ إلى ما كان عليه في أيام هشام [بن عبد الملك. ذكره الطبريّ] (٢). والثاني (٣): لأنه كان ناقص أصابع اليدين والرجلين. والثالث: سمِّيَ بالناقص كماله [ذكره خليفة] (٤). والرابع: أنه كان يرى رأى المعتزلة، وتشدَّدَ (٥) في أمر دينه، وقد كانوا يفضِّلونه في الدِّيانة على عُمر بن عبد العزيز ﵁. و [قال ابن الكلبيّ:] كان رجلًا عاقلًا عفيفًا ورعًا إلا أنه يُنسب إلى رأي غَيلان القَدَريّ. ويقال: إنَّ مروان بن محمد سماه الناقص (٦). [قال البلاذُريّ:] كان أقْبَل (٧). والقَبَلُ (٨) في العين: إقبالُ السَّواد على الأنف (٩). [وقال الجوهوي: رجلٌ أقْبَل، وهو الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه. قال: (والقَبَلُ) أيضًا: فَحَجٌ، وهو أن يتدانى صدر القدمين، ويتباعدَ عقباهما. قال: والقَبَلُ على وجوه. وذكرها.

стр. 5209

ذكر بيعته: حكى أبو القاسم ابن عساكر قال (١):] بُويع [يزيد] بالخلافة بقرية المِزَّة، ثم دخل دمشق، فغلبَ عليها، وبعث إلى ابن عمِّه الوليد بن يزيد، فقتلَه. وكان ظهورُه على دمشق في سنة ستٍّ وعشرين ومئة في جمادى الآخرة، وبُويع أوَّلَ رجب. وهو أوَّلُ خليفة خرجَ يومَ العيدِ بين صَفَّين من الفرسان عليهم السلاح من باب الحصن إلى المُصَلَّى ثم رجع. [ذكر خطبته: قال هشام بن الكلبي عن أبيه:] ولما بُويع [يزيد بن الوليد بن عبد الملك] خطب، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس، ما خرجتُ أَشَرًا ولا بَطَرًا، ولا حرصًا على الدُّنيا، ولا رغبةً في المُلك، ولكن خرجتُ غضبًا لله تعالى ولدينه، وداعيًا إلى كتابه وسُنَّة رسوله (٢)، لمَّا هدم الفاسقُ الوليدُ معالمَ الدين والهدى، وأطفأ نور الإسلام والتُّقَى، واستحلَّ المحارمَ وكذَّب بالكتاب ويوم الحساب، فسألتُ اللهَ أن يُريحَ العباد والبلاد منه، فاستجابَ اللهُ فيه دعائي، وسمع ندائي. أيُّها الناس، إنَّ لكم عليَّ أن لا أضعَ حجرًا على حجر، ولا لَبِنةً على لَبِنَة، ولا أُكْثِرَ مالًا، ولا أُعطِيَه زوجةً ولا ولدًا، ولا أُغلقَ بابي دونكم، ولكم عطاؤُكم في كلِّ شهر، فإن وَفَيتُ بما قلتُ فعليكم بالسمع والطاعة، وإنْ لم أفِ (٣) فلكم (٤) أن تخلعوني وتُولُّون من أهل الصلاح مَنْ شئتُم، وأنا أَدخلُ في طاعته. ألا وإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق (٥).

стр. 5210

فأوَّل من بايعَه يزيد الأفقم (١)، وقال له قيس بن هانئ: دُمْ على ما أنتَ عليه، فما قام مقامَك أحدٌ من أهلك، ولئن قالوا: عمر بن عبد العزيز، فلقد أخَذَها بسبب سَيِّئ، وأنتَ أخذتَها بسببٍ صالح. وبلغ مروانَ بنَ محمد قولُه فقال: قاتلَه الله، لقد عابنا جميعًا (٢). و [قال الهيثم:] سلك يزيد بنُ الوليد طريق عُمر بن عبد العزيز، وكان يُعرف بالتألُّه والتواضع، والزُّهْد والنُّسُك. و [قال الواقدي:] حجَّ الوليد بن يزيد في سنة ستّ عشرة ومئة، وحمل معه الخمور والقِيان وكلاب الصيد، وحجَّ في تلك السنة يزيد بن الوليد، فرأى الوليدَ يطوف بالبيت، فقال يزيد (٣): وربِّ هذه البَنِيَّة، إن هذا الذي يطوف بها لكافرٌ بربِّها (٤)، ولأُجاهدنَّه بنفسي وأهلي (٥). [قال الواقدي:] وفي هذه الحَجَّة (٦) لَقِيَ يزيدُ بنُ الوليد أيوبَ السَّخْتِيانيَّ، فكتبَ عنه (٧). وكان يزيد كثيرَ الصلاة في الليل. وفي هذه السنة اضطرب حَبْلُ بني مروان، وهاجَتْ الفتن، وانتقض أمرُهم. فمن ذلك: أنَّ سليمان بن هشام ابن عبد الملك كان محبوسًا بعمَّان، حبسه الوليد بن يزيد، فلما قُتل الوليد] خرج من سجق عمَّان، وأخذَ ما كان بعمَّان من الأموال، وقدمَ دمشق على يزيد بن الوليد يلعنُ الوليد ويَعِيبُه ويرميه بالزَّندقة (٨).

стр. 5211

ومنها وثوبُ أهل حمص على دار العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك وهدمها. [قال علماء السير:] وكان مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان عاملًا للوليد بن يزيد على حمص، وكان من وجوه بني سروان، فلما قُتل الوليد بن يزيد، أغلق أهلُ حمص أبوابَها، وأقاموا النوائح على الوليد، وكان العباس [بن الوليد] خارجًا عن حمص، فقيل لهم بأنه كان ممَّن قاتلَ الوليد. فعَمَدُوا إلى دار العبَّاس، فهدموها، وانتهبوا متاعَه وسلبوا حُرَمَه، وحبسُوا بنيه، وكاتبُوا الجند، وطلبُوا بدم الوليد، فأجابوهم، وكان مروان بنُ عبد الله بن عبد الملك بحمص في دار الإمارة، فأتَوْا إليه، فوافقَهم خوفًا منهم. وعَصَوْا على يزيد بن الوليد، فبعث إليهم رسلًا؛ منهم يعقوبُ بنُ هانئ، وقال: ما أدعوكم إلى نفسي، ولكن أدعوكم إلى الشُّورى. فطردوا رسله وهمُّوا بقتلهم. وكان أمر حمص إلى معاوية بن يزيد بن حُصين، وليس إلى مروان بن عبد الله [بن عبد الملك] شيء، وكان عندهم أبو محمد السُّفْياني، فقال لهم: لو أتيتُ دمشق ورآني أهلُها لم يخالفوني. وبعث يزيدُ بن الوليد مسرورَ بنَ الوليد والوليدَ بنَ رَوْح في جند كثيف، فنزلوا حُوَّارين، وقدم (١) على يزيدَ بن الوليد سليمانُ بنُ هشام من عمَّان، فأكرمَه يزيد، وتزوَّج يزيدُ أختَه أمَّ هشام بنتَ هشام [بن عبد الملك بن مروان] وبعثَ به إلى الجيش إلى حُوَّارين، وأمرهم بطاعته (٢). [قال يحيى بن عبد الرحمن البهراني:] ولما نزل الجيش بحُوَّارين؛ قام مروان بنُ عبد الله [بن عبد الملك] خطيبًا [بحمص] فقال: إنكم خرجتُم لجهاد عدوِّكم، والطلبِ بدم خليفتكم، وقد سار إليكم منهم عُنُق (٣)؛ إنْ أنتم قطعتُموه اتَّبعه ما بعده، وكنتم عليه أجرأَ، ولستُ أرى لكم المُضيَّ إلى دمشق وتتركون هذا الجيشَ حْلفكم.

стр. 5212

فقال السِّمْطُ بنُ ثابت -وكان بينه وبين مروان تباعد-: هذا واللهِ العدوُّ القريب الدار، يريد أنْ يَنقُضَ جماعتَكم، وهو قَدَريّ يرى أقوال (١) القَدَريَّة. [قال:] فوثبوا على مروان، فقتلوه وقتلوا ابنَه، وولَّوْا عليهم أبا محمد السُّفيانيّ، وخرجوا قاصدين عسكر سليمان بن هشام، ثم عدلوا إلى دمشق. وبلغ سليمانَ، فسار خلفَهم، فلحِقَهم بالسُّليمانيّة (٢)، مزرعةٍ كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عَدْرا، على أربعةَ عشرَ ميلًا من دمشق. وكان يزيد بنُ الوليد لما بلغَه أمر أهل حمص؛ بعث عبدَ العزيز بنَ الحجاج في ثلاثة آلاف، وأمرَه أن يُقيم على ثنيَّة العُقاب، ووجَّه هشامَ بنَ مُصاد في ألف وخمس مئة إلى عَقَبة السُّليمانيّة (٣)، فأقام بها، وأمرهم أن يُمِدَّ بعضُهم بعضًا. وجاء أهل حمص، وانضمَّ سليمان إلى باقي الأمراء واقتتلوا، فقُتل من الفريقين جماعة، وانهزم أهلُ حمص، وجيء بأبي محمد السُّفياني ويزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية أسيرَين إلى سليمان بن هشام، فبعثَ بهما إلى يزيد بن الوليد، فحبسَهما مع الحَكَم وعثمان ابنَي الوليد بن يزيد. وقُتل من أعيان أهل حمص ثلاثُ مئة رجل. ثم نزل سليمان بنُ هشام وعبد العزيز بنُ الحجَّاج بمرج عَدْرا، واجتمع أهل دمشق، وبايعُوا يزيد بنَ الوليد، فأعطاهم العطاء، وأجاز الأشراف، واستعمل معاوية بنَ يزيد ابنِ حصين على حمص (٤)، وأقام باقي الجند بدمشق (٥). وفيها وثبَ أهلُ فلسطين على عاملهم (٦) سعيد بن عبد الملك بن مروان، فطردوه، وكان حسنَ السِّيرة، وكان بنو سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين وكان أهلُها يُحبُّونهم، وكان يزيد بنُ سليمان سيِّدَ بني سليمان، ورأسُ أهل فلسطين يومئذ سعيدُ بنُ رَوْح بن

стр. 5213

زِنْباع، فلما قُتل الوليد كتب سعيد بن رَوْح إلى يزيد بن سليمان -وهو نازل بمكان يقال له: السبع- يقول: قد قُتل الخليفة، فاقْدَمْ علينا نولِّكِ أمرَنا. وبعث إلى سعيد بن عبد الملك؛ اخْرجْ عنَّا، فإنَّ الأمرَ قد اضطرب، وقد ولَّينا أمرَنا رجلًا رَضِيناه. فخرج سعيد ولحقَ بيزيد بن الوليد بدمشق، وبايع أهلُ فلسطين يزيدَ بنَ سليمان، فدعاهم إلى قتال يزيد بنِ الوليد. وبلغ أهلَ الأردنّ، فولَّوْا عليهم محمدَ بنَ عبد الملك. وبلغ يزيدَ بنَ الوليد، فأرسل إليهم سليمانَ بنَ هشام في عسكر دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفيانيّ، وكان أهل دمشق في ثمانين ألفًا (١). وبعث يزيد بنُ الوليد إلى يزيد بنِ سليمان ومحمد بنِ عبد الملك يدعوهما إلى الطاعة، ويَعِدُهما ويُمنِّيهما، وكان رسولُه إليهما عثمان بن داود الخولانيّ؛ واجتمع برؤوس أهل فلسطين والأردنّ، ومنَّاهم ووعدَهم، فخذلُوا يزيدَ بنَ سليمان ومحمد بنَ عبد الملك، ونهبوا متاعَهما بطبريَّة، وبايعوا يزيد بنَ الوليد، وجاؤوا إلى سليمان بن هشام وأطاعوه (٢). وفيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد يوسفَ بنَ عُمر عن العراق، وولَّاها منصورَ بنَ جُمهور. وكان قد ندبَ لولاية العراق عبدَ العزيز بنَ هارون بن عبد الله بن دِحْية بن خليفة الكلبيَّ، فقال عبد العزيز: لو كان معي جندٌ لقبلتُ. فتركَه، وولَّاها منصورَ بنَ جُمهور (٣). وحكى هشام بن محمد عن أبي مِخْنَف قال: قُتل الوليدُ بنُ يزيد يومَ الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وعشرين ومئة. وبايعَ الناسُ يزيدَ بنَ الوليد بدمشق، وسار منصورُ بنُ جمهور من البَخْراء (٤) في اليوم الذي قُتل فيه الوليدُ إلى العراق في ستة أنفس، وبلغ [خبرُه] (٥) يوسفَ بنَ عمر فهرب.

стр. 5214

وقدم منصور الحِيرَة في أيَّام خلَتْ من رجب، فاستولى على بيوت الأموال، وأعطى الناس، وولَّى على واسط حُريث بن [أبي] الجَهْم، واستعملَ جريرَ بن يزيد بن جرير بن عبد الله على البصرة، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وأقام بقيَّة رجب وشعبان، وانصرف (١) في رمضان. [وقيل:] وكان منصور [بن جمهور] أعرابيًّا جافيًا جِلْفًا غَيلانيًّا قَدَريًّا، وإنما ساعد [يزيدَ بنَ الوليد] على قتل الوليد [لأجل الاعتقاد، و] حميَّة لخالد القَسْريّ [حيث قتله يوسفُ بنُ عُمر]، فلما قُتل الوليدُ قال له يزيد [بنُ الوليد]: قد ولَّيتُك العراق، فسِرْ إليه، واتَّقِ الله، واعلم أني إنَّما قتلتُ الوليدَ لفسقه، ولِما أظهر (٢) من الجَوْر، فلا ترتكب مثل ما قتلتُه عليه (٣). ولِما بلغ يزيدَ بنَ حُجْرةَ الغسانيَّ -وكان ديِّنًا صالحًا فاضلًا، له قَدْرٌ بالشام، حضر قتل الوليد ديانةً ومجاهدةً- فقال ليزيد: يا أمير المؤمنين، أَوَلَّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحُسن معونته. قال: إنَّ منصورًا ليس هناك؛ لأعرابيَّتِه وغِلظته وجفائه في الدين. قال: فمن أُوَلِّي؟ قال: رجلًا من أهل الدِّين والصَّلاح، عارفًا بالحدود والأحكام (٤). ولما سار [منصور] إلى العراق كتب في (٥) الطريق إلى سليمان (٦) بن سُليم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وإنَّ الوليد يدَّل نعمةَ الله كفرًا فسفك [الدِّماء، فسفك اللهُ] دمه وعجَّل بروحه إلى النار، وولَّى خلافتَه مَنْ

стр. 5215

هو خيرٌ منه وأحسنُ هَدْيًا، فخُذْ يوسفَ وعمَّاله لا يَفُوتنَّك منهم أحد، وإيَّاك والمخالفةَ، فيحلَّ بك ما لا قِبل لك به. والسلام (١). وبلغ يوسفَ بنَ عُمر، فهربَ إلى الشام على طريق السَّماوة حتى أتى البَلْقاء، ولم يخرج معه من الكوفة سوى سفيان بن سُليم (٢)، وغسان [بن قعاس] العُذْري، ومعه من ولده لصلبه ستُّون ما بين ذكر وأنثى. ولمَّا بلغَ يزيدَ بنَ الوليد نزولُ يوسف بن عمر البَلْقاء؛ أرسلَ إليه محمدَ بنَ سعيد الكلبيَّ في خمسين فارسًا، فأحاطَ بدار يوسف بالبَلْقاء، وفتَّشَ عليه، فلم يجده، وكان [يوسف] قد لبسَ ثيابَ النساء، وجلسَ بين نسائه وبناته، ففتَّشهنَّ، فظفرَ به، فجاء به إلى دمشق في وَثاق، فحبسَه مع ابنَي الوليد، فأقام محبوسًا مدَّة ولاية يزيدَ بنِ الوليد، وشهرين وعشرة أيام في ولاية إبراهيم بن الوليد، فلما قرب مروان من دمشق وليَ قَتْلَهم يزيدُ بنُ خالد، فقتل الغلامين ويوسف [بن عمر، وسنذكر ذلك (٣). وفي رواية: لمَّا جيءَ بيوسف بن عمر؛ قال له: ما أقدمَك؟ قال: قدم منصور واليًا. قال: لا، ولكنَّك (٤) كرهتَ أن تليَ عملي. فحبَسه. وفي رواية أنه] لمَّا أُخِذَ يوسفُ من البَلْقاء وجيء به إلى دمشق؛ لقيَه عاملٌ لسليمان، فنتفَ لحيتَه، وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة. فأُدخِلَ (٥) على يزيد، فجعل يُمسكُ لحيتَه ويقول: يا أمير المؤمنين، نتفَ لحيتي فما أبقى منها شعرة. فأمر بحبسه في الخضراء (٦)، فدخل عليه محمد بن راشد فقال: أما (٧) تخافُ أن يطَّلع عليك بعضُ من

стр. 5216

قد وترتَ، فيُلقي عليك حجرًا فيقتلك؟ فقال: ما فطنتُ لهذا، فنشدتُك اللهَ إلا كلَّمتَ أمير المؤمنين أن ينقلَني إلى مجلس غير هذا. فكلَّم يزيدَ فيه، فقال: إنه لَأحمق! واللهِ ما حبستُه إلا لأبعثَ به إلى العراق، فيُقامَ للناس، وتُؤخذَ المظالمُ من ماله ودمه (١). [حديث نصر بن سيَّار: قال هشام:] وكان يزيد [بن الوليد] قد ولَّى منصور [بن جمهور] خراسان مع العراق، فبعث منصورٌ عماله على خُراسان، فامتنعَ نصرٌ من تسليمها إليهم. وأُرجِفَ الناسُ بقدوم منصورٌ خُراسان، فخطب نَصْرٌ الناس وذمَّ منصورًا وقال: الجِلف الجافي المخذول المبتور، لئن جاءنا (٢) لأُقطِّعنَّ يديه ورجليه. ثم فرَّق العمَّال في البلاد، وأمرَهم بحسن السيرة، ودعا الناس إلى البيعة (٣). وفِيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد منصورَ بنَ جمهور عن العراق، وولَّاها عبدَ الله بنَ عمر بن عبد العزيز [وقال له: إن الناس يميلون إلى أبيك، فسِرْ إليها. وقد ذكر القصة أبو عُبيدة معمر] (٤) قال (٥): وكان [عبد الله بن عمر] (٦) متألِّهًا صالحًا، فقدم العراق وأحسنَ السيرة إلى الناس، وقال لمنصور: إن شئتَ أن تُقيم معي فأقم -وكان قد خاف منه أن لا يسلِّم إليه العراق- فقال منصور: لا، بل أسيرُ إلى الشام، وصفحَ له عبد الله عمَّا أخذ من الأموال، وكانت ولاية منصور على العراق شهرين وعشرة أيام.

стр. 5217

ثم كتب عبد الله بنُ عمر لنَصْر بن سيَّار عهدَه على خُراسان، وكانت الفتنةُ قد وقعت بين اليمانيَّة والفَزَاريَّة، وأظهرَ الكِرْمَانيُّ الخلافَ، وقام معه جماعة، فلمَّا ورد كتاب عبدُ الله بنُ عمر على نصر بعهده؛ خمدت الفتنة، وحبس نصرٌ الكِرْمَانيَّ. واسمُ الكِرْمَانيّ جُدَيْع بنُ عليّ، وإنما سُمِّيَ الكِرْمانيَّ لأنَّه وُلد بكِرْمَان. ولما أقام الفتنة قيل لنصر: اقتُلْهُ. فقال: لا، ولكن لي ولدٌ ذكور وإناث، وله ولد كذلك، فنُزوِّجُهُ. فقالوا: لا تفعل، واحْبِسْهُ. فأرسلَ إليه عبدَ الله (١) بنَ بسام صاحبَ حرسه، فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرْمَانيّ، ألم يأتني كتاب يوسفَ بنِ عمر يأمرُني بقتلك، فراجعتُه فيك، وقلت: شيخُ خُراسان وفارسُها، وحَقنتُ دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أَغْرَمْ عليك ما كان لزمَك من الغُرْم، وقسمتُه في عطايات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم أَرِشْ (٢) عليًّا ابنَك على كُرهٍ من قومك؟ قال: بلى. قال: فجعلتَ عوضًا من ذلك إقامةَ الفتن! فقال الكِرْمَانيّ: واللهِ ما أُحِبُّ الفتنَ. فيَتَثبَّتُ (٣) الأميرُ في أمري ولا يعجل. وقال له جلساؤه: اقْتُلْه. فقال الكِرْمَانيّ: لَجُلَساءُ فرعونَ كانوا خيرًا منكم حيث قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (٤) [الأعراف: ١١١] فحبسَه في شهر رمضان هذه السنة. وبعثت الأَزْدُ إلى نصر المغيرةَ بنَ شعبةَ الجهميَّ، وخالد بنَ شعيب الحُدَّانيّ (٥)، فكلَّماه فيه، فقال: لا ناله مني سوء. وأرادَت الأَزْد نَزْعَهُ من يد نَصْر، ثم تراجعوا، فجعل معه نصرٌ في القُهَنْدِز (٦) رجالًا منهم، فقال رجل من نَسَف الأَزْد (٧): أنا أُخرِجُه. فجاء إلى مجرى الماء في القُهَنْدِز، فحفرَه ووسَّعه، فأخبرَ الكِرْمَانيُّ أصحابَه، فواعدَهم ليلةً بعينها، وخرجَ من السَّرَب في

стр. 5218

تلك الليلة على بطنه، فالتَوَتْ عليه حيَّةٌ، فلم تضرَّه. وخرج إلى أصحابه، فأخذوه ومضَوْا، فما ارتفعت الشمس حتى صار في ثلاثة آلاف من الأزد وغيرهم. وخرج نَصْرٌ بعسكره إلى باب مَرْو الرُّوذ (١)، وخطب الناس، فنال من الكِرْمَانيّ وقال: ولد بكِرْمَان، فكان كِرْمَانِيًّا، ثم سقط إلى هَراة، فكان هَرَويًّا، والساقطُ بين الفِراشين لا أصلٌ ثابت، ولا فرعٌ نابت. ثم ذمَّ الأَزْد فقال: إن يستوثقوا (٢) فأذلُّ قوم، هم كما قال الأخطل الشاعر (٣): ضفادعُ في ظلماءِ ليل تجاوَبَتْ … فدَلَّ عليها صوتُها حيَّةَ البحرِ ثم عزمَ على قتال الأَزْد، فسَفرَ الناسُ بين نصر والكِرْمانيّ، فأمَّنَه، وأمرَه بلزوم بيته. ثم عزمَ نصرٌ على إخراجه من خُراسان، فقيل له: إن فعلتَ نَوَّهْتَ باسمه، فقال: إن الرجل إذا نُفِيَ من بلده صَغُرَ أمرُه، فقيل له: إذا أخرجتَه يُقال: خاف منه. فقال نصر: إن الذي أتخوَّفُه إذا خرجَ أيسرُ ممَّا أتخوَّفُه وهو مقيم. ثم جاء الكِرْمانيُّ فدخل سُرادق نصر، فأمَّنه وسكتَ عنه (٤). وجاء نصرًا عزلُ منصور [بن جمهور] وولاية عبد الله [بن عمر بن عبد العزيز] (٥) فخطب وقال: قد علم اللهُ أنَّ ابن جمهور لم يكن من عمَّال العراق، فعزلَه، واستعملَ الطيَّبَ ابنَ الطيِّب. فغضب الكِرْمانيُّ لابنِ جمهور، وشرَع في جمع الناس إليه، واستعدَّ للقتال وأرسل إليه نصرٌ سَلْمَ بنَ أحْوَز. . . فرجع إلى نصر (٦) فأخبره، فأرسل إليه

стр. 5219

جماعةً وهو يمتنع، ثم تهيَّأ للخروج إلى جُرجان وهو على عزم الخلاف، وجرت بينهما محاوراتٌ كثيرة (١). وفيها اتَّفق نَصْرُ بنُ سيَّار مع الحارث بن سُرَيج، وأخذَ له كتابَ أمان من يزيد. وسببه أنَّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكِرْمانيّ؛ خاف نَصْرٌ أن يتفق الكِرْمانيّ مع الحارث والتركِ عليه، فأرسل مقاتلَ بنَ حيَّان النَّبَطي ومعه جماعةٌ إلى الحارث في الصُّلح، وبعثَ نصرٌ إلى يزيد يطلب له الأمان. وقيل: إنما أخذَ الأمانَ للحارث خالدُ بن زياد (٢)؛ من أهل التِّرْمِذ، وخالدُ بنُ عَمرو (٣) مولى بني عامر؛ خرجا إلى يزيد [بن الوليد] إلى دمشق، ودخلا عليه فقالا: يا أمير المؤمنين، أنتَ قتلتَ ابنَ عمِّك لإقامة كتاب الله، وعُمَّالُك يَظلمون! فقال: ما الذي أصنع؟ قالا: وَلِّ أربابَ البيوت، وضُمَّ إلى كلِّ عاملٍ رجلًا (٤) من أهل العلم والفقه. فقال: أفعل. وسألاه أمانًا للحارث، فأمَّنَه، وكتبَ لهما كتابًا إلى عبد الله بن عُمر بن عبد العزيز بردِّ ما كان اصطفى من أموالهم وذراريهم. فقدما على عبد الله الكوفة، وكتب لهما كتابًا إلى نصر بردِّ ما كان أخَذَ لهم (٥)، فردَّ ما قدر عليه. ومضيا إلى الحارث بن سُريج، فلقيا عنده مقاتل بن حيَّان (٦) وأصحابَه الذين بعثهم نصر إلى الحارث ومعه أمانُ نصر للحارث، فأقبلَ الحارثُ يريد مَرْو، وكان مُقامُه بأرض الترك اثنتي عشرة سنة (٧).

стр. 5220

ذكر كتاب مروان بن محمد إلى الغَمْر بن يزيد يأمرُه بالطلب بدم أخيه [الوليد] من جملته: أمَّا بعد، فإنَّ هذه الخلافة من الله على مناهج نُبوَّة رسلِه، وإقامةِ شرائعِ دينِه، أكرمَهم الله بما قلَّدهم منها (١)، يُعزُّهم ويُعزُّ مَنْ (٢) أعَزَّهم، والحَين على من ناوأهم وابتغَى غيرَ سبيلهم، فلم يزالوا أهلَ رعايةٍ لما استودعهم اللهُ منها، يقومُ بحقِّها ناهضٌ بعد ناهض بأنصار لها من المسلمين، وكان أهلُ الشام فيها أحسنَ طاعة، وأذبَّ عن حرمة، وأوْفَى بعهد، وأشدَّ نِكايةً في مارقٍ مخالفٍ ناكث، ناكبٍ عن الحق، فَدرَّتْ نِعَمُ اللهِ عليهم [قد عُمر بهم الإسلام، وكُبِتَ بهم الشركُ وأهلُه] وقد نبذوا أمر الله، وحاولوا نكث العهود وقام بذلك من أَشعلَ ضِرامَها وإن كانت القلوبُ عنه نافرة، ولن يَضِيعَ دمُ الخليفة المظلوم. وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: وما إطراقي إلا لأنتظر ما يأتيني عنك، وأسطوَ بانتقام، وأُشَمِّرَ للقدريَّة إزاري، وأضربَهم بسيفي، فلا تَهِنْ عن ثأر أخيك، فإنَّ الله جارُك وكافيك. والسلام (٣). وفيها بعثَ إبراهيمُ بنُ محمد الإمامُ بُكَيرَ بنَ ماهان إلى خُراسان ينعى محمدًا أباه، ويُوقفُهم على وصيِّته إلى إبراهيم (٤). وفيها أخذ يزيدُ بن الوليد البيعةَ لأخيه إبراهيمَ بنِ الوليد، وجعلَه وفيَ عهدِه، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجَّاج بن عبد الملك [بن مروان] لكونه باشرَ قتلَ الوليدِ بنِ يزيد، وذلك لأنَّ يزيد بن الوليد مرضَ، فقيل له: اعهد وانظر للمسلمين. فعهدَ إلى إبراهيم، ثم إلى عبد العزيز. [قال الطبري: حملته القدريَّة على ذلك. يعني أن يزيد بن الوليد كان قدريًّا] (٥).
следующие страницы →