← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

قد وترتَ، فيُلقي عليك حجرًا فيقتلك؟ فقال: ما فطنتُ لهذا، فنشدتُك اللهَ إلا كلَّمتَ أمير المؤمنين أن ينقلَني إلى مجلس غير هذا. فكلَّم يزيدَ فيه، فقال: إنه لَأحمق! واللهِ ما حبستُه إلا لأبعثَ به إلى العراق، فيُقامَ للناس، وتُؤخذَ المظالمُ من ماله ودمه (١). [حديث نصر بن سيَّار: قال هشام:] وكان يزيد [بن الوليد] قد ولَّى منصور [بن جمهور] خراسان مع العراق، فبعث منصورٌ عماله على خُراسان، فامتنعَ نصرٌ من تسليمها إليهم. وأُرجِفَ الناسُ بقدوم منصورٌ خُراسان، فخطب نَصْرٌ الناس وذمَّ منصورًا وقال: الجِلف الجافي المخذول المبتور، لئن جاءنا (٢) لأُقطِّعنَّ يديه ورجليه. ثم فرَّق العمَّال في البلاد، وأمرَهم بحسن السيرة، ودعا الناس إلى البيعة (٣). وفِيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد منصورَ بنَ جمهور عن العراق، وولَّاها عبدَ الله بنَ عمر بن عبد العزيز [وقال له: إن الناس يميلون إلى أبيك، فسِرْ إليها. وقد ذكر القصة أبو عُبيدة معمر] (٤) قال (٥): وكان [عبد الله بن عمر] (٦) متألِّهًا صالحًا، فقدم العراق وأحسنَ السيرة إلى الناس، وقال لمنصور: إن شئتَ أن تُقيم معي فأقم -وكان قد خاف منه أن لا يسلِّم إليه العراق- فقال منصور: لا، بل أسيرُ إلى الشام، وصفحَ له عبد الله عمَّا أخذ من الأموال، وكانت ولاية منصور على العراق شهرين وعشرة أيام.

стр. 5217

ثم كتب عبد الله بنُ عمر لنَصْر بن سيَّار عهدَه على خُراسان، وكانت الفتنةُ قد وقعت بين اليمانيَّة والفَزَاريَّة، وأظهرَ الكِرْمَانيُّ الخلافَ، وقام معه جماعة، فلمَّا ورد كتاب عبدُ الله بنُ عمر على نصر بعهده؛ خمدت الفتنة، وحبس نصرٌ الكِرْمَانيَّ. واسمُ الكِرْمَانيّ جُدَيْع بنُ عليّ، وإنما سُمِّيَ الكِرْمانيَّ لأنَّه وُلد بكِرْمَان. ولما أقام الفتنة قيل لنصر: اقتُلْهُ. فقال: لا، ولكن لي ولدٌ ذكور وإناث، وله ولد كذلك، فنُزوِّجُهُ. فقالوا: لا تفعل، واحْبِسْهُ. فأرسلَ إليه عبدَ الله (١) بنَ بسام صاحبَ حرسه، فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرْمَانيّ، ألم يأتني كتاب يوسفَ بنِ عمر يأمرُني بقتلك، فراجعتُه فيك، وقلت: شيخُ خُراسان وفارسُها، وحَقنتُ دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أَغْرَمْ عليك ما كان لزمَك من الغُرْم، وقسمتُه في عطايات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم أَرِشْ (٢) عليًّا ابنَك على كُرهٍ من قومك؟ قال: بلى. قال: فجعلتَ عوضًا من ذلك إقامةَ الفتن! فقال الكِرْمَانيّ: واللهِ ما أُحِبُّ الفتنَ. فيَتَثبَّتُ (٣) الأميرُ في أمري ولا يعجل. وقال له جلساؤه: اقْتُلْه. فقال الكِرْمَانيّ: لَجُلَساءُ فرعونَ كانوا خيرًا منكم حيث قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (٤) [الأعراف: ١١١] فحبسَه في شهر رمضان هذه السنة. وبعثت الأَزْدُ إلى نصر المغيرةَ بنَ شعبةَ الجهميَّ، وخالد بنَ شعيب الحُدَّانيّ (٥)، فكلَّماه فيه، فقال: لا ناله مني سوء. وأرادَت الأَزْد نَزْعَهُ من يد نَصْر، ثم تراجعوا، فجعل معه نصرٌ في القُهَنْدِز (٦) رجالًا منهم، فقال رجل من نَسَف الأَزْد (٧): أنا أُخرِجُه. فجاء إلى مجرى الماء في القُهَنْدِز، فحفرَه ووسَّعه، فأخبرَ الكِرْمَانيُّ أصحابَه، فواعدَهم ليلةً بعينها، وخرجَ من السَّرَب في

стр. 5218

تلك الليلة على بطنه، فالتَوَتْ عليه حيَّةٌ، فلم تضرَّه. وخرج إلى أصحابه، فأخذوه ومضَوْا، فما ارتفعت الشمس حتى صار في ثلاثة آلاف من الأزد وغيرهم. وخرج نَصْرٌ بعسكره إلى باب مَرْو الرُّوذ (١)، وخطب الناس، فنال من الكِرْمَانيّ وقال: ولد بكِرْمَان، فكان كِرْمَانِيًّا، ثم سقط إلى هَراة، فكان هَرَويًّا، والساقطُ بين الفِراشين لا أصلٌ ثابت، ولا فرعٌ نابت. ثم ذمَّ الأَزْد فقال: إن يستوثقوا (٢) فأذلُّ قوم، هم كما قال الأخطل الشاعر (٣): ضفادعُ في ظلماءِ ليل تجاوَبَتْ … فدَلَّ عليها صوتُها حيَّةَ البحرِ ثم عزمَ على قتال الأَزْد، فسَفرَ الناسُ بين نصر والكِرْمانيّ، فأمَّنَه، وأمرَه بلزوم بيته. ثم عزمَ نصرٌ على إخراجه من خُراسان، فقيل له: إن فعلتَ نَوَّهْتَ باسمه، فقال: إن الرجل إذا نُفِيَ من بلده صَغُرَ أمرُه، فقيل له: إذا أخرجتَه يُقال: خاف منه. فقال نصر: إن الذي أتخوَّفُه إذا خرجَ أيسرُ ممَّا أتخوَّفُه وهو مقيم. ثم جاء الكِرْمانيُّ فدخل سُرادق نصر، فأمَّنه وسكتَ عنه (٤). وجاء نصرًا عزلُ منصور [بن جمهور] وولاية عبد الله [بن عمر بن عبد العزيز] (٥) فخطب وقال: قد علم اللهُ أنَّ ابن جمهور لم يكن من عمَّال العراق، فعزلَه، واستعملَ الطيَّبَ ابنَ الطيِّب. فغضب الكِرْمانيُّ لابنِ جمهور، وشرَع في جمع الناس إليه، واستعدَّ للقتال وأرسل إليه نصرٌ سَلْمَ بنَ أحْوَز. . . فرجع إلى نصر (٦) فأخبره، فأرسل إليه

стр. 5219

جماعةً وهو يمتنع، ثم تهيَّأ للخروج إلى جُرجان وهو على عزم الخلاف، وجرت بينهما محاوراتٌ كثيرة (١). وفيها اتَّفق نَصْرُ بنُ سيَّار مع الحارث بن سُرَيج، وأخذَ له كتابَ أمان من يزيد. وسببه أنَّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكِرْمانيّ؛ خاف نَصْرٌ أن يتفق الكِرْمانيّ مع الحارث والتركِ عليه، فأرسل مقاتلَ بنَ حيَّان النَّبَطي ومعه جماعةٌ إلى الحارث في الصُّلح، وبعثَ نصرٌ إلى يزيد يطلب له الأمان. وقيل: إنما أخذَ الأمانَ للحارث خالدُ بن زياد (٢)؛ من أهل التِّرْمِذ، وخالدُ بنُ عَمرو (٣) مولى بني عامر؛ خرجا إلى يزيد [بن الوليد] إلى دمشق، ودخلا عليه فقالا: يا أمير المؤمنين، أنتَ قتلتَ ابنَ عمِّك لإقامة كتاب الله، وعُمَّالُك يَظلمون! فقال: ما الذي أصنع؟ قالا: وَلِّ أربابَ البيوت، وضُمَّ إلى كلِّ عاملٍ رجلًا (٤) من أهل العلم والفقه. فقال: أفعل. وسألاه أمانًا للحارث، فأمَّنَه، وكتبَ لهما كتابًا إلى عبد الله بن عُمر بن عبد العزيز بردِّ ما كان اصطفى من أموالهم وذراريهم. فقدما على عبد الله الكوفة، وكتب لهما كتابًا إلى نصر بردِّ ما كان أخَذَ لهم (٥)، فردَّ ما قدر عليه. ومضيا إلى الحارث بن سُريج، فلقيا عنده مقاتل بن حيَّان (٦) وأصحابَه الذين بعثهم نصر إلى الحارث ومعه أمانُ نصر للحارث، فأقبلَ الحارثُ يريد مَرْو، وكان مُقامُه بأرض الترك اثنتي عشرة سنة (٧).

стр. 5220

ذكر كتاب مروان بن محمد إلى الغَمْر بن يزيد يأمرُه بالطلب بدم أخيه [الوليد] من جملته: أمَّا بعد، فإنَّ هذه الخلافة من الله على مناهج نُبوَّة رسلِه، وإقامةِ شرائعِ دينِه، أكرمَهم الله بما قلَّدهم منها (١)، يُعزُّهم ويُعزُّ مَنْ (٢) أعَزَّهم، والحَين على من ناوأهم وابتغَى غيرَ سبيلهم، فلم يزالوا أهلَ رعايةٍ لما استودعهم اللهُ منها، يقومُ بحقِّها ناهضٌ بعد ناهض بأنصار لها من المسلمين، وكان أهلُ الشام فيها أحسنَ طاعة، وأذبَّ عن حرمة، وأوْفَى بعهد، وأشدَّ نِكايةً في مارقٍ مخالفٍ ناكث، ناكبٍ عن الحق، فَدرَّتْ نِعَمُ اللهِ عليهم [قد عُمر بهم الإسلام، وكُبِتَ بهم الشركُ وأهلُه] وقد نبذوا أمر الله، وحاولوا نكث العهود وقام بذلك من أَشعلَ ضِرامَها وإن كانت القلوبُ عنه نافرة، ولن يَضِيعَ دمُ الخليفة المظلوم. وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: وما إطراقي إلا لأنتظر ما يأتيني عنك، وأسطوَ بانتقام، وأُشَمِّرَ للقدريَّة إزاري، وأضربَهم بسيفي، فلا تَهِنْ عن ثأر أخيك، فإنَّ الله جارُك وكافيك. والسلام (٣). وفيها بعثَ إبراهيمُ بنُ محمد الإمامُ بُكَيرَ بنَ ماهان إلى خُراسان ينعى محمدًا أباه، ويُوقفُهم على وصيِّته إلى إبراهيم (٤). وفيها أخذ يزيدُ بن الوليد البيعةَ لأخيه إبراهيمَ بنِ الوليد، وجعلَه وفيَ عهدِه، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجَّاج بن عبد الملك [بن مروان] لكونه باشرَ قتلَ الوليدِ بنِ يزيد، وذلك لأنَّ يزيد بن الوليد مرضَ، فقيل له: اعهد وانظر للمسلمين. فعهدَ إلى إبراهيم، ثم إلى عبد العزيز. [قال الطبري: حملته القدريَّة على ذلك. يعني أن يزيد بن الوليد كان قدريًّا] (٥).

стр. 5221

وفيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد يوسفَ بنَ محمد [بن يوسف] الثقفي عن المدينة، وولَّاها عبدَ العزيز بن عبد الله بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان (١). وفيها أظهر مروانُ الخلافَ على يزيدَ بنِ الوليد، وقدمَ من أرمينية إلى حرَّان والجزيرة في عشرين ألفًا، وأظهر الطلبَ بدم الوليد، وتهيَّأ لقصد دمشق، فكاتبَه يزيدُ بنُ الوليد على أن يُبايعَه ويُبقيَ عليه (٢) ما بيده من الجزيرة والموصل وأرمينية وأذربيجان، فتوقَّفَ، واستعدَّ يزيد بنُ الوليد للقائه، وضمَّ إلى دمشق عساكر الشام (٣). وكتب إلى مروان: أمَّا بعد، فإني أراك تقدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيِّهما شئْتَ (٤). فرضيَ مروانُ وبايعَه بحرَّان، وأقام مطيعًا ليزيد [بن الوليد]. فمات [يزيد بن الوليد] في آخر السنة وقام (٥) بعده أخوه إبراهيم بنُ الوليد [بن عبد الملك بن مروان أخو يزيد لأبيه]. الباب الثالث عشر في خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: نعمة، وقيل: خشف، بربريةٌ، وكنيتُه أبو إسحاق، ومولدُه بحمص. بويع يومَ مات أخوه يزيد في ذي الحجة هذه السنة، وكان ضعيفَ الرأي؛ يُسَلَّم عليه بالإمرة جمعة، وبالخلافة أخرى، وفي جمعة لا يسلِّمون عليه أصلًا، ولقَّبوه الصَّلَتَان (٦)، أي: الحمار الشديد [ذكره الجوهريّ (٧).

стр. 5222

قال هشام:] وفيه يقول الشاعر، نُبايعُ إبراهيمَ في كلِّ جُمعةٍ … ألا إنَّ أمرًا أنت واليه ضائعُ نُبايعُ إبراهيمَ في كلِّ ساعةٍ … فكَمْ وإلى كَمْ كلِّ يومٍ نُبايع (١) وكان يُكثرُ البيعة في كلِّ وقت. ولما بُويع وثَبَ عليه الحَكَم بنُ ضبْعان بن رَوْح بن زِنْباع الجُذامي، واستولى على فلسطين، وخلع إبراهيم، ودعا إلى سليمان بن هشام بن عبد الملك، واستمال لَخْمًا وجُذامًا، فأجابوه. [قال هشام:] وأقامَ إبراهيم أربعة أشهر، ثم خَلَعَه مروان في سنة سبع وعشرين ومئة، وعاش إلى سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وسنذكره. وقيل: كانت ولايتُه سبعين يومًا. [واختلفوا فيمن] حجَّ بالناس فِي هذه السنة [فقال الواقديّ:] عبدُ العزيز بن عُمر بن عبد العزيز بن مروان وهو على المدينة ومكة والطائف. وقيل: حجَّ بهم عُمر بن عبد الله بن عبد الملك، بعثه يزيد بن الوليد (٢). وكان العاملَ على العراق عبدُ الله بنُ عُمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابنُ أبي ليلى، وعلى قضاء البصرة عامرُ بنُ عبيدة، وعلى عمالتها (٣) المسور بنُ عمر بن عبَّاد، وعلى خُراسان نَصْرُ بنُ سيَّار (٤). وفيها توفّي خالدُ بنُ عبد الله ابن يزيد بن أَسَد بن كُرْز بن عامر البَجَليّ القَسْريّ، [من بَجِيلة، وقَسْر فَخِذٌ منها.

стр. 5223

وذكره الجوهريّ فقال: وقَسْر بطن من بَجِيلة، وهم رهط خالد بن عبد الله القَسْريّ] (١). واسم قَسْر مالك بن عبقر من بَجِيلة. ويقال: إن خالدًا غير صحيح النسب في بَجِيلة. [قال: وبَجِيلة حيٌّ من اليمن، والنسبة إليهم: بَجَليّ، بالتحريك. ويقال: إنَّهم من مَعَدّ؛ لأن نزار بن مَعَدّ وَلَدَ مُضرَ وربيعةَ وإيادًا وأنمارًا، ثم أنمارٌ وَلَدَ بَجِيلة وخَثْعم، فصاروا باليمن (٢). قال أبو القاسم ابن عساكر: وخالد وأسد من أهل دمشق، وجدُّهما يزيد بن أسد] وفد يزيد بن أسد على النبي ﷺ ، ونزل الشام، وروى الحديث عن رسول الله ﷺ . وكنية خالد أبو الهيثم. [وقال هشام:] وكنية أبيه عبد الله أبو يحيى، وكان من عقلاء الرجال [وقد ذكرناه فيما تقدّم]. [وقال المبرّد:] قال عبد الملك بن مروان لعبد الله أبي خالد: ما مالُك؟ فقال: شيئان: الرِّضى عن الله، والغِنَى عن الناس. فقيل له بعد ذلك: هلَّا أخبرتَه بمقدار مالِك؟ فقال: لم يَعْدُ أنْ يكون قليلًا فيحتقرني، أو كثيرًا فيحسدني (٣). [وقال ابن معين: وأهل خالد بن عبد الله ينكرون أن يكون لجدِّه صحبة، ولو كان له صحبة لعرفوا ذلك] (٤). ذكر طرف من أخبار خالد: [قال خليفة:] وليَ خالد مكة سنة تسع وثمانين، فلم يزل واليًا عليها حتى مات الوليد، فأقرَّه سليمان، ثم عزلَه، وولَّى مكَّة داود بنَ طلحة.

стр. 5224

وفي سنة ستٍّ ومئة وَلِيَ خالد العراق، وعُزل سنة عشرين ومئة [ووليَها يوسف بن عمر (١). وذكر الهيثم بن عديّ خالدًا في أبناء النصرانيات. وذكره أبو القاسم ابن عساكر وقال:] وكانت له دار بدمشق، وهي مربَّعة القزّ، ويعرف اليوم بدار الشريف اليزيدي (٢)، وإليه يُنسبُ الحمَّام الذي مقابلَ قنطرة سنان بباب توما. و [قال: وروى الحسن بنُ الحسين قال:] حْطبَ [خالد] بواسط فقال: أيُّها الناس، تنافسُوا في المكارم، وسارِعُوا في المغانم، واشترُوا الحمدَ بالجود، ولا تكتسبوا بالباطل (٣) ذَمًّا، ولا تعتدُّوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة لا يبلغُ شُكرَها؛ فالله أحسنَ له جزاءً وأجزلَ له عطاءً. واعلموا أنَّ حوائج الناس إليكم نِعَمٌ من الله عليكم، فلا تَمَلُّوا النِّعم فتُحَوَّلَ نِقَمًا، وإنَّ أفضل المال ما اكتسب به صاحبُه أجرًا، وأورثَ له ذِكْرًا. ولو رأيتُم المعروفَ رأيتُموه رجلًا حسنًا جميلًا يَسُرُّ الناظرين، ويفوقُ العالمين، ولو رأيتُم البُخْلَ، لرأيتُم رجلًا قبيحًا مُشَوَّهَ الخلق، قبيحَ المنظر، تَنْفِرُ عنه القلوب، وتغضُّ دونَه الأبصار. أيُّها الناس، مَنْ جادَ ساد، ومن شكرَ ازداد، ومن بخلَ رَذُلَ، وأكرمُ الناسِ مَن أعطى مَنْ لا يرجوه، ومَنْ عَفَا عن قدرة، وأوصلُ الناسِ مَنْ وصلَ مَنْ قطعَه، وما لم يَطِبْ حَرْثُهُ لم يَزْكُ نَبْتُه، والفروعُ عند مغارسِها تنمو، وبأصولها تسمو (٤). و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] أُتِيَ خالد برجلٍ يدَّعي النبوّة، فقال: ما آية نبوَّتك؟ قال: أُنْزل عليَّ قرآن. قال: وما هو؟ قال: إنَّا أعطيناك الجماهر، فصلِّ لربك وهاجر،

стр. 5225

ولا تطع كلَّ كافر وفاجر. فأمر به فصُلب. فقال له رجلٌ (١) وهو يُصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربِّك على عود، وأنا ضامنٌ لك أن لا تعود (٢). [قال:] وحرَّم الغِناء، فجاءه شيخ كبير اسمه حنين، فأخرج عودَه وقال: أيُّها الشَّامتُ المعيِّرُ بالشَيـ … ـبِ أَقِلَنَّ بالشبابِ افْتِخَارَا قَدْ لبستُ الشبابَ قبلَك حينًا … فوجدتُ الشَبابَ ثوبًا مُعارا فبكى خالد، وأطلقَه وقال: لا تُعاشر المُعَرْبِدين (٣). وقال خالد (٤): إني لَأُطْعِمُ كل يومٍ ستَّةً وثلاثين ألفًا من الأعراب التمرَ والسَّويق (٥). [وحكى عن الأصمعيّ قال:] وجاءه أعرابيّ فقال: أيُّها الأمير، لم أصُنْ وجهي عن مسألتك، فصُنْ وَجْهَكَ عن رَدِّي، وضَعْني من معروفك حيثُ وضعتُك من رجائي. فأَمَرَ له بما سأل. ودخل عليه رجل ومعه جِرابٌ، فقال: أيُّها الأمير، إن رأيتَ أن تملأَه لي دقيقًا. فقال: املؤوه دراهم. فخرجَ على الناس، فقالوا: ما صنع الأمير في حاجتك؟ فقال: سألتُه ما أشتهي، فأمرَ لي بما يشتهي (٦). [وحكى أيضًا أبو القاسم عن ابن أبي الدنيا قال:] خرج [خالد] يومًا إلى ظاهر الكوفة ومعه الأشراف ووجوهُ الناس، وكان يومًا شديدَ البرد، فقام إليه رجل فقال: ناشدتُك اللهَ أيُّها الأمير لَمَا أمرتَ بضرب عنقي. قال: ولم؟! هل قطعتَ طريقًا، أو قتلتَ نفسًا؟ قال: لا، ولكن الفقر والحاجة. قال: تَمَنَّ. قال: ثلاثين ألفًا. فأمرَ له بها، ثم قال خالد لمن معه: هل علمتُم تاجرًا ربح في ساعةٍ سبعينَ ألفًا؟! قالوا: وكيف؟

стр. 5226

قال: نويتُ له مئة ألف، فاقترحَ ثلاثين ألفًا، فقد ربحتُ سبعين، فارْجِعُوا بنا، فما ربحَ أحدٌ ما ربحتُ الغداة (١). [وحكى أبو القاسم أيضًا عن أبي تمَّام الطائي قال:] قدم عليه أسدُ بنُ عبد الله بأموال خُراسان، فجلس خالد يُفَرِّقُ البِدَرَ، وقال: إنما هذه الأموال ودائعُ لا بدَّ من تفريقها. فقال له [أخوه] أسد: إنَّ الودائعَ تُجمع ولا تُفَرَّق. فقال له خالد: ويحك! إنها ودائعُ المكارم، وأيدينا وكلاؤُها، فإذا أتانا المُملقُ فأغنيناه، والظمآن فأرويناه (٢)، والملتجئُ فآويناه، فقد أدَّينا فيه الأمانة (٣). وقال ابنُ عيَّاش الهَمْدانيّ: بينا أنا ذاتَ يوم واقفٌ بباب أبي جعفر أنتظرُ الإذن؛ إذْ خرجَ الربيعُ بنُ يونس الحاجب، فقال: يقولُ لكم أميرُ المؤمنين: بمن تشبِّهوني من خلفاء بني أميَّة؟ فسكتَ القوم، فقلتُ [للربيع]: أنا أعلمُ مَنْ يُشْبِهُه. فدخل ثم خرج وقال: يقول لك أميرُ المؤمنين: ليس بك الجواب، وإنَّما تريد الدخولَ للكُدْيَة (٤). فقلت: ما بنا عن أمير المؤمنين غنىً. قال: فاذكُر الجواب. قلت: حتى أدخل. قال: إنك تُبْرِمُهُ بكثرة السؤال والحوائج. قلت: لا. فدخل ثم خرج، فقال: ادخُلْ. فدخلتُ، وكان في كُمِّي رُقْعةٌ لآل خالد بن عبد الله يشكُون الضائقة، فقال لي أبو جعفر: ويحك! ما أكثرَ رِقاعَك وحوائجَك ومسألتَك! إنك تُنغِّصُ علينا مجلسَنا بذلك. فقلتُ: لا أَعْدَمَنا اللهُ أميرَ المؤمنين. قال: بمن تُشَبِّهوني؟ قلت: بعبد الملك بن مروان. قال: وكيف؟ قلت: لأنَّ أوَّلَ اسمِه عين، وأوَّلَ اسمِك عين، وأوَّل اسم أبيه ميم، وأوَّل اسمِ أبيك ميم، وقتلَ ثلاثةً من الجبابرة أوَّلُ أسمائهم عين، وكذا أنت [قال: مَنْ قتل؟ قلت:] قتلَ عبد الله بن الزُّبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعَمرَو بن سعيد الأشدق. قال: وأنا مَنْ

стр. 5227

قتلتُ؟ قلتُ: عبد الرحمن بن مسلم، وعبد الجبَّار بن عبد الرحمن. قال: هيه. فأردتُ أن أقول: وعمَّك عبدَ الله بنَ علي، فأدركني ذهني فقلت: وسقط البيت على عبد الله بن عليّ، فقتلَه. فقال: وسقطَ عليه البيتُ فقتلَه، فما ذنبي؟ قلت: لا شيء، إنما أردتُ أن أُخبرك. فآنستُ منه لينًا، فقلتُ: وهذا الآخر حائطُه مائلٌ؛ إن لم تدعموه بشيء، خفتُ أن يسقط عليه فيقتلَه. [أعني عيسى بن موسى]، وكان عيسى محبوسًا عنده ليخلعَ نفسَه ويولّيها المهديّ. فضحك، ووضع كُمَّهُ على وجهه، واستترَ، وتغافل كأنه لم يفهم. وتخشخشت الرُّقعةُ في كُمِّي، فقلتُ لها: استَتِري، فليس هذا يومُكِ. فقال: دَعْها مكانَها. فقلت: إنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ ينظرَ فيها بما أراه الله، فهي لآل خالد القَسْرِيّ، أصبَحُوا عالةً يتكفَّفُون الناس على الطرق، فأخَذَها وقال: لأُحَدِّثَنَّك عن خالد بحديث تأكلُ به الخبز. إني لما تزوّجتُ أمَّ موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد؛ كان مَهْرُها ثلاثين ألفَ درهم، [ففدَحَني] فقلتُ: آتي الكوفةَ، فإنَّ لنا بها شيعةً، فركبتُ حمارًا، وركب مولًى لي حمارًا آخر، وسِرْنا، فلما قَرُبْنا من سَواد الكوفة؛ مررنا بقرية على شيخ في مستشرف على باب بيت، فسَلَّمْنا عليه، فما حَفَلَ بنا، فدلَّنا إلى دار واسعة، فنزَلْنا بها، فسألَ بعضُ أهل الدار مولايَ عني وعن اسمي ونسبي، فأخبره، فمضى وقعدنا مُتَحَيِّرِين. وإذا برسولٍ قد جاء ومعه رُقْعَةٌ، فسألني فيها المصير إليه ويقول: بي علَّةٌ تمنعُني من القيام، فهممتُ بالقيام، فقال لي مولاي: إلى مَنْ تريد؟ [إلى] رجل ما رآنا أهلًا لردِّ السلام؛ نمشي إليه؟! قلت: نعم. فمشَيتُ إليه، فرحَّب بي، وأخذَ يعتذرُ بمرضه، وسألَني عن سبب مخرجي، فاستَحْيَيتُ أن أذكرَ له حاجتي وقلت: يكون في مجلس آخر. فمدَّ يده إلى الدَّواة، فكتب رُقْعَةً وختمَها، ورمى بها إلى مولاي وقال: اِلْقَ وكيلي بها. فأخَذْنا الرُّقْعَةَ، ودعوتُ له، وقمتُ، فأتينا الدار، وأتينا بما نحتاج إليه، ولم نَحْفِلْ بالرُّقْعَة، وحَقَرْنَاها، ورمى بها مولاي في زاوية البيت، وإذا بوكيله قد غدا علينا وقال:

стр. 5228

ألا تُوصلون إلينا الرُّقْعَة وتقبضون مالكم قبل أن يَفْرَغَ ما عندنا؟ فناوَلْناه الرُّقعة، فإذا فيها مئةُ ألف درهم. قال: وهو يستقلُّها لكم، فلم أُصدِّق وقلتُ: حميرُنا ضعيفة، فأَعْطِنا ثلاثين ألفًا، وندخلُ الكوفة، فنقبض الباقي. فقال: وأين تريدون؟ قلنا: الشام إلى الحِمَّة. فغابَ ورَجَع وقال: يأمركم أبو الهيثم أن تَلْقَوْا وكيلَه بالشام في قرية كذا. وكتبَ لنا ورقةً أخرى، وأخذَ الأولى. فقلتُ: مَنْ هذا الشيخ؟ قال: خالد بن عبد الله القَسْرِيّ الأمير، به علَّةٌ، وهو ها هنا يشربُ اللبن. قال: ودخلنا الكوفة، ثم خَرَجْنا إلى الشام، فقلتُ لمولاي؛ قد حصلَ لنا الذي كنَّا نريد، وهو المهرُ ثلاثون ألفًا، أفلا نمضي إلى الحِمَّة؟ فقال: وما علينا أن نجتمع بوكيله في القرية التي سمَّاها؟ وأتَينا القريةَ، ونزلنا على وكيله، وأعطيناه الرُّقعة، فوقف عليها وقال: إلى أين أحملُ المال؟ فظنَنَّاه سبعين ألفًا تمامَ المئة ألفِ درهم، وإذا به ثلاثُ مئة ألفِ درهم (١)، وطِيبٌ وثيابٌ، وطُرَفٌ وهدايا، وقال: قد أمرني أنْ أحملَها إلى مَأْمَنِكم. فجهَّز معنا قومًا إلى مأمننا، فوَصَلْنا الحِمَّة بخيرٍ كثير. ثم قال: يا ابن عيَّاش، فما جزاءُ ولدِ هذا مني؟ ثم قرأ الرُّقْعةَ، ووقَّع عليها بردِّ ضِياعهم وأموالهم وأشيائهم، وكان شيئًا كَثيرًا. و [كان] ولَّى محمد بنَ خالد المدينة (٢)، ثم نقم عليه بسبب إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن حسن بن حسن، فغضبَ على محمد، واستصفَى أمواله. وحكى القاضي التنوخي عن الأصمعي قال: دخل [رجل] أعرابيٌّ على خالد، فقال: قد قلتُ فيكَ بيتين [من الشعر] قال: قُلْ. فقال: لَزِمْتَ نَعَمْ حتى كأنَّك لم تَكُنْ … سمعتَ من الأشياءِ شيئًا سوى نَعَمْ

стр. 5229

وأنكرتَ لا حتى كأنَّك لم تكن … سمعتَ بها في سالفِ الدَّهْرِ والأُمَمْ فأعطاه عشرين ألفًا (١). [قال:] ودخلَ عليه أعرابيٌّ، فأنشدَه وقال: قد كانَ آدمُ قبلُ حينَ وفاتِهِ … أوصاكَ وَهْوَ يجودُ بالحَوْبَاءِ ببنيهِ أَنْ تَرْعَاهُمُ فَرَعَيتَهُمْ … وكَفَيتَ آدَمَ عَيلَةَ الأبناءِ فقال له: احتكم. فقال: عشرين ألفًا. فأمر له بها، وجلَدَهُ خمسين، وأمر أن يُنادَى عليه: هذا جزاءُ من لا يعرفُ قيمةَ الشِّعْر (٢). وقال خالد (٣) [بن عبد الله]: إنما يحتجبُ الوالي لثلاث خصال: إمَّا لِعِيٍّ فيه، فهو يكرهُ أن يَطَّلعَ عليه الناس فيظهرَ جهلُه، وإمَّا رجلُ سوء، فيكره أن يطَّلع الناس على عورته، وإمَّا بخيل يكرهُ سؤال الناس إيَّاه. [وقال الزُّبير بن بكَّار:] وكانت له جارية [يحبُّها] اشترى لها فَصَّ ياقوت بعشرين ألفًا، فوقع الخاتم من يدها في الخلاء، فقالت له: أحْضِرْ مَنْ يُخرجُه، فقال: لا، أنتِ عندي أعزُّ من أنْ يقعَ في ذلك الموضع (٤) ويعود إلى أصبعك، فاشترى لها فَصًّا بخمسين ألفًا (٥). [حديث خالد مع الفتى السارق: قال الخرائطي بإسناده عن ابن عيَّاش قال: عرض خالد بن عبد الله السجون، فكان في محبسه يزيدُ بن فلان البجليّ. فقال له خالد: على أيّ شيءٍ حُبِستَ؟ قال: في تُهمة. قال: تعود إن أطلقتُك؟ قال: نعم. وكره أن يُصرِّحَ بالقصة أو يُومئَ إليها، فتفتضح

стр. 5230

معشوقتُه لكي لا ينالها أهلُها بمكروه. فأمر خالد بقطع يده، فكتب إليه أخٌ كان ليزيد، فقال: أخالدُ قد أُعطيتَ واللهِ عشوةً … وما العاشقُ المسكينُ فينا بسارقِ أقرَّ بما لم يأتِهِ المرءُ إنَّهُ … رأى القَطْعَ خيرًا من فضيحة عاشقِ (١) ولولا الذي قد خفتُ من قطع كفِّهِ … لألفيتَ في أمر الهوى غيرَ ناطقِ إذا بدت الغاياتُ (٢) في السَّبْقِ للعُلى … فأنتَ ابنَ عبدِ اللهِ أوَّلُ سابقِ فلما قرأ خالد الأبيات؛ فهمَ، فأرسل إلى أولياء الجارية وقال: زَوِّجُوها منه. فقالوا: لا؛ بعد ما ظهر عليه ما ظهر، فلا. فقال: زَوِّجُوها طائعين، وإلا زوَّجتُه وأنتم كارهين (٣). فزوَّجوه، ونقدَ خالد المَهْرَ من عنده. وهذه رواية الخرائطي (٤). وذكرها القاضي التَّنُوخي (٥) أتمَّ من هذا عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عيَّاش قال: كان لِعَمرو (٦) بن دُويرة السحمي أخ (٧) قد كَلِفَ بابنة عمٍّ له كَلَفًا شديدًا، وكان أبوها (٨) يكرهُ ذلك، فشكاه إلى خالد -وهو أمير العراق- فحبسه خالد، ثم سُئل، فأطلقَه، فحملَه الحبُّ على أن تسوَّر عليها الحائط. فقبض عليه أبوها، وأتى به خالدًا، وادَّعى أنه سرقَ، وجاء بجماعة، فشهدوا عليه، فسأل خالدٌ الفتى، فاعترف أنه دخل المنزل ليسرق، ولم يسرق؛ يدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمِّه.

стр. 5231

فأراد خالد قَطْعَ يده، فكتب إليه أخوه بالأبيات، فأحضرَ الجاريةَ، وأمر بتزويجها منه، فامتنع [أبوها] وقال: ليس لها بكُفْؤ. فقال له خالد: وكيف لا يكون لها كُفْؤًا وقد بذلَ يدَه دونَها؟! واللهِ لئن لم تُزوِّجْهُ؛ لأُزوِّجَنَّه وأنت كاره. فزوَّجَه إياها أبوها، وساقَ خالد المَهْرَ من عنده عشرة آلاف درهم. وزاد فيها بيتًا آخر (١) فقال: ومثلُ الذي في قلبه حَلَّ (٢) قلبَها … فكُنْ أنتَ تَجْلُو الهَمَّ (٣) عن قلبِ عاشقِ] وكان خالدٌ يقول: مَنْ أصابَه غُبار موكبي فقد وجبَ حقُّه عليَّ (٤). ذكر قتلِ خالد الجَعْدَ بنَ درهم: وكان يقول بخلق القرآن، ولمَّا أظهر هذه المقالةَ طلبَه بنو أميَّة، فهرب إلى الكوفة، فأقام بها، وبلغَ خالدًا خبرُه، فأرسلَ مَنْ أوثقَه وحبسَه. فلما كان يوم عيد الأضحى؛ أحضرَه إلى تحت المنبر، وخطب وقال: أيُّها الناس، إنَّ الأُضْحية سنَّةُ نبيكم، وهذا الجَعْد يقول: إن الله ما كلَّم موسى تكليمًا، وإنَّما كلَّمَتْه الشجرة، ولا اتخذَ اللهُ إبراهيم خليلًا، فانْصَرِفُوا وضَحُّوا، فإني مُضَحٍّ بالجعد. ثم نزل فذبَحَه. والجَعْدُ أوَّلُ من قال بخلق القرآن. وقيل: إنَّما أخذَ هذه المقالةَ من أبان بن سمعان، وأبان أخَذَها عن طالوت ابن أخت لَبِيد بن الأعصم اليهودي الذي سحرَ رسولَ الله ﷺ ، وكان زِنْدِيقًا (٥). ومن الجَعْد تعلَّم جَهْمُ بنُ صفوان الذي يُنسب إليه الجَهْميَّة، ثم سافر جَهْمُ بنُ صفوان إلى خُراسان، ونزل التِّرمِذ وأظهرها، فقتله سَلْم بنُ أَحْوَز بمَرْو، لأنَّ جَهْمًا كان صاحبَ جيش الحارث بن سُرَيج.

стр. 5232

ثم أخذ هذه المقالةَ عن جَهْم بِشْرٌ المَرِيسيّ، وأخذها عنه أحمد بنُ أبي دُؤاد القاضي. وكان الجَعْد يسكنُ دمشق، وله بها دارٌ ملاصقة كنيسةَ النصارى، وهو الذي يُنسب إليه مروان بنُ محمد الجَعْديّ، لأنه كان يعلِّمُه لمَّا كان صبيًّا بهذه الدار. وقُتل الجَعْد بالكوفة سنة ثلاث ومئة أو اثنتين ومئة (١). ويقال: إنه كان من أهل حرَّان، وكان مولى ابن مروان. وقيل: مولًى لسُوَيد بن غَفَلَة الجُعْفيّ، شهد عليه ميمون بن مِهْران [وغيره] بأنه زنديق، فبعث به هشام إلى خالد القَسْريّ، وأمرَه بقتله، فحبسه زمانًا، فرفعت امرأتُه قصة بسببه، فقال هشام: أحيٌّ هو؟! قال: نعم. فكتب إلى خالد يلومُه ويعزمُ عليه أن يقتلَه، فضحَّى به. وقيل: صلبه (٢). وقيل: كان ذلك بواسط، وقيل: بمكة، وقيل: بالكوفة. وسأل رجل خالدًا حاجة، فاعتلَّ عليه، فقال الرجل: واللهِ لقد سألتُك من غير حاجة. قال: وما دعاك إلى ذلك؟! قال: رأيتُك تحبُّ من لك عنده حسنُ بلاء، فأردتُ أن أتعلَّق منك بحبل مودَّة. فوصلَه وحباه (٣). ذكر ما نُقل عنه من الهَنَات: [قال الهيثم:] كانت أمُّه نصرانيَّة [سوداء قبيحة المنظر، وهو يعدُّ من أبناء النصرانيات].

стр. 5233

ولم يأمرها بالإسلام (١)، وبنى لها بالكوفة بِيعةً، وساقَ إليها الأقساء، وأقام الناقوس يُضرب قبل أذان المسلمين عند صلاتها، فتكلَّم الناس في هذا، وأنكروا عليه، وبلغه فقال: كان دينهم خير من دينها (٢). وقال الهيثم: وكانت [أمُّه] قَلْفاءَ سوداءَ قبيحة المنظر، فعُيِّرَ بها، فكان يقال: ابن القَلْفَاء (٣)، فختَنَها على كبر سنِّها (٤). فقال ابن أعشى هَمْدَان: لعمرُك ما أدري وإني لسائلٌ … أقلفاءُ أمْ مختونةٌ أمُّ خالدِ فإنْ كانتِ المُوسَى جَرَتْ فوقَ بَظْرِها … فما خُتِنَتْ إلا بمَرِّ الحدائدِ (٥) [وقال الفضل بن دُكين:] بنى [خالد] بجامع الكوفة فَوَّارة للماء، ثم دعا بقَسِّ من قُسُوس النصارى وقال له: ادْعُ لها بالبركة، فإن دعاءك أرجى من دعاء أبي تُراب. يعني أمير المؤمنين علي ﵇، وكان ينالُ منه أعظم منال (٦). [قال الهيثم:] وكان خالد بخيلًا على الطعام، فكان إذا أراد رجلٌ تضييع حقِّ أحدٍ؛ أدخله سِماط خالد ويقول له: كُلْ وأكثِرْ، فإذا أكلَ وأكثرَ أبطل [خالد] حقَّه. [وحكى أبو القاسم ابنُ عساكر عن يحيى بن معين قال (٧): كان خالد رجل سوء، وكان يقع في عليّ بن أبي طالب، ويذكره بما لا يحلُّ ذِكْرُه.

стр. 5234

قال:] وهو القائل في زمزم: لا تُنزح ولا تُذمّ. بلى والله تُنزح وتُذمّ، ولكن أميرَ المؤمنين الوليد بن عبد الملك قد ساقَ إليكم قناةً بمكة لا تُنزح ولا تُذمّ، ولا تُشبه أمَّ الخنافس. يعني زمزم (١). [وحكى عن أبي عاصم النبيل قال:] لما أخذ خالد سعيد بنَ جُبير وطَلْقَ بنَ حبيب، وبعث بهما إلى الحجَّاج؛ أنكر الناسُ عليه، فخطب فقال: أنكرتُم عليَّ ما فعلتُ، واللهِ لو أمرَنى أميرُ المؤمنين -وأشار إلى الكعبة- أن أنقضَها حجرًا حجرًا لفعلتُ (٢). [وحكى ابن عساكر أيضًا عن شبيب بن شبَّة قال: وليَ خالد العراق من قبل هشام بن عبد الملك في سنة سبع عشرة ومئة، وكان سبب عزله] أن امرأةً وقفت له فقالت (٣): تغلَّب عليَّ غلامُك النصرانيّ [أو المجوسي] وأكرهني على الفجور، فقال لها [خالد]: فكيف وجدتِ قُلْفَتَه؟ فكتب حسان النَّبَطيّ إلى هشام بذلك -وكان واجدًا عليه- فعزلَه وولَّى يوسف بنَ عمر (٤). [وذكر أبو الفرج الأصبهاني أن] منشأ خالد (٥) بالمدينة، وكان يتبع المخانيث، ويصحب المُغنِّين، ويمشي بين عُمر بن أبي ربيعة وبين النساء بالرسائل (٦) وكان يقال له: الخِرِّيت [أي: الدليل] وكلُّ ما ذكر عُمر في شعره: فأرسلتُ الخِرِّيتَ، فإنَّما يريد خالدًا، لأنه كان حاذقًا في الجمع بين عُمر والنساء. وكان خالد أجبن الناس وأذلَّهم، وأقساهم قلبًا.

стр. 5235

ذكر هلاكه: ولمَّا وليَ خالدٌ مكةَ للوليد بن عبد الملك؛ ضربَ حُبابة جاريةَ ابنِ سُهيل، وكانت قَينةً، وتسمَّى العالية، فلمَّا صارت إلى يزيد بن عبد الملك؛ خاف خالدٌ منها، وكانت تُراعي عُمر بن هُبيرة، ويسمِّيها بنتي (١). فدخلَ خالد على عُمر، وسألَه أن يترضَّاها، فأهدى لها ابنُ هُبيرة هدايا، وسألها أن ترضى عن خالد، فرضيت عنه، وقالت لابن هُبيرة: قد وهبتُه لك. فلم يشكر خالد ذلك. وكان ابنُ هُبيرة عاملًا ليزيد بن عبد الملك على العراق، فعزلَه هشام لما وَلِيَ، وولَّى خالدًا على العراق (٢). وقال إياس بن معاوية: كنتُ جالسًا عند ابن هُبيرة في يوم جمعة وقد أذَّن المؤذِّنُ بواسط؛ إذا بغلام يعدو، فقال: إن قومًا قدموا على البريد، وإذا به خالد، فدخلَ المسجد، فصلَّى بالناس، وحبسَ ابنَ هُبيرة، وضيَّق عليه، فقال الفرزدق: لَعَمْري لئن نابَتْ فَزَارةَ نَوْبَةٌ … لَمِنْ حَدَثِ الأيام تسجُنُها قَسْرُ لقد حَبَسَ القَسْريُّ في سجنِ واسطٍ … فتىً شَيْظَمِيًّا لا يُنَهْنِهُهُ الزَّجْرُ فتًى لم تُوَرِّكْهُ الإماءُ ولم يَكُنْ … غداءً له لحمُ الخنازيرِ والخمرُ يعرِّضُ بخالد؛ لأن أمَّه كانت نصرانيَّة. فقال ابنُ هُبيرة: ما رأيتُ أكرمَ من الفرزدق، هجاني أميرًا، ومدحنى أسيرًا (٣). وكان الفرزدق قد هجا عُمرَ بنَ هُبيرة في أيام يزيد بن الوليد، فقال: أميرَ المؤمنين وأنتَ عَفٌّ … كريمٌ ليس بالطَّبِعِ الحريصِ أَأَطْعَمْتَ العراقَ ورَافِدَيهِ … فَزاريًّا أحَذَّ يدِ القميصِ

стр. 5236

ولم يكُ قبلَها راعي مخاضٍ … ليأمَنَهُ على وَرِكَي قَلُوصِ تَفَهَّقَ بالعراق أبو المثنَّى … وعَلَّمَ قومَهُ أَكْلَ الخَبِيصِ وأرادَ بالرَّافدَين الفراتَ ودِجْلَة (١). ثم عذَّب خالدٌ ابنَ هُبيرة، وهرب منه إلى الشام، واستجارَ بمسلمة بنِ عبد الله، فأجارَه، ورضيَ عنه هشام. فلما وفد خالد على هشام أمر الناسَ بتلقِّيه، فخرج معهم عُمر بنُ هُبيرة، فلما رآه خالد قال له: أبَقْتَ إباقَ العبد. فقال له ابنُ هُبيرة: لمَّا نِمْتَ نَوْمَ الأَمَة (٢). ثم مات هشام، ووَلِيَ الوليدُ بنُ يزيد، وكان يوسف بن عمر باليمن، فكتب إليه الوليد بولاية العراق وتعذيبِ خالد، فأخذَ خالدًا فعذَّبه. وقال الهيثم: ولمَّا ولَّى الوليدُ يوسفَ بن عمر العراق، دفع يوسفُ بنُ عمر في خالدِ وأصحابه خمسين ألفَ ألفِ درهم، فقال الوليد: أبلغوا خالدًا ذلك. فقال خالد: متى عهد (٣) العرب تبيعُ الأحرار؟! ثم أقام (٤) يوسفُ بنُ عمر خالدًا في عَباءة، وضربه ضربًا مُبَرِّحًا، ووضعَ الحْشبَ على ساقيه وقدميه، وأقام عليه الرِّجال، فكسَرُوا أعضاءه عضوًا عضوًا، ولم ينطق [خالد] بحرف حتى مات، وذلك بالحِيرَة، فلفُّوه في عَباءة، وألْقَوْه في حفرة، واستخرجَ يوسفُ منه ومن أصحابه تسعين ألفَ ألفِ درهم (٥).

стр. 5237

وقال البخاريّ: كان خالد بواسط، ثم قُتل بالكوفة قريبًا من سنة ستٍّ وعشرين ومئة (١)، وروى خالد عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ (٢). [وقد ذكرنا أنه لم تكن لجدّه صحبة (٣). وروى عن خالدٍ حُميدٌ (٤) الطويل وغيره]. وكانت وفاته في محرَّم. وقال الهيثم: عقرَ عامرُ بنُ سهلة على قبره فرسه، فضربه يوسف بن عمر سبع مئة سوط (٥). وحكى أبو القاسم ابن عساكر، عن أبي عبيدة قال: لما هلك خالد لم يرثِهِ أحد من العرب مع كثرة أياديه عندهم إلا أبو الشَّغْب العَبْسيّ (٦)، قال: ألا إنَّ خيرَ الناسِ حيًّا وهالكًا (٧) … أسيرُ ثقيفٍ عندهُمْ في السلاسلِ لَعَمْرِي لَقَدْ أعْمَرْتُمُ السِّجْنَ خالدً … وأوْطَأْتُموه وَطْأَةَ المُتَثَاقِلِ فإنْ تَسْجُنُوا القَسْرِيَّ لا تَسْجُنُوا اسْمَهُ … ولا تَسْجُنُوا مَعْرُوفَهُ في القَبائلِ (٨) ذكر أولاد خالد: كان له عِدَّةُ أولاد، والمشهور منهم يزيد ومحمد [ابنا خالد]. فأمَّا يزيد فحبسه الوليد بن يزيد، فلما قُتل الوليد خَلَصَ من الحبس، وكان مع يزيد بن الوليد، فلما مات [يزيد بن الوليد] ودخل مروان بنُ محمد الشام؛ اختفى يزيد بن خالد بدمشق، فلما وثب أهلُ دمشق بزامل بن عَمرو عامل مروان بن محمد؛ وَلَّوْا

стр. 5238

عليهم يزيدَ بنَ خالد، فبعث مروانُ جيشًا من حمص إلى دمشق، فاستولى عليها، واختفى يزيد عند رجل من أهل المِزَّة، فدُلَّ عليه فقتلوه (١). واختلفوا في كيفية قتله، فقال خليفة: قتله رجل من بني صعصعة يقال له: نُمير بن فلان (٢). في سنة سبع وعشرين ومئة. وروى أبو القاسم ابنُ عساكر عن إسحاق بن مسلم العُقيلي أن مروان (٣) بن محمد كان جالسًا يأكل الطعام، فقيل له. يزيد بن خالد بالباب. فقال: يدخل. فدخل (٤) بين أربعة قد أمسكوه، فاستدناه مروان حتى مسَّتْ ركبتاه ركبتَيه، فأدخلَ مروان يدَيْه في عينيه، فقلَعهما، ثم مسح [مروان] يديه، وعاد إلى أكل الطعام، ثم صلبه [مروان] بعد ذلك (٥). وكان ليزيد بن خالد ولد اسمُه خالدُ (٦) بن يزيد، كنيتُه أبو الهيثم. حدَّث عن [عبد العزيز بن] عمر بن عبد العزيز، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عون (٧)، وغيرهم. وروى عنه الوليد بنُ مسلم وغيرُه، إلا أن أبا أحمد بنَ عديّ قال لا يُتابَع على حديثه.

стр. 5239

وأما محمد بنُ خالد [القسريّ] فولَّاه أبو جعفر المدينة واتَّهمه ببني عبد الله بن حسن (١) [وسنذكره إن شاء الله تعالى]. دَرَّاج بنُ سَمْعان واسمُه عبدُ الرحمن (٢)، وكنيتُه أبو السَّمْح، بصريّ، مولى عبد الله بن عَمرو بن العاص. أدرك مولاه، وحدَّث عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، والسائب مولى أمِّ سَلَمة، في آخرين. وحدَّث عنه الليثُ بنُ سعد، وغيرُه. وقال ابنُ معين: درَّاج ثقة صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد بنُ عديّ: ومما ننكره من أحاديث: "أصدقُ الرؤيا بالأسحار" و"الشتاء ربيع المؤمن". و"الشِّياع حرام". وهو صوت الزُّمَّارة (٣). عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وكنيته أبو محمد، فقيهٌ ابن فقيه، زاهدٌ ابن زاهد، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمُّهُ قريبة -وقيل: أسماء- بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق (٤). [قال سفيان بن عيينة:] كان أفضل أهل زمانه، زُهْدًا ووَرَعًا، وعلمًا (٥).

стр. 5240

خرج إلى الشام (١) متظلِّمًا من خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ويقال له: ابن مُطَيرة، وكان قد آذى عبدَ الرحمن، فكتب خالد إلى هشام [بن عبد الملك] بأن عبد الرحمن قد توجَّه إلى العراق. وكثَّر عليه، فلم يشعر هشام إلا وعبد الرحمن على بابه، فأذِنَ له، فدخلَ، فرحَّب به وأدناه وقال: ما الذي أقدمك؟ فشكا إليه خالدًا، فغضب [هشام] وقال: واللهِ لا يلي [لي] عملًا أبدًا. وعزلَه. [وقال الزُّبير بن بكَّار:] وُلد عبدُ الرحمن في حياة عائشة ﵂. واختلفوا في وفاته، فروى ابنُ سعد عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد قال: كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك لما استخلف بعث إلى أبي الزِّناد (٢)، وإلى عبد الرحمن بن القاسم، ومحمد بن المنكدر، وربيعة، فقدموا الشام، فمرض عبد الرحمن بن القاسم، ومات بالفَدَّينِ (٣) من أرض الشام، فشهدوه. ولم يذكر ابن سعد السبب الذي أقدمهم لأجله، ولا ذكر السنة التي مات فيها. فأما السبب؛ فإن الوليد أرسل إليهم يسألهم عن الطلاق قبل النكاح. وأمَّا السنة؛ فقال خليفة: في سنة ستٍّ وعشرين ومئة. وقال الهيثم: وافق الفَدَّينَ من أعمال دمشق والوليد به، فمات عبد الرحمن (٤). وقيل: مات في أيام مروان بن محمد [هو وابنُ أبي نَجِيح (٥). قال ابن سعد:] وكان عبد الرحمن [ورعًا] ثقة كثير الحديث (٦).

стр. 5241

فولَدَ عبدُ الرحمن إسماعيلَ، وأسماء، وأمُّهما حبابة (١) بنت عبد الرحمن بن عبد الله، أنصارية. وعبدَ الله؛ وليَ القضاء بالمدينة للحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في خلافة المنصور، وأمُّه عاتكة بنت صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (٢). وكان نقش خاتم عبد الرحمن بن القاسم اسمه واسم أبيه (٣). عمرو بنُ دينار مولى باذان، من الأبناء، وهو من الطبقة الثالثة، من أهل مكة (٤). وكان إمامَ أهل مكة، وكان يحدِّثُ بالمعاني، ويمنعُ الناسَ أن يكتبوا ويقول: عليكم بالحفظ (٥). وسأله رجل عن شيء فلم يجبه، فقال له الرجل: إنَّ في نفسي منها شيئًا فأجبني، فقال عمرو: والله لأَنْ يكونَ في نفسك منها مثل أبي قُبيس أحبُّ إليَّ من أن يكون في نفسي منها مثل الشَّعيرة (٦). وكان ثقةً ثبتًا كثيرَ الحديث، لا يغيِّر شيبَه، مات في سنة ستٍّ وعشرين ومئة. الكُمَيْت بن زيد (٧) ابن خُنَيْس (٨) بن مجالد بن وُهيب (٩) بن عَمرو بن سُبَيْع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دُودان بن أسد بن خُزيمة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان (١٠)،

стр. 5242

أبو المُسْتَهِلّ الأسديُّ الشاعر، أوحدُ الشعراء، وصدرُ الفضلاء، أثنى عليه الأئمَّة، واعترفوا له بالفضل. [ورُوي أن الكُميت] وُلد في سنة إحدى ستين، وقيل: في سنة ستين. ولم يجتمع في شاعر ما اجتمعَ فيه، كان حافظًا للقرآن، خطيبًا كاتبًا، حسنَ الخطّ، نسَّابة، راميًا بالنَّبْل مصيبًا، شجاعًا ديِّنًا، سخيًّا فقيهًا، للشيعة جَدِلًا، محبًّا لأهل البيت. وهو أوَّلُ من ناظرَ في التشيُّع (١). ولو لم يكن لبني أسد منقبة وجارٌ إلا الكُميت كفاهم، ولولاه ما عرف الناس قبائل نزار من غيرها (٢). ولولا شعرُه لم يكن للغةٍ تُرْجُمان، ولا لبيانٍ لسان (٣). وكان في زمن بني أميَّة، ولم يدرك الدولة العبَّاسية، وامتدحَ هشامَ بنَ عبد الملك، فأعطاه مئة ألف درهم (٤). وكان للكُميت عمٌّ، فأدخله ماءً لهم وقال: واللهِ لا أخرجتُك حتى تقول الشعر. فما رام من الماء حتى قال قصيدتَه المشهورة، وهي أولُ شعره: طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ … ولا لَعِبًا منّي وذو الشَّيبِ يلعبُ! ولم تُلْهِنِي دارٌ ولا رَسْمُ منزلٍ … ولم يَتَطَرَّبْني بَنانٌ مُخَضَّبُ ولا أنا ممَّن يَزْجُرُ الطيرَ همُّهُ … أَصاحَ غرابٌ أم تَعرَّضَ ثعلبُ ولا السانحاتُ البارحاتُ عشيَّةً … أَمَرَّ سَلِيمُ القَرْنِ أمْ مَرَّ أَعْضَبُ ولكنْ إلى أَهْلِ الفضائلِ والنُّهَى … وخيرِ بني حوَّاءَ والخيرُ يُطْلَبُ

стр. 5243

إلى النَّفَر البِيضِ الذين بِحُبِّهِمْ … إلى اللهِ فيما نَابَني أتَقَرَّبُ بني هاشمِ رَهْطِ النبيِّ فإنَّني … لَهُمْ وبِهِمْ أرْضى مِرارًا وأغْضَبُ ألَمْ تَرَني مِنْ حبِّ آلِ محمَّدٍ … أرُوحُ وأغْدُو خائفًا أَتَرقَّبُ خَفَضْتُ لهم منّي جَنَاحِي مَوَدَّةً … إلى كَنَفٍ عِطْفاهُ أَهْلٌ ومَرْحَبُ فما ليَ إلا آلَ أحمدَ شِيعةٌ … وما ليَ إلا مَشْعَبَ الحقِّ مَشْعَبُ (١) وجدنا لكم في آلِ حاميمَ آيةً … تَأَوَّلَها منَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ فطائفةٌ قد أكْفَرُوني بحبِّكُمْ … وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومُذْنِبُ من أبيات، وهي مئةٌ وخمسةٌ وأربعون بيتًا (٢). والسانح: الذي يجيءُ عن يسارك إلى يمينك من الطير والظِّباء، والبارحُ بخلافه، والأعْضبُ: المكسور القَرْن. وقوله: وطائفةٌ قد أكفروني بحبِّكم: وهم الحَرُوريَّة، والطائفة الأخرى: المُرْجِئة. فلما قالها قال عمُّه لقومه: يَهنِيكم نعمتان (٣) فيكم شاعرٌ، وطاهر المولد. يعني أنه مُحبٌّ لأهل البيت (٤). وأتى الكميتُ عليَّ بنَ الحُسين زينَ العابدين (٥) ﵁، فقال له: يا ابنَ رسولِ الله، قد قلتُ فيكم شعرًا، فإنْ كتمتُه خشيتُ الله، وإن أظهرتُه خِفْتُ على نفسي، فاجمعْ مواليَك وأهلَ بيتك وخاصَّتَك. فجمعهم عليّ وقال: هاتِ. فقام قائمًا، وأنشده هذه القصيدة. فقال له عليَّ بن الحسين ﵄: إنْ عَجَزْنا عن مكافأتك فلن يعجز الله ورسوله. وقد جعلتُ (٦) لك عليَّ وعلى أهل بيتي أربعَ مئةِ ألفِ درهم، فاستعنْ بها. فقال: معاذَ الله أنْ آخذَ على مدحكم ثمنًا ولو أنه الدنيا إلا ممَّن أردتُ وجهَه والوسيلةَ إليه وعنده.

стр. 5244

فقال عليٌّ ﵁: لا بدَّ. فقال: ثوبُك الذي على جسدك؛ أجعلُهُ لي كَفَنًا يومَ لقائه. فأعطاه جميعَ ما كان عليه (١). وحكى أبو القاسم ابن عساكر أن الكُميت رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له: أنشِدْني: طربتُ وما شوقًا إلى البِيضِ أطرَبُ. . . فأنشده، فدعا له ولقومه بالبركة، فكانت محالُّهم ومنازلُهم مباركة، ما دخلَها أحدٌ إلا وجدَ أثر البركة في بني أسد (٢). وحكى ابن عساكر أيضًا عن ثور بن يزيد الشامي قال: رأيتُ الكُميت في منامي بعد موته، فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غفرَ لي، ونصبَ لي كُرسيًّا، وأجلَسَني عليه وقال لي: أنشِدْ: طربتُ وما شوقًا إلى البِيض أَطربُ (٣) وحكى ابنُ عساكر أيضًا عن أبي عبد الله المفجّع أنه قال: رأيتُ عليًّا ﵇ في المنام فقلت: أشتهي أن أَقولَ الشِّعر فيكم أهلَ البيت. فقال: عليك بالكُميت، فاقتفِ أثرَه، فإنه إمامُ شعرائنا أهلَ البيت وقائدُهم، وبيده لواؤُهم. [قال أبو عبد الله:] فهذا كان سبب قولي الشعر في أهل البيت (٤). [وقال ابنُ عائشة: والكُميت هو القائل في يوم الغدير: نَفَى عن عينك الأَرَقُ الهُجُوعا … وهَمٌّ يمتري منها الدُّمُوعا لدى الرحمنِ يشفعُ في المثاني … وكان له أبو حَسَنٍ شفيعا (٥) ولومَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَدِيرِ خُمٍّ … أبانَ له الولايةَ لو أُطِيعا ولكنَّ الرِّجال تدافعوها (٦) … فلم أرَ مثلَها خطرًا مَنِيعا (٧)

стр. 5245

قال الكُميت: رأيتُ أميرَ المؤمنين في المنام، فقال: أنشِدْني هذه الأبيات، فأنشدتُه إيَّاها، فقال لي: اسمع يا أبا المُسْتَهِلّ وقال علي ﵇: فلم أرَ مثل ذاكَ اليومِ يَوْمًا … ولم أرَ مثلَه حَقًّا أُضِيعَا قال الكُميت: فانتبهتُ مذعورًا] (١) [قال ابن عائشة:] وللكُميت في مدح رسول الله ﷺ الأبياث المشهورة التي أوَّلها: أنَّى ومن أينَ هاجَك (٢) الطَّرَبُ … من حيثُ لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ ما ليَ في الدارِ بعد ساكنها … ولَوْ تَذَكَّرْت أَهْلَها أَرَبُ لا الدَّارُ رَدَّتْ جوابَ سائِلِها … ولا بَكَتْ أهلَها إذا اغْتَرَبُوا ومنها: إلى السِّراجِ المُنيرِ أحمدَ لا … تَعْدِلُني رَغْبَةٌ ولا رَهَبُ عنه إلى غيرهِ ولَوْ رفَعَ الـ … نَّاسُ إليَّ العيونَ وارْتَقَبُوا مِنْ (٣) بينِ حوَّاءَ إنْ نُسِبَتْ إلى … آمنةَ طال بينَك (٤) الهَدَبُ قَرنًا فَقَرْنًا تَنَاسَخُوك لك الـ … ـفِضَّةُ منها بيضاءُ والذَّهَبُ حتى علا بيتُك المهذَّبُ [من … خِنْدِفَ] علياءَ تحتَها النُّخَبُ (٥) يا صاحبَ الحَوْضِ يومَ لا شِرْبَ (٦) للـ … ـوَاردِ إلا ما كان يَضْطَرِبُ نَفْسِي فَدَتْ أعظُمًا تَضَمَّنَها … قبرُكَ فيه العفافُ والحَسَبُ وهي مئة ونيّفٌ وثلاثون بيتًا (٧). [والكُميت من شعراء الحماسة، وقد ذكرناه في ترجمة مسلمة بن عبد الملك؛ رثاه بأبيات (٨).

стр. 5246

وحكى ابن عائشة قال:] وكان الكميت يمدحُ بني هاشم ويذمُّ بني أميَّة، فطلبه هشام، فدخل البراري، فأقام مدَّة سنين، ثم طال عليه، فخرجَ إلى برِّيَّة الشام، وكان مسلمةُ بنُ عبد الملك قد خرج مُتصيِّدًا، فصادفَ الكميتَ، فسلَّم على مَسْلَمة، وقيل: أما بعد حمد الله: يا مَسْلَمَ بنَ أبي الوَليـ … ـدِ لميِّتٍ إنْ شئتَ ناشِرْ عَلِقَتْ حِبالي من حِبا … لِكَ ذِمَّةَ الجارِ المُجاورْ فقال مَسْلَمةُ: مَن هذا الذي بدأَنا بالسلام، ثم ثنَّى بحمد الله -أو بقوله: أمَّا بعد- ثم بالشعر؟! فقيل له: الكُميت. فأعجَبَه ما سمعَ من فَصاحته وبلاغَته، وسألَه عن غَيبَته، فقال: الخوفُ والجوع. قأجاره. وكان لمسلمة عند هشام كلَّ يوم حاجة مقضيَّة، فأدخلَه على هشام وهو لا يعرفُه، فقال [الكُمَيْت]: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، الحمد لله. فقال هشام: نعم، الحمدُ لله. فقال الكميت: مبتدئ الحمدِ ومبتدعِه (١)، الذي خصَّ بالحمد (٢) نفسَه، وأيَّد به (٣) ملائكتَه، وجعلَه فاتحةَ كتابه، ومنتهى شكره، وكلامَ أهلِ جنَّته، أحمدُه حَمْدَ مَنْ علمَ يقينًا، وأبصرَ مستبينًا (٤)، وأشهدُ له بما شَهِدَ لنفسه قائمًا بالقسط، لا إله إلا هو (٥) وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه العربيّ، ونبيُّه الأمِّيُّ. وهذا مقامُ العائذ (٦) بك يا أمير المؤمنين، فكم من عاثرٍ أقَلْتَه عَثْرَتَه، ومجرمٍ غفرتَ له زلَّتَه، فقال هشام: مَن أنت؟ فقال مَسْلمة: الكُمَيت، وقد أَجَرْتُه. فقال له هشام: ويحك! مَنْ سَنَّ لك سبيل الغَواية؟ فقال: الذي أخرج أبي من الجنة فنسيَ ولم يجد له عزمًا (٧)، وأميرُ المؤمنين كريحِ رحمةٍ أثارَت سحابًا متفرِّقًا، فلفقَتْ (٨)

стр. 5247

بعضَه إلى بعض، فتلألأَتْ بَوارقُه، ثم هطلَ (١) على الأرض، فعاشَتْ بعد الجَدْب. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت: ٣٩] فرضيَ عنه هشام ووصلَه (٢). وقال معاذ الهَرَّاء (٣): أشعرُ الأوَّلين والآخِرين الكُمَيت. وشعرهُ خمسةُ آلاف بيت وتسعة وثمانون بيتًا. وقيل: خمسة آلاف ومئتا بيت وتسعة وثمانون بيتًا (٤). وكانت وفاته في سنة ستٍّ وعشرين ومئة، وقيل: سنة سبع وعشرين ومئة. وابنُه المُسْتَهِلّ شاعرٌ، وفدَ على هشام، وحبسَه عبدُ الله بنُ علي بن عبد الله بن عباس فقال: إذا نحن خِفْنا في زمان (٥) عدوِّكُمْ … وخِفْنَاكُمُ إنَّ البلاءَ لَرَاكدُ (٦) [وفيها قُتل] الوليد بن يزيد بن عبد الملك ابن مروان، ذكره ابن سُميع في الطبقة الرابعة (٧) من أهل الشام (٨)، وكنيتُه أبو العبَّاس.

стр. 5248

ولد سنة تسعين بدمشق، وقيل. سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة سبع وثمانين. وكان يزيد عَقَدَ له العهد بعد [أخيه] هشام وكان ابنَ إحدى عشرة سنة، فلما بلغَ أرادَ أن يقدِّمه على [أخيه] هشام؛ فتوفّي يزيد وابنه الوليد ابنُ خمسَ عشرةَ سنة، ولم يزل هشام معظّمًا للوليد حتى ظهرَ منه ما ظهر من شُرب الخمر، واتِّخاذ القِيان، وغير ذلك. [فحكى الطبري عن جُويرية بن أسماء أن الوليد (١) لمَّا ظهر منه ما ظهر] أراد هشام أن يقطع عنه الندماء، فولَّاه الحج سنة عشر ومئة (٢)، فحمل معه كلابًا وخمرًا في الصناديق، وحمل معه [في الصناديق] قُبَّة على قَدْر الكعبة، وأراد أن يَنصبَها على الكعبة ويجلس فيها، فخوَّفَه أصحابُه وقالوا: لا نأمنُ عليك الناسَ وعلينا معك. فتركها. وظهر منه استخفافٌ بالدِّين وتهاونٌ، وبلغَ ذلك هشامًا، فعزم على خلعه، وأن يعهد إلى ابنِه مَسْلَمة بن هشام، فأرادَه على أن يخلَع نفسه، فأبى، فأراده أن يجعلَ ابنه مسلمة بعدَه، فأبى، فتنكَّر له هشام وأضرَّ به، وعملَ في السّرِّ في خلعه وتولية ابنه [مَسْلَمة، ووافقَه على ذلك جماعة، منهم محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي] (٣). وتمادى الوليد في شُرب الخمر والاستهتار واللعب، فقال له هشام: ويحك (٤) يا وليد، واللهِ ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا، لا تدع (٥) شيئًا من المنكر إلا تأتيه غير متحاشٍ ولا مستتر.

стр. 5249

فلم يُجبه الوليد، وقام من عنده، وكتب إليه: يا أيها السائل عن ديننا … [دينى على دين أبي شاكرِ] [وذكر البيت الثاني (١). فغضب هشام وقال: أرشِّحُك للخلافة، ويعيِّرني بك الوليد! فالزم الجماعة والأدب. وولَّاه الموسم سنة تسع عشرة ومئة، فحجَّ وأظهر التنسُّك، وفرَّق في الحرمين أموالًا كثيرة، فقال بعض أهل المدينة، أو بعض مواليهم: يا أيها السائلُ عن ديننا … نحن على دين أبي شاكرِ وقد ذكرنا البيت الثاني] (٢). وأقامَ الوليد بالبرِّيَّة حتى مات هشام ووليَ الخلافةَ، وأوقعَ بأولاد هشام وحاشيته، واستصفى أموالهم إلا [ما كان من] مسلمة بن هشام، فإنه لم يعرض (٣) له؛ لأنه كان يكلِّم أباه في الرِّفق به. وقال الوليد [هذه الأبيات]: ليتَ هشامًا عاشَ حتى يَرَى … مِكْيَالهُ (٤) الأوْفَرَ قد أُتْرِعا كِلْناهُ بالصَّاعِ الذي كالهُ … وما ظَلَمْناهُ بهِ إصبَعا

стр. 5250

وما أتَينا ذاكَ عن بِدْعةٍ … أَحَلَّهُ القرآنُ لي أجْمَعَا (١) ولما دخلت سنة ستٍّ وعشرين ومئة زادَ فسادُ الوليد على الحدّ. [فروى هشام بن الكلبيّ عن أبيه قال:] كان [فاسقًا] سيِّئ الاعتقاد، مستهترًا بأمور الدين، مجتهدًا في هدم قواعد الإسلام، لم يُبقِ قبيحًا إلا ارتكبَه. ومن شعره: تلاعبَ بالبريَّةِ (٢) هاشميٌّ … بلا وَحْيٍ أتاهُ ولا كتابِ فقُلْ للهِ يمنعُني طعامي … وقُل للهِ يمنعُني شرابي يُذكِّرُني الحسابَ ولستُ أدري … أحقًّا ما يقولُ من الحسابِ (٣) وكان يأمرُ المُغَنِّين يغنون بهذا. [قال الواقدي:] وابتلاه الله بثلاثة وثلاثين علَّةً، أيسرُها أنه كان يبولُ من سُرَّته، ثم قُتل القِتْلَةَ الشَّنيعة. [قال المبرِّد:] وكان ألحد في شعره، فلم يلبث إلا أيامًا حتى قُتل (٤). وذكر أبو القاسم الحافظ في "تاريخه" عن صالح بن سليمان (٥) قال: حجَّ الوليد بن يزيد، فأراد أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فهمَّ قومٌ أن يقتلوه، وجاؤوا إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ -وكان على مكة- وقالوا: كن معنا، فأبى، وأخبر الوليدَ وقال له: لا تَخْرُجْ، فإنهم قاتلوك، فقال: أخبرني مَنْ هم؟ قال: عاهدتُهم ألا أُخبرَك بهم. فلما وليَ (٦) الوليد، سلَّم خالدًا إلى يوسف بن عمر (٧)، فعذَّبه حتى قتلَه.

стр. 5251

[حديث القبَّة التي صنعها الوليد لينصبها على الكعبة: قد ذكر الطبريُّ وغيره طرفًا من حديثها، وأنه أراد أن ينصبها على ظهر الكعبة في سنة عشر ومئة لما حجَّ. وذكر الواقديُّ أنه صنع قبَّةً أخرى لمَّا وليَ الخلافة. فحكى الواقدي عن أبي الزِّناد قال: كان الوليد بن يزيد قد اتخذ قُبَّةً من ساج ليجعلها مقابل الكعبة]. وذكر جدَّي في "المنتظم" فقال بإسناده عن أصبغ بن الفرج، سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة يُحدِّث (١) أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، صنع قُبَّةً ليجعلَها مقابل الكعبة، ويطوفَ هو ومن يريدُ فيها، ويطوفَ الناسُ من ورائها، وكان قصدُه خبيثًا، وربَّما شرب الخمر فيها. وبعث بها من الشام على الإبل، وأرسل معها قائدًا في ألف فارس، وبعث معه مالًا وثيابًا يفرَّق في أهل الحرمين. فقدِمَ القائد المدينة، ونصبَ القُبَّة في مصلى المدينة، فأفزعَ أهلُ المدينة ذلك، وجاؤوا إلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْري -وكان قاضيًا على المدينة- فأخبروه، فغضب وقال: أحْرِقُوها. فقالوا: معها ألفُ فارس. فدعا بدِرْعِهِ الذي شهد فيه جدُّه عبد الرحمن بنُ عوف ﵁ بَدْرًا، فلبسَه، وركب فرسه، فما تخلَّف عنه قرشيٌّ ولا أنصاريٌّ وبيده شُعلةٌ من نار، فجاء إلى القُبَّة، فأحرقَها، وانهزمَ القائدُ إلى الشام، وشبع [عبيد] أهل المدينة من النَّاطف (٢) ممَّا أخذوا من حديدها. وبلغ الوليدَ، فكتبَ إلى سعد بن إبراهيم: ولِّ القضاءَ مَنْ شئتَ، واقْدَمْ علينا. فقدم الشام، فأقامَ بباب الوليد شهرًا لا يصلُ إليه حتى نَفَدَتْ نفقتُه. فبينا هو ذات عشيَّة في المسجد؛ إذا بفتًى في مُلاءة صفراء سكران، فقال: من هذا؟ قالوا: خالُ الوليد بن يزيد. فقام سعد وأخذ السَّوطَ، فضربَ به الأرضَ، وحدَّه حدَّ الخمر، وركب راحلته، وكرَّ راجعًا إلى المدينة.

стр. 5252

ودخل الفتى على الوليد وهو مجهود فقال: من فعل به هذا؟ قالوا: سعد. فقال الوليد: عليَّ به. فلحقوه، فردُّوه من مرحلة. فلما دخل على الوليد قال له: يا أبا إسحاق، لِمَ فعلتَ هذا بابن أخيك؟ فقال: إنك ولَّيتَني أمرًا فرأيتُ منكرًا يجبُ فيه إقامةُ الحدّ [فأنكرتُه] فأقمتُه، وجدتُه سكرانًا في المسجد، وفيه الوفود ووجوهُ الناس، فخفتُ أن ينصرف عنك الناس بتعطيلك (١) حدود الله. فقال: جزاك الله خيرًا. وأمرَ له بمال، ولم يذكر له حديثَ القُبَّة (٢). وقال الهيثم: لما أعلنَ الوليدُ بالفسق؛ عزم هشام على خلعه، فكتبَ إليه الوليد: خُذُوا مُلْكَكُمْ لا ثَبَّتَ اللهُ مُلْكَكُمْ … ثَباتًا يُساوي ما حَيِيتُ قِبالا (٣) ذَرُوا ليَ سَلْمَى والطِّلاءَ وقَينَةً … وكأسًا ألا حَسْبي بذلك مالا (٤) إذا ما صَفَا عيشي بكأسٍ رَوَّيةٍ (٥) … وعانقتُ (٦) سلمى لا أُريدُ بِدَالا (٧) [وقال المرزُباني: هذا الشعر قاله الوليد لأبيه يزيد بن عبد الملك لما بلغ الوليد وبدا منه ما يُوجب الخلع، فأراد خلعه، فقال هذا الشعر (٨). قال: وكان أبوه قد بايع له وله إحدى عشرة سنة. وقال أبو عُبيدة:] ولما تنكَّر الناسُ على الوليد وطعنُوا فيه قال له معاوية بن عَمرو بن عُتبة: يا أمير المؤمنين، يُنطقني الأمن بك، ويُسكتني الهَيبَةُ لك، وأراك ترتكب أشياءَ

стр. 5253

أخافُها عليك، فأسكتُ مطيعًا أم أقولُ مُشفقًا؟ فقال: كلٌّ مقبولٌ منك، وللهِ فينا عِلْمُ غيبٍ نحن صائرون إليه (١). وقال المدائني: واقع الوليد جارية وهو سكران، فلمَّا طلع الفجر قال لها: اخرجي فصلِّي بالناس، فامتنعت، فحلفَ عليها، فخرجت متلثِّمة، فصلَّت بالناس في محراب جامع دمشق وهي على حالها (٢). [قال:] وما جرَّأه على الزندقة إلا عبدُ الصمد بنُ عبد الأعلى. [قال أبو اليقظان:] وحضر جماعة من بني أمية عند هشام بن عبد الملك [فيهم العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك، فتذاكروا الوليدَ وفعلَه، ودخل الوليدُ، فقال له العبَّاس بن الوليد: يا وليد، كيف حبُّك للرُّوميَّات؟ قال: كيف [لا] (٣) أُحبُهُنَّ وهنَّ يَلِدْنَ مثلَك؟! فقال له هشام: يا وليد، ما شرابُك؟ قال: شرابُ أمير المؤمنين. ثم قام [الوليد] فخرج وجمعَ جراميزَه، ووثبَ على السَّرْج من غير أن يُمسك (٤) بيده شيئًا، ولا وضعَ رجله في الرِّكاب، ثم التفتَ إلى بعض ولدِ هشام وقال: أيُحسِنُ أبوك أن يفعل مثل هذا؟ فقال: لأبي مئة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم نُنصفه في الجواب (٥). [الجراميز: الأعضاء. قال الجوهري: يقال: جَمَعَ جراميزَه: إذا انقبضَ ليثب] (٦). [قال الهيثم:] وكان الوليدُ [بنُ يزيد] شديدَ القُوَى، يضربُ الوتد الحديد في الأرض ويَشُدُّ رِجلَيه معه، ثم يثبُ على الفرس مُسرعًا ما يمسُّ بيده الفرس فِيقلعُ الوتد (٧).

стр. 5254

وكان يلقَّب بالبيطار؛ لأنه كان يصيدُ حُمُر الوحش، فَيَسِمُها باسمه، ثم يُطلقها، ورأى السفَّاحُ يومًا حُمُرَ وَحْشٍ في البَرِّيَّة، عليها وَسْمُ الوليد (١). [قال هشام:] وفتح الوليد يومًا المصحف ليتفاءل فيه، فخرج في أول صفحة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥] فغضب، ونصبَ المصحف غرضَّا وَرماه بالنُّشَّاب حتى مزَّقَه وهو يقول: تُهَدِّدُني بجبَّارٍ عنيدٍ … فها أنا ذاك جبَّارٌ عنيدُ إذا ما جئتَ ربَّك يومَ حَشْرٍ … فقُلْ يا ربِّ مزَّقَني الوليدُ فقُتل بعد أيام (٢). وكان إذا طربَ يقول للمغنّي: أعِدْ أعِدْ بحقِّ عبد شمس، بحقِّ أمية، ويَعُدُّ أجدادَه الكفار واحدًا بعد واحد (٣). [حديث سلمى وسعدى]: ذكر هشام بن محمد عن أبيه أنَّ الوليد [بن يزيد] قد تزوَّج سُعْدَى بنت سعيد بن خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان، وكان لها أخت اسمها سلمى، فزارت [سلمى] أختها سعدى، فرآها الوليد، فعَشِقَها، وذلك قبل أن يلي الخلافة، فطلَّق أختَها سُعدى، وخطب سلمى من أبيها، فقال: أيريد الوليدُ أن يكونَ فحلًا لبناتي؟! ولم يزوِّجه، وهام الوليدُ بسلمى، وقال فيها الأشعار، فسقطت منزلتُه عند الناس (٤). ومن شعره فيها: شاعَ شعري (٥) في سليمى وظَهَرْ … ورواه كلُّ بدوٍ وحَضَرْ

стр. 5255

وتهاداه الغواني دائمًا (١) … وتغنَّينَ به حتى اشْتَهَرْ (٢) قلتُ قَوْلِي في سُلَيمى معجَبًا … مثلما قال جميلٌ وعُمَرْ لو رأينا لسُلَيمى أثرًا … لسجدنا ألفَ ألفٍ للأثَرْ واتَّخَذْناها إمامًا مُرْتَضًى … ولكانَتْ حَجَّنَا والمُعْتَمَرْ إنَّما بنتُ سعيدٍ قمرٌ … هَلْ حَرِجْنَا إنْ سَجَدْنا للقَمَرْ (٣) ومنه: أقْصِرَا عن مَلامَتي عَاذِلَيَّا (٤) … إنَّ عَذْلي يزيدُني اليومَ غَيَّا لا تَلُوما هُدِيتُما إنَّ قلبي … عَشِقَ اليومَ شادنًا قُرَشِيَّا (٥) من أبيات. وقوله (٦): خَبَّروني أنَّ سَلْمَى … خَرَجَتْ يومَ المُصَلَّى فإذا طَيرٌ مَلِيحٌ … فوقَ غُصْنٍ يَتَفَلَّى قلتُ يا طَيرُ ادْنُ منِّي … فدنا ثم تدلَّى [قلتُ هل أبصرتَ سَلْمى … قال لا ثم تولَّى] (٧) فنكا في القلب كَلْمًا (٨) … باطنًا (٩) ثم تخلَّى
следующие страницы →