← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

[حديث القبَّة التي صنعها الوليد لينصبها على الكعبة: قد ذكر الطبريُّ وغيره طرفًا من حديثها، وأنه أراد أن ينصبها على ظهر الكعبة في سنة عشر ومئة لما حجَّ. وذكر الواقديُّ أنه صنع قبَّةً أخرى لمَّا وليَ الخلافة. فحكى الواقدي عن أبي الزِّناد قال: كان الوليد بن يزيد قد اتخذ قُبَّةً من ساج ليجعلها مقابل الكعبة]. وذكر جدَّي في "المنتظم" فقال بإسناده عن أصبغ بن الفرج، سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة يُحدِّث (١) أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، صنع قُبَّةً ليجعلَها مقابل الكعبة، ويطوفَ هو ومن يريدُ فيها، ويطوفَ الناسُ من ورائها، وكان قصدُه خبيثًا، وربَّما شرب الخمر فيها. وبعث بها من الشام على الإبل، وأرسل معها قائدًا في ألف فارس، وبعث معه مالًا وثيابًا يفرَّق في أهل الحرمين. فقدِمَ القائد المدينة، ونصبَ القُبَّة في مصلى المدينة، فأفزعَ أهلُ المدينة ذلك، وجاؤوا إلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْري -وكان قاضيًا على المدينة- فأخبروه، فغضب وقال: أحْرِقُوها. فقالوا: معها ألفُ فارس. فدعا بدِرْعِهِ الذي شهد فيه جدُّه عبد الرحمن بنُ عوف ﵁ بَدْرًا، فلبسَه، وركب فرسه، فما تخلَّف عنه قرشيٌّ ولا أنصاريٌّ وبيده شُعلةٌ من نار، فجاء إلى القُبَّة، فأحرقَها، وانهزمَ القائدُ إلى الشام، وشبع [عبيد] أهل المدينة من النَّاطف (٢) ممَّا أخذوا من حديدها. وبلغ الوليدَ، فكتبَ إلى سعد بن إبراهيم: ولِّ القضاءَ مَنْ شئتَ، واقْدَمْ علينا. فقدم الشام، فأقامَ بباب الوليد شهرًا لا يصلُ إليه حتى نَفَدَتْ نفقتُه. فبينا هو ذات عشيَّة في المسجد؛ إذا بفتًى في مُلاءة صفراء سكران، فقال: من هذا؟ قالوا: خالُ الوليد بن يزيد. فقام سعد وأخذ السَّوطَ، فضربَ به الأرضَ، وحدَّه حدَّ الخمر، وركب راحلته، وكرَّ راجعًا إلى المدينة.

стр. 5252

ودخل الفتى على الوليد وهو مجهود فقال: من فعل به هذا؟ قالوا: سعد. فقال الوليد: عليَّ به. فلحقوه، فردُّوه من مرحلة. فلما دخل على الوليد قال له: يا أبا إسحاق، لِمَ فعلتَ هذا بابن أخيك؟ فقال: إنك ولَّيتَني أمرًا فرأيتُ منكرًا يجبُ فيه إقامةُ الحدّ [فأنكرتُه] فأقمتُه، وجدتُه سكرانًا في المسجد، وفيه الوفود ووجوهُ الناس، فخفتُ أن ينصرف عنك الناس بتعطيلك (١) حدود الله. فقال: جزاك الله خيرًا. وأمرَ له بمال، ولم يذكر له حديثَ القُبَّة (٢). وقال الهيثم: لما أعلنَ الوليدُ بالفسق؛ عزم هشام على خلعه، فكتبَ إليه الوليد: خُذُوا مُلْكَكُمْ لا ثَبَّتَ اللهُ مُلْكَكُمْ … ثَباتًا يُساوي ما حَيِيتُ قِبالا (٣) ذَرُوا ليَ سَلْمَى والطِّلاءَ وقَينَةً … وكأسًا ألا حَسْبي بذلك مالا (٤) إذا ما صَفَا عيشي بكأسٍ رَوَّيةٍ (٥) … وعانقتُ (٦) سلمى لا أُريدُ بِدَالا (٧) [وقال المرزُباني: هذا الشعر قاله الوليد لأبيه يزيد بن عبد الملك لما بلغ الوليد وبدا منه ما يُوجب الخلع، فأراد خلعه، فقال هذا الشعر (٨). قال: وكان أبوه قد بايع له وله إحدى عشرة سنة. وقال أبو عُبيدة:] ولما تنكَّر الناسُ على الوليد وطعنُوا فيه قال له معاوية بن عَمرو بن عُتبة: يا أمير المؤمنين، يُنطقني الأمن بك، ويُسكتني الهَيبَةُ لك، وأراك ترتكب أشياءَ

стр. 5253

أخافُها عليك، فأسكتُ مطيعًا أم أقولُ مُشفقًا؟ فقال: كلٌّ مقبولٌ منك، وللهِ فينا عِلْمُ غيبٍ نحن صائرون إليه (١). وقال المدائني: واقع الوليد جارية وهو سكران، فلمَّا طلع الفجر قال لها: اخرجي فصلِّي بالناس، فامتنعت، فحلفَ عليها، فخرجت متلثِّمة، فصلَّت بالناس في محراب جامع دمشق وهي على حالها (٢). [قال:] وما جرَّأه على الزندقة إلا عبدُ الصمد بنُ عبد الأعلى. [قال أبو اليقظان:] وحضر جماعة من بني أمية عند هشام بن عبد الملك [فيهم العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك، فتذاكروا الوليدَ وفعلَه، ودخل الوليدُ، فقال له العبَّاس بن الوليد: يا وليد، كيف حبُّك للرُّوميَّات؟ قال: كيف [لا] (٣) أُحبُهُنَّ وهنَّ يَلِدْنَ مثلَك؟! فقال له هشام: يا وليد، ما شرابُك؟ قال: شرابُ أمير المؤمنين. ثم قام [الوليد] فخرج وجمعَ جراميزَه، ووثبَ على السَّرْج من غير أن يُمسك (٤) بيده شيئًا، ولا وضعَ رجله في الرِّكاب، ثم التفتَ إلى بعض ولدِ هشام وقال: أيُحسِنُ أبوك أن يفعل مثل هذا؟ فقال: لأبي مئة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم نُنصفه في الجواب (٥). [الجراميز: الأعضاء. قال الجوهري: يقال: جَمَعَ جراميزَه: إذا انقبضَ ليثب] (٦). [قال الهيثم:] وكان الوليدُ [بنُ يزيد] شديدَ القُوَى، يضربُ الوتد الحديد في الأرض ويَشُدُّ رِجلَيه معه، ثم يثبُ على الفرس مُسرعًا ما يمسُّ بيده الفرس فِيقلعُ الوتد (٧).

стр. 5254

وكان يلقَّب بالبيطار؛ لأنه كان يصيدُ حُمُر الوحش، فَيَسِمُها باسمه، ثم يُطلقها، ورأى السفَّاحُ يومًا حُمُرَ وَحْشٍ في البَرِّيَّة، عليها وَسْمُ الوليد (١). [قال هشام:] وفتح الوليد يومًا المصحف ليتفاءل فيه، فخرج في أول صفحة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥] فغضب، ونصبَ المصحف غرضَّا وَرماه بالنُّشَّاب حتى مزَّقَه وهو يقول: تُهَدِّدُني بجبَّارٍ عنيدٍ … فها أنا ذاك جبَّارٌ عنيدُ إذا ما جئتَ ربَّك يومَ حَشْرٍ … فقُلْ يا ربِّ مزَّقَني الوليدُ فقُتل بعد أيام (٢). وكان إذا طربَ يقول للمغنّي: أعِدْ أعِدْ بحقِّ عبد شمس، بحقِّ أمية، ويَعُدُّ أجدادَه الكفار واحدًا بعد واحد (٣). [حديث سلمى وسعدى]: ذكر هشام بن محمد عن أبيه أنَّ الوليد [بن يزيد] قد تزوَّج سُعْدَى بنت سعيد بن خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان، وكان لها أخت اسمها سلمى، فزارت [سلمى] أختها سعدى، فرآها الوليد، فعَشِقَها، وذلك قبل أن يلي الخلافة، فطلَّق أختَها سُعدى، وخطب سلمى من أبيها، فقال: أيريد الوليدُ أن يكونَ فحلًا لبناتي؟! ولم يزوِّجه، وهام الوليدُ بسلمى، وقال فيها الأشعار، فسقطت منزلتُه عند الناس (٤). ومن شعره فيها: شاعَ شعري (٥) في سليمى وظَهَرْ … ورواه كلُّ بدوٍ وحَضَرْ

стр. 5255

وتهاداه الغواني دائمًا (١) … وتغنَّينَ به حتى اشْتَهَرْ (٢) قلتُ قَوْلِي في سُلَيمى معجَبًا … مثلما قال جميلٌ وعُمَرْ لو رأينا لسُلَيمى أثرًا … لسجدنا ألفَ ألفٍ للأثَرْ واتَّخَذْناها إمامًا مُرْتَضًى … ولكانَتْ حَجَّنَا والمُعْتَمَرْ إنَّما بنتُ سعيدٍ قمرٌ … هَلْ حَرِجْنَا إنْ سَجَدْنا للقَمَرْ (٣) ومنه: أقْصِرَا عن مَلامَتي عَاذِلَيَّا (٤) … إنَّ عَذْلي يزيدُني اليومَ غَيَّا لا تَلُوما هُدِيتُما إنَّ قلبي … عَشِقَ اليومَ شادنًا قُرَشِيَّا (٥) من أبيات. وقوله (٦): خَبَّروني أنَّ سَلْمَى … خَرَجَتْ يومَ المُصَلَّى فإذا طَيرٌ مَلِيحٌ … فوقَ غُصْنٍ يَتَفَلَّى قلتُ يا طَيرُ ادْنُ منِّي … فدنا ثم تدلَّى [قلتُ هل أبصرتَ سَلْمى … قال لا ثم تولَّى] (٧) فنكا في القلب كَلْمًا (٨) … باطنًا (٩) ثم تخلَّى

стр. 5256

في أشعار كثيرة من هذا الجنس. وقال الهيثم: طلَّقَ الوليدُ سُعْدَى، وكانت محبوبتَه أولًا، ثم عشقَ أختها [سلمى] ورجعت سُعْدَى إلى المدينة، فتَزَوَّجَها بِشْر بنُ الوليد بن عبد الملك [بن مروان] وندمَ الوليد على طلاقها حيث فاتته أختُها، فقال لأشعب المِضْحاك: هل لك أن تُبلغَ سُعْدَى عني رسالة ولك عشرون ألفَ دينار؟ قال: نعم. عجِّل بالمال. فأعطاه إياه، ثم قال له: إذا دخلتَ عليها فأنْشِدْها: أسُعْدَى ما إليكِ لنا سبيلُ … ولا حتى القيامةِ من تلاقِ عسى ولعلَّ دَهْرًا أن يُؤاتي … بموتٍ من خليلٍ أو فراقِ فقدم أشعب المدينة، ودخل عليها، فأنشدها البيتين، فقالت: ارجع إليه، وقل له: أتبكي على سُعْدَى (١) وأنتَ تركتَها … فقد ذهبَتْ سُعْدَى فما أنتَ صانعُ فرجع إليه إلى دمشق وأنشده الييت، فغضب الوليد وقال: اختر إحدى ثلاث: إمَّا أن أُلقيَك من القصر، أو أقتلَك، أو ألقيَك إلى السِّباع. فقال: حاشاك أن تفعل بي هذا وقد نظرت عيناي إلى سُعْدى. فضحك وأطلقَه (٢). وقال أبو اليقظان: لما بلغ هشامًا أنَّ الوليدَ يخطب سلمى؛ كتب إلى أبيها سعيد: أتُزَوِّجُ ابنَتَك عدوَّ الله الفاسق؟! أتريد أن تجعله فحلًا لبناتك؟! وبلغ الوليدَ، فقال: إن تزوَّجْتُ سُلْمى فهي طالق. وقال ابنُ عساكر (٣): كان هشام قد تزوَّج أمَّ سلمة (٤) بنت سعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان بن عفَّان، ثم خلفَ عليها الوليدُ بنُ يزيد، وهي التي حلف بطلاقها قبل الدخول بها، واستقدَمَ الفقهاء لأجلها، وكانت عنده أختُها لأبويها أمُّ عبد الملك، وهي سُعْدى بنت سعيد، وأمُّها أمُّ عَمرو بنت مروان بن الحكم، وأمُّها زينب بنت عُمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد.

стр. 5257

قال المصنّف ﵀: والمشهورُ أن التي حلف الوليد بطلاقها قبل نكاحها سلمى (١) أخت سُعْدَى قال: يوم أتزوَّجُ سلمى بنت سعيد فهي طالق. وكتب إلى فقهاء الأمصار فقالوا: لا طلاقَ قبل النكاح، منهم ابن طاوس اليماني، وسِمَاك بن الفَضْل اليماني؛ قالوا: إنَّما النكاح عقدٌ يُعْقَد، والطلاق تحلَّة، وكيف يُحَلُّ عقدٌ قبل أن يُعقد؟! فأعجبَ الوليدَ قولُ سِمَاك، فولَّاه قضاء اليمن. وقال البخاري (٢): كتب إلى فقهاء المدينة يسألُهم عن هذا، فكتبوا إنه لا يقع، منهم عبدُ الرحمن بنُ القاسم، وربيعة، وأبو بكر بنُ محمد بن عَمرو بن حَزْم، وأبو الزِّناد، وغيرُهم. وقد ذكرنا في ترجمة عبد الرحمن بن القاسم أنه مات بالفَدَّين (٣) بالشام، والوليدُ إنَّما استقدمه ليسألَه عن هذا. قال المصنِّف ﵀: وقد اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق قبل النكاح، فقال أبو حنيفة: يقع، وهو قولُ عمر، وابن مسعود، والحسن، والزُّهْري، والنَّخَعيّ، والشعبيّ، وسالم بن عبد الله، في آخرين. وعند الشافعيّ وأحمد لا يقع، وهو مذهب من سَمَّينا من فقهاء المدينة. وكذا تعليق العِتاق بالمِلْك. وقال مالك: إن خَصَّ صحَّ، وإن عمَّ لا يصحّ (٤). وقال هشام بن محمد: كان سعيدُ بنُ خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان نازلًا بالفَدَّين، فخرج الوليد قبل أن يليَ الخلافة، فنزل قريبًا منه، فمرَّ زيَّاتٌ على حمار يسوقُه وعليه زيت، فأخذ ثيابَ الزَّيَّات، فلبسَها وساق الحمار حتى دخل قصر سعيد

стр. 5258

وهو ينادي: من يشتري الزيت؟ فخرج الجواري ينظرن إليه، فقالت جارية منهنّ لسلمى: يا مولاتي، ما رأيتُ إنسانًا أشبهَ بالوليد من هذا الزَّيَّات! فاطَّلعت سلمى، فرأَتْه، فعرفَتْه، فقالت: ويحك! واللهِ إنه الوليد، وقد رآني، فقولي له: يا زيَّات، اخْرُجْ، فإنَّا لا نريد زيتَك. فخرجَ وقد لمحها (١). واختلفت الروايات في تزويجه بها، فقال البلاذري: أكرهَ الوليدُ أباها لما وَلِيَ الخلافة على تزويجها منه، فحملَها من المدينة إلى الشام، فمرضت، وماتت ليلة دخل بها (٢). وقيل: أقامَتْ عنده شهرًا. وقيل: أربعين ليلة. فلما ماتت بكاها ورثاها (٣). وقال لها يومًا: خطبتُكِ إلى أبيك وأنا وليُّ العهد، فلم يفعل، وأطاع هشامًا، أكان أبوك يطمع في الخلافة؟ وأنشد يقول: وإنك والخلافةَ يا سعيدُ … لكالحادي وليس لَهُ بعيرُ فقالت له سلمى: ولِمَ لا يطمعُ فيها وهو ابنُ أمير المؤمنين، وعنه أخذتُموها (٤)؟! ورُويَ أن أباها مات قبل أن يليَ الوليد الخلافة، وكانت تحته سعدى أختها، فلما مات أبوها خرجت سلمى مُسفرةً في ثياب بياض (٥)، فقالت له وهي لا تعرفُه: ويحك، مات أبي! فوقَعَتْ في نفسه، فطلَّق أختَها وخطَبَها إلى وليِّها (٦)، فلم يزوِّجوه، فهامَ بها وقال الأشعار، ثم تزوجها بعد ذلك (٧). وأرسل الوليد إلى المدينة، فجمع المغنِّين، فلما وصلُوا كره أن يُدخلهم العسكر نهارًا لئلا يراهم الناس، فأدخلهم ليلًا، وكان ساخطًا على محمد بن عائشة، فكلَّمه فيه مَعْبَد، فأمر بإحضاره فغنَّاه:

стр. 5259

أنتَ ابنُ مُسْلَنْطِحِ (١) البِطاحِ ولم … تُطْرَقْ عليك الحُنُيُّ والوُلُجُ طُوبَى لفَرْعَيكَ من هنا وهنا … طُوبى لأعراقِكَ التي تَشِجُ لو قُلْتَ للسَّيل دَعْ طريقَك والـ … ـمَوْجُ عليه كالهَضْبِ يعتلجُ لارْتَدَّ أوْ سَاخَ أو لكان له … في سائر الأرضِ عنك مُنْعَرَجُ فرضيَ عنه ووصلَه (٢). [قال الأصمعي:] ومن شعر الوليد: علِّلاني واسقياني … من شرابٍ أصفهاني (٣) من شرابِ الشيخِ كِسْرى … أو شرابِ الهرمزانِ إنَّ في الكأس لَمِسْكًا … أو بكَفَّي مَن سقاني [إنما الكأسُ ربيعٌ … يُتعاطَى بالبَنَانِ] شَغَلَتْني نغمةُ العِيـ … ـدانِ عن صوتِ الأذانِ وتعوَّضْتُ عن الحو … رِ عجوزًا في الدِّنانِ هذا البيت ليزيد بن معاوية [وقد ذكرناه] وربَّما وقع تضمينًا (٤). [ذكر قصته مع النصرانية]: روى الحافظ ابنُ عساكر عن محمد بن الحسين بن دريد، عن أبي حاتم، عن العُتبي قال: نظر الوليد إلى جارية نصرانية يقال لها: سَفْرى، فجُنَّ بها، وجعل يُراسلها وتأبى

стр. 5260

عليه، حتى بلغَه أن عيدًا للنصارى قد قرُب، وأنها ستخرجُ فيه، وكان في موضع العيد بستانٌ، وكان النساء يدخلنه، فصانَع الوليدُ صاحب البستان أن يدخل فينظر إليها، فأجابه، فتقشَّف الوليد وغَيَّرَ حليته، ودخل البستان. وجاءت سَفْرَى فجعلت تمشي حتى انتهَتْ إليه، فقالت لصاحب البستان: مَنْ هذا؟ فقال: رجل مصابٌ. فجعَلَتْ تُمازحه وتُضاحكه حتى اشتفى من حديثها والنظر إليها، ثم خرج، فقال صاحب البستان لسفرى: أتدرين مَن الرجل؟ قالت: لا. قال: الوليد بن يزيد، وإنما غيَّر حليته لينظر إليك. فجُنَّت به بعد ذلك، فكانَتْ عليه أحرصَ منه عليها، فقال الوليد في ذلك [هذه الأبيات]: أَضْحَى فؤادُك يا وليدُ عميدا … صَبًّا قديمًا للحِسانِ صَيُودَا من حُبِّ واضحةِ العوارضِ طَفْلَةٍ … بَرَزَتْ لنا نحو الكنيسةِ عِيدا ما زلتُ أرمُقُها بعَينَيْ وامقٍ … حتى بَصُرْتُ بها تُقَبِّلُ عُودا عُود الصليبِ فوَيْحَ نفسي مَنْ رأى … منكم صليبًا مثلَه معبُودا فسألتُ ربي أن أكونَ مكانَه … وأكونَ في لهبِ الجحيم وَقُودا قال المُعافى بن زكريا: لم يُدرك مُدْرِكُ الشيبانيُّ هذا الحدَّ من الخلاعة إذ قال في عَمرو النصرانيّ: يا ليتني كنتُ له صَلِيبًا … فكنتُ منه أبدًا قريبا أُبْصِرُ حُسنًا وأَشَمُّ [طِيبا] … لا واشيًا أخشى ولا رَقِيبا (١) قال: ولمَّا ظهر أمر الوليد وعلمه الناس، قال: ألا حبَّذا سَفْرَى وإن قيل إنني … كَلِفْتُ بنصرانيَّةٍ تشربُ الخمرا يهونُ عليَّ أن نظلَّ نهارَنا … إلى الليل لا أُولَى أُصَلِّي ولا عصرا (٢) ورُوي عن القاضي المُعافى [يعني في كتابه المسمَّى بالجليس والأنيس] وذكر فيه أن الوليد [بن يزيد] خرج من دمشق ومعه راكبان، فسار إلى الحِيرَة عند الكوفة؛ بلغَه أن

стр. 5261

بها خمَّارًا موصوفًا بجودة الخمر، فسلك طريق السَّماوة حتى نزلَ عليه، فشرب عنده خمسة أقداح، وأعطاه خمس مئة دينار، وعاد من وقته إلى دمشق (١). [ثم قال القاضي المعافى عقيب هذه الحكاية: أخبار الوليد بن يزيد كثيرة، قد أتينا على معظمها في كتابنا، وذكرنا من سيرته وسفاهته وحماقته وهزله ومجونه وسخافة دينه وما صرَّح به من الإلحاد في القرآن]. [وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال:] كتب الوليد إلى المدينة يحمل إليه أشعب الطامع، فدخل عليه في سراويل من جلد قردٍ وله ذنب، فقال له: غَنِّ، فغنَّى صوتًا ورقَّص، فأعطاه ألف درهم ونادمَه (٢). [حديث ابن مَلِك دُنباوند (٣) مع الوليد: ذكر علماء السير -منهم الهيثم- قال:] بلغَ الوليدَ أن ابنَ مَلِك دنباوند مستحسن الصورة، وكان أمردَ مفرط الجمال، فكتب إلى يوسف بن عمر بأن يحمله إليه، فقال يوسف: أعلى كِبَر سنِّي أصيرُ قَوَّادًا؟! ثم تعلَّل عليه، وقال: أخافُ عصيان الله (٤). فألحَّ عليه، فاحتال يوسف على أبيه بحيلة، وكتب إليه: قد بلغ أميرَ المؤمنين عنك خلافه (٥)، فابْعَثْ إليه بالهدايا مع أعزّ الناس عندك، وهو ولدُك، فبعث به إليه، فأقام عندَه حتى قُتل، وكان الغلام يقول: لو حبل رجلٌ من رجل لحبلتُ من الوليد بعدَّة أولاد (٦). [ذكر نزوله إلى البركة وفيها الخمر]: قال المدائني: كان الوليد يملأ البِرْكة خمرًا، وينزل بثيابه، فيغبُّ (٧) فيها، ويصعد والجواري يرقصن ويغنّين حوله حتى يقع مغشيًّا عليه.

стр. 5262

وقال الهيثم: ألفى نفسه يومًا في البِرْكة وعنده مَعْبَد المغنّي، فأعطاه ألف دينار، وقال: اكتُمْ عليَّ (١). وقال أبو الفرج الأصفهاني: دخل عليه يومًا عَطَرَّدُ المغنِّي وهو قاعد على شَفِير بِرْكةٍ مُرَصَّصَةٍ (٢) مملوءةٍ خمرًا، ليست بالكبيرة، ولكن يدورُ الرجلُ فيها سِباحةً، فقال له: غَنِّ: حَيِّ الحُمُولَ. فقال عَطَرَّدُ: حَيِّ الحُمولَ بجانبِ العَزْلِ (٣) … إذْ لا يُلائمُ شكلُها شَكْلي إنِّي بِحَبْلِكِ واصلٌ حَبْلِي … وبِريشِ نَبْلكِ رَائشٌ نَبْلِي وشمائلي ما قد علمتِ وما … نبحَتْ كلابُكِ طارقًا مثلي قال: فشقَّ ثيابه -وكان عليه بُرْدَة صنعانية لا يُدْرَى ما قيمتُها- حتى خرج منها كيومَ ولدَتْه أمُّه، ثم رمى بنفسه في البِرْكة، فشربَ منها حتى عُرف فيها النُّقصان، وأُخرج ميِّتًا سَكِرًا، وضَمَمْتُ البُرْدة إليّ ومضيتُ إلى منزلي. ثم دعاني في اليوم الثاني وقال: غنِّ، فغنَّيتُ: أيذهبُ عمري هكذا لم أَنَلْ به … مجالسَ تَشْفي قَرْحَ قلبي من الوَجْدِ وقالوا تداوى إنَّ في الطب (٤) راحةً … فعزَّيتُ (٥) نفسي بالدواء فلم يُجْدِي فشَقَّ بُرْدَةً عليه مثلَ تلك، وألقى نفسَه في البِرْكة، فنهل منها حتى أُخْرِج ميِّتًا سَكِرًا. فلما كان في اليوم الثالث دعاني وفعل كذلك، فلما أفاقَ دفعَ إليَّ خمس مئة دينار، وقال: كأنِّي بك وقد قدمتَ المدينة وقلتَ: فعلَ الوليد كذا وكذا. والله لئن قلتَ كلمةً لأقتلنَّك.

стр. 5263

قال عَطَرَّد: فواللهِ ما أَخبرتُ بشيء من ذلك حتى قُتل الوليد (١). وقال عَطَرَّد: رأيتُ الوليدَ يشربُ سبعين قَدَحًا من الخمر ولا يسكر. وسكر ليلة فقام إلى ابن عائشة، فقبَّل كلَّ عضو فيه حتى ذكره (٢). وكان ينزل في البِرْكة في اليوم مرارًا ويغيِّر ثيابَه. [وقد نسبه أبو الفرج فقال:] وعَطَرَّد: كنيتُه أبو هارون، مولى عَمرو بن عوف الأنصاري، كان عَطَرَّد ينزلُ قُباء، وكان جميل الوجه، حَسَن الصوت بالغناء، فقيهًا قارئًا لكتاب الله، عَدْلًا في شهادته، أدرك أيام بني أمية وصدرًا من دولة بني هاشم، وانقطع إلى سليمان بن عليّ، ومات في أيام المهديّ [محمد بن أبي جعفر المنصور] (٣). قال المصنف ﵀: وكيف يكون عَدْلًا وهو يشهد مجالس الوليد؟! فإن كان قبل ذلك يحتمل. قال أبو الفَرَج: حبس والي المدينة جماعةَ المغنِّين وفيهم عَطَرَّد، فأُخبِرَ بدينه ومروءته، فدعاه وأطلقه، فقال: أيها الأمير، لِمَ حبستَ هؤلاء؟ قال: على الغِناء. قال: ظلمتَهم، فواللهِ ما أحسنوا منه شيئًا قطّ. فضحك الوالي وأطلقَهم (٤). ذكر مقتل الوليد: [ذكر علماء السير كالواقدي وهشام وأبي مِخْنَف والمدائني والحافظ ابن عساكر في "تاريخه" قالوا:] كان الوليد بن يزيد قبل أن يلي الخلافة على استهتار (٥) بالدين وقلة المبالاة به، فلما وليَ الخلافة ازداد من اللهو والركوب إلى الصيد وشربِ الخمر ومنادمةِ الفُسَّاق، فثقُل أمرُه على الرعيَّة والجند وكرهوه.

стр. 5264

وكان من أعظم ما جَنَى على نفسه إفسادُه أهلَه وبني أعمامه أولاد الوليد وأولاد هشام واليمانية، وهم أعظم جند خُراسان (١)، وكان يكره المواضعَ التي فيها الناس، فكان ينتقل من مكان إلى مكان. واشتدَّ على أولاد هشام ضربُ سليمان بن هشام مئة سوط، وحَلْقُ رأسه ولحيته، وتغريبُه إلى عمَّان، وحبسُه بها إلى أن قُتل الوليد [وقد ذكرناه]. ومن ذلك جارية كانت لآل الوليد فأخذَها، فكلَّمه عمُّه فيها، فقال: لا أردُّها. فقال عمُّه: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك (٢). ومنها: حبسُ يزيد بن هشام، ويقال له: الأفقم. ومنها: أنه حبسَ سعيدَ بن بَيْهس حتى مات في الحبس، وكان قد استشارَه الوليدُ في البيعة لابنَيه الحَكَم وعثمان، فقال: لا أرى ذلك، فإنهما غلامان لم يحتلما. فنَقَم عليه (٣). ومنها: أمرُه يوسف بن عمر بقتل خالد بن عبد الله القَسْري، وكان قد كتب إلى خالد أن يُبايع لابنَيه الحَكَم وعثمان، فامتنع وقال: ويحكم كيف أُبايع من لا أصلي خلفَه. ولا أقبلُ شهادتَه. قيل: فالوليد مع فسقه يُصلَّى خلفَه! قال: فسقُ [الوليد] غائبٌ عني ولا أتيقَّنُه، وإنَّما هو أخبارُ الناس. وبلغ الوليدَ، فغضبَ عليه، ثم إن خالدًا بايعَ بعد ذلك، وبقي في قلب الوليد، فأمرَ يوسفَ بنَ عمر بقتله، فثارت اليمانيَّة حميةً لخالد (٤). ومنها: أن بني هشام وبني الوليد شهدوا عليه بالكفر وغشيان أمَّهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتَّخذَ مئة جامعة، وكتبَ على كلِّ واحدة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها،

стр. 5265

ورمَوْه بالزَّندقة، وأنه مُباح الدم، وأنه تجرّأ على بيت الله الحرام، وشربَ فيه الخمر لما حجَّ، وعملَ القُبَّة ليضاهيَ بها الكعبة. وكان أشدَّهم عليه يزيدُ بنُ الوليد بن عبد الملك، وكان الناس يسمعون منه لزهده ونُسُكِه وعبادته، وكان يقول: ما يسعُنا السكوتُ عن الفاسق وكفرِه وفجورِه، ويأمرُ الناس بجهادِه وسفكِ دمه (١). فأجمع (٢) على قتل الوليد عامَّةُ جنده ورعيَّته، ومُعظمُهم من قُضاعةَ واليمانيَّة، فاجتمع الأشرافُ، وأُمراء القبائل: منصور بن جمهور، وحُرَيث، وشبيب بن أبي مالك، وغيرهم، واجتمعت اليمانية إلى يزيد بن الوليد [بن عبد الملك] وأرادوه على البيعة، فقال له عُمر (٣) بن يزيد الحَكَمي: شاوِرْ أخاك العبَّاس، فإنْ وافقك على البيعة لم يخالفك أحد، فإنه سيِّدُ بني مروان. وكان العام قد أجدب، ونزل الطاعون بالبلاد، وخرج بنو أميَّة إلى البرِّيَّة، وكان العبَّاس [بن الوليد] نازلًا بالقَسْطَل (٤)، وأخوه يزيد قريبًا منه، فأتى يزيدُ أخاه العبَّاس، فشاورَه، فقال له العبَّاس: مهلًا يا يزيد، فإنَّ في نقض عهد الله فسادَ الدين والدنيا، فلا تفعل. فعاد يزيد إلى منزله، ولم يسمع من أخيه، وجاء إليه الناس أرسالًا يُبايعونه سرًّا، فلما كثَّروا عليه أتى أخاه العبَّاس، فأخبره فقال: واللهِ لئن عُدْتَ إلى هذا لأشُدَّنَّك وَثاقًا، وأبعثُ بك إلى أمير المؤمنين. وكان مع يزيد قَطَن [مولاهم] (٥). فلما خرجا من عنده أرسل العباس إلى قَطَن فجاء فقال له: ويحك يا قَطَن! أترى يزيدَ جادًّا في قوله؟

стр. 5266

فقال له: ما أظنُّ ذلك، ولكنّه قد دخلَه ما صنع (١) الوليد بأهلك وببني هشام، واستخفافُه بالدِّين وتهاونُه بالإسلام. فقال له: ازْجُرْه عن ذلك (٢). وبلغ مروانَ بنَ محمد بأرمينية أن يزيد يُؤلِّبُ الناس على الوليد، فكتب إلى سعيد بنِ عبد الملك يأمرُه أن ينهى يزيد والناس، ويكفَّهم عن ذلئا، وكان سعيد متألِّهًا ناسكًا، وكان في كتاب مروان: أما بعد، فإنَّ الله جعلَ لكلِّ أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتَّقون بها المخاوفَ، وأنت -بحمد الله- ركنٌ من أركان بيتك، وقد بلغني أن قومًا من سفهاء أهل بيتك قد أسَّسُوا (٣) أمرًا؛ إن تَمَّتْ لهم رؤيتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم، افتتَحوا بابًا لن يُغلقه اللهُ عنهم حتى تُسفَكَ دماءُ كثيرٍ منهم، وأنا مشتغلٌ بأعظم ثغور المسلمين، ولو اجتمعتُ بهم لَرَمَّمْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني. وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: فإنَّ فيما سَعَوْا فيه تغييرَ الدول، وكفرَ النعم، فبادِر الأمر وحبلُ الأُلفة مشدود، والناس سكونٌ، والثُّغور محفوظة، والسلام. فبعث سعيد بكتابه إلى العبَّاس بن الوليد، فدعا العبَّاسُ يزيدَ بنَ الوليد، فنهاه وتهدَّدَه وخوَّفه، فأنكر ذلك. وقال العباس: إني أُعيذُكُمُ باللهِ من فِتَنٍ … مثلَ الجبالِ تَسَامَى ثم تندفعُ إنَّ البَرِيَّةَ قَدْ مَلَّتْ سياسَتَكُمْ … فاسْتَمسِكُوا بعمودِ الدينِ وارْتَدِعُوا لا تُلْحِمُن ذئابَ الناسِ أنفسَكُمْ … إنَّ الذِّئابَ إذا ما أُلْحِمَتْ رَتَعُوا لا تَبْقُرُونَ بأيديكم بطُونَكُمُ … فثَمَّ لا حَسْرَةٌ تُغْني ولا فَزَعُ (٤)

стр. 5267

[قال هشام:] ويقال للوليد بن يزيد بعضُ هذا من غير تصريح، ولا يلتفت، بل هو منهمكٌ على لذَّاته وفسادِه. [قال:] وبايع يزيدَ خلقٌ كثير، فأقبل [يزيد] من البادية إلى دمشق متنكّرًا في سبعة نفر على حُمُر، فنزلوا بِجَرُود (١) -على مرحلة من دمشق (٢) - فنزل فنام. وقام فدخل دمشق ليلًا وقد بايعَه أكثرُ أهل دمشق وأهل الضِّياع، ولم يبق ممَّن لم يُبايعه من أهل المِزَّة إلا معاوية بن مَصَاد، وكان سيِّدَ أهلِ المِزَّة، فمضى يزيد إلى المِزَّة من ليلته -وبين دمشق والمزة ميل أو أكثر- ووقع مطرٌ شديد، فدقُّوا على معاوية، ففتحَ لهم، ودخلُوا، فقال معاوية ليزيد: اجلس على الفراش، فقال: إن في رجلي طينًا، وأكره أن أُفسد عليك فراشَك، فقال: ما تَنْدُبُنا إليه أفسدُ، وكلَّمه يزيدُ، فبايعَه معاويةُ، وعاد يزيد إلى دمشق. وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجَّاج بن يوسف، وكان قد خافَ من الطاعونَ، فخرج فنزلَ قَطَنا (٣)، واستخلفَ ابنَه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج (٤) كثير بن عبد الله السلميّ. وواعدَ يزيدُ أصحابَه أن يخرج ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء، فدخل المسجدَ في أصحابه، وأوَّلُ من بايعَه بإمرةِ المؤمنين يزيدُ بنُ عنبسة، وقال له: أبشِرْ بنصر الله وعَوْنِه، فقال يزيد: اللهمَّ إنْ كان هذا لك رِضًا؛ فأعنِّي عليه وسَدِّدْني له، وإن كان غيرَ رِضًا؛ فاصْرِفْه عنّي (٥). واستولى على دمشق والأموال، وجاءه أصحابه من كل مكان، فأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد (٦) بن الحجَّاج بن يوسف، فأخَذَه، وأخَذَ كلَّ من يُخافُ منه.

стр. 5268

ولما أصبح جاءه أهلُ الضِّياع، فدخل أهلُ المِزَّة من باب الجابية، والسَّكاسك من الباب الشرقيّ، وأهلُ داريَّا يَقْدُمُهم يعقوبُ بنُ عُمير العبسي، فدخلُوا من الباب الصغير، وأقبل أهلُ حَرَسْتا ودُوما يَقْدُمُهم عيسى بن شبيب العجلي (١)، فدخلوا من باب توما، وجاء أهل دَير مُرَّان والأَرْزَة وسَطْرَا (٢) ومعهم حُميد (٣) بن حبيب اللَّخْمي، فدخلوا من باب الفراديس، وجاءت القبائل من كلِّ ناحية ومكان، وقد وصفَهم بعضُ الشعراء، فقال: فجاءَتْهُمُ أنصارُهُمْ حين أصبحوا … سَكاسِكُها أهلُ البيوتِ الصَّنادِدِ وكلبٌ فجاؤوهم بِخَيلٍ وَعُدَّةٍ … مِن البِيضِ والأبدانِ ثُمَّ السَّواعدِ (٤) وجاءتهمُ شعبانُ والأَزْدُ شُرَّعًا … وعَبْسٌ ولَخْمٌ بين حامٍ وذائدِ وغسَّانُ والحيَّانِ قيسٌ وتَغْلِبٌ … وأحْجَمَ عنها كلُّ وانٍ وزاهدِ فما أصبحوا إلا وهم أهلُ مُلْكِها … قد استَوْثَقُوا من كلِّ عاتٍ ومارِدِ فأكْرِمْ بهم أنصارَ سيِّدِ قَوْمِهِ … تَوَالى على حُرْماتها كلُّ جاحدِ (٥) ونادى منادي يزيد بن الوليد: هلمُّوا إلى عطائكم. وفتحَ بيت المال، وفرَّق ما فيه [على الناس] (٦)، ومن لم يكن له عطاءٌ أعطاه ألف درهم. ثم نادى مناديه: مَنْ يَنْتَدِبْ لقتال الفاسق وله ألفُ درهم؟ [فاجتمع إليه أقلُّ من ألف رجل، فأمر رجلًا فنادى: مَنْ ينتدب إلى الفاسق، وله ألف وخمس مئة؟] (٧). فانتدبَ ألفٌ وخمس مئة، وعليهم منصور بن جُمْهُور، ويعقوب بن عبد الرحمن الكلبي، وهَرِم

стр. 5269

ابن عبد الله بن دِحْية، وحميد (١) بن حبيب اللخمي، كلُّ واحد على طائفة، وقدَّم على الجميع عبدَ العزيز بنَ الحجَّاج بن عبد الملك بن مروان (٢). وخرج من دمشق مولًى للوليد بن يزيد، فأتى الوليد (٣) وهو بالأَغْدَق (٤) من أرض عمَّان البَلْقاء في يومه على فرس، فنفق فرسه، وأخبرَه الخبر، فضربَه مئةَ سَوْط وحبسَه (٥). وقال يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية -وقيل: بَيهَس بن زُمَيل الكِلابي (٦) - للوليد [بن يزيد]: سِرْ بنا إلى حمص، فإنَّها حصينةٌ، وتبعثُ الجيوش إلى يزيد. فقال عبدُ الله بنُ عَنْبَسَة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يَدَعَ عسكرَه ونساءه قبل أن يُقاتِل (٧). فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حُرَمه ونسائه؟ وإنَّما يأتيهنَّ (٨) عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج، وهو ابنُ عمِّهنَّ. وقال الأبرش الكلبي للوليد: سِرْ يا أمير المؤمنين إلى تدمر، فهي حصينةٌ، وبها بنو عمِّي. فقال الوليد: بها بنو عامر، وقد خرجوا عليّ، ولكن دلَّني على مكان حصين. فقال: أرى أن تنزلَ الهَزِيم. قال: أكره اسمَه. قال: فالبَخْرَاء، قصر النعمان بن بشير. فقال: ما أقبحَ أسامي منازِلِكم ومياهكم! وقال له بَيهَس بنُ زُمَيْل: أمَّا إذْ أبَيْتَ أن تنزل حمص أو تدمر؛ فهذا حصن البَخْراء فانْزِلْه. فقال: أخافُ الطاعون. فقال: الذي يُرادُ بك أشدُّ من الطاعون. فنزل البَخْرَاء.

стр. 5270

وسار عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج يقصد الوليدَ بنَ يزيد، فوصلَ إلى ذَنَبة، فلقيَ ثَقَل الوليد، فأخذَه، ونزل قريبًا من البَخْراء، وجاء الوليدَ رسولُ العبَّاسِ بن الوليد وهو بالقَّسْطَل (١) يقول: أنا واصلٌ إليك. ثم زحف إليه عبدُ العزيز، وعلى ميمنته حُوَيّ بن عَمرو (٢) السَّكْسَكِيّ، وعلى ميسرته يعقوبُ الكلبيّ، وعلى مقدِّمته منصور بنُ جمهور، فجلس الوليد على سريره وقال: أتتوثَّب الرجالُ عليَّ وأنا أثبُ على الأسد وأتخصَّرُ الأفاعي؟! وكان ينتظر العباسَ بنَ الوليد. فبعث عبدُ العزيز إلى أصحاب الوليد زيادَ بنَ حُصين السَّكْسَكِيّ يدعوهم إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فَطَعنَه قَطَريّ مولى الوليد فقتلَه، وحملُوا على عبد العزيز، فقتلوا من أصحابه عِدَّة، وحُملت رؤوسهم إلى الوليد وهو جالس على باب حصن البَخْراء، وعلى رأسه لواء مروان بن الحكم الذي عُقد بالجابية (٣). وقال الوليد: مَنْ جاء برأس فله خمس مئة [درهم]. فجاءه رجلٌ برأس، فقال: اكتبوا اسمَه. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس هذا يومٌ يُعمل فيه بنسيئة (٤). وبلغ عبدَ العزيز مجيءُ العباس لنُصرة الوليد، فأرسلَ إليه منصورَ بنَ جُمهور، فلقيَه قريبًا من البَخْراء وهو في ثلاثين من بنيه، فقال له منصور: اعْدِلْ إلى عبد العزيز. فشتمه [العبَّاس]، فقال له منصور: واللهِ لئن تقدَّمْتَ لأفعلنَّ بك ولأصنعنَّ. وأغلظَ له، وعدلُوا به إلى عسكر عبد العزيز كُرهًا وهو يسترجعُ وكان في بنيه، ولم يكن معه أحد من أصحابه، وكان قد تقدَّمَهم. ولما أتَوْا به عبد العزيز قال له: بايع أخاكَ يزيد. فخاف منهم، فبايع، وقال: هذه خُدعة من خُدَع الشيطان، هلك بنو مروان.

стр. 5271

ونصبوا له رايةً، ونادَوْا: قد بايعَ العباسُ. فلما رأى أصحاب الوليد ذلك تفرَّقوا عنه. فظاهر الوليدُ بين دِرْعين (١)، وركبَ فرسَه السِّنديّ، وقاتلهم (٢)، فصاح رجلٌ: اقتُلُوا الفاسقَ عدوَّ الله قَتْلَ (٣) قوم لوط، أرْمُوهُ بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلقَ البابَ، وأحدقَ عبدُ العزيز وأصحابُه بالقصر، فدنا الوليد من الباب فقال: أما فيكم رجل شريفٌ له حَسَبٌ أُكلِّمُه؟ فقال له يزيد بن عنبسة السَّكْسَكيّ: تَكَلَّمْ. فقال: مَنْ أنت؟ قال: فلان. قال: يا أخا السَّكاسِك، ألم أَزِدْ في أُعْطِياتكم (٤)؟! ألم أَرْفَعِ المُؤَنَ عنكم؟! ألم أُعْطِ فقراءَكم؟! ألم أفعل كذا وكذا؟ فقال له يزيد: نحن ما نَقَمْنا عليك في أنفسنا، ولكنَّا نَقَمْنا عليك انتهاكَ حُرُماتِ الله، وشربَ الخمر، واللِّواط، والفسقَ، ونكاحَ أمَّهات أولاد أبيك، واستخفافَك بأمرِ الله. فقال: حَسْبُك، فقد أكثرتَ، فواللهِ لا يُرْتَقُ فَتْقُكُم، ولا تُجمع كلمتُكم، ولا يُلَمُّ شَعَثُكُم بعد اليوم. ثم عاد إلى القصر، فجلس ونشر المصحف في حِجْرِهِ وقال: يومٌ كيومِ عثمان، فتسوَّرُوا عليه الجدار، فكان أوَّلَ من نزل يزيدُ السَّكْسَكيّ هذا، وسيفُ الوليد إلى جنبه، فقال له: نحِّ سيفَك. فقال الوليد: لو أردتُ السيفَ لكان لي ولكم حالٌ غيرُ هذه. فأخذ يزيدُ بيد الوليد وهو يريد حَبْسَهُ، وأن يؤامِرَ فيه. فنزل من الحائط عَشَرَةٌ، منهم منصور بن جُمهور، والسَّريّ بن زياد بن [أبي] كبشة، وعبد السلام اللخمي (٥)، فضربَه عبدُ السلام على رأسه والسَّرِيّ على وجهه، واحتزَّ رأسَه أبو علاقة القُضاعي، وجاؤوا به إلى عبد العزيز، فبعث به إلى يزيد مع رَوْح بن مُقبل، فوافاه وهو باللؤلؤة ظاهر باب الجابية، فسجدَ يزيدُ وقال: الحمد لله على قتل الفاسق (٦).

стр. 5272

وقال ابن عمَّار: قاتلَ الوليد حتى قُطعت يدُه، فدخل بعد ذلك إلى القصر، فضربَه يزيدُ بنُ خالد القَسْريّ تسع ضربات، وكان محبوسًا عنده، فأخذ بثأر أبيه خالد (١). وقيل: إنه قُتل وكان مُصْطَبحًا، وحُمِلَ جسدُه سرًّا، فدُفن بباب الفراديس (٢). وقال نوح بن عَمرو (٣): رأيتُ خَدَم الوليد [بن يزيد] وحَشَمَه يومَ قُتل يأخذون بأيدي الرجال، فيُدخِلُونهم (٤) عليه ليقتلوه (٥). وقال عَمرو بنُ مروان الكلبي: قُطعت كفُّ الوليد، فبعث بها عبدُ العزيز إلى يزيد بن الوليد قبل الرأس؛ قُدم بها ليلةَ الجمعة، وأُتِيَ بالرأس من الغد، فأمر يزيد بنصب الرأس، فقال يزيد بن فَرْوَة (٦): إنَّما تُنصَبُ رؤوسُ الخوارج، وهذا ابنُ عمِّك وخليفة، ولا آمنُ إن نصبْتَه أن ترقَّ قلوبُ الناس، ويغضبَ له أهلُ بيته، فلم يلتفت [إليه] وطاف به (٧)، ثم نصبه، وبعثَ به إلى أخيه سليمان بن يزيد، فنظو إليه [سليمان] وقال: بعدًا له وسُحْقًا، أشهدُ أنه كان فاسقًا شَرُوبًا للخمر، ولقد راودني [أو أرادني] على نفسي (٨). [وكان الرأسُ مع ابن فَرْوَة مولى بني مروان، فخرج به من دار سليمان، فتلقَّتْهُ مولاة للوليد، فأخبرها ابنُ فَرْوَة بقول سليمان، فقالت: كذب -واللهِ- الخبيث، ما فعل، ولو كان أراده على نفسه؛ ما كان يمتنع عليه] (٩).

стр. 5273

وقال ابن عساكر: بذل يزيد بن الوليد في رأس الوليد مئة ألف (١)، فلما حضر بين يديه سجد، ونصبَه على حائط دمشق، وبقيَ دمُهُ على الحائط حتى دخلَ المأمون دمشق سنة خمس عشرة ومئتين، فأمر بحكّه (٢). ولما قتل الوليد نهبَ (٣) الناسُ خزائنَه وأمواله ومتاعَه. قال الزِّياديّ (٤): قدم برأس الوليد على يزيد عَشَرَة، منهم منصور بن جمهور، ورَوْح بنُ مُقْبل، وعبدُ الرحمن وَجْهُ الفَلْس (٥)، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم عَشَرَة آلافِ درهم. وقال المدائني: كان الوليد صاحبَ لهوٍ وصَيد ولذَّات، فلما وليَ الأمرَ كره (٦) الأماكن التي يراه الناس فيها، فلم يدخل مدينة من مدائن الشام حتى قُتل. [وقال هشام بن عمَّار -فيما حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر (٧) - إن العباسَ بنَ الوليد قاتل مع الوليد بن يزيد حفظًا لبيعته، فطعنه رجل من أصحاب عبد العزيز، فرماه (٨) وأخذه أسيرًا إلى عبد العزيز]. وقال يزيد بن خالد القَسْرِيّ: تَرَكْنَا أميرَ المؤمنين مجدَّلًا … مُكِبًّا على خَيشُومِهِ غيرَ ساجدِ وإنْ تقطعُوا منَّا مَنَاطَ قِلادَةٍ … قَطَعْنَا بها منكم مَنَاطَ قَلائدِ وإن تَشْغَلُونا عن أذانٍ فإنَّنا … شَغَلْنَا الوليدَ عن أذانِ الوَلَائدِ

стр. 5274

من أبيات (١). [وقال الوليد وأبو معشر وهشام بن محمد:] قُتلَ الوليد [بن يزيد] يوم الخميس لليلتَين بقيتا من جمادى الآخِرة سنة ستٍّ وعشرين ومئة بناحية من نواحي دمشق. وقيل: بقرية [يقال لها:] البَخْراء فيها قصرُ النُّعمان بن بشير. وقيل: هي من أعمال ذَنَبَة والمَاطِرُون. واختلفوا في سنِّهِ على أقوال: أحدُها: أنه قُتل وهو ابنُ ثمانٍ وثلاثين سنة (٢). والثاني: ابنُ ستٍّ وثلاثين سنة. والثالث: ابنُ اثنتين وأربعين سنة. والرابع: ابنُ خمس وأربعين سنة. والخامس: ابنُ إحدى وأربعين سنة. والسادس: ابن ستٍّ وأربعين سنة (٣). [قلت: وهذا الاختلاف إنَّما نشأ من اختلافهم في مولده. وقد ذكرنا في خلافته؛ منهم من قال: وُلد في اثنتين وتسعين، أو في سنة تسعين، أو سنة أربع -أو خمس- وثمانين] (٤).

стр. 5275

واختلفوا في أيَّامه، فقال أبو معشر: كانت أيَّامُه سنة وثلاثة أشهر. وقال هشام بن محمد: سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا (١). [وهذا الاختلاف على حسب ما اختلفوا في بيعته. وقد ذكرتُه هناك] (٢). وكان له من الولد: عثمان، وأمُّه عاتكة بنتُ عثمان بن محمد [بن عثمان بن محمد] (٣) بن أبي سفيان بن حَرْب، والحَكَم لأمِّ ولد، وهما اللذان عهد إليهما، فلما قُتل؛ دَخَلَا في سِرْب القصر، فأخَذَهما عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج، فأتى بهما يزيدَ بنَ الوليد، فدَفَعهما إلى عمِّهما سليمان، فبقيا عنده أيَّامًا، ثم ردَّهما إلى يزيد بنِ الوليد وقال: قد كَثُرَ اختلافُ الناس إليهما، ولهما بيعةٌ في أعناقهم، وأخافُ الوثوبَ معَهما، فحبسهما يزيدُ في الخضراء في القصر (٤). وسعيدٌ؛ أمُّهُ أمُّ عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، والعباسُ، ويزيدُ، وفِهْر، ولُؤيّ، وقُصَيّ، والعاص، وواسط (٥)، والفتح (٦)، وذُؤابة، وأمُّ الحجَّاج؛ لأمَّهات أولاد شتَّى. وأمُّ الحجَّاج تزوَّجها محمد بن [يزيد بن] (٧) الوليد بن عبد الملك، ثم خَلَفَ عليها يحيى بن عبد الله (٨) بن مروان بن الحكم. وأَمَةُ الله بنتُ الوليد، تزوَّجها عبدُ العزيز بنُ الوليد بن عبد الملك (٩).

стр. 5276

ولم يحجَّ الوليد سوى حَجَّةٍ واحدة في سنة ستّ عشرة ومئة، ونَقْشُ خاتَمِه: يا وليد احذر الموت (١). وكاتبه العاص (٢) بن مسلم، وحاجبُه قَطَريّ مولاه، وقاضيه محمد بن صفوان الجُمحي، وعلى شرطته أحمد بن محمد الكلبي (٣). ذكر جماعة من الوافدين عليه منهم: ابنُ ميَّادة الشاعر واسمه رَمَّاح بنُ أبرد بن ثوبان (٤)، من بني ذُبيان، وكنيتُه أبو شُرحبيل، وميَّادة أمُّه، وكانت بربريَّة، وقيل: صقلبية، وقيل: فارسية، وإنما سُمِّيت ميَّادة لأنها ركبت بعيرًا ونعست عليه، فجعلت تميد، فقال رجل: مَنْ هذه؟ قالوا. أَمَة؛ اشتراها بنو ثريان، فقال: ما هذه إلا ميَّادة. وكان من المخضرمين، أدرك الدولتين. وذكره الصُّولي فقال: قدم ابنُ ميَّادة على الوليد بن يزيد، فأقام ببابه مُدَّةً، فلم يصل إليه، فكتب إليه: ألا ليتَ شِعْري هَلْ أَبِيَتَنَّ لَيلَةً … بحرَّةِ لَيلَى حيثُ حلَّ بها أهلي (٥) وهَلْ أسْمَعَنَّ الدهرَ أصواتَ هَجْمَةٍ … تَطَالعُ من هَجْلٍ خَصِيب إلى هَجْلِ (٦) بلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي … وقُطِّعْنَ عنّي حيثُ أَدْرَكَني عَقْلِي

стр. 5277

فإنْ كنتَ عن تلك المواطنِ حابِسي … فَعَجِّلْ عليَّ الرِّزْقَ واجْمَعْ بها شَمْلِي (١) فأمر له بمئة ناقة سوداء الحَدَق، ومئة عِرابي بيضاء (٢)، ومئة حمراء. [والهَجْمة من الإبل ستون. وحكى الجوهريُّ عن أبي عُبيد قال: الهَجْمة من الإبل ستون، أقلُّها أربعون إلى ما زادت (٣)، وهُنيدة مئة]. وروى أبو القاسم الحافظ عن عبد الوهَّاب المدائني قال: لما قُتل الوليد بن يزيد رثاه ابنُ ميَّادة فقال: أيا لَهْفي على الملكِ الجوادِ (٤) … غداةَ أصابَهُ القَدَرُ المُتَاحُ ألا أبكي الوليدَ فتى قريشٍ … وأسْمَحَها إذا عُدَّ السَّماحُ لقد فَعَلَتْ بنو مروانَ فعلًا … قَبِيحًا ما يسوغُ به القَرَاحُ (٥) فظَلَّ كأنَّه أسدٌ عقيرٌ … تكسَّرُ في مناكِبِه الرِّماحُ (٦) [وقال الأصمعي: كان ابنُ ميَّادة يُشبِّبُ بجارية سوداء، فقيل له: ألا تشتريها؟ فقال: إذن يفسد حبُّها] (٧). ومن شعر ابن ميَّادة قولُه: وإني لِما اسْتَوْدَعْتِ يا أُمَّ مالكٍ … على قِدَمٍ من عَهْدِنا لَكَتُومُ أَأُخْبِرُ سِرًّا ثم أسْتَكْتِمُ الذي … أُخَبِّرُهُ إني إذًا لَلَئيمُ (٨) وقوله:

стр. 5278

فواللهِ ما أَدْرِي أيَغْلِبُني الهَوَى … إذا جَدَّ جِدُّ البَينِ أمْ أنا غَالِبُهْ فإنْ أستطِعْ أغْلِبْ وإنْ يغلبِ الهَوَى … فمِثْل الذي لاقَيتُ يُغْلَبُ صَاحبُهْ (١) وقال: أشاقَكَ بالقِنْعِ (٢) الغَدَاةَ رُسُومُ … دَوَارِسُ أَدْنَى عَهْدِهنَّ قَدِيمُ مَنَازلُ أمَّا أهلُها فَتَحمَّلُوا … فساروا وأمَّا حُبُّهُمْ فمُقِيمُ ولم تَرَ عَيني مَرْبَعًا مثل مَرْبَعٍ … عَهِدْناهُ لو كان النَّعيمُ يدومُ (٣) ومن الوافدين عليه: يزيد بن مِقْسَم ويُعرف بابن ضَبَّة، وهي أمُّه، وهو من أهل الطائف، من أولاد المغيرة بن شعبة. [قال أبو القاسم بن عساكر:] (٤) مدحه خمسين بيتًا، فأعطاه خمسين ألفًا، وهو أوَّلُ من عدَّ الأبيات، وأجازَ على كلِّ بيت ألفَ درهم. وكان وفد على هشام لمَّا أفضت إليه الخلاقة مهنِّئًا له مع الشعراء، فمنعه من الإنشاد وقال: عليك بالوليد فامْدَحْه. وبلغ الوليدَ، فأرسلَ إليه بخمس مئة دينار وقال: لو أمِنْتُ هشامًا لمَا فارقتَني، ولكن اخرجْ إلى الطائف، فقد سَوَّغْتُك جميعَ غَلَّتِهِ. فقال: أرى سَلْمَى تَصُدُّ وما صَدَدْنَا … وغَيرَ صُدُودِها كُنَّا أرَدْنا وقد ضَنَّتْ بما وَعَدَتْ وأَمْسَتْ … تُغَيِّرُ عَهْدَها عمَّا عَهِدْنا لقد بَخِلَتْ بنائلها علينا … ولو جادَتْ بنائلها حَمِدْنَا ومنها:

стр. 5279

وَلِينا الناسَ أزمانًا طِوَالًا … وسُسْنَاهُمْ ودُسْنَاهُمْ وقُدْنا إذا هابَ الكريهةَ مَنْ يَلِيها … وأعظَمَها الهَيُوبُ لها عَمَدْنا نَرَى حَقًّا لسائلنا علينا … فَنَحْبُوهُ ونُنْجِزُ ما وَعَدْنا ونحمي جارَنا ونَراهُ منَّا … ونَرْفُدُهُ فَنُجْزِلُ ما رَفَدْنا وما نعتدُّ دونَ المَجْدِ مالًا … إذا يُغْلَى بمكرمةٍ أَفَدْنا فأثَّلَ مَجْدَنا أنَّا كرامٌ … بحَدِّ المَشْرَفيَّةِ عنه ذُدْنا من أبيات. فلما وليَ الوليدُ دخلَ عليه، فأكرمَه وأدناه، وقال: هذا طريدُ الأحول؛ لصحبته إيَّاي. ثم نادَمَه ومَدَحَه بقصائد. وقال ابنُ ضَبَّة ألفَ قصيدة، اقتسمتها شعراء العرب فانتحَلَتْها، وعاش حتى أدركَه الأصمعي، وهو مخضرم (١). ومنهم: سعيد بن عبد الرحمن ابن حسان بن ثابت الأنصاري [ذكره أبو الفرج الأصبهاني (٢). وقال أبو القاسم الحافظ: وسعيد هذا شاعرٌ ابنُ شاعر ابن شاعر (٣)، وكنيتُه أبو عبد الرحمن. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. قال: وأمُّه أمُّ ولد، وكان له من الولد: الفَرْعَة وفاطمة] (٤).

стр. 5280

وأنشده (١): أبائنةٌ سُعْدَى ولم تُوفِ بالعَهْدِ … ولم تَشفِ قلبًا تَيَّمَتْهُ على عَمْدِ سقَى اللهُ ذاك الغَوْرَ ما سَكَنَتْ به … ونَجْدًا إذا صارَتْ نَواها إلى نَجْدِ وقد قُلْتُ إذْ أَهْدَتْ إلينَا تحيَّةً … عليها سلام اللهِ من نازحٍ مُهْدِي من أبيات. ودموعُ الوليد تَتَحادَرُ على خدَّيه، ثم وصله بمالٍ كثير (٢)، وأحسن جائزتَه وقد انقرض نسل حسان [بن ثابت]﵁، فلم يبق منهم أحد. [وكان سعيد قليل الحديث شاعرًا] ومنهم: الغَرِيض المغنّي ذكره أبو الفرج الأصبهاني، وكنيتُه أبو يزيد، وقيل: اسمُه كنيتُه. وكان حاذقًا في الغناء والنَّوْح، وكان مولى الثُّريَّا (٣) وأختها، وكان ظريفًا حُلو الشمائل، مليح الصوت. أسْلَمَتْه الثُّريَّ ٤ اإلى ابن سُريج المغنِّي ليُعلِّمه الغِناء، فخافَ أن يظهرَ عليه، فلم يقبله، فتعلَّم النَّوْحَ، ففتَن النساء. وقال الزُّبير بن بكَّار: حججتُ ومعنا الغَرِيض، فغنَّى بأبيات عمر بن أبي ربيعة، وهي هذه الأبيات: أيها الراكبُ المُجِدُّ ابتكارا … قد قضى من تهامةَ الأوطارا إن يكن قلبُك الغداةَ خَلِيًّا … ففؤادي بالغَوْر أَمْسَى مُعارا فلم يبق في الحجّ إلا من بكى وطرب. قال: وماتت مولاتُه الثُّريَّا، فخرج بين عمودَي سريرها يبكي وينوح ويقول:

стр. 5281

ألا يا عَينُ ما لكِ تَدْمَعِينا … أمِنْ جَزَعٍ بَكَيتِ فتَعْذُرِينا أمَ أنتِ مصابةٌ تبكين شَوْقًا … وشَجْوُكِ مثلُه أَبْكَى العيونا فبكى الناس والجنُّ، وكانت الجنُّ قد نَهَتْهُ عن النَّوْح، وهَرَبَتْ من الحرم إلى تِهامة من نوْحِه، فلم ينته، فلَوَوْا عُنقَه، فمات (١). ومنهم: طُرَيح بن إسماعيل ابن سعيد بن عُبيد، أبو الصَّلْت الثقفي. قال يمدح الوليد: لو قلتَ للسَّيلِ دَعْ طَرِيقَكَ والْـ … ـمَوْجُ عليه كالهَضْبِ يَعْتَلِجُ من أبيات (٢). ومنهم: ابنُ عائشة واسمُه محمد بن جعفر [أبو جعفر المدني، ذكره أبو الفرج الأصبهاني، قال (٣): ولم يُعرف له أب، وكان يزعم أن اسم أبيه جعفر، وأمُّه عائشة مولاة كثير بن الصلت الكِنْدي حليف قريش، وقيل: مولاة المطّلب بن وَدَاعة السَّهْميّ]. كان حاذقًا في الغِناء، وفد على الوليد ونادَمَه. صعد يومًا إلى سطح قصرِ ذي خُشُب (٤)، وغَنَّى، فطَرِبَ [ومشى على الشُّرُفات] فوقع فمات (٥).

стр. 5282

ومنهم: الحُسين بن عُبيد الكلابي قال ابنُ عساكر: خرج الوليد يتصيَّد ومعه الحُسين الكلابي، فانقطعا عن الناس، وتعالى النهار، وجاع الوليد، فمالا نحو قوية، فوجدا رجلًا في مبقلة، فاستطعماه، فجاء بخبز شعير، ورُبَيْثا (١) وزيت وكُرَّاث، فأكلا، فقال الحسين: إنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُّبَيثا مع الزَّيـ … ـتِ (٢) بخبزِ الشَّعيرِ والكُرَّاثِ لَحَقِيقٌ بلَطْمةٍ أو بِثِنْتَيـ … ـنِ لِقُبْحِ الصَّنِيعِ أو بثلاثِ فقال له الوليد: اسكُتْ قبَّحكَ الله، فإنَّ الجودَ بَذْلُ الموجود، ألا قلتَ: بِبَدْرَةٍ أو بِثِنْتَينِ؟! ثم لحقهما العسكر، فأمر الوليدُ للرجل بثلاثِ بِدَر (٣). قال هشام: لما قُتل الوليد غضب أبو محمد زيادُ بنُ عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب السُّفيانيّ، وسار إلى حمص، وبها مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان عاملَ الوليد عليها، وهو من سادات بني أُميَّة، فاتفقا على طلب ثأر الوليد، ووافقَهما أهلُ حمص على قتال يزيد بن الوليد بدمشق. فاختلف السُّفْيانيُّ ومروان، فقال السُّفيانيّ: يا أهل حمص، إن مروانَ يُثَبِّطُكم عن الطلب بدم الوليد المظلوم، فثارُوا على مروان فقتلوه، وحملوا رأسَه على قناة إلى السُّفْيانيّ، فعزَّ عليه وقال: واللهِ ما أرَدْتُ هذا. فبايَعوه، وخرج من حمص، فنزل جُوسِيَة (٤) بين حمص وبَعْلَبَكّ، وكانت حِصْنًا من حصون دمشق، فبعث إليه يزيدُ بنُ الوليد سليمانَ بنَ هشام، وعبدَ العزيز بنَ الحجَّاج،

стр. 5283

فنزلا ثَنِيِّة العُقَاب (١)، وجاء السُّفياني، فنزلَ القُطَيفَة (٢) -وتُعرفُ بقُطَيفة هشام بن عبد الملك لأنه هو الذي اتَّخذَها- والتَقَوْا، فخذلَ السُّفيانيَّ جندُه، فأخذوه أسيرًا وجاؤوا به إلى يزيد بن الوليد، فحبسَه مع الحكم وعثمان ابْنَي الوليد حتى كان من أمره ما كان، وسنذكرُه إن شاء الله تعالى (٣). وقال المصنِّف ﵀: وقد رُويَ في الوليد حديثٌ: فقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدَّثنا أبو المغيرة، عن ابنِ عَيَّاش-وهو إسماعيل- عن الأَوْزاعيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيِّب، عن عمرَ بنِ الخطاب رضوان الله عليه قال: وُلد لأخي أمِّ سَلَمة غلامٌ، فَسَمَّوْه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : "سمَّيتُموه باسم فَراعِنَتِكم، ليكونَنَّ في هذه الأمة رجلٌ يقال له: الوليد، لَهُوَ شَرٌّ على هذه الأمَّةِ من فرعون على قومه". قال الأوزاعيّ: فكان الناسُ يَرَوْنَ أنَّه الوليدُ بنُ عبد الملك، حتى قام الوليد بنُ يزيد، فرأينا أنَّه هو. وقد تكلَّموا في هذا الحديث، وذكره الشيخ جمالُ الدين بنُ الجوزيّ ﵀ في "الموضوعات" والله أعلم (٤). وفيها توفي يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان قد ذكرنا قيامه على الوليد بن يزيد وقتلَه إيَّاه. فقال أبو أحمد الحاكم: وليَ الخلافة بعد الوليد بن يزيد ستة أشهر؛ لأنه بُويع في جمادى الآخرة.

стр. 5284

وقال الواقدي: توفي في سلخ ذي القَعْدَة. وقيل: سلخَ ذي الحِجَّة. وقال أبو معشر: مات يوم الأضحى بالطاعون في الخضراء بدمشق، فكانت ولايتُه ما بين خمسة أشهر إلى ستة أشهر، لم يُمَتَّع بالدنيا، وتغلَّب عليه المتغلِّبون. وقال هشام: وليَ ستة أشهر وأيامًا. وقيل: خمسة أشهر واثني عشر يومًا. واختلفوا في سنِّهِ، وهو على مقدار اختلافهم في مولده: فقيل: إنه وُلد في سنة ستّ وتسعين، فيكون له اثنتان وثلاثون سنة. وقيل: ستة وثلاثون. وقيل: جاوز أربعين سنة. والأصحُّ أنه لم يجاوز الأربعين. وصلَّى عليه أخوه إبراهيم بنُ الوليد القائم بعده، ودُفن بين باب الجابية والباب الصغير، وقيل: بباب الفراديس. وقال ابنُ قُتيبة: قد ذُكر في الكتب المتقدِّمة بحُسْن السيرة، ففي بعضها: يزيد بن الوليد سجَّاد بالأسحار، ولايتُهُ رحمة، ووفاتُهُ نِقْمَة. وقال الواقدي: مات سنة سبع وعشرين ومئة. وهو وهم. قال الواقدي: ومات بعده أخوه العبَّاس بن الوليد من جراحة جُرِحَها يومَ قاتلَ عن الوليد بن يزيد. وكانت وفاتُه بالقَسْطَل معتزلًا للناس. وكان نقش خاتمه: الملك لله وحدَه. وقال هشام: كان أسمر طُوالًا جميلًا، بخدِّهِ خالٌ. وهذا ما انتهى إلينا، والله أعلم، رحمه الله تعالى (١).

стр. 5285

وكان ليزيد بن الوليد من الولد: أبو بكر، وعبد المؤمن، وعليّ؛ أمُّهم كلبيَّة، وعبدُ الله؛ لأمِّ ولد، وخالد، والوليد؛ قَتَلَهما مروان لمَّا أسَرَهما (١). وكان عامل يزيد على العراق عبدُ الله بنُ عمر بن عبد العزيز، وعلى مكة والمدينة عبدُ العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان (٢)، وعلى مصر إبراهيمُ بنُ عمر بن عبد العزيز. وقيل: ولَّاه مصر، فلم يقبل (٣). وكاتبُه ثابت بن سليمان (٤)، وحاجبه قَطَن مولاه (٥)، وقاضيه عثمان بن عمرو بن موسى التميمي (٦). السنة السابعة والعشرون بعد المئة وفيها سار مروان إلى الشام يطلب ثأر الوليد بن يزيد، وقيل: إنما قصد خلع إبراهيم بن الوليد والبيعةَ لنفسه. وكان مروان مُقيمًا بحَرَّان وله الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وإلى باب الأبواب. فسار في جند الجزيرة، وخلَّف ابنَه عبدَ الملك بحرَّان -وقيل: بالرَّقَّة- في أربعة آلاف (٧)، فلما وصل إلى قِنَسْرين؛ كان بها بِشْر ومسرور ابنا الوليد، ويزيدُ بنُ عُمر بن هُبيرة في القَيسيَّة، فخرج إليه بِشْر ومسرور، فقَاتَلاه، فمالت القَيسيَّة إلى مروان ويزيد بن عمر بن هُبيرة (٨)، وأسلموا بِشْرًا ومسرورًا إلى مروان، فحبسهما بعد أن فضَّ جمعهما.

стр. 5286

وخطب قبل لقائهما وقال. أمري مثلُ [أمر] معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، فانهضوا إلى هذا القَدَريّ الغَيلانيّ -يعني إبراهيم أخا يزيد- فإنهما ابتزَّا على الخلافة من غير مشورة من المسلمين ولا رِضًا، فإنَّ جهادَهم واجب. ولقد كنتُ على عزم أن أُجاهدَ أخاه القَدَريَّ الغَيلاني، فسبقَني أجلُه، وصار إلى نار تَلَظَّى، فإنَّه كان مبتدعًا ضالًّا (١). وكان مروان في ثلاثين ألفًا. وقيل: إن بِشْرًا ومسرورًا كانا بدمشق، فبعث بهما أخوهما (٢) إلى لقاء مروان في جمع كثير، فأسرهما، وغنمَ عسكرَهما، وقتلهما. وقيل: اسمهما خالد والوليد (٣). وسار مع مروان أهلُ قِنَّسْرين وحمص (٤). وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز [بن الحجَّاج] فبعث إليهم إبراهيمُ عبدَ العزيز بنَ الحجَّاج في جند دمشق. وأغذَّ مروان السير إلى حمص، فلما قرُبَ منها رحلَ عبدُ العزيز عنها، وخرج أهلُها إلى مروان، فبايعوه. وجهَّزَ إبراهيمُ سليمانَ بنَ هشام بن عبد الملك في مئة ألف وعشرين ألفًا، فخرجَ على البِقاع، فنزل عين الجَرّ (٥)، وأقبلَ مروانُ في ثمانين ألفًا، فنزل قريبًا من سليمان، وراسله في الكفِّ عن قتاله، وأن يُخَلُّوا عن الحَكَم وعثمان ابْنَي الوليد -وهما

стр. 5287

محبوسان في الخضراء بدمشق- وضَمِنَ مروانُ عنهما ألا يُؤاخِذَا مَنْ قتلَ أباهما [وألا] (١) يطلبا أحدًا ممَّن تولَّى قَتْلَه، فأبى سليمان عليه، وقاتلَه أيَّامًا. فلما كان في بعضها وقد اقتتلوا من حين ارتفاع النهار إلى العصر وقد استحرَّ القتل بينهما، وكثُرت الجراحات في الفريقين، وبين العسكرين نهرٌ جرَّارٌ -وهو الذي يجري في البِقاع بين جبلين- فرتَّب مروان جماعةً من أصحابه وقال: ارتفعوا عنا ناحية الجبل، فاقطعُوا الأشجار، واعملُوا جسورًا واعبُرُوا عليها. وكانوا عَشَرَة آلاف، ففعلوا ذلك، وقطعوا النهر، فلم يشعر بهم سليمانُ إلا وقد خالطُوا عسكرَه وهو مشغول بالقتال من ناحية النهر، فانكسروا وانهزموا إلى دمشق، وقُتل منهم نحو من ثمانية عشر ألفًا، وأُسر مثلُهم، وغنمَ مروانُ ما في عسكرهم، وأخذَ البيعةَ للحَكَم وعثمان على الأُسارى، وأعطى كل واحد منهم دينارًا دينارًا (٢). وكان في جملة المنهزمين إلى دمشق مع سليمان يزيدُ بنُ خالد بن عبد الله القَسْريّ، وأصبحوا بدمشق، وسار مروان في إثرهم. فلما قرب من دمشق؛ اجتمع الذين باشروا قتل الوليد إلى إبراهيم وعبد العزيز ويزيد بن خالد، وقالوا: إن بقيَ الغلامانِ في الحبس حتى يَقْدَمَ مروان ويصيرَ الأمر لهما؛ لم يستبقيا أحدًا من قَتَلَةِ أبيهما، فالرأُيُ أن نقتلَهما. وولَّوْا ذلك يزيدَ بنَ خالد القَسْريَّ (٣). وكان معهما في الحبس أبو محمد السُّفياني، ويوسفُ بنُ عمر، فأرسل يزيدُ بن خالد مولًى له يُكنى أبا الأسد في عِدَّة من أصحابه، فدخلَ السجن، فشدخَ الغلامَين بالعُمُد، وأخرجَ يوسفَ بنَ عمر، فضربَ عنقَه، وقصدُوا السفيانيَّ ليقتلوه، فدخل بيتًا صغيرًا، وأغلق بابَه، وألقى عليه الوسائد، واعتمد على الباب، فلم يقدروا على فتحه،

стр. 5288

فدَعَوْا بنار ليُحرقوه، فلم يُؤْتَوْا بها، حتى قيل: قد داخلت خيلُ مروان دمشق، فهربَ إبراهيم، ونهبَ سليمانُ بيتَ المال، وقسَّمه في الجُند، وخرج هاربًا (١). وثارَ مَن بدمشق من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجَّاج، فنهبوها -وقيل: إنهم قتلُوه بها- ونبشُوا [قبر] يزيد بن الوليد، وصلبُوه على باب الجابية (٢). ودخل مروان دمشقَ، وجيء بالغلامَين مقتولَين مشدوخَين، فأمر بدفنهما، وأُتيَ بالسُّفياني يَرْسُفُ في قيوده، فسلَّم على مروان بإمرة المؤمنين -وهو يومئذ يُسَلَّم عليه بالإمرة- فقال له: مَهْ، ما هذا؟ قال: إن الحَكَم وعثمان جعلاها لك بعدَهما، وأنشدَه شعرًا قاله الحَكَم في السجن، وهو: ألا مَن مُبْلِغٌ مروانَ عنِّي … وعَمِّي الغَمْرَ طال بِذا حَنِينا بأنّي قد ظُلِمْتُ وصارَ قومي … على قَتْلِ الوليدِ مُشايعينا أيذهب كلُّهم بدمي ومالي … فلا غَثًا أُصِيبُ (٣) ولاسَمِينا ومروانٌ بأرضِ بني نِزارٍ … كليثِ الغابِ مفترشٌ عَرِينا ألا يَحْزُنْك قتلُ فتى قريشٍ … وشَقُّهُمُ عِصِيَّ المسلمينا ألا واقْرَ السلامَ على قُريشٍ … وسكانِ الجزيرةِ أجمعينا وسارَ (٤) الناقصُ القَدَريُّ فينا … وألقَى الحَرْبَ بين بني أبينا أتُنْكَثُ بَيعَتي من أجلِ أُمِّي … فَقْد بايَعْتُمُ قَبْلي هَجِينا ولو شَهِدَ الفوارسُ من سُلَيمٍ … وكعبٍ لم أكُنْ لهُمُ رَهِينا فليتَ خَؤُولتي في غير كلبٍ … وكانت في ولادتهم حزينا (٥)

стр. 5289

فإنْ أَهْلِكْ أنا ووَلِيُّ عَهْدي … فمروانٌ أميرُ المؤمنينا وكان الحَكَم ابنَ أَمَة، ويزيدُ الناقصُ ابنَ أمة، وقد بايعوه. فلما أنشده السُّفياني الشِّعر؛ قال له: مُدَّ يَدَك. فبايَعَه، وبايعَه الناس. وجيء بيزيد بن خالد، وعبد العزيز بنِ الحجَّاج، فصلَبَهما على باب الجابية بالحَكَم وعثمان (١). وطلبَ إبراهيمُ بنُ الوليد وسليمانُ بنُ هشام منه الأمانَ، فأمَّنَهُما، وحضرا فبايعاه. وقيل: بعد انفصاله من دمشق طلب منه إبراهيم وسليمان الأمان، فأمَّنَهما، وكان سليمان بتدمر فيمن معه من إخوته ومواليه وأهله، فقدموا عليه، فبايعوه، وأحسنَ إليهم (٢). وانقضت أيام إبراهيم، وكانت سبعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل: تسعين ليلة، وقيل: أربعين، والأوَّل أصحّ (٣). وقُتل إبراهيم يومَ الزَّاب مع مروان، قتلَه أبو عون، وقيل: غرق في الزَّاب. وقيل: قتلَه مروان قبل الزَّاب. وقيل: قتلَه عبد الله بنُ عليّ (٤). وكان أبيضَ جميلًا مقبولَ الصورة، سمع الزُّهْريَّ وغيرَه (٥). وكان حاجبُه وَرْدان مولاه، وقاضيه عثمان بن عمر التيمي، ونَقْشُ خاتمه: إبراهيم يثقُ بالله (٦).

стр. 5290

الباب الرابع عشر في ذكر (١) مروان [بن محمد بن مروان] بن الحَكَم [وكنيتُه] أبو عبد الملك، وأمُّه لُبانة (٢) جارية إبراهيم بن الأشتر، أخذها أبوه يوم قُتل إبراهيم. وقيل: إنه لما أخذها كانت حاملًا من إبراهيم بمروان. واختلفوا فيها، فقال المدائني: كانت عربيَّة، وقال غيره: كرديَّة، وقيل: روميَّة. وقال الهيثم: أخذها محمد وهي حامل من طبَّاخ لمصعب بن الزُّبير يقال له: زربا (٣). وقال المسعودي: اسمها طروبة، ويقال لها: رَيَّا (٤). [ذكر صفته]: قال هشام: كان مروان طُوالًا أحمر أزرق، أهدل الشفة، أبيض الرأس واللحية، لا يغيِّر شَيبَه، جوادًا سمحًا شجاعًا. [وكان] يلقَّب بحمار الجزيرة (٥)، لأنه كان حمارَ الحرب، وكان له مهر يقف تحته في الحرب يومًا وليلة لا يبول ولا يروث. وكان من خطباء بني أمية وفصحائها، قد دوَّخ بلاد الخَزَر، وباب الأبواب، وله الوقائعُ المشهورة.
следующие страницы →