← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

وخطب قبل لقائهما وقال. أمري مثلُ [أمر] معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، فانهضوا إلى هذا القَدَريّ الغَيلانيّ -يعني إبراهيم أخا يزيد- فإنهما ابتزَّا على الخلافة من غير مشورة من المسلمين ولا رِضًا، فإنَّ جهادَهم واجب. ولقد كنتُ على عزم أن أُجاهدَ أخاه القَدَريَّ الغَيلاني، فسبقَني أجلُه، وصار إلى نار تَلَظَّى، فإنَّه كان مبتدعًا ضالًّا (١). وكان مروان في ثلاثين ألفًا. وقيل: إن بِشْرًا ومسرورًا كانا بدمشق، فبعث بهما أخوهما (٢) إلى لقاء مروان في جمع كثير، فأسرهما، وغنمَ عسكرَهما، وقتلهما. وقيل: اسمهما خالد والوليد (٣). وسار مع مروان أهلُ قِنَّسْرين وحمص (٤). وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز [بن الحجَّاج] فبعث إليهم إبراهيمُ عبدَ العزيز بنَ الحجَّاج في جند دمشق. وأغذَّ مروان السير إلى حمص، فلما قرُبَ منها رحلَ عبدُ العزيز عنها، وخرج أهلُها إلى مروان، فبايعوه. وجهَّزَ إبراهيمُ سليمانَ بنَ هشام بن عبد الملك في مئة ألف وعشرين ألفًا، فخرجَ على البِقاع، فنزل عين الجَرّ (٥)، وأقبلَ مروانُ في ثمانين ألفًا، فنزل قريبًا من سليمان، وراسله في الكفِّ عن قتاله، وأن يُخَلُّوا عن الحَكَم وعثمان ابْنَي الوليد -وهما

стр. 5287

محبوسان في الخضراء بدمشق- وضَمِنَ مروانُ عنهما ألا يُؤاخِذَا مَنْ قتلَ أباهما [وألا] (١) يطلبا أحدًا ممَّن تولَّى قَتْلَه، فأبى سليمان عليه، وقاتلَه أيَّامًا. فلما كان في بعضها وقد اقتتلوا من حين ارتفاع النهار إلى العصر وقد استحرَّ القتل بينهما، وكثُرت الجراحات في الفريقين، وبين العسكرين نهرٌ جرَّارٌ -وهو الذي يجري في البِقاع بين جبلين- فرتَّب مروان جماعةً من أصحابه وقال: ارتفعوا عنا ناحية الجبل، فاقطعُوا الأشجار، واعملُوا جسورًا واعبُرُوا عليها. وكانوا عَشَرَة آلاف، ففعلوا ذلك، وقطعوا النهر، فلم يشعر بهم سليمانُ إلا وقد خالطُوا عسكرَه وهو مشغول بالقتال من ناحية النهر، فانكسروا وانهزموا إلى دمشق، وقُتل منهم نحو من ثمانية عشر ألفًا، وأُسر مثلُهم، وغنمَ مروانُ ما في عسكرهم، وأخذَ البيعةَ للحَكَم وعثمان على الأُسارى، وأعطى كل واحد منهم دينارًا دينارًا (٢). وكان في جملة المنهزمين إلى دمشق مع سليمان يزيدُ بنُ خالد بن عبد الله القَسْريّ، وأصبحوا بدمشق، وسار مروان في إثرهم. فلما قرب من دمشق؛ اجتمع الذين باشروا قتل الوليد إلى إبراهيم وعبد العزيز ويزيد بن خالد، وقالوا: إن بقيَ الغلامانِ في الحبس حتى يَقْدَمَ مروان ويصيرَ الأمر لهما؛ لم يستبقيا أحدًا من قَتَلَةِ أبيهما، فالرأُيُ أن نقتلَهما. وولَّوْا ذلك يزيدَ بنَ خالد القَسْريَّ (٣). وكان معهما في الحبس أبو محمد السُّفياني، ويوسفُ بنُ عمر، فأرسل يزيدُ بن خالد مولًى له يُكنى أبا الأسد في عِدَّة من أصحابه، فدخلَ السجن، فشدخَ الغلامَين بالعُمُد، وأخرجَ يوسفَ بنَ عمر، فضربَ عنقَه، وقصدُوا السفيانيَّ ليقتلوه، فدخل بيتًا صغيرًا، وأغلق بابَه، وألقى عليه الوسائد، واعتمد على الباب، فلم يقدروا على فتحه،

стр. 5288

فدَعَوْا بنار ليُحرقوه، فلم يُؤْتَوْا بها، حتى قيل: قد داخلت خيلُ مروان دمشق، فهربَ إبراهيم، ونهبَ سليمانُ بيتَ المال، وقسَّمه في الجُند، وخرج هاربًا (١). وثارَ مَن بدمشق من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجَّاج، فنهبوها -وقيل: إنهم قتلُوه بها- ونبشُوا [قبر] يزيد بن الوليد، وصلبُوه على باب الجابية (٢). ودخل مروان دمشقَ، وجيء بالغلامَين مقتولَين مشدوخَين، فأمر بدفنهما، وأُتيَ بالسُّفياني يَرْسُفُ في قيوده، فسلَّم على مروان بإمرة المؤمنين -وهو يومئذ يُسَلَّم عليه بالإمرة- فقال له: مَهْ، ما هذا؟ قال: إن الحَكَم وعثمان جعلاها لك بعدَهما، وأنشدَه شعرًا قاله الحَكَم في السجن، وهو: ألا مَن مُبْلِغٌ مروانَ عنِّي … وعَمِّي الغَمْرَ طال بِذا حَنِينا بأنّي قد ظُلِمْتُ وصارَ قومي … على قَتْلِ الوليدِ مُشايعينا أيذهب كلُّهم بدمي ومالي … فلا غَثًا أُصِيبُ (٣) ولاسَمِينا ومروانٌ بأرضِ بني نِزارٍ … كليثِ الغابِ مفترشٌ عَرِينا ألا يَحْزُنْك قتلُ فتى قريشٍ … وشَقُّهُمُ عِصِيَّ المسلمينا ألا واقْرَ السلامَ على قُريشٍ … وسكانِ الجزيرةِ أجمعينا وسارَ (٤) الناقصُ القَدَريُّ فينا … وألقَى الحَرْبَ بين بني أبينا أتُنْكَثُ بَيعَتي من أجلِ أُمِّي … فَقْد بايَعْتُمُ قَبْلي هَجِينا ولو شَهِدَ الفوارسُ من سُلَيمٍ … وكعبٍ لم أكُنْ لهُمُ رَهِينا فليتَ خَؤُولتي في غير كلبٍ … وكانت في ولادتهم حزينا (٥)

стр. 5289

فإنْ أَهْلِكْ أنا ووَلِيُّ عَهْدي … فمروانٌ أميرُ المؤمنينا وكان الحَكَم ابنَ أَمَة، ويزيدُ الناقصُ ابنَ أمة، وقد بايعوه. فلما أنشده السُّفياني الشِّعر؛ قال له: مُدَّ يَدَك. فبايَعَه، وبايعَه الناس. وجيء بيزيد بن خالد، وعبد العزيز بنِ الحجَّاج، فصلَبَهما على باب الجابية بالحَكَم وعثمان (١). وطلبَ إبراهيمُ بنُ الوليد وسليمانُ بنُ هشام منه الأمانَ، فأمَّنَهُما، وحضرا فبايعاه. وقيل: بعد انفصاله من دمشق طلب منه إبراهيم وسليمان الأمان، فأمَّنَهما، وكان سليمان بتدمر فيمن معه من إخوته ومواليه وأهله، فقدموا عليه، فبايعوه، وأحسنَ إليهم (٢). وانقضت أيام إبراهيم، وكانت سبعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل: تسعين ليلة، وقيل: أربعين، والأوَّل أصحّ (٣). وقُتل إبراهيم يومَ الزَّاب مع مروان، قتلَه أبو عون، وقيل: غرق في الزَّاب. وقيل: قتلَه مروان قبل الزَّاب. وقيل: قتلَه عبد الله بنُ عليّ (٤). وكان أبيضَ جميلًا مقبولَ الصورة، سمع الزُّهْريَّ وغيرَه (٥). وكان حاجبُه وَرْدان مولاه، وقاضيه عثمان بن عمر التيمي، ونَقْشُ خاتمه: إبراهيم يثقُ بالله (٦).

стр. 5290

الباب الرابع عشر في ذكر (١) مروان [بن محمد بن مروان] بن الحَكَم [وكنيتُه] أبو عبد الملك، وأمُّه لُبانة (٢) جارية إبراهيم بن الأشتر، أخذها أبوه يوم قُتل إبراهيم. وقيل: إنه لما أخذها كانت حاملًا من إبراهيم بمروان. واختلفوا فيها، فقال المدائني: كانت عربيَّة، وقال غيره: كرديَّة، وقيل: روميَّة. وقال الهيثم: أخذها محمد وهي حامل من طبَّاخ لمصعب بن الزُّبير يقال له: زربا (٣). وقال المسعودي: اسمها طروبة، ويقال لها: رَيَّا (٤). [ذكر صفته]: قال هشام: كان مروان طُوالًا أحمر أزرق، أهدل الشفة، أبيض الرأس واللحية، لا يغيِّر شَيبَه، جوادًا سمحًا شجاعًا. [وكان] يلقَّب بحمار الجزيرة (٥)، لأنه كان حمارَ الحرب، وكان له مهر يقف تحته في الحرب يومًا وليلة لا يبول ولا يروث. وكان من خطباء بني أمية وفصحائها، قد دوَّخ بلاد الخَزَر، وباب الأبواب، وله الوقائعُ المشهورة.

стр. 5291

وكان يلقَّب بالجعديّ؛ لأن الجَعْد بن درهم كان مُؤدِّبَه، لكنه ما كان يرى اعتقاده (١). ووُلد سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ستٍّ وسبعين. [ذكر بيعته: قال علماء السير:] بويعَ لأربعَ عشرةَ ليلةً خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومئة، ولما بُويع جمعَ القبائل والأشراف وأهل الأردنّ وغيرهم، وأكَّد عليهم العهود والمواثيق، وانصرف إلى منزله بحرَّان (٢). وفيها دعا عبدُ الله بنُ معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى نفسه بالكوفة، وحارب عبدَ الله بنَ عُمر بنِ عبد العزيز، فهزمه عبدُ الله بنُ عمر إلى الجبال، فغلب عليها (٣). قال أبو مِخْنَف: قدم عبد الله بن معاوية الكوفةَ (٤) زائرًا لعبد الله بن عُمر وملتمسًا صلتَه، وليس في عزمه الخروج، فتزوّجَ ابنة حاتم بن الشرقي بن عبد المؤمن بن شَبَث بن ربعيّ، فلما قُتل الوليد ووقعت الفتنة في الشام وفي خُراسان بين نصر والكِرْمانيّ قال له أهل الكوفة: قد انتقض حبل بني مروان، وأنتم أحقُّ بالخلافة منهم. فدعا بالكوفة سرًّا وعبدُ الله بنُ عُمر بالحِيرَة، وبايعَه جماعة، منهم ابن ضَمْرة الخُزاعي، وبلغ عبدَ الله بنَ عمر، فبعث إلى ابن ضَمْرة، فأرضاه، فقال: إذا التقينا تخلَّيتُ عنه.

стр. 5292

وجاء عبد الله بنُ عُمر من الحِيرة، وخرج إليه عبدُ الله بنُ معاوية فيمن بايعه من الشيعة، فالتَقَوْا بين الكوفة والحِيرَة، فانهزم الناس معه، وبقي ابن معاوية وحدَه، فقال: تَفَرَّقَتِ الظِّباءُ على خِراشٍ … فما يدرى خِراشٌ (١) ما يَصِيدُ ثم عاد إلى الكوفة، وخرج إلى المدائن، وتبعَه قوم من أهل الكوفة، فمضى إلى الجبال وحُلوان، فغلب عليها وعلى هَمَذَان، وأصبهان والرّيّ، وخرج إليه عَبيدُ أهل الكوفة، وقال: ولا يُعجِبَنَّك قولُ امْرِئٍ … يُخالفُ ما قال في فِعْلِهِ (٢) وقال أبو عبيدة مَعْمَر: قدمَ عبدُ الله والحسنُ ويزيدُ بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر على عبد الله بنِ عُمر بنِ عبد العزيز وهو عامل على الكوفة، فنزلُوا في دار مولًى لهم يقال له: الوليد بن سعيد، فأكرمَهم ابنُ عمر. وأجازهم، وأجرى عليهم في كلّ يوم ثلاث مئة درهم. فبينما هم كذلك مات يزيد الناقص، وبايعَ الناسُ أخاه إبراهيمَ، ومِن بعدِه لعبد العزيز بن الحجَّاج، وقُدم ببيعتهما على عبدِ الله بنِ عُمر وهو بالكوفة، فندبَ الناسَ إلى بيعتهما، فبايعوا، فبينا هم على ذلك؛ ورد الخبر أن مروان قد سار من الجزيرة إلى الشام، وأنه امتنعَ من بيعة إبراهيم وعبدِ العزيز، فزاد ابنُ عُمر عبدَ الله بنَ معاوية على ما كان يُجريه عليه، واحتبسَه عنده، وأعَدَّهُ لمروان إن ظهرَ على إبراهيم يبايعُه (٣) ويقاتل به مروان. وماجَ الناسُ في الفتنة. ولمَّا ظهر مروانُ على إبراهيم قدم الكوفةَ إسماعيلُ بنُ عبد الله القَسْري أخو خالد هاربًا من مروان -وكان في عسكر إبراهيم- وافتعل كتابًا على لسان إبراهيم بولاية الكوفة، وأخبر اليمانيَّة بذلك سرًّا أنَّ إبراهيم ولَّاه الكوفةَ والعراق.

стр. 5293

وبلغ الخبرُ عبدَ الله بنَ عمر، فبَاكَرَهُ الغَداةَ، فقاتلَه ومعه عُمر بنُ الغضبان، فلما رأى إسماعيلُ الغَلَبَة، وأنه ليس معه عهدٌ صحيح، وأن إبراهيم قد هربَ واختفى من مروان؛ خاف أن يتَّضحَ أمرُه فيفتضحَ ويُقتل، فقال لليمانيَّة: إني كارهٌ سَفْكَ الدماء، فكُفُّوا أيديَكم، فتفرَّقُوا عنه. فذكر إسماعيل لأهل بيته أنَّ مروان دخلَ دمشق وهربَ إبراهيم، فانتشرَ ذلك في الكوفة فاشْرأَبَّ الناس للفتنة، ووقعت العصبيَّةُ بينهم. وسببُه أنَّ ابنَ عمر فَضَّلَ ربيعةَ ومُضر في العطاء علي بني تميم (١)، فاختلفوا، وثارت الفتنة، وطمعت الشيعة حين رأت الناس قد صاروا فئتين، فدَعَوا ابنَ معاوية إلى البيعة، وأدخلوه المسجد (٢)، ووليَ ذلك هلالُ بنُ أبي الوَرْد مولى بني عِجْل، وأخرجوا عاصمًا من القصر، فلحقَ بأخيه عبدِ الله بن عُمر بالحِيرَة (٣). وجاء أهل الكوفة إلى ابن معاوية وهو في المسجد، فبايعوه، وفيهم منصور بنُ جُمهور، وعُمر بنُ الغضبان بن القبعثرى، وإسماعيل القَسْريّ، وأعيانُ أهل الكوفة، وجاءته البيعة من سواد الكوفة والمدائن. فجمع الناسَ، وخرجَ إلى الحِيرَة لقتال ابنِ عُمر، وبرزَ له ابنُ عمر فيمن كان عنده من أهل الشام [فخرج رجلٌ من أهل الشام] (٤) يطلب البِراز، فبرزَ له القاسمُ بنُ عبد الغفَّار العِجْلي، فقال له الشاميّ: مَنْ أنت؟ فأخبره بنفسه، فقال: واللهِ ما أُريد قتالك، وما أريد رجلًا من بكر (٥)، وإني أُخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن سوى منصور بن جمهور وإسماعيل القسري، والباقون قد كاتبوا ابنَ عُمر (٦)، وجاءته كتب من بقي معكم من مضر،

стр. 5294

ولم أرَ لكم أيُّها الحيُّ من ربيعة كتابًا ولا رسولًا، وهم غدًا على عزم الإيقاع بكم، فإن أردتُم ابنَ عمر؛ أبلغتُه، وإن أردتُم الوفاءَ لصاحبكم؛ فأنتُم وذاك. وانفصلَ أحدُهما عن صاحبه، ورجعَ القاسم وأخبر قومَه، وقال: إنَّ ربيعة ومُضر ستقفُ بإزاء ميسرتِه، فقال ابن معاوية: سوف يتَّضحُ لنا هذا غداةَ غدٍ. فلما كان من الغد؛ التَقَوْا، فانكَشَفَ أصحابُ ابنِ معاوية، ومالت ربيعةُ ومُضر ومَنْ كَتَبَ إلى ابن عمر إلى عسكره، وقاتلَ عُمر بنُ الغضبان قتالًا شديدًا، فجاء أصحابُه، فأخذوا بعِنان دابَّتِه حتى أدخلوه الكوفة (١). وفي رواية أنَّ ابنَ معاوية خرج إلى الحِيرَة في جمع عظيم وابنُ عُمر قاعدٌ يتغدَّى، فلم يعبأ به، فلما فرغَ من غَدائه؛ ركبَ ومعه أهلُ الشام، ونادى: مَنْ جاء برأس فله خمسُ مئة درهم، فجاء رجل برأس، فأعطاه خمس مئة درهم، فلما رأى الناس وفاءه حملُوا على أصحاب ابنِ معاوية، فجاؤوا بخمس مئة رأس، وانهزمَ ابنُ معاوية (٢). وقال أبو عبيدة: جاء ابنُ معاوية وإخوتُه، فدخلوا القصر، وقال لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معاشر ربيعة، قد رأيتُم ما صنعَ الناسُ بنا، ودماؤنا في أعناقكم، فإنْ كنتُم مقاتلين معنا قاتَلْنا، وإلَّا؛ فخذُوُا لنا ولكم أمانًا. فقال له عمر: نعم. ثم زحف إليهم أهلُ الشام، فقاتلوهم أيامًا، فرأَوا الغَلَبَةَ، فأرسل عمر بنُ الغضبان إلى ابنِ عمر، فأخَذَ له أمانًا ولبني معاوية والزَّيديَّة، فأمَّنَهم ابنُ عمر، وأنَّ بني معاوية يمضون حيث شاؤوا. وأرسلَ ابنُ عمر إلى ابن الغضبان يأمرُه أن يُخرِجَ ابنَ معاويةَ من القصر وينزلَ به ابن الغضبان، فأرسل فأخرجَه ومَنْ معه من إخوته والشيعة، فسارَ إلى المدائن، ونزل عمرُ القصر (٣). وفيها أظهرَ الخلافَ الحارثُ بنُ سُرَيج على نَصْر بن سَيَّار.

стр. 5295

وكان يزيدُ بنُ الوليد كَتَبَ للحارث كتابَ أمان، فسار إلى مَرْو، فلما قَرُب من مَرْو؛ تلقَّاه سَلْمُ بنُ أحْوَز والناسُ معه، فقال له محمد بن الفَضْل العَبْسيّ: الحمدُ لله الذي أقرَّ أعيُنَنَا بقُدومك، وردَّك إلى فئة الإسلام والجماعة، فقال له الحارث: يا بني، أما علمتَ أنَّ الكثير إذا كانوا على معصية الله تعالى لم يكونوا جماعة، وأن القليل إذا كانوا على طاعته (١) كانوا جماعة، وما قَرَّتْ عيني منذ خرجتُ إلى يومي هذا، وما قُرَّةُ عيني إلا أن يُطاع اللهُ تعالى. وتلقَّاه نصر، وأنزلَه قصرًا، وأجْرَى عليه كلَّ يوم خمسين درهمًا، وأطلقَ مَنْ كان في حبسه من أهل الحارث، ومحمدَ بنَ الحارث (٢)، والأَلُوفَ وأمَّ بكر ابنَتَي الحارث. وكان للحارث عودٌ يُقاتلُ به وزنُه ثمانيةَ عشرَ رِطْلًا. وأعطى نصرٌ الحارثَ أموالًا وثيابًا، ففرَّقَها في أصحابه، وكان لا يجلسُ على فِراش، ولا يشتغلُ بالمآكل واللَّذَّات، ويقتصرُ على الشيء اليسير، فعرض عليه نصرٌ أن يُولِّيَه أيَّ الولايات شاء، ويعطيَه مئة ألف، فلم يقبل وقال: لا أُريد إلا العمل بكتاب الله وسنَّةِ رسوله، ولست من لذَّات الدنيا وتزويجِ العقائل في شيء، وما أريد إلا ما ذكرتُ لك من العمل بالكتاب والسنَّة، واستعمالِ أهل الصلاح والخير، فإن فعلتَ ساعدتُك على عدوِّك. وأرسل الحارث إلى الكِرْمانيِّ يقول: إنْ عملَ نصرٌ بكتاب الله وسنَّةِ رسوله؛ ساعدتُه، وإن لم يعمل استعنتُ بك عليه. وظهر من نَصْر جَوْرٌ، فأرسلَ إليه الحارث يقول: خرجتُ (٣) من هذه البلدة [منذ] (٤) ثلاثَ عشرةَ سنة من الجَوْر وأنتَ تُريدني عليه؟!

стр. 5296

[و] دَبَّ (١) إلى الحارث أعيانُ بني تميم وأشراف القبائل، فبايَعَه منهم ثلاثةُ آلاف (٢). وفيها انتقضَ [أهلُ] الشام على مروان ونكثوا بيعته. قال مخلد (٣) بن محمد بن صالح: أقام الناسُ بالشام ثلاثة أشهر في طاعة مروان وهو مقيم بحرَّان [ثم انتقضوا عليه] (٤). وسببُه [أنَّ] (٥) ثابت بنَ نُعيم الفلسطيني كاتبَ الأطرافَ ورَاسَلَهم، فسار إليهم مروان. وأرسل أهلُ حمص إلى مَنْ بتدمر من كلب، فشَخَصَ إليهم منهم الأصبغ بن ذُؤالة الكلبيّ ومعه بنوه: حمزة وذُؤالة وفُرافِصَة، ومعاوية السَّكْسَكيّ وكان فارسَ أهل الشام، وعصمة بن المقشعرّ، وغيرهم في ألف فارس من فرسانهم، فدخلُوا حمصَ ليلةَ عيد الفطر، ومروان يومئذٍ بحماة، ومعه إبراهيم بنُ الوليد المخلوع، وسليمانُ بنُ هشام، وكان يُكرمُهما، ويجلسان معه على غَدائه وعَشائه، ويسيران معه في موكبه. فسار من حماة مُجِدًّا، فنزل على حمص وقد رَدَمُوا أبوابَها واستعدُّوا لقتاله، والكلبيَّةُ عندهم، فأحدقَ بالمدينة، وركبَ يومًا فوقف بإزاء باب من أبوابها، فأشرفَ عليه جماعةٌ من السُّور، فقال لهم مروان: ما الذي دعاكم إلى النَّكْث؟ قالوا: ما نَكَثْنا، ونحن على طاعتك. فقال: إن كنتُم كما تزعمون فافتحوا الباب. ففتحُوا له الأبواب. فدخل عَمرو بنُ الوضَّاح في الوضَّاحيَّة إلى حمص، فقاتلَه بعضُ أهلِ المدينة، فقَتَلَ منهم نحوًا من خمس مئة، وخرجَ من باب تدمر، وانهزمَ الأصبغ والسَّكْسَكيّ، وأُسر ابنا الأصبغ ذؤالة وفُرافِصة في ثلاثين رجلًا ومروان واقفٌ على الباب، فأُتيَ بهم إليه، فضرب أعناقَهم، وأَمرَ بالقتلى -وكانوا خمسَ مئة، أو ستَّ مئة- فصُلِبُوا حولَ حمص، وهَدَم من حائطها مقدارَ الغَلْوة.

стр. 5297

وكان على دمشق زامل بنُ عَمرو، فثارَ أهلُ الغوطة عليه، فحصروه، وولَّوْا عليهم يزيدَ بن خالد القَسْريَّ، وكان زامل في أربع مئة فارس، وقائدٍ يُقال له: ابن هبَّار القرشيّ (١)، وقاتلَ أهلَ دمشق مع زامل. وبعثَ مروانُ من حمص أبا الورد -[واسمه] (٢) مجزأة- بن الكوثر بن زفر بن الحارث، وعَمْرَو بنَ الوضَّاح في عَشَرة آلاف، فقاتلوا (٣) أهلَ الغوطة، وخرجَ زامل من البلد وقاتلَ مع أبي الورد، فانهزمُوا، وقُتل أبو عِلاقة، وبعثَ أبو الورد برأسه إلى مروان وهو بحمص (٤). وجاء ثابت بن نُعيم من فلسطين إلى طبريَّة، فحصَرَها وعليها الوليد بنُ معاوية بن مروان ابن أخي عبد الملك، فقاتلوه أيامًا، وبلغ مروانَ، فكتبَ إلى أبي الورد أن يُمِدَّهم بنفسه، فسار إلى طبريَّة، ورحلَ مروان من حمص إلى دمشق. ولما علم أهلُ طبريَّة بوصول أبي الوَرْد خرجوا من المدينة على ثابت، فاستباحوا عسكرَه، فانهزمَ إلى فلسطين، وجمع أهلَه وجندَه، فسارَ إليه أبو الورد، فقاتلَه وهزَمَه، وفرَّقَ جَمْعَه، وأَسَرَ ثلاثةً من ولده، وهم: نُعيم وبُكير وعمران، فبعث بهم إلى مروان وهو بِدَيْر أيوب (٥)، فأمرَ بمداواة جراحاتهم. وتغيَّب ثابتُ بنُ نعيم ومعه ولدُه رفاعة، ووَلَّى مروانُ الرُّماحِسَ بنَ عبد العزيز الكنانيَّ فلسطين، وأمره بطلب ثابت، والتلطّف له، فدَلَّ عليه رجل من أهله، فأخذه، وبعثَ به إلى مروان موثقًا، فأمر به وبأصحابه فقُطِّعت أيديهم وأرجلُهم، وصُلبوا على أبواب دمشق.

стр. 5298

وأمَّا رِفاعةُ بنُ ثابت، فأَفْلَتَ إلى العراق، وكان منصورُ بنُ جمهور قد لحق بالسِّند، فمضى إليه، فأكرمه وولَّاه، وخلَّفه مع أخيه منظور بن جمهور. وخرج منصور من السِّند غازيًا، فوثبَ رِفاعةُ على منظور فقتلَه، واستولى على البلد، وكان منصورٌ قد توجَّه إلى المُلْتَان (١)، وأخوه بالمنصورة، فرجع منصور إلى المنصورة، فأخذَ رِفاعَة، فبَنَى له أسطوانةً من آجرّ مجوَّفة، وأدخلَه فيها، ثم سَمَّرَه فيها (٢)، وبَنَى عليه. وأقام مروان بِدَير أيوب (٣). وفيها بايع مروانُ بالعهد لابنَيه عُبيد الله وعبد الله بدَير أيوب (٤)، وزوَّجَهما ابنتَي هشام بن عبد الملك: أمَّ هشام وعائشة، وجمعَ لذلك أهلَ بيتِه، منهم من ولد عبد الملك: محمدٌ وسعيد وبكَّار، وأولاد الوليد وسُليمان ويزيد وهشام، وغيرُهم، وأشرافُ العرب. وقطعَ على أهل الشام بعثًا، وقوَّاهم بالعطاء، وجعل على كلِّ جند [منهم] قائدًا [منهم]، وأمرهم باللَّحاق بيزيد بن عُمر بن هبيرة في عشرة آلاف من أهل الجزيرة وقِنَّسْرِين، وأمرَه أن ينزلَ دورين (٥) حتى يأتيَه أمرُه. وانصرف مروان من دَير أيوب وقد استقام له الشامُ كلُّه إلا تدمر، فسار حتى نزل القَسْطَل من أرض حمص ممَّا يلي تدمر، وبينهما مسيرةُ ثلاثةِ أيام، وبَلَغَهُ أنهم قد غوَّرُوا ما بينه وبين تدمر من المياه، وطمُّوا الآبار بالصخر، فهيَّأَ المَزَادَ والقُرَب، وأمرَ مَنْ معه بحمل المياه، فكلَّمه سليمانُ بنُ هشام والأبرشُ الكلبيُّ بأن يُعْذِرَ إليهم ويحتجَّ عليهم، فأجابَ إلى ذلك. وقال للأبرش: وَجِّهْ إليهم. فبعث [الأبرشُ] أخاه عَمْرَو بنَ الوليد يحذِّرُهم ويُنذرُهم ويُخوِّفهم هلاكَ قومِهم، فطردُوه ولم يُجيبوه، فسألَه [الأبرشُ]

стр. 5299

أن يُوَجِّه به إليهم، ففعل، فأتاهم وقال: يا حَمْقَى، ما لكم به طاقة، وقد أقبلَ إليكم بجنود الشام والجزيرة. فأجابه عامَّتُهم، وهَرَبَ من لم يثق بمروان، منهم معاويةُ بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية فكان صهر الأبرش على ابنته، وغيرُه، وكتبَ إلى مروان يُخبره، فكتب إليه: اهْدِمْ سُور تَدْمُرَ، واقْدَمْ برؤسائهم معك. ففعل، وقدم عليه بالأصبغ بن ذؤالة وابنه حمزة، وغيرهما. وسار مروان في البَرِّيَّة حتى قدم الرُّصَافة، ومعه سليمانُ بنُ هشام، وعمُّه سعيدُ بنُ عبد الملك، وإخوتُه جميعًا، وإبراهيمُ المخلوع، وجماعةٌ من أعيان بني مروان، فأقاموا بالرُّصافة يومًا. ثم شخص مروانُ إلى الرَّقَّة، واستأذَنَه سليمانُ بنُ هشام أن يُقيم بالرُّصافة أيامًا ليتقوَّى ومَنْ معه من مواليه، ويريحوا دوابَّهم، ثم يلحقُه، فأَذِنَ له. وسار مروان إلى قرقيسيا وابنُ هُبَيرة بها ليجهِّزَه إلى العراق لمحاربة الضَّحَّاك بن قيس الشيبانيّ الحَرُوريّ (١). وكان سببُ خروج الضَّحَّاك أنَّه لما قُتل الوليدُ بنُ يزيد؛ ظهر بالجزيرة سعيدُ بنُ بَهْدَل الشَّيبانيُّ الحروريُّ في مئتين من أهل الجزيرة، فيهم الضَّحَّاك بنُ قَيس، فاغتنمَ قَتْلَ الوليد وخروجَ مروان إلى الشام، فخرج بالجزيرة بكَفْر تُوثَا، وخرج بِسْطَامُ البَيهَسِيّ وهو مخالفٌ لرأيه، وكان في مِثْل عُدَّتِه من ربيعة، فسارَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فلمَّا تقاربا؛ بعث سعيدٌ الخيبريَّ؛ أحدَ قُوَّادِه -وهو الذي هزم مروانَ وهو في مئة وخمسين، ومروانُ في مئة ألف- فبيَّتَ بِسطامًا على غِرَّة (٢)، فقتلَه وهزمَ أصحابه، ولم يُفْلِتْ منهم سوى أربعةَ عشرَ، وقَتَلَ الباقين، وكان يحملُ ويقول:

стр. 5300

إنْ تكُ بِسطامًا فإني الخَيبَرِي … أضربُ بالسَّيفِ وأَحمي عَسْكَرِي ثم مضى مَن بقيَ من أصحاب بِسطام إلى مروان، وسارَ سعيدُ بنُ بَهْدَل نحو الكوفة لمَّا بلغَهُ اختلافُ أهلِها مع أهل الشام، وأن ابنَ عُمر تُقاتِلُه المُضَربَّةُ، فمات سعيدٌ في طريقه بطاعون أصابَه، واستخلَفَ الضَّحَّاكَ بنَ قيس من بعده. وكانت لسعيد امرأةٌ تسمَّى حَوْماء، فرثاه الخيبريُّ بأبيات، منها: سقى اللهُ يا حَوْماءُ قبرَ ابنِ بَهْدَلٍ … إذا رَحَلَ السارونَ لم يَتَرَحَّلِ (١) ثم جعلَ الضَّحَّاك طريقَه على الموصل، فتبعَه منها ومن الجزيرة ومن الأسواد (٢) نحوٌ من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النَّضْرُ بنُ سعيد الحَرَشي ومعه المُضَرِيَّة، وبالحِيرَة عبدُ الله بنُ عُمر في اليمانيَّة، والقتالُ يعملُ بينهم كلَّ يوم ما بين الحِيرة والكوفة. فلما قَرُبَ الضَّحَّاك من الكوفة؛ اتَّفَقَ الحَرَشيُّ مع ابنِ عُمر، وصارَ أمرُهما واحدًا، وأجمعوا على قتال الضَّحَّاك، وخَنْدَقُوا على الكوفة، ومع ابنِ عمر يومئذٍ من أهل الشام نحوٌ من ثلاثين ألفًا. وجاء الضَّحَّاك، فاقتَتَلُوا أيامًا، فظهر عليهم الضَّحَّاك، فقُتل عاصمُ بن عُمر بن عبد العزيز أخو عبد الله، وانهزمَ ابنُ عمر إلى واسط، وهَرَبَ الحَرَشيُّ والمُضَرِيَّةُ وإسماعيلُ بنُ عبد الله القَسْريُّ إلى مروان بالشام. واستولى الضَّحَّاك والحَرُوريَّة على الكوفة وأرضها وجبال السَّوَاد (٣)، ثم تَوَجَّهَ إلى عبد الله بن عمر بواسط، واستخلفَ على الكوفة رجلًا من أصحابه -يقال له: مِلْحان- في مئتي فارس، ووصل إلى واسط، فحصَرَ ابنَ عمر بواسط (٤)، وكان معه عطيَّةُ الثعلبيّ من قُوَّاد قِنَّسْرِين، فخاف حصارَ الضَّحَّاك، فخرج في ثمانين (٥) من قومه طالبًا

стр. 5301

مروان، فخرجَ على القادسية، وبلغ مِلْحانَ أمرُه (١)، فخرج في إثره، واقتتلُوا، فهزمَه عطيَّة، وألحقَه بالكوفة. وسار إلى مروان، فكانَ معه (٢). وقيل: إنه قتل مِلْحان. ولمَّا مات ابنُ بَهْدَل وبايعتِ الشُّرَاةُ الضَّحَّاك؛ أقامَ بشَهْرَزُور (٣)، وثابَتْ إليه الصُّفْرِيَّة من كلِّ وَجْه حتى صار في أربعة آلاف، ولم يجتمع مثلُها لخارجيٍّ قبلَه. وقُتل الوليد، ونزلَ مروانُ من أرمينية إلى الجزيرة، ووَلَّى على العراق النَّضْرَ بنَ سعيد وكان من قُوَّاد ابنِ عُمر [فشخصَ إلى الكوفة، ونزل ابنُ عمر الحِيرَةَ، فاجتمعت المُضَريَّة إلى النَّضْر، واليمانية إلى ابن عمر] (٤) فقاتَلَه أربعة أشهر. [ثم] أمدَّ مروانُ النَّضْرَ بعبَّاد بن الغُزَيِّل (٥)، وأقبل الضَّحَّاك يريد الكوفة، فأرسلَ ابنُ عُمر إلى النَّضْر: إنَّ الضَّحَّاك لا يريدُ غيري وغيرَك، فلنجتمع عليه. فتعاهدا على ذلك. ونزل ابنُ عمر الكوفةَ، فكان يصلِّي بأصحابه في المسجد ناحية، ويصلِّي النَّضْر بأصحابه ناحية (٦). وجاء الضَّحَّاك فنزل النُّخَيلَة في رجب هذه السنة (٧)، فاقتتلوا أيامًا وقَتلَ البِرْذَوْنُ بنُ المورِّق الشيبانيُّ من أصحاب الضَّحَّاك عاصمَ بنَ عمر، فدفَنَه بنو الأشعث بن قيس في دارهم، وقَتَلُوا جماعةً من أصحابِ ابنِ عُمر والنَّضْر. وانهزمَ ابنُ عمر في أصحابه إلى واسط، وهربَ أعيانُهم، وحزنَ ابنُ عمر على أخيه حُزنًا عظيمًا ورَثَاه فقال:

стр. 5302

رَمَى غَرَضي (١) رَيبُ الزَّمانِ فلم يَدَعْ … غْدَاةَ رَمَى في الكفِّ للقوس (٢) مَنزَعَا رَمَى غَرَضي الأقصى فأقْصَدَ عاصمًا … أخًا كان لي حِرزًا ومأوًى ومَفْزَعا فإنْ يَكُ حزنٌ أو تَتَابُعُ غُصَّةٍ (٣) … أَدَابَتْ (٤) عَبِيطًا من دم الجوفِ أنجعا (٥) تَجَرَّعْتُها في عاصمٍ واحْتَسَيتُها … لَأَعْظَمُ (٦) منها ما احْتَسَى وتَجَرَّعَا فلَيتَ المنايا كُنَّ خَلَّفْنَ عاصمًا … معِشْنا جميعًا أو ذَهَبْنَ بِنا مَعَا (٧) وقال ابنُ عَبْدِ البَرّ: هذا الشِّعرُ لعبد الله بن عمر بن الخطاب يرثي به أخاه عاصمًا (٨). وكان عبدُ الله بنُ عمر يقول: بلغني أن عينَ بنَ عين بن عين يقتلُ ميمَ بنَ ميم. يعني أنَّه يقتلُ مروان (٩). ونزل ابنُ عمر والنَّضْر بواسط، وعادَ بينهما القتالُ على ما كان قبل ذلك، فالنَّضْر يطلبُ العراقَ بعهد مروان، وابنُ عمر لا يسلِّمُه إليه. وجاء الضَّحَّاك إلى واسط، فاصطلحا على قتاله، فأقام يُقاتلُهم شهر شعبان ورمضان وشوَّال، وقُتل من أعيان الفريقين جماعةٌ، منهم عبدُ الملك بنُ علقمة، وكان من رؤوس الخوارج، فَتَكَ في المسلمين، فبعث إليه ابنُ عمر منصور بنَ جمهور في

стр. 5303

ستِّ مئة فارس من كلب، وكان ابنُ علقمة في كتيبة قويَّة، فقتلَ جماعةً من أصحاب ابنِ عمر، ورآه منصور، فحملَ عليه وضربَه بالسيف على حَبْل عاتِقِهِ (١)، فقطَعَه، فخرَّ ميِّتًا، وكان بين يديه امرأةٌ من الخوارج تقاتلُ، يقال لها: سادة، وكانت في زِيِّ الفرسان، فأخذَتْ بلجام فرس منصور (٢) وقالت: يا فاسق، قتلتَه! فضرب يدها، فقطع عِنانَ فرسِه، ودخلَ البلد. ولما طال الحصار على ابن عمر قال له منصور: واللهِ ما رَأَينا في الناس مثلَ هؤلاء قطّ! فَلِمَ نُحارِبُهم؟ أعْطِهِم الرِّضا، واجْعَلْهم بينك وبين مروان، وأقِمْ مستريحًا بواسط، فإنْ ظفروا به؛ كان ما أرَدْتَ، وإنْ ظفر بهم وأرَدْتَ قِتاله؛ قاتَلْتَهُ وأنتَ مستريح. فقال له ابنُ عمر: لا تعجل حتى ننظرَ ونَتَرَوَّى. فقال له: إلى متى وقد هزمونا غير مرة، ونخافُ أن يستأصلونا. وخرج منصور إليهم، فوقفَ على فرسه بإزائهم، وناداهم: إني أُريدُ أن أُسْلِم وأسمعَ كلامَ الله، فقالوا: هلمَّ، فجاءهم، فنزلَ عندهم، ودَعَوْا له بغَدَاء، فتغدَّى، فقال منصور: من الفارس الذي أخَذَ بعِنان فرسي يومَ علقمة؟ فنادَوْا: يا أمَّ العشير (٣). فجاءت امرأةٌ من أجمل النساء، فاقالت: أنت ابنُ جُمهور؟ قال: نعم. قالت: قَبَّحَ اللهُ سيفَك، أين ما تُذكر منه؟! فواللهِ ما صنعَ شيئًا. تعني أنه ما جَرَحَها (٤). فقال: يا أمير المؤمنين، زَوِّجْني إيَّاها. فقال: إنَّ لها زوجًا، وكانت تحت عبيدة (٥) بن سوَّار التغلبي. ثم إن عبد الله بن عُمر وادعهم، وخرجَ إليهم في آخر شوَّال (٦) من هذه السنة (٧).

стр. 5304

وفيها خلع سليمانُ بنُ هشّام مروانَ بنَ محمد. قد ذكرنا مُقامَ سليمان بالرُّصافة (١)، فلما أقبلَ البعث الذي قطعَه مروان على أهل الشام -وهم عشرة آلاف ليبعثهم إلى يزيد بن عُمر بن هبيرة (٢) - ووصلُوا إلى الرُّصافة؛ دَعَوْا سليمان إلى خلع مروان، فقالوا: أنت أولى بالخلافة منه، وأرْضَى عند أهل الشام. فأجابَهم، وخرجَ بأولاده وإخوته ومواليهم (٣)، فعسكر بهم، وسار إلى قِنَّسْرِين، وكاتبَ أهلَ الشام، فأقبلُوا إليه من كلِّ ناحية. وبلغ مروانَ وهو بقَرْقِيسيا، فقال لابن هُبيرة: أقِمْ بدُورين في عسكرك. ودخلَ من تخلَّف من موالي سليمان وولدِ هشام حصن الكامل -وهو بالبَرِّيَّة بمكان يقال له: الهَنِيّ- فتحصَّنُوا فيه. فأرسل إليهم مروان: لا تتعرضوا إليّ ولمن يتبعُني بسوء، فلا عهد لكم عندي. وسار (٤) في سبعين ألفًا من أهل الشام والقبائل، فكانوا يخرجون من حصن الكامل، فيتبعون من يلحقُ بمروان، فيسلبونهم سلاحَهم وخيولَهم. وجاء مروان فنزلَ بقرية من أعمال قِنَّسْرِين يقال لها: خُساف (٥) في سبعين ألفًا، وجاء سليمان، واقتتلوا (٦)، فهزمَه مروانُ، واستولَى على عسكره، وقال: اقتُلُوا الأُسارى إلا عبدًا مملوكًا، فقَتَلُوا يومئذٍ نَيِّفًا وثلاثين ألفًا.

стр. 5305

وقُتل إبراهيمُ بنُ سليمان، وكان أكبرَ ولده، وأُتِيَ بخالد بن هشام المخزومي خالِ هشام [بن عبد الملك] وكان بادنًا وهو يلهث، فقال له مروان: أَي فاسقُ، أما كان لك في خمر المدينة وقِيانها ما يشغلُك عن قتالي؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أكرهني سليمانُ، فأنشُدُك اللهَ والرَّحِمَ. قال: وتكذبُ أيضًا؟! كيف أكرهك وقد خرجتَ بالقِيانِ وزِقاقِ الخمر والبَرابط؟! ثم ضَرَبَ عنقَه. وادَّعى كثيرٌ من الجند أنهم رقيق، فأمَرَ ببيعهم فيمن يزيد (١). وأمَّا سليمان؛ فمضَى هاربًا إلى حمص وانضمَّ إليه مَنْ أفلَتَ ممَّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروانُ أمرَ بهدمه من سُورها. ونزل مروان على حصن الكامل، فضربَه بالمجانيق، فنزلُوا على حكمه، فقتلَ منهم نحوًا من ثلاث مئة، ومثَّل بهم شرَّ مِثْلَة، ومضى جماعةٌ إلى الرَّقَّة مجرَّحين، وهلك أكثرُهم (٢). وعاد مروان إلى حمص، فلمَّا كان قريبًا منها؛ اجتمع أهلُها ومن كان مع سليمان وقالوا: إلى متى ننهزم من مروان؟! تَعَالوْا حتى نبايع على الموت. فبايع منهم تسعُ مئة، وأجمعوا على تبييت مروان، فبلغَه ذلك فاحترز، فتهيَّؤوا له، وكمنوا في زيتونٍ على طريقه بقريةٍ بجَبَل السَّمَّاق يقال لها: تل منّس. وكان لا يسير إلا على تعبئة. فنادى أصحابَه، والتَقَوْا، فاقتتلُوا من لَدُن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، وكان معاويةُ السَّكْسَكيُّ على شرطة سليمان، فأُخذ أسيرًا، وأُتيَ به إلى مروان، فقال: الحمدُ لله الذي أمكَنَني منك، فطالما بلغتَ منّا. فقال له: استَبْقِني، فإني فارسُ العرب. قال: كذبتَ، الذي جاء بك أَفْرَسُ منك. وكان أسرَه فارسٌ من بني سُليم، فأوثقَه، وانهزمَ سليمان، وقَتَلَ منهم مروانُ سبعة آلاف (٣). ولما وصل سليمان إلى حمص خلَّفَ أخاه سعيدَ بنَ هشام بها، ومضى هو إلى تدمر، فأقام بها.

стр. 5306

وجاء مروان فحصرَ حمصَ عَشَرَةَ أشهر، ونصبَ عليها نيِّفًا وثمانين منجنيقًا تضربُ ليلًا ونهارًا، وهم مع ذلك يخرجون إليه، فيقاتلونه ويبَيِّتُون بعضَ عسكرِه، فلمَّا طال عليهم وأيقنوا بالهلاك؛ راسلوه يطلبون منه الصُّلح، فقال: على أن تُسْلِمُوا إليَّ سعيدَ بنَ هشام وابْنَيه عثمانَ ومروانَ، وحَبَشيًّا كان يُشرفُ من السُّور، فيشتمُ مروانَ أقبحَ شَتْم والقبائل (١)، فسلَّمُوهم إليه، فقتلَ الحَبَشيَّ، ومثَّلَ به، وأوثقَ سعيدًا وابنَيه. وسار إلى قرقيسيا ليجهِّزَ ابنَ هبيرة إلى الضحَّاك. وقيل: إنَّ سليمان لما هُزم على خُساف هرب إلى واسط، فكان عند عبدِ الله بنِ عمر، وأنه بايع الضَّحَّاك بنَ قيس الخارجيَّ، وقال: أنا سائرٌ معك أُقاتلُ مروان. فقال شُبيل بن عَزْرة الضُّبعيُّ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أَظْهرَ دينَهُ … وصَلَّتْ قُريشٌ خَلْفَ بَكْرِ بنِ وائلِ (٢) ولما اتفقَ ابنُ عُمر وسليمان وابنُ جُمهور وصاروا يدًا واحدة؛ علم النَّضْر بنُ سعيد الذي ولَّاه مروان العراق أنَّه لا طاقة له بهم، فهربَ ولحقَ بمروان (٣). ولما استقام الشامُ لمروان في ذي القَعْدَة سنة سبع وعشرين ومئة، بعثَ (٤) يزيدَ بنَ عُمر بن هُبيرة في جندٍ كثيف من الشام والجزيرة لقتال الضحَّاك، وولَّاه العراق، فسار حتى نزل نهر سعيد بن عبد الملك. وقيل: اتفق الضَّحَّاك مع ابنِ عمر على أنَّ بيد الضَّحَّاك الكوفةَ وسوادَها، وبيدِ ابن عُمر كَسْكَر ومَيسان وكُوَر دِجْلَة والأهواز وفارس، واتفقوا على قتال مروان (٥). وسار الضَّحَّاك في ذي القَعْدَة على طريق الموصل، وانحطَّ ابنُ هُبيرة من نهر سعيد، فنزل غَزَّة من أرض عين التمر، وكان عاملَ الكوفة للضحاك المثنَّى بنُ عمران، وبلغه

стр. 5307

نزولُ ابن هُبيرة غَزَّة، فسار ومعه منصور بن جمهور، فالتَقَوْا على غَزَّة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيامًا متوالية، فقُتل المثنَّى، وانهزم منصورٌ إلى الكوفة، وقُتل جماعةٌ من أعيان الخوارج، وانهزمَ الباقون، فقال مسلم حاجبُ يزيد بن هُبيرة: أذَقْنَ المثنَّى (١) يومَ غَزَّةَ حَتْفَهُ … وأذْرَتْ عُزَيرًا بين تلك الجَنَادِلِ وعَمْرًا أزارَتْه (٢) المَنِيَّةَ بعدما … أطافَتْ بمنصورٍ كعابُ (٣) الحبائلِ وقال فيه غَيلان [بنُ حُرَيث]: نُصِرْتَ يومَ العينِ إذ لَقِيتَا … كنصرِ داودٍ على جَالُوتَا (٤) ولما انهزمَ منصور إلى الكوفة لا يلوي على شيء؛ جمعَ من كان بها من اليمانيَّة والصُّفْريَّة ومَنْ وصلَ منهم من الغلب، ومَنْ تخلَّفَ منهم عن المسير مع الضَّحَّاك، وسار بهم حتى نزل بهم الرَّوْحَاء، وجاء ابنُ هُبيرة، فاقتتلُوا أيامًا، فانهزمَ منصور، ودخلَ ابنُ هُبيرة الكوفة، ونَفَى الخوارجَ عنها، وولَّى عليها عبدَ الرحمن بنَ بشير العِجْلي. وبلغَ الضَّحَّاك ما جرى على أصحابه، فبعث إلى ابنِ هُبيرة عُبيدةَ بنَ سَوَّار التغلبيَّ، فجاء فنزل الصَّرَاةَ (٥)، وانضمَّ إليه منصورُ بنُ جمهور، وكان ابنُ هُبيرة قد عزم على المسير إلى واسط وبها ابنُ عمر، فبلغَه حديثُ عُبيدة، وأنَّه على الصَّرَاة، فسار إليه، فاقتتلُوا أيَّامًا (٦). وفيها تَوَجَّهَ سليمانُ بنُ كثير ولاهز بنُ قُرَيْط (٧) وقحطبة بنُ شبيب إلى مكة، وكان قد حجَّ إبراهيم بن محمد الإمام، فاجتمعوا به، وأخبروه أنَّ معهم عشرين ألفَ دينار،

стр. 5308

ومئتي ألفِ درهم، ومِسْكًا وطِيبًا، ومتاعًا كثيرًا، فأمرَهم أن يسلِّموا الجميعَ إلى عُروة مولى محمد بن عليّ، وكان معهم أبو مسلم، فقالوا لإبراهيم: هذا مولاك (١). وحجَّ بالناس [في هذه السنة] عبد العزيز بنُ عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف (٢)، وكان عمال العراق مختلفين، وعلى خُراسان نَصرُ بنُ سَيَّار، والكِرْمانيُّ والحارث بنُ سُرَيج ينازعانِه (٣). وفيها توفِّي بلالُ بن [أبي] بُرْدَة ابن أبي موسى الأشعري من الطبقة الثالثة من أهل البصرة. [ذكره خليفة وقال:] ولَّاه خالد [بنُ عبد الله] القسريُّ [الشرطة و] القضاء سنة تسع (٤) ومئة، فلم يزل قاضيًا إلى سنة عشرين ومئة حتى قدم يوسف بن عمر العراق (٥). وقال المدائني: كان بلال ملازمًا باب خالد القسريِّ، فكان لا يركبُ إلا يراه في موكبه، فتبرَّم به ومقتَه، وقال لبعض الشُّرَط: اِيتِ صاحبَ العِمامة السوداء فقل له: يقول لك الأمير: ما لزومك لبابي وموكبي؟! لا أُوَلِّيكَ ولايةً أبدًا. فأدَّى إليه الشُّرْطيُّ رسالةَ خالد القَسْريِّ، فقال: قل له: واللهِ لئن ولَّاني لا عَزَلَني أبدًا. فأبلَغَه ما قال، فقال: قاتَلَه الله، إنه لَيَعِدُ من نفسه بنهضة وكفاية ودعابة. فولَّاه إمرةَ البصرة والقضاء، فكان يقضي بين الناس وهو أمير. وقيل: إنَّ خالدًا ولَّاه قضاء الكوفة قبل البصرة، ولما ولي القضاء قال قتادة -وقيل: خالد بن صفوان بن الأهتم-: سحابةُ صَيْفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ

стр. 5309

فدعاه بلال وقال: أنت القائل كذا وكذا؟ قال: نعم. [قال:] (١)، واللهِ لا تَقَشَّعُ حتى يُصيبَكَ منها شُؤْبُوب (٢). فضربَه مئةَ سَوْط (٣). وكان بلال ظالمًا غَشُومًا، دخلَ عليه مالك بنُ دينار، فقال له: يا أبا يحيى، ادْعُ لي، فقال له [مالك]: كيف أدعو لك، وعلى الباب ألفٌ يَدْعُون عليك (٤)؟! و [قال المدائني:] لما قدمَ يوسف بنُ عمر العراق؛ حَبَسَ عمَّال خالد (٥) [وحَبَسَ بلالًا]، فقال للسَّجَّان: خُذْ منِّي مئةَ ألف [درهم] وقل ليوسف: إنَّني قَدْ مِتُّ. فجاء السَّجَان إلى يوسف [فأخبرَه أنه قد ماتَ. فقال: أُحِبُّ أن أراه ميِّتًا، فجاء إلى بلال] فأخبرَه. وقال: أخافُ أن يقتلني يوسف. فترك على وجهه مرقَّعةً وغَمَّهُ حتى مات، وأخرجَه إليه ميِّتًا، [فقال رجل:] هذا رجل قصدَ أمرًا، فانعكس عليه مقصودُه [فبلالٌ يُعَدُّ فيمن قصد حاله، فانعكست عليه] (٦). وروى بلال عن أبيه عن جدِّه، وروى عنه جماعةٌ من أهل البصرة و [أهل] الكوفة. ثابت بن نُعيم الجُداميّ من أهل فلسطين، كان رأسًا في اليمن، غزا المغرب في أيام هشام مع حنظلة بن صفوان الكلبيّ، فأفسد عليه الجُنْدَ، فكتب حنظلة إلى هشام يشكوه، فقال: ابْعَثْ به

стр. 5310

إليَّ. فبعثَ به إليه، فحبسَه، فلم يزل محبوسًا حتى قدم على هشام مروانُ بنُ محمد، فاستوهَبَه منه، فوهبه إيَّاه، فأشخصَه معه إلى أرمينية، وأكرمه، وولَّاه بعضَ أرمينية، فكَفَرَ إحسانَه وعصى عليه، فاعتَقَلَه، ثم مَنَّ عليه وأطلقَه. وشهدَ البيعة بدمشق لمروان بالخلافة، وولَّاه فلسطين، فأفسد عليه الشامَ، وراسلَ اليمانيَّة، فخلعوا مروان. وجاء إلى طبريَّة، فهزمه جيش مروان، فهرب واختفى، فتلَطَّفَ مروانُ حتى جيء به إليه ومعه أولادُه، فقطَّع يَدَيهِ ورِجْلَيه، وصَلَبه، وقتلَ أولادَه وأهلَه (١). الحَكَم بن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك بن مروان، كان الوليدُ عَقَدَ له ولأخيه عثمان ولايه العَهْد بعده، واستعمل الحَكَمَ على دمشق، وعثمانَ على حمص. والحكم القائل: فإن أَهْلِكْأنا وَوَليٌّ عهدي الأبيات (٢). وأمُّهُ أُمُّ ولد. قال الزُّبير بن بكَّار: شُدِخَ الحَكَم بالعُمُد، وذُبح عثمان فهو يسمَّى المذبوح، وأمُّه عاتكةُ بنت عثمان بن محمد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب بن أميَّة (٣).

стр. 5311

سَعْد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، [وكنيتُه] أبو إسحاق، الزُّهْري، [وهو] من الطبقة الرابعة من أهل المدينة. وأمُّهُ أمُّ كلثوم بنتُ سَعْد بن أبي وقَّاص. [قال ابن سعد:] وَلِيَ قضاءَ المدينة، وكان يصومُ الدَّهر، ويختمُ القرآنَ في كلِّ يوم وليلة (١). وقال أبو نُعيم: صام أربعين سنة (٢). وقال ابنُه: كان أبي يحتبي، فما يَحُلُّ حَبْوَتَهُ حتى يختم القرآن، وإذا جاءت الليالي الأفراد في العشر الأواخر من شهر رمضان ختم القرآن كلَّ ليلة (٣)، وكان لا يأكل إلا مع المساكين. [وقال ابن سعد:] توفّي بالمدينة سنة سبع وعشرين ومئة (٤). ويقال: سنة ستّ وعشرين -أو خمس وعشرين- ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (٥). أسند عن عبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، و [أبي أُمامة بن] (٦) سهل بن حُنَيف، ورأى ابنَ عمر، وروى عن أبيه، وابنِ المسيِّب، وخلقٍ كثير من التابعين. وروى عنه من التابعين: يحيى بنُ سعيد الأنصاري، والثوريُّ، وغيرهما، وهو من رجال "صحيح" البخاري (٧). وكانت له نِسْعَةٌ (٨) مُعَلَّقةٌ، فإذا قامَ بالليل ونَعَسَ؛ تَعَلَّقَ بها.

стр. 5312

وقضى في خادمه برأي ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، فأخبره ابنُ أبي ذئب عن رسول الله ﷺ بخلاف ذلك، فقال له ربيعة: قد اجتهدتَ وأمضيتَ الحُكْمَ. فقال له: أردُّ قضاءَ رسول الله ﷺ ، وأُمْضِي حُكْمَك ورأيَك؟! ودعا بالصحيفة فشقَّها، وقضى بقضاء رسول الله ﷺ (١). وقيل له: مَنْ أفْقَهُ أهلِ المدينة؟ فقال: أتقاهم لربِّه (٢). وسعدٌ الذي أحْرَقَ القُبَّةَ التي بعثَ بها الوليدُ بنُ يزيد إلى المدينة (٣)، وفيه يقول الشاعر: لسعدِ بنِ إبراهيمَ خَمْسُ مَنَاقِبٍ … عَفَافٌ وعَدْلٌ فاضلٌ وتَكَرُّمُ ومَجْدٌ وإطعام إذا هَبَّتِ الصَّبَا … وأمرٌ بمعروفٍ إذا الناسُ أحْجَمُوا (٤) وكان له من الولد: إسحاقُ وآمنةُ؛ أمُّهُما أمُّ كلثوم بنت محمد بن عبد الله الحَكَمي، وإبراهيمُ وسَوْدَةُ؛ أمُّهما أَمَةُ الرحمن، من بني عامر بن لُؤيّ، ومحمدٌ وإسماعيلُ لأمِّ وَلَد (٥). عبد العزيز بن الحجَّاج ابن عبد الملك بن مروان، [وكنيتُه] أبو الأصبغ، وهو الذي تولَّى قتل الوليد بن يزيد، وولَّاه يزيد الناقص العهدَ بعد أخيه إبراهيم لمساعدته إيَّاه على ذلك (٦). وأمُّه ريطَة بنت عُبيد الله بن عبد الله الحارثيّ أُمُّ أبي العبَّاس السَّفَاح؛ تزوَّجَها محمد بن عليّ بعد ما طلَّقها [عبد الله بن] (٧) عبد الملك (٨)، فعبد العزيز أخو السَّفَّاح لأمّه.

стр. 5313

وتزوَّج عبد العزيز أمَّ سَلَمة بنتَ هشام بن عبد الملك [ابنةَ عمّه]. [وحكى أبو القاسم ابنُ عساكر قال:] حجَّ عبد العزيز بالناس (١) سنة أربع وعشرين ومئة، ومعه زوجتُه أمُّ سَلَمة بنت هشام (٢). ولما دخل مروان دمشق ثار بعبد العزيز موالي الوليد [بن يزيد]. [قال خليفة: توجَّه عبد العزيز بن الحجَّاج بن عبد الملك إلى داره ليُخرج عياله، فثار به الموالي] وأهل دمشق، فقتلوه، واحتزُّوا رأسَه، وأتَوْا به أبا محمد السُّفيانيَّ، وكان محبوسًا مع الغلامَين (٣)، فأخرجوه في قيوده ووضعوه على منبر دمشق، ووضعوا رأسَ عبد العزيز بين يديه، ثم حلُّوا قيودَه، فخطبَ وبايعَ لمروان [بن محمد]، ولعنَ يزيدَ وإبراهيم [ابني الوليد] وعبدَ العزيز، ورماهم بالقَدَر، وأمرَ بجسد عبدِ العزيز، فصُلبَ منكوسًا بباب الجابية، وبعث برأسه إلى مروان، واستأمن السفيانيُّ لأهل دمشق، فأمَّنَهم مروان (٤). عمرو بنُ عبد الله ابن عليّ، أبو إسحاق السَّبِيعيّ الهَمْدانيّ، من الطبقة الثالثة، -وقيل: الرابعة- من أهل الكوفة. وُلد لثلاثِ سنين بقين من خلافة عثمان رضوان الله عليه، وصلَّى خلف عليٍّ رضوان الله عليه الجمعة بعد الزَّوال، قال: وسمعتُه يخطب وهو أبيضُ الرأس واللحية، أجلح (٥). وقال لي أبي: قُمْ، فانظر إلى أمير المؤمنين (٦).

стр. 5314

وغزا الروم مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ووفَدَ على معاوية، وفرضَ له في ثلاث مئة من العطاء (١). وقال: كابدتُ الليل أربعين سنة (٢). وهو من كبار التابعين، وكان قد كُفَّ بصرُه، وهو من أقران الشعبي. وقال مغيرة: كنت إذا رأيت أبا إسحاق ذكرت به الضرب الأول (٣). وقال العلاء بن سالم العَبْديّ: ضَعُفَ أبو إسحاق عن القيام، فكان لا يقدر أن يقومَ إلى الصلاة حتى يُقام، فإذا أقاموه؛ قرأ ألفَ آية وهو قائم (٤). وفي رواية: فكأن يقرأُ البقرةَ وآلَ عمران قائمًا (٥). ويقوم ليلة النصف (٦). مات أبو إسحاق وله مئة سنة -وقيل: تسع وتسعون (٧) - في سنة ثمان وعشرين ومئة. وقيل: سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين ومئة. أدرك خلقًا كثيرًا من الصحابة، وروى عن ثلاثة وثلاثين (٨) من الصحابة.

стр. 5315

وسمع من عليّ، وسعيد بن زيد، وابنِ عُمر، وأسامة بن زيد، وابن الزُّبير، والمغيرة، وابن عبَّاس، والبَرَاء بن عازب، وعديّ بن حاتم، وزيد بن أرقم، ورافع بن خَدِيج، والنعمان بن بشير، ومعاوية، وغيرهم (١). وروى عن خلق من التابعين، وروى عنه الثوريُّ (٢)، والأعمشُ، وابنُ عُيَينة، وغيرُهم. وقال رجل لشعبة: أسمعَ أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: وما يصنع بمجاهد؟ هو كان أحسنَ من مجاهد ومن الحسن وابنِ سِيرِين (٣). وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل ﵀: أبو إسحاق والأعمش رَجُلَا أهلِ الكوفة (٤). وقال ابن عساكر: اختلط في آخر عمره (٥). عليُّ بن زيد بن عبد الله ابن زهير بن عبد الله بن جُدْعَان، أبو الحسن التَّيميّ، من الطبقة الرابعة من أهل البصرة. وُلد أعمى (٦). وجدُّه عبد الله بن جُدْعان، كان أحدَ الأجواد، وكان في داره حِلْفُ الفضول في الجاهلية، وشَهدَهُ رسولُ الله ﷺ (٧). وكانت جفنتُه يُرْتَقَى إليها بسُلَّم (٨)، ووقع فيها

стр. 5316

رجل (١) فغرق. ولمَّا كَبِرَ حَجَرَ عليه أهلُه لئلا يتلفَ مالُه، فكان يقول للرجل: آدْنُ منّي حتى أَلطِمَك، وطَالِبْني بالقَوَد، فكان يُرضيه بمال (٢). مات عليٌّ بالبصرة سنة سمبع وعشرين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين ومئة في طاعون البصرة. أسند عن أنس بن مالك، وغيره، وروى عنه الثوريُّ وغيرُه. وكان أعلمَ الناس بعلم الحسن البصري، وكان الحسن يستخفي من الحجَّاج عنده (٣)، ووفَدَ على عمرَ بن عبد العزيز. وقد تكلَّموا فيه. وقال ابنُ عساكر: كان يتشيَّع، واختلط في آخر عمره (٤). عَمرو بن قيس [ابن ثور] (٥) بن مازن بن خيثمة، أبو ثور السَّكُوني الحمصي الكِنْدي، من الطبقة الثالثة (٦)، وقيل: الثانية فيمن وَلِي السرايا (٧). ووليَ الصائفة لعُمر بن عبد العزيز، رحمةُ الله عليه، من تابعي أهلِ الشام (٨). ومولدُه سنة أربعين، وتوفّي سنة سبع وعشرين، وقيل: سنة خمس وعشرين، والأوَّل أصحُّ. قال ابنُ عساكر: وسارَ إلى دمشق (٩) سنة ستٍّ وعشرين لطلب الثأر بدم الوليد بن يزيد.

стр. 5317

وقيل: عاش إلى أوَّل خلافة المنصور. قال إسماعيل بن عيَّاش: أدرك عَمرو سبعين من الصحابة أو أكثر، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيره، وكان صالح الحديث (١). عُمير بن هانئ أبو الوليد العَنْسيّ، من أهل داريا. [ذكره ابن سُميع] من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام (٢). [وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال]: كان يُسبِّحُ كلَّ يوم مئة ألف تسبيحة لا يفتُرُ لسانُه من ذكر الله (٣). [قال:] ووَلِيَ الكوفة للحجَّاج في أيام عبد الملك، ووَلِيَ خَراج دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز (٤). وروى عن ابن عُمر وغيره، وروى عنه الزُّهريُّ وغيرُه، وكان ثقة. وقال قوم: قتلَه مروانُ بنُ محمد؛ لأنه كان من شيعة يزيد الناقص، فقتله الصَّقْر بن حبيب المُرِّي بداريَّا، وأُدْخِلَ رأسُه على رُمْح إلى دمشق، وقيل: المقتولُ ابنُه (٥). أدرك عُمير خلقًا من الصحابة. [قال البخاري: زعم أنه أدرك ثلاثين من الصحابة (٦). وكان ثقة، رحمه الله تعالى] (٧).

стр. 5318

يوسف بن عُمَر ابن محمد بن الحكم بن أبي عَقيل الثقفي [ابنُ] (١) ابنِ عمِّ الحجَّاج [بن يوسف]. ولِيَ اليمن لهشام [بن عبد الملك] ثم ولّاه العراقين، وأقرَّه الوليد بن يزيد. [وقال أبو القاسم الحافظ:] كانت دارُه بدمشق ناحية سوق الغزل العتيق. [وقال خليفة: ولّاه هشام اليمن في سنة ستٍّ ومئة، فقدمها في رمضان لثلاث ليال بقين منه، فلم يزل واليًا عليها حتى مات هشام. و [قال المدائني:] كان يُطعِمُ العراقَ كلَّ يومٍ على خمس مئة خُوان، وكانت مائدتُه وأقصى الموائد سواءً. [وقال الأصمعيّ:] ولَّى أعرابيًّا عملًا، فخانَ فيه، فقال له [يوسف]: يا عدوَّ الله، أكَلْتَ مال الله؟! قال: فمالُ منْ آكُلُ؟ واللهِ لو طلبتُ من الشيطان درهمًا واحدًا ما أعطاني. فضَحِكَ يوسف وأطلقه. وكان يقتفي آثار الحجَّاج. [وقد ذكرنا أن يوسف بن عمر] قتلَ زيدَ بنَ عليّ، وضربَ وَهْبَ بن مُنبِّه حتى مات، وقتلَ خالدَ [بنَ عبد الله] القَسْرِيَّ بالعذاب، ومات بلالُ بنُ أبي بُردة في حَبْسِهِ. ولما قُتل الوليدُ بنُ يزيد، هرب من العراق إلى البَلْقَاء، فبعثَ يزيدُ الناقصُ، فأخَذَه وحبَسَه، وعَزَمَ أن يُسيِّرَه إلى العراق، فيقامَ للناس ويُقتصَّ منه المظالم من ماله ودمه، فمات يزيد، وبقي يوسف في الحَبْس، فدخلَ عليه يزيدُ بنُ خالد القَسْرِيُّ، فقتلَه بأبيه. وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن محمد بن المغيرة الكوفي قال: كنتُ بدمشق لما قُتل يوسف بنُ عمر، فقطعُوا رأسَه، وربطُوا رِجْلَيهِ بشريط، وجعل الصِّبْيَانُ يجرُّونه، فتمرُّ المرأة، فتَرَى جسدًا صغيرًا، فتقول: في أيِّ شيء قُتل هذا الصبيُّ المسكين؟! لِما تَرَى من صِغَر جُثَّتِه (٢)، وكان من أعظم الناس لحيةً، وأصغرِهم قامةً.

стр. 5319

وقُتِلَ [يوسفُ] وهو ابنُ بضع وستين سنة. وقال أبو غسان الثقفيّ: كنتُ بدمشق، فقيل لي: رأَينَا ابنَ عمِّك يوسفَ بنَ عمر مقتولًا في هذا الموضع، وفي مذاكيره حَبْلٌ يُجَرُّ به، ثم رأَينَا بعد ذلك يزيدَ بنَ خالد القَسْرِيَّ في هذا الموضع، وفي مذاكيره حَبْلٌ يُجَرُّ به (١). السنة الثامنة والعشرون بعد المئة فيها بعث إبراهيمُ الإمام أبا مسلم إلى خُراسان، وأَمَّرَهُ على أصحابه وشيعتِه، وكتبَ إليهم بذلك، فأتاهم فلم يقبلوا منه، وخرجَ من قابل إلى مكة، وأخبره أبو مسلم أنهم لم يُنفذوا أمرَه، فقال إبراهيم: قد كنتُ عرضتُ الأمرَ على جماعة منهم، فلم يقبلوه. ثم كتب له كتابًا ثانيًا: إني قد أمَرْتُهُ بأمري، فلا تُخالفوه. ثم أوصاه بوصايا، منها: أنه قال: انزل بين الحيِّ من اليمن (٢) وأَكْرِمْهُم، فإنَّ الله مُتَمِّمٌ بهم هذا الأمر، واتَّهِمْ ربيعة، واقْتُلْ من شَكَكْتَ فيه من مُضَر، وإن استطعتَ أن لا تدعَ في خُراسان [لسانًا] عربيًّا (٣) فافْعَلْ، وأيُّما غلام بلغ خمس سنين أو خمسة أشبار (٤) واتَّهمْتَه فاقْتُلْه، ولا تُخالف سليمان بنَ كثير، ولا النُّقَباء الاثني عشر، فمانه لا يتمُّ هذا الأمرُ إلا على الوجه الذي ذكرتُ لك. وفيها قُتل الخيبريُّ الخارجيُّ، وسنذكرُه إن شاء الله تعالى (٥).

стр. 5320

وفيها لقيَ المختارُ بن عَوْف أبو حمزةَ الخارجيُّ الأزديُّ البصريُّ عبدَ الله بنَ يحيى، فدعاه إلى مذهبه، وكان مُقيمًا بحضرموت ويحجُّ كلَّ موسم، ويدعو الناسَ إلى مخالفة بني مروان، فقال لعبد الله بن يحيى: أنتَ من آل بيت رسول الله ﷺ وأنا أُقاتلُ مَنْ خالفَهم، فاخْرُجْ معي إلى حضرموت، فإني مطاعٌ هنالك. فخرج معه، فبايَعَه أبو حمزة بالخلافة (١). وحجَّ بالناس [في هذه السنة] عبدُ العزيز بنُ عمر بنِ عبد العزيز وهو على مكة والمدينة والطائف، وكان بالعراق عُمَّالُ الضحاك، وعبدُ الله بنُ عمر، وعلى قضاء البصرة ثُمامةُ بنُ عبد الله بن أنس، وعلى خُراسان نَصْرُ بنُ سَيَّار، والفتنةُ قائمةٌ بين نَصْر والحارث والكِرْمانيِّ (٢). وفيها توفّي إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيّ صاحب التفسير والمغازي والسِّيَر. [وقال الجوهري: سُمِّي إسماعيلُ السُّدِّيَّ؛ لأنه كان يبيع المقانع (و) الخُمُر في سُدَّة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من (الطاق) المسدود] (٣). وكان إمامًا فاضلًا عارفًا بالوقائع وأيَّام الناس. [وذكره ابنُ سعد] من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة [وقال: السُّدِّيُّ صاحب التفسير] مات سنة سبع وعشرين ومئة (٤). [وقال الهيثم: مات في سنة ثمان وعشرين ومئة]. وقد تكلموا فيه، ووثَّقَه سفيان الثوريُّ، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطَّان (٥)، وغيرُهم.

стр. 5321

وضعَّفَه قوم لرواية حديث الطَّير، ورواه التِّرمذيُّ عن السُّدِّيّ عن أنس قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ وعنده طائرٌ، فقال: "اللهمَّ ائْتِني بأحبِّ خلقِك إليك يأكلُ معي من هذا الطائر (١) ". فأَتَى عليٌّ، فأكلَ معه. فلمَّا ضعَّف ابنُ معين وابنُ مهدي حديثَ الطائر وثقه الترمذي (٢). وقال الحاكم النيسابوري: حديث الطائر يلزمُ البخاريَّ ومسلمًا إخراجُه في "صحيحيهما" لأنه على شرطهما، ورجاله ثقات (٣). وأخرج الحديث أبو لفَرَج [ابن] الجوزي ﵀ في "الأحاديث الواهية" (٤) عن أنس وابن عباس من طرق كثيرة، وقال في آخره: وكان الحاكم أبو عبد الله قد صنَّف في طرقه جزءًا ضخمًا، وأدخله في "المستدرك على الصحيحين". فبلغ الدارقطنيَّ فقال: يُستدركُ عليهما حديث الطائر؟! فبلغ الحاكمَ، فأخرجه من الكتاب (٥). جابر بن يزيد الجُعفي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وقد تكلَّموا فيه وضعَّفوه (٦). الحارث بن سُرَيج الخارجي قد ذكرنا أنَّ يزيدَ بنَ الوليد أمَّنَه، وأقام بمَرْو، واجتمع إليه ثلاثةُ آلاف.

стр. 5322

فبينما هم على ذلك قدمَ ابنُ هُبيرة العراق، وكتبَ إلى نصر بنِ سيَّار بعهده على خُراسان، فقال الحارث: إنَّما أمَّنَني يزيد [بن الوليد] ومروان لا يُجيز أمانَه، ولا آمَنُهُ على نفسي. ودعا إلى نفسه، ونال من مروان، فأتاه سَلْمُ بنُ أَحْوزَ، وحمَّاد بنُ عامر، وقَطَن بن محمد، ووجوه القُوَّاد وقالوا: نُذَكِّرُك اللهَ أن تُفَرِّقَ جماعتَنا وقد أمَّنَك نصر، واجتمعَتْ كلمتُنا بك، فلا تُفَرِّقْها. فلم يلتفت، وخرجَ فعسكر بظاهر مَرْو، وأرسل إلى نصر: اجْعَلِ الأمرَ شُورى. فأبى نصر. وكان جَهْمُ بنُ صفوان مولى بني راسب صاحبُ المقالة الذي ينسب إليه الجَبْر كاتِبَ الحارثِ وصاحِبَ عسكرِه ومتولِّي أمرِه، فأمره الحارث أن يكتبَ كتابًا فيه سيرةُ الحارث، فكتبَه، وقرأه على الناس، ومشى بينهما السُّفراء، وأن يكون بينهما رجالٌ يعملون بكتاب الله وسنَّة رسوله، فاختارَ نصرٌ مقاتل بنَ سُليمان، ومُقاتلَ بنَ حَيَّان، واختار الحارث المغيرةَ بنَ شعبة الجهضمي ومعاذ بن جَبَلة. وقال الحارث [لنصر] (١): اعْزِلْ سَلْمَ بنَ أحْوَز عن شُرطتك، واستعمل بِشْرَ بنَ بِسطام البُرْجُميّ. فعزلَه. وأمر نصرٌ كاتبَه أن يكتبَ ما يرضَوْن به من السُّنن (٢) والسير، ومَنْ يختارون من العمال فيولِّيهم الثَّغْرَين: سَمَرْقَنْد وطَخَارستان. وكان الحارثُ يقول: إنه صاحبُ الرَّايات السُّود، وإنه يهدمُ سُورَ دمشق، ويزيل مُلْكَ بني أميَّة. وبلغ نصرًا، فأرسل إليه يقول: قد بلغَني عنك كذا وكذا، فخُذْ منّي خمسَ مئة رأس، ومئتي بعير، واحْمِلْ من الأموال ما شئت، ومن آلة الحرب، وسِرْ. ولَعَمْري لئن كنتَ صاحبَ ذاك إني لفي يدك، وإن كنتَ لستَ ذاك؛ فقد أهلكتَ عشيرتَك.

стр. 5323

فقال الحارث: قد علمتُ أنَّ هذا حقٌّ، ولكن لا يُتابعُني (١) عليه أصحابي. فقال نصر: فقد تبيَّن أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك، وأنهم رَعاع وفُسَّاق، فاذكر اللهَ (٢) في عشرين ألفًا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بيننا (٣). وقال سَلْم بن أحوز: دعني أَفْتِكْ بالحارث. فقال: قد أمَّنَّاه (٤). ثم أرسل نصر إلى الحارث يستميلُه ويقول: أُوَلِّيك ما وراء النهر، وأُعطيك ثلاثَ مئة ألف درهم. فلم يقبل، وتَنَاظَرَا مُدَّةً، ثم تَرَاضيا أن يحكم بينهما مُقاتلُ بنُ حَيَّان وجَهْمُ بنُ صفوان، فحَكَما أن يعتزلَ نصر، ويكونَ الأمرُ شُورى، فلم يرضَ نَصْر. وكان جَهْمٌ يقصُّ في عسكر الحارث، ويُؤَشِّبُ (٥) الناس في (٦) الفتنة، ويُميلهم إلى الحارث. وكتبَ الحارثُ سيرتَه، فكانَتْ تُقْرَأُ على الناس وفي المساجد والطُّرُق. واحترزَ نصر على مَرْو، فولَّى عليها سَلْمَ (٧) بنَ أحْوز وعلى القَهَنْدَز (٨)، وعلى أبواب البلد، وسدِّ عوراتِه، وقَدِمَ عليه جماعة من قُوَّاد خُراسان، فاستظهر على الحارث، والحارثُ نازلٌ بظاهر مَرْو وقد عسكر، وقدمَ عليه الكِرْمانيُّ في وجوه خُراسان فكان مع الحارث، وانضمَّ (٩) إليه خلقٌ كثير، ومقصودُه أن يستوليَ على مَرْو

стр. 5324

ويُخرجَ نصرًا منها، فقال لأصحابه: ما نجعلُ شعارنا؟ فقال له مقاتل بن سليمان: إن شعار رسول الله ﷺ : "حم، لا ينصرون" (١). فجعلوه شعارهم والتقَوْا، فهجمَ بعضُهم المدينة، وحملَ رجل على جَهْم فطعنه في فيه، فقتلَه، عاقَبَهُ اللهُ حيث أقدم على كتابه أنَّه مخلوق (٢)، وجاؤوا إلى منزل سَلْم، فنهبوه فنادى سَلْم: مَنْ جاء برأسٍ فله ثلاثُ مئة. وقيل: إنَّما أُسِرَ جَهْمٌ، فأخذ يخدعُ سَلمًا، فقال له سَلْم: لو ملأتَ لي هذه المَلَاةَ (٣) كواكبَ، وأنزلْتَ (٤) عيسى بن مريم من السماء؛ ما نجوتَ، ولو كنتَ في بطني لشَقَقْتُ بطني حتى أقتلَك، واللهِ لا تقومُ مع اليمانيَّة أكثر ممَّا قمتَ. ثم ضرب عنقه. وكُنية جَهْم أبو مُحْرِز. وانهزمَ الحارثُ، وكان الكِرْمانيُّ قد انضمَّ إليه في قتال نصر، فشجّع الحارث وقال له: قف فعاد وقاتلَ الكِرْمانيُّ قتالًا شديدًا، وقتَلَ من أصحاب نصر جماعةً. وهَزَمَت اليمانيَّةُ مُضَرَ، واليمانيَّةُ مع الحارث والكِرْمانيّ، فبعث الحارثُ إلى نَصْر يقول: إن اليمانيَّةَ يُعَيِّروني بانهزامكم وأنا كافٌّ عنكم، فاجعل حُماةَ أصحابِك بإزاء الكِرْمانيّ، ففعل. ثم ظهر الكِرْمانيُّ على مَرْو، وخرج نَصْرٌ منها في حُماةِ أصحابه، وقال نَصْر لنسائه: سيخلُفُني فيكنَّ الحارثُ بنُ سُرَيج ويحميكنَّ. ثم سار حتى نزلَ نيسابور، فتلَقَّوْه بالهدايا والتُّحف (٥). ولما سار نَصْر من مَرْو؛ غَلَبَ عليها الكِرْمانيُّ والحارثُ، فهدم الكِرْمانيُّ دُورَ بعضِ أصحاب نَصْر، وأفسدَ أصحابُه فيها، فقال الكِرْمَانيُّ: إنما أُريدُ كتابَ الله. فقال له

стр. 5325

مقاتل بن حيَّان: أفي كتابِ الله هَدْمُ الدُّورِ وانتهابُ الأموال والفساد؟! فأخَذَه الكِرْمانيَّ، فحبسَه في خيمة، ثم شفعَ فيه معمر بن مقاتل بن حيَّان، فأطلقَه. وأنكر الحارث هَدْم الدُّور، فَهَمَّ به الكِرْمانيُّ، ثم توقَّف. وكان مُدَبِّرَ أمرِ عسكرِ الكِرْمانيّ مقاتلُ بنُ سليمان. ثم اختلف الحارثُ والكِرْمانيُّ، والتَقَوْا واقتَتَلُوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحابُ الحارث عنه، وبقي في مئة، فقاتلَ، فقُتل وقُطع رأسُه، وصُلب على باب مَرْو بغير رأس. وكان مقتلُه بعد خروج نصر [من مَرْو] بثلاثين يومًا، وقُتل يوم الأحد لستٍّ بقين من رجب. وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبيراء، فقُتل عندها. ونَهَبَ الكِرْمانيُّ أمواله. وكان الحارثُ يُظهر الندمَ على متابعة الكِرْمانيّ (١). وغلبت اليمانيَّةُ على المُضَريَّة، فهدَمُوا دُورَهم بمَرْو، ونَهبُوا أموالهم (٢). وقال نَصْر بن سيَّار يُخاطبُ الحارثَ بن سُرَيج حين قُتل: يا مُدْخِلَ الذُّلِّ على قومِهِ … بُعْدًا وسُحْقًا لكَ من هَالِكِ شُؤْمُك أَرْدَى مُضَرًا كُلَّها … وغضَّ من قومكَ بالحارِكِ ما كانتِ الأَزْدُ وأشْياعُها … تَطْمَعُ في عَمرٍو ولا مَالكِ (٣) وكان عليٌّ وعثمانُ ابنا الكِرْماني قد أبْلَيَا في ذلك اليوم بلاءً حسنًا حين قُتل الحارث، فقال شاعرٌ يمدحُهما: إني لَمُرتَحِلٌ أُريدُ بِمِدْحَتِي … أخَوَينِ فوقَ ذُرَى الأنامِ ذُرَاهُما فاقا المُلُوكَ ولم يزالا نُجْعَةً … لا يَعْدَمُ الضَّيفُ الغَرِيبُ قِرَاهُما أعْني عَلِيًّا إنه وشقيقُهُ … عثمانُ ليس يَذِلُّ من وَالاهُما
следующие страницы →