← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وضعَّفَه قوم لرواية حديث الطَّير، ورواه التِّرمذيُّ عن السُّدِّيّ عن أنس قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ وعنده طائرٌ، فقال: "اللهمَّ ائْتِني بأحبِّ خلقِك إليك يأكلُ معي من هذا الطائر (١) ". فأَتَى عليٌّ، فأكلَ معه. فلمَّا ضعَّف ابنُ معين وابنُ مهدي حديثَ الطائر وثقه الترمذي (٢). وقال الحاكم النيسابوري: حديث الطائر يلزمُ البخاريَّ ومسلمًا إخراجُه في "صحيحيهما" لأنه على شرطهما، ورجاله ثقات (٣). وأخرج الحديث أبو لفَرَج [ابن] الجوزي ﵀ في "الأحاديث الواهية" (٤) عن أنس وابن عباس من طرق كثيرة، وقال في آخره: وكان الحاكم أبو عبد الله قد صنَّف في طرقه جزءًا ضخمًا، وأدخله في "المستدرك على الصحيحين". فبلغ الدارقطنيَّ فقال: يُستدركُ عليهما حديث الطائر؟! فبلغ الحاكمَ، فأخرجه من الكتاب (٥). جابر بن يزيد الجُعفي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وقد تكلَّموا فيه وضعَّفوه (٦). الحارث بن سُرَيج الخارجي قد ذكرنا أنَّ يزيدَ بنَ الوليد أمَّنَه، وأقام بمَرْو، واجتمع إليه ثلاثةُ آلاف.

стр. 5322

فبينما هم على ذلك قدمَ ابنُ هُبيرة العراق، وكتبَ إلى نصر بنِ سيَّار بعهده على خُراسان، فقال الحارث: إنَّما أمَّنَني يزيد [بن الوليد] ومروان لا يُجيز أمانَه، ولا آمَنُهُ على نفسي. ودعا إلى نفسه، ونال من مروان، فأتاه سَلْمُ بنُ أَحْوزَ، وحمَّاد بنُ عامر، وقَطَن بن محمد، ووجوه القُوَّاد وقالوا: نُذَكِّرُك اللهَ أن تُفَرِّقَ جماعتَنا وقد أمَّنَك نصر، واجتمعَتْ كلمتُنا بك، فلا تُفَرِّقْها. فلم يلتفت، وخرجَ فعسكر بظاهر مَرْو، وأرسل إلى نصر: اجْعَلِ الأمرَ شُورى. فأبى نصر. وكان جَهْمُ بنُ صفوان مولى بني راسب صاحبُ المقالة الذي ينسب إليه الجَبْر كاتِبَ الحارثِ وصاحِبَ عسكرِه ومتولِّي أمرِه، فأمره الحارث أن يكتبَ كتابًا فيه سيرةُ الحارث، فكتبَه، وقرأه على الناس، ومشى بينهما السُّفراء، وأن يكون بينهما رجالٌ يعملون بكتاب الله وسنَّة رسوله، فاختارَ نصرٌ مقاتل بنَ سُليمان، ومُقاتلَ بنَ حَيَّان، واختار الحارث المغيرةَ بنَ شعبة الجهضمي ومعاذ بن جَبَلة. وقال الحارث [لنصر] (١): اعْزِلْ سَلْمَ بنَ أحْوَز عن شُرطتك، واستعمل بِشْرَ بنَ بِسطام البُرْجُميّ. فعزلَه. وأمر نصرٌ كاتبَه أن يكتبَ ما يرضَوْن به من السُّنن (٢) والسير، ومَنْ يختارون من العمال فيولِّيهم الثَّغْرَين: سَمَرْقَنْد وطَخَارستان. وكان الحارثُ يقول: إنه صاحبُ الرَّايات السُّود، وإنه يهدمُ سُورَ دمشق، ويزيل مُلْكَ بني أميَّة. وبلغ نصرًا، فأرسل إليه يقول: قد بلغَني عنك كذا وكذا، فخُذْ منّي خمسَ مئة رأس، ومئتي بعير، واحْمِلْ من الأموال ما شئت، ومن آلة الحرب، وسِرْ. ولَعَمْري لئن كنتَ صاحبَ ذاك إني لفي يدك، وإن كنتَ لستَ ذاك؛ فقد أهلكتَ عشيرتَك.

стр. 5323

فقال الحارث: قد علمتُ أنَّ هذا حقٌّ، ولكن لا يُتابعُني (١) عليه أصحابي. فقال نصر: فقد تبيَّن أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك، وأنهم رَعاع وفُسَّاق، فاذكر اللهَ (٢) في عشرين ألفًا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بيننا (٣). وقال سَلْم بن أحوز: دعني أَفْتِكْ بالحارث. فقال: قد أمَّنَّاه (٤). ثم أرسل نصر إلى الحارث يستميلُه ويقول: أُوَلِّيك ما وراء النهر، وأُعطيك ثلاثَ مئة ألف درهم. فلم يقبل، وتَنَاظَرَا مُدَّةً، ثم تَرَاضيا أن يحكم بينهما مُقاتلُ بنُ حَيَّان وجَهْمُ بنُ صفوان، فحَكَما أن يعتزلَ نصر، ويكونَ الأمرُ شُورى، فلم يرضَ نَصْر. وكان جَهْمٌ يقصُّ في عسكر الحارث، ويُؤَشِّبُ (٥) الناس في (٦) الفتنة، ويُميلهم إلى الحارث. وكتبَ الحارثُ سيرتَه، فكانَتْ تُقْرَأُ على الناس وفي المساجد والطُّرُق. واحترزَ نصر على مَرْو، فولَّى عليها سَلْمَ (٧) بنَ أحْوز وعلى القَهَنْدَز (٨)، وعلى أبواب البلد، وسدِّ عوراتِه، وقَدِمَ عليه جماعة من قُوَّاد خُراسان، فاستظهر على الحارث، والحارثُ نازلٌ بظاهر مَرْو وقد عسكر، وقدمَ عليه الكِرْمانيُّ في وجوه خُراسان فكان مع الحارث، وانضمَّ (٩) إليه خلقٌ كثير، ومقصودُه أن يستوليَ على مَرْو

стр. 5324

ويُخرجَ نصرًا منها، فقال لأصحابه: ما نجعلُ شعارنا؟ فقال له مقاتل بن سليمان: إن شعار رسول الله ﷺ : "حم، لا ينصرون" (١). فجعلوه شعارهم والتقَوْا، فهجمَ بعضُهم المدينة، وحملَ رجل على جَهْم فطعنه في فيه، فقتلَه، عاقَبَهُ اللهُ حيث أقدم على كتابه أنَّه مخلوق (٢)، وجاؤوا إلى منزل سَلْم، فنهبوه فنادى سَلْم: مَنْ جاء برأسٍ فله ثلاثُ مئة. وقيل: إنَّما أُسِرَ جَهْمٌ، فأخذ يخدعُ سَلمًا، فقال له سَلْم: لو ملأتَ لي هذه المَلَاةَ (٣) كواكبَ، وأنزلْتَ (٤) عيسى بن مريم من السماء؛ ما نجوتَ، ولو كنتَ في بطني لشَقَقْتُ بطني حتى أقتلَك، واللهِ لا تقومُ مع اليمانيَّة أكثر ممَّا قمتَ. ثم ضرب عنقه. وكُنية جَهْم أبو مُحْرِز. وانهزمَ الحارثُ، وكان الكِرْمانيُّ قد انضمَّ إليه في قتال نصر، فشجّع الحارث وقال له: قف فعاد وقاتلَ الكِرْمانيُّ قتالًا شديدًا، وقتَلَ من أصحاب نصر جماعةً. وهَزَمَت اليمانيَّةُ مُضَرَ، واليمانيَّةُ مع الحارث والكِرْمانيّ، فبعث الحارثُ إلى نَصْر يقول: إن اليمانيَّةَ يُعَيِّروني بانهزامكم وأنا كافٌّ عنكم، فاجعل حُماةَ أصحابِك بإزاء الكِرْمانيّ، ففعل. ثم ظهر الكِرْمانيُّ على مَرْو، وخرج نَصْرٌ منها في حُماةِ أصحابه، وقال نَصْر لنسائه: سيخلُفُني فيكنَّ الحارثُ بنُ سُرَيج ويحميكنَّ. ثم سار حتى نزلَ نيسابور، فتلَقَّوْه بالهدايا والتُّحف (٥). ولما سار نَصْر من مَرْو؛ غَلَبَ عليها الكِرْمانيُّ والحارثُ، فهدم الكِرْمانيُّ دُورَ بعضِ أصحاب نَصْر، وأفسدَ أصحابُه فيها، فقال الكِرْمَانيُّ: إنما أُريدُ كتابَ الله. فقال له

стр. 5325

مقاتل بن حيَّان: أفي كتابِ الله هَدْمُ الدُّورِ وانتهابُ الأموال والفساد؟! فأخَذَه الكِرْمانيَّ، فحبسَه في خيمة، ثم شفعَ فيه معمر بن مقاتل بن حيَّان، فأطلقَه. وأنكر الحارث هَدْم الدُّور، فَهَمَّ به الكِرْمانيُّ، ثم توقَّف. وكان مُدَبِّرَ أمرِ عسكرِ الكِرْمانيّ مقاتلُ بنُ سليمان. ثم اختلف الحارثُ والكِرْمانيُّ، والتَقَوْا واقتَتَلُوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحابُ الحارث عنه، وبقي في مئة، فقاتلَ، فقُتل وقُطع رأسُه، وصُلب على باب مَرْو بغير رأس. وكان مقتلُه بعد خروج نصر [من مَرْو] بثلاثين يومًا، وقُتل يوم الأحد لستٍّ بقين من رجب. وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبيراء، فقُتل عندها. ونَهَبَ الكِرْمانيُّ أمواله. وكان الحارثُ يُظهر الندمَ على متابعة الكِرْمانيّ (١). وغلبت اليمانيَّةُ على المُضَريَّة، فهدَمُوا دُورَهم بمَرْو، ونَهبُوا أموالهم (٢). وقال نَصْر بن سيَّار يُخاطبُ الحارثَ بن سُرَيج حين قُتل: يا مُدْخِلَ الذُّلِّ على قومِهِ … بُعْدًا وسُحْقًا لكَ من هَالِكِ شُؤْمُك أَرْدَى مُضَرًا كُلَّها … وغضَّ من قومكَ بالحارِكِ ما كانتِ الأَزْدُ وأشْياعُها … تَطْمَعُ في عَمرٍو ولا مَالكِ (٣) وكان عليٌّ وعثمانُ ابنا الكِرْماني قد أبْلَيَا في ذلك اليوم بلاءً حسنًا حين قُتل الحارث، فقال شاعرٌ يمدحُهما: إني لَمُرتَحِلٌ أُريدُ بِمِدْحَتِي … أخَوَينِ فوقَ ذُرَى الأنامِ ذُرَاهُما فاقا المُلُوكَ ولم يزالا نُجْعَةً … لا يَعْدَمُ الضَّيفُ الغَرِيبُ قِرَاهُما أعْني عَلِيًّا إنه وشقيقُهُ … عثمانُ ليس يَذِلُّ من وَالاهُما

стр. 5326

جَرَيا لِكَيْما يَلْحَقَا بأبيهما … جَرْيَ الجَوادِ من البعيدِ مَدَاهُما فَلَأَمْدَحَنَّهما بما قد عَايَنَتْ … عيني وإنْ لَمْ أُحْصِ كلَّ نَداهُما فهما التَّقِيَّانِ المشارُ إليهما … الحَامِيانِ الكاملانِ كِلاهُما وهُما أزَالا عن أَرِيكةِ مُلْكِهِ … نَصْرًا ولاقَى الذُّلَّ إذْ عَادَاهُما نَفَيَا ابنَ الاقْطَع بَعْدَ قَتْلِ حُماتِهِ … وتَقَسَّمَتْ أسْلَابَه خَيلَاهُما والحارثُ ابنُ السَّرْجِ إذْ قَصَدَا له … حتى تَعَاوَرَ رأسَه سيفاهُما أخَذَا بعَفْو أبيهما في قَدْرِه … إذْ عَزَّ قَوْمُهُما ومَنْ صَافَاهُما فَلَئنْ هُما لَحِقَا به لِمُنَصَّبٍ … يَسْتَعْلِيانِ ويَلْحَقَانِ أباهما ولَئِنْ أبَرَّ عليهما فلَطَالما … جَرَيَا فَبَذَّهُما وبَذَّ سواهُما (١) وأمَّا: جَهْمُ بنُ صفوان فإنه صاحبُ البِدَع، وهو أوَّلُ مَنْ قال: الاسمُ غير المسمَّى، وأخذ (٢) القولَ بخلق القرآن عن الجَعْد (٣) بن دِرْهم، وافقَ المعتزلة والكَرَّاميَّة (٤) في مسائل، ونَفَى رؤيةَ الله تعالى، وعذابَ القبر، والصِّراطَ والميزان. حفص بن الوليد ابن سيف الحضرمي، أبو بكر القاري (٥)، كان وجيهًا عند بني أمية، ولَّاه هشام الصوائف ومصر، فأقامَ بها حتى وليَ مروانُ بنُ محمد، فعصى عليه، فبعثَ إليه حَوْثَرةَ بنَ سُهيل الباهليَّ، فخرج إليه حفص، فقاتلَه، فقُتل حفص.

стр. 5327

رَوَى عن الزُّهْرِيّ وغيرِه، ورَوَى عنه الليثُ بنُ سعد، وغيرُه، وكان ثقةً (١). حَيُّ بنُ هانئ (٢) المَعَافِريّ غزا مع جُنادة [بن أبي أمية] البحر والمغرب في زمن معاوية، وكان فارسًا عظيمًا، ديِّنًا صالحًا متواضعًا، يخرج إلى السوق، فيشتري حاجتَه بنفسه. روى عنه الليث بنُ سعد وغيرُه. وقال الليث: سألتُه عن القَدَر، فقال: أنا في الإسلام أقْدَمُ منه، ودين أنا أقدمُ منه لا خير فيه. يعني أنَّ الكلام فيه حَدَثَ بعد مولدِه. وكانت وفاتُه بمصر (٣). سعيد بن مسروق الثوري أبو سفيان، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة. كان فاضلًا زاهدًا عابدًا (٤). الضَّحَّاك بن قيس الخارجيّ قد ذكرنا أنه استولى على الكوفة في السنة الماضية، وانضمَّ إليه عبد الله بنُ عمر [بن عبد العزيز] (٥) وسليمان بنُ هشام ومنصور بنُ جمهور خوفًا من مروان بن محمد. قال أبو مِخْنَف: لمَّا حاصرَ الضَّحَّاكُ عبدَ الله بنَ عمر بواسط أرسل إليه يقول: مُقامُك ها هنا في غير فائدة، هذا مروان بالجزيرة، فسِرْ إليه، فإن قتلتَه (٦) فأنا معك.

стр. 5328

فصالحه وارتحل عن واسط طالبًا مروان، وجاءت كتب الجزيرة والموصل إلى الضَّحَّاك أن يقدم عليهم، فسارَ إليهما في هذه السنة، ومعه سليمان بن هشام. وقيل: جاءه وهو على نصيبين، وتولَّى على الموصل (١) وبها القَطِرانُ بن أَكْمَه الشَّيبانيّ نائبُ مروان، ففتحَ أهلُ المَوْصل المدينةَ للضَّحَّاك، فدخلَها، وقاتلَهم القَطِرانُ، فقتلُوه ومَنْ كان معه من أهله وقومه، واستولى الضَّحَّاك على الموصل وكُوَرِها (٢). وكان مروان على حمص يحاصرُها، فكتب إلى ابنِه عبدِ الله -وهو نائبُه بالجزيرة- أن يسير إلى نَصِيبين ليشغل الضَّحَّاك عن الجزيرة، فسار في سبعة آلاف وخلَّف بحرَّان قائدًا في ألف، وسارَ إليه الضَّحَّاك، فلم يكن له به قوة، لكثرة ما مع الضَّحَّاك؛ كان معه مئة وعشرون ألفًا، يرزقُ الفارسَ مئةً وعشرين درهمًا في كل شهر، وصاحبَ البغل مئة، والرَّاجِلَ ثمانين. وأقام الضَّحَّاكُ على نَصِيبين يُحاصرُها، وجاء مروانُ في جنودِه في ستين ألفًا، فالتَقَوْا على كفرتُوثا (٣) بمكان يقال له: الغَزّ، فاقتتلوا يومَهم ذلك إلى الليل، فلما كان عند المساء تَرَجَّلَ الضَّحَّاك وتَرَجَّل معه [من] أجنادِ عسكرِه ستةُ آلاف، وأهلُ عسكرِه لكثرتهم لا يعلمون بما كان منهم (٤)، وأحدَقَتْ بهم خيلُ مروان، فقَتَلُوا الضَّحَّاك وعامَّةَ مَنْ تَرَجَّلَ معه، وانصرفَ مَنْ بقيَ من أصحابه إلى عسكرهم، ورجع أصحابُ مروان إلى عسكرهم، ولا يعلم مروانُ بقتل الضَّحَّاك حتى فقدَه أصحابُه وسط الليل، فأخبرهم رجلٌ أنه رآه مقتولًا، فبكَوْا وناحُوا عليه. فجاء عبدُ الملك بن بِشْر التغلبيُّ -وهو قائد من قُوَّاد الضحاك- فدخلَ عسكر مروان، فأخبره بقتله، فأرسلَ معه جماعةً معهم الشمع والنيران إلى موضع المعركة فقلَّبُوا القتلى، فاستخرجوه، وأتَوْا به مروان وفي وجهه ورأسه أكثرُ من عشرين ضربةً،

стр. 5329

فكبَّر عسكرُ مروان وعلمَ عسكر الضَّحَّاك أنهم قد علمُوا بقتله، وقطعَ مروانُ رأسَه، وبعث به من ليلته (١) إلى مدائن الجزيرة، فطافوا به فيها (٢). وقيل: كان مقتل الضَّحَّاك سنة تسع وعشرين ومئة (٣). الخَيبِرَيّ لما قُتل الضَّحَّاك بايعَ عسكرُه الخَيبَرِيَّ، وأصبحوا على قتال مروان، وكان سليمانُ بنُ هشام وأهلُ بيته ومواليه مع الخَيبَريّ، وهو في أكثرَ من ثلاثة آلاف من أهله ومواليه، وكان قد تزوَّجَ منهم أخت شَيبان الحَرُوريّ الذي بُويعَ بعد مقتل الخيبريّ. وتقابلت الصفوف، وكان عسكر مروان ميمنة وميسرة، ففي الميمنة أهلُ الشام مع ابنه عبدِ الله، وفي الميسرة أهلُ الجزيرة مع إسحاق بن مسلم العُقيليّ، ومروانُ واقف في القلب، فحمل الخَيبَرِيُّ في نحوٍ من أربع مئة من الشُّراة (٤)، وقصدَ مروانَ، فانهزمَ مروان، وخرجَ من العسكر، والميمنةُ والميسرةُ ثابتة، وهجم الخَيبَرِيُّ سُرادقَ مروان، فجلس على فَرْشِه، وقطع أطنابَه (٥)، وقتل مَنْ لَقِيَهُ، فلما رأى عَبيدُ مروان قلَّة [مَنْ] مع الخَيبَرِيِّ، ثَابُوا إليه بعُمُد الخِيام، فقتلُوه وأصحابَه في خيمة مروان وحولَها. وبلغ مروانَ الخبرُ وقد جاوز العسكرَ بخمسة أميال -أو بستَّة- منهزمًا، فعاد إلى عسكره، ورَدَّ خُيولَه عن مواقفها إليه. وعلمت الخوارجُ بقتل الخيبريِّ، فولَّوْا عليهم شَيبان، وبايعوه، فقاتَلَهم مروانُ بعد ذلك بالكراديس (٦)، وأبطل الصفَّ (٧).

стр. 5330

ثم رحلت الخوارج عن موضعها ومعهم سليمان بنُ هشام، فأقاموا بنواحي الجزيرة، وعادَ مروان إلى حرَّان (١). عبد الواحد بن زيد أبو عُبيدة، واعظُ أهل البصرة، من الطبقة الرابعة من أهلها. كان من الزُّهَّاد العُبَّاد الخائفين المجتهدين، وعلى يده باب الحسن البصريّ (٢)، وكان يحضر مجالسه العلماء والزُّهَّاد. وكان يحضر في مجالس مالك بن دينار، فروى ابن أبي الدنيا عن الحارث بن عبيد قال (٣): كان عبد الواحد بنُ زيد يجلس إلى جنبي عند مالك بنِ دينار، فكنتُ لا أفهمُ كثيرًا من مواعظ مالك لكثرة بكاء عبد الواحد. وروى ابن أبي الدنيا عن زيد بن عمر قال: شهدتُ مجلس (٤) عبد الواحد بعد العصر، فكنتُ أنظرُ إلى مَنْكبَيه ترتعد (٥)، ودموعُه تتحدَّرُ (٦) على لحيته وهو ساكتٌ، والناسُ يبكون، فقال: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون؟ وفي القوم فتًى، فغُشِيَ عليه، فما أفاقَ حتى غربت الشمسُ، فأفاقَ وهو يقول: ما لي؟ ما لي؟ كأنَّه يُعَمِّي على الناس.

стр. 5331

وروى أبو نُعيم عن مِسْمَع بن عاصم قال: شهدتُ عبدَ الواحد (١) ذاتَ يوم وهو يعظُ، فماتَ في ذلك المجلس أربعةُ أنفس قبل أن يقوم. قال مِسْمَع: فأنا شهدتُ جنائزَهم [أو جنازة بعضهم]. وروى ابن أبي الدُّنيا عن بكر بن مصاد قال: سمعتُ عبدَ الواحد يقول: يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إلى الله تعالى؟! ألا إنه مَنْ بكى شوقًا إلى الله؛ لم يَحْرُمْهُ النظرَ إليه. يا إخوتاه، ألا تبكونَ خوفًا من النار؟! ألا إنَه مَنْ بكى خوفًا منها أعاذَه الله منها. يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من شدّة العطش يومَ القيامة؟! يا إخوتاه، ألا تبكون؟! بلى، فابْكُوا على الماء البارد في أيَّام الدنيا لعلَّه أن يَسْقِيَكُمُوه في حظائر القدس مع خير النُّدماء من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا. ثم جعل يبكي حتى غُشِيَ عليه (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن حصين بن القاسم الوزَّان قال: لو قُسم (٣) بثُّ عبدِ الواحدِ على أهل البصرة لوسعهم، فإذا أقبلَ سَوادُ الليل نظرتَ إليه كأنه فرسُ رِهانٍ مُضَمَّرٌ، يتحزَّمُ ثم يقومُ إلى محرابه، فكأنَّه رجلٌ مخاطب. وروى ابن أبي الدنيا عن حيَّان الأسود قال: حدَّثني عبدُ الواحد قال (٤): أصابَتْني علَّةٌ في ساقي، فكنتُ أتحاملُ عليها للصلاة. [قال:] فقمتُ ليلةً، فأجهدتُ وَجَعًا، فجلستُ، ثم لفَفْتُ إزاري في محرابي. ووضعتُ رأسي عليه، ونمتُ، فبينا أنا كذلك إذا بجاريةٍ تفوقُ الدُّنيا حُسنًا تَخْطِرُ بين جوارٍ مُزيَّنات، فقالتْ لهنَّ: ارفَعْنَه ولا تُهِجْنَهُ.

стр. 5332

[قال:] فاحتملنني عن الأرض، وقالت لغيرهنّ: افرُشنَ له، ومَهِّدْنَ له. [قال:] ففَرَشْنَ تحتي سبع حشايا لم أرَ في الدنيا مثلهنَّ، ووَضَعْنَ تحت رأسي مَرافِقَ حِسانًا خُضْرًا، ثم قالت للَّاتي حَمَلْنَني: اجعلنه على الفُرُش رويدًا ولا تُهِجْنَهُ. ففعلن، ثم قالت: احفُفْنَهُ بالرَّيحان والياسمين، ففعلنَ، ثم وضَعَتْ يَدَها على موضع علَّتي التي كنتُ أجدُ في ساقي، فمسحَتْ ذلك المكانَ بيدها، ثم قالت: قُمْ -شفاكَ الله- إلى صلاتك غير مضرور. [قال:] فاستيقظتُ واللهِ كأني نَشِطْتُ من عِقال، فما اشتكيتُ تلك العِلَّةَ بعد ليلتي تلك، ولا ذهبَتْ حلاوةُ منطقِها من قلبي: قُمْ -شفاكَ الله- إلى صلاتك غير مضرور (١). وروى أبو نُعيم عن أبي سليمان الدارانيّ قال: أصابَ (٢) عبدَ الواحد الفالجُ، فسألَ اللهَ أن يُطلقه (٣) وقتَ الوضوء (٤)، فكان إذا أراد يتوضَّأ أُطلق، [فإذا رجع؛ رجع الفالج عليه] (٥). وقال أبو نعيم: صلى عبد الواحد صلاة الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة. وروى أبو نعيم عن أبي سليمان الدارانيّ قال: ذُكر لي (٦) عن عبد الواحد [بن زيد] أنه قال: نِمْتُ ليلةً عن وردي، فإذا بجاريةٍ لم أرَ أحسنَ وجهًا منها، عليها ثياب حرير خضر، وفي رجلها (٧) نعلانِ، [والنَّعلان] يسبِّحان، والزِّمامان يُقَدّسان، وهي تقول: يا ابنَ زيد جِدَّ في طلبي، فإني في طلبك. ثم قالت: مَنْ يشتريني ومَنْ يَكُنْ سَكَني … يَأمَنُ في ربحه من الغَبَنِ

стр. 5333

فقلت: [يا جارية] فما ثمنُك؟ فقالت: تَوَدُّدُ اللهِ مَعْ محبَّتِهِ … وطُولِ فِكْرِ يُشابُ بالحَزَنِ فقلتُ: لمن أنتِ؟ فقالت: لمالكٍ لا يَرُدُّ لي ثَمَنًا … مِن خاطبٍ قد أتاهُ بالثَّمَنِ قال: فانتبه، وآلَى على نفسه أن لا ينامَ الليل (١). وذكر أسلم الكوفيُّ (٢) أنَّ امرأةً من عابدات البصرة وقفَتْ على عبد الواحد وهو يَعِظُ، فصاحت [به]: أيُّها المتكلِّم عن غيره، تكلَّم عن نفسك، وإلا فاصْمُتْ، ما أُشَبِّهُك إلا بمعلِّم الصبيان، تعلِّمُهُم نهارًا، فإذا عادوا إلى منازلهم نَسُوه، وإنما ينبغي أن تَعِظَ بلسانِ فعلِك، لا بزخاريف عباراتك، واللهِ لو متَّ ما صلَّيتُ عليك. قال: فدهش عبدُ الواحد من كلامها، ونزل من المنبر واجمًا، فنزل، فجلس في بيته، فلم يخرج إلى الناس سنة كاملةً. قال المصنف ﵀: وهذه العابدة اسمها حَيُّونَة (٣)، وكانت من العابدات، وكانوا يفضِّلُونها على الحسن وابنِ سيرين، وكانت لا تزال بمقابر البصرة، فإذا قيل لها في ذلك تقول: وليس للميِّت في قَبْرِهِ … فِطْرٌ ولا أضحى ولا عَشْرُ بان (٤) من الأهل على قربِهِ … كذاك مَنْ مسكنُه القَبْرُ (٥) وكانت تقول: مَنْ أحبَّ [الله] أنِسَ، ومَنْ أَنِسَ طَرِبَ، ومن طَرِبَ اشتاق، ومن اشتاقَ وَلِهَ، ومَنْ وَلِهَ خَدَم، ومَنْ خَدَمَ وَصَلَ، ومن وَصَلَ اتَّصَلَ، ومَن اتَّصَلَ قَرُبَ، ومَنْ قَرُبَ سهر، ومَنْ سَهِرَ تَوالتْ عليه الهُموم والأحزان (٦).

стр. 5334

وكانوا إذا قرَّبوا إليها طعامًا وقت إفطارها تبكي وتقول: كيف يشتغل المُحِبُّ عن حبيبه بأكل الطعام، يُوشك أن يَقْدَمَ رسولُ الحبيب وهو مشتغل بالأكل عن حبيبه، فلا تقرَّ عينُه بلقائه. ثم تبيتُ طاويةً (١). أسند عبد الواحد عن الحسن وأقرانِه، وروى عنه أسلم الكوفي (٢) وغيره. وذكر الهيثم بنُ عديّ أن عبد الواحد بن زيد مات في هذه السنة. وحكى الحافظ ابنُ عساكر عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال (٣): مات عبد الواحد في سنة سبع وسبعين ومئة. [والأول أقرب إلى الصواب، لأنه من الطبقة الرابعة من التابعين، فقد تقدم موتُه]. قال ابن عساكر: كان عبد الواحد يسوحُ في الشام، وقدم دمشق [وروى عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وعُبَادة بن نُسيّ، وأبي عبد الله القرشي صاحب أبي الدرداء وغيره] (٤). قال ابن عساكر: وقد ضعَّفَه ابنُ مَعِين وغيرُه في الحديث، وبعضُهم يرميه بالقَدَر (٥). عثمان بن عاصم ابن حَصِين -بفتح الحاء- الأسديّ، من الطبقة الرابعة (٦) من الكوفيين [الفقهاء والمحدِّثين.

стр. 5335

وقال أبو حاتم الرازي:] (١) يقال: إنه (٢) من ولد عَبِيد (٣) بن الأبرص الشاعر. وروى أبو القاسم ابن عساكر عن أبي أحمد العسكري أنه قُرئ القرآن عليه (٤) بمسجد الكوفة خمسين سنة. [قال:] وبعث إليه السلطان بجائزة سنيَّة، فردَّها، فقيل له: [لم رددتَها، أو:] ما منعك من قبولها؟ فقال: الحياء والكرم (٥). [وقال خليفة: مات سنة سبع -أو ثمان- وعشرين ومئة] (٦). أسند عن ابن عبَّاس، وأنسٍ، وابنِ الزُّبير [والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي]. وروى عنه سفيان الثوريّ وغيرُه، وكان صدوقًا صالحًا، أثنى عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه، وغيرُه (٧). ولم يكن له ولد ذكر، وكانت له ابنة تزوَّجَها قيسُ بنُ الربيع (٨). يزيد بن أبي حبيب [ذكره ابن سعد] من الطبقة الثالثة من تابعي أهل مصر [قال: ويُكنى أبا رجاء، مولًى لبني عامر بن لؤي، من قريش، وكان ثقة كثير الحديث، مات في سنة ثمان وعشرين ومئة. هذا صورة ما ذكره ابن سعد (٩). وقال أبو سعيد بن يونس: اسمُ أبي حبيب سُويد العامريّ.

стр. 5336

وُلد يزيد سنة ثلاث وخمسين، وكان نُوبيًّا، فقيه أهل مصر] (١)، وهو أوَّلُ مَنْ أظهرَ بها الحلال والحرام والفقه، وإنما كانوا يتحدَّثُون بالملاحم والفتن، وكان أحدَ الثلاثة الذين جعلَ إليهم عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه القضاءَ بمصر. وكان الليث بن سَعْدٍ يُثني عليه [دائمًا]، ويقول: يزيدُ بنُ أبي حَبِيب سيِّدُنا وعالِمُنا. وكان يزيد يقول: أبي نُوبيٌّ من دُنْقُلَة (٢)، اشتراه شَرِيك بنُ الطُّفَيل العامريّ، فولاؤُنا له (٣). أسند يزيد عن أبي الطُّفَيل، [وعبد الله بن الحارث بن جَزْء] (٤) وغيره، وروى عنه: سُليمان التَّيميُّ، وغيرُه، وكان فاضلًا زاهدًا ثقة، توفي بمصر [في هذه السنة] (٥). السنة التاسعة والعشرون بعد المئة فيها سار أبو الدَّلْفَاء شيبان بن عبد العزيز اليشكري إلى الموصل. قال الهيثم: إنَّ (٦) مروان لمَّا قُتل الضَّحَّاك والخَيبَريّ نزلَ بإزاء الخوارج وقد ولَّوْا عليهم شَيبان، فقال لهم سليمان بنُ هشام: الرأيُ أن نسير إلى المَوْصل على حامية، ونُخندِقَ علينا، فإنَّ مروان يضجر، فينصرف أو نظفر به. فساروا ونزلُوا شرقيَّ المَوْصل، وجاء مروان فنزل غربيَّ دِجْلة، ودِجْلَةُ بينهما، فأقاموا يقتتلون تسعةَ أشهر، ويزيدُ بنُ عُمر بن هُبيرة بقَرْقِيسيا في جندٍ كثيف من أهل الشام والجزيرة، فكتبَ إليه مروان أن يسيرَ إلى الكوفة وعليها يومئذٍ المثنَّى بنُ عِمْران الخارجيّ.

стр. 5337

وأقام مروانُ بإزاء الخوارج وكانوا قد استَوْلَوْا على المَوْصل، وعقدُوا جسورًا من شرقيِّ دِجْلة إلى المَوْصل، فكانت مِيرَتُهُم وما يحتاجون إليه منها، ومروان غربيَّ المَوْصِل قد خندقَ عليه، فأقامَ يقاتلهم تمامَ السنة دائمًا بُكرةً وعشيًّا. فخرج يومًا رجلٌ من عسكر مروان وطلبَ البِرازَ، فبرز إليه أميَّة بن معاوية بن هشام ابنُ أخي سليمان، فأخذَه الرجل أسيرًا، فأتى به مروانَ، فقال له: يا عمّ، أَنْشُدُكَ اللهَ والرَّحِم. فقال: أنتم قطعتُم وشائج الأرحام بيننا. وأمرَ به فقُطعت يداه ورِجلاه، وسُليمان وإخوتُه ينظرون إليه، ثم قتلَه (١). وسار ابنُ هُبيرة إلى العراق، فقاتلَ خليفةَ الضَّحّاك، فقتلَه، وأبادَ الخوارجَ، واستولَى على الكوفة، فكتب إليه مروان أن يُمدَّه، فأمدَّه بعامر بن ضُبارة في سبعة آلاف (٢). وبلغَ شيبانَ قدومُه، فبعث إليه قائدَين: الجَوْن وابن غوث (٣)، فلقُوا ابنَ ضُبارة بالسنّ دون المَوْصل، واقتتلُوا، فهزَمَهم ابنُ ضُبارة، وعادوا إلى الخوارج، وتفرَّقَ عنهم كثيرٌ من أهل الطَّمع وخذَلُوهم، وانقطعت عنهم الموادّ، وفرغَ ما في المَوْصل من المِيرَة، وكانوا في مئة وعشرين ألفًا، فأصبحوا في أربعين ألفًا، فقال لهم سليمان: قد ضَعُفْنا، وكلَّما جئنا نضعف، ومروانُ تأتيه الموادّ، فارتَحِلُوا من المَوْصل، فلا مُقام لنا بها. فساروا على حميَّة نحو حُلْوان [إلى] الأهواز وفارس، وبعثَ مروانُ ابنَ ضُبارة، وأضافَ إليه جندًا مع جماعة من قوَّاده، وأمرَه أن يتبعهم حتى يستأصلَهم، وافترقوا فرقتين وهو في آثارهم، وافترقُوا من فارس، فأخذ شيبانُ ناحيةَ البحرين، فقيل: إنه قُتلَ بها، وسار سليمان بأهله ومواليه نحو السِّند، وركبوا في السفن، وعاد مروان إلى حرَّان، فأقام بها حتى شخص إلى الزَّاب (٤).

стр. 5338

وقال أبو مِخْنَف (١): لمَّا سار ابنُ هُبيرة من قَرْقِيسيَا يريدُ الكوفة وبها المثنَّى بن عمران العائذي من الخوارج، وافى (٢) الكوفةَ في شهر رمضان، فهزم الخوارجَ ودخلَها. وكان خليفةَ الضَّحَّاك بالعراق عُبيدةُ بنُ سوَّار، فجمع من الخوارج جمعًا عظيمًا، وقصدَ ابنَ هُبيرة، وقطعَ إليه الصَّرَاة (٣)، فخرج إليه ابنُ هُبيرة والتَقَوْا، فقُتل عُبيدة وعدَّةٌ من أصحابه. وكان منصورُ بنُ جُمهور مع الخوارج إلا أنه لم يقطع الصَّرَاة، فلما قُتل عُبيدة؛ سار منصور إلى الماهَين (٤)، فغلبَ على الجبال أجمع، وسار ابنُ هُبيرة إلى واسط، فأخذ ابنَ عمر فحبسه. وسارَ سليمانُ إلى فارس -وقيل: إلى السِّنْد كما ذكرنا- وأمرَ مروانُ ابنَ ضُبارة أن يتبعَ شيبانَ الخارجيَّ بالعساكر، فسار خلفَه، وأمدَّ منصورٌ شيبانَ، فخرج شيبانُ إلى إصطخر، فلقي عبد الله بن معاوية، فلم يتفق بينهما أمرٌ، فسارَ شَيبان إلى كِرْمان، ونزلَ ابنُ ضُبارة بإزاء ابنِ معاوية أيامًا، ثم ناهضَه القتال، فانهزمَ ابنُ معاوية، فلحق بهَرَاةَ، وأقبل ابنُ ضُباره نحو كِرْمان، فالتقى شيبان، فهزمَه، واستباحَ عسكرَ الخوارج، وهربَ شيبان إلى سِجِسْتان، فهلكَ بها (٥). وقيل: إنَّما قُتل شيبان بعُمان قعّله جلندي بنُ مسعود بن جيفر (٦) الأزديّ.

стр. 5339

وفيها كتب إبراهيم الإمام (١) إلى أبي مسلم والنُّقَباء بخُراسان بإظهار الدعوة ولُبس السَّواد. ذكر أسامي النُّقَباء: وهم اثنا عشر: سليمان بنُ كثير [الخُزاعيّ]، ومالك (٢) بن الهيثم الخُزاعيّ، وزياد بن صالح الخُزاعيّ، وطلحة بن رُزيق (٣)، وعَمرو بن أعين الخُزاعيّ، وقحطبة بن شبيب بن خالد بن مَعْدان الطائيّ، واسمُه زياد، وموسى بن كعب التميميّ، ولاهز بن قُريط، والقاسم بن مُجاشع (٤)، وأسلم بن سلَّام، وخالد بن إبراهيم، وأبو عليّ الهَرَويّ، على اختلاف منهم، لأنَّ بعضَهم يجعل شبل بن طهمان مكان عَمرو بن أعين، وعيسى بن كعب مكان موسى، وأبا النجم إسماعيلَ بنَ عمران مكان الهَرَوي (٥). وهؤلاء اختارَهم محمد بنُ عليّ بن عبد الله بن عبَّاس من سبعين من أهل خُراسان لما بعث إليهم رسولَه، فاستجابوا له، فقال: نتبَّرك بفعل رسول الله ﷺ ليلةَ العقبة. والمشهورُ منهم ثلاثة: سليمانُ بنُ كثير، وقحطبةُ، وأبو منصور طلحةُ بن رُزيق بن سعد (٦)، واعتماد أبي مسلم (٧)، فإنه كان قد شهد وقائع ابنِ الأشعث مع الحجَّاج، وغزا مع المهلَّب وقُتيبة، وكان خبيرًا بالحرب. وكان بين أبي مسلم وبين سليمان بن كثير تباعدٌ؛ لأنَّ محمدًا وإبراهيمَ كانا يُفضِّلانِه على أبي مسلم، وأوَّلُ ما بعثَ إبراهيمُ أبا مسلم لم يقبله سليمان، وردَّه إلى العراق، ثم بعثه إبراهيمُ ثانيًا.

стр. 5340

واختلفت الروايات في كيفية إظهار الدعوة، فقال قوم: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خراسان حتى وقعت الفتنةُ والعصبيَّة بها وانتقض الحبل. فكتب سليمانُ بنُ كثير إلى أبي سلمة [الخلَّال] وهو بالكوفة يسألُه أن يكتب إلى الإمام إبراهيم أن يبعثَ رجلًا من أهل بيته، فكتبَ أبو سَلَمة إلى إبراهيم، فبعثَ أبا مسلم. فلما كان في هذه السنة (١)؛ كتبَ إبراهيمُ إلى أبي مسلم أن يَقْدَمَ عليه ليسألَه عن أخبار الناس، فخرجَ في النِّصف من جُمادى الآخرة في جماعة من الشيعة كأنه يُريد الحجَّ، وسار على بلاد خُراسان، فمرَّ على بِيوَرْد (٢) ونَسَا وقُومس، وجرت له في طريقه خُطوبٌ مع عمَّال نَصْر بن سيَّار، فلما وصل إلى قُومِس؛ تلقَّاه رسولُ إبراهيم بكتابين، أحدهما إليه، وفيه: قد بعثتُ إليك براية النَّصر، فارْجعْ من حيثُ يلقاك كتابي هذا، ووَجِّهْ إليَّ قحطبة بنَ شبيب بما معك يوافيني به المَوْسم. فعاد أبو مسلم إلى خُراسان، وبعثَ إليه بقحطبة، وقدمَ أبو مسلم مَرْو في [أوّل يوم من] شهر رمضان سنة تسع وعشرين [ومئة] (٣). والكتاب الآخر إلى سليمان بنِ كثير، فدفعَه أبو مسلم إليه، وفيه: أَظْهِرْ دعوتَك ولا تتربَّصْ، وأرْسِلْ إلى الشيعة وأخْبِرْهُم. ونزل أبو مسلم قرية من قرى مَرْو؛ يقال لها: سِيكيذنج (٤)، والكِرْماني وشيبان الخارجيّ يُقاتلان نَصْرَ بنَ سيَّار، فبثَّ أبو مسلم الدعوةَ وأظهرَها يوم الفِطْر. وفي رواية: أنَّ أبا مسلم جهَّز قحطبة إلى إبراهيم من قُومِس، وبعث معه بالأموال التي اجتمعت عنده، وعادَ إلى مَرْو، فنزلَ قريةً يقال لها: فنين، وأظهر الدعوة في شعبان (٥). والأصحُّ في رمضان.

стр. 5341

ولبسوا الأسود، وصلَّى بهم أبو مسلم صلاة العيد، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة -وقيل: إن الذي صلَّى بالناس سليمانُ بنُ كثير (١) - بغير أذان ولا إقامة، وخطبَ بعدَ الصلاة، وكان بنو أميَّةَ يخطُبون قبل الصلاة، لينالوا من أمير المؤمنين ﵇ قبل أن يتفرَّق الناس، ويُصلُّون بأذان وإقامة مخالفةً لسنَّة رسول الله ﷺ . وأوَّل من فعلَ ذلك مروانُ بنُ الحَكَم في أيَّام معاوية، فأخرجَ مسلمٌ عن طارق بن شهاب قال: خطب مروانُ يومَ العيد قبلَ الصلاة، فقام بعضُ الحاضرين فقال: يا مروان، أخْرَجْتَ المنبرَ يومَ العيد، ولم يخرجه رسولُ الله ﷺ ، وخَطَبْتَ قبلَ الصلاة، وكان رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يخطبُون بعد الصلاة، فقال مروان: قد تُرك ذلك. قال أبو سعيد الخُدري: أمَّا هذا. فقد قضى ما عليه، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبلسانه، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢). وكان بنو أميَّة يُكَبِّرون في الأولى أربعَ تكبيرات، وفي الثانية ثلاثَ تكبيرات، فخالفَهم أبو مسلم، فكَبَّرَ في الأولى ستَّ تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات (٣)، وهو مذهبُ ابنِ عبَّاس، وبه أخذَ الشافعيُّ (٤). ثم أظهرَ أبو مسلم الرايةَ التي بعثَ بها إبراهيمُ إليه، ويُقال لها: السحاب، وقيل: الظّلّ، فمن قال: السحاب (٥)؛ فقال بأن السحاب يُطبِّقُ الأرضَ، فكذا دعوةُ بني العبَّاس، ومَنْ قال: الظِّلّ؛ تأوَّلَ أنَّ الناسَ يعيشون في ظل دولتهم (٦).

стр. 5342

وأوَّلُ فتحٍ جاء أبا مسلم من قِبَل موسى بن كعب في بِيوَرْد (١)، تم فتح من قِبَل مَرْوَرُوذ. ثم قدم أبو الوضَّاح وعامَّةُ الدُّعاة من الأماكن، هذا ونصر بن سيَّار يُقاتلُ الكِرْمانيَّ والخوارج. وقال الهيثم: عقد أبو مسلم اللواء الذي بعثَ به إبراهيم إليه على رُمح طوله عشرة أذرع. وقيل: خمسة عشر ذراعًا. ولما اجتمعت الشيعة إلى أبي مسلم وقَويَ أمرُه؛ كتب إلى نَصْر بن سيَّار، وكان من عادته أن يبدأ باسم نصر، فيقول: للأمير نصر (٢)، فكتبَ إليه: من عبد الله أبي مسلم إلى الأمير نصر (٣)، أمَّا بعد، فإنَّ الله عيَّر أقوامًا فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ الآيتين [فاطر: ٤٢ - ٤٣]. ولم يذكر غير ذلك. فلمَّا قرأَ نصرٌ كتابَه؛ عظُم عليه حيث بدأَ بنفسه، وقال: لهذا الكتاب شأن (٤). ثم سار أبو مسلم، فعسكر بالماخُوان (٥)، وأمو مُحرر بن إبراهيم أن يقطعَ المادَّةَ عن نَصْر من ناحية مَرْوالرُّوذ وبَلْخ، فقطعَها، وكان مُحرز في ألف رجل، فبعث إليه نصرٌ مولاه يزيد في خيل عظيمة لقتال أبي مسلم، فوجَّه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخُزاعي، فالْتقَوْا على قرية يقال لها: اللِّين (٦)، فدعاهم مالك إلى الرِّضا من آل رسول الله ﷺ ، فأبَوْا، وقاتلوه، وكان في مئتين، فاقتتلوا عامَّةَ النهار. وقدمَ على أبي مسلم صالحُ بنُ سليمان الضَّبِّيُّ وجماعةٌ، فأرسلهم إلى مالك، فقَويَ بهم جيشُه. وترجَّل مالكٌ وأصحابُه، فقَتَلُوا من أصحاب يزيد أربعةً وثلاثينَ، وأسَرُوا يزيدَ، وبعثَ مالك بالرؤوس والأُسارى إلى أبي مسلم، وكان يزيدُ قد جُرح جراحاتٍ كثيرة،

стр. 5343

فأمرَ أبو مسلم مَنْ داواه، وأحسنَ إليه، فلمَّا برئ، خيَّره أبو مسلم بين المقام عنده والدُّخول في الدعوة، وبين الرجوع إلى مولاه، فاختار الرُّجُوع، فأخَذَ عليه العهود أن لا يقاتلَه أبدًا، وخَلَّى سبيلَه، واستحلفه أن لا يكذب عليهم، وأن يحكيَ ما شاهد من أحوالهم. فلمَّا قدم على نَصْر؛ قال له: لا أهلًا ولا سهلًا، وشَتَمَه وقال: واللهِ ما استبقاك القومُ إلا ليتَّخذُوك حُجَّةً علينا. فقال له يزيد: هو واللهِ كما ظننتَ، وقد استحلفوني أن لا أكذبَ عليهم، وأنا أقول واللهِ إنَّهم لَيُصلُّون الصلواتِ لمواقيتها، ويتلون القرآن، وبذكرون الله كثيرًا، ويدعون إلى الرِّضا من آل رسول الله ﷺ ، وما أحسبُ أمرَهم إلا سيعلُو، ولولا أنَّك مولايَ أعتَقْتَني من الرِّقِّ؛ لما رجعتُ إليك، ولَأَقَمْتُ معهم. وكانت هذه الحروبُ أوَّلَ الفتوح (١). ولمَّا ظهر أبو مسلم تسارعَ إليه الناس، وكان الكِرْمانيُّ وشيبان الخارجيّ على نصر لا يكرهان ذلك (٢)؛ لأنه يدعو إلى خلع مروان، وكان أبو مسلم نازلًا في خِباء من شعر، ليس له حاجبٌ ولا بوَّاب، فمال الناس إليه، وعَظُم في عيونهم (٣). وغلبَ خازم بن خُزيمة على مَرْوالرُّوذ، وقتلَ عاملَ نصر (٤). ولمَّا وقعت هذه الواقعة والوقائع؛ كتب نصر إلى مروان يُخبرُه بخروج أبي مسلم وكثرة أتباعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد (٥). ويقال (٦): دَسَّ نَصْرٌ إلى أبي مسلم رجلًا أظهر أنه من شيعتهم حتى عرف الذين يكاتبُونه من الشام ويكاتبُهم، وبحث عن الدعوة، فأخبرَه أبو مسلم بذلك، ولم يعلم أنه دسيس (٧).

стр. 5344

فكتب نصرٌ إلى مروان بذلك، وفي أسفل الكتاب يقول: أرى خلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْرٍ … ويوشِكُ أن يكونَ له ضِرَامُ فإنَّ النارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَى … وإنَّ الحربَ أوَّلُهُ (١) كَلَامُ فإنْ لم تُطْفِئُوها تَجْنِ حَرْبًا … مُشَمِّرَةً يَشِيبُ لها الغُلامُ فقلتُ تعجُّبًا يا ليتَ شِعْرِي … أأيقاظ (٢) أميَّةُ أمْ نِيامُ فإن يَكُ قَوْمُنا أضْحَوْا نِيامًا … فقُلْ قُومُوا فقد حانَ القِيامُ (٣) فكتبَ إليه مروان: الشاهدُ يَرَى ما لا يواه الغائب، فاحْسِمْ الثُّؤْلُولَ قِبَلَك. والسلام. فلما قرأ نصر كتابَه قال: أمَّا صاحبُكم فقد أخبرَكم أنه لا غَنَاء عنده (٤). وقال الهيثم: كتب نصر إلى مروان: إنَّا وما نَكْتُمُ من أَمْرِنا … كالثورِ إذْ قُرِّبَ للباخِعِ أو كالتي يَحْسِبُها (٥) أهلُها … غَيدَاءَ بِكْرًا وَهْيَ في التاسعِ كُنَّا نُرَفِّيها فقد مُزِّقَتْ … واتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ كالثَّوبِ إذْ أنهجَ فيه البِلَى … أعْيَا على ذي الحِيلةِ الصَّانعِ (٦) وكان مروان بحرَّان، فلم يستتمَّ قراءةَ الكتاب حتى مَثُلَ بين يديه رجل من أصحابه ممَّن كان يحفظ الطريق من الشام إلى خُراسان، ومعه كتابٌ من أبي مسلم إلى إبراهيم مع رجل خُراسانيّ، وكان أهلُ خُراسان والقبائلُ قد اتَّفقُوا على حَرْبِ أبي مسلم، فكتبَ إلى إبراهيم يُعرِّفُه، فكتب إليه إبراهيم يقول (٧): لا تَدَعْ بخراسان عربيًّا إلا قَتَلْتَه وهو يأمرُه فيه بالجِدِّ والاجتهاد.

стр. 5345

فلمَّا تَأمَّلَ مروانُ الكتابَ قال لحامله: لا تُرَعْ، كم دفعَ إليك صاحبك قال: كذا وكذا، فقال: هذه عشرة آلاف درهم، واكتُمْ أمر الكتاب. فكتَمَه وحبَسَه مروان (١). وكان في الكتاب: دونَكَ أَمْرًا قَدْ بَدَتْ أشْراطُهُ … إنَّ السبيلَ واضحٌ سِراطُهُ (٢) لم يبق إلا السيفُ واختراطُهُ وقيل: إن رسولَ أبي مسلم لمَّا أخَذَ الجوابَ من إبراهيم؛ تقرَّبَ به إلى مروان. فكتبَ مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك -وهو عاملُه على دمشق- أن يكتب إلى عامل البلقاء أن يسيرَ إلى كداد والحَمَّة (٣)، ويوثِقَ إبراهيم بن محمد، ويحملَه إلى حرَّان. فأخذه عاملُ البلقاء أخذًا عنيفًا، وكان يصلِّي في مسجد القرية، فأوثَقَه وكفَّ رأسَه في كساء، وبعثَ به إلى مروان ومعه عِدَّةٌ من أهله يشيِّعُونه؛ عبدُ الله بنُ عليّ، وعيسى بنُ عليّ، وعيسى بنُ موسى، فلمَّا وصلُوا حرَّان؛ انصرفُوا عنه، فأحضرَه مروانُ ووبَّخَهُ وشَتَمه، وأغلظَ له، ونال من بني هاشم وقال: يا منافق، فعلتَ كذا وكذا؟ فأنكر، فأخرج كتابَه والرسولَ، فأُسْقِطَ في يده، وقال له مروان: أيرجو مثلُك أن ينال الخلافة؟! فغضبَ إبراهيم وقال: قد رجَوْتُها، وأنتَ ابنُ طريدِ رسول الله ﷺ ولعينِه، أفلا أرجوها أنا وأنا ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ ، وأبي وليُّه؟! فأمر بضربه وحَبْسِه، فحُبس مع عبد الله بنِ عمر بن عبد العزيز (٤).

стр. 5346

ولمَّا اشتدَّ أمرُ أبي مسلم، وكتب نصرٌ إلى مروان وأجابَه بذلك الجواب؛ كتب نَصْرٌ إلى ابن هُبيرة يستمدُّه، وفي آخر الكتاب: أَبْلِغْ يزيدَ وخَيرُ القَوْلِ أصْدَقُهُ … وقَدْ تَبَيَّنْتُ أنْ لا خَيرَ في الكَذِبِ أنَّ (١) خُراسانَ أرضٌ قد رأيتُ بها … بَيضًا لو أفْرَخَ قد حُدِّثْتَ بالعَجَبِ فِراخُ عامَينِ إلا أنَّها كَبِرَتْ … لمَّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَب فإنْ يَطِرْنَ ولم يُحْتَلْ لَهُنَّ بها … يُلْهِبْنَ نِيرانَ حَرْبٍ أَيَّما لَهَبِ (٢) وفيها قُتل جُدَيعٌ بنُ عليّ (٣) الكِرْمانيُّ. قد ذكرنا قَتْلَ الكِرْمانيّ للحارث بن سُريج (٤)، ولمَّا قَتَلَ الحارثَ خَلَصَتْ له مَرْو، وقَويَ، فجهَّزَ (٥) إليه نَصرٌ سَلْمَ بنَ أحْوَز في فرسان نصر ووجوه القبائل، والتَقَوْا فاقتَتَلُوا قتالًا شديدًا، فهزَمَهم الكِرْمانيُّ، وعادوا إلى نصر مفلولين، وقُتل منهم جماعة، فقال عَقِيل بن مَعْقِل لنصر: قد شأَمْتَ العربَ، فجِدَّ في الأمر. فجهَّزَ إلى الكِرْمانيِّ عِصْمَةَ بنَ عبد الله الأسديَّ، والتَقَوْا، فهزَمَه الكِرْمانيُّ، وقَتَلَ من أصحابه أربع مئة، وكلَّما جهَّزَ إليه جيشًا هَزَمَه، فحينئذٍ قَويَ أمرُ أبي مسلم، وقام الدُّعاةُ في كل ناحية، وكتبَ أبو مسلم إلى نصر والكِرْمانيّ: إنَّ الإمام قد أوصاني بكما، فلستُ أعدو رأيَه فيكما. وكاتَبَ اليمانيَّةَ والمُضَريَّة حتى صار هَوَى الفريقَينِ معه (٦). ولما رأى الكِرمانيَّ قد ظهر على نصر؛ كتبَ إليه أبو مسلم: أنا معك. فقَبِلَه الكِرْمانيُّ، وجاء أبو مسْلم فانضمَّ بعسكره إلى عسكره، فاشتدَّ ذلك على نَصْر، وأرْسَلَ

стр. 5347

إليه (١): ويحك لا تفعل، فإني واللهِ خائفٌ عليك منه، ولكن هلمَّ إلى المُوادعة؛ أدخلُ مَرْو أنا وأنت، ونكتبُ كتاب الصُّلح. وجاء نصر في عسكره، فدخل مَرْو، ودخلَ الكِرْمانيُّ دارَه، وأبو مسلم مقيمٌ في عسكره قريبًا من مَرْو. [و] ركب الكِرْمانيُّ في مئة فارس، وبعث إلى نصر: اخْرُجْ إليَّ حتى نتَّفقَ على الصُّلْح، فلاحَ لنصرٍ منه غِرَّةٌ، فبعثَ إليه ابنَ الحارثِ بنِ سُريج في ثلاث مئة فارس، فالتَقَوْا في الرَّحْبة، فطُعن الكِرْمانيُّ في خاصرته، فوقع من فرسه، وحُمل إلى نصر، فقَتَلَه وصَلَبَه بالرَّحْبة. وأقبلَ عليُّ ابنُ الكرمانيِّ في جمع عظيم إلى نصر، فقاتلَه، فخرجَ نصرٌ من مَرْو، وأرسلَ عليُّ بنُ جُدَيع الكرمانيّ إلى أبي مسلم، فجاء فأنزلَه دارَ الإمارة بمَرْو، وبايعَه وقال: أنا معك على أمرك، فمُرْني بما تريد. وأقاما بمَرْو (٢). وفيها غلبَ عبدُ الله بنُ معاوية على فارس. قال علماء السِّيَر: لما هزم عبدُ الله بنُ عمر بن عبد العزيز عبدَ الله بنَ معاوية بن عبد الله بن جعفر بالكوفة؛ خرج إلى المدائن (٣)، وأتاه قومٌ من أهل الكوفة، فخرج إلى حُلْوان والجبال، فاستولَى عليها وعلى قُومِس وأصبهان والرَّيّ، وكان محاربُ بنُ موسى مولى بني يشكر عظيمَ القدر بفارس، فبايَع لابن معاوية، وخرجَ به إلى كِرْمان، ثم إلى أصبهان، وذهب به إلى إصطخر -بلد فارس- فولَّى عبدُ الله أخاه الحسن على الجبال، واستعمل أخاه يزيد على فارس، وانضمَّ إليه سليمان [بن هشام] بن عبد الملك، ومنصورُ بنُ جُمهور، وبنو هاشم، وشيبان الخارجيُّ، وأبو جعفر المنصور عبد الله، وعيسى بن علي (٤)، فأقاموا بفارس. ثمَّ إنَّ محاربَ بنَ موسى نافَرَ عبدَ الله بنَ معاوية وحارَبَه، وكان يزيد بن معاوية أخو عبد الله بسابور، وكان مخلد بن محارب عنده فحبَسَه، ونصبَ محارب الحربَ

стр. 5348

لعبد الله، فقيل له: ابنك في حبس أخيه وتُقاتُله؟! فقال: نعم. وقاتَلَه، فهزمه عبدُ الله، فأتى كِرْمانَ، فأقام بها، وقدم محمدُ بنُ الأشعث (١)، فصار معه ثم قاتَلَهُ، فقتلَهُ محمد (٢) وأربعةً وعشرين ابنًا معه، ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصْطَخْر، فبعث إليه يزيدُ بنُ عمر بن هُبيرة ابنَ ضُبارة مع داود ابنِه، فأمرَ ابنُ معاوية فكسروا قنطرةً بينهم، فوجَّه ابنُ هُبيرة مَعْنَ بنَ زائدة من وجه آخر، فقاتلَهم، فهربَ ابنُ معاوية من فورِهِ إلى سِجِسْتان، ومضى شيبان الخارجيُّ إلى جزيرة كاوان، ومضى منصورُ بنُ جُمهور إلى السِّند، وعَمرُو بنُ سَهْل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر، وأُسِرَ جماعةٌ من أصحاب ابنِ معاوية، منهم عبدُ الله بنُ علي بنِ عبد الله بن عبَّاس، فسبَّه ابنُ ضُبارة وقال له: ما الذي جاء بك إلى ابنِ معاوية وأنت مخالفٌ له -أو قد عرفتَ خلافَه لمروان- فقال: كان عليَّ دَينٌ فأتيتُه بسببه (٣)، واستَوْهَبَهُ منه حَرْبُ بنُ قَطَن الهلالي وقال: ابنُ أُختنا، فوهبَه له، وجهَّزَه إلى يزيد بن عُمر بن هُبيرة (٤). وأقامَ ابنُ ضُبارة بمفازة كِرْمان يطلبُ عبدَ الله بنَ معاوية (٥). وحجَّ بالناس [في هذه السنة] عبدُ الواحد بنُ سليمان بن عبد الملك بن مروان، فلم يدر الناسُ بعرفة إلا وقد طلعت أعلامٌ سُود على الرِّماح، وأبو حمزة الخارجيُّ قد أتى من حضرموت من عند عبد الله بن يحيى بن زيد مُحَكَّمًا مُظْهِرًا خلافَ مروان في سبع مئة فارس، ففزع الناسُ لمَّا رأَوْهُم، وقالوا: ما لكم؟ فأظهروا التحكيم (٦)، وسبُّوا مروانَ وآلَ مروان، فراسلَهم عبدُ الواحد [بن سليمان] وهو يومئذٍ على مكَّةَ والمدينة والطائف، وطلبَ الأمانَ حتى ينفر الناسُ النَّفْر الأخير، فأجابوه وقالوا: نحن بحجِّنا أضَنُّ، وعلى ديننا أَشَحُّ. ووقفُوا بعرفة ناحيةً.

стр. 5349

ودفعَ بالناس عبدُ الواحد [بن سليمان] ونزلَ بمنًى، ونزلَ أبو حمزة بقرن الثعالب (١)، فأرسل إليه عبدُ الواحد بوجوه الناس: عبدِ الله بن حسن بن حسن، ومحمدِ بنِ عبد الله بن عَمرو بن عثمان، وعبدِ الرحمن بنِ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وعُبيدِ الله بنِ عُمر بن حفص (٢) بن عاصم، وربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، وغيرِهم، فدخلوا عليه، فتقدَّم عبدُ الله بنُ حسن، ومحمدُ بنُ عبد الله، فقال: انْتَسِبَا. فانْتَسَبَا له، فعبَسَ في وجوههما، ثم تقدَّم عبدُ الرحمن بنُ القاسم، وعُبيد الله بنُ عمر، فقال: انْتَسِبَا. فانتسَبَا، فتبسَّم إليهما وقال: واللهِ ما خرَجْنا إلا لنسير بسيرة أبويكما (٣). فقال له عبد الله بنُ حسن: واللهِ ما بعثَ بنا الأميرُ لنفضِّل بين آبائنا، ولكن جئنا برسالة، وهذا ربيعةُ يخبرك بها. فقال ربيعة: هل يُنقض العهد؟ قال: لا والله، معاذَ الله أن أنقضَ العهدَ وبينا وبينكم هُدْنةٌ حتى تنقضي. وخرجُوا من عنده، وأخبرُوا عبدَ الواحد. فلما انقضى النَّفْر الأوَّل مضى عبد الواحد إلى المدينة وخلَّى مكة لأبي حمزة، فدخلَها من غير قتال (٤) فقال شاعر يهجوه: زار الحجيجَ عصابةٌ قد خَالفوا … دِينَ الإلهِ وفَرَّ عَبْدُ الوَاحِدِ تركَ الحلائلَ والإمارةَ هاربًا … ومَضَى يُخَبِّظ كالبعيرِ الشارِدِ (٥)

стр. 5350

وكان على العراق يزيدُ بنُ عُمر بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجَّاجُ بنُ عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عبَّادُ بنُ منصور، وعلى خُراسان نَصْرُ بن سيَّار والفتنة قائمة (١). سالم بن أبي أمية [وكنيتُه] أبو النَّضْر، مولى عمر بن عبد الله بن معمر التَّيميّ، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة (٢)، وكان يفدُ على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فيعظُه. وروى ابنُ أبي الدُّنيا أنَّ سالمًا قال لعمر بن عبد العزيز وهو يعظُه: يا أمير المؤمنين (٣) عبدٌ خلقَه اللهُ بيده، ونفَخَ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكتَه، وأسكنَه جنَّتَه؛ عصاه مرَّةً واحدة، فأخرجه من الجنة بتلك الخطيئة الواحدة، وأنا وأنتَ نعصي الله كلَّ يوم مرارًا ونتمنَّى على الله الجنة! وكانت وفاتُه بالمدينة. أسند عن أنس بن مالك، [وعبد الله بن أبي أوفى، وعَوْف بنِ مالك الأشجعي، وغيرِهم]. وروى عنه مالك والسُّفْيانان، وغيرُهم (٤). وكان ثقةً كثير الحديث (٥). عاصم بن بَهْدَلَة بدال مهملة -ابن أبي النَّجُود، الكوفيُّ الأَسَديُّ المقرئ، صاحبُ القراءة المشهورة، وأحدُ القُرَّاء السبعة أئمَّةِ الأمصار المُقْتَدَى بقراءتهم. وهو من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة.

стр. 5351

قال عاصم: ما قدمتُ من سفر على أبي وائل قطّ إلا وقبَّل يدي (١). قرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وزِرّ بن حُبيش، فأبو عبد الرحمن قرأ على ابنِ مسعود ﵁، وزِرٌّ قرأ على عليٍّ ﵇ (٢). قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: وأهل الكوفة يختارون قراءته وأنا أختارها أيضًا. وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما: سألتُ أبي عن عاصم، فقال: كان صالحًا ناسكًا عابدًا (٣). قال: ولمَّا مات أبو عبد الرحمن؛ جلس عاصم موضعه بجامع الكوفة (٤). وروى عنه الحديثَ والقراءةَ قبل سنة مئة، وكان ذا نُسُكٍ وأدبٍ وفصاحة وصوت طيِّب (٥). مات سنة تسع وعشرين -وقيل: ستَّة وعشرين، أو سبع وعشرين، أو ثمان وعشرين- ومئة (٦). وقال أبو بكر بن عياش: دخلتُ عليه عند وفاته وهو يقرأ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ الآية (٧) [الأنعام: ٦٢]. وقال أبو علي الأهوازيُّ: ليس أحد من القراء السبعة أعظمَ روايةً للحديث من عاصم، وهو من التابعين، وقد روى عن ثلاثةٍ من الصحابة ولَقِيَهم: أنس وأبي رِمْثة العبدي، والحارث البَكْري.

стр. 5352

وقال ابن عساكر: لم يلقَ عاصمٌ أحدًا من الصحابة، والأحاديثُ التي أسنَدَها عن هؤلاء الثلاثة فيها مقال (١). وقال الأهوازيُّ: قرأ على عاصم سبعون إمامًا من علماء الأمصار، منهم: أبو بكر بنُ عيَّاش، وحفْصُ بنُ سليمان، وأبو عَمرو بنُ العلاء، والأعمشُ، ومحمدُ بنُ أبي ليلى، وشُعبة بن الحجَّاج، والخليلُ بن أحمد، وجرير بن حازم، وحمزة الزيَّات، وحمَّاد بن سَلَمة، وسفيانُ بن عُيَينة، وغيرُهم. وروى عنه: عطاء، وسفيان الثوريُّ، ومنصور بن المُعْتَمِر في آخرين. وقال الدارقطني: كان عاصم ثقةً، وفي حفظه للحديث شيء (٢). يعني أنه شغلَه القرآنُ على الحديث (٣). السنة الثلاثون بعد المئة فيها نزل أبو مسلم دار الإمارة بمَرْو، واتفق عليّ بن الكِرْمانيِّ معه على حرب نَصْر بنِ سيَّار. وكان نزوله مَرْو لسبعٍ خَلَوْن من جمادى الأولى (٤) يوم الخميس، وكان ابنُ الكِرْمانيّ اتَّفق أوَّلًا مع نصر، فأرسل إليه أبو مسلم يقول: ما أظنُّك تجمع أنت ونصرٌ في موضع واحد بعد أن قتلَ أباك وصلبَه، فإنه لا يأمنُك ولا تأمنُه. فرجع عن نصر، وصار مع أبي مسلم (٥). وهرب نَصْرٌ من مَرْو لعشرٍ خلونَ من جمادى الأولى سنة ثلاثين، وصَفَتْ مَرْو لأبي مسلم (٦).

стр. 5353

وأخذ أعيانَ أصحاب نصر: سَلْمَ بنَ أحْوَز، ويونس بن عبد ربِّه، وعقيل بن معقل، ومنصور بن [أبي] الخرقاء، وغيرهم، فحبسهم، وشاورَ أصحابَه فيهم، فقالوا: هؤلاء رؤوس الفتنة، وأعيانُ العصبيَّة، وسَلْمُ بنُ أحوز قتلَ زيدَ بنَ عليّ، والرأيُ أن تجعلَ حُبُوسَهم قبورَهم. فقَتَلَهم أبو مسلم، فكانوا نيِّفًا وعشرين رجلًا (١). وكانت بيعةُ أبي مسلم لبني هاشم على أهل خُراسان: أبايعُكم على كتاب الله وسُنَّةِ رسولِه، والطاعةِ للرضا من آل رسول الله ﷺ وأهلِ بيته (٢)، عليكم بذلك عهدُ الله (٣) وميثاقُه والطلاق والعِتاقُ، والمشيُ إلى بيت الله، ونحوُه. وكان نصر قد وادعَ أبا مسلم، ثم خاف منه، فخرج من مَرْو في نفر يسير في الليل هاربًا إلى سَرَخْس، ثم مضى إلى طُوس، وسار إلى نيسابور في ثلاثة آلاف (٤). وكان أبو مسلم قد أمنَ نَصْرَ بنَ سيَّار، وأقامَ معه بمرو، وأبو مسلم في دار الإمارة، فأرسل إلى نصر لاهزَ بنَ قُرَيط يدعوه إليه، فقرأ لاهز: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فقال: أُجدِّدُ الوضوء. وقامَ، فدخلَ بستانًا، وركب دابَّة وهرب (٥). فقال أبو مسلم بعد ذلك: ما الذي دعا نصرًا إلى الهرب؟ فقيل له: قرأ لاهز: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ فقاله: يا ابن قُريط، أتُدَاجي (٦) علينا وفي الدِّين؟! وضربَ عُنقَه. وفيها قَدِمَ قحطبةُ [بن شبيب] على أبي مسلم خُراسان من عند إبراهيم الإمام قبل أن يُحبَسَ إبراهيم، ومعه لواءٌ عَقَده [له] إبراهيم بيده وعهدٌ منه بتقدُّمه الجيوش، فأجابَ

стр. 5354

أبو مسلم بالسمع والطاعة، وبعثه على مقدمته، وضمَّ إليه العساكر، وجعلَه صاحبَ الأمر والنهي، وكتب له إلى الأمصار والعساكر بالطاعة (١). وفيها توجَّه قحطبةُ إلى نيسابور للقاء نصر. قال علماء السِّيَر: إن أبا مسلم لمَّا قتل [شيبان] الخارجيَّ وابْنَي الكِرْمانيّ (٢)، وغلبَ على مَرْو، واستعمل العمَّال على الكُوَر؛ بعثَ قحطبةَ بنَ شبيب إلى طُوس، ومعه عِدَّة من القُوَّاد، منهم أبو عَوْن عبدُ الملك بنُ يزيد، ومقاتل بنُ حكيم العكّيّ، وخالد بنُ بَرْمك، وخازم بنُ خُزيمة، والمنذر بنُ عبد الرحمن، وعثمان بنُ نَهِيك، وجَهْوَر بنُ مَرَّار العجلي، وأبو العبَّاس الطُّوسيّ، وأبو الجَهْم وجعلَه كاتبًا لقحطبة على الجُند، وكان بطُوس رابطةٌ لنصر، فانهزمت، ودخل الناس باب طُوس، فمات في الزِّحام بضعةَ عشرَ ألفًا (٣). وكان نصرٌ قد بعث ابنَه تميمًا في ثلاثين ألفًا من فرسان خُراسان، وسار إليهم قحطبةُ، والتَقَوْا، فقُتِلَ تميمُ بنُ نَصْر، وانهزمَ عسكرُه، وقَتَلَ منهم قحطبةُ مقتلةً عظيمة، واستباحَ العسكر، وسار إلى نيسابور يقصدُ نَصْرًا، فهرب نَصْر إلى جُرْجَان، وبها نُباتة بن حنظلة الكلابي (٤)؛ كان يزيد بنُ عُمر بنِ هُبيرة قد بعثَه مددًا لنصر، وسار إليه قحطبة، فقاتَلَه نُباتة (٥) -وكان فارسًا عظيمًا- في عشرة آلاف (٦)، فلما انهزم أهل الشام الذين كانوا مع نُباتة؛ دخل مسجدًا هناك بعد أن نَكَى فيهم وقاتلَ قتالًا شديدًا، فخرقوا

стр. 5355

عليه سقف المسجد، ورَمَوْه بالحجارة حتى قتلُوه، وبعث قحطبةُ برأسه إلى أبي مسلم، وسار نصر حتى نزل الرَّيَّ (١). وفيها قُتل عامرُ بنُ ضُبارة (٢). وفيها استولى أبو مسلم على خُراسان، وصار (٣) إلى نيسابور، وكان ممَّا قوَّى أمرَه بخُراسان وقوعُ الفتنة بين مُضر وربيعة واليمانيَّة. وسببُه ميلُ نصر إلى بني تميم، وتقديمُه إيَّاهم، وتأخيرُه ربيعةَ ومُضر، فغضب جُدَيْع بن سعيد الكِرْماني (٤)، وكان من ربيعة، فاحتال نصرٌ عليه حتى قتلَه بمَرْو وصلَبَه؛ على ما ذكرنا (٥). وقيل: إنه علق إلى جانبه سمكةً. يعني أنه كان صيَّادًا بعُمان (٦). فصارَ ابنُهُ عليٌّ إلى أبي مسلم، وخلعَ مروانَ، فقَويَ به أبو مسلم، واشتدَّتْ شوكتُه، ثم قَتَلَ بعد ذلك عليًّا وعثمانَ ابنَي جُدَيع الكِرْمانيّ. وكان أهلُ جُرجان قد عزموا على قتل قحطبة، فعلم بهم، فقتلَ منهم ثلاثين ألفًا (٧). وقال الهيثم: إنما كانت وقعةُ نُباتة (٨) لما وصل نصر إلى الرّيّ، فكتبَ (٩) إلى ابن هُبيرة يستمدُّه، فأبطأ عليه الغِياث، فكتب إلى مروان يشكو ابنَ هبيرة ويقول: [إنما أنا]

стр. 5356

كرجل أُخرجَ من بيته إلى حُجرته، ثم من حُجرته إلى داره، ثم من داره إلى فِنائها، ثم من فِنائها إلى الطريق (١). فكتبَ مروانُ إلى ابن هبيرة، فأمدَّه بنُباتة بن حنظلة (٢)، فالتقاهم قحطبة يومَ الجمعة مستهلَّ ذي القَعْدَة -وقيل: في ذي الحجَّة- فقال قحطبة: هذا يومٌ نرجو فيه النصرَ والظَّفَر. والتَقَوْا، فانهزمَ أهلُ الشام، وقُتل نُباتة، وبعث قحطبةُ برأسه، فطِيفَ به في خُراسان (٣). وبلغ ابنَ هبيرة، فجهَّزَ إلى نصر خمسين ألفًا مع عامر بن ضُبارة المُرِّيّ، وبعثَ ولدَه داودَ بنَ يزيدَ بنِ هُبيرة، وجاء نصر إليهم ومعه أولاد [هـ]: مساور، وقُديد (٤)، ومبشّر، والتَقَوْا بأصبهان، فاقتتلُوا قتالًا لم يجر قبلَه مثلُه، وقُتل أعيانُ قُوَّاد قحطبة، وقُتل عامرُ بنُ ضُبارة، وبنو نصر الثلاثة، ومعظمُ أهل الشام، وبعث قحطبةُ برؤوسهم إلى أبي مسلم وهو بنيسابور مع عيسى بن ماهان مولى خُزاعة، فاحتَبَسَه أبو مسلم عنده، فلم يخرج من خراسان حتى قتله (٥). وقيل: إنَّ هذه الوقعة كانت سنة إحدى وثلاثين (٦). وفيها دخل أبو حمزة الخارجيُّ المدينةَ. وقيل: إنما دخلَها (٧) بعدَ وقعة قُديد. ذكر وقعة قُدَيد: ولمَّا هرب عبدُ الواحد من مكة إلى المدينة، أقامَ أبو حمزة بمكة، فجهَّز إليه عبدُ الواحد عبدَ العزيز بنَ عبد الله بن عمرو بن عثمان في جيش أهل المدينة، فلما كانوا في

стр. 5357

العقيق؛ إذا بجُزُرٍ منحورة، فتفاءلوا بها، وتعلَّق لواء عبد العزيز بشجرة، فانكسر الرُّمح، فتطيَّر الناسُ بذلك (١)، ثم ساروا إلى قُدَيد، فنزلوها ليلًا [فلم يَرُعْهُم إلا القومُ قد خرجوا عليهم] (٢). وقيل: إنَّ خُزاعةَ دَلَّتْ عليهم أبا حمزة، فكَبَسَهم في الليل، فلم يُفْلِتْ منهم إلا القليل، وانهزمَ الباقون، ووقعَ المأْتَمُ في المدينة، وبكى الناسُ قتلاهم. وجاء أبو حمزة إلى المدينة، فانهزمَ عبد العزيز إلى الشام، وصَعِدَ أبو حمزة المنبر فذمَّ أهلَ المدينة (٣). وقال الواقدي: كانت الحرورية أربع مئة، وخرجَ إليهم أهلُ المدينة، فقال أبو حمزة: واللهِ ما لنا حاجةٌ إلى قتالكم، فدعونا نمضي (٤) إلى عدوِّنا -يعنون مروان- فأبى أهلُ المدينة، فالتَقَوْا لسبع ليال خلَوْن من صفر يوم الخميس سنة ثلاثين [ومئة] فقتلوا أهلَ المدينة لم يُفْلِتْ منهم إلا الشريد، وقُتل أميرُهم عبد العزيز بن عبد الله، واتهمت (٥) قريشٌ خُزاعة أن يكونوا داهنُوهم، ودخلت الحروريَّةُ المدينةَ لسبع عشرة [ليلة خلت] من صفر (٦). وقال هارون بن موسى: إن أبا حمزة لما خطب قال: يا أهل المدينة، مَرَرْتُ بكم في زمان الأحول -يعني هشام بن عبد الملك- وقد أصابتكم جائحة في ثماركم، فكتبتُم إليه تسألونه أن يضع عنكم، فكتب إليكم إنه يضعُها عنكم، فقلتم: جزاك الله خيرًا، فلا جزاه اللهُ خيرًا، ولا جزاكم خيرًا.

стр. 5358

يا أهل المدينة، واللهِ إنَّا لم نخرجْ من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطَرًا، ولا عَبَثًا ولا لَهْوًا، ولا لدولة مُلك، ولكنَا رَأَينَا مصابيحَ الحقِّ قد عُطِّلَتْ، وعُنِّفَ القائلُ بالحقِّ، وقَلَّ القائمُ بالقِسْط، فضاقَتْ علينا الأرضُ بما رَحُبَتْ، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن، وحُكْم القرآن، فأجَبْنا داعيَ الله، ومن لم يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض (١)، وإنَّا لَقِينا رجالكم بقُدَيد، فدَعَوْناهم إلى طاعة الرحمن وحُكْم القرآن، فدَعَوْنا إلى طاعة الشيطان وحُكْم ابنِ مروان، فشتَّانَ ما بين الغَيِّ والرُّشْد. يا أهل المدينة، أوَّلُكم خيرُ أوَّل، وآخِرُكُم شرُّ آخِر. [يا أهل المدينة] الناسُ منَّا ونحنُ منهم إلا [مشركًا عابدَ وثن، أو مشركَ أهلِ كتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة] مَنْ زعَمَ أنَّ اللهَ كلَّفَ نفسًا فوق طاقتها، وسألَها ما لم يُوتها؛ فهو عدوٌّ لله، وحربٌ لنا. يا أهل المدينة، أخبِرُوني عن ثمانية أسهم فَرَضَها اللهُ في كتابه على القويِّ والضعيف، فجاء تاسعٌ ليس له منها سهمٌ واحد، وأخذ الجميعَ لنفسه مكابرًا محاربًا للهِ ورسولِه. يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي وتقولون: شبابٌ أحداث، وأعرابٌ جُفاة، وهل كان أصحابُ رسول الله ﷺ إلا شبابًا أحداثًا؟ وأصحابي واللهِ شبابٌ مكتهلُون (٢) في شبابهم، غاضةٌ عن الشَّرِّ أعينُهم، ثقيلةٌ عن الباطل أقدامُهم، قد باعوا اللهَ أنفسًا تموتُ بأنفسٍ لا تموت، صيامٌ نهارُهم، قيامٌ ليلُهم مَحْنِيَّةٌ أصلابُهم على تلاوة القرآن، كلَّما مرُّوا بآية خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مرُّوا بآية شَوْقٍ؛ شهقوا شوقًا إلى الجنّة. فلما نظروا إلى السيوف وقد انتُضِيَتْ، والرِّماحِ وقد أُشْرِعَتْ، وإلى السهام وقد فُوِّقَتْ، وأُرْعِدَت الكتيبةُ بصواعق الموت؛ استَخَفُوا وعيدَ الكتيبةِ لوَعْدِ الله تعالى (٣)، ولم يستخفُّوا وَعْدَ الله (٤) لوعيد الكتيبة، فطُوبى لهم وحسنُ مآب. فكم من عينٍ في منقار طائر طالما فاضَتْ في جوف الليل من خوف الله، وكم يدٍ (٥) زالتْ من مَفْصِلِها

стр. 5359

طالما اعتمدَ (١) بها صاحبُها. يا أهل المدينة، مَنْ زنى فهو كافر، ومن سرقَ فهو كافر، ومن شكَّ في الله فهو كافر. فمال الناس إليه لما سمعوا قوله: من زنى فهو كافر (٢). ثم نزل من المنبر، فأقامَ عندهم ثلاثةَ أشهر؛ يُحسن السيرة. وقال الواقدي: قُتل بقُدَيد سبعُ مئة (٣)، فقال الشاعر: ما لِقُدَيْدَ (٤) ومَالِيَهْ … أفْنَتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ فَلَأَبْكِيَنَّ سَرِيرَةً … وَلَأبْكِيَنَّ عَلَانِيَهْ قال علماء السير: وبلغَ مروانَ حديثُه، فانتخبَ من عسكره أربعةَ آلاف، واستعملَ عليهم عبدَ الملك بنَ محمد بنِ عطية السَّعْدِيّ (٥)، وأعطى كل رجل مئة دينار، وفرسًا عربيًّا، وبغلًا لثَقَلِه، وأمره أن يُقاتلهم، فإنْ ظَفِرَ بهم؛ سار إلى اليمن إلى عبد الله بن يحيى بن زيد (٦) ومن تبعه. فسار ابنُ عطيَّة حتَّى نزل العُلا، وخرج أبو حمزة، فنزل بوادي القُرى، وخلَّفَ بعضَ أصحابه بالمدينة. وخرج رجل من المدينة طالبًا للشام، فلَقِيَه رجلٌ من عسكر ابنِ عطية، فقال للمدنيّ: ما اسمُك؟ فقال: العَلاء. قال: ابنُ منْ؟ قال: [ابن] أفلح. قال: مَوْلى مَنْ، قال: مولى أبي الغَيث. قال: فأين نحن؟ قال: بالعُلا. قال: فأين نحن غدًا؟ قال: بغالب. فأردفه خلفَه وأتى به ابنَ عطيَّة، وأخبرَه الخبر، فسُرَّ به، ووهبَه دراهم.

стр. 5360

ثم التَقَوْا، فقال أبو حمزة: لا تُقاتلوهم حتَّى نختبرَهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن؟ فصاح ابنُ عطيَّة: نضعُه في جوف الجَوالق (١). قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكلُه ونفجُرُ بأمِّه، في أشياءَ مثلِ هذا الجنس، فلما سمعوا كلامَهم؛ قاتلُوهم حتَّى أمْسَوْا وابنُ عطيَّة يقاتلُهم. فصاحوا: ويحك يا ابنَ عطية، إن الله جعلَ الليلَ سَكَنًا، فاسكُنْ! فأبى، وقاتلَهم حتَّى قَتَلَهم. وبلغ أهلَ المدينة فوثبُوا على من كان بالمدينة من الخوارج، فقتلُوهم. ثم دخل ابنُ عطيَّة المدينة، فأقامَ شهرًا، ثم سار إلى مكة، ثم إلى اليمن (٢). وكان عبدُ الله بن يحيى بصنعاء، فخرج إلى ابنِ عطية، واقتتلُوا، فقُتل عبدُ الله، ودخل ابنُ عطيَّة صنعاء، وبعث برأس عبد الله مع ابنه إلى مروان، فكتب إليه مروان أن يُغِذَّ السَّير حتَّى يحجَّ بالناس، فخرج من اليمن في نفر يسير، فقتل؛ لما نذكر (٣). وفيها كانت زلازل شديدة بالشام وأخربت (٤) البيت المقدَّس، وأهلكت أولادَ شدَّاد بن أوس فيمن هلك، وخرج أهل دمشق إلى البَرِّية، فأقاموا أربعين يومًا. وقيل: كانت في سنة إحدى وثلاثين ومئة. وانشَقَّتْ قُبَّة جامع دمشق، وبقيت على حالها ساعة، وبان الضوءُ منها، ورَأَوْا السماء، ثم جاءت زلزلةٌ أخرى، فردَتَّها إلى مكانها، وانشقَّتْ صخرةُ بيت المقدس والقُبَّة، ومات معظم أهل بيت المقدس تحت الرَّدْم. ولما انشقَّتْ قُبَّةُ بيت المقدس شاهدوا الكواكب منها، وسمع الناسُ قائلًا يقول من الهواء: رُدُّوها رُدُّوها عَدِّلُوها. فعادَتْ (٥).
следующие страницы →