الصُّواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال بهم منكم البلاء، ذهبتم بأخي فاهلكتموه في البرية، وضَعَ الصُّواع في رحلي الَّذي وضع الدراهم في رحلكم.
ثم قالوا ليوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] واختلفوا في ذلك على أقوال:
أحدها: أن يوسف أخذ صنمًا كان لجده أبي أمه فكسره والقاه في الطريق، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
والثاني: إن أمَّه أمَرته أن يسرق صنمًا لخاله كان يعبده، وكانت مسلمة، قاله ابن جريج.
والثالث: أنَّه جلس يومًا مع إخوته على طعام فأخذ يوسف عرقًا فخبَّأه فعيَّروه، قاله الربيع.
والرابع: أن سائلًا جاءه فسرق بيضةً من البيت فدفعها إليه فعيَّروه بها.
والخامس: إنما كانت دجاجة دفعها إلى السائل، قاله سفيان بن عيينة.
والسادس: أنَّه سرق عَنَاقًا فدفعها إلى السائل، قاله كعب.
والسابع: أنَّه كان يخبأ من المائدة طعامًا للفقراء، قاله وهب.
والثامن: أنَّه كان مع أبيه عند خاله لابان فأخذ تمثالًا صغيرًا من ذهب، قاله زيد بن أسلم.
والتاسع: أن أول ما دخل من البلاء على يوسف أن أمه لما وضعته رفعه يعقوب إلى أخته بنت إسحاق فأقام عندها حتَّى ترعرع وأحبته حبًّا شديدًا، فطلبه يعقوب منها فقالت: لا صبر لي عنه فَدَعْهُ عندي أيامًا، وعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر، وكانت أكبر ولد إسحاق، فشدَّتها على وسطه تحت ثيابه، وكان من سنَّتهم أنَّ السارقَ يُسْتَرقُّ بسرقته، فلما جاء يعقوب يطلبه قالت: فقدتُ المنطقةَ، ثم وضعت مَنْ كَشَفَ ثيابَ يوسف فظهرت المنطقة، فأخذته، فلم يقدرْ عليه يعقوبُ حتَّى ماتت أخته، قاله ابن عباس وابن أبي نجيح والضحاك ومجاهد (١). وهذا المثل السائر:
стр. 562
عُذْرُه شرٌّ من جُرمه، كذا قولُ إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقال مقاتل: أقبلوا يلطمون وجه بنيامين وهو يقول: وشيبةِ إبراهيم ما سرقتُ، ويبكي، وإنما قال ذلك ليقصروا عن ضربه ومعيرته ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي: أضمرها ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ومعنى أسرَّها إشارة إلى المقالة فأنَّثَ للكناية و ﴿قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: شر منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] أي: تكذبون.
قال مقاتل: ثم إن يوسف أخذ الصواع بيده فنقره (١) ثم أدناه إلى أذنه وقال: هذا الصُّواع يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم صغير فألقيتموه في جبٍّ ثم بعتموه، فقام بنيامين وسجد له وقال: أيها الملك سَلْ صواعك هل أخي حيٌّ أم لا؟ فنقره فقال: هو حيٌّ وسوف تراه (٢).
فإن قيل: فالصواع لا ينطق، قلنا: هذا على سبيل المجاز والتوسعة، فقال بنيامين: أيها الملك سَلْ صُواعك فيخبرك بالحق مَن الَّذي سرقه وجعله في رحلي؟ فنقره وقال: إن صواعي غضبان يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيتَ مع مَنْ كُنْتُ؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فغضب روبيل وقال: والله أيها الملك لتَتْرُكَنَّا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمِصْر امرأةٌ حاملٌ إلا وأَلقتْ ما في بطنها، وقامت كلُّ شعرةٍ في جسده فخرجتْ من ثيابه، وكان بنو يعقوب إذا غضب منهم واحد فمسَّه آخر من ولد يعقوب ذهب غضبه فقال يوسف لابنه: قم إليه فَمُسَّهُ، ففعل، فذهب غضبه، فقال روبيل: إن في هذا البلد لبذرًا من بذر يعقوب.
فلما أصرَّ يوسف على أنه لا يسلِّم إليهم أخاهم ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] في أفعالك وقبولك لنا.
فإن قيل: فما معنى هذا الإحسان وقد فعل بهم ما فعل؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه من المحسنين إن أطلقتَ أخانا. والثاني: بإنزالك إيَّانا وإكرامنا وعدم المؤاخذة بما قلنا.
стр. 563
﴿قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقل: مَنْ سرق احترازًا من الكذب ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] إنْ أخذنا بريئًا بسقيم.
﴿فَلَمَّا اسْتَيأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠] أي: يئسوا أن يجيبهم إلى ما سألوا ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم ﴿قَال كَبِيرُهُمْ﴾ واختلفوا فيه، قال ابن عباس: رُوبيل، وقال مجاهد: شمعون، وقال مقاتل: يَهُوذا، وكان أسنهم وأعقلهم، وقال ابن إسحاق: لاوي ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا﴾ أي: عهدًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي: قصَّرتم ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: بأرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروج منها ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالخروج منها وترك أخي فيها ﴿وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ يوسف: ٨٠] الفاصلين بين الناس.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ هذا قولُ أخيهم يَهوذا الَّذي كان محتبسًا بمصر ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ صُواع الملك ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليست هذه شهادة، وإنما هي إخبار عن ما نُسب إلى بنيامين من السرقة ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] أي: ما كنا نعلم أنَّ ابنك سيسرق، ولو علمنا ما أخذناه معنا. وقال الضحاك: الغيب بلغة حمير هو الليلُ، يعنون أنَّه سرق ليلًا وهم نيام.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وهي مصر ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: القافلة، ومن صحبناه من جيراننا، وكل هذا قالوه ليزيلوا التهمة عنهم.
فلما وصلوا إلى أبيهم وأخبروه ﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمّرًا فَصَبْرٌ جَمَيلٌ﴾ أي: حَسَّنَتْ وزيَّنت، ومعناه فصبري جميلٌ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يُوسف وبَنْيامين وأخاهما المقيم بمصر ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحزني على فقدهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] فيما حكم علي ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض ﴿وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ والأسف أشد الحزن ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ قال مقاتل: أقام ست سنين لم يبصر بهما ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] والكظيم: المكظوم الممسك على الحزن الَّذي لا ينتهي عنه، ومنه كظم الغيظ.
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لَم يُعْطِ الله أمَّةً مِنَ الأممِ" ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّ إِليهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] عند المُصيبَةِ
стр. 564
إلَّا هذِه الأمةَ، ألَم تَسمَعْ إلى قولِ يعقوبَ حينَ أصابَه ما أصابَه، فإنَّه لم يَسترجِعْ، وإنَّما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] (١). وقال الفرّاء: معناه يا ربِّ ارحمْ شدةَ أسفي على يوسف.
وقال الحسن البصري: بين خروج يوسف من حجر أبيه وبين أن التقيا ثمانون عامًا لم تجفَّ فيها عينا يعقوب، وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وفي رواية: مات أخو الحسن البصري فأقام سنة لا ينام الليل، فقيل له في ذلك فقال: الحمد لله الَّذي لم يجعل حزن يعقوبَ على ولده عارًا.
فإن قيل: فقوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ لا يوافق فصبرٌ جميل، قلنا: قد ذكرنا أن معناه يا ربِّ ارحم شدَّة أسفي على يوسف فلا يكون شكاية.
وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: لما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ نودي: أتشكونا وقد أخذنا منك واحدًا وأبقينا أحد عشر؟
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال ﴿حَتَّى تَكُوْنَ حَرَضًا﴾ أي: دَنَفًا، وقيل: هالكًا فاسدًا ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: الموتى.
فلما أغلظوا له ﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ لا إليكم، والبث: أشدُّ الحزن، وقيل: إنما سمِّيَ البثُّ أشدَّ الحزن لأن صاحبه لا يصبرُ عليه حتَّى يَبُثَّهُ، أي: يظهره.
وحكى الثعلبي قال: دخل على يعقوب جار له فقال له: ما لي أراكَ قد انهشمت وفنيت، ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ فقال: همُّ يوسفَ فعل بي هكذا، فأوحى الله إليه، يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا ربِّ خطيئةٌ أخطأتها فاغفرها لي، قال: قد غفرتها لك، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
وفي رواية: أن يعقوب كبر حتَّى سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما الَّذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله
стр. 565
إليه، وذكره.
وفي رواية: وعزَّتي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك حتَّى تنظر إليهما، وإنما وجدت عليك لأنك ذبحت شاةً فقام ببابك مسكين فلم تطعمه منها شيئًا، وإن أحبَّ خلقي إليَّ الأيتام ثم المساكين، فاصنع طعامًا وادعُ إليه المساكين، فصنع طعامًا وقال: من كان صائمًا فليفطر الليلة عند آل يعقوب.
وذكر الثعلبي عن وهب قال: أوحى الله إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست يوسف عنك ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك شويتَ عَنَاقًا وقتَّرتَ على جارك فلم تطعمه. وفي رواية: وقف على بابك سائلٌ اسمه دانيال فرددته خائبًا، فانصرف حزينًا.
قال: وقال وهب والسُّدي وغيرهما (١): جاء جبريل ﵇ إلى يوسف وهو في السِّجن فقال: هل تعرفني أيها الصدِّيق؟ قال: أرى صورةً طاهرةً وريحًا طيبة، قال: أنا الروح الأمين، رسولُ ربِّ العالمين، قال: فما الَّذي أدخلك مدخل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر البيوت والأرضين بالنبيين وقد طهَّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين، قال: وكيف لي باسم الصدِّيقين، وأنا في عداد المذنبين، وقد دخلت مدخل العاصين؟ قال: لأنك لم تعصِ ربّك ولم تطع امرأة العزيز فلذلك ألحقك الله بآبائك الصالحين، قال: هل لك علمٌ بيعقوب؟ قال: نعم وهَب الله له الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم، قال: فما قدْر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فما له من الأجر؟ قال: أجرُ مائةِ شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم؛ فطابت نفس يوسف وقال: ما أبالي ما لقيتُ إن رأيته.
وقال مقاتل: أوحى الله إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك؟ قال: لا، قال: لأنك ذبحتَ شاةً وهي تنظر إلى سخلتها، فعاقبتك بفراق ولدك لتذوقَ ألم الفراق.
وقال أبو حنيفة النُّوبي: فأراه دمًا بدم، وفرقة بفرقة، وحرقة بحرقة، فقال: يا إلهي
стр. 566
فولدي حيّ؟ قال: نعم وسوف تراه. فما ذبح بعدها شاة ولا أكل إلا مع مسكين أو يتيم.
وقيل إنه مال إليه بقلبه فابتلي بفراقه.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] قال ابن عباس: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأنكم ستسجدون له.
وقال مجاهد: دخل ملك الموت على يعقوب فقال له: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، فطمع في لقائه.
وقال مجاهد: خرج يعقوب إلى البرية فرأى ذئبًا فسلَّم عليه وكلَّمه فقال له يعقوب: أكلتم ولذي وقرةَ عيني، قال: لا والله يا يعقوب، إنَّ الله حرَّم علينا لحومَ أولاد الأنبياء، فحينئذ قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا﴾ أي: تقنطوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: من فَرَجه ورحمته ﴿إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وقال ابن عباس: التحسس -بالحاء المهملة- في الخير، وبالجيم في الشرّ.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ﴾ وفي الآية إضمار تقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: يا أيها الملك بلغة حمير ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الجوع والقحط ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: قليلة كاسدة غير نافقة.
واختلفوا في هذه البضاعة ما كانت، على أقوال:
أحدها: كانت دراهم زيوفًا لا تَنْفُقُ إلا بوضيعة (١)، قاله ابن عباس. والثاني: أنها متاع الأعراب الصوف، قاله باذان.
والثالث: السمن. والرابع: حبّ الصنوبر وحبة الخضراء، قاله مقاتل.
والخامس: كانت فلوسًا، قاله ابن جبير.
والسادس: كانت أَقِطًا، قاله الحسن.
والسابع: سَويق المُقْل (٢).
стр. 567
والثامن: النعال والأدم، قاله الضحاك.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ﴾ أي: أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد الوافي ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾ أي: تفضَّل ولا تُنْقِصْنا من السعر، هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن جريج: معناه وتصدَّقْ علينا بردِّ أخينا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].
فإن قيل: فلمَ لمْ يقولوا: إن الله يجزيك؟ قلنا: لأنهم ما عرفوا أنَّه على الإسلام وظنوه كافرًا. وفي الآية دليلٌ على أن الصدقة كانت على الأنبياء وأولادهم حلالًا، قال سفيان الثوري (١): ودلَّ على ذلك هذه الآية، وإنما حرمت على نبيِّنا ﷺ . وسمع الحسن رجلًا يقول: اللهم تصدَّقْ عليَّ فقال: يا هذا إنّ الله لا يتصدَّق، وإنما يتصدَّق من يبغي الثواب، وإنما قُلِ: اللهمَّ أعطني وتفضَّلْ عليَّ.
﴿قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اختلفوا في السبب الَّذي حمل يوسف على هذا القول، على أقوال:
أحدها: أنهم لما كلَّموه بهذا القول رقَّ لهم وغلبه دمعه فباح بما كان يكتم، قاله ابن إسحاق.
والثاني: أنَّه حكى لهم عن مالك بن دُعر أنَّه قال: وجدت غلامًا في بئر فاشتريته بكذا وكذا درهمًا، فقالوا: أيها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه، فغاظ ذلك يوسف وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم، فقال يهوذا: كان يعقوب يحزن ويبكي لفقد واحدٍ منَّا حتَّى كفَّ بصره، فكيف إذا بلغه قتل بنيه كلِّهم؟ ثم قال له يَهُوذا: إذا كان ولابدَّ من قتلنا فابعثْ بأمتعتنا إلى أبينا فهو بمكان كذا، فبكى حينئذ ورقَّ لهم، قاله الكلبي.
والثالث: لأن يعقوب كتب إليه كتابًا يقولُ له فيه: مِن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، أما بعد: فإنَّا أهل بيت موكّل بنا البلاء، أما جدي فشدَّت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي فشدَّت يداه ورجلاه ووضعت السكين على حلقه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن
стр. 568
وكان أحبَّ أولادي إليَّ، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخًا بالدم وقالوا: أكله الذئب، فذهبت عيناي من البكاء عليه، وكان له أخ من أمه كُنْتُ أتسلَّى به، فذهبوا به وعادوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته. وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلدُ سارقًا، فإن رددته وإلّا دعَوتُ عليك دعوةً تبلغ السابعَ من ولدك. فلما قرأ يوسف كتابه لم يملك عينيه أن فاضتا، ثم قال لهم ذلك. قاله سعيد بن جبير.
وروي أن يوسف كتب إلى أبيه: أما بعد فإنك ذكرتَ ما ابتلي به آباؤك، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا، والسلام.
والرابع: أن يوسف سأل بنيامين فقال: ألك ولد؟ قال: نعم ثلاثة بنين، قال: فما سميتهم؟ قال: سميت الأكبر يوسف، قال: ولمَ؟ قال: محبة لك، قال: فما سميت الثاني؟ قال: ذئبًا؟ قال: لم فعلت ذلك وهو سبع عقور؟ قال: لأَذْكُرَكَ به، قال: فما سَمَّيتَ الثالث؟ قال: دمًا، قال: ولم؟ قال: لأنهم جاؤوا على قميصك بالدَّم. فلما سمع يوسف هذه المقالة خنقته العبرة وقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] بما يؤول إليه أمره ونصره عليهم (١). وقيل: جاهلون مذنبون، لأن المذنب جاهل في وقت ذنبه، وقال الحسن: إذ أنتم شباب، لأن مظنة الجهل الشباب، وهذا أجود.
فإن قيل: إنما أساؤوا إلى يوسف فلم قال: "وأخيه" ولم يسعوا في حبسه؟
فالجواب. إنهم لما فرَّقوا بينهما وهما من أمّ واحدة فقد أساؤوا إليهما.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ كشف الحجاب عن وجهه فعرفوه، وقال ابن عباس: لما قال لهم: ﴿هَل عَلِمْتُمْ﴾ تبسَّم، وكان إذا تبسَّم كأن ثناياه اللؤلؤ المنظوم، فلما أبصروا ثناياه شبهوه بيوسف. وعن ابن عباس قال: لم يعرفوه حتَّى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة، وليعقوب ولإسحاق ولسارة مثلها، وهي شبيهة الشامة، فقالوا ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ بنيامين ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ بأن جمع بيننا بعدما فرقتم أنتم ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ الله بأداء فرائضه واجتناب
стр. 569
محارمه ﴿وَيَصْبِرُ﴾ على الوقوع في الجبِّ والبيع والحبس ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] فقالوا مقرِّين معتذرين: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا﴾ أي: اختارك وفضلك بالعقل والعلم، والفضل والحلم، والحسن والملك ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] في صنعنا بك (١). وسئل ابن عباس فقيل له: كيف قالوا: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ وقد كانوا تعمدوا ذلك؟ [فقال:] معناه أخطؤوا الحق وإن تعمدوا، وكلُّ من أتى ذنبًا فقد أخطأ المنهاج.
﴿قَال﴾ يوسف وكان حليمًا موفقًا: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا تعيير ولا تأنيب عليكم، ولا أذكر لكم ذنبًا بعد اليوم، ثم دعا لهم فقال: اليوم ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] قال ابن عباس: ولما فتح رسول الله ﷺ مكة أخذ بعضادتي باب الكعبة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال: "ما تظنون أني فاعل بكم"؟ قالوا: نظن خيرًا، أخ كريم وابن أخٍ كريم وقد قدرتَ، قال: "وأنا أقول كما قال أخي يوسف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ﴾ الآية".
ثم قال: ما فعل الشيخ أبي بعدي؟ قالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: مبصرًا ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فإن قيل: فمن أين علم يوسف ذلك؟ فالجواب: إن ذلك القميص كان من الجنّة، وقيل: كان القميص الَّذي كساه الله الخليلَ يوم النار، وقد ذكرناه. وقال مقاتل: قال له جبريل: ابعثْ به فإنه لا يقع على مبتلى إلا وعوفي.
قوله تعالى: ﴿لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ يعني من مصر إلى أرض كنعان ﴿قَال أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ روى مجاهد أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها فأتته به، قال مجاهد: وجد ريحَ يوسفَ من مسيرة ثلاثة أيام فوصل إلى يعقوب ذلك لأنها صفقت [القميص] فاحتملت ريح يوسف فوجد يعقوب ريح الجنّة، فعلم أنَّه ليس في الأرض من ريح الجنَّة إلا ما كان من ذلك القميص (٢). وقال ابن عباس: وجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وقال الحسن: كان
стр. 570
بينهما ثمانون فرسخًا. وعن ابن عباس: مثلُ ما بين البصرة والكوفة.
فإن قيل: فلم قال: ﴿رِيحَ يُوسُفَ﴾ ولم يقل: ريح القميص؟
فالجواب: أن غرضه كان يوسف ولهذا لم يجد ريح القميص من كان عند يعقوب ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تُجهّلون وتسفّهون رأي وتكذبون ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أي: خطأك في حبِّ يوسف لا تنساه.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي: المبشر، قال ابن عباس. وهو يهوذا بن يعقوب.
قال السُّدي: قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم إلى أبي فأخبرته أنَّه أكله الذئب، وأنا أذهب بالقميص فأبشره أنَّه حي فأفرحه كما أحزنته.
وقال السُّدي عن ابن عباس: حمله يهوذا دونهم، وخرج حاسرًا حافيًا يعدو حتى أتاه، مَشَى ثمانين فرسخًا في سبعة أيام، ومعه سبعة أرغفة لم يستوفِ أكلها حتَّى وصلَ إليه ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ بعدما كان أعمى، وعاد قويًّا بعد أن كان ضعيفًا ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] من حياة يوسف وأنَّ الله يجمع بيننا؟ فقالوا عند ذلك: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] مذنبين ﴿قَال﴾ يعقوب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.
فإن قيل: فلم أخَّر يعقوب الاستغفار بقوله: ﴿سَوْفَ﴾؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه أخَّره إلى وقت السحر لأن الدعاءَ بالأَسحار لا يُحْجَبُ عن الله تعالى، قال وهب: وأقام يستغفر لهم كلَّ ليلةِ جمعةٍ وقتَ السحر نيفًا وعشرين سنة.
والثاني: أن طلب الحوائج من الشباب أسهل من الشيوخ، قاله عطاء الخراساني، قال: ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ﴾ وقول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.
والثالث: لأن ذلك الحقَّ كان متعلقًا بالغير، وهو يوسف، فقال: سوف أسأل يوسف، فإن عفا استغفرتُ، قاله الشعبي.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] ثم قال يعقوب ليهوذا: كيف خلفت
стр. 571
يوسف؟ قال. ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك، على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة (١).
وقال علماء السير: كان يوسف قد بعث إلى أبيه بمئتي راحلة وجهاز، وسأله أن يأتيه بأهله وولده أجمعين، فتهيأ يعقوب وسار، فلما دنا يعقوب من مصر كلَّم يوسفُ الملكَ الَّذي فوقه في خروجه، فخرج يوسف والملك في أربع مئة ألف من الجند، وركب معهما أهل مصر يتلقون يعقوب، وأقبل يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال يعقوب: يا يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: هذا ابنك، فلما دنا كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه ترجَّلَ يوسف وذهب ليبدأه بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك لأنَّ القادم يسلِّم، فقال يعقوب: السلام عليك يا مُذْهِبَ الأحزان.
وقال سفيان الثوري: لما التقيا عانق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، وبكى يعقوب ويوسف، فقال يوسف: يا أبتِ بكيتَ عليَّ حتَّى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى، ولكنْ خفتُ أن يُسْلَبَ دينك فيُحال بيني وبينك [يوم القيامة].
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ [يوسف: ٩٩] فإنا قيل: فأمه كانت قد ماتت، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الله أحيا أمه راحيل وأقامها من قبرها حتَّى سجدت له تحقيقًا لرؤياه، قاله الحسن.
والثاني: أن المراد خالته، لأنها أمه من حيث المعنى، قاله ابن عباس.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: على السرير، أجلسهما معه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ بأجمعهم، وليس المراد به وضعَ الجبهةِ لأنه حرام في جميع الشرائع لغير الله، وإنما أراد الانحناء والتواضع على طريق التحيّة والتسليم لا على وجه العبادة والتعظيم، فقال يوسف عند ذلك واقشعر جلده: ﴿هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
فإن قيل: فلمَ لم يسجد له إخوته حين عرفوه؟ فالجواب: لأنه رأى الشمس والقمر والكواكب قد سجدوا له جملةً، فتأويل رؤياه يكون كذلك.
стр. 572
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ فإن قيل: فلمَ لم يقل: من الجبِّ وهو أوّل ما ابتلي به؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه استعمل الكرم لئلا يذكِّر إخوته ما فعلوا به فيكون تأنيبًا لهم وقد قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ﴾.
والثاني: لأن نعم الله عليه في نجاته من السجن كانت أكثر عليه من نعمته في إنقاذه من الجب؛ لأن وقوعه في الجب كان من حسد إخوته، ووقوعه في السجن مكافأة من الله تعالى لزلَّته.
والثالث: أن السجن جبٌّ أيضًا، فحسَّنَ العبارة.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْو﴾ لأن يعقوب وبنيه كانوا أهل بادية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ أي: ذو لطف وصنع ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ عليم عالم بدقائق الأمور ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقال علماء السير: ولما جمع الله شمل يوسف، وأقرَّ عينه وأتمَّ له رؤياه، وكان موسعًا عليه في دنياه، علم أن ذلك لا يدوم ولابدَّ من فراقه، فأراد نعيمًا هو أفضل منه، فتاقت نفسه إلى الجنّة، فتمنى الموت فدعا، ولم يتمنَّ نبيٌّ قبله ولا بعده الموت، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني مُلْك مِصْر ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يعني تعبير الرؤيا ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يا خالقهما وبارئهما ﴿أَنْتَ وَلِيي﴾ معيني ﴿فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أي: اقبضني إليك ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾ [يوسف: ١٠١] بآبائي الصالحين أي الأنبياء. وإنما تمنَّى الموت لأنه خاف من تغير الحال، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.
وحكى الثعلبي عن يزيد الرَّقاشي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "لما جَمَع اللهُ ليعقوبَ شَمْلَه، خَلا وَلَدُهُ نجيًّا فقال بعضُهم لبعضٍ: أليسَ قد عَلِمتُم ما صَنَعتُم وما لقيَ منكُم الشَّيخُ يعقوبُ ويوسفُ؟ قالوا: بلَى، قالوا: فإن عَفَوَا عنكُم فكيفَ لكُم بربِّكم؟ فاستَقَام أمرُهُم على أَنْ يأتُوا الشَّيخَ يعقوبَ، فأَتَوه فجلَسُوا بينَ يدَيهِ ويوسفُ إلى جانبِهِ فقالوا له: يا أَبانا أَتينَاك في أمرٍ لم نأتِكَ في مثلهِ قطٌّ، ونزل بنا أَمرٌ لم يَنزِلْ بنا مثلَه قطُّ، حتَّى حرَّكوهُ؛ لأنَّ الأنبياءَ أرحَمُ البريَّة، فقال: ما لكُم يا بَنِيَّ؟ قالوا: أَلَستَ قد عَلِمتَ ما كان منَّا إليكَ وإلى أخِينا؟ قال: بلى، قالوا: أَفَلَستُما قد عَفَوْتُما؟ قالا:
стр. 573
بلى، قالوا: فإنَّ عَفْوَكُما لا يُغنِي عنا شيئًا إنْ كانَ الله لم يَعفُ عنَّا، قال: فما تُريدُون؟ قالوا: نُريدُ أن تَدعُوَا الله [لنا]، فإذا جَاءَك الوحْيُ مِنَ اللهِ أَنَّه قد عَفَا عنَّا، طابَتْ قلُوبُنا وقَرَّت عُيونُنا، وإلَّا فلا قرَّتْ لنا عينٌ في الدُّنيا أبَدًا، فقامَ الشَّيخ فاستقبَلَ القبلةَ، وقَامَ يوسُفُ خَلْفَه، وقامُوا خَلفَهُما أذلَّةً خاشِعينَ ودَعَا يعقوبُ ويوسفُ يؤمِّن، فلم يَزَلْ فيهم عشرينَ سنةً" قال صالح المرِّي: فلما كان رأس العشرين نزل جبريل على يعقوبَ فقال: إن الله قد أجاب دعاءَكَ فيهم، وقد عفا عمَّا صنعوا، وإنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوَّة (١).
وقال مجاهد: إنَّما تأخرت الإجابةُ عشرين سنة لأنه كلَّما تفاقم الذنب تعاظمت العقوبة.
وقال مقاتل: ركب يوسف يومًا في ثمان مئة الف، وعلى رأسه ألفا لواء يتفقد أمورَ الرعية، وكان قد هجر زَليخا وعميت وانحنت فلبستْ جُبَّةَ صوفٍ وشدَّتْ وسطها بحبلٍ من ليف، ووقفت على قارعةِ الطريق فلما حاذاها نادته يا يوسف بالذي جعل العبيد ملوكًا بالطاعة، والملوكَ عبيدًا بالمعصية كلِّمني، فوقف وبكى بكاءً شديدًا لما سمع هذه الكلمات، ثم قال: من أنتِ؟ فقالت: زَليخا، قال: وأين شبابُكِ؟ قالت: ذهب به الَّذي أَذهَبَ ذُلَّكَ ومسكنتك، وأعطاك هذا المُلك، قال: فما تريدين؟ قالت: ثلاث حوائج، قال: سلي، قالت: أما الأولى فَيُردُّ عليَّ بصري وشبابي وأن تتزوَّجني، فسأل الله فردَّ عليها بصرها وشبابها وتزوَّجها، وإذا هي عذراء كما كانت بعد أن أتت عليها مئة وعشرون سنة، وأولدها أولادًا.
وذكر جدي في "التبصرة" بمعنى هذا فقال: كان يوسف يركب في كل شهر ركبة في ثمان مئة الف ومعه ألف لواء وألفا سيف فيدور في عمله، وينصف المظلوم من الظالم، وكانت زليخا تلبس جبةَ صوف وتشدُّ وسطها بحبل من ليف وتناديه فلا يسمع، فنادته يومًا: يا أيها العزيز، سبحان مَنْ جعل العبيدَ ملوكًا بالطاعة، وذكَّرته، فسمعها
стр. 574
فبكى وقال لفتاه: انطلق بهذه العجوز إلى الدار واقضِ لها كلَّ حاجة، فجاء إليها الغلام وقال: ما حاجتك يا عجوز؟ قالت: إن حاجتي مُحَرَّمةٌ أنْ يقضيَها غير يوسف، فجاء يوسف فوقف عليها فقال: ما حاجتك؟ فذكرت الثلاث حوائج، فقضاها، وأولدها اثني عشر ولدًا، ذكر هذا أبو الحسين ابن المنادي وغيره، وقد ذكره الثعلبي (١).
ذكر وفاة يعقوب
ذكر جدي أيضًا في "التبصرة" وقال: أقام يعقوب عند يوسف أربعة وعشرين سنة في أهنأ عيش، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمله إلى الشام، فيدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل (٢).
وقال مقاتل: لما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت من مصر إلى الشام، ومضى معه بنفسه، ووافق ذلك يوم مات عيص فدفنا في مكانٍ واحدٍ كما ولدا من بطن واحد، وكان عمرهما جميعًا سواء مئة وستًا وأربعين سنة.
وقد ذكره الثعلبي بإسناده إلى وهب بن منبه وقال: دخل يعقوب إلى مصر وولده وهم اثنان وسبعون إنسانًا من رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى وهم ست مئة الف وخمس مئة وبضع وسبعون رجلًا سوى الذرية والهرمَى والزَّمْنَى، وكانت الذرية ألف ألف ومئتي ألف سوى المقاتلة. وذكر أن يوسف حمل أباه يعقوب إلى الشام فدفنه عند آبائه، وعاد إلى مصر، وذكر موت عيصو قال: ودفن هو ويعقوب في قبرٍ واحد، وحكى ما حكينا (٣).
ذكر وفاة يوسف
قال علماء السير: توفي يوسف بعد أبيه بمدَّة، فدفن في النيل في الليل في صندوق من مرمر، ولما مات تشاحَّ الناسُ فيه كلٌّ يريدُ يدفنه في محلَّته لما يرجو من بركته، وهموا بالقتال، ثم أجمعوا على أن يدفنوه في النيل حيث يفترقُ الماءُ عليه ثم تصل
стр. 575
بركته إلى الجميع، ففعلوا، وبقي هناك إلى زمان موسى ﵇ لما نذكر.
وقال مقاتل: ولما احتضر يوسف أوصى إلى أخيه يهوذا فقام بالأمور بعده.
واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه على أقوال: أحدها: غاب ثمانين سنة، قاله الحسن البصري. والثاني: أربعين سنة، قاله ابن عباس. والثالث: اثنتين وعشرين سنة، وهو قول الكلبي. والرابع: سبعين. والخامس: سبعًا وسبعين، قاله عبد الله بن شَوذب.
وقال الحسن البصري: ألقي في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة وفي السجن، ثم استوزر بعد ثلاثين سنة، وعاش بعد لقاء أبيه اثنتين وعشرين سنة، ومات ابن مئة وعشرين سنة. وفي "التوراة" أنَّه عاش مئةً وعشر سنين (١).
وذكر جدي في "أعمار الأعيان": أنَّه عاش مئة وعشرين سنة، قال: وكذا عاش موسى بن عمران ﵇، وحكيم بن حزام، وحُويطِب بن عبد العزى، وعديُّ بن حاتم الطائي، والنابغة الجعدي والحُطيئة الشاعران، وعبد خير صاحب علي ﵁، وحسان بن ثابت وأبوه وجدُّه، لما نذكر، وأبو عمرو سعد بن إياس الشيباني والمعْرور بن سُوَيد، وأبو عبد الله المغرِبيُّ الصُّوفي، وأستاذه علي بن رزين وخيرُ النَّساج وغيرهم، عاشر كلُّ واحدٍ مئة وعشرين سنة (٢).
انتهت ترجمة يوسف ﵇
стр. 576
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء الثاني
حقق هذا الجزء وعلق عليه
محمد بركات - كامل الخراط - عمار ريحاوي
стр. 577
المخطوطات المعتمدة في هذا الجزء
١ - نسخة لاله لي، وهي من أول الكتاب إلى عذاب قوم شعيب، ورمزنا لها بـ: (ل).
٢ - نسخة كوبريللي، من أول أخبار الأمم الماضية إلى سنة (٦ هـ)، ورمزنا لها بـ: (ك).
٣ - نسخة الخزائنية، من قصة زكريا ويحيى إلى سنة (٧ هـ)، ورمزنا لها ب: (ح).
٤ - نسخة باريس، من أول الكتاب إلى ذكر والد رسول الله ﷺ ، ورمزنا لها: (ب).
٥ - مطبوعة الدكتور إحسان عباس، ورمزنا لها بـ: (ط).
وانظر وصفًا مفصلًا لهذه النسخ في مقدمة الجزء الأول.
* * *
стр. 578
فَصْل ذِكْر أيُّوب ﵇ (١)
قال مقاتل: ذكره الله في خمسة مواضع. وأيوب اسم أعجمي، واختلفوا في نسبه، والمشهور أنَّه أيوب بن أموص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ذكره جدي ﵀ في "التبصرة"، قال: وأبوه ممن آمن بالخليل ﵇ لما ألقي أي النار، قال: وأمه بنت لوط ﵇ (٢).
وكان أيوب في زمان يعقوب، وتزوج ابنة يعقوب واسمها رحمة، وقيل: دينا، وقيل: ليَّا، وقيل: إنما تزوج أيوب رحمة بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب.
وقال الكلبي: أيوب بن أموص بن رازح -بتقديم الألف على الزاي- ابن العيص بن أموص بن العيص بن إسحاق ﵇. وقال قتادة: أيوب بن رزاح بن دعوابيل بن العيص.
وحكى الثعلبي عن وهب بن منبه قال: كان أيوب رجلًا من الروم، وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن روم بن عيص بن إسحاق ﵇ (٣).
واختلفوا في زمانه:
فحكينا عن جدي في "التبصرة" أنَّه كان في زمان يعقوب.
وقال مجاهد: لم يكن نبيًّا في زمان يعقوب وإنما نبّئ بعد يوسف.
وقال مقاتل: كان بعد سليمان. وقيل: بعد يوسف، والأول أشهر وأثبت.
قلت: وذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في "تاريخ نيسابور" عن قتيبة بن سعيد قال: سمعتُ عبد الله بن لهيعة، وسأله رجل: هل ورد خراسانَ نبيّ، قال: نعم أيوب المبتلى ورد كورةَ بُخارى واستضافهم فأضافوه، فدعا لهم بالبركة فهي مباركة.
قلت: والعجب من رواية الحاكم مثلَ هذا عن ابن لهيعة، وقد علم أنَّه ضعيف. ولم
стр. 579
يثبت أن نبيًّا من الأنبياء دخل العجم، وخصوصًا أيوب، فإنه ما فارق الشام.
وقال الكلبي: كانت منازله البَثَنِيَّةُ من أرض الشام والجابِيَة وكورة دمشق، فكان الجميع له، ومقامه بقرية تعرف بدير أيوب، وقبره بها وإلى هلم جرًا. وكان غنيًّا كثير الضيافة على مذهب إبراهيم الخليل ﵇، وكان له ثلاثة عشر ولدًا، وله أصنافٌ من الأموال والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وكان له خمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة ومال وولد، وكان برًّا رحيمًا تقيًّا يكفل الأرامل واليتامى ويحمل المنقطعين، وما كان يشبع حتَّى يشبع الجائع، ولا يكتسي حتَّى يكسوَ العاري، وكان قد امتنع من عدوِّ الله إبليس أن يصيبَ منه ما يصيبُ من أهل الغنى والثروة بالغِرَّةِ والغفلة، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدَّقوه: رجل من أهل اليمن يقال له: أليفز، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما: بلدد، والآخر: صافر (١).
فصل في تلخيص قصته
ذكر علماء السير كابن إسحاق ووهب والسدي وعطاء فيما رووه عن ابن عباس وغيره، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، وحكاه الثعلبي عن وهب بن منبه قالوا: إن لجبريل من الله مقامًا ليس لأحد من الملائكة في القربة والفضيلة مثله، وإنَّ جبريل هو الَّذي يتلقى الكلام من الله تعالى، فإذا ذكر الله عبدًا بخير تلقَّاه جبريل، ثم يتلقاه ميكائيل ثم الملائكة المقربون، فيشيع ذلك في الملائكة الحافِّين من حول العرش، ثم ينزل إلى سماء سماءٍ، ثم تهبط به الملائكة إلى الأرض، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات يقفُ فيهنَّ حيث يشاء، ومن هناك وصل إلى الجنَّة حتَّى أغوى آدم، فلم يزل يصعدُ ويتردَّد إلى السماء حتَّى رُفِعَ عيسى ﵇ فَحُجِبَ من أربع سماوات، فكان يصعد في ثلاث حتَّى بُعِثَ نبينا ﷺ ، فحجب عن الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون عن السماوات إلى يوم القيامة ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].
وكذا قال جدي ﵀ في كتاب "التبصرة": وكان إبليس لا يحجب عن
стр. 580
السماوات، قال: وهذا هو خلاف قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] وكان إهباطَ سخطٍ، وآدم لم يعد إلى الجنّة، وكذا إبليس لا يعود إلى السماوات، ويحتمل أن الشياطين الذين يسترقون السمعَ أخبروه بثناء الملائكة على أيوب (١).
قالوا: ولما سمع إبليس أن الله ذكر أيوب وأثنى عليه أدركه البغي والحسد، فصعد سريعًا حتَّى وقف من السماء موقفًا كان يقفه وقال: يا ربّ سلِّطني على أيوب، فقال الله: قد سلطتك على ماله وولده ولم أُسَلِّطْكَ على جسده.
وقد روى هذا المعنى عبد الله بن أحمد بن حنبل في "كتاب الزهد" عن أبيه عن كثير بن هشام عن حماد بن سلمة بإسناده عن ابن عباس وذكره موقوفًا (٢).
وقد روى السُّدي ووهب أن إبليس قال. إلهي إني نظرتُ في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدًا أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ثم لم تجرّبْهُ بشدةٍ ولا بلاء، وأنا زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرنَّ بك، فقال الله تعالى: اذهب فقد سلطتك على ماله. فجمع عفاربته وشياطينه وقال لهم: ما عندكم من القوة فإني قد سُلِّطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فأروني سلطانكم، فصار بعضهم نارًا وبعضهم ماء وحالوا ما بين المشرق والمغرب (٣).
فإن قيل: فكيف قال الله تعالى: اذهب فقد سلَّطتك عليه، وتسليط العدوِّ على الوليّ غير لائقٍ بالحكمة، وخصوصًا إذا لم يفعل فعلًا يستوجب به العقوبة؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه نزل به مريض فنظر إليه فاستقذره وأبعده عن فنائه، فابتلاه الله بمثل مرضه، قاله قتادة.
والثاني: لأنه وقف ببابه سائل فقير فرده خائبًا، فقال له الله تعالى: خوَّلتك وأعطيتك ووسعت عليك وترد السائل خائبًا؟! لأبتلينَّك، قاله ابن أبي نجيح.
стр. 581
والثالث: أنَّه استغاث به مظلوم فلم يساعده على ظالمه فابتلاه الله، قاله ابن عباس.
والرابع: لأنه كان في زمانه ملك ظالم أقطعه أرضًا ترعى خيلُهُ فيها، فدخل العلماءُ على الملك فأنكروا عليه ظلمه إلا أيوب، فإنه لم ينهه عن الظلم لأجل مرعى دوابّه، فأوحى الله إليه: تركتَ إنكارك على الظالم من أجل مرعى دوابّك؟! لأسلِّطنَّ عليك عدوَّك، ولأُطيلنَّ عذابك، قاله الليث بن سعد.
وحكى الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق" أن الواقعة كانت بمصر، فقال: قال أبو إدريس الخَولاني: أجدَبَ الشام فكتب فرعون مصر إلى أيوب أنْ هلُمَّ إلينا فإن لك عندنا سعةً، فأقبل بخيله وَرَجلِهِ وبنيه وماشيته، فأقطعه أرضًا، وكان نبيُّ ذلك الزمان شعيبًا ﵇، فدخل شعيب على فرعون ووعظه وقال: يا فرعون أما تخاف أنْ يغضبَ الله غضبةً تغضبُ لها السماوات والأرض والجبال والبحار؟! وكان أيوب حاضرًا فسكت، فلما خرج من عنده أوحى الله إلى أيوب: سكتَّ عن فرعون لأجل أرضه، استعدَّ للبلاء. قال: يا إلهي، فديني؟ قال: أُسَلِّمُهُ لكَ، قال: فما أُبالي (١).
وروى الحافظ حديثًا عن عقبة بن عامر قال: قال النبيُّ ﷺ : "أَوْحَى الله لأَيُّوبَ: تَدرِي ما جرمُك حتَّى ابتَليتُكَ؟ قال: لا، قال: إنَّك دَخَلتَ على فِرعَونَ فداهَنْتَهُ في كلمتَين" (٢).
قلت: ولا يصحُّ هذا الحديثُ مرفوعًا وإنما هو موقوف؛ وأيوب لم يفارق الشام ولا دخل مِصْر باتفاق الرواة.
والخامس: أن إبليس قال: يا إلهي لو سلَّطتني عليه لكفَرَ بك وأطاعني، فسلَّطه عليه ليظهر صبره وكَذِبَ إبليس، قاله مقاتل.
قال وهب والسُّدي وغيرهما: ثم إن إبليس فرَّق عفاريته في ماله، فأرسل بعضهم إلى إبله، فجاؤوها وهي في مباركها، فلم تشعر الرعاة حتَّى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منه أرواح السَّموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها
стр. 582
حتَّى أتى على آخرها، فلما فرغ منها جاءه إبليس في صورة راعٍ من رعاتها، وأيوب قائم يصلي فقال: يا أيوب هل تدري ما صنع ربّك الَّذي تعبده بإبلك ورعاتها؟ قال: ما صنع؟ قال: أرسل عليها نارًا من السماء فأحرقتها ورعاتها، وقد عجب الناس من ذلك فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبدُ شيئًا وما كان إلا في غرور، ومن قائل يقول: لو كان له إله لدعاه، ولو كان له عنده قدر لحماه. فقال أيوب: الحمد لله حين أعطى، وله الحمد حين أخذ، عريانًا دخلتُ إلى الدنيا، وعريانًا أَخرجُ منها، ولو كان فيك أيها العبد خير لأَخذَ روحكَ مع الأرواح فأجرى فيك [وصيَّرك شهيدًا مع الشهداء] لكنه علم منك شرًّا فأخَّرك. فرجع إبليس خائبًا خاسئًا ذليلًا وقال لأعوانه: ما عندكم من القوة؟ قالوا: مرنا بما شئت، فأرسل بعضهم إلى الغنم وبعضهم إلى البقر وإلى الخيل، ففعلوا بها مثل ما فعلوا بالإبل، وجاء إلى أيوب في صورة راعٍ فذكر له مثل ذلك، فردَّ عليه مثل ذلك الجواب (١).
فلما رأى أنَّه لا يلتفت إلى المال سأل الله أن يسلطه على ولده وقال: فتنةُ الولدِ أعظم لأن المال يعودُ، فسلَّطه على ولده، فجاء إليهم وهم في قصرهم، فزلزله عليهم، فوقعت الحيطان والخشب عليهم، فشدخهم، ومثَّل بهم، وقلب القصرَ عليهم، ثم انطلق إلى أيوب في صورة معلمهم، وقد لطخ وجهه بالدم، وهو يبكي وينوح ويقول: يا أيوب، لو رأيت أولادَك وما حلَّ بهم من البلاء -ووصفَ ذلك- لأحزنك وساءك، ولم يزل ينوح ويحزن حتَّى بكى أيوب وحثا التراب على رأسه، فاغتنم إبليس الفرصةَ وصعد إلى الله تعالى. ثم إن أيوب ندم واستغفر، فصعدت الملائكة إلى الله تعالى فأخبرته بندمه وتوبته فرجع إبليس خاسئًا.
وقال مجاهد: لم يبكِ أيوب وإنما أنَّ أنةً. وقال وهْب: ولما قال لأيوب ما قال، قال: لو كان فيك خير لهلكت معهم، ثم عرفه وقال: اغرب لعنك الله.
فحينئذ سأل إبليس أن يسلّطه على جسده، فسلَّطه على جسده وقال: لا سلطانَ لك على قلبه ولسانه وعقله. فأتاه وهو ساجد فنفخ في منخريه نفخةً أشعل منها جسده،
стр. 583
وصار من قَرْنه (١) إلى قدمه أمثال الثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكةٌ لا يملكها، فحكَّها بأظفاره حتَّى سقطت، ثم بالحجارة والمسوح حتَّى تقطَّع وأنتن.
وقال مجاهد: أول من أصابه الجدريّ في الدنيا أيوب.
وقال وهب: فأخرجه أهل القرية فألقوه على كناسةٍ، وبنوا عليه عريشًا، ورفضه الناس كلُّهم ولم يبقَ من يتردَّدُ إليه سوى زوجته رحمة، كانت تختلفُ إليه بما يصلحه، ولم يبق منه إلا اللسانُ للذكر والقلبُ للمعرفة، وكان تُرَى عروقه وأمعاؤه وعظامه من وراء جلده.
فإن قيل: فما الحكمة في ابتلائه بالدود؟ فالجواب: لأن المريضَ الَّذي أبعده عن بابه كان به هذا المرض، فاستقذره، فابتلي بمثل ذلك.
فإن قيل: فلم ابتلاه أولًا بأخذ المال ثم بالولد ثم بالنفس؟ فالجواب: لأن المال وقاية الولد، والولد وقاية النفس، والنفس وقاية القلب.
وقال وهب: ولما رأى أولئك النفر الثلاثة (٢) حاله هجروه واتهموه وجاؤوا إليه فأنَّبوه ولاموه، وقالوا: تبْ إلى الله فقد أذنبتَ ذنبًا عظيمًا، وكان معهم فتى حديث السن، وكانوا هم كهولًا، فقال الفتى: أيها الكهول، لقد كان لأيوب عليكم من الحقوق ما يوجب ترك كلامكم له، فهل تدرون حرمةَ من انتهكتم ومن الَّذي اتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب صفوة الله وخيرته من خلقه؟ فإن كان ما نزل به من البلاء هو الَّذي نَقَصَ منزلته عندكم فإن الله يبتلي الصدّيقين والنبيين والشهداءَ والصالحين ليكونوا أئمة للصابرين وعظةً للعابدين، وليس ذلك لسخطه عليهم ولا لهوانهم عليه، ولكنها كرامة أكرمهم بها، وقد كان الواجب أن تساعدوه وترحموه وتبكوا معه لا أن تعيّروه وتوبخوه. فبكى أيوب وقال: إن الله يزرع الحكمة في قلب من يشاء وليستْ الحكمة بكبر السنِّ وطول التجربة.
ثم أقبل أيوب على الثلاثة وقال: أتيتموني مؤنبين (٣) ظالمين مُبَكِّتين، لقد أعجبتكم نفوسعكم وظننتم أنكم ناجون من البلاء، تالله لقد اعتديتم وجُرتم، ولو أنصفتم لوجدتم
стр. 584
لكم ذنوبًا سترها الله عليكم بالعافية التي البسكم، ولقد كنتم فيما مضى توقرونني وتسمعون كلامي وتعرفون حقي، فأصبحتم اليوم أشدَّ عليَّ من مصيبتي، وذكر كلامًا طويلًا، ثم أعرض عنهم وسجد وقال: إلهي لأيِّ شيء خلقتني؟ ليتك لمّا كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة، يا ليتني كنت نسيًا منسيًا، ويا ليتني لم تلدني أمي، وذكر الثعلبي عن وهب كلامًا طويلًا أعرضت عنه لأن فيه نوعَ اعتراضٍ.
فصل في المدة التي أقام فيها في البلاء
واختلفوا فيها على أقوال:
أحدها: أنها كانت سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، قاله ابن عباس وعامة العلماء.
والثاني: ثلاث سنين، قاله وهب.
والثالث: ثماني عشرة سنة، قاله الربيع بن أنس. قال جدي في "التبصرة": وقد رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ (١). والأول أشهر لوجهين:
أحدهما: لما ذكر الحسن البصري، فإنه قال: أيوب: تنعمت سبع سنين فابتُليت سبع سنين.
والثاني: أنَّ المريض الَّذي وقف ببابه وردَّه أقام ببابه سبع ساعات فعوقب سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب على الكُناسة سبع سنين، وكان يأخذ الدودة من الأرض إذا سقطت ويعيدها إلى جسده ويقول: كلي من رزق ربك، اللهم إنْ كان هذا رضاك فشدِّدْ، وإن كان من سخطك فاغفر.
فصل في سبب سؤاله العافية
واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنَّه اشتهى إدامًا فلم يقدر عليه حتَّى باعت امرأته شعرها، أو قرنًا من
стр. 585
شعرها، واشترت له ما طلب، فسبقها إبليس إليه وقال: قد وجدتُ امرأتك مع رجل، وقد قطع شعرها فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني: أن الله أنساه الدعاء مع كثرة الذكر، فلما انقضى زمان البلاء ألهمه الله الدعاء، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثالث: أن نفرًا من بني إسرائيل مروا به فقال بعضهم: ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم فعندها دعا، قاله نوف البكالي.
وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان له أخوان فأتياه يومًا فوجدا منه رائحة منكرة فقالا: لو علم الله من هذا خيرًا ما بلغ به هذا، فما سمع شيئًا أشدَّ عليه من ذلك فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبتْ ليلة وأنا شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني -وهما يسمعان- اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصًا وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، ثم سجد وقال: اللهم لا أرفع رأسي حتَّى تكشف ما بي فكشف ما به.
والرابع: أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلةٍ وقال: قولي له: ليذبحها وقد برأ، فجاءته وقالت: لقيني شيخ من صفته كذا وكذا وذكر كذا وكذا، فعرفه وقال: كدتِ أن تهلكيني، لئن فرَّجَ الله عنِّي لأجلدنك مئة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير الله، ثم طردها عنه وبقي وحيدًا ليس معه معين فقال: ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾، قاله الحسن.
والخامس: أن الله أوحى إليه في عنفوان شبابه: إني مبتليك، فقال: يا رب وأين يكون قلبي؟ قال: عندي، قال: افعلْ ما شئت، فلما ابتلاه قال: إني معافيك، فقال: وأين يكون قلبي؟ قال: عندك، قال ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾، قاله إبراهيم بن شيبان.
والسادس: أن الوحي انقطع عنه أربعين يومًا فخاف هجران ربه.
والسابع: أن الدود أكل جميع جسده، فلما دبَّ إلى قلبه خاف فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قاله مقاتل، وكان اثني عشر ألف دودة.
قال جدي ﵀ في هذا المعنى: قال بلسان الحال: يا ربِّ قلبي هو الوكيل المنفق أموال الصبر، فإذا قضي عليه لم يبق للضيف قوت.
стр. 586
وقال ابن عباس: أكل الدودُ جميعَ جسد أيوب، فلما لم يبق شيءٌ سلَّط الله الدودَ بعضه على بعض فأكل بعضهُ بعضًا حتَّى بقيت دودتان، فجاعتا فأكلت الواحدة الأخرى، وبقيت واحدة فجاعت فدبَّتْ إلى قلبه لتنقره، فقال أيوب: إلهي إن فقدت حلاوة ذكرك من قلبي لم يهن عليَّ ما ابتُليت به ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (١).
والثامن: أن جبريل جاءه فقال: يا أيوب، لا تقدر أن تصبر معه، فإن بلاياه في خزائنه كثيرة، ومتى لم تشكُ إليه لا يرفع عنك البلاء، فاعترف بالعجز فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، قاله ابن نجيح.
والتاسع: أن دودة عضَّته فآلمته ألمًا زاد على جميع ما قاسى، فبكى فرحمه الله، قاله مقاتل.
والعاشر: أن زوجته مرضت فتأخرت عنه أيامًا، فلم يبق له من يقوم بأمره فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قاله مقاتل بن حيان.
وقال الجنيد: عرَّفه فاقة السؤال ليمنَّ عليه بكرم النوال.
وقال مجاهد: أوحى الله إليه: لولا أني أفرغتُ مكانَ كلِّ شعرة منك صبرًا لما صبرتَ (٢).
فإن قيل: فلم لم يدعُ أوَّلَ ما نزل به البلاء؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّه علم أمرَ الله فيه ولا تصرُّفَ للعبد مع مولاه.
والثاني: أنَّه أراد مضاعفة الثواب فلم يسأل كَشْفَ البلاء ليأخذ منه نصيبًا.
فإن قيل: فكيف قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [ص: ٤١] والشيطان لا يمس؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أنَّه لما كان الشيطان هو السبب فيما أصابه أضيف إليه.
والثاني: أنَّه ما كان يحسن به أن يقول مسَّني الله، فاستعمل الأدب مع الله، وإن كان ذلك بقضائه وقدره.
قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] قال ابن عباس: جاءه جبريل ﵇
стр. 587
فقال له: قم قائمًا، فقال: وكيف أقدر، فقال: قم قائمًا، فقام وركض برجله، فنبعت عين ماء، فقال: اغتسلْ فاغتسلَ، ثم نحاه من مكانه وقال: اركضْ فركضَ، فنبعت عينٌ أخرى فقال: اشربْ فشربَ، فذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢].
فإن قيل: فقد كان يكفيه ركضة واحدة، قلنا: الركضة الأولى لزوال الضرّ، والثانيةُ دليل الفرح والطرب بالعافية. وإنما خصَّ الرجل بالركض لأن العادة جاريةٌ أن ينبع الماء من تحت الرجل، وكان ذلك معجزةً له.
قلت: وقد احتجَّ محمد بن طاهر المقدسيّ على جواز الرقص بهذه الآية، ولا حجة له فيها لأن ذلك الركض لم يكن رقصًا وإنما كان من باب المعجزات لا من باب الرقص المعتاد.
وقال السُّدي: جاءه جبريل بحلَّةٍ من الجنّة فألبسه إياها، وكانت امرأته غائبة فجاءت فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله أين المبتلى الَّذي كان هاهنا، لعلَّ الذئاب أكلته؟ فقال لها: أنا أيوب، فقالت: اتَّق الله ولا تسخر بي.
واختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤] على قولين:
أحدهما: ذكره ابن عباس وابن مسعود قالا: كانت امرأته قد ولدت سبع بنين وسبع بنات، فردَّهم الله عليه، وأقامهم من قبورهم، وآتاه مثلهم في الدنيا.
والثاني: أن الله ما أحياهم وإنما آتاه أجورهم في الآخرة، قاله مجاهد وابن الكلبي.
والأول أصح، لأن الله نصّ عليه، وفيه إظهار شرف أيوب.
وقال ابن عباس ﵄: ردَّ الله على امرأته شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرًا.
وقال كعب: لما أمطر الله عليه الجراد من الذهب جعل يأخذ الجراد بيده فيجعله في ثوبه فأوحى الله إليه: يا أيوب، أفما شبعت؟ فقال: يا إلهي ومن يشبع من فضلك.
وقد روي مرفوعًا، قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بَينَما أيُّوبُ يَغتَسِلُ عُريانًا خَرَّ عليه جرادٌ مِن ذَهَبٍ، فجَعَلَ أيُّوبُ يَحثُو
стр. 588
في ثَوبِه، فناداه ربُّه تعالى: يا أَيُّوبُ، ألَمْ أَكُن أَغنيتُك عما تَرى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكِنْ لا غِنَى لي عن بَرَكتِكَ" انفرد بإخراجه البخاري (١).
وقال وهب: تطاير الجراد من الماء الَّذي اغتسل فيه، وكان له أنْدَران أحدهما للقمح والآخر للشعير، فبعث الله سحابتين فأفرغت إحداها على أندر القمح ذهبًا والأخرى [على أندر الشعير] فضة، وتطاير الجراد على الكلِّ وإنما خصَّ الجراد لكثرته (٢).
قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] وهو الشِّمراخ، وقيل: الحزمة، من العيدان أو الحشيش ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قال ابن عباس: كان قد حلف ليجلدنَّ زوجته مئةَ جلدة، وما كان ذلك يحسن في مقابلة صبرها وما لاقت في خدمته من الشدائد، فأفتاه الله تعالى بذلك.
واختلفوا في سبب يمينه على أقوال: أحدها: حديث السخلة التي جاء بها إليها إبليس، وقد ذكرناه. والثاني: أن إبليس جلس على طريق زوجته كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد الله هاهنا رجلٌ مبتلى فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على شرط أن يقولَ إنني شفيته، فأخبرته بذلك فقال: ذاك الشيطان، لله عليَّ إن شفَاني الله لأجلدنَّكِ مئة جلدة. قاله ابن عباس (٣).
والثالث: أن إبليس لقيها فقال: أنا الَّذي فعلت بأيوب ما فعلت، وأنا إله الأرض وجميع في أخذتُ منه بيدي، فانطلقي أريك، ومشى بها غير بعيد ثم سحر بصرها فأراها واديًا عميقًا فيه أهلها وولدها، فأتت أيوب فأخبرته فقال: لعنه الله، ثم حلف، قاله وهب (٤).
وقال ابن عباس: قال إبليس لجنوده: قد أعياني أيوب، فقالوا: عليك بزوجته، فإنه ما أخرج آدم من الجنّة غير امرأته، فجاء إليها فوسوس لها بأنواع الوساوس حتَّى حلف
стр. 589
أيوب ليجلدنها مئة جلدة، فأفتاه الله لطفًا بها فجمع العيدان، وقيل: كانت مئة سنبلة، فضربها ضربة واحدة. وهل ذلك خاصٌّ له أو عام؟ قال ابن عباس: هو عام، وقال مجاهد: هو خاصّ، والأول أصح.
واختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده أو أمته أو زوجته مئة سوط، أو أقل أو أكثر، فأخذ حزمةً وضرب بها، قال أصحابنا: إن أصابه بكلِّ واحد منها برئ في يمينه، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يبرأ، وجه قولهم: إن ذلك كان خاصًّا بامرأة أيوب رفقًا بها، وهذا المعنى معدوم في حق غيرها. ولنا: ما كان جائزًا في شرع غيرنا فهو جائزٌ في شرعنا إلا أن يوجد النسخ، ولم يوجد، قال الله تعالى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] ولم يصبر حتى قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ فأين صبره؟ فالجواب: أنَّ المذموم هو الشكوى إلى الخلق، أمَّا إلى الخالق فلا. وشكواه إلى الله بما ذكرنا من الأسباب لا يدلُّ على أنه لم يصبر، ألا ترى إلى قول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، ثم قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨؛ ٨٣] على أن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قد ذهب بعض العارفين إلى أنه دعاء لا شكوى، وقد أشار إليه أبو القاسم ابن حبيب قال: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] والاستجابة إنما تتعقب الدعاء.
فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ وبين قوله تعالى لنبينا ﷺ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
فالجواب: إنه لم يكن في من تقدَّم من الأمم كفارةُ يمين، وإنما شُرِعَتْ لهذه الأمَّة تخفيفًا عنها، فتأخذ مرةً بالعزيمة ومرة بالرخصة.
وقد روى مجاهد عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا قال: يجاء يوم القيامة بالمريض فيقول له الله تعالى: ما منعك أن تعبدني؟ فيقول: يا رب، ابتليتني ببلاءٍ شغلني عن عبادتك، فيجاء بأيوب في ضرِّه وبلائه ويقال له: أنت أكثر بلاءً أم هذا؟ فيقول: لا بل هذا، فيقول: إن هذا لم يمنعه ما كان فيه عن عبادتي لحظةً قطُّ.
стр. 590
فصل في ذكر وفاته
واختلفوا في سنِّه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه عاش مئةً وستًا وأربعين سنة، قاله ابن عباس، وقال: عاش منها بعدما ذهب عنه البلاء سبعين سنة.
والثاني: ثلاثًا وسبعين سنة، قاله مجاهد. والثالث: - وهو الأشهر - أنه عاش ثلاثًا وتسعين سنة، ذكره الطبري في "تاريخه" وجدي في "أعمار الأعيان" (١).
قال جدي: وعاش لهذا السن جماعة، منهم أبو أيوب الأنصاري، ومحمود بن الربيع، وسليمان بن صُرَد، والهيثم بن عديِّ، وأبو الحسن المدائني صاحب التاريخ، ومحمد بن بكَّار، وإدريس بن عبد الكريم، ويونس بن عبد الأعلى، وطِراد الزَّينَبي، وأبو القاسم ابن الحصين، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو سعد الزُّوزَني وغيرهم (٢).
ودفن أيوب بالشام بالبثَنِيَّة، وقبره ظاهر بها، وأوصى إلى أخيه حومل بن أموص.
* * *
стр. 591
فصلٌ في ذِكر شُعَيب ﵇ (١)
قال مقاتل: ذكر اللهُ شعيبًا في تسعة مواضع.
وشعيب اسم عربي وليس بأعجمي، وقد ذكرنا هذا (٢).
واختلفوا في نسبه على أقوال:
أحدها: أنه شعيب بن عيفا بن نويب بن مدين بن إبراهيم ﵇. ذكره وهب ابن منبه وجدِّي في "التبصرة" (٣).
والثاني: شعيب بن نويب بن مدين بن برعويل بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، ذكره أبو الحسين ابن المنادي (٤).
والثالث: شعيب بن بحرون بن نويب بن مدين، ذكره الثعلبي. وقال الشرقي بن القَطامي - وكان عارفًا بأنساب العرب -: اسم شعيب القديم يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية (٥). قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] [هود: ٨٤] [العنكبوت: ٣٦] الآية.
واختلفوا في مدين على أقوال:
أحدها: أنه ابن إبراهيم لصلبه، قاله مقاتل.
والثاني: أنه مدين بن مديان بن إبراهيم ﵇، قاله أبو سليمان الدمشقي.
والثالث: أنه اسم ماء كان عليه قوم شعيب، قاله قتادة (٦).
стр. 592
والرابع: أنه اسم بلدة معروفة تنسب إلى مدين بن إبراهيم، قال الشاعر:
رُهبانُ مَدينَ والذين عَهِدتُهُم … يُمْسونَ من ألمِ الفِراقِ هُمُودَا (١)
والخامس: أن مدين اسم دارِ شعيب. قال الجوهري: اسم قرية شعيب (٢). والأيكةُ خلفها.
والسادس: أن مدين اسم القبيلة، روي عن مقاتل.
قال: ومعنى الآية: أرسلنا شعيبًا إلى وَلَد مدين، وهي القبيلة؛ وعامة المؤرخين على أن مدين ابن إبراهيم لصلبه، ولهذا قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: أرسلناه إليهم.
وذكر ابن قتيبة في "المعارف" عن وهب: أن شعيبًا وبلعم كانا من ولد رهطٍ آمنوا بإبراهيم يوم أُحرق بالنار وهاجروا إلى الشام، وتزوجوا بنات لوط، فكلُّ نبيّ كان قبل بني إسرائيل وبعد إبراهيم من ولد ذلك الرهط. وحكى أيضًا أن جدَّة شعيب بنت لوط. ولم تكن مدين قبيلة شعيب، ولكنها أمة بعث إليها (٣). وعامة العلماءِ على خلاف قول ابن قتيبة.
وقال ابن عباس: كان شعيب يسمَّى خطيبَ الأنبياء لفصاحته وحسن مراجعته قومه. وقيل: كانت معجزته في خطبته. وقيل: لم يسم معجزته، وإنما قال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] و ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤].
وقال الشَّرقي بن القَطامي: بُعِثَ إلى مدين وهو ابن عشرين سنة، وكانوا مع عبادتهم الأوثان يبخسون المكاييل والموازين، فنهاهم عن التطفيف وعبادة الأوثان وقال: يا قوم ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤] أي: موسرين في خصحب وعيش وسعة. وحذَّرهم غلاءَ السعر، وزوال النعمة، وحلول النقمة.
وقال قتادة: إنما كان يخاطبهم بلسان العرب، لأنه من العرب الأُوَل، من ولد
стр. 593
المحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم.
وقال: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٥] أي: أتموهما ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. وقال ابن عباس: إنما قال لهم: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥] الآية، لأنه لم يؤمر بالقتال.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثان، وكان كثير الصلاة والتلاوة ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ وكانوا يقصُّون جوانبَ الدنانير والدراهم لينقصوها ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: السفيه، كما يقال للديغ سليم. وقيل: على وجه الاستهزاء.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي: خلافي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] فقالوا في الجواب: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] أي: ضعيف البصر. قال مجاهد: ثم عمي في آخر عمره، وقيل: إنه بعث وهو أعمى، وأنكر قوم هذا، وقالوا: ما بعث الله نبيًا أعمى ولا به زمانةٌ، لما نذكر.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] يقال: وعدته في الخير، وأوعدته في الشر. وحكى جدي في "التبصرة" عن سعيد بن جبير أنه قال: كان قد ذهب بصره. قال: وقال ابن المنادي: إن ثبت هذا فهو كان في آخر عمره، لأنه لا يُبْعَثُ نبيٌّ أعمى. قال ابن المنادي: وقد قال أبو رَوْق: لم يبعثِ الله نبيًا أعمى ولا به زمانة. وهذا القولُ أليطُ بالقلوب من قول سعيد بن جبير (١).
واختلفوا في الصراط على أقوال:
أحدها: أنهم كانوا يقعدون على الطريق يصدُّون من آمن به، قاله ابن عباس (٢).
والثاني: أنهم كانوا عشَّارين، قاله مجاهد والسدي (٣).
والثالث: كانوا يقطعون الطريق، قاله أبو رَوْق وابن زيد (٤).
стр. 594
﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يصرفون المؤمنين عن إيمانهم ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [هود: ١٩] أي السبيل، والعِوج: الزيغ. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] يعني في العدد، وقيل: في الأموال، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] أي: شتمناك، وقيل: قتلناك. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أتراعون رهطي ولا تراعون الله فيَّ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أي رميتم أمره وراء ظهوركم ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ العذاب ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] لكم العذاب، ولي وللمؤمنين الثواب.
ذكر عذابهم
قال الله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] واختلفوا فيهم، قال ابن عباس: صاح بهم جبريل صيحةً فماتوا عن آخرهم و ﴿نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٤].
وقال محمد بن كعب القُرَظي: عُذِّبَ أهلُ مدين بثلاثة أصناف من العذاب، صنف أخذتهم الرجفة، فخافوا أن تسقط عليهم ديارهم، فخرجوا منها، فأصابهم حرٌّ شديد، فبعث الله الظلة، فتنادوا هلموا إلى الظل، فدخلوا فيه، فصيح بهم صيحة واحدة، فماتوا كلهم. قال جدي ﵀ في "التبصرة": وهذا القول يدلُّ على أن أهل مدين هم أصحاب الظُّلَّةِ، وإليه ذهب جماعة من العلماء. وذهب مقاتل إلى أن أهل مدين لما هلكوا بُعِثَ شعيب إلى أصحاب الأيكة، فأهلكوا بالظلة (١). وقال مجاهد: ومعنى قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] أنَّ المراد به: شعيب، لأنه من المرسلين. والأيك: الشجو الملتفُّ، الواحدة: أيكة، فيها لغتان، أيكة وَلَيْكَة. وقيل: الأيكة الغيضة، ولَيْكَة اسم القرية. وقيل: هما واحد، مثل مكة وبكة.
وقال أبو الحسين ابن المنادي: وكان أبو جاد، وهواز، وحُطي، وكلمون، وسعفص، وقرشت، ملوك أهل مدين، وهم بنو الأمحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم. وكان أبو جاد ملك مكة وما والاها من تهامة، وكان هوَّز، وحطي،
стр. 595
ملكي وجٍّ ونجد - والطائف هو وجٌّ - وكان سعفص وقرشت ملكي مدين، ثم خلفهم كلمون، وكان عذاب يوم الظلة في ملكه، فقالت حالفة ابنة كلمون ترثيه (١):
كلمونٌ هدَّ ركني … هُلْكُهُ وَسْطَ المحلَّهْ
سيِّدُ القومِ أتاه الـ … ـــحَتفُ نارًا وَسْطَ ظُلَّهْ
كوَّنت نارًا فأضحت … دارهم كالمضمحلَّهْ
ثم إنَّ شعيبًا أقام في أهل الأيكة يدعوهم إلى الله فما ازدادوا إلا عتوًّا، فسلَّط الله عليهم الحرَّ.
وقال قتادة: أما أهل مدين فأخذتهم الصيحة والرجفة، وأما أصحاب الأيكة فسلَّط عليهم الحر سبعة أيام ثم بعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، فذلك عذاب يوم الظلة.
وقال مجاهد: حبس الله عنهم الريح سبعة أيام، وسلط عليهم الحرَّ سبعة أيام حتى أخذت بأنفاسهم، فدخلوا الأسراب ليتبردوا فيها، فوجدوها أشدَّ حرًّا من الظاهر، فهربوا إلى البريَّة، فأظلتهم سحابة عظيمة، فوجدوا فيها بَرْدَ النسيم، فتنادوا تعالوا إلى الظلِّ والبرد، حتى إذا اجتمعوا تحتها أمطرت عليهم نارًا فاحترقوا.
فالحاصل أن شعيبًا بُعث إلى أهل مدين وأصحاب الأيكة، وإنما اختلفوا إلى أيهم بُعث أولًا.
وقال قتادة: كان في قوم شعيب رجل يقال له: عمرو بن جَلْهاء، فلما رأى العذاب قال (٢):
يا قوم إنَّ شعيبًا مُرْسَلٌ فدَعُوا … عنكم سُميرًا وعمرانَ بن شدَّادِ
стр. 596
إني أرى غيمةً يا قومُ قد طلعت … تدعو بصوت على صمَّانةِ الوادي
وأنه لن تروا فيها غداةَ غدٍ … إلَّا الرَّقِيم تُمَشِّي بين أنجادي
وسمير وعمران: كاهِنان، والرقيم: اسم كلب (١).
وقال ابن المسيب: لما انهزموا من الأسراب رُفِعَ لهم جبلٌ تحته أنهار وعيون، فاجتمعوا تحته، فقلب الله عليهم الجبل. وقال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٩٥] أي: لم يسكنوا بمغانيها، من قولهم غنيتُ بالمكان إذا أقصت به، والمغاني: المنازل. وقال السدِّي: ولما هلكوا رثاهم بعضهم فقال (٢):
ملوك بني حُطِّي وسَعفَص ذو النَّدى … وهوز أرباب البنيّةِ والحجر
همُو مَلَكوا مُلْكَ الحجاز بأوجهٍ … كمثلِ شُعاع الشمسِ أو هالةِ البدر
وهم وَطَّنوا البيت الحرامَ ورتَّبوا … أمورًا وسادوا بالمكارم والفخر
ذكر وفاة شعيب وموضع قبره
واختلفوا فيه: فقال علماء السير: أقام مدةً بعد هلاك قومه، ووصل إليه موسى ﵇، وزوَّجه بابنته. قال جدي ﵀ في "التبصرة": ثم خرج إلى مكة فمات بها وعمره مئة وأربعون سنة، ودفن في المسجد الحرام، حيالَ الحجر الأسود (٣).
قلت: وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها: حطين فيها قبر يقال: إنه قبر شعيب، وما ذكره جدي أصحُّ؛ وكان شعيب قد أوصى إلى موسى.
وقال جدي ﵀ في "أعمار الأعيان": وتوفي بهذه السن: فروة ونفاثة، ومعاذ ابن حيان، ومرارة (٤).
وقال الشَّرقي بن قَطامي: إن الله بعث نبيًا آخر بعد شعيب، يقال له: شعيب بن ذي مهدم بن حصورا، إلى بني حصورا، وهم أمَّةٌ عظيمة من ولد يافث بن نوح، وكانت
стр. 597
منازلهم بالسماوة، بين الشام والعراق، وكانت عمائرَ متصلةً، ومياهًا جاريةً، وبساتين مئمرة، وقد ذكرها الزبير بن بكار فقال: حدُّ السماوة من أطراف الشام إلى الحجاز والعراق إلى قنَّسرين وخناصرة إلى بلاد سورية ودِمشق وهي اليوم مفاوز وقفار. وكانوا في عيش ونعمة، فبعث الله إليهم شعيب بن ذي مهدم، فقتلوه، فأوحى الله إلى بعض أنبياء بني إسرائيل أن يأمر بعض الملوك بغزوهم، وقال له: تغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فغزاهم. ويقال: إنما غزاهم بخت نصر، ويقال: إنه صاح بهم صائح من السماء فماتوا، وهم الذين عنى الله تعالى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] في قول مقاتل.
ومن الحوادث التي كانت في أيام شعيب ﵇
منوجهر - بالجيم - وهو ابن أمان (١) بن إيرج بن أفريدون - الذي ذكرناه فيما تقدم - وبعث موسى وكان قد مضى في ملكه ستون سنة، وعاش في الملك ستين سنة أخرى، وكان عادلًا سمحًا جوادًا محسنًا. ويقال: هو أول من حفر الخنادق، ورتَّب آلات الحرب، وهو من أكابر ملوك الفرس، وكان مقيمًا بالمشرق يغازي الترك، والحدُّ الفاصل بينه وبين الترك جيحون. ولما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة، أغارت الترك على بلاده، وقطعت جيحون، فجمع الموابذة، والأساورة، وعظماء المملكة، وأجلس موبذان عن يمينه، وهو عالم العلماء، ثم لبس التاج وثياب الملك، ثم قام خطيبًا، وهو أول من خطب في الدنيا من الملوك (٢).
ذكر خطبته
قال علماء السير: قام قائمًا على سريره فقاموا لقيامه، فقال: إنما قمتُ لأسمعكم فاقعدوا، فقعدوا، فحمد الله وأثنى عليه وقال بالفارسية كلامًا معناه: وإنما الناس ناس ما دفعوا العارَ عنهم والعدوَّ عن بلادهم، وقد نال العدوُّ من أطراف بلادكم، وليس ذلك إلا من ترككم جهادَهُمْ، وقلَّةِ مبالاتكم بهم، وإن الله إنما أعطانا هذا الملك
стр. 598
لنشكر فيزيدنا، أو نكفرَ فيعاقبنا، إنما الخلق للخالق، والشكرُ للمنعم، والتسليمُ للقادر، ولابدَّ من كون ما هو كائن، وإن التفكر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، وقد ورد الأولُ، ولابدَّ للآخر من اللحاق به، وقد مضى قبلنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد ذهاب الأصول، وإنَّ الله أعطانا الملك، فله الحمد ونسأله الرشدَ واليقين والصدق، وإنما للمَلِك على أهل مملكته أن يطيعوه ويناصحوه، ويقاتلوا عدوَّه، وحقهم على الملِكِ إدرار أرزاقهم، وأن يرفقَ بهم، ويحسنَ إليهم، ولا يحملهم ما لا يطيقون، ولا يكلفهم ما هم عنه عاجزون. واعلموا أن الجند للمَلِك بمنزلة جناحي الطائر، فمتى نقص من الجناح ريشُهُ كان ذلك نقصانًا منه. وينبغي أن يكون الملِكُ جوادًا صدوقًا، لا كذوبًا ولا ظالمًا، ولا حقودًا ولا حسودًا، ولا بخيلًا، وأن يملك نفسه عند الغضب، فإنه مسلَّط ويده مبسوطة، وأن يكون عفوًّا صفوحًا، ولأن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يصيب في العقوبة. وينبغي للملك أن يتثبَّتَ في الأمر الذي فيه قتلُ النفسِ وإزهاقُ الروح، وإن رفع إليه عاملٌ ما فيه عقوبة، جمع ما بينه وبين المتظلِّم، فإن صحَّ عنده الحقُّ في جهةٍ مال إليها. ألا وإنَّ الملك ملكٌ إذا أطيع، فإذا خولف فهو مملوك. ألا وإنَّ العدوَّ قد طمع فيكم، فانهضوا إلى قتاله، وقد أَزَحْتُ العللَ بالأموال والسلاح، وأنا شريككم في الرأي إن شاء الله؛ وذكر كلامًا طويلًا.
ثم أمر بالطعام فمدَّت الموائد، وأفاض عليهم الإنعام، فدعوا له وشكروه، وكتبوا هذه الخطبة بماءِ الذهب، وأودعوها في خزائن الفرس، فما زالوا يتوارثونها. وعاش في الملك مئة وعشرين سنة، وسار في جيوشه إلى الترك، فدوَّخ بلادهم. وولي بعده أفراسياب، وقيل: ابن أفراسياب التركي، وسنذكره (١).
وفي زمان شعيب كان الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويلقب بالرائش، وسنذكره في ملوك اليمن، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 599
فصل (١) في ذِكر مُوسى بن عِمْران ﵇ (٢)
قال مقاتل: ذكر الله موسى في مئة وثمانية عشر موضعًا. وذكر أبو منصور الجواليقي في "المعرب" فقال: وموسى اسم النبي ﷺ أعجمي معرَّب، وأصله بالعبريَّة موشا. وقال أبو العلاء المعري: ولم أعلمْ أنَّ في العرب من سمي موسى في الجاهلية، وإنما حدث في الإسلام لما نزل القرآن، وسمى المسلمون أبناءهم بأسماء الأنبياء على سبيل التبرك (٣).
وأما نسبه فهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي، ابن يعقوب. وقيل: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، واسم أمه يوخابذ. وكان بين موسى وإبراهيم ألف سنة.
وقال أهل التوراة: كان قبل موسى بن عمران نبيٌّ يقال له: موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، ﵇، وقد ذكرناه. وكان موسى راعيًا.
ذكر صفته
قال وهب: وكان موسى [﵇ آدم] جَعدًا طُوالًا، كأنه من رجال أزْد شَنوءة. وقد وصفه النبي ﷺ لما نذكر. وكان في أرنبة أنفه شامة، وكذا على طرف لسانه.
قال ابن قتيبة في "المعارف": ولا يعرف أحد قبله ولا بعده، كانت على طرف لسانه شامة غيره، وهي العقدة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧] قال: وكان في وجه أخيه هارون شامة، وكان أخاه لأبيه وأمه. وكان
стр. 600
هارون أسنَّ منه بثلاث سنين، وكانت مريم بنت عمران أختهما أسنَّ منهما، وكانت تحت كالب بن يوفنَّا بن فارض به يهوذا بن يعقوب، ﵇.
وقال ابن قتيبة: لم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبيٌّ، حتى كان موسى (١).
وقال ابن عباس: مات موسى وهارون ولم يريا الشيب.
فصل في الفراعنة
اختلفوا في فرعون موسى على أقوال:
أحدها: أن اسمه الوليد بن الريان، قاله مقاتل.
والثاني: الوليد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن الهلواش بن عمرو بن عملاق، وعملاق قبيلة، قاله قتادة.
والثالث: الوليد بن مصعب بن الريان.
والرابع: قابوس، ذكره في التوراة.
والخامس: مغيث، قاله ابن أبي نجيح.
والسادس: الوليد بن مصعب، قاله ابن أبي عون.
وقال قتادة: الفراعنة ثلاثة:
أولهم: سنان بن الأشل بن علوان بن العبيد بن عويج بن عمليق؛ وهو صاحب سارة، وكان في زمان الخليل ﵇ بمصر.
والثاني: الريان بن الوليد بن ليث، وهو فرعون يوسف ﵇.
والئالث: فرعون موسى على الاختلاف في اسمه.
وقال وهب: فرعون موسى من القبط عاش أربع مئة سنة، وهو الرابع من الفراعنة، وكان أخبثهم، وذلك لأن فرعون يوسف لم يكن يؤذي بني إسرائيل، ويحسن إليهم ويكرمهم؛ وفرعون موسى عذبهم بأنواع العذاب، لما يذكر.