← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

كرجل أُخرجَ من بيته إلى حُجرته، ثم من حُجرته إلى داره، ثم من داره إلى فِنائها، ثم من فِنائها إلى الطريق (١). فكتبَ مروانُ إلى ابن هبيرة، فأمدَّه بنُباتة بن حنظلة (٢)، فالتقاهم قحطبة يومَ الجمعة مستهلَّ ذي القَعْدَة -وقيل: في ذي الحجَّة- فقال قحطبة: هذا يومٌ نرجو فيه النصرَ والظَّفَر. والتَقَوْا، فانهزمَ أهلُ الشام، وقُتل نُباتة، وبعث قحطبةُ برأسه، فطِيفَ به في خُراسان (٣). وبلغ ابنَ هبيرة، فجهَّزَ إلى نصر خمسين ألفًا مع عامر بن ضُبارة المُرِّيّ، وبعثَ ولدَه داودَ بنَ يزيدَ بنِ هُبيرة، وجاء نصر إليهم ومعه أولاد [هـ]: مساور، وقُديد (٤)، ومبشّر، والتَقَوْا بأصبهان، فاقتتلُوا قتالًا لم يجر قبلَه مثلُه، وقُتل أعيانُ قُوَّاد قحطبة، وقُتل عامرُ بنُ ضُبارة، وبنو نصر الثلاثة، ومعظمُ أهل الشام، وبعث قحطبةُ برؤوسهم إلى أبي مسلم وهو بنيسابور مع عيسى بن ماهان مولى خُزاعة، فاحتَبَسَه أبو مسلم عنده، فلم يخرج من خراسان حتى قتله (٥). وقيل: إنَّ هذه الوقعة كانت سنة إحدى وثلاثين (٦). وفيها دخل أبو حمزة الخارجيُّ المدينةَ. وقيل: إنما دخلَها (٧) بعدَ وقعة قُديد. ذكر وقعة قُدَيد: ولمَّا هرب عبدُ الواحد من مكة إلى المدينة، أقامَ أبو حمزة بمكة، فجهَّز إليه عبدُ الواحد عبدَ العزيز بنَ عبد الله بن عمرو بن عثمان في جيش أهل المدينة، فلما كانوا في

стр. 5357

العقيق؛ إذا بجُزُرٍ منحورة، فتفاءلوا بها، وتعلَّق لواء عبد العزيز بشجرة، فانكسر الرُّمح، فتطيَّر الناسُ بذلك (١)، ثم ساروا إلى قُدَيد، فنزلوها ليلًا [فلم يَرُعْهُم إلا القومُ قد خرجوا عليهم] (٢). وقيل: إنَّ خُزاعةَ دَلَّتْ عليهم أبا حمزة، فكَبَسَهم في الليل، فلم يُفْلِتْ منهم إلا القليل، وانهزمَ الباقون، ووقعَ المأْتَمُ في المدينة، وبكى الناسُ قتلاهم. وجاء أبو حمزة إلى المدينة، فانهزمَ عبد العزيز إلى الشام، وصَعِدَ أبو حمزة المنبر فذمَّ أهلَ المدينة (٣). وقال الواقدي: كانت الحرورية أربع مئة، وخرجَ إليهم أهلُ المدينة، فقال أبو حمزة: واللهِ ما لنا حاجةٌ إلى قتالكم، فدعونا نمضي (٤) إلى عدوِّنا -يعنون مروان- فأبى أهلُ المدينة، فالتَقَوْا لسبع ليال خلَوْن من صفر يوم الخميس سنة ثلاثين [ومئة] فقتلوا أهلَ المدينة لم يُفْلِتْ منهم إلا الشريد، وقُتل أميرُهم عبد العزيز بن عبد الله، واتهمت (٥) قريشٌ خُزاعة أن يكونوا داهنُوهم، ودخلت الحروريَّةُ المدينةَ لسبع عشرة [ليلة خلت] من صفر (٦). وقال هارون بن موسى: إن أبا حمزة لما خطب قال: يا أهل المدينة، مَرَرْتُ بكم في زمان الأحول -يعني هشام بن عبد الملك- وقد أصابتكم جائحة في ثماركم، فكتبتُم إليه تسألونه أن يضع عنكم، فكتب إليكم إنه يضعُها عنكم، فقلتم: جزاك الله خيرًا، فلا جزاه اللهُ خيرًا، ولا جزاكم خيرًا.

стр. 5358

يا أهل المدينة، واللهِ إنَّا لم نخرجْ من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطَرًا، ولا عَبَثًا ولا لَهْوًا، ولا لدولة مُلك، ولكنَا رَأَينَا مصابيحَ الحقِّ قد عُطِّلَتْ، وعُنِّفَ القائلُ بالحقِّ، وقَلَّ القائمُ بالقِسْط، فضاقَتْ علينا الأرضُ بما رَحُبَتْ، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن، وحُكْم القرآن، فأجَبْنا داعيَ الله، ومن لم يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض (١)، وإنَّا لَقِينا رجالكم بقُدَيد، فدَعَوْناهم إلى طاعة الرحمن وحُكْم القرآن، فدَعَوْنا إلى طاعة الشيطان وحُكْم ابنِ مروان، فشتَّانَ ما بين الغَيِّ والرُّشْد. يا أهل المدينة، أوَّلُكم خيرُ أوَّل، وآخِرُكُم شرُّ آخِر. [يا أهل المدينة] الناسُ منَّا ونحنُ منهم إلا [مشركًا عابدَ وثن، أو مشركَ أهلِ كتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة] مَنْ زعَمَ أنَّ اللهَ كلَّفَ نفسًا فوق طاقتها، وسألَها ما لم يُوتها؛ فهو عدوٌّ لله، وحربٌ لنا. يا أهل المدينة، أخبِرُوني عن ثمانية أسهم فَرَضَها اللهُ في كتابه على القويِّ والضعيف، فجاء تاسعٌ ليس له منها سهمٌ واحد، وأخذ الجميعَ لنفسه مكابرًا محاربًا للهِ ورسولِه. يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي وتقولون: شبابٌ أحداث، وأعرابٌ جُفاة، وهل كان أصحابُ رسول الله ﷺ إلا شبابًا أحداثًا؟ وأصحابي واللهِ شبابٌ مكتهلُون (٢) في شبابهم، غاضةٌ عن الشَّرِّ أعينُهم، ثقيلةٌ عن الباطل أقدامُهم، قد باعوا اللهَ أنفسًا تموتُ بأنفسٍ لا تموت، صيامٌ نهارُهم، قيامٌ ليلُهم مَحْنِيَّةٌ أصلابُهم على تلاوة القرآن، كلَّما مرُّوا بآية خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مرُّوا بآية شَوْقٍ؛ شهقوا شوقًا إلى الجنّة. فلما نظروا إلى السيوف وقد انتُضِيَتْ، والرِّماحِ وقد أُشْرِعَتْ، وإلى السهام وقد فُوِّقَتْ، وأُرْعِدَت الكتيبةُ بصواعق الموت؛ استَخَفُوا وعيدَ الكتيبةِ لوَعْدِ الله تعالى (٣)، ولم يستخفُّوا وَعْدَ الله (٤) لوعيد الكتيبة، فطُوبى لهم وحسنُ مآب. فكم من عينٍ في منقار طائر طالما فاضَتْ في جوف الليل من خوف الله، وكم يدٍ (٥) زالتْ من مَفْصِلِها

стр. 5359

طالما اعتمدَ (١) بها صاحبُها. يا أهل المدينة، مَنْ زنى فهو كافر، ومن سرقَ فهو كافر، ومن شكَّ في الله فهو كافر. فمال الناس إليه لما سمعوا قوله: من زنى فهو كافر (٢). ثم نزل من المنبر، فأقامَ عندهم ثلاثةَ أشهر؛ يُحسن السيرة. وقال الواقدي: قُتل بقُدَيد سبعُ مئة (٣)، فقال الشاعر: ما لِقُدَيْدَ (٤) ومَالِيَهْ … أفْنَتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ فَلَأَبْكِيَنَّ سَرِيرَةً … وَلَأبْكِيَنَّ عَلَانِيَهْ قال علماء السير: وبلغَ مروانَ حديثُه، فانتخبَ من عسكره أربعةَ آلاف، واستعملَ عليهم عبدَ الملك بنَ محمد بنِ عطية السَّعْدِيّ (٥)، وأعطى كل رجل مئة دينار، وفرسًا عربيًّا، وبغلًا لثَقَلِه، وأمره أن يُقاتلهم، فإنْ ظَفِرَ بهم؛ سار إلى اليمن إلى عبد الله بن يحيى بن زيد (٦) ومن تبعه. فسار ابنُ عطيَّة حتَّى نزل العُلا، وخرج أبو حمزة، فنزل بوادي القُرى، وخلَّفَ بعضَ أصحابه بالمدينة. وخرج رجل من المدينة طالبًا للشام، فلَقِيَه رجلٌ من عسكر ابنِ عطية، فقال للمدنيّ: ما اسمُك؟ فقال: العَلاء. قال: ابنُ منْ؟ قال: [ابن] أفلح. قال: مَوْلى مَنْ، قال: مولى أبي الغَيث. قال: فأين نحن؟ قال: بالعُلا. قال: فأين نحن غدًا؟ قال: بغالب. فأردفه خلفَه وأتى به ابنَ عطيَّة، وأخبرَه الخبر، فسُرَّ به، ووهبَه دراهم.

стр. 5360

ثم التَقَوْا، فقال أبو حمزة: لا تُقاتلوهم حتَّى نختبرَهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن؟ فصاح ابنُ عطيَّة: نضعُه في جوف الجَوالق (١). قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكلُه ونفجُرُ بأمِّه، في أشياءَ مثلِ هذا الجنس، فلما سمعوا كلامَهم؛ قاتلُوهم حتَّى أمْسَوْا وابنُ عطيَّة يقاتلُهم. فصاحوا: ويحك يا ابنَ عطية، إن الله جعلَ الليلَ سَكَنًا، فاسكُنْ! فأبى، وقاتلَهم حتَّى قَتَلَهم. وبلغ أهلَ المدينة فوثبُوا على من كان بالمدينة من الخوارج، فقتلُوهم. ثم دخل ابنُ عطيَّة المدينة، فأقامَ شهرًا، ثم سار إلى مكة، ثم إلى اليمن (٢). وكان عبدُ الله بن يحيى بصنعاء، فخرج إلى ابنِ عطية، واقتتلُوا، فقُتل عبدُ الله، ودخل ابنُ عطيَّة صنعاء، وبعث برأس عبد الله مع ابنه إلى مروان، فكتب إليه مروان أن يُغِذَّ السَّير حتَّى يحجَّ بالناس، فخرج من اليمن في نفر يسير، فقتل؛ لما نذكر (٣). وفيها كانت زلازل شديدة بالشام وأخربت (٤) البيت المقدَّس، وأهلكت أولادَ شدَّاد بن أوس فيمن هلك، وخرج أهل دمشق إلى البَرِّية، فأقاموا أربعين يومًا. وقيل: كانت في سنة إحدى وثلاثين ومئة. وانشَقَّتْ قُبَّة جامع دمشق، وبقيت على حالها ساعة، وبان الضوءُ منها، ورَأَوْا السماء، ثم جاءت زلزلةٌ أخرى، فردَتَّها إلى مكانها، وانشقَّتْ صخرةُ بيت المقدس والقُبَّة، ومات معظم أهل بيت المقدس تحت الرَّدْم. ولما انشقَّتْ قُبَّةُ بيت المقدس شاهدوا الكواكب منها، وسمع الناسُ قائلًا يقول من الهواء: رُدُّوها رُدُّوها عَدِّلُوها. فعادَتْ (٥).

стр. 5361

وحجَّ بالناس [في هذه السنة] محمد بنُ عبد الملك بن مروان (١)؛ قال المسعوديُّ: وهو آخِرُ مَنْ حجَّ بالناس في أيام بني أمية (٢). وفيها توفّي إسماعيل بنُ أبي حكيم المدنيُّ مولى عثمان بن عفَّان ﵁ (٣). وكان كاتبًا لعمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه [لمَّا كان عُمر على المدينة. وهو الَّذي بعثَه عُمر لمَّا وَلِيَ إلى الرُّوم، وسمع الأسيرَ يقول: أرِقْتُ وغابَ عني من يلومُ … ولكن لم أنَمْ أنا والهمومُ وقد ذكرنا القصة في ترجمة عمر بن عبد العزيز، وكانت وفاته بالمدينة.] أسند عن ابن المسيّب وغيره، وروى عنه مالك بن أنس وغيره، وكان ثقة (٤). أمية بن عبد الله بن عَمْرو (٥) ابن عثمان بن عفَّان، أبو عثمان من الطبقة الرابعة من أهل المدينة (٦). وأمُّهُ أمُّ عبد العزيز بنتُ عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. قدم غازيًا على عمر بن عبد العزيز فقال له: ما الَّذي أقدمَك؟ قال: الغزوُ إن شاء الله تعالى. فقال له: يا أبا عثمان، صنعتَ الَّذي يُشبهك وما كان عليه أوَّلُوك وخيارُ سلفك. ودفع إليه خمسين دينارًا، فاستَقَلَّها وقال: إنَّ هذه لا تُغني عني شيئًا. فقال عمر: ما يستحقُّ من كان في هذا الوجه أكثرَ من هذا. فقال: علي دَينٌ. فقال عمر:

стр. 5362

أكتبُ إلى عاملي أن يبيع مالك، ويقضيَ دينَك (١). فقال: ما جئتُك لتبيعَ مالي وتُفْلِسَني! قال: واللهِ ما هو إلا ما قلتُ لك. فعاد إلى المدينة. قُتل أمية يوم قُديد. أسند عن أبيه وغيره، وروى عنه محمد بن إسحاق وغيره، وكان ثقةً (٢). بُدَيل بن مَيسَرة العُقيلي من الطبقة الثالثة من البصرة (٣)، كان من العبَّاد الخائفين. قال بشر بن منصور: بكى بُدَيل العُقيليُّ حتَّى قَرِحَتْ مآقيه، فعُوتب في ذلك، فقال: إنما أبكي خوفَ العطش يومَ القيامة. ثم بكى بعد ذلك حتَّى ذهب بصرُه (٤). وقال بُديل: مَنْ أراد بعمله وجهَ الله أقبلَ اللهُ إليه بوجههِ وبوجوه العباد -أو بقلوب العباد- إليه، ومن عمل لغير الله صرفَ اللهُ عنه وجهَه، وصرفَ قلوبَ العباد عنه. وقال: الصيام مَعْقِلُ العابدين. وروى عن أنس بن مالك وغيره، وكان ثقة (٥). حُمَيد بن قَيس الأعرج المكيّ، القارئ، مولى بني أسد بن عبد العُزَّى، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل مكة، وهو مولى [آل] الزُّبير بن العوَّام ﵁. وكان قارئَ أهلِ مكة، ويقرأ في المسجد، ويجتمع الناسُ عليه حين يختمُ القرآن، وكان أفرضَ أهلِ مكَّةَ وأحْسَبَهُمْ. أسند عن مجاهد وغيره، وروى عنه الثوريُّ وغيره، وكان ثقةً كثيرَ الحديث (٦).

стр. 5363

قال ابنُ سعد: وأخوه عُمر (١) بن قيس -ويلقب بسَنْدَل- ضعيف، وهو الَّذي عبث (٢) بمالك بن أنس وقال: مرَّة يُخطئ ومرَّة لا يُصيب، وكان عند والي مكة. وبلغ مالكًا، فقال: هكذا الناس. فقال سَنْدَل: تَغَفَّلَ الشيخ. ففهم مالك، وحلفَ لا يكلِّمُه أبدًا (٣). الخليل بن أحمد ابن عَمْرو، الفراهيديُّ النحويُّ، البصريُّ الأزديّ، من الطبقة الثالثة [من أهل البصرة]. [قال الجوهري:] والفُرهود: حيٌّ من يَحْمَد، وهم بطنٌ من الأزد [يقال لهم: الفراهيد، منهم الخليل بن أحمد العروضيّ يقال: رجل فَراهيديّ وفُرْهُوديّ] (٤). وكنيتُه أبو عبد الرحمن. قال محمد بن سلَّام: لم يتسمَّ أحدٌ في الإسلام بأحمد قبل أبيه سوى رسولِ الله ﷺ ، ولم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى من الخليل ولا أجمع، وكان قد بَرَعَ في علم الأدب، وهو أوَّلُ من صنَّفَ العَرُوض، وكان من أزهد الناس، وأعلاهم نفسًا، وأشدِّهم تعفُّفًا، وكان الملوك يقصدونه ويتعرَّضون له لينال منهم، ولم يفعل. وكان يعيش من بستان خلَّفَه له أبوه. وقال الرِّياشي: بعث إليه سليمان بنُ علي الهاشمي بألف دينار وقال: تتَردَّدُ إلى أولادي تُقرئُهم الأدب. فأخرج للرسول جَرَّةً، فيها كِسَرٌ يابسة، ثم قال: مَنْ يَقْنَعْ بهذا لا يحتاجُ إلى سليمان. وردَّ المال، وكتب إليه: أبْلِغْ سليمانَ أنِّي عنهُ في سَعَةٍ … وفي غِنًى غير أنِّي لستُ ذا مالِ وأنَّ بينَ الغِنَى والفقرِ منزلةً … مقرونةً بجديدٍ ليس بالبالي

стр. 5364

سخَّى بنفسيَ أنّي لا أَرَى أحدًا … يموتُ جوعًا ولا يَبْقَى على حالِ والفَقْرُ في النَّفْس لا في المالِ نعرفُهُ … وقَبْلَ ذاك الغِنَى في النفسِ لا المالِ والرِّزْقُ عن قَدَرٍ لا العَجْزُ يَنْقُصُهُ … ولا يَزِيدُك فيه حَوْلُ مُحْتالِ (١) قال المصنِّف ﵀: وهذه الرِّوايةُ وَهْم؛ لأنَّ الخليل مات سنة ثلاثين [ومئة] (٢) ولم تكن دولةُ بني العباس ظهرَتْ، ولا وَليَ أحدٌ منهم البصرة ولا غيرَها، والذي بعث بالمال إليه سليمانُ بنُ حبيب بن المهلَّب بن أبي صُفْرة (٣)، [قال جدِّي في "المنتظم":] ثم آلَ الأمرُ بالخليل إلى أن صار وكيلًا ليزيد بن حاتم المُهلَّبي، فكان يجري عليه في كل شهر مئتي درهم. قال الواقدي: كان الخليل يحجُّ سنة ويغزُو سنةً إلى أن مات بالبصرة [في هذه السنة] (٤). أسند عن عاصم الأحول وغيره، وأخذ العربيَّةَ عن أبي الأسود الدُّؤلي، وأخذها عنه النَّضْر بن شُمَيل والأئمَّة. وقال النَّضْر: سمعتُ الخليل يقول: الأيامُ ثلاثةٌ: معهودٌ، وهو أمس، ومشهودٌ، وهو اليوم، وموعودٌ، وهو غد (٥). وما أكثر القُوتَ لمن يموتُ (٦).

стр. 5365

[قلت: وقد كان الخليلُ بنُ أحمد شاعرًا فصيحًا، روى له أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه " أبياتًا في ترجمة عاصم بن محمد الدينوري، وهي هذه الأبيات:] (١) سأُلْزِمُ نَفْسي الصَّفْحَ عن كلِّ مُذْنِبٍ … وإنْ كَثُرَتْ منهُ عليَّ الجرائمُ وما الناسُ إلا واحدٌ من ثلاثةٍ … شريفٌ ومَشْروفٌ ومثلي مقاومُ فأمَّا الَّذي فَوْقي فأَعْرِفُ فَضْلَهُ … وأتْبَعُ فيه الحَقَّ والحَقُّ لازمُ وأمَّا الَّذي مِثْلي فإنْ زَلَّ أو هَفَا … تَفَضَّلْتُ إنَّ الفَضْلَ بالعزِّ حَاكمُ وأمَّا الَّذي دُوني فإنْ قال صُنْتُ عن … إجابتِه عِرْضِي وإنْ لامَ لائمُ سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشَّيباني، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة، كان عالمًا بالعربيَّة، ونقل عنه الأئمة، وروى عن التابعين. مات سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين، وقيل: لسنتين خلتا من خلافة المنصور، وكان ثقة (٢). سُلَيم بنُ عامر من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشام، كان ثقةَ قديمًا معروفًا. قال: انطلقتُ إلى بيت المقدس، فمررتُ بأمِّ الدَّرْدَاء [بدمشق]، فأمَرَتْ لي بدينار وسقَتْني طِلاءً. يعني الرَّبّ (٣).

стр. 5366

شهد سُليم جنازةً فيها أبو أُمامة الباهليُّ على لاب دمشق، وشهدَ فتح القادسية، وسمع المقداد بنَ الأسود وغيره، وروى عنه صفوانْ بنُ عَمرو، وغيرُه (١). شيبان بن سَلَمة الحَرُوريّ اتفق مع عليّ بن الكِرْمانيّ على قتال نَصْر بنِ سيَّار؛ لأن شيبانَ حَرُوريٌّ، ونصر مروانيّ، ونصرٌ قتلَ [أباه] الكِرْمانيَّ وصَلَبَه، ونصرٌ مُضَري، وابنُ الكِرْمانيّ يمانيّ، فلما صالح ابنُ الكِرْمانيّ أبا مسلم على نصر؛ فارقَه شيبان، لأنه لم يكن له طاقةٌ بحرب أبي مسلم وابنِ الكرماني، وكان نصر قد هرب من مَرُو إلى سَرَخْس، فانحاز شيبان عن مَرْو، وصار إلى سَرَخْس، ورحل عنها نصر، واجتمع إلى شيبان جمعٌ من بكر بن وائل، فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه ويسألُه الكفَّ، فحبسَ شيبانُ رُسُلَه وفيهم المنتجع بن الزُّبير، فكتبَ أبو مسلم إلى بسَّام بن إبراهيم مولى بني ليث -وكان ببِيوَرْد- يأمرُه بقتال شيبان، فسار إليه والتَقَوْا، فَهزَمَه بسَّام وقتلَ شيبان (٢). وهل شيبان هذا هو الَّذي هلك بكِرْمان أم غيره؟ فيه قولان. شيبة بن نِصَاح القارئ مولى أمّ سَلَمة زوجِ النبيّ ﷺ ، صاحبُ القراءة، كان فاضلًا. أخذ القراءة عن جماعة من الأئمة، وأخذها عنه جماعة، وكان قليل الحديث لشغله بالقرآن (٣). عامر بن ضُبارة من أصحاب يزيد بن عُمر بن هُبيرة، وهو الَّذي هزم عبدَ الله بنَ معاوية إلى فارس وكِرْمَان.

стр. 5367

ولما ورد كتابُ مروان إلى ابنِ هبيرة بتجهيز الجيوش إلى نصر بن سيَّار؛ كتب إلى عامرٍ وابنِه داودَ بنِ هُبيرة أن يسيرا إلى قحطبة بن شبيب، فسارا في خمسين ألفًا، فنزلوا بأصبهان في مدينة جيّ، وكان يقال لعسكره: عسكر العساكر؛ لِحُسنه، وقوَّةِ رجاله، وكثرةِ عدده، وسارَ قحطبة في جيوشه، فنزل قريبًا منهم، ثم التَقَوْا وعلى ميمنة قحطبةَ العَكّيُّ، ومعه خالد بن بَرْمَك، وعلى ميسرته عبدُ الحميد بن ربعيّ (١)، ومعه مالك بن طراف (٢)، وقحطبةُ في عشرين ألفًا، وابنُ ضُبارة في مئة ألف، وقيل: في مئة وخمسين ألفًا. فخاف قحطبة ورفعَ مصحفًا على رأس رمح ونادى: يا أهل الشام والعراق (٣)، ندعوكم إلى ما في هذا المصحف. فشتموه وأفحشوا له في القول. فقال قحطبة: الآن تحقَّق البغي، ومَنْ بُغِيَ عليه لينصرنَّه الله (٤). ثم أمرَ أصحابَه أن يحملوا، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فلم يكن بينهم كثير قتالٍ حتَّى انهزمَ أهلُ الشام، وهربَ داودُ بنُ يزيدَ بنِ هُبيرة، فقال ابنُ ضُبارة: لعن الله شَرَّنا مُنْقَلَبًا. وقاتلَ حتَّى قُتل. وقتلَ قحطبةُ أهلَ الشام قتلًا ذريعًا، وأصاب من العُدد والمتاع والأموال والرقيق ما لا يُحصى عددُه، وكتبَ قحطبةُ إلى أبي مسلم بالفتح. وقيل: كان هذا سنة إحدى وثلاثين ومئة (٥). عبد الله بن ذكوان أبو الزِّناد، ويُكنى أبا عبد الرحمن، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة، وهو مولى رَمْلَة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكانت تحت عثمان بن عفَان رضوان الله عليه (٦).

стр. 5368

وَليَ أبو الزِّناد خَراجَ العراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب لعُمر بن عبد العزيز، فقدم الكوفة. وكان حمَّادُ بن [أبي] سليمان صديقًا له، فكان يأتيه ويُحادثُه، وشَغَلَ أبو الزناد ابنَ أخي حمَّاد في شيء من عمله، فأصابَ عَشَرَةَ آلاف درهم، فأتاه حمَّاد فتشكَّر له (١). وقال مالك بن أنس: كانت لأبي الزِّناد حلقة على حِدَة في مسجد رسول الله ﷺ . وقال ابن سعد: سألتُ محمد بنَ عمر عن السبعة الذين كان أبو الزِّناد يحدِّثُ عنهم، فيقول: حدَّثني السبعة، فقال: ابنُ المسيِّب، وعُروةُ بنُ الزُّبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بنُ محمد، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار (٢). ومات أبو الزِّناد بالمدينة فجأة في مغتسله ليلةَ الجمعة لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضان سنة ثلاثين ومئة وهو ابن ست وستين سنة. وكان ثقةً كثير الحديث فصيحًا بصيرًا بالعربية، عالمًا عاقلًا من كبار فقهاء المدينة ومحدِّثيها (٣). روى عن رسول الله ﷺ مرسلًا، وحدَّث عن أنس وغيرِه، وروى عنه مالك بنُ أنس وغيرُه. ويقال: إن ذكوان كان أخًا لأبي لؤلؤة (٤) قاتلِ عمر رضوان الله عليه. وقال البخاري: أصحُّ الأسانيد كلِّها: مالك عن نافع عن ابن عُمر، وأصحُّ أسانيدِ أبي هريرة: أبو الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة (٥).

стр. 5369

وقال أبو حنيفة: قدمتُ المدينة، فرأيت الناسَ على ربيعة، ولم أرهم على أبي الزِّناد، وكان أفقهَ من ربيعة، فقلت له: يا أبا الزناد، أنتَ أفقهُ منه، والعملُ عليه دونك! فقال: أما علمتَ أن كفًّا من حظٍّ خيرٌ من جِرابٍ من علم (١). وقال الليث بن سعد: رأيتُ أبا الزناد وخَلْفَهُ ثلاثُ مئة طالب علم وفقه وشعر وأصناف العلوم، ثم لم يلبث أنْ بقيَ وحدَه، وأقبلوا على ربيعة، وكان يقول: شِبْرٌ من حظٍّ خيرٌ من جِرابٍ من علم (٢). وكان الإمام أحمد ﵀ يثني على أبي الزِّناد ويقول: ثقة صدوق فصيح، كثير الحديث (٣). وقال ابن معين: كان مالك بن أنس لا يرضى أبا الزناد ويقول: كان كاتبًا لهؤلاء. يعني بني أمية (٤). وكان لأبي الزناد ولد اسمُه عبدُ الرحمن، وكنيتُه أبو محمد، وَلِيَ خَراجَ المدينة، وقدمَ بغداد ومات بها سنة أربع وسبعين ومئة وهو ابنُ أربع وسبعين سنة (٥). و [أخوه أبو] القاسم بن أبي الزناد رُويَ عنه الحديث (٦). ولعبد الرحمن ولد اسمُه محمدٌ، بينه وبين أبيه في السنّ سبعَ عشرةَ سنة، وفي الوفاة إحدى وعشرون ليلة (٧)، ومات ببغداد، ودُفن بمقبرة باب التبن، وكان قد لحق رجال أبيه؛ إلا أنَّه لم يرو عنهم في حياة أبيه احترامًا له، فلما مات روى عنهم (٨).

стр. 5370

عبد الله بن عيسى ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو محمد الأنصاريُّ، وهو ابنُ أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان عبدُ الله وأخوه أكبرَ من عمِّهما، وكانا يُفضَّلان عليه، وعبدُ الله أوثقُ ولدِ أبي ليلى (١). وقال ابنُ معين: هلك عبد الله بن عيسى سنة ثلاثين ومئة، وكان يتشيّع (٢). أسند الحديث عن جدِّه عبد الرحمن، وغيره. وقال: لَقِيتُ زيدَ بنَ علي بن الحسين بالشام، فذاكرتُه المسح على الخفَّين وقلت: إن عليًّا ﵇ مَسَحَ. فقال: أنتم أعلمُ بعليٍّ منَّا، كان فيكم، أمَّا أنا ففي نفسي منه شيء. [قال:] وحدَّثته [بحديث] فكتبَه في ألواح صغار معه (٣). عبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو معاوية، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ عَوْن بنت عَوْن بن العبَّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وكان له من الولد جعفر؛ لا بقيَّة له. خرج عبد الله بالكوفة في خلافة مروان بن محمد، فبعثَ إليه مروان جندًا، فلحقَ بأصبهان، فغلبَ عليها وعلى تلك الناحية، واجتمعَ إليه خلق كثير، وذلك في سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم قُتل. ويقال: هرب، فلحقَ بخُراسان وأبو مسلم يدعُو بها، فأخذه وحبسه في السجن حتَّى مات (٤). وكان عبد الله صديقًا للوليد بن يزيد، ويفدُ عليه وعلي بني أمية فيكرمونه (٥).

стр. 5371

وقال أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان": عبدُ الله بن معاوية صاحب الميدان، قدمها متغلّبًا [عليها] سنة ثمان وعشرين ومئة في أيام مروان ومعه أبو جعفر المنصور، فاقام إلى سنة تسع وعشرين، فخرج منها هاربًا إلى خُراسان (١). وقال إسماعيل الخُطَبيّ: كان بين ابن معاوية ومروان حرب، فلما جاءت الدَّولة العبَّاسيَّة، بعث إليه أبو مسلم مالك بنَ الهيثم، فحاربَه، فظفر به، وحمله إلى أبي مسلم، فحبسه وقتلَه (٢). وقيل: ما زال محبوسًا حتَّى مات في ذي القَعْدة سنة إحدى وثلاثين (٣). وقال هشام: مات على فراشه محبوسًا سنة ثلاثين. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: بلغنا عن عبد الله بن معاوية أنَّه قال: أيُّها المَرْءُ لا تَقُولَنَّ قَوْلًا … لستَ تدري ماذا يَعِيبُك منهُ اِلْزَمِ الصَّمْتَ إنَّ في الصَّمْتِ حُكْمًا … وإذا أنتَ قلتَ قَوْلًا فَزِنْهُ وإذا القومُ أَلْغطُوا (٤) في حديثٍ … ليس يعنيك شانُه فَالْهُ عنهُ وقال أبو نُعيم: كان عبد الله بن معاوية قد استنجد بالفُضيل بن الأقرع، فلم ينهض معه، فقال فيه: رأيتُ فُضيلًا كان شيئًا مُلفَّفًا … فأبرزَه التمحيصُ حتَّى بَدَا لِيا أأنتَ (٥) أخي ما لم تكن ليَ حاجةٌ … فإنْ عَرَضَتْ أيقنتُ أنْ لا أخا لِيا كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتَهُ … ونحن إذا مِتْنا أشذُّ تَغَانِيا (٦) وكان الشافعيُّ رحمة الله عليه يتمثَّل دائمًا ببيتين لعبد الله بن معاوية، وهما:

стр. 5372

أرى نفسي تَتُوقُ إلى أمورٍ … يُقصِّرُ دونَ مبلغهنَّ مالي فَنَفْسِي لا تُطاوعُني لبُخلٍ … ومالي ليس يَبْلُغُهُ فَعَالي (١) وكان جوادًا مُمَدَّحًا، فصيحًا شاعرًا. عبد الله بن يحيى بن زيد ابن عليّ بن الحسين ﵇ (٢). ويسمَّى الحضرميّ؛ لأنه ذهبَ إلى اليمن، واستولى على حضرموت، وهو الَّذي بعث أبا حمزة الخارجيَّ إلى مكة والمدينة، وقَتَلَه ابنُ عطيَّة وسارَ إلى اليمن فقتلَ عبدَ الله. عبد العزيز القارئ (٣) المدنيُّ النحويُّ، يقال له: بشكست، وعنه أخذ أهل المدينة النحو. وفد على هشام بن عبد الملك، فقال هشام لصبيانه: تلاحنُوا عليه. فجعل بعضُهم يقول: رأيت أبو رجاء، وجاءني أبا رجاء، ومررتُ بأبا رجاء. فأخذَ غضارةً فيها طعام، وغمسَ لحيتَه فيها، ثم ردَّها على ثيابه، فقال له هشام: ما هذا؟! قال: هذا جزاءُ مَن يُعاشر الأنذال. فضحك هشام ووصلَه (٤). وكان يرى برأي الخوارج ويكتمُه، فلمَّا ظهر أبو حمزة خرجَ معه (٥).

стр. 5373

عبد الملك بن محمد بن عطيَّة السعديّ من قوَّاد مروان بن محمد، وهو الَّذي قتلَ أبا حمزة الخارجيَّ بوادي القُرى وعبدَ الله بن يحيى بصنعاء، وبعثَ برأسه إلى مروان وأغذَّ المسير ليحجَّ بالناس. قال الزُّبير (١) بن عبد الرحمن: خرجتُ معه ونحن اثنا عشر رجلًا بعهد مروان على الحجِّ ومعه أربعون ألف دينار في خُرْجِه، فسارَ حتَّى نزل الجُرْف، وقد خلَّف عسكرَه وخَيلَه ورَجْلَه (٢) وراءَه بصنعاء، وفطنَ له بعضُ أهل تلك المياه (٣)، فجاؤوا بالخيل والرجال والسلاح يرمونا ويقولون: أنتم لصوص، فأخرج ابنُ عطية كتابَ مروان وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهدُه على الحجِّ، وأنا ابنُ عطيَّة، فقالوا: هذا باطل، وقاتلونا، فقُتل ابنُ عطيَّة ومن كان معه، وبقيتُ أنا، فانتسبتُ إلى هَمْدَان، فأطلقُوني (٤). قال الواقدي: وكان ابنُ عطيَّة قد استنابَ بالمدينة ابن أخيه عروةَ بنَ عطية (٥)، وبلغَه خبرُ عمِّه، فسار إلى الذين فعلوا ذلك، فأفناهم، وبقرَ بطونَ نسائهم، وذبح الأطفال في المهود وحرَّقهم بالنار، ومثَّل بهم كلَّ مُثْلة (٦). ويقال: إن الوليد حجَّ بالناس هذه السنة (٧).

стр. 5374

عثمان وعليّ ابنا جُدَيْع الكِرْمانيّ كان أبو مسلم قد استشعر منهما، وكانا حاكمَين على القبائل، فبعث أبو مسلم أبا داود إلى بلخ فَفَتَحَها، فولَّاها أبو مسلم عثمانَ، وبعث به إليها، وأقام عليٌّ عنده، وسار أبو مسلم إلى نيسابور وعليٌّ معه، وكتبَ أبو داود إلى أبي مسلم أن اقْتُلْ عليًّا في اليوم الفلانيّ، وأنا أقتلُ أخاه عثمان فيه. فقال أبو مسلم لعليّ: قد فَتَحْنا هذه البلاد ونحتاج إلى عمال ثقات، فسَمِّ لنا من خواصِّك من تعلم لنُعطيَهم الجوائز، فسمَّى له جماعةً من أعيان أصحابه، فاغتال أبو مسلم عليًّا فقتلَه وأصحابَه، وقتلَ أبو داود عثمانَ وأصحابَه في يوم واحد. وكان أبو داود أشار على أبي مسلم أن يفرِّق بينهما (١). [وفيها توفّي] محمد بن سُوقة أبو بكر، مولى بَجِيلة [ذكره ابن سعد] من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة [وقال:] كان تاجرًا ورعًا يبيع الخَزّ (٢). [وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا:، قدَّم بين يديه عشرين ومئة ألف درهم؛ حتَّى قال (٣) سفيان الثوريّ: ما بقي أحد يُدفَعُ به البلاء عن أهل الكوفة إلا محمد بن سُوقة. وكان يقول: أمران لولا (٤) نُعَذَّب إلا بهما؛ لكنَّا مستحقين [بهما] العذاب: أحدُهما أنَّ أحدَنا يفرحُ بالشيء من الدنيا يزداد، والثاني: أن ينقص شيء من دنياه فيحزنَ عليه، ولا يحزن على شيء من نقصان دينه (٥).

стр. 5375

قال: [وكان يقول:] أحبُّ الأشياء إلى الله إدخالُ السرور على المؤمن، وما بقيَ في الدُّنيا ما يُسْتَلَذُّ إلا الإفضالُ على الإخوان (١). [وروى أبو نُعيم عن مهديّ بن سابق قال:] طلبَ منه ابنُ أخيه شيئًا، فبكى، فقال له: يا عمّ، لو علمتُ أنَّ مسألتي تبلغُ منك هذا ما سألتُك. فقال: واللهِ ما بكائي لسؤالك، وإنما بكَيتُ لأني لم أبتدئك قبلَ سؤالك (٢). وكانت وفاتُه بالكوفة في هذه السنة. أدرك أنس بنَ مالك [وأبا الطُّفيل] وغيرَه، وروى عن كبار التابعين، وكان ثقة (٣). محمد بن المنكدر ابن عبد الله بن الهُدَيْر بن عبد العزَّى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سَعْد بن تَيم بنُ مرَّة رهط أبي بكر الصديق ﵁. [وكنيتُه] أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر، [وهو] من الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة. وأمُّه أُمُّ ولد. [وقال ابن سعد بإسناده عن أبي معشر قال:] دخل المنكدر على عائشة ﵁، فقال: قد أصابَتْني جائحةٌ، فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء، ولو كانت عندي عَشَرةُ آلاف لبعثتُ بها إليك. فلمَّا خرج من عندها؛ جاءتها عَشَرَةُ آلاف من عند خالد بن أسيد، فقالت: ما أوشك ما ابتُليت! ثم أرسلَتْ بها إليه في أثره، فدخل السوق، فاشترى منها جاريه بألفي (٤) درهم، فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عبَّاد المدينة، وهم: محمد وأبو بكر وعُمر بنو المنكدر (٥).

стр. 5376

وروى ابن سعد عن سفيان قال: تعبَّد (١) محمد بن المنكدر وهو غلام، وكانوا أهلَ بيت عبادة، فكانت أمُّه تقول له: لا تمزح مع الصِّبيان فتهونَ عليهم. وروى ابن سعد عن جعفر بن سليمان قال (٢): كان محمد [بن المنكدر] يضع خدَّه على الأرض، ثم يقول لأمِّه: يا أماه، قومي فضعي قدمك على خدّي. [وروى أيضًا عن ابن المبارك قال:، قال محمد: بات أخي عمر يصلي وبتُّ أغمزُ رِجْلَي أمي، وما أحبُّ أنَّ ليلتي بليلته (٣). [قال:] وكان محمد يقومُ الليل فيصلي ويقول؛ كم من عينٍ ساهرةٍ في رزقي الآن في البَرِّ والبحر (٤). وروى ابن سعد أيضًا عن محمد بن سوقة قال: أودعَ رجلٌ (٥) محمد بنَ المنكدر مئة دينار، ثم خرج إلى [الحج، أو إلى] الغزو، وقال: إن احتجتَ فاسْتَنْفِقْها. فأنْفَقَها. وقدم الرجل فطلبها [ولم يكن عند محمد شيء] فقال له محمد: غدًا إن شاء الله تعالى. ثم دخل المسجد فقام يدعو ويصلِّي. فجاء إنسان [إلى المسجد] بصُرَّة وهو ساجد، فوضعها في نعله. فلما قامَ ليخرج وجَدَها، فأخذها وعَدَّها، فإذا هي مئةُ دينار، فدفعَها إلى الرجل. قال الواقدي: فأصحابُنا يتحدَّثون أنَّ الَّذي وضعَها عامرُ بنُ عبد الله بن الزُّبير، وكان كثيرًا ما يفعلُ مثلَ هذا. و [قال الواقدي:] كان محمد يحجُّ كلّ سنة ومعه عِدَّةٌ من أصحابه، فحجَّ سنةً؛ فبينا هو في منزل من منازل مكَّة قال للغلام: اذْهَبْ فاشترِ لنا كذا وكذا. فقال: واللهِ ما

стр. 5377

عندنا ولا درهم. قال: فاذْهَبْ، فإنَّ الله يأتي به. قال: من أين؟ قال: سبحان الله! ورفع صوتَه بالتلبية، وفعلَ أصحابُه كذلك. وكان إبراهيم بنُ هشام المخزوميُّ قد حجَّ في تلك السنة، فسمع أصواتهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: محمدٌ وأصحابُه يحجُّون كلَّ عام، ومحمدٌ يحملُهم ويتحمَّلُ مُؤْنَتَهم. فقال: ما بدٌّ أن يُعانَ محمدٌ على هذا. فأرسلَ إليه بأربعة آلاف درهم من ساعته، فقال محمد لغلامه: ويحك! ألم أقل لك: اذْهبْ فاشتِر لنا؟ اذهب الآن فقد أتانا الله بما ترى (١). و [حكى عنه أبو نعيم] قال: كابدتُ نفسي أربعين سنة حتَّى استقامت (٢). [قال: وكان يقول: آيةٌ في كتاب الله أبكَتْني: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] (٣). وحكى أبو نُعيم أنَّه قال (٤):، إن الله يحفظُ المؤمنَ في ولده وولدِ ولدِه ودُويرَةِ أهلِه ودُويراتِ مَنْ حولَه، فلا يزالون في حفظ الله ورعايته ما دام المؤمن بين أظهرهم. و [حكى عنه أيضًا أنَّه] قال: الفقيه يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل (٥). ذكر وفاته: [قال ابن سعد:] توفي سنة ثلاثين [ومئة]، أو إحدى وثلاثين [ومئة] (٦). وقيل: سنة سبع وعشرين، أو ثمان وعشرين وله ست وسبعون سنة. وكان ثقة ورعًا عابدًا قليل الحديث، يكثر الإسناد عن جابر بن عبد الله (٧).

стр. 5378

وأسند عن أبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وابن عُمر، وابن الزُّبير، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم (١). وروى عنه أكابر التابعين، واستقدَمَه الوليدُ بنُ يزيد مع الفقهاء ليسألَه عن الطلاق قبل النِّكَاح، فروى عنه من أهل الشام صَدَقَةُ بن عبد الله، وغيرُه. وقال له صدقة: أنتَ الَّذي أحْلَلْتَ للوليد أمَّ سلمة؟ فقال: أحلَّها له رسولُ الله ﷺ ، حدَّثني عنه جابر أنَّه قال: "لا طلاق فيما لا يملكه ابنُ آدم، ولا عِتادق فيما لا يملكُه ابنُ آدم" (٢). وقال مالك: كان محمد سيِّدَ القرَّاء، لا يكادُ أحدٌ يسألُه إلا بكى، أو يكاد يبكي (٣). وقال سفيان بن عُيينة: كان محمد من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون (٤). وكان إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعًا تمسُّه الدموع (٥). وروى أبو نُعيم أنَّه جزع عند الموت، فقيل له: لم تجزع؟ قال: أخشى آية من كتاب الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٦). وقال ابن زيد: دخلَ عليه صفوان بن سُلَيم وهو في الموت، فقال له: يا أبا عبد الله، كأني أراك قد شقَّ عليك الموت؟ فما زال يهوِّنُ عليه الأمر ويتجلَّى عن محمد حتَّى لكأنَّ في وجهه المصابيح. ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لَقَرَّتْ عينُك. ثم قضى رحمة الله عليه (٧).

стр. 5379

وكان له من الولد: عُمر، وعبدُ الملك، والمنكدر، وعبد الله، ويوسف، وإبراهيم، وداود لأمّ ولد (١). ذكر إخوته: وهما عُمر، وأبو بكر لأمِّه وأبيه. فأما عمر؛ فكان من العُبَّاد المجتهدين، ولم يكن له ولد؛ قالت له أمُّه: يا بنيّ، إني لَأُحبُّ أن أراك نائمًا. فقال: يا أمَّاه، إني لأستَقْبلُ الليلَ فيهولُني، فيدركُني الصبح وما قضيتُ حاجتي (٢). وقدم المدينةَ رجلٌ بمال، فقال: دُلُّوني على رجل من قريش أُعطيه هذا المال. فدلُّوه على عمر، فأعطاه المال فابى أن يقبله، ودُلَّ على أخيه محمد، فأتاه، فأبى أن يقبلَه، فدُلَّ على أبي بكر، فأتاه فأبى أن يقبلَه، فقال الرجل: يا أهل المدينة إن استطعتُم أن يلدكم المنكدر فافعلوا (٣). وبعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال، فوضعه الرسول بين يديه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فجاء أخوه أبو بكر، فرآه يبكي، فجلس يبكي لبكائه، وجاء محمد، فرآهما يبكيان، فجلس يبكي لبكائهما، فبكى الرسول لبكائهم، وأرسلَ إلى صاحبه يُخبره بذلك، فأرسل الأمير ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يستعلم الخبر، فقال لعمر: يا أخي، ما الَّذي أبكاك من صلة الأمير؟! قال: إني خشيتُ أن تغلب الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الَّذي أبكاني، وأمر بالمال فتصدَّق به على فقراء أهل المدينة. وجاء ربيعة فأخبر الأمير، فبكى وقال: هكذا واللهِ يكون أهلُ الخير (٤). وأخوهما أبو بكر كان أسنَّ من محمد.

стр. 5380

دخلَ أعرابيٌّ المدينةَ، فرأى حال بني المنكدر وفضلَهم وموقعَهم من الناس، فخرج من المدينة، فلقيَه رجلٌ فقال: كيف تركتَ الناس؟ قال: بخير وإن استطعتَ أن تكون من آل المنكدر فكن (١). وكان أبو بكر من الزُّهَّاد، ثقة قليل الحديث، وله عقب. وكان لهم أخ رابع اسمه ربيعة بن المنكدر، من فقهاء المدينة (٢). يزيد بن عبد الرحمن ابن أبي مالك الهَمْدَاني قاضي دمشق (٣). وجدُّه أبو مالك هانئ له صحبة، قدمَ على رسول الله ﷺ ، فأسلمَ ومسحَ على رأسه، ودعا له بالبركة، وخرجَ مع الجيوش إلى الشام، فلم يرجع (٤). ويزيد من الطبقة الرابعة من أهل الشام، وله أحاديث، وتوفّي بدمشق سنة ثلاثين ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (٥). أسند عن واثلة بنِ الأسقع وغيره، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيرُه (٦). وأخوه الوليد: استقضاه عُمر بن عبد العزيز رحمةُ الله عليه على نواحي دمشق، ومات بالكوفة سنة سبع وعشرين ومئة (٧).

стр. 5381

السنة الحادية والثلاثون بعد المئة فيها وجَّهَ قحطبةُ ابنَه الحسنَ إلى نصر بقُومِس، وكان في جيش الحسن أبو كامل العُقَيليُّ، فجهَّزه الحسنُ بين يديه في خيل، وأردفه بقائد آخر، فلمَّا قرُب أبو كامل من قُومِس صار إلى نصر، وأخبره بمكان القائد الَّذي خلَّفه، فبعثَ إليهم نصر خيلًا، فهربَ بعضُهم وأخذ أصحابُ نصر الباقين ومتاعَهم، وسار الحسن إلى قُومِس، فهرب نَصْرٌ إلى الرَّيّ (١). وفيها جهَّز قحطبةُ أبا عون إلى شهرزور، وكان بها عثمانُ بنُ سفيان، فلقيَ أبا عون، فاقتتلُوا قتالًا شديدًا، فيقال: إن عثمان قُتل -ويقال: هرب- واستباح أبو عون عسكره، وأقام أبو عون في شهرزور في ثلاثين ألفًا (٢). وفيها رحل مروان من حرَّان إلى الموصل لما بلغَه خبر أبي عَوْن وأنه بشهرزور، وسار في جنود الشام والجزيرة والعراق وأرمينية وأذربيجان، وصحبَ معه بني أمية، وفتحَ الخزائنَ، وبَذَلَ الأموال والخيولَ والسلاح، فنزل الموصل، وقيل: نزل الزَّاب الأكبر (٣). وفيها سار قحطبة إلى يزيد بن عُمر بنِ هُبيرة. قال علماء السير: لمَّا قدم داودُ بن يزيد بن عمر بن هُبيرة منهزمًا في نوبة ابنِ ضُبارة؛ حشدَ ابنُ هُبيرة جيوشًا لا تُحصى، وسارَ فقطعَ الفُراتَ ودِجْلة، وأتى جَلُولاء، وجاء قحطبة، فعادَ ابنُ هُبيرة إلى عُكْبَرَا (٤)، وجاء قحطبةُ فقطعَ الفوات من قرية يقال لها: دِمِمَّا، وسارَ ابنُ هبيرة يريد الكوفة خوفًا عليها من قحطبة (٥).

стр. 5382

وفيها حجَّ بالناس الوليدُ بنُ عُروة السَّعديُّ ابنُ أخي عبد الملك بنِ محمد بن عطية [السَّعديّ الذي قتلَ أبا حمزة الخارجي] وكان عمُّه [ابنُ عطيَّة] قد استنابَه وولَّاه المدينةَ ومكةَ والطائف (١). ووقع بالبصرة طاعون [في هذه السنة] فأفنى الناس (٢). وفيها توفي أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِياني واسم أبي تميمة كَيسان مولى لِعَنَزَه. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة. [وقال حمَّاد بن زيد:] وُلد [أيوب] قبل الطاعون الجارف بسنة، وكان الجارف سنة سبع وثمانين (٣). وكان الحسن إذا رآه يقول: هذا سيِّدُ الفتيان (٤). وقال [حماد بن زيد: قال] أيوب: إن قومًا يريدون أن يرتفعوا؛ ويأبى الله إلا أن يَضَعَهم، وآخرين يريدون أن يتواضعوا، ويأبى الله إلا أن يرفعهم (٥). وكان النُّسَّاك يومئذٍ يُشمِّرون ثيابَهم، وكان أيوب يجر قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: كانت الشُّهرةُ فيما مضى في تذييلها، فالشهرةُ اليومَ في تشميرها (٦).

стр. 5383

وقال: ما على وجه الأرض أحبُّ إليَّ من بَكْر. يعني ابنَه. ولَأَنْ أَدْفِنَهُ أحبُّ إليَّ من أنْ يأتيَني. يعني هشامًا، أو بعض الخلفاء (١). وكان أيوب إذا خرج يأخذ في طريق غير مسلوك لئلا يلقاه أحد فيقول: هذا أيُّوب (٢). وقال الحميدي: لَقِيَ سفيانُ بنُ عُيَينة ستةً وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما رأيتُ مثلَ أيوب (٣). وقال سلَّام [بن (أبي) مطيع]: كان أيوب يقومُ الليل يُخفي ذلك، فإذا كان قُبيل الصبح؛ رفعَ صوتَه كأنَّه إنَّما قام تلك الساعة (٤). و [قال حمَّاد بن زيد: (قال أيوب): إذا لم يكن ما تريد، فأرِدْ ما يكون (٥). وقال هشام بن حسان:] حجَّ أيوب أربعين حجة (٦). و [قال حمَّاد بن زيد:] كان [أيوب] يحدِّث بالحديث فيرقُّ، فيمسحُ أنفَه ويقول: ما أشدَّ الزُّكام (٧)! وقال بِشْر الحافي: دخلَ بُدَيْل على أيوب يعودُه وقد مَدَّ على فراشه سَبَنيَّةً (٨) حمراءَ يدفعُ بها عنه الرِّياء، فقال له بُدَيْل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذه خيرٌ من الصوف الَّذي عليك (٩). وفي رواية: علَّقَ أيوبُ على بابه سترًا أحمر، فدخلَ عليه بُدَيل الزاهد وعليه كساء، فقال له: يا أيوب، ما هذه الشهرة؟ فقال له: السِّتر الأحمرُ خيرٌ من الكساء الَّذي عليك. فخجل بذلك بُدَيل.

стр. 5384

وقال أيوب: لا يَنْبُلُ الرجلُ حتَّى يكودْ فيه خَصْلتان: العفَّةُ ممَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عن زَلَّاتهم (١). ذكر وفاته: قال ابن سعد: أجمعوا على أنَّه مات في الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين وهو يومئذ ابنَ ثلاث وستين سنة (٢). قلت: وقد ناقض ابنُ سعد قوله: إنه ولد سنة سبع وثمانين. أسند أيوب عن أنس (٣)، وعَمرو بن سلمة الجَرْميّ، وعن أبي عثمان النَّهْدي، وأبي رجاء العُطاردي، وغيرهم. وقال ابن سعد: بيان أيوب ثقةً عدلًا ورعًا، كثير العلم، رحمه الله تعالى (٤). توبة بن كَيسان أبو المُوَرِّع العَنْبريّ، مولى [بني العنبر] من الطبقة الثالثة من أهل البصرة (٥). وفد على هشام بن عبد الملك، وأَذِنَ له أن يتَّخَذ حمَّامًا بالبصرة، ويحتفر بئرًا بالبادية في الخِرْنِق (٦)، على ثلاث مراحل من البصرة، وكان لا يُفعلُ ذلك إلا بإذن خليفة. وكان يوسف بن عُمر قد أكرهه على ولاية سابور والأهواز، فامتنع فحبَسَه وقيَّده، قال: أتاني آتٍ في منامي فقال: سلِ اللهَ العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، فقلتُها ثلاثًا، ففرَّجَ الله عني (٧).

стр. 5385

وتوفي بمكان يقال له: ضَبُع بالطاعون، على ميلين من البصرة (١)، ودفن هناك وهو ابن أربع وسبعين سنة. أسند عن أنس وغيره، وروى عنه الثوريُّ وغيرُه، وكان ثقة صدوقًا (٢). فرقد بن يعقوب أبو يعقوب السَّبَخيّ، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل البصرة (٣)، وكان زاهدًا متعبِّدًا. [روى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال:] (٤) اجتمع عُبَّادٌ من أهل الكوفة، فقالوا: انحدِرُوا بنا إلى البصرة فننظرَ إلى عُبَّادهم، فانحدروا فدخلوا على فَرْقَد، فحادثوه ساعة، فقالوا: الغداء. فأخرجَ لهم قُفَّةً فيها كِسَرٌ من شعير سُود، فقالوا: الملح؟ فقال: قد طرحناه في العجين. و [روى أيضًا عن جعفر بن سليمان قال:] قال [فرقد]: إن ملوك بني إسرائيل كانوا يقتلون علماءهم (٥) على الدين، هانَّ ملوككم إنما يقتلونكم على الدُّنيا، فدَعُوها لهم. و [روى أيضًا عن جعفر بن سليمان قال:] قال [فرقد]: قرأتُ في التوراة: مَنْ أصبح حزينًا على الدُّنيا أصبح ساخطًا على ربّه، ومن جالسَ غنيًّا فتضعضع له؛ ذهبَ ثُلُثا دينِه، ومن أصابَتْه مصيبة فشكاها إلى الناس، فإنَّما يشكو ربَّه تعالى (٦). وقال [فرقد]: ما انتبهتُ من نومي إلا أخافُ أن أكونَ قد مُسِخْتُ (٧).

стр. 5386

[ذكر وفاته: قال ابن سعد:] مات بالبصرة أيّام الطاعون [سنة إحدى وثلاثين ومئة، وكان ضعيفًا منكر الحديث (١). وقد] أسند عن أنس، وسمع سعيدَ بنَ جبير، وإبراهيم النخعي، وأبا الشعثاء، وغيرهم، وضعَّفه ابنُ سعد. قال المصنّف ﵀: لم يكن ضعيفًا، وإنَّما شغلَه التعبّد عن حفظ الحديث. مالك بن دينار وكنيتُه أبو يحيى، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة، ولم ينصفه، فإنه كان جليلَ القَدْر في ذاك العصر والصدر، وذكره في سطرين، فقال: كان مولًى لامرأة من بني سامة بن لؤيّ، وكان ثقة قليل الحديث يكتب المصاحف، ومات قبل الطاعون بيسير، وكان الطاعون في سنة إحدى وثلاثين ومئة. هذا صورة ما ذكر (٢). قلت: وقد ذكره أرباب السِّيَر، ورَوَوْا من مناقبه الغُرر، فقال خليفة (٣): مالك من الطبقة الخامسة من أهل البصرة. واختلفوا في أبيه على أقوال: أحدها: أنَّه من سَبْي سِجِسْتان. والثاني: من سَبْي كابُل. والثالث: أنَّه مولى خِلَاس (٤) [بن عَمرو] بن المنذر. وكان مالك زاهدًا عابدًا ورعًا خائفًا باكيًا، وله الكلام الحسن والنوادر العجيبة.

стр. 5387

ذكر سبب توبته: قرأتُ على شيخنا الموفَّق من كتاب "التوَّابين" (١) عن مالك بن دينار أنَّه سُئلَ عن سبب توبته، فقال (٢): كُنْتُ شُرْطيًّا مُنهمكًا على شُرب الخمر، فاشتريتُ جاريةً نفيسةً، فوقَعَتْ في قلبي أحسنَ مَوْقع، ووَلَدَتْ لي بنتًا، فشُغِفْتُ بها، فلمَّا دَبَّتْ على الأرض؛ ازْدَدْتُ لها حُبًّا، فكنتُ إذا وضعتُ المُسْكِرَ بين يَدَيّ؛ جاذَبَتْني عليه، وهَرَقَتْه على ثوبي، فلما تَمَّتْ لها سنتان؛ ماتَتْ، فأَكْمَدَني حُزْنُها. فلما كانت ليلةُ النصف من شعبان -وكانت ليلةَ الجمعة؛ بِتُّ ثَمِلًا من الخمر، ولم أُصَلِّ العِشاءَ الآخِرة- نمتُ، فرأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامَتْ وقد نُفخ في الصُّور، وبُعثرَ ما في القبور، وحُشر الخلائقُ وأنا معهم، فسمعتُ حِسًّا من ورائي، فالتفتُّ؛ فإذا بتِنِّينٍ فاتحٍ فاه، أزرقَ أسودَ؛ كأعظمِ ما يكون، وهو مسرعٌ نحوي، فهربتُ منه، وإذا بشيخٍ (٣) نقيِّ الثوبِ طيِّبِ الرائحة، فسلَّمتُ عليه، فردَّ، فقلتُ: أجِرْني من هذا التِّنِّين أجارَك الله. فبكى وقال: أنا ضعيفٌ، وهذا أقوى مني، ولا أقدرُ عليه، ولكن أسْرِعْ فلعلَّ اللهَ أن يُتيحَ لك (٤) ما يُنجيك منه. قال: فولَّيتُ هاربًا على وجهي، وصَعِدْتُ على شَرَفٍ من شُرَف القيامة، فأشرَفْتُ على طبقات النِّيران، فنظرتُ إلى هَوْلها، فكِدْتُ أن أهويَ فيها من خوفي من التِّنِّين، فصاح بي صائح: ارْجِعْ، فلستَ من أهلها، فأطمأْنَنْتُ إلى قوله، ورجع التِّنِّين في طلبي، فأتيتُ الشيخَ فقلتُ له: سألتُك بالله إلا أجَرْتَني من هذا التِّنِّين. فقال: أنا ضعيف، ولكنْ سِرْ إلى هذا الجبل، فإنَّ فيه ودائعَ المسلمين، فإنْ كانت لك فيه وديعةٌ فسَتنصُرُك. قال: فنظرتُ فإذا جبلٌ مستديرٌ من فضَّة، وفيه كُوًى مُخَرَّمة وستورٌ معلَّقة، على كل خوخةٍ سترٌ، وتحتَه مصراعان مُرَصَّعانِ باليواقيت، وهما من الذهب الأحمر والفضة

стр. 5388

البيضاء، والتِّنِّين من ورائي، فصاح بعضُ الملائكة: ارفعوا السُّتور، فلعلَّ أن يكونَ لهذا البائسِ فيكم وديعةٌ تُجيرُه من عدوِّه، فرُفِعَتْ تلك السُّتور، وأشرفَ من تلك الكُوَى أطفالٌ كأنَّ وجوهَهم الأقمار وقَرُبَ التِّنِّينُ منِّي، وإذا بابنتي التي ماتَتْ فيهم، فلمَّا رأَتْني صاحَتْ: أبي واللهِ. ثم وثَبَتْ في كَفَّةٍ من نور، وأشارَتْ إلى التِّنِّين، فولَّى هاربًا، ثم قعَدَتْ في حِجْري، ومدَّت يدَها إلى لِحْيتي، وقالت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]؟ فبكَيتُ وقلت: بلى. ثم قلت: ما هذا التِّنِّين؟ فقالت: عملُك السَّيِّءُ؛ قَوَّيتَهُ، فأرادَ أن يُغرقَك في نار جهنَّم. قلت: فذاك الشيخ؟ قالت: عملُك الصالح؛ أضْعَفْتَه. قلتُ: فما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفالُ المسلمين قد أُسْكنَّا في هذا الجبل إلى يوم القيامة ننتظرُ قُدومَكم عليمْا، فنشفعَ لكم. قال: فانتبهتُ فَزِعًا، وأصبحتُ تائبًا إلى الله (١). ذكر طرف من أخباره: روى أبو الشعثاء أنَّه كان يكتب المصاحف؛ يكتبُ المصحف في أربعة أشهر ولا يشرط أُجرةً، فإذا جيء بالأُجرة؛ فإن كان ذلك دون حقِّه أخذَه، وإن كان أكثرَ من حقِّه أخَذَ حقه، وردَّ الباقي (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدَّثني [محمد] بنُ كُليب، عن يوسف بن عطيَّة قال: قال مالك بن دينار: مَنْ دخلَ بيتي فأخَذَ شيئًا فهو حلالٌ له، أمَّا أنا فلا أحتاجُ إلى قُفل ومفتاح (٣). وروى عبد الله بن الإمام أحمد أيضًا عن عليّ بن مسلم، عن سيَّار قال: قال مالك بن دينار لرجل من أصحابه (٤): إني لأشتهي رغيفًا بلبن قال: فجاءه الرجلُ به، فجعل

стр. 5389

يقلِّبُ الرغيف وينظر إليه ويقول: اشتهيتُك منذ أربعين سنة، وغلبتُك حتَّى اليوم؛ تريدُ أن تغلبَني؟! وأَبَى أن يأكلَه (١). وروى عَوْنُ بن الحكم عن أبيه، عن مالك قال: قدمتُ من سفر، فلما صِرْتُ إلى الجسر قام العشَّار، فقال: لا يخرجنَّ أحدٌ من السفينة حتَّى نُفتِّشَه. قال: فأخذتُ ثوبي فوضعتُه على عنقي، ثم وثبتُ فصرتُ على الأرض، فقال: ما الذي أخرجك؟ قلت: ما معي شيء. قال: فاذهب. قلت في نفسي: هكذا أمر الآخرة (٢). وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار أنَّه وقعَ حريق في بيته، فأخذَ المصحف وخرجَ، فقيل له: البيت! فقال: ما فيه شيءٌ إلا السِّنْدانَة، فما أُبالي أن يحترق (٣). وفي رواية: وقع حريق بالبصرة، فأخذ كساءَه وخرج وقال: هلكَ أصحابُ الأثقال، ونجا المُخِفُّون. وقال ابن باكويه الشيرازي: دخل اللصوص بيت مالك بن دينار، فلم يجدوا شيئًا، فصاح بهم: ما ضرَّكُم لو صلَّيتُم ركعتين (٤). وكان قُوتُه كلَّ ليلة رغيفان، يأكلهما بملح جَرِيش، فكان يأكلُ في الشهر بدرهمين -أو بدرهم- ودانقين، فيقال له: ألا تأكلُهما بإدام فيقول: إدامُهما أن يكونا سخنين (٥). قال: وكان عنده رِكْوَةٌ يتوضَّأْ منها، فأخرجَها من بيته، فقيل له في ذلك، فقال: إذا دخلت في الصلاة جاءني الشيطان فيقول: سُرِقَت الرِّكْوَة، فيشتغلُ قلبي (٦).

стр. 5390

وروى عنه عبدُ الله بنُ الإمام أحمد أنَّه كان يقول: لقد هممتُ أن آمُرَ إذا مِتُّ أنْ أُغَلَّ، فألقى اللهَ مغلولًا كما يُفعل بالآبق، فإذا قال لي: لمَ فعلتَ هذا؟ فأقول: يا ربّ، لم أرضَ لك نفسي طَرْفَةَ عين (١). قال: وقرأ يومًا قاريءٌ في مجلسه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا﴾ فجعل مالكٌ ينتفض، وأهلُ المجلس يبكون ويصرخون، وغُشِيَ على مالك، فحُمل إلى منزله صريعًا (٢). وروى أبو نُعيم أن رجلًا قال لمالك بن دينار: يا مُرائي، فقال: لي بالبصرة كذا وكذا سنة، ما عرفَ اسمي غيرك (٣). وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار أنَّه قال: لو وقف إنسان على باب المسجد وقال: ليخرجْ إلي شرُّكم؛ لبادرتُ إليه. ذكر نبذة من كلامه وواقعاته: حكى أبو نُعيم بإسناده إلى سيَّار، عن جعفر قال: سمعتُ مالكًا يقول: ما تنعَّمَ المتنعّمون بمثل ذكر الله تعالى (٤). وسمعته يقول: يا حملة القرآن، ماذا زرعَ القرآنُ في قلوبكم؟ فإنَّ القرآن ربيعُ المؤمن، كما أن الغيثَ ربيعُ الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء فيصيب الحُشَّ، فتكون فيه الحبة فلا يمنعُ نتنُ موضِعِها أن تهتزَّ وتخضرَّ وتحسن، أين أصحابُ سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتُم فيها (٥)؟ وروى عبد الله بن الإمام أحمد أنَّ مالكًا كان يقول: يتزوَّج أحدُكم ديباجة الحيّ، فتأخذُ بقلبه، فيقول لها: أيَّ شيءٍ تريدين؛ فتقول: مِرْطًا من كذا وكذا، فتَمْرَطُ دينَه، ولو تزوَّج يتيمةً ضعيفة، فكساها وأطعَمَها؛ كان له أجرٌ؛ لكان خيرًا له (٦).

стр. 5391

وحكى عنه ابن باكويه أنَّه قال: مَثَلُ قُرَّاءِ زماننا كرجل نصبَ فَخًّا، وجعل فيه حبَّةَ بُرٍّ، فجاء عصفور، فوقف عليه وقال: ما غَيَّبَك في التراب؟ قال: التواضع. قال: فلأيِّ شيءٍ انحنَيتَ؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه البُرَّة (١) المنصوبة فيك؟ قال: أعددتُها للصائمين. فلما كان وقتُ المغرب؛ دنا العصفور منها ليأخذَها، فخنَقَه الفَخُّ، فقال العصفور: إن كان كلُّ العُبَّاد مثلَك، فلا خير في العُبَّاد اليوم (٢). وروى عن جعفر بن سليمان الضُّبَعِيّ قال: مرَّ والي البصرة بمالك وهو يتبختر في مشيته، فصاح به مالك: أقْلِلْ من مِشْيَتِك، فهذه مِشيَةٌ يُبغِضُها اللهُ ورسولُه. فهمَّ به أعوانُه، فقال: دعوه. ثم قال: يا مالك، ما أُراك تعرفُني. فقال مالك بن دينار: ومَنْ أَعْرَفُ بك منِّي؟ أمَّا أوَّلُك فنُطفةٌ مَذِرَة، وأمَّا آخِرُك فجيفةٌ قَذِرة، وأنت فيما بين ذلك تحملُ العَذِرَة. فنكس الوالي رأسه ومضى (٣). وقال مالك: إن البَدَنَ إذا سَقِمَ، لم ينجعْ فيه طعامٌ ولا شراب؛ فكذا القلبُ إذا عَلِقَه حبُّ الدنيا (٤). وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: كفى بالمرء إثمًا أن يكونَ أمينًا للخَوَنَة، وكفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا ويقعَ في الصَّالحين (٥). قال: وقال مالك بن دينار: إذا لم تكن صادقًا فلا تَتَعَنَّى (٦). قال: وقال مالك بن دينار: يقول الله في بعض الكتب: إنَّ أهْونَ ما أنا صانع بالعَالِمِ إذا أَحَبَّ الدُّنيا أنْ أُخرِجَ حلاوةَ ذِكْرِي من قلبه (٧).

стр. 5392

وروى أبو نُعيم عنه أنَّه قال: اتَّقُوا السَّحَّارة -يعني الدنيا- فإنها تسحرُ قلوب العلماء (١). [وقال:] وإنَّ العالم إذا لم يعمل بعمله زَلَّتْ موعظتُه عن القلوب كما يزلُّ القَطْرُ عن الصَّفَا (٢). وقال: ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوةِ القلب (٣). وقال جعفر بن سليمان: كان مالك يُرى يومَ التَّرويةِ بالبصرة، ويومَ عرفةَ بعرفات (٤). وروى ابنُ أبي الدنيا عن مالك أنَّه كان له صديق يخدم السلطانَ، فاعتقلَه وقيَّده، فدخلَ عليه مالك فرآه مقيَّدًا، فشقَّ عليه فقال: من قيَّدك؟ قال: السلطان. فرفع مالك رأسه، فإذا زِنْبيل معلَّق، فقال. ما هذا؟ فقال: فيه شيء للأكل. فحطَّه فإذا دجاجٌ وحلوى وخبزُ حُوَّارَى، فقال له مالك بن دينار: واللهِ ما قيَّدك غيرُ هذا. وقال ابنُ أبي الدنيا فيما رواه عنه قال: مرَّ تاجرٌ بعشَّارين، فحبسوا عليه سفينته، فأرسل إلى مالك، فجاءه، فلما رآه القوم؛ قاموا إليه وعظَّموه، وأطلقوا السفينة، وقالوا: يا مالك، ادْعُ لنا. وعندهم كُوز [معلَّق] يجعلون فيه الدراهم التي يأخذونها من الناس، فقال: قولُوا للكُوز يدعو لكم! كيف أدعو لكم وألفٌ يدعون عليكم؟! أترى يُستجابُ لواحد ولا يُستجابُ لألف (٥)؟! [قال:] وأجدبت الأرض بالبصرة، فخرجَ الناس يستسقون، فلقيَهم مالك، فقال: إلى أين؟ قالوا: نطلب المطر. فقال: أنتم تستبطئون الغيث، وأنا أستبطئ الحجارة (٦)!

стр. 5393

وقال: أخَذَ السَّبُع ولدَ امرأة، فتصدَّقت بلقمة، فألقى السَّبُع ولدَها ونُوديَتْ: لُقْمةٌ بلُقْمة (١). [ذكر الشابّ مع مالك بن دينار: روى أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي] (٢) قال جعفر بن سليمان: مررتُ أنا ومالكُ بنُ دينار بالبصرة، وإذا بشابٍّ من أحسنِ الشَّباب جالسٍ يَعْمُرُ قصرًا ويقول: افعلوا كذا وكذا. فتقدَّم إليه مالك، فسلَّم عليه وقال: كم في عزمك أن تنفق (٣) على هذا القصر؟ فقال: مئة ألف درهم. فقال: ألا تُعطيني هذا المال؛ أتصدَّقُ به، وأضمنُ لك على الله قصرًا في الجنّة بولْدانِه وقِبابِه وحُورِه وقُصورِه؟ فقال: أجِّلْني الليلة. فقال: نعم. وبات مالك يدعو ليلتَه ويبكي، فلما كان عند السَّحَر إذا بالشَّابِّ قد أقبلَ ومعه البَدْر (٤)، فدَعَا مالك بدواة وقرطاس (٥)، وكتب: هذا ما ضَمِنَ مالكُ بنُ دينار لفلان ابن فلان على الله قصرًا في الجنَّة، فيه كذا وكذا. ووصَفَه، وأخَذَ الشابُّ الكتاب، ودفعَ المال إلى مالك، ففرَّقَه في الفقراء والمساكين وأرباب البيوت، ومضى على ذلك أربعون يومًا. فبينا مالكٌ في محرابه قد صلَّى الفجر، وإذا بالكتاب مُلْقًى بين يديه، وفي ظهره مكتوب بالنور (٦): هذه براءةٌ من العزيز الغفَّار لمالك بن دينار أنَّا وَفَّينا للشابِّ بالقصر الَّذي ضَمِنْتَه له، وزِدْناه سبعين قصرًا. قال: ففزع مالك، وأخَذَ الكتاب، وقصدَ منزل الشّابّ، وإذا بالبابِ مسوَّد والصُّراخ في الدار [والنعي على الباب] فقال: ما هذا؟ قالوا: مات الشّابُّ البارحة. قال: مَنْ غَسَّلَه؟ قالوا: فلان. قال: عليَّ به. فجاء فقال: أنتَ غسَّلْتَه؟ قال: نعم. قال:

стр. 5394

فما الَّذي أوصاك به قبل موته؟ قال: دفعَ إليَّ كتابًا وقال: اجْعَلْه بين يديَّ وكَفَني. فجعلتُه. فأخرجَ مالكٌ الكتاب وقال: أهذا هو؟ قال: إي والله. وصاحَ الغاسلُ وبكى، وارتفع الصياح في الدار والمحلَّة. فقال شابٌّ من جيرانه: يا مالك، خُذْ منِّي مئتي ألف درهم، واضْمَنْ لي على الله مثلَ هذا. فقال: هيهات هيهات! كان ما كان (١). ذكر وفاته: واختلفوا فيها، فحكينا عن ابن سعد أنَّه قال: مات قبل الطاعون بيسير، وكان الطاعون في سنة إحدى وثلاثين ومئة (٢). وقال غير ابن سعد: مات سنة سبع وعشرين (٣) ومئة. وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومئة. وقيل: تقدَّمت وفاتُه على هذا التاريخ؛ فروى ابن أبي الدنيا عن عبد الواحد بن زيد، وقيل له: ما كان سببُ وفاةِ مالك بن دينار؟ قال: رؤيا رآها، رأى مُسلمَ بنَ يسار في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: وما يكون من الكريم؟ قَبِلَ منَّا الحسناتِ، وتجاوزَ عن السيِّئات. قال: ثم شهق مالك، وخرَّ مغشيًّا عليه، ثم لبثَ أيَّامًا مريضًا، فيُرَوْنَ أنَّه انصدعَ قلبُه فمات (٤). ومسلمُ بنُ يسار مات سنة مئة، أو إحدى ومئة. أسند مالك عن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد (٥). قال مالك بن دينار: خرج سليمان بن داود ﵉ يومًا في مَوْكبه، فمرَّ ببلبل على غصن يَصْفِر (٦)، وضرب (٧) بذنبه الأرض، فقال سليمان: أتدرون ما يقول هذا؟

стр. 5395

قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: إنه يقول: قد أصبتُ اليومَ نصف تمرة، فعلى الدنيا وأهلها العَفَاء (١). محمد بن إسماعيل أبو بكر الفَرْغانيّ، أحدُ مشايخ الصوفية ومجتهديهم. [حكى ابن جهضم عنه أنَّه] كان يمشي وفي كمّه مفاتيح، يُوهم [الناس] أنَّه من التجار وأبناء الدنيا، ولا مأوى له إلا المساجد الخَراب. وكان يلبسُ الثيابَ الثمينة، ويطوي اليومين والثلاثة دائمًا (٢). و [ذكره أبو عبد الرحمن السلميّ، وأثنى عليه وقال:] مرَّ براهبٍ من رهبان الشام في صومعة، فناداه: يا راهب، لمن تعبد] قال: للسيد المسيح. قال: ولمَ؟ قال: لأنه أقام أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب. قال: فأنا أفعلُ ذلك. فأقام تحت الصومعة أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب، ولم ينم، فنزلَ الراهب من الصَّومعة، وأسلمَ على يده (٣). منصور بن زاذان مولى عبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، ذكره ابن سعد فيمن نزل من الفقهاء والمحدِّثين بواسط، وكان صاحِبَ الحسن البصري، وروى عنه هُشيم وأصحابُه، وكان ثقة ثبتًا صالحًا سريعَ القراءة؛ يريد أن يَتَرَسَّلَ فيها فلا يستطيع، وكان يختم في الضحى، يُعرف ذلك منه بِسَجَدَات القرآن. [وكان قد تحوَّل من واسط، فنزل المبارك؛ على تسعة فراسخ من واسط.
следующие страницы →