← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

وحكى عنه ابن باكويه أنَّه قال: مَثَلُ قُرَّاءِ زماننا كرجل نصبَ فَخًّا، وجعل فيه حبَّةَ بُرٍّ، فجاء عصفور، فوقف عليه وقال: ما غَيَّبَك في التراب؟ قال: التواضع. قال: فلأيِّ شيءٍ انحنَيتَ؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه البُرَّة (١) المنصوبة فيك؟ قال: أعددتُها للصائمين. فلما كان وقتُ المغرب؛ دنا العصفور منها ليأخذَها، فخنَقَه الفَخُّ، فقال العصفور: إن كان كلُّ العُبَّاد مثلَك، فلا خير في العُبَّاد اليوم (٢). وروى عن جعفر بن سليمان الضُّبَعِيّ قال: مرَّ والي البصرة بمالك وهو يتبختر في مشيته، فصاح به مالك: أقْلِلْ من مِشْيَتِك، فهذه مِشيَةٌ يُبغِضُها اللهُ ورسولُه. فهمَّ به أعوانُه، فقال: دعوه. ثم قال: يا مالك، ما أُراك تعرفُني. فقال مالك بن دينار: ومَنْ أَعْرَفُ بك منِّي؟ أمَّا أوَّلُك فنُطفةٌ مَذِرَة، وأمَّا آخِرُك فجيفةٌ قَذِرة، وأنت فيما بين ذلك تحملُ العَذِرَة. فنكس الوالي رأسه ومضى (٣). وقال مالك: إن البَدَنَ إذا سَقِمَ، لم ينجعْ فيه طعامٌ ولا شراب؛ فكذا القلبُ إذا عَلِقَه حبُّ الدنيا (٤). وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: كفى بالمرء إثمًا أن يكونَ أمينًا للخَوَنَة، وكفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا ويقعَ في الصَّالحين (٥). قال: وقال مالك بن دينار: إذا لم تكن صادقًا فلا تَتَعَنَّى (٦). قال: وقال مالك بن دينار: يقول الله في بعض الكتب: إنَّ أهْونَ ما أنا صانع بالعَالِمِ إذا أَحَبَّ الدُّنيا أنْ أُخرِجَ حلاوةَ ذِكْرِي من قلبه (٧).

стр. 5392

وروى أبو نُعيم عنه أنَّه قال: اتَّقُوا السَّحَّارة -يعني الدنيا- فإنها تسحرُ قلوب العلماء (١). [وقال:] وإنَّ العالم إذا لم يعمل بعمله زَلَّتْ موعظتُه عن القلوب كما يزلُّ القَطْرُ عن الصَّفَا (٢). وقال: ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوةِ القلب (٣). وقال جعفر بن سليمان: كان مالك يُرى يومَ التَّرويةِ بالبصرة، ويومَ عرفةَ بعرفات (٤). وروى ابنُ أبي الدنيا عن مالك أنَّه كان له صديق يخدم السلطانَ، فاعتقلَه وقيَّده، فدخلَ عليه مالك فرآه مقيَّدًا، فشقَّ عليه فقال: من قيَّدك؟ قال: السلطان. فرفع مالك رأسه، فإذا زِنْبيل معلَّق، فقال. ما هذا؟ فقال: فيه شيء للأكل. فحطَّه فإذا دجاجٌ وحلوى وخبزُ حُوَّارَى، فقال له مالك بن دينار: واللهِ ما قيَّدك غيرُ هذا. وقال ابنُ أبي الدنيا فيما رواه عنه قال: مرَّ تاجرٌ بعشَّارين، فحبسوا عليه سفينته، فأرسل إلى مالك، فجاءه، فلما رآه القوم؛ قاموا إليه وعظَّموه، وأطلقوا السفينة، وقالوا: يا مالك، ادْعُ لنا. وعندهم كُوز [معلَّق] يجعلون فيه الدراهم التي يأخذونها من الناس، فقال: قولُوا للكُوز يدعو لكم! كيف أدعو لكم وألفٌ يدعون عليكم؟! أترى يُستجابُ لواحد ولا يُستجابُ لألف (٥)؟! [قال:] وأجدبت الأرض بالبصرة، فخرجَ الناس يستسقون، فلقيَهم مالك، فقال: إلى أين؟ قالوا: نطلب المطر. فقال: أنتم تستبطئون الغيث، وأنا أستبطئ الحجارة (٦)!

стр. 5393

وقال: أخَذَ السَّبُع ولدَ امرأة، فتصدَّقت بلقمة، فألقى السَّبُع ولدَها ونُوديَتْ: لُقْمةٌ بلُقْمة (١). [ذكر الشابّ مع مالك بن دينار: روى أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي] (٢) قال جعفر بن سليمان: مررتُ أنا ومالكُ بنُ دينار بالبصرة، وإذا بشابٍّ من أحسنِ الشَّباب جالسٍ يَعْمُرُ قصرًا ويقول: افعلوا كذا وكذا. فتقدَّم إليه مالك، فسلَّم عليه وقال: كم في عزمك أن تنفق (٣) على هذا القصر؟ فقال: مئة ألف درهم. فقال: ألا تُعطيني هذا المال؛ أتصدَّقُ به، وأضمنُ لك على الله قصرًا في الجنّة بولْدانِه وقِبابِه وحُورِه وقُصورِه؟ فقال: أجِّلْني الليلة. فقال: نعم. وبات مالك يدعو ليلتَه ويبكي، فلما كان عند السَّحَر إذا بالشَّابِّ قد أقبلَ ومعه البَدْر (٤)، فدَعَا مالك بدواة وقرطاس (٥)، وكتب: هذا ما ضَمِنَ مالكُ بنُ دينار لفلان ابن فلان على الله قصرًا في الجنَّة، فيه كذا وكذا. ووصَفَه، وأخَذَ الشابُّ الكتاب، ودفعَ المال إلى مالك، ففرَّقَه في الفقراء والمساكين وأرباب البيوت، ومضى على ذلك أربعون يومًا. فبينا مالكٌ في محرابه قد صلَّى الفجر، وإذا بالكتاب مُلْقًى بين يديه، وفي ظهره مكتوب بالنور (٦): هذه براءةٌ من العزيز الغفَّار لمالك بن دينار أنَّا وَفَّينا للشابِّ بالقصر الَّذي ضَمِنْتَه له، وزِدْناه سبعين قصرًا. قال: ففزع مالك، وأخَذَ الكتاب، وقصدَ منزل الشّابّ، وإذا بالبابِ مسوَّد والصُّراخ في الدار [والنعي على الباب] فقال: ما هذا؟ قالوا: مات الشّابُّ البارحة. قال: مَنْ غَسَّلَه؟ قالوا: فلان. قال: عليَّ به. فجاء فقال: أنتَ غسَّلْتَه؟ قال: نعم. قال:

стр. 5394

فما الَّذي أوصاك به قبل موته؟ قال: دفعَ إليَّ كتابًا وقال: اجْعَلْه بين يديَّ وكَفَني. فجعلتُه. فأخرجَ مالكٌ الكتاب وقال: أهذا هو؟ قال: إي والله. وصاحَ الغاسلُ وبكى، وارتفع الصياح في الدار والمحلَّة. فقال شابٌّ من جيرانه: يا مالك، خُذْ منِّي مئتي ألف درهم، واضْمَنْ لي على الله مثلَ هذا. فقال: هيهات هيهات! كان ما كان (١). ذكر وفاته: واختلفوا فيها، فحكينا عن ابن سعد أنَّه قال: مات قبل الطاعون بيسير، وكان الطاعون في سنة إحدى وثلاثين ومئة (٢). وقال غير ابن سعد: مات سنة سبع وعشرين (٣) ومئة. وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومئة. وقيل: تقدَّمت وفاتُه على هذا التاريخ؛ فروى ابن أبي الدنيا عن عبد الواحد بن زيد، وقيل له: ما كان سببُ وفاةِ مالك بن دينار؟ قال: رؤيا رآها، رأى مُسلمَ بنَ يسار في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: وما يكون من الكريم؟ قَبِلَ منَّا الحسناتِ، وتجاوزَ عن السيِّئات. قال: ثم شهق مالك، وخرَّ مغشيًّا عليه، ثم لبثَ أيَّامًا مريضًا، فيُرَوْنَ أنَّه انصدعَ قلبُه فمات (٤). ومسلمُ بنُ يسار مات سنة مئة، أو إحدى ومئة. أسند مالك عن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد (٥). قال مالك بن دينار: خرج سليمان بن داود ﵉ يومًا في مَوْكبه، فمرَّ ببلبل على غصن يَصْفِر (٦)، وضرب (٧) بذنبه الأرض، فقال سليمان: أتدرون ما يقول هذا؟

стр. 5395

قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: إنه يقول: قد أصبتُ اليومَ نصف تمرة، فعلى الدنيا وأهلها العَفَاء (١). محمد بن إسماعيل أبو بكر الفَرْغانيّ، أحدُ مشايخ الصوفية ومجتهديهم. [حكى ابن جهضم عنه أنَّه] كان يمشي وفي كمّه مفاتيح، يُوهم [الناس] أنَّه من التجار وأبناء الدنيا، ولا مأوى له إلا المساجد الخَراب. وكان يلبسُ الثيابَ الثمينة، ويطوي اليومين والثلاثة دائمًا (٢). و [ذكره أبو عبد الرحمن السلميّ، وأثنى عليه وقال:] مرَّ براهبٍ من رهبان الشام في صومعة، فناداه: يا راهب، لمن تعبد] قال: للسيد المسيح. قال: ولمَ؟ قال: لأنه أقام أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب. قال: فأنا أفعلُ ذلك. فأقام تحت الصومعة أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب، ولم ينم، فنزلَ الراهب من الصَّومعة، وأسلمَ على يده (٣). منصور بن زاذان مولى عبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، ذكره ابن سعد فيمن نزل من الفقهاء والمحدِّثين بواسط، وكان صاحِبَ الحسن البصري، وروى عنه هُشيم وأصحابُه، وكان ثقة ثبتًا صالحًا سريعَ القراءة؛ يريد أن يَتَرَسَّلَ فيها فلا يستطيع، وكان يختم في الضحى، يُعرف ذلك منه بِسَجَدَات القرآن. [وكان قد تحوَّل من واسط، فنزل المبارك؛ على تسعة فراسخ من واسط.

стр. 5396

قال يزيد بن هارون: مات منصور سنة الوباء في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة. هذا صورة ما ذكره ابنُ سعد (١). وذكر أبو نُعيم بإسناده إلى هشام بن حسان قال:] كُنْتُ أصلّي (٢) أنا ومنصور [بن زاذان] جميعًا، فكان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر، ويختمُه ما بين المغرب والعشاء، ثم يبكي وينقُضُ عِمَامتَه ويبلُّها بدموعه [ويضعها بين يديه. وقيل: يمسحُ بها دموعه] (٣). وروى ابن أبي الدنيا عنه أنَّه كان يصلِّي بين المغوب والعشاء ركعتين يختِمُ فيهما القرآن (٤). [قال:] وصلَّى الفجر بوضوء العشاء الآخِرة أربعين سنة (٥). وكان يقول: لو قيل لي: إنَّ ملك الموت على الباب؛ ما كان عندي زيادة في العمل (٦). وكان نهارُه وليلُه مشغولًا بالصلاة والقرآن. وحكى أبو نُعيم عن أبي حمزة قال: شهدتُ جنازة منصور، فرأيتُ الرِّجال على حِدَة، والنساء على حِدَة، والنصارى على حِدَة [واليهود على حِدة] (٧). أسندَ منصور عن أنس، وأرسلَ عنه (٨)، وأسندَ عن الحسن وغيره (٩).

стр. 5397

نصر بن سيَّار والي خُراسان، كان حازمًا شجاعًا جوادًا، لمَّا رأى حَبْلَ بني مروان قد انتقض وأماراتِ الزَّوال ظاهرة … (١) مرضَ بالرَّيّ بعد أن أخرجه أبو مسلم من مَرْو، وكان بنيسابور، فأخرجَه قحطبةُ منها. ولمَّا مرض بالرَّيّ حُمل إلى سَاوة قريبًا من هَمَذَان، فماتَ بها في ربيع الأول هذه السنة، وله خمسٌ وثمانون سنة (٢). واصل بن عطاء رئيس المعتزلة من البصرة، وهو مولًى لبني ضبَّة، وقيل: لبني هاشم (٣). وهو أوَّلُ مَنْ قال بالمنزلة بين المنزلتين، ومعناه أنَّ الإنسان إذا ارتكبَ كبيرةً يخرج من الإيمان، ولا يدخلُ في الكفر، فإن ماتَ من غير توبة؛ خُلِّد (٤) في النار، وهو مذهب عَمرو بنِ عُبيد من مشايخ المعتزلة. وعند أهل السُّنَة: من ارتكبَ كبيرةً دون الكفر، لا يخرج من الإيمان، وإن مات من غير توبة؛ إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عاقبَه، ثم مآلُه إلى الجنَّة. وعند الخوارج: يخلَّد في النار، وقد كفر. [وجه قول واصل: أن الإيمان ما يستحقُّ به الثواب، والعصيان ما يستحقُّ به العقاب، ولا يتصوَّر الاجتماع بينهما، ولأجل هذه المسألة سُمُّوا معتزلة] (٥). وكان

стр. 5398

الصدرُ الأوَّل مجتمعين (١) على مذهب أهل السُّنَّة إلى أن ظهرت الخوارج، فقالوا بالتخليد في النار، فذهب المعتزلة إلى ما حَكينا [عنهم] فصار قولهم منزلة بين منزلتين. [وجه قول الخوارج: قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]. ولأهل السنة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، خاطبهم بالإيمان مع ارتكاب العصيان، والأمرُ بالتوبة لمن لا ذنب له محال. وقولهم: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؛ لا يصحّ؛ لأن الوقف أمر إلهي لا يُطَّلعُ عليه، فلا بدّ من الحكم، والله تعالى ما أخرجه من الإيمان؛ لما تَلَوْنا، فيبقى على حاله. وأما الآية التي احتجَّتْ بها الخوارج؛ فمحمولةٌ على الكفر، لا على ما سواه. وقد قرَّرْنا هذه المسائل في كتب الأصول] (٢). السنة الثانية والثلاثون بعد المئة فيها هلك قحطبةُ بنُ شبيب بن خالد بن مَعْدَان. وفيها خرج محمد بنُ خالد بن عبد الله القَسْريُّ بالكوفة، ولبس السَّوَاد، وأخرجَ عاملَ ابنِ هُبيرة، وجاءها الحسن بنُ قحطبة، فدخلَها بعد هلاك أبيه. ذكر القصة: خرجَ ابنُ خالد بالكوفة ليلةَ عاشوراء وعلى الكوفة زياد بنُ صالح الحارثيُّ خليفةُ ابنِ هُبيرة، فهرب منها إلى واسط، ودخل محمدٌ القصر، فلما كان يوم الجمعة ثاني يوم هلك فيه قحطبة؛ نزل حَوْثَرَةُ مدينة ابن هُبيرة بأهل الشام، فتفرَّق مَنْ كان مع محمد،

стр. 5399

وأرسلَ إليه أبو سَلَمة الخلَّال يأمرُه بالخروج من القصر واللَّحاقِ بأسفل الفرات لقلَّةِ مَنْ معَه، وكثرةِ مَنْ مع حَوْثَرَة، ولم يبلغ أحدًا من الفريقين هلاكُ قحطبة. ثم إن أصحاب حَوْثَرَة تسلَّلُوا عنه ودخلُوا الكوفة، فسار إلى ابن هُبيرة وهو بواسط، وكتب محمد إلى قحطبة يأمرُه بالإسراع إلى الكوفة، فقرأه الحسن ابنُه على الناس، وسار فدخلَ الكوفةَ، وسألَ عن أبي سَلَمة الخلَّال، وأتَوْا إليه فاستخرجوه، فخرج فعسكرَ بالنُّخَيلَة يومين، ثم ارتحلَ فنزلَ حمَّامَ أعْيَن، ووجَّهَ الحسنَ بنَ قحطبةَ إلى واسط لقتال ابنِ هُبيرة (١). وقيل: إن الحسن لما سار إلى الكوفة؛ جعلَ يسألُ في الطريق عن منزل أبي سلمة وزيرِ آل محمد ﷺ ، فدلوه عليه، فجاء حتَّى وقفَ على بابه، وخرجَ إليهم فقدَّمُوا له دابَّةً من دوابِّ قحطبة، فركبها، وجاء حتَّى وقَفَ في جَبَّانة السَّبِيع (٢)، وبايعَه أهلُ خراسان، فاستعملَ محمدَ بنَ خالد القسريَّ على الكوفة. وبعثَ الحسنَ بنَ قَحْطَبَةَ إلى واسط لقتال ابنِ هُبيرة في عِدَّةٍ من القُوَّاد، ووجَّه حُميدَ بنَ قحطبة إلى المدائن، وبعث خالد بن بَرْمَك إلى دَيرقُنَّى (٣)، وبسَّامَ بنَ إبراهيم إلى الأهواز وبها عبدُ الواحد بنُ عُمر بن هُبيرة، وخرجَ أبو سَلَمة فعسكر بحمَّام أعين، وأقام محمد الكوفة. وسار بسَّام إلى الأهواز، فخرجَ إليه عبدُ الواحد، واقتتلُوا، فهزمه بسَّام، فلحق عبدُ الواحد بالبصرة وبها سَلْمُ بن قُتيبة الباهليُّ عاملُ يزيد بن [عمر بن] هُبيرة، وكان خارج البصرة سفيانُ بنُ معاوية بن يزيد بن المهلَّب، فكتبَ إليه أبو سَلَمة بعهده على البصرة، وأمرَه أن يُظهر بها دولة (٤) بني العباس، ويدعو إلى الإمام القائم فيهم، وينفي سَلْمَ بنَ قُتيبة، فكتب سفيان إلى ابنِ قُتيبة يُخبرُه بكتاب أبي سلمة، ويأمرُه بالخروج من البصرة،

стр. 5400

فلم يجبه، فجمع سفيان اليمانية وغيرهم، وجمع سَلْم مَنْ كان بالبصرة من مُضر والعرب وبني أمية. وجاء سفيان إلى المِرْبَد، وخرج إليه سَلْم، واقتَتَلُوا، فقُتل [ابنُه] معاويةُ بنُ سفيان، وحُمل رأسُه إلى سَلْم، فأعطى الَّذي جاء به عشرة آلاف درهم (١)، وانهزم سفيان، وهدم سَلْم دور آل المهلَّب، وأقامَ بالبصرة حتَّى قُتل ابنُ هُبيرة، فخرج عنها، وولَّاها السفَّاحُ بعد ذلك سفيانَ بنَ معاوية (٢). وفيها بُويعَ أبو العبَّاس عبدُ الله بنُ محمد السفَّاح بالخلافة، وسنذكره. ولمَّا بُويعَ خرجَ إلى عسكر أبي سَلَمة، فنزلَ في سُرادقه بحمَّام أعين، واستخلف على الكوفة عمَّه داود، وبعث بعمِّه عبد الله إلى أبي عَوْن بشهرزور، وبعث بابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قَحْطَبَة بواسط وهو يُحاصر ابنَ هبيرة، وفرَّق أهلَه في الحجاز ومكة والمدينة (٣). وعزلَ (٤) داود عن الكوفة، وبعثَه إلى المدينة، وولَّاها عيسى بن موسى، وكان عيسى فاضلًا لطيفًا يُدني العلماء ويستشيرُهم، ولقيَ يومًا عبدَ الرحمن بنَ زياد بن أنعم، فقال له: ما منعك من إتياني؟ فقال: وما أصنعُ عندك؟ إنْ أَدْنَيتَني فَتَنْتَني، وإن أبعَدْتَني أحْزَنْتَني، وليس عندي ما أخافُك عليه، وما عندك ما أرجوه. فسكت (٥). وعِيب على السفَّاح تفرقة أهله عنه في هذا الوقت. وفيها كانت وقعة الزَّاب وهزيمة مروان.

стр. 5401

قد ذكرنا أن أبا عون عبدَ الملك بن يزيد الأزديّ -وقيل: عبد الله- نزل شهرزُور، وأن مروان سار ببني أمية، فنزلَ الموصل. وفي رواية أنَّ مروان أقبلَ من حرَّان، فنزلَ منزلًا في طريقه وقال: ما اسمُ هذا المنزل؟ قالوا: بَلْوَى. فقال: لا، بل بُشْرى وعَلْوَى. وسار حتَّى أتى الموصل، وجاء أبو عَوْن فنزلَ الزَّاب، وجهَّز إليه أبو العباس القُوَّادَ في تسعة آلاف فارس، وقال: مَنْ يسيرُ إلى مروان من أهل بيتي؟ فلم يُجبه أحد، فأعادَ القولَ، فلم يُجبه أحد، فيقال: إنه قال: من سار إليه فهو الخليفة من بعدي. فقال عمُّه عبدُ الله بن علي: أنا. قال: سِرْ على بركة الله. فسارَ حتَّى قَدِمَ على أبي عَوْن فتحوَّل له عن سُرادقه، فنزلَ به. وجاء مروان فنزل على الزَّاب والعسكران متقابلان. فسأل عبدُ الله عن مخاضة فدُلَّ عليها، فأمرَ عبدُ الله عُيينةَ بنَ موسى، فعبرَ إلى عسكر مروان في خمسة آلاف، فاقتتلُوا إلى الليل، ورُفعت النيران، وتحاجزوا، ورجع عُيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله. وأصبح مروان، فعقد الجسر، وبعث عبدُ الله جماعة، فهزمهم عسكرُ مروان، وعبَرَ إليه عبدُ الله بنُ عليّ وعلى ميمنته أبو عَوْن، وعلى ميسرته عبدُ الله الطائي، فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إنْ زالت الشمس اليومَ ولم يقاتلونا كنَّا الذين ندفعُها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبلَ الزوال فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. وأرسلَ مروان إلى عبد الله يسألُه المُوادعة لينظرَ في أمره، ففطن عبدُ الله، فقال: كذبَ ابنُ زُريق (١)، لا تزولُ الشمس حتَّى أوطئَه الخيل إن شاء الله تعالى (٢). وقال هشام: قطع عبد الله بنُ عليّ الزَّاب في اثني عشر ألفًا، وقيل: في عشرين ألفًا، وكان مروان في سبعين ألفًا، وقيل: في مئة وخمسين ألفًا.

стр. 5402

وقال الحسين بن الفهم: عمل السفَّاح بيتين وقال لرجل: إذا التقى الجمعان؛ فاصْعَدْ على رأس جبل، وأنشدهما، ففعل الرجل، وهما: يا آلَ مروانَ إنَّ اللهَ مُهْلِكُكُمْ … ومُبْدِلٌ أَمْنَكُمْ خَوْفًا وتَشْرِيدا لا عمَّرَ اللهُ من أولادِكُمْ أحدًا … وبَثَّكُمْ في بلاد الخَوْفِ تَطْرِيدا فلما سمع ذلك أهل الشام انزعجوا، وارتاع مروان (١). وقال هشام: كان السببُ في خِذْلان مروان أنَّ بني أمية كانوا يعتمدون على قحطان، فأخَّرهم مروان وقدَّم عليهم أعداءهم. وقال مروان: لا تَبْدؤوهم بقتال، وجعل يُراعي الشمس، فحمل الوليد بنُ معاوية بن مروان -وكان ختن مروان على ابنته- فغضبَ مروانُ عليه وشَتَمه، فكشفَ الوليدُ ميمنةَ عبدِ الله، فانحازَ أبو عَوْن إلى عبدِ الله، فصاح عبدُ الله: الأرضَ الأرضَ. وترجَّلَ وأشرعوا الرِّماح، وجَثَوْا على الرُّكَب، وقال عبدُ الله: يا ربّ، إلى متى نُقتلُ فيك؟ فصاح أهلُ خراسان (٢): يا محمد، يا منصور (٣). وقال مروان لقُضاعة: انزلوا. فقالوا: قُلْ لبني سُليم فلينزلوا. فقال للسكاسك: احملوا. فقالوا: قُلْ لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السَّكون، فقالوا: قل لغَطَفان. فقال لصاحب شُرطته كوثر بن الأسود الغَنَوي: انزل. فقال: لا والله، ما كُنْتُ لأجعلَ نفسي غَرَضًا. فقال: أما واللهِ لأَسُوءَنَّك. فقال: واللهِ وَدِدْتُ أنك تقدر على ذلك. وانهزم أهلُ الشام، فانهزم مروان (٤). وقال أبو اليقظان: نزل ليبول وتحته فرسٌ أشقر وأمسك عِنانَه بيده، ولم يأمن عليه أحدًا، فانقطع العِنان، فأُفلت الفرس، فرآه أهلُ الشام فقالوا: قُتل مروان. فانهزمُوا، وفيه يقول بعضهم: ببَوْلَة زالت دولة.

стр. 5403

وقطع مروان الجسر، فكان من غرق يومئذٍ أكثرَ ممن قُتل، وكان فيمن غرق يومئذٍ إبراهيم بن الوليد المخلوع. ووقف عبدُ الله بن علي على الزَّاب، واستخرجَ ممَّن غرق ثلاث مئة وقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] وعقد عبدُ الله الجسر (١). وقال الهيثم: منذ لقيَ مروان أهلَ خراسان ما كان يُدير شيئًا إلا انقلبَ عليه. ولما التقى بأهل خراسان بسط الأنطاع، ونثرَ عليها المال، فمال الناس إليه، فقيل له: شغلتَهم بالمال عن القتال! فأرسلَ ابنَه عبدَ الله وقال: مَنْ أخذَ منه شيئًا فاقتُلْه. فظنَّ الناسُ أنها الهزيمة، فانهزموا (٢). وغنم عبدُ الله بنُ عليّ عسكرَ مروان بما فيه (٣). وكانت وقعة الزَّاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومئة (٤). وقال بعضُ ولد سعيد بن العاص يُعَيِّرُ مروانَ وينشد: لَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ … عادَ الظَّلُومُ ظليمًا هَمُّهُ الهَرَبُ ماذا (٥) الفِرارُ وتَرْكُ المُلْكِ إذْ ذهَبَتْ … عنك الهُوَينَى فلا دينٌ ولا حَسَبُ وكتب عبدُ الله إلى السفَّاح بالفتح (٦). وجاء مروان إلى الموصل، فمنعوه الدخول، فقيل: ويحكم هذا مروان! قالوا: كذبتُم، مروان لا يهرب. فسار إلى حرَّان (٧).

стр. 5404

وقال إسماعيل بن عبد الله القسريّ: دعاني مروان، فقال لي: يا أبا هاشم -وما كنَّاني قبلها-: ما تقول؟ فأنتَ الموثوقُ به، ولا عِطْرَ بعدَ عروس. فقلت: علامَ أجمعتَ يا أمير المؤمنين؟ فقال: أرتحلُ بمواليَّ وأهلي ومن تبعني، وأقطعُ الدَّربَ، وأنزلُ ببعض مدائن الرّوم، وأكتبُ إلى قيصر وأستوثقُ منه، وما ذاك بعار، قد فعلَه قبلي غيري من الأعاجم، ولا يزال يأتيني الفارُّ والطامع حتَّى يكشفَ الله أمري وينصرَني على عدوِّي. فلما رأيتُ ما أجمعَ عليه -وكان هو الرأي- ولكني رأيتُ بلاءه في نزار (١) وآثاره فيهم، فقلتُ: أُعيذُك بالله من هذا الرأي أن يحكمَ فيك وفي بناتك وحُرُمِك وأهلِ بيتك أهلُ الشِّرك، ولو حدثَ بك حادثٌ؛ ضاعَ من معك، ولكن اقطع الفرات، ثم استَنْفِرْ أهلَ الشام جندًا جندًا، فإن لك في كل بلدة عُدَّةً (٢) وصنائع، يسيرون معك، فإن استظهرتَ، وإلا مضَيتَ إلى إفريقية، فهي بلادٌ واسعة. فقال: هذا هو الرأي. فلما قطع مروان الفرات؛ لم يتبعه من قيس إلا رجلان: الكوثر بن الأسود الغَنَويّ، وابن جذيمة (٣) السُّلَميّ، وكان أخا مروان من الرَّضاعة، ولم ينفع مروانَ عصبيَّتُه للنِّزاريَّة شيئًا، بل غدرُوا به وخانوه وخذلوه، وكلما اجتاز ببلدٍ هم فيه؛ نهبُوه لمَّا رأَوا من إدبار الأمر عنه، فحينئذٍ علمَ أنَّ إسماعيل غَشَّه (٤). وقال مروان وهو منهزم لخادمه بَسِيل -وكان حازمًا-: يا بَسِيل، واأَسَفَى على دولةٍ ما نُصِرَتْ، ويدٍ ما ظَفِرَتْ، ونعمةٍ ما شُكِرَتْ! فقال له الخادم: مَنْ أمَهَلَ الصغير حتَّى يَكْبَر، واليسيرَ حتَّى يكثر، والخفيَّ حتَّى يظهر؛ أصابَه مثلُ هذا. فقال مروان: إذا انقضت المدَّة لم تنفع العُدَّة (٥)، وأنشد: إذا أقبلَتْ كانت تُقادُ بشعرةٍ … وإن أدْبَرَتْ مَرَّتْ تَقُدُّ السَّلاسِلا

стр. 5405

وكان مروان يهمل الأمور الحقيرة، ولا ينظر في عاقبة. قال هشام: ولما جاء عبد الله بن عليّ من الزَّاب إلى الموصل وعليها هشام بن عَمرو التغلبي؛ فتح له الأبوابَ، فدخل. وجاءه كتاب أبي العباس يأمرُه باتباع مروان، فسار خلفَه إلى حرَّان، فأخذ مروانُ أهلَه وعياله وأولادَه وأمواله، وقتلَ عبدَ الله بن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم الإمام على ما يُذكر إن شاء الله تعالى (١). وخلَّف مروانُ بحرَّان صهره أبان بن يزيد، فخرج إلى عبد الله طائعًا، فأمَّنَه وكلَّ مَنْ كان بحرَّان والجزيرة (٢). وكان لمروان بحرَّان قصرٌ قد غرم عليه عشرة آلاف درهم، فاحتوى عبدُ الله على ما فيه من خزائن مروان، ثم هَدَمَه (٣). وأمَّا مروان فإنه لما قطعَ الفرات ومرَّ بقنَّسرين وحمص والعواصم، ورأَوْا قلَّة مَنْ معه؛ طمعوا فيه، ونهبُوه، وجاء إلى دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان ختنُ مروان على ابنته -وكان قد بعثه مروان بعد يوم الزَّاب بين يديه إلى دمشق- فخلَّفَهُ مروانُ بها، ثم مضى إلى فلسطين (٤). وسار عبدُ الله بنُ علي من حرَّان حتَّى قطع الفرات، ولحقه عبدُ الصمد [بن علي]؛ أمدَّه به السفاح (٥) في أربعة آلاف، فالتقاه أهلُ قِنَّسْرِين والعواصم وحمص طائعين، وجعل طريقَه على بعلبكّ، وجاء إلى دمشق على عين الجر ونزل المِزَّة، وقدم عليه صالحُ بنُ علي من عند السَّفَّاح في ألفين -وقيل: في ثمانية آلاف- فنزل مَرْجَ العَذْراء (٦).

стр. 5406

ذكر حصار دمشق: نزل عبدُ الله بنُ عليّ على الباب الشرقيّ، وصالحُ [بن علي] على باب الجابية، وأبو عَوْن على باب كيسان، وبسامُ بنُ إبراهيم على الباب الصغير، وحُميد بنُ قحطبة على باب توما، والعبَّاس بن يزيد على باب الفراديس، وقيل: نزل عليه عبد الصمد (١)، وبدمشق يومئذ خمسون ألف مقاتل، فحصرهم عبدُ الله بنُ علي يومَ الاثنين والثلاثاء، ووقعت الفتنة بينهم بدمشق، فقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وقُتل الوليدُ بنُ معاوية، وفُتحت يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان (٢). وقيل: إنما فَتَحَت الأبواب القحطانيةُ؛ لبسوا السَّواد، ووقعوا في المُضَريَّة، فقتلُوا منهم خلقًا كثيرًا (٣)، وأباحَها عبدُ الله ثلاث ساعات، وعلت الوايات السود على سورها. وقال ابن عساكر (٤): جعل عبدُ الله بنُ علي جامِعَها سبعين يومًا إصطبلًا لدوابِّه وجِماله وقتلَ على سورها أربعةَ آلاف. وقال (٥): أمرَ السَّفَّاح عمَّه صالح [بن علي] بالمسير إلى دمشق في البعوث التي بعثَها من أهل الكوفة وخُراسان ليحاصرَ دمشق مع أخيه عبد الله [بن علي] وكان صالحٌ أكبرَ منه، فسار على السَّمَاوة في ثمانية آلاف، فنزلَ مَرْجَ العَذْرَاء ومعه القُوَّاد: بسَّام بن إبراهيم، وأبو شَرَاحِيل صاحبُ حرسه، ويزيد بن هانئ وهو على شرطته، وغيرهم، ونزل عبدُ الله بنُ عليّ دمشق في أيَّام بقين من شعبان. وقدم صالح، فنزل على باب الجابية، ونزل أبو عَوْن بباب كَيسان، وبسَّام بالباب الصغير، ونزل حُميد بن قحطبة بباب الفراديس، ونزل العبَّاس بن زُفَر بباب تُوما، ونزل عبد الصمد [بن علي ويحيى بن جعفر] على باب الفراديس الآخر المسدود، ونزل عبد الله بنُ عليّ على باب شرقيّ " وبدمشق يومئذ خمسون ألف مقاتل، وفيها الوليد بن معاوية بن

стр. 5407

عبد الملك بن مروان، فحصَرُوا دمشق أقلَّ من شهرين، وقاتلُوهم من الأبواب كلِّها وألقى اللهُ العصبيَّة بين اليمانيَّة والمُضَريَّة، فقتل بعضُهم بعضًا، ثم تسوَّرَ أهلُ الكوفة عليهم بُرجًا من أبراجها، فافتتحوها عَنْوَةً، وقُتل الوليد، وأمر عبدُ الله بقلع حجارة سور دمشق، فقُلعَتْ حجرًا حجرًا بعد أن أثخنَ في القتل، وأباحَها ثلاث ساعات (١). وذكر ابنُ عساكر أيضًا (٢) أن أهل دمشق بعثوا قاضيَهم يحيى بنَ يحيى الغَسَّانيَّ ليأخذَ لهم أمانًا، فأجابَه عبدُ الله، وبلغَ الصوتُ أهلَ دمشق بالأمان، ونادى مناديه بذلك، فخرج من المدينة ناسٌ كثير وأصعدوا إليهم من المُسَوِّدة خلقًا كثيرًا، فقال يحيى لعبد الله: اكتُبْ لنا كتابَ أمان بالذي جعلتَ لنا. فأخذ عبد الله الدَّواة والقرطاس ليكتب، فحانَتْ منه التفاتةٌ، فرأى المُسَوِّدة قد غشيت حائط السُّور، فتوقَّف وقال: أما ترى قد فتحناها عَنْوةً؟ فقال: لا والله، بل غدرًا؛ لأنك أعطيتَهم الأمان، فخرجَ منها مَنْ خرج، وصَعِدَ إليها من صَعِد، فإن كان كما تقول؛ فارْدُدْ رجالك عنها، وارْدُدْ إلينا مَدِينتَنا. فقال له عبدُ الله: لولا ما أعرفُ من مودَّتك لنا أهلَ البيت لما استقبلتَني بهذا، فقال له يحيى: أنتَ واللهِ من بيت الرحمة والرأفة، وقرابتُك من رسول الله ﷺ ما تزيدُك إلا رحمةً وتعظيمًا. وكان على يحيى ثوبٌ أبيض، وجميعُ الناس عليهم السَّواد، فقال عبد الله: اذهبوا به إلى حُجرتي خوفًا عليه، وبعث بعَلَم إلى دار يحيى، فركزُوه عليها وقال: من دخلَ دارَ يحيى فهو آمِن. فسلمت دارُه وما وَالاها. ذكر نبشه قبور بني أمية: قال محمدُ بنُ سليمان النَّوْفَليُّ (٣): كنتُ مع عبد الله بن عليّ لما نَبَشَ القبور، فأوَّلُ ما نبش [قبرُ] معاوية بن أبي سفيان، فلم يجد فيه إلا خطًّا أسود مثل الهَبَاء، ووُجد في قبر عبد الملك جمجمة (٤)، وكان يوجد في القبر العضو بعد العضو إلا هشامَ بنَ عبد الملك،

стр. 5408

فإنه وُجد صحيحًا؛ لم يَبْلَ منه إلا أرنبةُ أنفه، فضربه بالسياط وصلبَه أيَّامًا، ثم حرقه وذرَّه في الرِّيح (١) كما فعل يزيد بن عليّ، وكان هشام قد ضرب أخاه محمدًا سبع مئة سَوْط. وقال عُمر بن هانئ (٢): لم يجد في قبر معاوية شيئًا أصلًا، ونبشَ قبر يزيد بن معاوية بِحُوَّارِين، فوَجد فيه خطًّا من رماد بطول القبر، واستخرجَ سليمان من دابق، فوجد بعضَه صحيحًا، فَحَرَقه وتتبَّع القبور، فما وجدَ فيها من العظام حَرَقَهُ (٣). فعابَتْ عليه امرأةٌ من دمشق وقالت: يا ويح عبد الله! إنَّ الشَّاةَ لا يضرُّها السَّلْخُ بعد الذَّبْح. ذكر مسير عبد الله إلى فلسطين: سار عبدُ الله [بن علي] يطلبُ مروان، فنزل بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العبَّاس أن يُوجِّهَ صالحَ بنَ عليّ خلفَ مروان، فسار صالحٌ من نهر أبي فُطْرُس في جماعة من القُوَّاد إلى مصر، فيهم أبو عَوْن، وذلك في ذي الفَعْدة، وعبد الله نازلٌ على نهر أبي فُطْرُس -وهو نهرٌ بالرَّمْلة، ولا يُعرفُ اليوم- فقَتَلَ على النهر من بني أمية اثنين وسبعبن رجلًا (٤). قال ابنُ عساكر (٥): تتبَّع عبدُ الله [بن عليّ] أولاد الخلفاء، فأخذَ منهم سبعين، فقتلهم وجعلَ عليهم الموائد وهو يأكلُ ويسمعُ أنينَهم ولا يرقُّ، والناس يبكون. وقال المُبَرِّد (٦): دخل شِبْلُ بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله [بن علي] وقد أجلسَ ثمانين رجلًا من بني أمية على موائد (٧) الطعام، فَمَثَل قائمًا بين يديه وقال: أصبح المُلْكُ ثابتَ الآساسِ (٨) … بالبهاليلِ من بني العبَّاسِ

стр. 5409

طلبُوا وتْرَ هاشمٍ فشَفَوْهُ (١) … بَعْدَ مَيلٍ من الزَّمان وياسِ لا تُقِيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثارًا … واقْطَعَنْ كلَّ رَقْلَةٍ وأَواسي (٢) ذُلُّها أظهَرَ التَّوَدُّدَ منها … وبِها منْكُمُ كحزِّ المواسي ولقد غَاظَني وغاظَ سَوَائي (٣) … قُرْبُهُمْ من نَمارقٍ وكَراسي أنْزِلُوها بحيثُ أنْزَلَها اللهُ … بدارِ الهَوَانِ والارْتكاسِ (٤) واذكرُوا مَصْرَعَ الحسينِ وزيدٍ (٥) … وقتيلًا بجانب المِهْرَاسِ والقتيلَ الذي بحرَّانَ أضحى (٦) … ثاويًا بين غُرْبَةٍ وتناسي نِعْمَ شِبْلُ الهِراشِ مَوْلاك شِبْلٌ … لو نَجا من حبائلِ الإفلاسِ فأمر بهم عبدُ الله فشُدخوا بالعُمُد، ثم بُسِطَتْ عليهم البُسُط، ودعا بالطعام، وجعلَ يأكلُ ويسمعُ أنينَهم حتى ماتوا جميعًا. ثم قال للشاعر: لولا أنك خلطتَ كلامَك بالمسألة؛ لأغْنَمْتُكَ أموالهم، ولَعَقْدتُ لك على جميع موالي بني هاشم (٧). وقيل: لم يقتلهم لقول الشاعر، وإنما جاءه الخبر بأنَّ الشام قد انتقضَ عليه، وأنَّ أبا الورد والسُّفيانيَّ قد ثاروا وثار معهم (٨) بنو أمية، فخاف عبدُ الله على نفسه، فقتلَهم. وقال الهيثم: جمعَهم عبدُ الله ليفرضَ لهم العطاء، فقتلَهم.

стр. 5410

وأما صالح بن علي؛ فقدَّم بين يديه أبا عَوْن، وكان مروان بالفَرَمَا (١)، ووصل صالح إلى العَرِيش، فأحرقَ مروانُ ما كان معه من طعام وعَلَف، وسارَ حتى قطعَ النيل، وأغرق الجسور (٢)، ونزلَ بِبُوصِير، فجاءه فقتلَه لما يُذكر في ترجمته إن شاء الله تعالى. وفيها خلعَ أبا العبَّاس بالشام والجزيرة جماعةٌ، منهم أبو الوَرْد مجزأة بن الكوثر بن زُفر بن الحارث الكلابيّ، وكان من قوَّاد مروان، فلما انهزم كان أبو الوَرْد بقِنَّسْرِين، فلمَّا مرَّ به عبدُ الله [بن علي] بايعَه، وكان ولد مَسْلَمة بن عبد الملك مقيمين ببَالِس والنَّاعورة، مجاورين لأبي الوَرْد، فقَدِمَ قائدٌ من قُوَّاد عبدِ الله في مئة وخمسين فارسًا عَلى ولد مسلمة، فبعث (٣) بهم، ونزلَ في حصن مسلمة، فأرسلُوا إلى أبي الوَرْد يسألونه، فغضب، وسار إلى القائد، فقتلَه ومَنْ معه، وخلع أبا العبَّاس، ولبسَ البياض، ودَعَا أَهلَ قِنَّسْرِين إلى ذلك، فأجابوه، وأبو العباس يومئذ بالحِيرة، وعبدُ الله بالبَلْقاء يحاربُ حبيب (٤) المُرِّيّ، فإنه خرجَ على عبد الله لما قتل بني أمية، وقاتلَه. فلمَّا بلغ عبدَ الله خبرُ أبي الورد صالحَ حبيبًا وأمَّنَهُ ومن معه، ورجعَ إلى دمشق، فخلَّف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعيّ الطائي (٥) في أربعة آلاف، وخلَّف امرأتَه أمَّ البنين بنت محمَّد بن عبد المطلب النوفلية وأمهاتِ أولاده وثَقَلِه، وسار يطلبُ قِنَّسْرِين. فلما بلغَ حمصَ انتقضَتْ عليه دمشق، وثارَ أهلُها مع عثمان بن عبد الأعلى بن سُراقة الأزديّ، وقاتلوا أبا غانم، فهربَ، فنهبوا ثَقَلَ عبدِ الله، ولم يتعرضوا لأهله، وسارَ عبدُ الله إلى أبي الوَرْد ومعه أخوه عبد الصمد، فكانوا في عشرة آلاف، وأبو الوَرْد في أربعين ألفًا من أهل قِنَّسْرِين وحمص وتدمر، وقدَّموا عليهم أبا محمَّد بن زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية -وقيل: هو زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية (٦)، وقيل: زياد بن عبد الله بن

стр. 5411

معاوية، وقيل: هو العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية- وقالوا: هذا هو السُّفياني الذي وُعدنا به في الملاحم، وكان أبو الورد متولِّي الأمر. والتَقَوْا بمَرْج الأَخْرم، ومع عبد الله أخوه [عبدُ الصمد، و] (١) حُميد بن قحطبة، وجماعة من القُوَّاد، واقتتلُوا أيَّامًا، وفي كلِّ يوم يظهر عليهم أبو الوَرْد ويكشفُهم، فكان آخِرُ أمرهم أنَّ عبدَ الله ومَنْ معه استقتلُوا، وكذا أبو الوَرْد ثبت في خمس مئة من أهله وفرسانه، فكانت الدَّبَرَة على أبي الوَرْد، فقُتل هو والخمسُ مئة، وهربَ السُّفْياني ومَنْ معه من الكلبيَّة إلى تدمر، وأطاع أهلُ قِنَّسْرِين عبدَ الله وبايعوه، وعاد عبدُ الله إلى دمشق، فلم يقاتلوه، فأمَّنهم، وبايعوه، ولم يؤاخذهم بما كان منهم. وهرب السُّفياني من تدمر إلى الحجاز، فبعثَ إليه زيادُ بنُ عُبيد الله (٢) الحارثيُّ خيلًا فقاتلوه فقتلُوه وأخذُوا ابنَينِ له أسيرين وبعث زياد برأس أبي محمَّد وابنَيه إلى أبي جعفر في خلافته، فأمرَ بتخليتهما ولم يقتلهما (٣). وكانت وقعةُ أبي الوَرْد يومَ الثلاثاء آخر ذي الحجة (٤). وقيل: جُرحَ أبو الوَرْد، فحُمل إلى أهله فمات (٥). وقال البلاذُريّ (٦): كان ببالِس ابنةٌ لمسلمة بن عبد الملك، فخطبَها عاملٌ لعبد الله بن عليّ من أهل خُراسان، فتعلَّلَتْ عليه ومَاطَلَتْه، وكتبَتْ إلى أبي الوَرْد تستجيرُ به، فخرج أبو الوازع أخو أبي الوَرْد في جماعة، فأتَوْا بالِس والعاملُ في الحمَّام، فدخلُوا عليه فقتلُوه، ولحقَ بهم أبو الوَرْد، ودعا الناس، فأجابوه من قيس وغيرها سبعةُ آلاف (٧).

стр. 5412

وبلغ السفيانيَّ، فتداخلَه الطمع وقال: أنا الموعودُ به في الملاحم أنه يَرُدُّ دولةَ بني أمية، فنزل دَير حنينا، ووافقَه أبو الورد. وبلغَ عبدَ الله وهو بنهر أبي فُطْرُس، فقَتَلَ جميع من كان معه من بني أمية ومن يهوَى هواهم، ووجَّه عبدَ الصمد إلى السُّفياني في سبعة آلاف وهو بقِنَّسْرِين، فاقتتلوا، فانهزمَ الناسُ عن عبد الصمد حتى أتَوْا حمص، وعاد عبد الصمد، فنزلَ على أربعة أميال منها، وجاء عبد الله من الأردنّ (١)، فاجتمع ناحية، وجاء السُّفياني إلى مَرْج الأخرم وعلى ميمنته أبو الورد، وعلى ميسرته الأصبغ بن ذُؤالة الكلبي، واقتتلوا، فانهزم أبو الوَرْد وجُرح، فمات قبل أن يصل إلى أهله، وهربَ السُّفياني في البرِّيَّة حتى أتى المدينة وعليها زياد بنُ عُبيد الله الحارثي، فاختبأ في دار، فأخرجوه منها، فقاتل، فقتلوه وقتلوا ابنَه وصلبوهما (٢). وقيل: إنما قُتل السفيانيّ في أوَّل خلافة المنصور (٣). وفيها خلعَ أهلُ الجزيرة أبا العباس وبَيَّضُوا لمَّا بلغهم خروجُ أبي الوَرْد والسُّفيانيّ، وكان بحرَّان يومئذ موسمى بنُ كعب في ثلاثة آلاف، فحصروه، وقدم عليهم إسحاق بنُ مسلم (٤) من أرمينية -وكان من عمَّال مروان- فقدَّمَه أهلُ الجزيرة عليهم، وأقاموا يقاتلون موسى بن كعب نحوًا من شهرين، فبعث أبو العبَّاس أخاه أبا جعفر، فجعل طريقه على الفرات، فغلَّق أهلُ قَرْقيسيا والرَّقة والبلاد الفراتيَّةُ الأبواب في وجهه، ولبسوا البياض، فلمَّا وصلَ إلى حرَّان سار إسحاق إلى الرُّها -وقيل: كان هذا في سنة ثلاث وثلاثين ومئة- وقاتلَهم أبو جعفر، فهزَمَهم، وخرج إليه موسى بنُ كعب، وجاء بكَّار بن مسلم (٥)، فانضمَّ إلى أخيه إلممحاق بالرُّها، ومضى إسحاق إلى سُمَيسَاط، وأقام بكَّار بالرُّها، وجاء إليه أبو جعفر فقاتلَه، فكانت بينهم وقعات.

стр. 5413

وكتب أبو العبّاس إلى عمِّه عبد الله [بن علي] أن يسير (١) إلى إسحاق بسُمَيسَاط، وإسحاقُ وأخوه بكَّارٌ في ستين ألفًا، فأقاموا وبينهما الفرات، ثم إن إسحاق راسلَ عبدَ الله وأبا جعفر، وطلبَ الأمان له ولمن معه، فأجاباه إلى ذلك (٢). وقيل: إنما صالحَ بعد سبعة أشهر لمَّا علمَ أنَّ مروانَ قُتل، وكان يقول: في عنقي بيعة له، فكيف أنكثُها؟! فلما قُتل مروان؛ صالحَ أبا جعفر، وخرجَ إليه، فكان عندَه من أعظم أصحابه عاليَ المنزلة (٣). واستقام الشام (٤) والجزيرةُ لأبي العبَّاس ووَلَّى أخاه المنصورَ الجزيرةَ وأذربيجان وأرمينية، فلم يزل عليها حتى وليَ الخلافة (٥). وفيها بعث أبو العبّاس أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم يستطلعُ رأيَه في قتل أبي سَلَمة حفص بن سليمان الخلَّال، ويذكُر له ما كان من قصده عند قدوم بني العبَّاس الكوفة. وكان جلسَ السَّفَّاح ذاتَ ليلة بعد ما ظهر على الشام والجزيرة وعنده أخوه أبو جعفر وأهلُه، فتذاكروا ما فعلَ أبو سَلَمة، فقال واحدٌ منهم: وما يُدريكم لعلَّ ذلك عن رأي أبي مسلم؟ فقال أبو العباس: إنْ كان ذلك عن رأيه؛ فإنَّا نتوقَّعُ بلاءً إلا أن يدفعَه الله عنَّا. ثم قال أبو العباس لأخيه أبي جعفر: ليس أحدٌ منا أخصَّ بأبي مسلم منك، فاخْرُجْ إليه، واسْتَعْلِمْ رأْيَه، فما يخفى عليك؛ فإن كان عن رأيه احْتَلْنا (٦) لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابَتْ نفوسنا. قال أبو جعفر: فخرجتُ إليه وأنا وَجِلٌ، فلما انتهيتُ إلى الرَّيّ؛ إذا بكتاب أبي مسلم يقول لعامل الرَّيّ: قد بلغَني أنَّ عبدَ الله بنَ محمَّد قد توجَّه إليك، فإذا قدم فأشْخِصْه إليَّ ساعة يَقْدَم. فأتاني العاملُ فأخبرني، وأمرَني بالرَّحيل، فازْدَدْتُ وَجَلًا، وسِرْتُ وأنا خائف.

стр. 5414

فلما ورَدْتُ نيسابور؛ إذا كتابُه قد وردَ على عاملها بمثل ذلك؛ إلا أنه يقولُ فيه: إذا قدم عليك فأشْخِصْهُ ساعةَ يَقْدَم، ولا تدعه يُقيم، فإنَّ أرضَك أرضُ خوارج، ولا آمنُ عليه. فطابت نفسي وقلت: أراه يُعْنَى بي. فلما كنتُ على فرسخين من مَرْو تلقَّانى أبو مسلم في الناس، فلما رآني ترجَّل ومشى إليَّ وقبَّل يدي، فقلت له: اركب. فركْبَ، وأنزلَني دارًا بمَرْو، وأقمتُ ثلاثًا لا يكلِّمُني، وقال لي في اليوم ائرابع: ما الذي أقدمَك؟ فأخبرتُه، فقال: أوَفعلَها أبو سَلَمة؟! أنا أكفيكُمُوه. ودعا مرَّار بنَ أنس الضَّبِّيّ، وقال: انطلق إلى الكوفة فاقْتُلْ أبا سلمة حيث لقيتَه، وانته في ذلك إلى رأي الإِمام. فقدم الكوفةَ وقعدَ له في طريقه، فقتلَه ليلًا، وقالوا: قتَلَتْه الخوارج. وكان أبو مسلم يأتي أبا جعفر في تلك الأيام، فينزل على باب الدار، ويجلس في الدِّهليز ويقول: استأذنوا لي على أبي جعفر. فكان أبو جعفر يقول لغلمانه: إذا جاء فافتحوا له الباب، وليدخل على دابَّته. فعرفه الغلمان، فقال: لا بدَّ من الإذْن (١). وفي رواية: أنَّ أبا العبَّاس كتب إلى أبي مسلم يخبرُه بما كان عزمَ عليه أبو سَلَمة من الغشّ، فكتب إليه: إنْ كان أمير المؤمنين قد اطَّلع على ذلك منه فَلْيَقْتُلْهُ، فقال داود بن عليّ لأبي العبَّاس: لا تفعل، فيحتجَّ عليك به أبو مسلم وأهلُ خراسان، ولكن اكتُبْ إليه ليتولَّى هو أمْرَ قَتْلِه. فكتب إليه، فأرسلَ إليه، فقتلَه، وسنذكرُه إن شاء الله (٢). وقيل: لما قُتل أبو سَلَمة؛ بعث أبو العبَّاس أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم في رجال من الشيعة، فيهم الحجّاج بن أرطاة، وإسحاق بن الفضل الهاشمي، فقوموا عليه بخُراسان، فركب أبو جعفر يومًا، وسايَرَه سليمانُ بنُ كثير وعُبيد الله بن الحسن الأعرج، فقال له سليمان: يا أبا جعفر، إنَّا كنَّا نرجو أن يتمَّ أموكم، فإذا تمَّ (٣) فادعونا

стр. 5415

إلى ما تريدون (١)، وإن شئتم قلبناها عليه، فظنَّ أبو جعفر أنه دسيس، وخاف، وجاء عبد الله، فأخبز أبا مسلم (٢)، فدعا [أبو مسلم] سليمان وقال له: أليس الإِمام كتب إليَّ: من اتَّهَمْتَه فاقْتُلْه؟ قال: بلى. قال: فإني قد اتَّهَمْتُك. فقال: أَنْشُدُكَ الله. فقال: اقْتُلُوه، فضربُوا عُنُقَه (٣)، وقتل ابنَه محمدًا (٤). فلما رجع أبو جعفر قال لأخيه: لستَ أنتَ الخليفة، وإنَّما الخليفةُ أبو مسلم. قال: وكيف؟ قال: واللهِ ما يصنعُ إلا ما أراد. وأخبره بقتله سليمان (٥). وقال الهيثم: لمَّا قدم أبو جعفر على أبي مسلم ليُهَنِّئهُ بظهور الإِمام وما فتحَ اللهُ على يديه وأنَّ أَثَره عند الإِمام جميل؛ لم يُكرمهم، ولم يخرج إلى لقائهم، وحَجَبَهم على بابه ثلاث ساعات، ولم يخاطب أبا جعفر بالإمرة، بل: يا أبا جعفر، فحقدَها عليه، فلما عاد إلى أخيه قال له: لا مُلْك لك ولا سلطان حتى تَقتلَ أبا مسلم، فقد تَعَدَّى العبدُ طَوْرَه. فقال له: اسكت، لا يسمع هذا القول منك أحد. وكان السفاح عاقلًا (٦). وفيها بعث السَّفَّاح أخاه أبا جعفر إلى واسط لقتال [يزيد بن عمر] بنِ هُبيرة، وكان الحسنُ بنُ قحطبة محاصرًا له، وقد خَنْدَقَ يزيدُ عليه، وكان معن بن زائدة من قُوَّاده. وكتبَ أبو العباس إلى الحسن: إنَّما بعثتُ أخي إليك ليسكنَ الناسُ إليه ويثق ابنُ هُبيرة بأمانه إنْ طلبَ الأمان، والأمرُ أمرُك، والتدبيرُ إليك (٧).

стр. 5416

فلما قدم أبو جعفر تَحوَّلَ له الحسن عن سُرادقه فأنزله فيه، وأقاموا يقتتلون أيَّامًا، وثبتَ مَعْنُ بنُ زائدة مع ابنِ هُبيرة، وطال الحصارُ عليهم (١). وكان أبو جعفر يقول: ابنُ هبيرة يُخندقُ عليه مثل النساء. وبلغَ ابنَ هُبيرة، فأرسلَ إليه: أنتَ القائل كذا وكذا؟ ابرُزْ إليَّ لترى. فأرسلَ إليه أبو جعفر: ما أجدُ لي ولك مَثَلًا إلا كأسد لَقِيَ خنزيرًا، فقال له الخنزير: بارِزْني. فقال الأسد: ما أنتَ لي بكُفْء، فإنْ بارزتُك فنالني منك سوء؛ كان عارًا، وإنْ قتلتُك قتلتُ خنزيرًا، فلم أحصل على حَمْد، ولا في قتلك فخر، فقال: لئن لم تُبارزني لأُعَرِّفَنَّ السباع أنك جَبُنْتَ عني. فقال الأسد: احتمالُ عارِ كذبِك أيسرُ من تلطيخ ترابي بدمك (٢). ثم إنه كاتبَ القُوَّاد (٣) وفيهم ابنُ هُبيرة، فطلبَ الصُّلْح، فأجابَه أبو جعفر وكتبوا كتاب الصلح والأمان، وبعثه أبو جعفر إلى أبي العباس فأمضاه، وكتب فيه: فإنْ غَدَرَ ابنُ هبيرة، أو نكثَ، فلا عَهْدَ له ولا أمان (٤). وكان من رأي أبي جعفر الوفاء له، وكان أبو العبَّاس لا يقطعُ أمرًا دون أبي مسلم، وكان أبو مسلم قد جعلَ أبا الجهم عينًا له على أبي العبَّاس، فشاور أبا مسلم في ابنِ هُيبرة فقال: اقْتُلْه (٥). ولمَّا عاد أبو جعفر من واسط؛ مضى إلى الجزيرة، فأقام بها. ووَلَّى أبو العبَّاس أخاه يحيى بنَ محمَّد على الموصل، وعزلَ عمَّه داود [بن علي] عن الكوفة، وولَّاه مكةَ والمدينة واليمن [واليمامة]، وولَّى عيسى بن موسى الكوفةَ، فاستقضى ابنَ أبي ليلى.

стр. 5417

وكان على قضاء البصرة الحجَّاجُ بنُ أرطاة، وعلى السِّند منصورُ بنُ جمهور، وعلى خُراسان أبو مسلم، وعلى الجزيرة أبو جعفر، وعلى الشام عبدُ الله بنُ علي، وعلى مصر أبو عون. وحجَّ بالناس داودُ بنُ علي، وهي أوَّل حَجَّة حجَّها بنو العباس (١). وفيها توفي إبراهيم الإِمام بن محمَّد بن عليّ ابن عبد الله بن عبَّاس، أخو السَّفَاح، من الطبقة الخامسة من أهل المدينة. وأمُّه أمُّ ولد بربريَّة، اسمُها سلمى. وكان أبوه محمَّد أوصى إليه، فكان شيعتُهم يختلفون إليه ويكاتبونه من خُراسان، وتأتيه رسلُهم، فبلغ ذلك مروانَ بنَ محمَّد، فبعثَ إليه فحبسه بأرض الشام، فمات في حبسه سنة إحدى وثلاثين ومئة وهو ابن ثمانٍ وأربعين سنة. قاله ابنُ سعد (٢). ووُلد سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين (٣). وكان يصلِّي كل يوم وليلة ألفَ ركعة، وقيل: خمس مئة، ويقول: هذه صلاة أبي وجدِّي (٤). وكان إخوتُه يحترمونه ويُعظِّمونه، وهو الذي مهَّد الأمور لهم، وكان جوادًا زاهدًا فصيحًا، يقول: نحن قومٌ لا نمنعُ عند السؤال، ولا نَجْفُو عند الاستعطاف، فالكامل المروءة مَنْ حَصَّنَ دينَهُ، ووصَلَ رَحِمَهُ، واجتنبَ ما يُلام عليه (٥). ومَدَحَه إبراهيم بن هِرْمة، فقال:

стр. 5418

جَزَى اللهُ إبراهيمَ عن أهل بَيتِهِ (١) … رشادًا وتعظيمًا (٢) ومَنْ شاءَ أرشدا وأنتَ امْرُؤ حُلْوُ المُؤَاخاةِ باذِلٌ … إذا ما بخيلُ القومِ لم يَصْطَنِعْ (٣) يَدَا فلم أرَ في الأقوام مِثْلَكَ سَيِّدًا … أهشَّ لمعروفٍ وأصْدَقَ مَوْعِدا ولو لم يجد للواقفين (٤) ببابِهِ … سوى الثوبِ أَلْقَى ثَوْبَهُ وتَجَرَّدَا من أبيات. ولمَّا حبَسَه مروان يئس من نفسه، فكتبَ كتاب العهد إلى أخيه أبي العباس، وبعثَ به مع سابق مولاه، وقال له: قُلْ لأخي أبي العبَّاس: أنت وَصِييِّ بأمر أبي محمَّد بن عليّ. وكان في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من إبراهيم بن محمَّد إلى أخيه عبد الله بن محمَّد، حفظك اللهُ يا أخي بحفظ أهلِ الإيمان، وتَوَلَّاك بالخير والصلاح، كتابي إليك من حَرَّان، والرَّجلُ قاتلي لا محالة، فإنْ هلكتُ فأنت الإمامُ الذي يُتمُّ اللهُ به وعلى يديه ما أثَّلْنَا، وتُرْعَى به حُرْمَةُ أوليائنا ودُعاتِنا، فعليك بتقوى الله وطاعته في قولك وقعلك وإصلاح نئتك، ليصلح لك عملُك، واستوص باهلِ دعوتنا وشيعشَا خيرًا، واحفظ عبدَ الرحمن -يعني أبا مسلم- فإنَّه أمينُنا، والساعي في دولتنا، واشْخَصْ عن الحَمَّة (٥) وكداد إلى أوليائنا بالكوفة أنت وأهلُنا مُسْتَتِرين عمَّن تخافون غِيلَتَه لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٦). وكان أبو العباس أشبهَ الناس بإبراهيم. وسببُ حَبْسِه أنَّ أبا مسلم بعث إليه كاتبًا عربيًّا، فاستنطقَه إبراهيم، فوجده فصيحًا، فساءه ذلك، فكتب إلى أبي مسلم يلومُه ويقول: هذا يُفسِدُ علينا أمرنا فاقْتُلْه. ففتح الكتاب وقرأه، فجاء إلى مروان، فوَشَى به، فحبسَه (٧).

стр. 5419

ذكر وفاته: مات هو وعبدُ الله بنُ عُمر بن عبد العزيز في سجن مروان بالطاعون. وقيل: هدم مروانُ عليه بيتًا، فقتلَه. وقيل: كان محبوسًا ومعه عبدُ الله بنُ عُمر بن عبد العزيز وشَراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، فكانوا يتزاورون، وكان إبراهيم خِصّيصًا بشراحيل، فأتاه رسولُه بلبن، فشربَه فتوعَّك، وجاءه شراحيل، فقال: ما الذي حبسك عن زيارتي اليوم؟ فقال: اللبن الذي بعثتَ به إليَّ اليوم وَعَكَني، فانزعج شَراحيل وقال: واللهِ ما بعثتُ إليك لبنًا، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! احتيل واللهِ لك. فأصبح إبراهيم ميّتًا. وقيل: غُمَّ في جِراب نَوْرَة؛ جُعل رأسُه فيه، فاختنق، وغُمَّ عبدُ الله بنُ عمر [بن عبد العزيز] بمرفقة فيها ريش. وقيل: إنَّ مروان لمَّا عادَ من الزَّاب مفلولًا، بعثَ إلى إبراهيم وعبدِ الله بنِ عُمر حاجبَه صقلاب ومعه عشرون من مواليه خَزَر وصَقَالبة ورُوم، فدخلوا السجن وخرجوا، فأصبح إبراهيمُ وعبدُ الله ميِّتَين، فيقال: دِيسَتْ بطونُهما، ويقال: غَمُّوهما، ويقال: هدمُوا البيت عليهما، ويقال: عصروا ما بين فخذيهما. ولمَّا أصبحا ميِّتَين، أُلْقِيَا على باب السجن، فمرَّ مهلهل بن صفوان السهميّ، فواراهما، وكفَّنَهما، ودفَنَهما بحرَّان (١). وعاش إبراهيم خمسًا وخمسين سنة، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: خمسين. ورثاه إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هِرْمة الفِهْريّ، فقال: قد كنتُ أحسَبني جَلْدًا فضَعْضَعَني … قبرٌ بحرَّانَ فيه عِصْمَةُ الدِّينِ فيه الإمامُ وخَيرُ النَّاسِ كُلِّهِمُ … بين الصفائح والأحجارِ والطِّينِ فيه الإمامُ الذي عَمَّتْ مصيبتُهُ … وعَيَّلَتْ كلَّ ذي مالٍ ومسكينِ (٢)

стр. 5420

وكان لإبراهيم من الولد محمدٌ الأكبر، أمُّه زينب بنت سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١)، وإليها يُنسب الزَّينبي، وهو محمَّد بن سليمان بن عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم الإِمام. وكان أبو جعفر قد ولَّى محمدَ بنَ إبراهيم مكةَ والمدينةَ واليمنَ، ثم ولَّاه الجزيرة، فلما مات أخوه عبد الوهَّاب بالشام؛ ولَّاه مكانَه، وأقام حتى مات في أيام هارون (٢). ومحمدٌ الأصغر؛ ليس له ذكر. وعبدُ الوهَّاب بن إبراهيم؛ ولَّاه المنصور الشام، فمات به، وولدُه محمَّد بن عبد الوهَّاب أمُّه عائشة بنت سليمان بن علي، وولدَ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب إبراهيمَ بنَ محمَّد يقال له: ابن عائشة؛ نُسب إلى جدَّته، وكان أبوه يُنسب إلى أمِّه عائشة. وعزم إبراهيم هذا على الخروج على المأمون ببغداد، وبايعَه محمَّد بن إبراهيم الإفريقي وفرح البغدادي مولى أمِّ جعفر بنت المنصور، ومالك بن شاهي الكاتب، وعلم المأمون فقتلَه. وأمّ حبيب بنت إبراهيم تزوَّجَها عيسى بن موسى، فَولَدَتْ له موسى بن عيسى (٣). أسندَ إبراهيم عن أبيه محمَّد، وجدِّه عليّ، وأبي هاشم بن محمَّد بن الحنفيَّة. وروى عن إبراهيم: أخواه أبو العبَّاس وأبو جعفر، ومالك بن الهيثم، وأبو مسلم الخُراسانيّ (٤).

стр. 5421

حفص بن سليمان أبو سَلَمة الخلَّال، وزيرُ آلِ محمَّد ﷺ ، وهو مولى السَّبيع. وقيل: لم يكن خلَّالًا، وإنَّما كان يجلسُ إلى الخلَّالين. وقيل: كان له حوانيت يعمل فيها الخلّ. وقيل: نُسب إلى خِلَلِ (١) السيوف، وهي الجُفون، والعربُ تسمِّي من يعملُها خَلَّالًا. وهو أوَّلُ مَنْ وَزَرَ لبني العبَّاس، وكان من دُعاتهم وشيعتهم؛ غير أنه أراد نقل الأمر عنهم إلى غيرهم (٢). وكان بُكير بن ماهان رئيس الدُّعاة، فلما حضرته الوفاة؛ كتب إلى إبراهيم الإِمام يُخبره أنه قد استخلفَ أبا سلمة، وكتب [إبراهيم] إلى خُراسان بذلك، وخرج [أبو سلمة] إليهم، فأطاعوه، ودفعوا له خُمس أموالهم ونفقات الشيعة (٣). فلمَّا انهزمَ ابنُ هُبيرة إلى واسط ودخل الحسن وحُميد ابنا قحطبة الكوفة: سألا عن أبي سلمة؛ فدُلَّا عليه، فأخرجاه، وفوَّضا إليه الأمر (٤). ولما مات إبراهيمُ الإمامُ؛ خافَ أبو سَلَمة انتقاض الأمر، فكتب كتابين؟ أحدُهما إلى أبي [عبد الله] (٥) جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، والآخر إلى عبد الله بن حسن بن حسن (٦) بن علي بن أبي طالب على نسخة واحدة، يدعو كلَّ واحدٍ منهما إلى الشخوص إلى الكوفة ليأخذ له البيعةَ على أهل خُراسان،

стр. 5422

وبعث بالكتابين مع محمَّد بن عبد الرحمن بن أَسْلَم -وأسْلَم مولى رسول الله ﷺ وقال لمحمد: العجلَ العجلَ ولا تكن كوافد قوم عاد لما قدم مكةَ. فسار الرسول حتى قدم المدينة، فبدأ بجعفر، فدفع إليه الكتابَ، فقال: من أين هذا؟ قال: من أبي سَلَمة. فقال: ما لي ولأبي سلمة؟! وكان ليلًا، فقرَّب الكتابَ إلى السراج فأحرقَه. ومضى الرسول إلى عبد الله بن حسن بالكتاب الآخر، فلما قرأه، سُرَّ به، وقام من فوره، فركب حمارَه، وأتى منزل جعفر (١)، فلمَّا رآه جعفر؛ أعْظَمَهُ -وكان عبدُ الله أسنَّ منه- وقال له: ما الذي أتى بك؟ فأخبره الخبر، فقال جعفر: ومتى كان أهلُ خُراسان شيعةً لنا؟ أنتَ بعثتَ أبا مسلم إلى خُراسان، وأمرتَه بلُبس السواد؟ قال: لا. قال: فما لَك ولهدْا؟ فغضب عبدُ الله وقال: واللهِ ما بك إلا الحَسَدُ لابني محمَّد، وإنَّه مهديُّ هذه الأمة. فقال جعفر: واللهِ لقد كتبَ إليَّ بمثل ما كتبَ إليك، فأحرقتُ كتابَه قبل أن أقرأه. فانصرفَ عبدُ الله مُغْضَبًا، وأقام الرسولُ بالمدينة حتى بُويع أبو العبَّاس، ولولا الطُّوسيُّ لَمَا بُويع، وسنذكرُه إن شاء الله تعالى (٢). وتيقَّن أبو العباس ذلك، فتنكَّر لأبي سلمة، فعاتَبَه أبو سلمة يومًا، فقال أبو العباس: ما علمتُ إلا خيرًا، هذا عبدُ الله بن عُمر يقول لابنه سالم: وجلدةُ بينَ العينِ والأنفِ سالمُ (٣) وأنت جلدةُ وجهي كلِّه. وإنما قصدَ أن يُطَمْئِن في أوَّل الأمر. ثم بعث أخاه أبا جعفر أَبِي أبي مسلم يستطلع رأيَه على ما ذكرنا (٤)، وكتبَ معه:

стр. 5423

من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي مسلم، سلامٌ عليك، أما بعد، فإنَّه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيتِه الإحسانُ إلى المحسن، والتجاوزُ عز المسيء ما لم يَقْدَحْ في الدَّوْلة (١)، وإنَّ أمير المؤمنين قد وهبَ جُرْمَ حفص بن سليمان لك، وتركَ إساءته لإحسانك إنْ أحبَبْتَ، والسلام. فلما قدم أبو جعفر عليه؛ دفعَ إليه الكتاب، فقال: أفَعَلَها الملعون؟! ثم ندب مَرَّارَ بنَ أنس الضَّبِّيَّ لقتل أبي سلمة، وكتب إلى أبي العباس: لعبد الله أمير المؤمنين، أمَّا بعد، فإنه لا يتمُّ إحسانُ أحد حتى لا تأخذه في الله لومةُ لائم، وقد قبلتُ مِنَّةَ أميرِ المؤمنين، وأسرعتُ إلى الانتقام له، والسلام (٢). وقال الصُّوليّ: قدم مرَّار على أبي العباس وهو بالهاشمية في قصر الإمارة، فأخبره بما قدم له، وعلم أبو سلمة، فاختفى، فنادَى منادي أبي العباس: ألا إن أمير المؤمنين قد رضيَ عن أبي سلمة، فظهر، ودخلَ عليه، فعاتبَه وكساه ووصلَه، وكان يَسْمُرُ عندَه، فَسَمَرَ ليلةً عنده ثم خرج، فوثبَ عليه مرَّار فقتلَه، فقال الناس: قتَلَتْه الخوارج. فأمر أبو العبَّاس بغسله وتكفينه، وأمر أخاه يحيى بن محمَّد، فصلَّى عليه، ودُفن بظاهر الهاشميَّة. فقال سليمان بن المهاجر البجلي: إنَّ الوزيرَ وزيرَ آلِ مُحَمَّدٍ … أوْدَى فمَنْ يَشْناكَ (٣) كان وَزِيرا إنَّ المنايا (٤) قد تَسُرُّ وربَّما … كان السرورُ بما كرهتَ جديرا (٥)

стр. 5424

وذكر المسعودي أنَّ أبا مسلم لما بلغه ما فعل أبو سلمة؛ كتب إلى أبي العباس: اقتُلْهُ. فكتب إليه أبو العباس: ما كنت لأنسي (١) كثيرَ إحسانه، وعظيمَ بلائه، وصَالِحَ أيَّامه؛ بزَلَّةٍ كانت منه، وهي خَطْرَةٌ من خَطَرات الشياطين. فأرسل إليه أبو مسلم، فقتله. وكانت وِزارته أربعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: ستة أشهر. وكان أبوه سليمان حيًّا، فاعتقله أبو العباس، فقيل له: إنه رجل صالح. فأطلَقَه. وكان السفَّاح أمر لأبي اللفائف الشاعر بِصِلةٍ، فتأخَّرت، وكانت كتبُ السفاح لا تنفذ إلا بعلامةِ أبي سلمة، وكانت: "الحمد لله" (٢)، وهو أوَّلُ مَنْ وَقَّعَها، فوقف له يومًا وقد خرج من عند السفَّاح، وقال: قُلْ للوزير أراه الإله … في الحقِّ رُشْدَهْ الباذِلِ النُّصْحَ طوعًا … لآل أحمدَ جُهْدَهْ أطَلْتَ حَمْلَ كتابي … وأخْذَهُ (٣) ثم رَدَّهْ يا واحدَ الناسِ وَقَعْ … الحمدُ للهِ وَحْدَهْ فوقَّع له، وأعطاه من ماله أربع مئة درهم. خُصَيف بن عبد الرحمن وقيل: ابن يزيد، الجزري الحرَّاني، مولى بني أمية، وأخوه خِصَاف، وُلدا توأمين؛ وُلد خُصَيف أوَّلًا، وكان لهم أخ ثالث اسمُه مخصَّف. وقد خُصيف على عُمر بن عبد العزيز وهشام بالرُّصافة ويقال: إنه وليَ بيت المال. قال أحمد بن أبي الحواري (٤): خرجَ مكحول وعطاء إلى هشام بن عبد الملك، فأقاما ببابه مدَّةً لم يأذن لهما، فدخلا المسجد، وإذا خُصَيف يُحدِّث، فلما رآهما قال:

стр. 5425

كان العلماءُ إذا علموا عملوا، وإذا عملوا عرفوا، وإذا عرفوا هربوا، فقال أحدهما للآخر: إنما يعني إيَّانا. فركبا راحلتيهما ورجعا إلى الشام، ولم يدخلا على هشام. وبلغ هشامًا، فأرسل إليهما بجائزتهما. مات خُصيف بالجزيرة -وقيل: بالعراق- سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة سبع وثلاثين ومئة، وهو من الطبقة الأولى من أهل الجزيرة (١). روى خُصيف عن مجاهد وغيره، وروى عنه الثوري وغيره، وضعَّفه الإِمام أحمد رحمة الله عليه، ووثَّقه ابنُ سعد (٢). وقال عتَّاب بن بشير: قال لي خُصيف: كنتُ مع مجاهد، فرأيتُ أنس بنَ مالك، فأرَدْتُ أن آتيَه، فقال لي مجاهد: لا تذهب إليه، فإنه يُرخِّصُ في الطِّلاء، فلم آتِهِ، فقلتُ لخُصَيْف: ما أحوجَك أن تُضْرَبَ ضَرْبَ الصبي بالدِّرَّة! ويحك، أتدع صاحبَ رسولِ الله ﷺ ، وتقيمُ على قول مجاهد (٣)؟! سعيد بن عبد الملك ابن مروان، أبو محمَّد، ويُعرف بسعيد الخير، كان متألِّهًا، وليَ الصائفةَ لهشام، ووليَ فلسطين للوليد بن يزيد، وكان حسنَ السيرة، وكانت له بدمشق دار وأملاك، منها محلَّة الراهب قِبْليّ المصلّى. وكان له تابوتٌ فيه مِسْحٌ وثَوْبٌ من شعر (٤)، فإذا جنَّ الليل؛ نزع ثيابه ولبسه وصلَّى. وكانت له بالموصل أملاك، منها سوق سعيد. قتله عبدُ الله بن علي بنهر أبي فُطْرُس (٥).

стр. 5426

سليمان بن كثير ابن أمية بن أسعد، أبو محمَّد الخُزاعي المروزي من أكابر نقباء بني العباس، كان يتردَّد من خُراسان إلى الحَمَّة إلى محمَّد بن علي، وهو الذي قرَّرَ أمرَه بخُراسان. وغضب على أبي مسلم يومًا، فضربَه بالدَّواة، فشجَّه، فحقَدها عليه. ولمَّا بعث إبراهيم أبا مسلم إلى خراسان احتقره سليمان فردَّه (١). وكان سليمانُ طويلَ اللسان، مُدِلًّا بأَثَرَة في الدَّولة؛ اجتمع يومًا في كَرْم جماعةٌ من الشيعة، فتذاكروا أمر أبي مسلم بعد ما قدم من عند الإِمام، فقال سليمان ليس يسودُّ هذا الكرم حتى يسوّد اللهُ وَجْهَه ويسقيَني دمَه. وبلغ أبا مسلم فعاتبه، فقال: إنَّما عَنَيْتُ بقولي: يُسوِّدَ اللهُ وَجْهَه، أي: يصيرُ عِنَبًا، ويسقيني من دمه، أي: من عصيره. ولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايَره سليمان، وقال: إنْ شئتُم قَلَبْنَاها عليه، فقتله أبو مسلم، وقد ذكرناه (٢). وقال ابن عبدوس: بعث به إلى خُوارزم فقتلَه وابنَه محمدًا. ولما تمكَّن أبو جعفر من أبي مسلم وعاتبه قال له: أنت قتلتَ سليمان مُفتينا، وشيخ دعوتنا، ورئيس شيعتنا وابنَه، فقال: لأنه بال على كتاب الإِمام. قال: كذبتَ، وإنما قتلتَه لأنه سايرَني يوم كذا وكذا لمَّا قدمتُ عليك (٣). صفوان بن سُليم أبو عبد الله الزُّهْرِيّ، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهو مولى حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف (٤).

стр. 5427

كان ثقةً، كثيرَ الحديث، عابدًا، عاهدَ الله أن لا يضعَ جَنْبَهُ إلى الأرض، فأقامَ أربعين سنة لم يضع جنبه، فلما نزلَ به الموت قيل له: ألا تضطجع؟ فقْال: فما وفَّيتُ لله بالعهد إذًا. فأسندوه، فماتَ وهو كذلك (١). وكان السجود قد نقر جبهتَه. وخرج إلى الحج في مَحْمِل، فما وضع جَنْبَه فيه حتى رجع. وكان يصلِّي في الصيف في البيت، فإذا جاءه الشتاء؛ صلَّى في السطح لئلا ينام. وقال أنس بن عياض: رأيتُ صفوانَ بنَ سُليم ولو قيل له: غدًا القيامة؟ ما كان عنده مزيدٌ على ما هو عليه من العبادة. وكان صفوان إذا أراد الخروج من مسجد رسول الله ﷺ لحاجة بكى ويقول: أخاف أن لا أرجع إليه (٢). وقال سفيان: جاء رجلٌ من أهل الشام، فقال: دُلُّوني على صفوان بن سُليم، فإني رأيتُه دخلَ الجنة. قال: قلتُ: بأيّ شيء؟ قال: بقميص كساه إنسانًا. وسأل بعضَ إخوان صفوان، فقال: خرجَ ليلةً من المسجد -وكانت باردة- فرأى رجلًا عُريانًا، فخلعَ ثوبَه، فكساه إيَّاه (٣). وقال كثير بن يحيى: قدم سليمانُ بنُ عبد الملك المدينةَ وعُمرُ بنُ عبد العزيز رحمة الله عليه عاملُه عليها، فصلَّى بالناس الظهر، واستند إلى المحراب، واستقبل الناسَ بوجهه، وفتح باب المقصورة، فنظر إلى صفوان عن غير معرفة، فقال لعمر: من هذا الرجل؟ ما رأيتُ سمتًا أحسنَ منه. قال: هذا صفوانُ بنُ سُليم. فقال: يا غلام، كيسٌ فيه خمس مئة دينار. فأتى به، فقال لخادمه: اذهبْ إلى ذلك المصلِّي، فادْفَعْه إليه. فجاء الخادمُ، فجلس إلى صفوان، فلما رآه صفوان [ركع وسجد، ثم] سلَّم من صلاته وقال: ما حاجتُك؟ قال: أمرَني أميرُ المؤمنين -وهو ينظر إليك- أن أدفعَ إليك هذا

стр. 5428

الكيس، وفيه خمسُ مئة دينار، ويقول: استعنْ بها على زمانك وعيالك. فقال صفوان: لستُ الذي أُرْسِلْتَ إليه. فقال: ألَسْتَ صفوانَ بنَ سُليم؟ قال: بلى، ولكن اذْهَبْ فاسْتَثْبِتْ وعُدْ. دقال: فخذ الكيس حتى أذهب وأعود. فقال له: لا، فاذْهَبْ فاسْتَثْبِتْ. فمضى الخادمُ، وقام صفوان، فأخذَ نعلَه وخرج، فلم يُرَ بالمدينة حتى خرج سليمان (١). أسندَ صفوانُ عن ابن عمر، وجابر، وأنس، و [أبي أمامة بن] سهل بن حُنَيف، وعبدِ الله بن جعفر وغيرهم. وسمع كبار التابعين. وروى عنه الأئمة: محمَّد بن المنكدر، والثوريُّ، ومالك بن أنس، في آخرين (٢). واتفقوا على صدقه وثقته وزَهَادته. ذُكر للإمام أحمد ﵁ صفوان بن سليم وقلة حديثه وأشياء خُولف فيها، فقال الإِمام أحمد: إنما كان صفوان يُستسقى بحديثه، ويُستنزل القَطْر بذكره (٣). وقال المنكدر [بن محمَّد بن المنكدر]: خرج صفوان في جنازة وفيها أبو حازم وجماعة من العُبَّاد، فلما دُفن الميِّت؛ التفت صفوان إليهم فقال: أمَّا هذا فقد انقطعت عنه أعمالُه، واحتاج إلى دعاءِ مَنْ خَلَّفَه بعده. فأبكى واللهِ الناسَ جميعًا (٤). وكان يقول: اللهمَّ إني أُحبُّ لقاءك، فأَحِبَّ لقائي (٥). وكان سفيان الثوريُّ إذا حَدَّثَ عنه يقول: حدثني صفوان وكنتَ إذا رأيتَه علمتَ أنَّه يخشى الله (٦). مات صفوان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: سنة أربع وعشرين ومئة (٧)، وهو وهم.

стр. 5429

عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان، من الطبقة الخامسة، من أهل الشام، كان وصيَّ أبيه، وأمُّه لميس بنتُ عليّ بن الحارث بن كعب (١)، كان جوادًا شجاعًا ديِّنًا صالحًا ممدَّحًا، جُمع له المصران: الكوفة والبصرة، وحفرَ بالبصرة نهرًا يُعرف بنهر ابنِ عمر. وكان وليَ العراق ليزيد الناقص أيَّام خلافته، وكانت ستةَ أشهر، فلما ماتَ أقامَ عبدُ الله على ولايته، فأراده أهلُ العراق على البيعة لمكان أبيه، وقالوا: هذا رجل صالح بنُ رجل صالح (٢). وقال يحيى بن منصور الذُّهْليّ: خِلافَتُكُمْ حُلْوَةٌ عَذْبَةٌ … أعادَ الإلهُ لنا حَالها (٣) فدُونَكها يا ابنَ عبدِ العزيزْ … يُسَرْبِلُك (٤) اللهُ سِرْبَالها وقال المدائني: كان يزيدُ بنُ الوليد قد ولَّى منصورَ بنَ جُمهور العراق في رجب سنة ستٍّ وعشرين، فقدمَها، وهربَ يوسفُ بنُ عمر إلى البلقاء، وفتح منصور بيوت الأموال، وأعطى الناس أرزاقهم. فلمَّا قويَ أمرُ يزيد ولَّى عبدَ الله بنَ عمر العراقيين، فقدمها في رمضان، فكانت ولاية منصور شهرين وأيَّامًا، فقال عبدُ الله لمنصور: أنت أحدُ أخوالي، والخالُ والد، فأقم عندي. وكان منصور خائفًا منه بسبب إخراج المال، فصفح عنه (٥)، وأجرى عليه في كل شهر عشرة آلاف درهم (٦)، فكان منصور يقاتل معه (٧).

стр. 5430

فبينا هو كذلك جاءه الخبر بأنَّ مروان قد سار من الجزيرة يريد الشام طالبًا بدم الوليد، وجرت قصة عبدِ الله بن معاوية ومحاربته عبدَ الله، وجاء الضحاك الحَرُوريُّ إلى الكوفة، ومضى ابن عمر إلى واسط، وسار إليه الضحَّاك وحصرَه، ثم اتفقا، وقد ذكرناه (١). ولما قُتل الضحاك دعا ابنُ عمر بالعراق إلى نفسه (٢)، وكان يقول: أنا عين بنُ عين ابن عين أقتُلُ ميمَ بنَ ميم بن ميم. يعني مروانَ بنَ محمَّد، فمات في حبس مروان. ولما ظهر عبدُ الله بنُ علي على الشام قيل له: إن عبد الله بنَ عمر يذكر أنه قرأ في الكتب أنه يقتلُ مروانَ عينُ بنُ عين بن عين، وكان يؤمِّلُ أن يكون هو. فقال عبد الله: أنا واللهِ ذاك، وأفْضُلُ ابنَ عمر بأربعة أعين، أنا عبدُ الله بنُ علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن عَمرو (٣) -يعني هاشمًا- بن عبد مناف. وكان ابنُ عمر مقيمًا بواسط، فلما ولَّى مروانُ ابنَ هُبَيرة العراقَ قصدَه وحصرَه في القصر، وخذَلَه أصحابُه، ووثبَ من كان بواسط على ابن عمر، وسَدُّوا عليه بابَ القصر باللَّبِن، فأخذَه ابنُ هُبيرة، فبعثَ به إلى مروان، فحبسَه كما ذكرنا (٤). وقال ابن أبي الدنيا: إن مروان بَنَى لابن عمر بيتًا صغيرًا، وأدخله فيه، فذهب يُقيم صُلْبَه فلم يقدر، فذهب يمدُّ رِجْلَه فلم يقدر، فقال لابنه: يا بنيّ، الحمد لله، بينا خاتَمي يجوزُ في مشارق الأرض ومغاربها؛ صِرْتُ لا أملك إلا موضعَ قَدَمي. ثم أصبح ميتًا (٥). أسندَ عبدُ الله عن أبيه عُمر، ورَوَى عنه ابنُه بُسْر-بسين مهملة- وكان بُسْر في صحابة المهدي بن المنصور.
следующие страницы →