← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

سليمان بن كثير ابن أمية بن أسعد، أبو محمَّد الخُزاعي المروزي من أكابر نقباء بني العباس، كان يتردَّد من خُراسان إلى الحَمَّة إلى محمَّد بن علي، وهو الذي قرَّرَ أمرَه بخُراسان. وغضب على أبي مسلم يومًا، فضربَه بالدَّواة، فشجَّه، فحقَدها عليه. ولمَّا بعث إبراهيم أبا مسلم إلى خراسان احتقره سليمان فردَّه (١). وكان سليمانُ طويلَ اللسان، مُدِلًّا بأَثَرَة في الدَّولة؛ اجتمع يومًا في كَرْم جماعةٌ من الشيعة، فتذاكروا أمر أبي مسلم بعد ما قدم من عند الإِمام، فقال سليمان ليس يسودُّ هذا الكرم حتى يسوّد اللهُ وَجْهَه ويسقيَني دمَه. وبلغ أبا مسلم فعاتبه، فقال: إنَّما عَنَيْتُ بقولي: يُسوِّدَ اللهُ وَجْهَه، أي: يصيرُ عِنَبًا، ويسقيني من دمه، أي: من عصيره. ولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايَره سليمان، وقال: إنْ شئتُم قَلَبْنَاها عليه، فقتله أبو مسلم، وقد ذكرناه (٢). وقال ابن عبدوس: بعث به إلى خُوارزم فقتلَه وابنَه محمدًا. ولما تمكَّن أبو جعفر من أبي مسلم وعاتبه قال له: أنت قتلتَ سليمان مُفتينا، وشيخ دعوتنا، ورئيس شيعتنا وابنَه، فقال: لأنه بال على كتاب الإِمام. قال: كذبتَ، وإنما قتلتَه لأنه سايرَني يوم كذا وكذا لمَّا قدمتُ عليك (٣). صفوان بن سُليم أبو عبد الله الزُّهْرِيّ، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهو مولى حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف (٤).

стр. 5427

كان ثقةً، كثيرَ الحديث، عابدًا، عاهدَ الله أن لا يضعَ جَنْبَهُ إلى الأرض، فأقامَ أربعين سنة لم يضع جنبه، فلما نزلَ به الموت قيل له: ألا تضطجع؟ فقْال: فما وفَّيتُ لله بالعهد إذًا. فأسندوه، فماتَ وهو كذلك (١). وكان السجود قد نقر جبهتَه. وخرج إلى الحج في مَحْمِل، فما وضع جَنْبَه فيه حتى رجع. وكان يصلِّي في الصيف في البيت، فإذا جاءه الشتاء؛ صلَّى في السطح لئلا ينام. وقال أنس بن عياض: رأيتُ صفوانَ بنَ سُليم ولو قيل له: غدًا القيامة؟ ما كان عنده مزيدٌ على ما هو عليه من العبادة. وكان صفوان إذا أراد الخروج من مسجد رسول الله ﷺ لحاجة بكى ويقول: أخاف أن لا أرجع إليه (٢). وقال سفيان: جاء رجلٌ من أهل الشام، فقال: دُلُّوني على صفوان بن سُليم، فإني رأيتُه دخلَ الجنة. قال: قلتُ: بأيّ شيء؟ قال: بقميص كساه إنسانًا. وسأل بعضَ إخوان صفوان، فقال: خرجَ ليلةً من المسجد -وكانت باردة- فرأى رجلًا عُريانًا، فخلعَ ثوبَه، فكساه إيَّاه (٣). وقال كثير بن يحيى: قدم سليمانُ بنُ عبد الملك المدينةَ وعُمرُ بنُ عبد العزيز رحمة الله عليه عاملُه عليها، فصلَّى بالناس الظهر، واستند إلى المحراب، واستقبل الناسَ بوجهه، وفتح باب المقصورة، فنظر إلى صفوان عن غير معرفة، فقال لعمر: من هذا الرجل؟ ما رأيتُ سمتًا أحسنَ منه. قال: هذا صفوانُ بنُ سُليم. فقال: يا غلام، كيسٌ فيه خمس مئة دينار. فأتى به، فقال لخادمه: اذهبْ إلى ذلك المصلِّي، فادْفَعْه إليه. فجاء الخادمُ، فجلس إلى صفوان، فلما رآه صفوان [ركع وسجد، ثم] سلَّم من صلاته وقال: ما حاجتُك؟ قال: أمرَني أميرُ المؤمنين -وهو ينظر إليك- أن أدفعَ إليك هذا

стр. 5428

الكيس، وفيه خمسُ مئة دينار، ويقول: استعنْ بها على زمانك وعيالك. فقال صفوان: لستُ الذي أُرْسِلْتَ إليه. فقال: ألَسْتَ صفوانَ بنَ سُليم؟ قال: بلى، ولكن اذْهَبْ فاسْتَثْبِتْ وعُدْ. دقال: فخذ الكيس حتى أذهب وأعود. فقال له: لا، فاذْهَبْ فاسْتَثْبِتْ. فمضى الخادمُ، وقام صفوان، فأخذَ نعلَه وخرج، فلم يُرَ بالمدينة حتى خرج سليمان (١). أسندَ صفوانُ عن ابن عمر، وجابر، وأنس، و [أبي أمامة بن] سهل بن حُنَيف، وعبدِ الله بن جعفر وغيرهم. وسمع كبار التابعين. وروى عنه الأئمة: محمَّد بن المنكدر، والثوريُّ، ومالك بن أنس، في آخرين (٢). واتفقوا على صدقه وثقته وزَهَادته. ذُكر للإمام أحمد ﵁ صفوان بن سليم وقلة حديثه وأشياء خُولف فيها، فقال الإِمام أحمد: إنما كان صفوان يُستسقى بحديثه، ويُستنزل القَطْر بذكره (٣). وقال المنكدر [بن محمَّد بن المنكدر]: خرج صفوان في جنازة وفيها أبو حازم وجماعة من العُبَّاد، فلما دُفن الميِّت؛ التفت صفوان إليهم فقال: أمَّا هذا فقد انقطعت عنه أعمالُه، واحتاج إلى دعاءِ مَنْ خَلَّفَه بعده. فأبكى واللهِ الناسَ جميعًا (٤). وكان يقول: اللهمَّ إني أُحبُّ لقاءك، فأَحِبَّ لقائي (٥). وكان سفيان الثوريُّ إذا حَدَّثَ عنه يقول: حدثني صفوان وكنتَ إذا رأيتَه علمتَ أنَّه يخشى الله (٦). مات صفوان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: سنة أربع وعشرين ومئة (٧)، وهو وهم.

стр. 5429

عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان، من الطبقة الخامسة، من أهل الشام، كان وصيَّ أبيه، وأمُّه لميس بنتُ عليّ بن الحارث بن كعب (١)، كان جوادًا شجاعًا ديِّنًا صالحًا ممدَّحًا، جُمع له المصران: الكوفة والبصرة، وحفرَ بالبصرة نهرًا يُعرف بنهر ابنِ عمر. وكان وليَ العراق ليزيد الناقص أيَّام خلافته، وكانت ستةَ أشهر، فلما ماتَ أقامَ عبدُ الله على ولايته، فأراده أهلُ العراق على البيعة لمكان أبيه، وقالوا: هذا رجل صالح بنُ رجل صالح (٢). وقال يحيى بن منصور الذُّهْليّ: خِلافَتُكُمْ حُلْوَةٌ عَذْبَةٌ … أعادَ الإلهُ لنا حَالها (٣) فدُونَكها يا ابنَ عبدِ العزيزْ … يُسَرْبِلُك (٤) اللهُ سِرْبَالها وقال المدائني: كان يزيدُ بنُ الوليد قد ولَّى منصورَ بنَ جُمهور العراق في رجب سنة ستٍّ وعشرين، فقدمَها، وهربَ يوسفُ بنُ عمر إلى البلقاء، وفتح منصور بيوت الأموال، وأعطى الناس أرزاقهم. فلمَّا قويَ أمرُ يزيد ولَّى عبدَ الله بنَ عمر العراقيين، فقدمها في رمضان، فكانت ولاية منصور شهرين وأيَّامًا، فقال عبدُ الله لمنصور: أنت أحدُ أخوالي، والخالُ والد، فأقم عندي. وكان منصور خائفًا منه بسبب إخراج المال، فصفح عنه (٥)، وأجرى عليه في كل شهر عشرة آلاف درهم (٦)، فكان منصور يقاتل معه (٧).

стр. 5430

فبينا هو كذلك جاءه الخبر بأنَّ مروان قد سار من الجزيرة يريد الشام طالبًا بدم الوليد، وجرت قصة عبدِ الله بن معاوية ومحاربته عبدَ الله، وجاء الضحاك الحَرُوريُّ إلى الكوفة، ومضى ابن عمر إلى واسط، وسار إليه الضحَّاك وحصرَه، ثم اتفقا، وقد ذكرناه (١). ولما قُتل الضحاك دعا ابنُ عمر بالعراق إلى نفسه (٢)، وكان يقول: أنا عين بنُ عين ابن عين أقتُلُ ميمَ بنَ ميم بن ميم. يعني مروانَ بنَ محمَّد، فمات في حبس مروان. ولما ظهر عبدُ الله بنُ علي على الشام قيل له: إن عبد الله بنَ عمر يذكر أنه قرأ في الكتب أنه يقتلُ مروانَ عينُ بنُ عين بن عين، وكان يؤمِّلُ أن يكون هو. فقال عبد الله: أنا واللهِ ذاك، وأفْضُلُ ابنَ عمر بأربعة أعين، أنا عبدُ الله بنُ علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن عَمرو (٣) -يعني هاشمًا- بن عبد مناف. وكان ابنُ عمر مقيمًا بواسط، فلما ولَّى مروانُ ابنَ هُبَيرة العراقَ قصدَه وحصرَه في القصر، وخذَلَه أصحابُه، ووثبَ من كان بواسط على ابن عمر، وسَدُّوا عليه بابَ القصر باللَّبِن، فأخذَه ابنُ هُبيرة، فبعثَ به إلى مروان، فحبسَه كما ذكرنا (٤). وقال ابن أبي الدنيا: إن مروان بَنَى لابن عمر بيتًا صغيرًا، وأدخله فيه، فذهب يُقيم صُلْبَه فلم يقدر، فذهب يمدُّ رِجْلَه فلم يقدر، فقال لابنه: يا بنيّ، الحمد لله، بينا خاتَمي يجوزُ في مشارق الأرض ومغاربها؛ صِرْتُ لا أملك إلا موضعَ قَدَمي. ثم أصبح ميتًا (٥). أسندَ عبدُ الله عن أبيه عُمر، ورَوَى عنه ابنُه بُسْر-بسين مهملة- وكان بُسْر في صحابة المهدي بن المنصور.

стр. 5431

عبد الله بن عيسى ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو محمَّد، الأنصاريُّ الكوفيُّ، أوثقُ ولدِ أبي ليلى، وهو أكبرُ من عمِّه محمَّد بن عبد الرحمن. أسند عبد الله عن جدِّه، والشعبيّ، وغيرِهما، وروى عنه الثوريُّ وغيرُه، وكان صدوقًا ثقة (١). قحطبة بن شبيب ابن خالد بن مَعْدان، أبو عبد الله الطائي المروزي، واسمُه زياد، وقحطبة لقبٌ له، كان من دعاة بني العبَّاس وثقاتِهم (٢). قد ذكرنا أخباره، واختلفوا في سبب هلاكه على أقوال: أحدها: أنه لمَّا وصلَ إلى خانْقِين وكان ابنُ هُبيرة بجَلُولاء؛ بينهما خمسةُ فراسخ؛ رَحَلَ (٣) ابنُ هبيرة، فقطع الفرات من غربيِّها، وجاء قحطبة فنزل من شرقيِّها، ثم قطعها من دِمِمَّا في المحرَّم من هذه السنة، وقد اجتمع إلى ابنِ هُبيرة فَلُّ ابنِ ضُبارة، وجهَّزَ إليه مروان حوثرة بن سهيل الباهليّ في عشرين ألفًا من أهل الشام. وكان ابنُ هُبيرة نازلًا مقابل الفلُّوجة. وقال هشام: كان ابن هُبيرة (٤) نازلًا غربيّ الفرات، وقحطبة شرقيّها، فسأل عن مخاضةٍ يعبرُ منها إلى ابنِ هُبيرة، فدُلَّ على مخاضة، وذلك عند غروب الشمس عشية الأربعاء لثمان خلون من المحرَّم، فاقتحم قحطبة المخاضة في عِدَّةٍ من أصحابه. وفي رواية: فعبر من أصحابه أربعُ مئة، وغرق هو، وقاتلوا حوثرةَ طول الليل، وأصبحوا قد فقدوا أميرهم قحطبة، فأقاموا ابنَه حُميدًا مكانَه، ثم وُجد قحطبة غريقًا، فدفنه أبو

стр. 5432

الجَهْم، وقال (١): مَنْ كان عندَه علمٌ (٢) من قحطبة فليخبرنا. فقال مقاتل بن مالك العَكّيّ: سمعتُه يقول: إنْ حدثَ بي حادثٌ، فالحَسَنُ ابْني أميرٌ على الناس. فبايَعوا الحسن (٣). والثاني: أن قحطبة وُجد قتيلًا في جدول، وإلى جانبه [حرب بن] سَلْم (٤) بن أحوز قتيلًا، وظنُّوا أنَّ كلَّ واحدٍ منهما قَتَلَ صاحبَه. والثالث: أن قحطبة قاتلَ تلك الليلة قتالًا شديدًا، وحملَ عليه معنُ بن زائدة، فضربه بالسيف على رأسه، فوقع في الماء، فأخرجوه حيًّا، فقال: إن متُّ فادْفِنُوني في الماء لئلا يقفَ أحد على خبري (٥). والرابع: أنه أصابَتْه طَعْنَةٌ في وجهه، فوقعَ في الفرات، فغرق، والذي طعنه يحيى بن حُضَين (٦) من أهل الشام (٧). والخامس: أنه كان في عسكره رجل يقال له: أحلم بن بسام؛ كان قحطبة قتلَ جماعةً من أهله، فلمَّا خاضَ المْراتَ وجاء ليصعد من مكان صعب ولم يكن بقي معه أحد من أصحابه لاشتغالهم بالعبور، فقال أحلم: لا [أطلبُ] أثرًا بعد عين (٨)، الآن أصبْتُ ثأرَ أولادي وأهلي. فضربه بالسيف على رأسه، فوثبَ به الفرس، فغاص في الماء بسلاحه وفرسه، فلم يوقف له على أثر (٩).

стр. 5433

وقال أبو الجهم: أنا استخرجتُه من الماء غريقًا، فدفنتُه بالفلُّوجة (١). محمَّد بن أبي بكر بن محمَّد ابن عَمرو بن حَزْم، أبو عبد الملك الأنصاري، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمُّه فاطمةُ بنتُ عُمارة من بني النجار. وليَ قضاء المدينة، وكان يقضي (٢) في المسجد، فإذا قضى قضاءً يُخالف الحديث ورجع إلى منزله؛ قال له أخوه عبدُ الله، وكان صالحًا: يا أخي، قضيتَ اليومَ بكذا وكذا، فيقول: نعم. فيقول عبد الله: فأين أنتَ من الحديث؟ فيقول محمَّد: فأين العملُ؟ يعني ما أجمع عليه أهلُ المدينة. ومعناه أنَّ إجماعَهم أقوى من الحديث، وبه أخذَ مالك. مات محمَّد بالمدينة وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنة، وله بها عقب (٣). محمَّد بن عبد الملك بن مروان أخو سعيد لأبويه (٤)، أمّهما أمَّ ولد، كان ناسكًا يسكن الأردنّ. وهو من الطبقة الرابعة من أهل الشام. ولَّاه مصرَ أخوه هشامُ سنة خمس ومئة، وعزلَه سنة ستٍّ ومئة. وحجَّ بالناس سنة ثلاثين ومئة، وقتلَه عبدُ الله بنُ عليّ بنهر أبي فُطْرُس. حدَّث عن رجل عن أبي هريرة، وسمع من المغيرة بن شعبة، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيرُه، وكان ثقة (٥).

стр. 5434

مروان بن محمَّد بن مروان بن الحَكَم (١) قد ذكرنا سيرتَه، فنذكُرُ مقتلَه، وما يتعلَّقُ به وقد ذكرنا هزيمتَه من الزَّاب إلى الفَرَمَا، وصالحُ بن علي في آثاره. وقد رُويَ هزيمته على وجه آخر؛ قال مَخْلَد بن محمَّد مولى عثمان بن عفان رضوان الله عليه: كان مروان في عشرين ومئة ألف، فانهزم إلى حرَّان وبها أبان بن يزيد بن محمَّد بن مروان ابنُ أخيه، وكان عاملَه عليها، فأقام بها نيِّفًا وعشرين يومًا، فلما دنا منه عبدُ الله بنُ علي؛ أخَذَ أهلَه وعِياله، وقطع الفرات، وخلَّفَ أبانَ بنَ يزيد بها -وكان خَتَنَهُ على ابنته أمِّ عثمان بنت مروان، فلما نزل بها عبدُ الله؛ خرجَ إليه أبانُ فبايعَه، فأمَّنَه. ومضى مروان إلى مصر، وتبعَه صالح بنُ عليّ، وعلى مقدِّمته أبو عون [و] (٢) عامرُ بنُ إسماعيل الحارثي، فلَقِيَتْهُم خيلُ مروان، فقتلوهم وأسروا منهي رجلًا، فسألوه عن مروان، فطلبَ الأمانَ، فأمَّنوه، فقال: هو نازلٌ في كنيسة بُوصِير، فقصدُوه في الليل، وهربَ أصحابُه، وخرج إليهم، فأحاطوا به، فقتلُوه (٣). وقال الهيثم: أدْخَلَ مروانُ حُرَمَهُ وأهلَه الكنيسة ببُوصِير، ولحقَه أبو عون، فخرج إليهم وقد لبس سلاحَه، وركبَ جوادَه، وكشفَ رأسَه، ونادى: أنا مروان، قد كانت لله علينا حقوقٌ ضَيَّعْناها، ولم نَقُمْ بما يلزمُنا منها، فانتقم الله منَا، وما هي من الظالمين ببعيد. ثم حمل عليهم، فقَتَلَ منهم جماعة، وتكاثرُوا عليه، فقتلوه. وقيل: طعنه رجل من أهل البصرة ولم يعرفه، فصُرع، فصاح رجلٌ: قُتل أميرُ المؤمنين. وابتدرُوه، فسبق رجلٌ من أهل الكوفة كان يبيع الرُّمَّان، فاحتز رأسَه، وبعثَ

стр. 5435

به أبو عَوْن إلى صالح [بن علي، وبعث به صالح] مع يزيد بن هانئ -وكان على شرطته-[إلى] أبي العباس، وذلك يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١). قال أبو اليقظان: ولما جاؤوا بالرأس إلى صالح؛ وضعَه بين يديه، وأمرَ بتقويره ونفضه، فنُفض، فوقعَ لسانُه، وهناك هرَّةٌ، فتنا ولَتْه وذهبت، فدُهش صالح وقال: ماذا في الأيام من العجائب! لسانُ مروان في في هرَّة (٢)! وأنشده شاعر: قَدْ سَهَّلَ (٣) اللهُ مصرًا عَنْوَةً لكُمُ … وأهلكَ الظالمَ الجَعْديَّ إذْ ظَلَما فَلَاكَ مِقْوَلَهُ (٤) هِرٌّ يُجَرِّرُهُ … وكان ربُّك من ذي الكفرِ منتقما وجاء عامر بن إسماعيل إلى الكنيسة التي فيها بناتُ مروان وحُرَمُه، فرأى خادمًا قد شهر سيفًا، ودخل الكنيسة، فقال له: ويحك ما تصنع؟ فقال: أمرَني مولاي مروان أن أقتلَ بناتِهِ ونساءَه إذا قُتل، فقال عامر: اقتلوه. فقال: لا تقتلني، فعندي ميراثُ رسول الله ﷺ . فأخرجَهم إلى ظاهر بُوصِير، فبحث عن الرمل، وإذا بالبُرْدَة والقضيب والقَعْب والمِخْضَب الذي كان للنبيِّ ﷺ ؛ دفَنَهُ مروان لئلا يصل إلى بني العبَّاس (٥). فبعثَ به صالح إلى أخيه عبد الله، ورأس مروان، فبعث به عبدُ الله إلى السفَّاح مع يزيد بن هانئ بعد أن نصب الرأس بالفسطاط ودمشق والجزيرة، وكتبَ معه: قَتَلْنا عدوَّ الله شبه فرعون بأرضه (٦).

стр. 5436

فلما حصل الرأس بين يدي السفَّاح؛ سجد وقال: الحمدُ لله الذي أظهرني عليك، وأظفرني بك، ولم يبق ثأري قبلك، وما أُبالي لو متُّ الساعة، قتلتُ بالحسين مئتي رجل من أعيان بني أمية، وأحرقتُ شِلْو هشام بابن عمِّي زيد، وقتلتُ مروان بأخي إبراهيم. وأنشد: لو يشربون دمي لم يُرْو شاربَهُمْ … ولا دماؤهُمُ جَمْعًا تُرَوِّيني (١) وتصدَّق بعشرة آلاف دينار. ثم قال للدَّين حوله: أيكُّم يعرفُ هذا الرأس؟ فلم ينطق أحد. فقام أبو جَعْدة بنُ هُبيرة المخزومي -وكان من الأشراف- فمشى إلى الرأس، فتأمَّلَهُ وقال: أنا واللهِ أعرفُه، هذا رأسُ خليفتنا أبي عبد الملك بالأمس. فقال له أبو العباس: متى ولد؟ قال: في سنة ستٍّ وسبعين. وتغيَّظَ من كان حاضرًا حيث كنَّاه. قال أبو العبَّاس: وفي لصاحبه، ولو أوليناه خيرًا لَكان لنا أشْكَرَ (٢). وأمَّا البُرْدَة والقضيب والمِخْضَب والقَعْب؛ فتوارثَه بنو العبَّاس إلى أيام المقتدر، فحارَبَه مؤنس، فركب المقتدر لقتاله إلى الشَّمَّاسيَّة والبُرْدَةُ عليه، وبيده القضيب، فانهزمَ عنه عسكرُه، ونزلَ رجلٌ من أصحاب مؤنس، فقطع رأسَ المقتدر وحملَه إلى مؤنس، وأخذَ البُرْدَةَ والقضيب، فكان آخرَ العهد بهما لا يُدْرَى ما أصابَهما. وجاء عامر بن إسماعيل إلى باب الكنيسة وقال: أخْرِجُوا إليَّ أكبرَ بناتِ مروان، فخرجت وهي تُرْعَد، فقال: "لا بأس عليك. فقالت: وأيُّ بأسٍ أعظمُ من إخراجكَ إيَّايَ حاسرةً، ولم أرَ رجلًا قطّ. فيقال: إنه وضعَ رأسَ مروان في حِجْرها، فصرخَتْ، فقال: كذا فعلتُم برأس زيد بن علي؛ وضعتُموه في حِجْر زينب بنت علي (٣). وبعث صالح إلى عامر يأمره أن لا يتعرَّض لأحد من حريم مروان (٤)، وأن يُحْمَلْنَ إلى فُسطاطه، وكان بمصر، فحُملن إليه، فتكلمت الكبرى: فقالت: يا عمَّ أميرِ

стр. 5437

المؤمنين، أسعدك [الله] في أمورك كلِّها، نحن بناتُ عمِّك وأخيك (١)، فليَسَعْنا من عَفْوكم ما وَسِعَكُم من جَوْرِ أسلافنا. فقال صالح: ألم يقتل يزيدُ الحُسينَ بنَ عليّ ومعه ثمانيةَ عشرَ من ولد عليّ بن أبي طالب؟! ألم يُخرج حُرَمَ رسولِ الله ﷺ وبناتِه وأهلَه سبايا على أقتاب الجمال بارزاتٍ كاشفاتٍ رؤوسَهنَّ، مُوثقات لا وطاء تحتهنّ، ولا غطاءَ فوقهنَّ؟! ورأسُ الحسينِ يُطافُ به في البلدان على قَناة كأنَّه رأسُ بعض الكفَّار؟! أما أوْقَفَ بناتِ رسول الله ﷺ موقف السبايا يتصفَّح وجوهَهنَّ أهلُ الشام، ويطلبون منه أن يهبَ لهم بعضهم؟! ألم يضرب ثنايا ابنِ رسول الله ﷺ ؟! ألم يقتل هشامٌ زيدَ بنَ عليّ وصلَبَه مدَّة سنتين، ثم أحرقه ونسفَه في التراب؟! ألم يقتل الوليدُ بنُ يزيد ولدَه يحيى، وفعلَ به كما فعل هشام بأبيه؟! ألم يقتل أبوك أخي إبراهيم؟! ألم، ألم … وعدَّد هناتِ بني أمية. فقالت: يا عمّ، إنَّ الله سبحانه يقول في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ ولم نفعل ممَّا ذكرتَ شيئًا ولا أردناه، إنما ينبغي أن يقابل الظالم، لا المظلوم. فقال صالح: قد وسعكم عفونا، فإنْ شئتِ زوَّجتُك الفضلَ بنَ صالح، أو رددتُكم إلى حرَّان. فقالت: تَرُدُّنا إلى حرَّان. فقال: أفعل (٢). وعاش مروان سبعًا وخمسين سنة، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: تسعًا وستين، وكانت مدة ولايته منذ بُويع إلى أن قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يومًا (٣). ذكر أولاده: كان له من الولد عبدُ الله، وعُبيد الله، وعبدُ الملك -وبه كان يكنى، وهو أكبر ولده- ومحمد، وعبد العزيز، وأبان، ويزيد، وأبو عثمان، وعبد الغفَّار (٤). والمشهور من ولده عبدُ الله وعُبيدُ الله؛ خرجا هاربَيْنِ إلى الحبشة.

стр. 5438

وقال ابنُ عساكر: كان الحجَّاج بنُ قُتيبة بن مسلم الباهلي مع مروان ببُوصير، فقال: خرجتُ مع أولاد مروان لما قُتل هاربين على النيل، فمشينا حتى تقطعت أقدامنا، وكان معنا أمُّ مروان بنت مروان، فما سمعنا لها كلمةً ولا أنَّة واحدة، وعليها مِقْرَمَةٌ (١)، ليس عليها غيرها (٢)، حتى أتينا البحر، وخرجنا إلى جُدَّة. قال ابن عساكر: فأخذَ (٣) الحجاجُ بأمان، وحُمل إلى أبي العباس، فقال له: يا حجَّاج، كنتَ مع مروان وأولاده؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قوم أحسنوا إلينا وخلطُونا بأنفسهم، فلم يجمل بنا مفارقتهم إلا عن رضًى منهم. فقال له أبو العباس: هذا واللهِ الوفاء (٤). وذكر ابن الكلبي القصة أتمَّ من هذا، فقال: التقى مروان وعامر بن إسماعيل ببُوصِير، فاقتتلُوا ليلًا، وعبدُ الله وعُبيدُ الله ابنا مروان واقفانِ ناحيةً في جمعٍ من أهل الشام، فحملَ عليهم أهلُ خُراسان فأزالُوهم عن مواقفهم، وقُتل مروان، وانهزمَ عبدُ الله وعُبيد الله على وجوههما في السَّحَر، وقَتَلَ الخُراسانيون مَنْ قدروا عليه من أهل الشام، ورجعوا عنهم. وطلع الفجر، ولحق الناسُ بعبد الله وعُبيد الله منقطعين؛ العشرة والعشرون، والأكثر والأقلّ، فيقولان لهم: كيف خلَّفْتُم أميرَ المؤمنين؟ فيقولان: تركناه يقاتل. وجاء مولًى له، فأخبرهم بقتله، فبكى عبدُ الله، فقال له عُبيد الله: يا ألْأم الناس، فررتَ عنه وتبكي عليه؟! ولحقَهم ألفان.

стр. 5439

فأتَوْا بلادَ النُّوبة (١) ومعهم أمُّ الحكم بنت عبيد الله (٢)، فأنزلهم ملكُ النُّوبة، وأكرمهم، وأقام بهم، وأجرى عليهم ما يُصلحهم، فقالوا: نريد اليمن. فنهاهم وقال: بين أيديكم بلاد السودان (٣)، وهم عدد كثير، ولا آمنهم عليكم، فأقيموا عندي. فأبَوْا، وخرجوا من عنده. واعترضهم السودان، فلم يقتلوهم، ولكن منعوهم الماء حتى باعوهم القِرْبَةَ بخمسين دينارًا (٤)، فأخذوا منهم مالًا عظيمًا، ثم أطلقوهم، فساروا، فاعتَرَضَ لهم جبلٌ بين طريقين، فسلك عبدُ الله أحدَهما ظنًّا منه أنَّ للجبل غايةً يجتمعون عندها، فلم يلتقُوا، وعرضَ لعُبيد الله عدوّ، فقتلوه وأصحابَه، وأخذُوا ابنتَه أمَّ الحكم وهي صبيَّة، وتمزَّق أصحابُه، وتقطَّعت أقدامُهم، ووافاهم عبدُ الله عليه مِقْرَمَة (٥)، فكانوا كلُّهم ما بين أربعين إلى خمسين رجلًا، منهم الحجّاج بن قُتيبة بن مُسلم -ويقال له: الحَرُون- وعفَّان مولى بني سلمة (٦). ورآهم التجَّار، فعبروا إليهم في السفن، وعبروا بهم إلى المَنْدب (٧)، وبعث عبدُ الله، فاشترى ابنةَ أخيه أمَّ الحكم، وخرجوا إلى مكَّة، وقد تقطَّعت أرجلُهم من المشي، ورحمهم الناس، ورقُّوا لهم، وفارقَهم الحَجَّاج من مكة. ثم قصدُوا العراق، فخرجوا من مكة مشاةً إلى الكوفة، فغُمزَ عليهم، فأخذَهم العامل وبعثَ بهم إلى المهديّ، فحبسَ عبدَ الله، ثم أرادَ أن يُطلقه (٨)، فقال له عيسى بن عليّ: إنَّ له في أعناقنا بيعةً.

стр. 5440

وكان يقول (١): أين كانت حلومُنا في نسائنا؟! ألا زوَّجْنَاهنَّ من أكفائنا من قريش، فكُفينا مؤنتهنَّ اليوم. قال الخطيب (٢): وكان عبدُ الله وليَّ عهدِ أبيه بعد أخيه عُبيد الله (٣)، وأقام بأرض النُّوبة زمانًا، ثم رجع إلى الشام مستخفيًا في أيَّام المهديّ، فأُخِذَ وحُمل إلى بغداد، فحبسه المهديّ بها حتى مات في حبسه. وقال سليمان بن [أبي] جعفر: كنتُ واقفًا ليلة على رأس أبي؛ المنصور، وعنده عمومتُه: إسماعيل، وسليمان، وصالح، [وعيسى] فتذاكروا أيَّام بني أمية وما صنع بهم عبدُ الله، وقَتْلَ مَنْ قَتَلَ منهم بنهر فُطْرُس، فقال أبو جعفر: ألا مَنَّ عليهم لِيَرَوْا من دولتنا ما رَأَينا من دولتهم، ويرغبُوا إلينا كما رَغِبْنا إليهم؟! فقد -لعمري- عاشوا سُعداء، وماتوا فُقداء. فقال إسماعيلُ بنُ علي: يا أمير المؤمنين، إنَّ في حبسك منهم عبدَ الله (٤) ابنَ مروان، وقد كانَتْ له قصةٌ عجيبة مع ملك النُّوبة، فابعثْ إليه فسَلْهُ عليها، فقال: يا مُسَيِّب، عليَّ به. فأُخرجَ فتًى مقيَّدٌ بقيدٍ ثقيل، وغُلٍّ ثقيل، فمثَلَ بين يديه، وسلَّم عليه بالخلافة، فقال: يا عبد الله (٥)، رَدُّ السلام أَمْنٌ، ولم تسمح نفسي لك بذلك بعد، ولكن اقْعُدْ. وجاؤوا بوسادة فثُنيت، فقعد عليها، فقال له: قد بلغني أنه كانت لك قصةٌ مع ملك النُّوبة، فحدِّثْني بها. فقال: يا أمير المؤمنين، والذي أكرمَك بالخلافة، ما أقدرُ على النفس من ثقل الحديد، ولقد صَدِئ قَيدي ممَّا أُرَشِّشُ عليه من البَوْل، وأصبُّ عليه الماء في أوقات الصلوات، فقال: يا مسيَّب، أطلق عنه حديدَه. فأطلَقَه.

стр. 5441

فقال: يا أمير المؤمنين، لما قصدَ عبدُ الله بنُ علي إلينا كنتُ أنا المطلوبَ من بين الجماعة؛ لأني كنتُ وليَّ عهد أبي، فلما قُتل أخذتُ عَشَرةَ آلاف دينار، ودعوتُ عشرةً من غلماني؛ كلُّ واحد على فرس، وشدَدْتُ في وسط كلِّ واحد منهم هِمْيانًا فيه ألفُ دينار، وشدَدْتُ في وسطي جوهرًا له قيمة، وأوقرتُ خمسةَ أبْغُل متاعًا، وهربتُ إلى بلاد النُّوبة، فسرنا فيها أيامًا (١)، فإذا بمدينةٍ خرابٍ، فدخَلْنا دارًا من دُورها، وبعَثْتُ غلامًا أثقُ بعقله، فقلت: اذْهَبْ إلى ملك النُّوبة، وخُذْ لي أمانًا، وابْتَعْ لنا مِيرَةً. فمضَى وغاب عني زمانًا، ثم أقبل ومعه آخر، فدخلَ، فكَفَّر لي (٢) وقال: الملكُ يقولُ لك: أمحاربٌ أنتَ، أم راغبٌ إليَّ، أم مستجيرٌ بي؟ فقلت: أمَّا محاربٌ؛ فمعاذ الله، وأما راغبٌ؛ فما كنتُ لأبغيَ بديني بدلًا، وأما مستجيرٌ به؛ فلعمري. فقال: أمَّا المِيرَةُ فسنأتيك الساعةَ بها، وأمّا المَلِك فصائر إليك غدًا. ومَضَى، وإذا بالمِيرَة قد أقْبَلَتْ. فلما كان من الغد؛ فَرَشْتُ الدار بالفُرُش، وصَعِدْتُ على أعلاها أنظرُ من بين شُرْفَتَين أرْقُبُ مجيئه، وإذا برجل قد أقبل؛ عليه بُرْدٌ متَّزرٌ به، وعلى عاتقه بُرْدٌ آخر، وهو حافٍ راجلٌ، ومعه عَشَرةٌ بأيديهم الحِراب؛ ثلاثةٌ يَقْدُمُونَه، وسبعةٌ وراءه، فهانَ عليَّ أمرُه، وسوَّلَتْ لي نفسي قتلَه. فلما قَرُبَ من الدار؛ إذا بسوادٍ عظيم قد أقبل، فوافَى زهاء عشرة آلاف عِنان، فكانت موافاةُ الخيل إلى الدار وقتَ دخوله، فأحدقُوا بها، ودخلَ، فقال لتَرْجُمانِهِ: أين الرجل؟ فأومأ إليَّ، فأخذَ بيدي فقبَّلَها، ووضَعَها على صدره، وجعلَ يدفعُ ما على الأرض من البُسُط والفُرُش برجله، وقعدَ على الأرض، فظنَنْتُ أنَّ ذلك شيئًا يُجِلُّونَه أن يجلسوا عليه، فقلت لتَرْجُمانه: لِمَ لَمْ يقعدْ على الفُرُش؟ فسأله، فقال: قل له: إني مَلِكٌ، وكلُّ ملكٍ حقّ له أن يتواضعَ لله تعالى؛ إذ رَفَعَه. ثم أطرق مفكّرًا، ثم رفع رأسه وقال للترجمان: قل له: كيف سُلِبْتُم هذا الملك وأنتم أقربُ الناس إلى نبيِّكم؟! فقلتُ: جاء مَنْ كان أقربَ إليه منَّا، فسَلَبَنَا وقَتَلَنَا وطَرَدَنا، وشَرَّدَنا في البلاد، فخرجتُ مستجيرًا بك.

стр. 5442

فقال: سله: لِمَ كنتُم تشربون الخمر وهي محرَّمةٌ عليكم في كتابكم؟! قلت: فعلَ ذلك عبيدٌ وأتباعٌ وأعاجمُ دخلُوا في ملكنا من غير رأينا. قال: فلِمَ كنتُم تلبسون الحريرَ والدِّيباج، وتُحَلّون سُروجَكم بالذَّهب والفضَّة، وهو محرَّمٌ عليكم؟! فقلتُ: فعلَ ذلك عبيدٌ وأتباع. قال: فلِمَ كنتُم إذا خرجتُم إلى الصَّيد تقحَّمْتُم القُرى، وكَلَّفْتُم أهلَها ما لا طاقةَ لهم به بالضَّرب الوجيع، وأكلتُم أموالهم بغير الحق، ثم ما كفاكم ذلك حتى تَجُوسُوا زُروعهم، فتُفسدوها في طلب دُرَّاج -أو عصفور- قيمتُه نصفُ درهم، والفسادُ محرَّمٌ عليكم في دينكم؟! فقلت: عبيدٌ وأتباع. فقال: لا والله، ولكنَّكم استَحْلَلْتُم ما حرَّم الله، وأتيتُم ما نهاكم عنه، فسلبَكم العزَّ، وألبسكم الذّلَّ، ولله فيكم نِقْمَةٌ لم تبلغْ غايتَها، وإني أتخوَّفُ عليكم أن تنزل بك النِّقْمةُ إذْ كنتَ من الظَّلَمة، فتشملَني معك، فإنَّ النِّقْمَةَ إذا نزلَتْ عَمَّتْ وشَمَلَتْ، فاخْرُجْ من بلادي بعد ثلاث، فإني إنْ وجَدْتُك بعدَها قتَلْتُك وأخَذْتُ جميعَ ما معك وقتَلْتُ أصحابَك. ثم قام وخرج. فأقمتُ ثلاثًا، ثم عُدْتُ إلى مصر مستخفيًا، فغُمز عليَّ، فأخذَني عاملُك، فبعثَ بي إليك، وها أنا ذا والموتُ أحبُّ إليَّ من الحياة. فهمَّ أبو جعفر بإطلاقه، فقال له إسماعيل بنُ علي: في عنقي له بيعة. قال: فماذا ترى؟ قال: يُترك في بعض دُورنا، ويَجري عليه ما يجري على أمثاله. قال: ففعل. فوالله ما أدري أمات في حبسه، أم أطلقه المهديّ. ويحتمل أن الواقعة كانت مع المهديّ (١). ذكر قضاة مروان وكتَّابه وحجَّابه ونحو ذلك: كان على قضائه عثمانُ بنُ عُمر بن موسى بن عبد الله (٢) بن معمر التَّيميّ، وكان عالمًا فاضلًا.

стр. 5443

قال: رأيتُ في المنام كأنَّ عاتكةَ بنت يزيد (١) بن معاوية على منبر دمشق ناشرةً شَعْرَها تنوح وتقول: أينَ الشبابُ وعيشُنا اللَّذُّلذي (٢) … كُنَّا به زَمَنًا نُسَرُّ ونَجْذِلُ ذَهَبَتْ بَشَاشَتُهُ وأصبحَ ذِكْرُهُ … أَسَفًا يُعَلُّ به الفؤادُ ويُنهَلُ قال عثمان: فلم يكن بين هذا المنام وزوال ملك بني أمية إلا أقل من شهرين. والبيتان للأحوص من قصيدته التي يقول فيها: يا بيتَ عاتكةَ التي أتَعَزَّلُ (٣) ثم استقضى المنصورُ عثمانَ على العراق، فمات بالحِيرة قبل أن يبنيَ بغداد (٤). واستقضى مروان سليمان بن عبد الله بن عُلاثة (٥). وأما كاتبُه فعبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري مولى بني عامر بن لؤي، وكان معلِّمًا، وهو الذي يُضرب به المَثَلُ في الكتابة. وقد أشار بعض الشعراء إليه ومدح بعض الوزراء فقال: البَدْرُ يَخْجَلُ من مُنائِكْ … والبَحْرُ يَدْهَشُ من عَطائِكْ يا سيِّد الوزراءِ مِنْ عَبْـ … ــــدِ الحميدِ ومن أولئكْ ما أحوجَ الدنيا إلى خَرْ … قِ العوائدِ من بقائكْ وأصل عبد الحميد من الأنبار، وسكن الرَّقَّة، وأستاذُه في الكتابة سالم مولى هشام بن عبد الملك، وهو صاحب الرسائل والبلاغات؛ قال له مروان لمَّا رأى دولتَه قد أدبرت: القومُ محتاجون إليك لأدبك، فإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حُسن الظن بك، فاستأمِنْ إليهم، وأَظْهِر الغَدْرَ بي، فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد وفاتي في حُرَمي، فأنشده:

стр. 5444

أُسِرُّ وفاءً ثم أُظْهِرُ غَدْرَةً … فَمَنْ لي بعُذْرٍ يُوسِعُ الناسَ ظاهرُهْ يا أمير المؤمنين، إن الذي أمَرْتَني به أنفعُ الأمرين لك، وأقبحُهما بي، ولكني أصبر حتى يفتحَ الله عليك، أو أُقتَلَ معك (١). ولما قُتل مروان؛ استخفى عبدُ الحميد بالجزيرة، فغُمز عليه، فأُخذ، فدفعَه أبو العباس إلى عبد الجبَّار صاحب شُرطته، فكان يُحمى له طشتًا بالنار ويضعُه على رأسه حتى مات (٢). وكان على حِجابة مروان صِقلاب مولاه، ويقال: مقلاص، وعلى الخاتم عبد الأعلي بن ميمون بن مِهْران (٣). ولما قُتل مروان عاد صالح من مصر إلى الشام ومعه أموالُ مروان والرَّقيق والسلاح، واستخلف أبا عون على الفُسطاط والديار المصرية (٤). وهذا أبو عَوْن اسمُه عبدُ الملك بنُ يزيد الأزديُّ مولاهم، الجُرجانيُّ، أحد قوَّاد بني العباس". شهد حِصار دمشق مع عبد الله بعد أن كُسر مروان على الزَّاب، ووليَ إمرةَ مصر [في خلافة السفَّاح] خلافةً لصالح بن عليّ مرَّتين، فكانت ولايته الثانية عليها ثلاثَ سنين وستةَ أشهر. وعاش إلى أيَّام المهديّ، ولم يُذكر لنا تاريخُ وفاته (٥). قال الطبريّ: مرض فعادَهُ المهديُّ؛ فإذا منزلٌ رَثٌّ، وبناءُ سوء، وإذا طاقٌ صُفَّتُهُ التي هو فيها لَبِنٌ (٦)، فأَعجب المهديَّ حالُه وقال له: أوصْي بحاجتك، وسَلْني ما أردتَ، واحْتَكِمْ في حياتك ومماتك، فوالله لئن عَجَزَ مالُك عن شيء تُوصيني به

стр. 5445

لأَحْتَمِلَنَّهُ (١) كائنًا ما كان. فدعا له وقال: يا أمير المؤمنين، حاجتي إليك أن تَرْضَى عن عبد الله بن أبي عون. فقال: يا أبا عَوْن، إنَّه على غير الطريق، وعلى خلاف رأيِنا ورأيك، إنه يقع في الشيخين أبي بكر وعمر، رضوان الله عليهما. ولما خرج المهدي من بيته؛ قال لبعض مَنْ كانَ معه من ولده وإخوته: ما لكم لا تكونون (٢) مثل أبي عون؟! واللهِ ما كنتُ أظنُّ إلا أن منزلَه مبنيًّا بالذهب والفضة، وأنتم إذا وجدتُم درهمًا بنيتُم بالساج والذهب (٣)! انتهت أيام (٤) بني أمية، وعددُ ملوكهم أربعةَ عشرَ ملكًا، أوَّلُهم معاوية، وآخِرُهم مروان، وأيامهم إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام، منها فتنةُ ابن الزبير تسعُ سنين واثنا عشر يومًا. وقال المسعوديّ: كان ملكُهم ألفَ شهر، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٥). وكذا ذكر الثعلبيّ في أحد الأقوال. وقيل للأبرش الكلبيّ: ما كان سبب زوال ملك بني أمية مع كثرة العَدَد والعُدَد والأموال والموالي وغير ذلك؟ فقال: أبْعَدُوا أصدقاءهم ثقةً بهم، وقرَّبوا أعداءَهم جهلًا منهم، فصار الصديقُ بالبعاد عدوًّا، ولم يَصِرْ العدوُّ بالدُّنُوِّ صديقًا (٦). والله أعلم. منصور بن المعتمر أبو عتَّاب السُّلَميُّ، من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة. قال: طلَبْنا العلم وما لنا فيه تلك النِّيَّة، ثم رزَقَ اللهُ فيه بعدُ.

стр. 5446

وقال سفيان بن عُيينة: كان منصور قد عَمِشَ من البكاء؛ كانت له خرقة ينشّف بها الدموع، وزعموا أنه صام ستين سنة، وقام ليلَها (١). وقال زائدة بن قُدامة: صام منصور أربعين سنة (٢)؟ [صام] (٣) نهارها وقام (٤) ليلَها، وكان يبكي الليل كلَّه، فتقول له أمُّه: يا بني، قتلت قتيلًا! فيقول: أنا أعلم ما صنعتُ بنفسي. فإذا أصبحَ كَحَلَ عينيه، ودهَنَ رأسَه، وبرَّق شفتيه، وخرج إلى الناس، فأخذَه يوسفُ بنُ عمر عاملُ الكوفة، فأراده على القضاء، فامتنع. قال زائدة: فدخلتُ عليه وقد جيء بالقيد ليُقيَّد، فجاءه خصمان، فقعدا بين يديه، فلم يسألهما، ولم يكلِّمهما. وقيل ليوسف: لو نثرتَ لحمه؛ لم يلِ لك قضاءً. فخلَّى عنه. وقال أبو عَوَانة: لما أُجلس للقضاء؛ كان يأتيه الرَّجلُ فيقصُّ عليه أمرَه، فيقول: قد فهمتُ ما قلتَ، ولكن ما أدري ما الجواب. وبلغَ ابنَ فبيوة فقال: هذا أمرٌ لا يصلح إلا أن نعينَ عليه صاحبَه بشهوة. فتركه. وقال [العلاء بن] (٥) سالم العبدي: كان منصور يصلِّي في سطحه، فلما مات؟ قال غلامٌ لأمه: يا أمَّاه، الجِذْعُ الذي كان في سطح منصور؛ ما أراه؟ فقالت: ليس ذاك بجذع، ذاك منصور، وقد مات! وقيل: كان منصور يحيي الليلَ كلَّه في ركعة لا يركع فيها ولا يسجد. وقال سفيان: إنما كان الليلُ مطيَّةً عند منصور من المطايا متى شاء ارتحل (٦). أسند عن أنس (٧) وغيره، وكان ثقةً مأمونًا عاليًا رفيعًا، كثيرَ الحديث (٨).

стр. 5447

الوليد بن معاوية ابن مروان بن عبد الملك بن مروان (١)، أمُّه بربريَّة، ويقال: إن أمَّه زينب بنتُ الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. كان أميرًا على دمشق في آخر أيام بني أميَّة، وكان يُسمى أُصَيهِبَ قريش المذكور في الملاحم أنه يُقتل. ولما حَصَرَ عبدُ الله [بنُ عليّ] دمشقَ وقعت الفتنةُ بين اليمانيَّة والمُضَريَّة، فقُتل بينَهم. وقيل: إنه تحدَّر من ناحية باب الفراديس، فدخل دارًا، فاختبأ فيها، ودخل عبدُ الله الخضراء وابنةُ مروان زوجةُ الوليد بها، فجلس عبد الله على فِراشها، فألقَتْ نفسَها على الجدار، فقال لها عبد الله: يا بنت مروان، أين ابنُ الصُّنَّاجة؟ يعني زوجَها. فقالت: الرِّجال أعلمُ بالرِّجال. ثم غُمز عليه، فجاؤوا به فقتلَه. وقال عَمرو (٢) بن يزيد البصري في الملاحم: يُقتل أُصَيهب قريش بدمشق، ويقتل معه سبعون صِدِّيقًا. فَقتلَ عبدُ الله [بنُ علي] بدمشق أربعة آلاف، وبعث بيزيد ابن أخي الوليد صاحب هذه الترجمة (٣) إلى أبي العباس، فقتلَه بالحِيرة وصَلَبه. يحيى بن يحيى أبو عثمان الغسَّاني، من الطبقة الثالثة، وقيل: من الثانية، من أهل الشام (٤).

стр. 5448

كان عامل سليمان وعمر بن عبد العزيز رحمهما الله على الموصل، وكان سيِّدَ أهل الشام وقاضيَهم. شرب شربة [فشرق فيها] فمات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة (١). قال: أنْزِلُوا الأضياف ولا تَكَلَّفُوا لهم مؤونة، فإنكم متى تكَلَّفْتُم لهم؛ ثَقُلَ عليكم، فتتغيَّرُ وجوهُكم، فيظهرُ فيها ذلك فيتأذَّوْن؛ لأن طلاقةَ الوجه عند الضَّيف أحبُّ إليه من القِرَى، أطعموهم ما حضر (٢). أسند عن أبيه وابن المسيِّب وغيرهما، وروى عنه سفيان بن عُيينة وغيرُه، وكان ثقة. يحيى بن أبي كثير اليماني مولًى لطيِّئ. قال أيوب السَّخْتياني: ما بقيَ على وجه الأرض مثلُ يحيى بن أبي كثير (٣). وكان من علماء الإِسلام، وكان يقول: ميراثُ العلم خيرٌ من الذَّهب والفضَّة، والنفسُ الصالحةُ خيرٌ من اللؤلؤ (٤). وقال: العالِمُ مَنْ يخشَى اللهَ . وقال: ما صَلَحَ منطقُ رجل إلا عرفتَ ذلك في سائر عملِه، ولا فَسَدَ منطقُ رجل إلا عرفتَ ذلك في سائر عمله (٥). توفي سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومئة. أَسند عن أنس وغيره، وروى عنه الأئمة، وكان صدوقًا ثقة زاهدًا ورعًا.

стр. 5449

يزيد بن عمر بن هُبيرة ابن مُعَيَّة (١)، أبو خالد الفَزَاريّ. وأبوه عمر من الطبقة الرابعة من أهل الشام، غزا القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك سنة سبع وتسعين (٢)، وجَمعَ له [يزيد بن عبد الملك] العراقيين (٣) سنة ثلاث ومئة، فأقام واليًا على العراق ستَّ سنين (٤)، وعزلَه هشام، ومات وعمرُه نيِّفٌ وخمسون سنة، ولم يُذكر لنا تاريخُ وفاته. وكان لعمر أولاد: يزيد بن عُمر (٥)، وسفيان، وعبد الواحد، ولم يكن فيهم مثل يزيد. وليَ [يزيد] قِنَّسْرِين للوليد بن يزيد، وكان مع مروان [يومَ غَلَبَ] على دمشق، وجمعَ له ولاية العراقيين سنة ثمان وعشرين (٦). وكان سخيًّا يعطي زوَّارَه في كلِّ شهر خمس مئة ألف درهم (٧). وكان خطيبًا شاعرًا شجاعًا، ورزقُه في كل شهر ستّ مئة ألف درهم؛ يقسمُها في أصحابه وفي العلماء والزُّهَّاد وأربابِ البيوت (٨). وكان ابنُ شُبرمة من سُمَّارِهِ. ودخلَ عليه قوم، فرأَوْا قميصَه مرقوعًا، فعجبوا، فقال: قد يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفتى ورداؤُه … خَلَقٌ وجَيبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ (٩)

стр. 5450

وكان إذا رأى وَهَنًا (١) أنشد: والثوبُ إنْ أَسرعَ فيه البِلَى … أعيا على ذي الحِيلةِ الصَّانعِ كنَّا نُداريها فقد مُزِّقَتْ … واتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقعِ (٢) وهو الذي بني المدينة الهاشمية بالكوفة، وكان عزمَ على تسميتها: الجامعة، فقيل له: أرأيتَ إنْ قيلَ: أين الأمير؟ فيقال: في الجامعة! فسمَّاها: المحفوظة، فلمَّا نزلها أبو العبَّاس؛ سمَّاها الهاشمية، وزاد في بنائها (٣). وقال زياد بن عبد الله (٤) الحارثي خالُ السَّفَّاح: وفدتُ على مروان في جماعة ليس فيهم يمانيٌّ غيري، وكان يزيد بنُ هبيرة على شُرطته وهو على بابه يسمع إنشادَ الشعراءِ وخُطَب الخطباءِ في مدح مروان، ويبحث عن أنسابهم، فقلت: إنْ عرفَ نَسَبي زادَني عنده شرًّا، فتأخرتُ، فلمَّا لم يبق غيري قال في: انتسِبْ. فقلتُ: أنا من اليمن. فقال: من أيّها؟ قلت: من مَذْحِج. فقال: إنك لَتطمحُ بنفسك، اخْتَصِرْ. فقلت: من بني الحارث بن كعب، فقال: يا أخا بني الحارث، إن الناس يزعُمون أن أبا اليمن قرد، فما تقول؟ فقلت: الحجَّة ظاهرة، وكان متَّكئًا فاستوى قاعدًا وقال: وما حجَّتك؟ قلتُ: ينظر في كنية القرد، فإن كان يُكنى بأبي اليمن؛ فهو أبو اليمن، وإن كان يكنى بأبي قيس؛ فهو ممَّن يُكنى به. فوجَمَ، وجعل اليمانيُّة تَعَضُّ على شِفاهها، والقيسيَّة تكاد تزدردُني. ودخل بها الحاجب على مروان، وقام ابنُ هُبيرة، فدخل عليه ثم خرج وقال: أين الحارثيُّ؟ فقلت: ها أنا، فدخل بي على مروان وهو يضحك، فقال: إيه عنك وعن ابنِ هُبيرة! وايمُ اللهِ لقد حَجَجْتَه، أوليس يزيدُ بنُ معاوية يقول: تَمَسَّكْ أبا قَيسٍ بفَضْلِ عِنانها … فليس عليها إنْ هَلَكْتَ ضَمانُ فلَمْ أرَ قِرْدًا قبلَه سَبقَتْ بهِ … جِيادُ أميرِ المؤمنين أتانُ

стр. 5451

وخرجتُ من عنده، ولحقَني إبنُ هُبيرة، فوضعَ يده بين منكبيَّ وقال: يا أخا بني الحارث، واللهِ ما كان كلامي إيَّاك إلا هَفْوة، وإن كنتُ لَأَرْبأُ بنفسي عن ذلك، ولقد سرَّني أن لُقِّنْتَ الحُجَّة عليَّ ليكون ذلك أدبًا لي فيما أستقبل، وأنا لك بحيث تحبُّ، واجعلْ منزلَك عليَّ. ففعلتُ، فأكْرَمَني وأحسنَ نُزُلي وضيافتي (١). وابنُ هُبيرة من قَيْس. ذكر مقتله: قد ذكرنا أن السَّفَاح وأبا جعفر أمَّنَاه، وأمّا بواسط وبها أبو جعفر، وكان السَّفَّاحُ لا يقطعُ أمرًا دون أبي مسلم، فكتب إليه في معناه، فكتب إليه أبو مسلم: إن الطريق السهل إذا وُضعت فيه الحجارة مَنعَتْ من سُلُوكه، فأزل هذا الحجر الثقيل من الطريق (٢). وقال المدائني: لما كتب أبو جعفر بينه وبين ابن هُبيرة كتابَ الصُّلح؛ خرجَ إلى أبي جعفر وبينه وبينه ستر، فقال ابنُ هُبيرة: أيُّها الأمير، إنَّ دولتكم بِكْرٌ، فأذِيقُوا الناسَ حَلاوتَها، وجَنِّبُوهُم مَرَارتَها، تَصِلْ محبَّتُكُمْ إلى قُلُوبهم، ويَعْذُبْ ذِكْرُكُم على ألسنتهم، وما زلنا منتظرين لدعوتكم، فوفع أبو جعفر الستر بينه وبينه وقال في نفسه: عَجَبًا لمن يأمرُني بقتل مثل هذا (٣)! وكان مع ابن هُبيرة يومَ خرجَ إلى أبي جعفر ألفٌ وثلاثُ مئة، فقيل له: أقْلِلْ، فما في كثرة الجيش فائدة. فصار يخرجُ في ثلاثة أنفس، يتغدَّى مع أبي جعفر، ويتعشَّى معه، ويُثني له وسادة، فيقال: إنه كان يُكاتب آلَ أبي طالب، ويدعو إليهم وإلى خلع أبي العباس.

стр. 5452

وجاءه كتابُ أبي مسلم يحثُّه على قتله، فكتب أبو العباس إلى أبي جعفر يأمره بقتله، فقال: لا أفعل وله في عنقي عهدٌ وأَيمان، فلا أضيِّعها يقول أبي مسلم، فكتب: ما أقتلُه يقول أبي مسلم، بل بنَكْثِه وغَدْره ودسيسه إلى آل أبي طالب، وقد أُبيح لنا دمُه، فلم يُجبه أبو جعفر وقال: هذا فَسَادُ الملك، فكتب إليه أبو العباس: لستَ منّي ولستُ منك إنْ لم تقتلْه، فقال أبو جعفر للحسن بن قَحْطَبَة: اقتله أنتَ. فامتنع، فقال خازم بن خُزيمة: أنا أقتلُه. فدخل عليه في جماعة من قُوَّاد خُراسان وهو في القصر وعنده ابنُهُ داود، وكاتبُه عُمر بن أيوب، وعدَّةٌ من مواليه، وعليه قميص مصريّ، ومُلاءة مورَّدة، وعنده الحجَّام وهو يريد أن يحجمه، فلما رآهم سجد، فقتلُوه وقتلُوا ابنَه وكاتبَه ومَنْ كان معه، وحملُوا رأسَه إلى أبي جعفر -وكان مَعْنُ بنُ زائدة غائبًا عند السَّفَّاح فَسَلِم- ويعث أبو جعفر برأسه إلى السَّفَّاح (١). وكان ليزيد ثلاثة أولاد: داود، قُتل معه، والمُثنَّى؛ وكان واليًا لأبيه على اليمامة، فقتلَه أبو حمَّاد المروزيّ، ومَخْلَد؛ له عقب (٢). ولما قُتل قال بعض الخُراسانيين لبعض أصحابه: ما كانَ أكبرَ رأسِ صاحبِكم! فقال له: أمانكم كان أعظم (٣)! ولما قُتل هدم أبو جعفر قصر واسط (٤). ورثاه أبو عطاء السِّنْدِيّ، فقال: ألا إنَّ عينًا لم تَجُدْ يومَ وَاسِطٍ … عليك بجاري دمعِها لَجَمُودُ عَشِيَّةَ قامَ النائحاتُ وشُقِّقَتْ … جُيوبٌ بأيدي مَأتمٍ وخُدُودُ فإن تُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فربَّما … أقامَ به بعدَ الوُفودِ وُفُودُ فإنَّك لم تَبْعَدْ على مُتَعَهِّدٍ … بلى كلُّ مَن تحتَ التُّرابِ بعيدُ (٥)

стр. 5453

يونُس بنُ مَيْسَرة ابن حَلْبس، أبو حَلْبَس الجُبْلاني، بجيم وباء منقوطة بواحدة، قبيلة من حِمْيَر، وهو من الطبقة الخامسة من أهل الشام. ولما دخل المسوِّدة دمشقَ؛ دخلوا مسجدَها، فقتلُوا مَنْ وجدُوا فيه، فقُتل يونسُ يومئذ، وكان ضريرًا، ولما قتلُوه أُخبروا بصلاحه، فقعدُوا يبكُون عليه. وكان صالحًا ثَقة، عاش عشرين ومئة سنة؛ أقام مدَّةً يُقرئ القرآن بجامع دمشق. ويقال: إن عبد الله [بن علي] لما هجم دمشق؛ خرج يونُس من الجامع إلى داره، فَرَمَحَتْهُ بغلةٌ فمات. أسند عن ابن عمر، وواثلة، ومعاوية، وغيرهم، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيره (١).

стр. 5454

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الثاني عشر [١٣٣ - ١٧٩ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه أنور طالب - فادي المغربي - عمار ريحاوي - رضوان مامو

стр. 5455

النسخ الخطية المعتمدة في السنوات (133 - 499 هـ) ١ - نسخة الخزائنية، ورمزها (خ) وتتألف من عدة أجزاء متتابعة: أ- الجزء السابع وفيه السنوات (١١١ - ١٧٩ هـ). ب- الجزء الثامن (١٨٠ - ٢٣٦ هـ). جـ- الجزء التاسع (٢٣٧ - ٣٠٩ هـ). د- الجزء العاشر (٣١٠ - ٣٨٩ هـ). هـ- الجزء الحادي عشر (٣٩٠ - ٤٦٢ هـ). و- الجزء الثاني عشر (٤٦٣ - ٥٦٠ هـ). ٢ - جزء من نسخة أحمد الثالث، فيه السنوات (١١٥ - ١٤٢ هـ)، ورمزها (د). ٣ - أجزاء من نسخة باريس، ورمزها (ب)، وهي: أ- جزء فيه السنوات (٩٦ - ١٤٩ هـ). ب- جزء فيه السنوات (١٩٠ - ٢٨١ هـ). جـ- جزء فيه السنوات (٣٥٨ - ٤٠٥ هـ). د- جزء فيه السنوات (٤٤٠ - ٤٦٧ هـ). هـ- جزء فيه السنوات (٤٦٤ - ٥١٧ هـ). ٤ - أجزاء من نسخة المتحف البريطاني، ورمزها (ف)، وهي: أ- جزء فيه السنوات (٢١٨ - ٢٧٨ هـ). ب- جزء فيه السنوات (٢٨٢ - ٤٦٠ هـ). جـ- جزء فيه السنوات (٤٠٥ - ٤٦٣ هـ). ٥ - نسخة مجهولة رمزها (م) وتتألف من جزأين: أ- جزء فيه السنوات (٣٢٧ - ٤٤٨ هـ).

стр. 5456

ب- جزء فيه السنوات (٤٥٠ - ٥٦٨ هـ). ٦ - جزء من نسخة أخرى مجهولة رمزها (م ١) فيه السنوات (٢٨٢ - ٤٦٥ هـ). وانظر وصفًا مفصلًا لهذه النسخ في مقدمة الجزء الأول من الكتاب. * * *

стр. 5457

أَبواب في ذكر بني العباس البابُ الأول في خلافة أبي العباس السفاح واسمه عبد الله بنُ محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وأُمُّه رَيْطة (١) بنت عُبَيد الله [بن عبد الله] (٢) بن عبد المَدَان بن الدَّيَّان، من بني الحارث بن كعب، وكانت قبل أن يتزوَّجها محمد عند عبد الملك بن مروان، فأولدها الحجَّاج بن عبد الملك، فهو أخو السفاح لأُمّه (٣). وقال ابن الكلبي: أراد محمد أن يتزوَّج ريطة، فمنعه مثها بنو أميَّة؛ الوليد وسليمان؛ لأنه قيل لهم: زوالُ مُلككم على يد رجلٍ أمُّه حارثية، فلما قدم عمر بنُ عبد العزيز ﵀ شكا إليه محمد، فقال: تزوَّج من شئت، فتزوَّجها، فأولَدَها أبا العباس، وعُبَيد الله، وداود، وآمنة (٤). وقيل: إن محمدًا تزوَّجها بعدما طلَّقها [الحجاج بن] (٥) عبد الملك، وكان صديقه فتنكر على محمد وعابه. وولد له السفاح بالشراة سنة خمس، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ثمان ومئة، وولي الخلافةَ وهو ابنُ سبع وعشرين سنة. وكان أصغرَ من أخيه أبي جعفر، وكان

стр. 5458

أبيض، طوالًا، وقيل: معتدل القامة، جَعْدًا، [له] (١) وَفْرةٌ، حسنَ الوجه واللحية، جميلًا، أشبه الناس بأبيه محمد، ويقال: إنه كان بينه وبين أبيه محمد في السِّن أربع عشرة سنة. وسُمِّي السَّفَّاح لما سفَحَ من دماء المُبْطِلين، وقيل: السفَّاح: هو القادر على الكلام. وكان لَسِنًا فصيحًا، لم يكن في الخلفاء أفصح منه. ويلقَّب بالمرتضى والقائم، والسفَّاحُ أشهر ألقابه. وقال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم: أول الأسماء التي وقعت على الخلفاء: الصِّديقُ، والفاروق، وذو النورين، ثم لم يتسمَّ أحدٌ من خلفاء بني أمية بلقب، وإنما كان يُقال لهم: الخلائف، حتى قام أبو العباس فسُمِّي السفَّاح، ثم المنصور، وهما أول من تسمَّى بهذا الاسم، ثم المهدي محمد بنُ المنصور، وأول ما سُمي به محمد بن الحنفية، ثم محمد بنُ عبد الله بن الحسن، ثم من بعدُ جماعة من أمراء المغرب. وقد أخرج الخطيب أحاديث في "تاريخه" منها: عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ قال: "يخرجُ رجل في انقطاعٍ من الزمن، وظهورٍ من الفتن، يُسمَّى السفَّاح، يكون عطاؤه المال حَثْيًا" (٢). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنَّا السفَّاح، والمنصور، والمهديُّ" (٣). وهذه الأخبار لا تثبتُ مرفوعةً ولا موقوفة. ذكر خروجهم من الشام إلى الكوفة لما حُمِل إبراهيمُ الإمام إلى حرَّان نعى نفسَه إلى أهله حين شيعوه، وأمرهم بالمسيرة من الحِمَّة إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس؛ خوفًا عليهم من مروان. قال المصنف ﵀: في عامَّة النسخ: الحِمَّة، وهو وهمٌ؛ لأن الحِمَّة مكان بحوران، والمكان الذي كان فيه بنو العباس يقال له: الحُمَيمة، بالبلقاء، وهي قرية

стр. 5459

بالشَّراة بأرض الشَّوْبَك، بينها وبين الشَّوْبَك مقدار يوم. فخرجوا، وهم: أبو العباس وأبو جعفر ويحيى بنو محمد بن علي، وداود وصالح وإسماعيل وسليمان وعبد الله وعيسى وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وموسى بنُ داود، وعيسى بنُ موسى، ويحيى بنُ جعفر بنُ تمام بن العباس، وعبد الوهاب بن إبراهيم الإمام (١). وقال ابنُ أبي الدنيا: خرج أبو العباس من الحِمَّة يريد العراق ومعه أخوه عبد الله بن محمد، وعبد الله، وعيسى، وموسى وأمه أم موسى بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بدُومة الجَنْدَل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ قالوا: الكوفة؛ فإنَّ لنا بها شيعةً، وقد كاتبنا أبو سلمة، فقال لهم داود: أتأتون الكوفة وشيخُ بني مروان بحران مُطِل على العراق والشام والجزيرة -يعني مروان- وشيخُ العرب في سادات العرب -يعني: يزيد بنَ عمر بن هبيرة- فقال أبو العباس: يا عم، من أحب الحياة ذل، ثم تمثَّل بقول الأعشى (٢): فما ميتةٌ إن متُّها غيرَ عاجز … بعارٍ إذا ما غالت النفس غُولُها فالتفت داود إلى من معه وقال: صدق ابنُ أخي، ارجعوا بنا معه نعيشُ أعزاء، أو نموت كرامًا، فرجعوا معه، فكان عيسى بنُ موسى يقول: إن أربعة عشر نفرًا خرجوا من الحِمَّة يريدون العراق يطلبون ما طلبنا لعظيمه هممُهم، كبيرة نفوسُهم، شديدةٌ قلوبُهم (٣). قال الهيثم: فمرُّوا على ماء عليه حيٌّ من العرب، فنظرت امرأةٌ من الحيِّ في وجوههم، فقالت: تالله ما رأيتُ وجوهًا كاليوم، هذا خليفة -وأشارت إلى أبي العباس- وهذا خليفة -وأشارت إلى أبي جعفر- وهذا خارجي -وأشارت إلى عبد الله بن عليّ- فكان كما قالت. قال الواقدي: فقدموا الكوفةَ في صفر، فأنزلهم أبو سلمة في دار الوليد بن سعد في

стр. 5460

بني أَوْد، وكتَمَ أمرهم عن القوّاد من الشيعة أربعين يومًا، وكتب إلى المدينة إلى آل أبي طالب، وأقام منتظرًا جوابهم. وكان أبو العباس كلما أرسل إليه في ظهورهم يقول: ما آن لكم أن تخرجوا بعدُ. وكان أهل خراسان إذا سألوه عن الإمام يقول: نحن في انتظاره. ولمَّا طال الأمر على أبي العباس أرسل إلى أبي سلمة يقول: أنا الليلةَ آتيك، فقال أبو سلمة لأسد بن المرزبان وسَلْم مولى قحطبة: إذا أتاني الليلة رجل من صفته كذا وكذا، فتحدَّث معي، وقمتُ وتركته، فاقتلوه؛ فإنه يريد أن يفسد علينا ما قد عزَمنا عليه، وجاءه أبو العباس فقال له: ما السببُ في كونك أقدَمْتنا وتُماطلُنا؟ وتناظرا ساعةً، فغضب أبو سلمة وأشار إلى القوم، ففهم أبو العباس، فتعلق بثوبه وضاحَكَه، وقام فخرج معه، ولما عاد أبو العباس إلى أهله قال: الآن أفلتُّ منه، وفي عزمه صَرفَ الأمر إلى غيرنا، فقال داود بنُ علي وأخوه عبد الله: الرأيُ أن تخرج فتعلم الشيعة والقوّاد بك (١). ذِكْر ظهورهم لما قوي أمرُ الدعاة بخراسان وشارفوا العراق استدعى أبو سَلَمة بني العباس إلى الكوفة، وصيَّرهم في منزله في سرداب، وكان يراعي الأخبار، وكان الدعاة يُؤمرون بقصده إذا ظهروا على الكوفة؛ ليُعرِّفهم الإمامَ فيسلِّمون الأمر إليه. فلما أوقع قحطبة بابن هُبَيرة الوقعة العظيمة على الفرات، وغرق قحطبةُ، وانهزم ابنُ هبيرة إلى واسط، ودخل ابنا قحطبة الكوفةَ، وطلبا أبا سلمة وخرج إليهما، قالا: أين الإمام؟ أخرِجه إلينا، فقال: لم يحضر الوقتُ الذي يجوز فيه ظهورُه، وأخفى الأمر عن بني العباس، وعزم على نقل الأمر إلى بني فاطمة على نبيِّنا وعليها الصلاةُ والسلام، وكاتَبَ جماعةً منهم، فتأخَّروا عنه. وساء ظنُّ بني العباس به، فاحتالوا حتى أخرجوا مولى لهم أسود كان معهم في السرداب، وقالوا: اعرفْ لنا الأخبارَ، فخرج وعاد، فعرَّفهم أن قحطبة غرق، وأن

стр. 5461

ابنَيه دخلا الكوفة، وأن ابنَ هُبَيرة هرب إلى واسط، فقالوا: اخرُجْ، فتعرَّض لابني قحطبة، وعَرِّفهما مكانَنا، ومُرْهما أن يكبسا الدارَ علينا، فخرج العبدُ، وكان حُمَيد بن قحطبة يعرفُه، فتعرَّض له، فلما رآه أكبر رؤيتَه، وقال: ويحكَ! ما فعل ساداتُنا؟ أخبره بمكانهم، وأدَّى إليه الرسالةَ. فركب في طائفة من الجيش، وهجم الدار وأبو سلمة غافل، وأراه العبدُ موضعَ السِّرداب، فدخل حُمَيد فقال: السلامُ عليكم أهلَ البيت ورحمةُ الله وبركاته، فردوا عليه، فقال: أيكم ابنُ الحارثية؟ وكانت أمُّ أبي لعباس [عبد الله بن] (١) محمد بن علي حارثيةً، وكان إبراهيمُ الإمام لما بثَّ الدعاةَ قال: الإمامُ بعدي ابنُ الحارثية الذي معه العلامة، والعلامة قولُه تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، ولم يُسِرَّها براهيمُ إلا إلى أبي العباس، فلما قال ابنُ قحطبة: أيّكم ابنُ الحارثية؟ ابتدَرَ أبو لعباس وأبو جعفر كلُّ واحد يقول: أنا ابنُ الحارثية (٢)، فقال ابنُ قحطبة: فأيّكم معه العلامة؟ قال أبو جعفر: فعلمتُ أنّي قد أُخرجتُ من الخلافة؛ لأني لم كن معي علامة، فقرأ أبو العباس الآيةَ، فسلَّم عليه ابنُ قحطبة بالخلافة، ثم انتضى سيفه، وقال: بايعوا أميرَ المؤمنين، فبايعه أخوتُه وأهلُه الذين كانوا معه في السِّرداب، أخرجه في الحال إلى المسجد، وأصعَدَه المنبر، فحُصِر عن الكلام، فتكلم دونه داود بنُ علي، وقام دونه بمِرْقاة. وجاء أبو سلمة وقد استوحَشَ، فدفع حُمَيد بن حطبة ي صدره وقال: أما زعمتَ أن الإمامَ لم يَقْدَمْ؟ فقال: إنما أردتُ أن أدفع ظهورَه حتى يهلك مروان، فقبل منه أبو العباس ذلك، وأجلسه إلى جانبه. قال الصُّولي: قدم أبو العباس وأهلُه الكوفةَ على أبي سلمة، فسترهم، وعزم على أن جعلها شورى بين بني عليٍّ وبني العباس حتى يختاروا، ثم قال: أخاف أن لا يتَّفقوا، فعزم على أن يعدل بها إلى ولد فاطمة ﵍.

стр. 5462

فكتب إلى جعفر بن محمد، وعبد الله بن حسن، وعُمر بن علي بن الحسين، وبعث بالكتب مع رجلٍ من مواليهم، فبدأ بجعفر، فأحرقَ كتابَه ولم يقرأه، وقال للرسول: قل له: أنتَ شيعة لغيرنا، وهذا جوابُه. وأما عبد الله فقبل الكتابَ، وركب إلى جعفر، فقال: هذا كتابُ أبي سلمة يدعوني إلى الأمر، ويرى أنِّي أحقُّ الناس به، وقد جاءته شيعتُنا من خراسان، فقال له جعفر: ومتى صاروا شيعتَكَ؟ وهل تعرفُ أحدًا منهم. أنتَ بعثتَ أبا مسلم إلى خراسان؟ وأغلَظَ له، فقال عبد الله: هذا الكلامُ منك لشيء. فقال: النصحُ واجب على كلِّ مسلم لكلِّ مسلم، فكيف أدَّخره عنك، فلا تُمنينَّ نفسك الأباطيل؛ فإنَّ هذه الدولة لهؤلاء القوم وليست لأحدٍ من ولد أبي طالب، وقد جاءني كتابُه بمثل ذلك فحرَّقتُه، فانصرف عبد الله غيرَ راضٍ، وأما عُمر فردَّ الكتاب، وقال: ما أعرفُ كاتبَه فأُجيبَه. وأبطأ الأمر على أبي سلمة وعلى أبي العباس إلى أن لقي حُميد بنُ قحطبة ومحمد بن صول مولى من مواليهم فدلّهما عليهم، فأخرجهم كما ذكرنا (١). وقال أبو اليقظان: كان أبو الجهم بنُ عطية، وأبو حُمَيد الطوسيُّ من كبار الشيعة الخراسانيين، فسألا أبا سلمة عن الإمام، فقال: لم يَقْدَم بعد، فلقي أبو حُميد مولى لأبي العباس يقال له: سابق الخوارزمي، فسأله عنهم، فقال: هم بالكوفة، قد أمرهم أبو سلمة أن يُخفوا أمرهم، فجاء أبو حُميد إلى أبي الجهم فأخبره. وقال البلاذُري: خرج صالح بنُ الهيثم رضيعُ أبي العباس ومعه سابق، فلقيهما أبو حُمَيد وكان يعرفُهما؛ لأنه كان يتردَّد إلى الإمام، فقال لصالح: ألستَ رضيعَ ابن الحارثية؟ وقال لسابق: ألستَ مولاه؟ قالا: بلى. قال: فما تصنعان هاهنا؟ فأخبراه، فجمع الشيعةَ ودخل عليهم، فبكى أبو العباس وقال: تركَنَا أبو سلمة هاهنا ولم يُعلمكم بنا، وبلغ أبا سلمةَ، فجاء فسلَّم على أبي العباس بالخلافة، فقال له أبو حُمَيد: على رَغْم أنفك يا ماصَّ بَظْر أُمِّه الخلالة! فقال له أبو العباس: مَهْ. ثم أخرج أبو العباس على بِرْذَون أبلَقَ، وقد أحدَقَ به أهلُه ومواليه، وداود بنُ علي إلى جانبه، والناسُ

стр. 5463

يقولون: من هو أميرُ المؤمنين؟ ولا يعرفونه، فقصر داودُ دون أبي العباس، فعرف الناسُ أنه الخليفة، وأبو الجهم وأبو حُمَيد يمشيان بين يديه، وأبو سلَمة خلفَه على فرس (١). وبُويع ليلةَ الجمعة لثلاث عشرة مضت من ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر. وقيل: في نصف جمادى الآخرة. وقال هشام: ظهَرَ يوم الأربعاء ويوم الخميس، وصلى بالناس الجمعة، وأولُ من بايعه موسى بنُ كعب التميميُّ الذي ألجمه أسد بنُ عبد الله بلجام حمار، وجذبه فكسر أسنانَه. وقال خليفة: بُويع بالكوفة في دار الوليد بن سَعْد مولى هاشم في بني أَوْد. وقال المغيرة: رأيتُ أبا العباس حين خرج إلى الجمعة على بِرْذَون أشهب بين عمِّه داود بن علي وأخيه أبي جعفر شابًّا جميلا، تعلوه صفرةٌ، دخل المسجد فَصَعِدَ المنبر، وصَعِدَ داود فوقف على عتبتين من المنبر، فحمد داودُ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس والله ما علا منبرَكم هذا خليفةٌ بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا. قال: ثم إني رأيتُه الجمعةَ الأخرى كأنَّ وجهه ترسٌ، وعنقَه إبريق فضة، وقد ذهبت الصُّفرة (٢). ذكر خطبة أبي العباس قال: الحمدُ لله الذي اصطفى الإسلامَ لنفسه دينًا، وارتضاه وأيَّده بنا، وجعلنا أهلَه وحِصْنَه، والقوَّام به، والذابِّين عنه، والناصرين له، وألزَمَنا كلمةَ التقوى وجعلنَا أحقَّ بها وأهلَها، وخصَّنا برسول الله ﷺ وقرابته، وأنبتَنا من شجرته، واشتقَّنا من نبعته (٣)؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وأحلَّنا من الإسلام بالمنزل الرفيع، وخصَّنا بالتقديس والتطهير، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي﴾ [الشورى: ٢٣] فاللهُ فضَّلَنا، وأوجَبَ على الناس حقَّنا ومودَّتَنا.

стр. 5464

وذَكَر السبئية وعابَهم؛ حيث جعلوا الرياسةَ والخلافةَ في غيرنا (١). ثم قال: فلما قبض الله رسوله قام بالأمر من بعده أصحابه، فحووا مواريث الأمم، وعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها، وظلموا أهلها، واستأثروا بها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا، وردَّ علينا حقَّنا، وتولَّى نصرَنا والقيامَ بأمرنا ليمُنَ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض، وختَمَ بنا كما افتتَحَ بنا، وأنا السفاح المُبيح، والثائر المُبِير. ثم أثنى على أهل الكوفة، وزادهم في أعطياتهم مئةَ درهم مئة درهم، فدعوا له. وكان موعوكًا، فاشتدَّ به الوَعْكُ، فجلس على المنبر وقام داود دونه بمرقاتين فقال: الحمد لله الذي أهلك عدوَّنا، وأصار إلينا ميراثَنا من نبينا ﷺ . أيها الناس، أقشعت حَنادِسُ (٢) الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضُها وسماؤها، وطلعت شمسُها من مطلعها، وبزغ قمرها، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم؛ أهلِ الرأفة لكم، والعطف عليكم. أيها الناس، إنَّا والله ما خرجنا لنكثر مالًا، ولا لنحفر نهرًا، ولا لنبني قصرًا، ولقد كانت أموركم تُمِضُّنا (٣)، ويعزّ علينا سوءُ سيرة بني مروان فيكم، واستذلالُهم لكم، واستئثارُهم بفيئكم ومغانمكم، والآن لكم ذمَّة الله، وذمَّة رسوله، وذمَّة العباس أن نحكم فيكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فتبًّا لَبني حرب وبني مروان؛ حيث آثروا [العاجلةَ على الآجلة، والدار الفانية على الباقية، فركبوا] (٤) الآثامَ، وظلموا الأنامَ، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم (٥)، وجاروا على العباد، وأفسدوا في البلاد، وركضوا في

стр. 5465

ميادين الغيّ جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمَكْرِه، فبُعدًا للقوم الظالمين. أيها الناس، إنَّ أمير المؤمنين إنَّما عاد إلى الخطبة بعد الصلاة لأنه كَرِه أن يخلِطَ بكلام الجمعة غيرَه، وإنما قطَعَه عن الكلام ما هو فيه من الوَعْك، فادعوا الله له بالعافية؛ فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن، وخليفةِ الشيطان، الشابَّ المكتهل، والفتى المتمهِّل (١)، المقتفي بسَلَفِهِ الأخيار، وأهله الأبرار. ثم أثنى على أهل خراسان، ونزل. وقيل: إنه قال: وإن هذا الأمر فينا، وليس بخارج عنَّا، فظنَّ الناس أنه يدعو لنفسه، ففطِنَ، فقال: واعلموا أنه ما صَعِدَ المنبرَ بعد أمير المؤمنين عليٍّ مثلُ خليفتكم هذا، ففرح الناسُ ودعوا له، وأيقنوا أنَّ الخليفة هو أبو العباس. وكان بنو أميةَ يخطبون قعودًا؛ تكبُّرًا منهم، ومخالفة للسنة، فقام السفاحُ وخطبَ قائمًا؛ اقتداءً برسول الله ﷺ والخلفاء من بعده ﵃، فضجَّ الناسُ له بالدعاء، وقالوا: أحييتَ السنةَ يا ابنَ عمِّ رسول الله ﷺ . ولما صَعِدَ أبو العباس المنبرَ كان بيده عصًا، فوقعت من يده، فتطيَّر من ذلك، فناوله إياها داود بن علي، وأنشده: [من الطويل] فألقَتْ عصاها واستقرَّت بها النَّوى … كما قرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ (٢) وقال هشام الكلبي: بينا أبو العباس في خطبته بالكوفة، وهي أول خطبة خطَبَها، إذ قام إليه رجلٌ وفي عنقه مصحفٌ، فقطع عليه الكلام وقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجلٌ من آل أبي طالب، أَنْشُدك الله إلا أخذتَ بحقِّي ممَّن ظلمني. قال: ومن ظلمَكَ؟ قال: ابنُ أبي قحافة. قال: وما الذي فعل بك؟ قال: أخذَ ميراثَ أُمِّي فاطمة من فَدَك. قال: فمَنْ قام بعده؟ قال: ابنُ الخطَّاب. قال: فما فعَلَ في ميراثك؟ قال: استمرَّ على ظلمي. قال: فمن قام بعده؟ قال: ابنُ عفَّان. قال: فما فعل معك؟ قال: فعل كما فعل من تقدَّمه. قال: فمن قام بعده؟ قال: أبي عليٌّ. قال: استمرَّ على ظلمك، أم رد حقَّك
следующие страницы →