ابنَيه دخلا الكوفة، وأن ابنَ هُبَيرة هرب إلى واسط، فقالوا: اخرُجْ، فتعرَّض لابني قحطبة، وعَرِّفهما مكانَنا، ومُرْهما أن يكبسا الدارَ علينا، فخرج العبدُ، وكان حُمَيد بن قحطبة يعرفُه، فتعرَّض له، فلما رآه أكبر رؤيتَه، وقال: ويحكَ! ما فعل ساداتُنا؟ أخبره بمكانهم، وأدَّى إليه الرسالةَ.
فركب في طائفة من الجيش، وهجم الدار وأبو سلمة غافل، وأراه العبدُ موضعَ السِّرداب، فدخل حُمَيد فقال: السلامُ عليكم أهلَ البيت ورحمةُ الله وبركاته، فردوا عليه، فقال: أيكم ابنُ الحارثية؟ وكانت أمُّ أبي لعباس [عبد الله بن] (١) محمد بن علي حارثيةً، وكان إبراهيمُ الإمام لما بثَّ الدعاةَ قال: الإمامُ بعدي ابنُ الحارثية الذي معه العلامة، والعلامة قولُه تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، ولم يُسِرَّها براهيمُ إلا إلى أبي العباس، فلما قال ابنُ قحطبة: أيّكم ابنُ الحارثية؟ ابتدَرَ أبو لعباس وأبو جعفر كلُّ واحد يقول: أنا ابنُ الحارثية (٢)، فقال ابنُ قحطبة: فأيّكم معه العلامة؟ قال أبو جعفر: فعلمتُ أنّي قد أُخرجتُ من الخلافة؛ لأني لم كن معي علامة، فقرأ أبو العباس الآيةَ، فسلَّم عليه ابنُ قحطبة بالخلافة، ثم انتضى سيفه، وقال: بايعوا أميرَ المؤمنين، فبايعه أخوتُه وأهلُه الذين كانوا معه في السِّرداب، أخرجه في الحال إلى المسجد، وأصعَدَه المنبر، فحُصِر عن الكلام، فتكلم دونه داود بنُ علي، وقام دونه بمِرْقاة.
وجاء أبو سلمة وقد استوحَشَ، فدفع حُمَيد بن حطبة ي صدره وقال: أما زعمتَ أن الإمامَ لم يَقْدَمْ؟ فقال: إنما أردتُ أن أدفع ظهورَه حتى يهلك مروان، فقبل منه أبو العباس ذلك، وأجلسه إلى جانبه.
قال الصُّولي: قدم أبو العباس وأهلُه الكوفةَ على أبي سلمة، فسترهم، وعزم على أن جعلها شورى بين بني عليٍّ وبني العباس حتى يختاروا، ثم قال: أخاف أن لا يتَّفقوا، فعزم على أن يعدل بها إلى ولد فاطمة ﵍.
стр. 5462
فكتب إلى جعفر بن محمد، وعبد الله بن حسن، وعُمر بن علي بن الحسين، وبعث بالكتب مع رجلٍ من مواليهم، فبدأ بجعفر، فأحرقَ كتابَه ولم يقرأه، وقال للرسول: قل له: أنتَ شيعة لغيرنا، وهذا جوابُه. وأما عبد الله فقبل الكتابَ، وركب إلى جعفر، فقال: هذا كتابُ أبي سلمة يدعوني إلى الأمر، ويرى أنِّي أحقُّ الناس به، وقد جاءته شيعتُنا من خراسان، فقال له جعفر: ومتى صاروا شيعتَكَ؟ وهل تعرفُ أحدًا منهم. أنتَ بعثتَ أبا مسلم إلى خراسان؟ وأغلَظَ له، فقال عبد الله: هذا الكلامُ منك لشيء. فقال: النصحُ واجب على كلِّ مسلم لكلِّ مسلم، فكيف أدَّخره عنك، فلا تُمنينَّ نفسك الأباطيل؛ فإنَّ هذه الدولة لهؤلاء القوم وليست لأحدٍ من ولد أبي طالب، وقد جاءني كتابُه بمثل ذلك فحرَّقتُه، فانصرف عبد الله غيرَ راضٍ، وأما عُمر فردَّ الكتاب، وقال: ما أعرفُ كاتبَه فأُجيبَه.
وأبطأ الأمر على أبي سلمة وعلى أبي العباس إلى أن لقي حُميد بنُ قحطبة ومحمد بن صول مولى من مواليهم فدلّهما عليهم، فأخرجهم كما ذكرنا (١).
وقال أبو اليقظان: كان أبو الجهم بنُ عطية، وأبو حُمَيد الطوسيُّ من كبار الشيعة الخراسانيين، فسألا أبا سلمة عن الإمام، فقال: لم يَقْدَم بعد، فلقي أبو حُميد مولى لأبي العباس يقال له: سابق الخوارزمي، فسأله عنهم، فقال: هم بالكوفة، قد أمرهم أبو سلمة أن يُخفوا أمرهم، فجاء أبو حُميد إلى أبي الجهم فأخبره.
وقال البلاذُري: خرج صالح بنُ الهيثم رضيعُ أبي العباس ومعه سابق، فلقيهما أبو حُمَيد وكان يعرفُهما؛ لأنه كان يتردَّد إلى الإمام، فقال لصالح: ألستَ رضيعَ ابن الحارثية؟ وقال لسابق: ألستَ مولاه؟ قالا: بلى. قال: فما تصنعان هاهنا؟ فأخبراه، فجمع الشيعةَ ودخل عليهم، فبكى أبو العباس وقال: تركَنَا أبو سلمة هاهنا ولم يُعلمكم بنا، وبلغ أبا سلمةَ، فجاء فسلَّم على أبي العباس بالخلافة، فقال له أبو حُمَيد: على رَغْم أنفك يا ماصَّ بَظْر أُمِّه الخلالة! فقال له أبو العباس: مَهْ. ثم أخرج أبو العباس على بِرْذَون أبلَقَ، وقد أحدَقَ به أهلُه ومواليه، وداود بنُ علي إلى جانبه، والناسُ
стр. 5463
يقولون: من هو أميرُ المؤمنين؟ ولا يعرفونه، فقصر داودُ دون أبي العباس، فعرف الناسُ أنه الخليفة، وأبو الجهم وأبو حُمَيد يمشيان بين يديه، وأبو سلَمة خلفَه على فرس (١).
وبُويع ليلةَ الجمعة لثلاث عشرة مضت من ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر. وقيل: في نصف جمادى الآخرة. وقال هشام: ظهَرَ يوم الأربعاء ويوم الخميس، وصلى بالناس الجمعة، وأولُ من بايعه موسى بنُ كعب التميميُّ الذي ألجمه أسد بنُ عبد الله بلجام حمار، وجذبه فكسر أسنانَه.
وقال خليفة: بُويع بالكوفة في دار الوليد بن سَعْد مولى هاشم في بني أَوْد.
وقال المغيرة: رأيتُ أبا العباس حين خرج إلى الجمعة على بِرْذَون أشهب بين عمِّه داود بن علي وأخيه أبي جعفر شابًّا جميلا، تعلوه صفرةٌ، دخل المسجد فَصَعِدَ المنبر، وصَعِدَ داود فوقف على عتبتين من المنبر، فحمد داودُ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس والله ما علا منبرَكم هذا خليفةٌ بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا. قال: ثم إني رأيتُه الجمعةَ الأخرى كأنَّ وجهه ترسٌ، وعنقَه إبريق فضة، وقد ذهبت الصُّفرة (٢).
ذكر خطبة أبي العباس
قال: الحمدُ لله الذي اصطفى الإسلامَ لنفسه دينًا، وارتضاه وأيَّده بنا، وجعلنا أهلَه وحِصْنَه، والقوَّام به، والذابِّين عنه، والناصرين له، وألزَمَنا كلمةَ التقوى وجعلنَا أحقَّ بها وأهلَها، وخصَّنا برسول الله ﷺ وقرابته، وأنبتَنا من شجرته، واشتقَّنا من نبعته (٣)؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وأحلَّنا من الإسلام بالمنزل الرفيع، وخصَّنا بالتقديس والتطهير، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي﴾ [الشورى: ٢٣] فاللهُ فضَّلَنا، وأوجَبَ على الناس حقَّنا ومودَّتَنا.
стр. 5464
وذَكَر السبئية وعابَهم؛ حيث جعلوا الرياسةَ والخلافةَ في غيرنا (١).
ثم قال: فلما قبض الله رسوله قام بالأمر من بعده أصحابه، فحووا مواريث الأمم، وعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها، وظلموا أهلها، واستأثروا بها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا، وردَّ علينا حقَّنا، وتولَّى نصرَنا والقيامَ بأمرنا ليمُنَ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض، وختَمَ بنا كما افتتَحَ بنا، وأنا السفاح المُبيح، والثائر المُبِير.
ثم أثنى على أهل الكوفة، وزادهم في أعطياتهم مئةَ درهم مئة درهم، فدعوا له.
وكان موعوكًا، فاشتدَّ به الوَعْكُ، فجلس على المنبر وقام داود دونه بمرقاتين فقال: الحمد لله الذي أهلك عدوَّنا، وأصار إلينا ميراثَنا من نبينا ﷺ .
أيها الناس، أقشعت حَنادِسُ (٢) الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضُها وسماؤها، وطلعت شمسُها من مطلعها، وبزغ قمرها، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم؛ أهلِ الرأفة لكم، والعطف عليكم.
أيها الناس، إنَّا والله ما خرجنا لنكثر مالًا، ولا لنحفر نهرًا، ولا لنبني قصرًا، ولقد كانت أموركم تُمِضُّنا (٣)، ويعزّ علينا سوءُ سيرة بني مروان فيكم، واستذلالُهم لكم، واستئثارُهم بفيئكم ومغانمكم، والآن لكم ذمَّة الله، وذمَّة رسوله، وذمَّة العباس أن نحكم فيكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فتبًّا لَبني حرب وبني مروان؛ حيث آثروا [العاجلةَ على الآجلة، والدار الفانية على الباقية، فركبوا] (٤) الآثامَ، وظلموا الأنامَ، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم (٥)، وجاروا على العباد، وأفسدوا في البلاد، وركضوا في
стр. 5465
ميادين الغيّ جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمَكْرِه، فبُعدًا للقوم الظالمين.
أيها الناس، إنَّ أمير المؤمنين إنَّما عاد إلى الخطبة بعد الصلاة لأنه كَرِه أن يخلِطَ بكلام الجمعة غيرَه، وإنما قطَعَه عن الكلام ما هو فيه من الوَعْك، فادعوا الله له بالعافية؛ فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن، وخليفةِ الشيطان، الشابَّ المكتهل، والفتى المتمهِّل (١)، المقتفي بسَلَفِهِ الأخيار، وأهله الأبرار. ثم أثنى على أهل خراسان، ونزل.
وقيل: إنه قال: وإن هذا الأمر فينا، وليس بخارج عنَّا، فظنَّ الناس أنه يدعو لنفسه، ففطِنَ، فقال: واعلموا أنه ما صَعِدَ المنبرَ بعد أمير المؤمنين عليٍّ مثلُ خليفتكم هذا، ففرح الناسُ ودعوا له، وأيقنوا أنَّ الخليفة هو أبو العباس.
وكان بنو أميةَ يخطبون قعودًا؛ تكبُّرًا منهم، ومخالفة للسنة، فقام السفاحُ وخطبَ قائمًا؛ اقتداءً برسول الله ﷺ والخلفاء من بعده ﵃، فضجَّ الناسُ له بالدعاء، وقالوا: أحييتَ السنةَ يا ابنَ عمِّ رسول الله ﷺ .
ولما صَعِدَ أبو العباس المنبرَ كان بيده عصًا، فوقعت من يده، فتطيَّر من ذلك، فناوله إياها داود بن علي، وأنشده: [من الطويل]
فألقَتْ عصاها واستقرَّت بها النَّوى … كما قرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ (٢)
وقال هشام الكلبي: بينا أبو العباس في خطبته بالكوفة، وهي أول خطبة خطَبَها، إذ قام إليه رجلٌ وفي عنقه مصحفٌ، فقطع عليه الكلام وقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجلٌ من آل أبي طالب، أَنْشُدك الله إلا أخذتَ بحقِّي ممَّن ظلمني. قال: ومن ظلمَكَ؟ قال: ابنُ أبي قحافة. قال: وما الذي فعل بك؟ قال: أخذَ ميراثَ أُمِّي فاطمة من فَدَك. قال: فمَنْ قام بعده؟ قال: ابنُ الخطَّاب. قال: فما فعَلَ في ميراثك؟ قال: استمرَّ على ظلمي. قال: فمن قام بعده؟ قال: ابنُ عفَّان. قال: فما فعل معك؟ قال: فعل كما فعل من تقدَّمه. قال: فمن قام بعده؟ قال: أبي عليٌّ. قال: استمرَّ على ظلمك، أم رد حقَّك
стр. 5466
عليك؟ فانقطَعَ الرجلُ وجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا يطلب مكانًا يهربُ منه، فقال له أبو العباس: والله لولا أنها أولُ خطبةٍ خطبتُها بالعراق لأخذتُ ما فيه عيناك، ثم عاد إلى خطبته كأنما يقرؤها من قرطاس (١).
ولما فرغ السفاحُ من خطبته قام إليه السيد فأنشده: [من السريع]
دُونَكُموها يا بني هاشمٍ … فجدِّدوا أمرًا بها طامسًا
دونكموها لا علا كَعْبُ مَنْ … أمسى عليكم مُلْكَها نافسًا
دونكموها فالبَسوا تاجَها … لا تعدَموا منكم لها (٢) لابسًا
خلافةَ الله وسلطانَه … وعنصرًا كان لكم دارِسًا
والمُلكُ لو شُوورَ في ساسة … ما رامَ إلا منكمُ سائسًا
لم يُبْقِ عبدُ الله بالشام مِنْ … آلِ أبي العاص امرأً عاطسًا
فقال له أبو العباس: سَلْ حاجتَكَ. قال: ترضى عن سُلَيمان بن حبيب بن المهلَّب، وتوليه الأهواز. قال: قد فعلت، وكتَبَ عهدَه، ودفعَه إلى السيد، فقدم به على سليمان، فلما وقعتْ عينُه عليه أنشده هذه الأبيات: [من المتقارب]
أتيتُكَ يا قَرْم أهل العراق … بخير كتابٍ من القائم
أتيتُكَ من عند خير الأنا … م وذاكَ ابنُ عمِّ أبي القاسم
أتينا بعهدك من عنده … على منْ يليكَ من العالم
يولِّيك فيه جِسامَ الأمور … فأنتَ صنيعُ بني هاشم
فقال له سليمان: شريف، وشفيع، وشاعر، ووافد، ونسيب، احتكمْ. فقال: جاريةٌ جميلة ومن يخدمها، وبَدْرة ومن يحملُها، وفرس وسائسُه، وتَخْتٌ من الثياب. فقال: قد أمرتُ لك بكلِّ ما سألت، ولك في كلِّ سنة مثلُه (٣).
стр. 5467
وقيل: إن السيِّد لما قال له سليمان: احتَكمْ، قال: [من الطويل]
سأحكمُ إنْ حكَّمتني غيرَ مسرِف … ولا مقصر يا ابن الكُماة الأكارمِ
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وبغلةٌ … وجاريةٌ حسناء ذاتُ مآكمِ
وسرجٌ وبِرْذَون سريعٌ وكسوة … وما ذاك بالإكثار من حكمِ حاكمِ
على ذي نَدًى يعطيكَ حتى كأنما … ترى بالذي يعطيكَ أحلامَ نائم
أرحني بها من مجلسي ذا فإنَّني … وحقِّكَ إن لم أُعطَها غيرُ رائمِ (١)
* * *
стр. 5468
السنة الثالثة والثلاثون بعد المئة
فيها ثار أهلُ خراسان على أبي مسلم، وزعيمُهم شَرِيك بنُ شيخ المُهْريّ، وانضافَ إليه ثلاثون ألفًا، وقالوا لأبي مسلم: ما بايعناكَ على سفك الدماء، وأخذ الأموال، والعملِ بغير كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله، وخاف منهم أبو مسلم، وخرج من مَرْو، وكانوا ببلخ، وقيل: ببخارى، وقد اجتمع إلى شَرِيك خلق كثير، فجهَّز إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي في جيوشه، والتقوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتِل شَرِيك (١).
وفيها عزل أبو العباس أخاه يحيى بنَ محمد عن الموصل، وكان قد ولاه إياها في السنة الماضية، فسفك الدماء.
وكان أهلُ الموصل ثلاثة أصناف: صنف خوارج، وصنف لصوص، وصنف تجار، فنادى منادي يحيى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا في الجامع، فجرَّد فيهم السيف، فاستأصلَهم، وهدم سورَها، وأباحَها، وكان يحيى عجولًا، قليل الرَّوِّيَة، فلقبوه الحَتْف، وجرى عليهم منه من القتل واستباحةِ الحريم ما لم يَجْرِ على غيرهم (٢).
قال يوسف الكوفيّ: حججتُ سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وإذا رجلٌ متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهمَّ اغفر لي، وما أُراكَ تفعل. فقلتُ له: ما هذا القنوط؟ فقال: ذنبي عظيمٌ، كنتُ مع يحيى بن محمد بالموصل، فأمرنا يوم جمعةٍ، فاعترضنا المسجد، فقتلنا ثلاثين ألفًا، ثم نادى مناديه: مَنْ علَّق سوطه على دار فهي له بما فيها، فعلقت سوطي على دار ودخلتُها فإذا رجل قاعدٌ، وابنان له وامرأة، فقتلتُ الرجل، وقلت للمرأة: هاتِ ما عندك وإلا ألحقتُكِ به (٣)، فجاءت بمتاع وسبعة دنانير وقالت: ما عندي غيرُ هذا. فقتلتُ أحدَ الابنين، وقلتُ: هات وإلا قتلتُ الآخر، فلما رأت مِنّي الجدَّ قالت: ارفقْ فعندي لأبيهما دِرعٌ، فجاءت بِدرْعٍ مُذْهبة ما رأيتُ أحسن منها، فجعلتُ أقلّبها إعجابًا بها، وإذا على جانبها مكتوبٌ بالذهب: [من الوافر]
стр. 5469
إذا جار الأميرُ وكاتباه … وقاضي الأرض داهَنَ في القضاء
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ … لقاضي الأرض من قاضي السماء
قال: فارتعدتُ، وسقط السيف من يدي، وخرجتُ إلى ها هنا من وقتي (١).
ولما بلغ السفَّاحَ فعلُ أخيه أعظَمَ ذلك، وعزله، وولى على الموصل عمَّه إسماعيل بنَ عليٍّ.
وفيها مات داود بنُ علي بعد أن أفنى مَنْ كان في الحجاز من بني أُميَّة، وولَّى أبو العباس خاله زياد بنَ عُبيد الله (٢) الحارثي على المدينة ومكة والطائف.
وفيها فرَّق أبو العباس عمَّاله في البلاد، فبعث إلى البصرة والبحرين وعُمان وتلك النواحي عمَّه سليمان بنَ عليٍّ، وبعث محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد المَدَان الحارثي إلى اليمن، وولَّى عبد الله بنَ على وصالح بنَ علي الشامَ، ومحمد بن الأشعث إفريقية، فسار إليها فافتتحها.
وفيها نزل ملك الروم على مَلَطْيَة، وكان عمر بنُ عبد العزيز رحمة الله عليه قد اشتراها وجعلها معقِلًا للمسلمين، فحصَرَها في هذه السنة وضايقها، وقاتلوه قتالًا شديدًا، وكان عبد الله وصالح على الشام، فلم يكن لهما به طاقةٌ، فطلَبَ منه المسلمون الأمانَ، فأعطاهم، ففتحوا له الأبوابَ، فدخل، وهدَمَ الجامع، والسور، ودارَ الإمارة، وبعث مع المسلمين خيلًا أوصلتهم إلى المأمن، ووفى لهم.
وحجَّ بالناس زياد بن عُبَيد الله الحارثي وهو على الحجاز، وعلى الكوفة عيسى بنُ موسى، وعلى قضائها ابنُ أبي ليلى، وعلى البصرة وما والاها سليمان بنُ علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى خراسان أبو مسلم، وعلى السِّند منصور بن جمهور مخالف لبني العباس، وعلى الشام عبد الله بنُ علي، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بنُ يزيد، وعلى دواوين الخراج خالد بنُ بَرْمَك.
стр. 5470
[فصل] (١) وفيها توفي
حسان بنُ عتاهية
ابن عبد الرحمن المصري، ولي إمرةَ مصر لهشام، ثم عُزِل عنها، وولاه إياها مروان سنة سبع وعشرين ومئة، وكان عالمًا، جالس عطاء بنَ أبي رباح، وسمع منه، قتَلَه شرعبة بأمر صالح بن علي سنة ثلاث وثلاثين ومئة (٢).
الحسن بنُ الحُرّ
ابن الحَكَم النَّخَعيُّ [ويقال:] الجُعفيُّ، من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، أوصى له عَبْدة بنُ أبي لُبابة -وهو خالُه- عند وفاته بجارية، فأقامَتْ عنده لا يطؤها، فقيل له في ذلك، فقال: كان خالي عندي بمنزلة الوالد، فأنا أكره أن أطَّلِعَ مُطَّلَعَه.
وقال الأوزاعي: ما قدِمَ علينا من العراق أفضلُ من الحسن.
وكانت وفاتُه بمكة.
أسند عن أبي الطفيل، وخاله عبدة، وغيرهما، وروى عنه محمد بنُ عَجْلان، وغيره، وكان ثقة قليلَ الحديث (٣).
داود بنُ علي
ابن عبد الله بن عباس عمُّ السفَّاح، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأُمُّه أمُّ ولد، بربريةٌ اسمُها لُبابة، ولَّاه أبو العباس مكة والمدينة، وحجَّ بالناس سنة اثنتين وثلاثين، وهي أول حجةٍ حجَّها ولدُ العباس، ثم صار إلى المدينة، فأقام بها أشهرًا، ثم ماتَ بالمدينة في شهر ربيع الأول -واستخلَفَ على المدينة ابنَه موسى، فلما بلغ السفَّاحَ ولَّى زيادًا الحارثيّ- وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، وقيل: خمسًا وخمسين سنة.
روى عن أبيه، وروى عنه محمد بن أعبد الرحمن بن، أبي ليلى وغيره، وولد سنة ثمان وسبعين، وليَ إمرةَ الكوفة قبل الحجاز.
стр. 5471
وسمع سالم بن أبي حَفصة وهو يطوفُ بالبيت ويقول لبيكَ يا مُهلكَ بني أُميَّة، فأعطاه ألفَ دينار.
قدم داودُ دمشق غيرَ مرة، وكان بها لما وصل الخبرُ بوفاة هشام بن عبد الملك، وكتب إلى أخيه محمد بذلك، وكان بدمشق حين ابتدأ أهلُ المزة في التدبير على الوليد بن يزيد، وعوضوا عليه أن يُبايع ليزيد بن الوليد فأبى.
وكان جوادًا، سمحًا، شجاعًا، فصيحًا، خطيبًا، شاعرًا، ورثاه إبراهيم بنُ هَرْمة فقال: [من المسرح]
أَرْوَعُ لا يُخلِفُ العِداتِ ولا … تمنعُه من سؤاله العِلَلُ
لكنه سابغٌ عطيتَه … يدركُ منه السُّؤَّال ما سألوا
لا عاجزٌ عازب مروءته … ولا ضعيفٌ في رأيه زللُ
يحمدُه الجارُ والمباعدُ والـ … أرحامُ تُثني بحسنِ ما يصلُ
حَلَّ من المجد والمكارم في … خيرِ محلٍّ يحلُّه رجل (١)
عُمر بن أبي سلَمة
عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهريُّ، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأُمّه أمُّ ولد، قتَلَه عبد الله بنُ علي فيمن قتل مع بني أمية، أسند عن أبيه، وروى عنه سعد بنُ إبراهيم، وكان قليل الحديث، لا يحتجُّ بحديثه (٢).
محمد بن عمر
ابنِ علي بن أبي طالب، أبو عبد الله، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأُمُّه أسماء بنتُ عَقِيل بن أبي طالب، وكان له من الولد عُمر، وعبد الله، وعُبَيد الله، أُمُّهم خديجة بنتُ علي بن حُسين بن عليِّ بن أبي طالب، وجعفر، وأمُّه أمُّ هاشم، مخزومية (٣).
стр. 5472
سمع من أبيه، ومن عليِّ بن حُسين وغيرهما، وكان صدوقًا، ثقة، قليلَ الحديث، وفَدَ على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهشام بن عبد الملك (١).
* * *
стр. 5473
السنة الرابعة والثلاثون بعد المئة
فيها في ذي الحجَّة تحوَّل السفَّاح من الكوفة إلى الأنبار، وشرع في بناء مدينته المعروفة بالهاشمية، وسببُه أن أبا مسلم كتب إليه: إنَّ أهل الكوفة شارَكوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم، وخالفوهم في الفعل، ورأيُهم في آل أبي طالب الذي تعلمه، يُطمعونهم في ما ليس لهم، ويغوونهم في الباطل، ثم يخذلونهم، ولا أثر بعد عين، فلا تؤهِّلهم لجوارك فليست دارُهم لك بدار. فانتقل إلى الأنبار (١).
وفيها خالف بسَّام بن إبراهيم بن بسام أبا العباس، وخرج عليه، واستمال جماعةً من قوَّاد خراسان، ونزل المدائن، فوجَّه إليه أبو العباس خازم بن خزيمة، فلقيه، واقتتلوا، فهرب بسَّام، وتبعه خازم، فمرَّ على جماعة من بني عبد المَدان أخوالِ أبي العباس بقريةٍ من قرى العراق يقال لها: دارُ المطامير وهم في مجلسٍ لهم، وكانوا نحوًا من خمسة وثلاثين منهم ومن مواليهم، فلم يُسلِّم عليهم خازم؛ لأنهم أجاروا رجلًا من أصحاب بسَّام يقال له: المغيرة، فلما رجَعَ شتموه حيث لم يُسلِّم عليهم، فقال: بالأمس تؤوون عدوَّ أمير المؤمنين، واليوم تشتموني؟! فأغلظوا له في القول، فضرب أعناقَهم، ونهب أموالهم، وعاد إلى الكوفة.
واجتمعت اليمانيةُ وأخوالُ أبي العباس إليه، وقالوا: فعل خازم بأخوالك ما لم يفعله أحدٌ، وتجرَّأ على الخلافة بقتل أهلك، فهم أبو العباس بقتله، فدخل موسى بنُ كعب وأبو الجهم عليه، وقالا: إن أهل خراسان فعلوا ما قد علمت، وإن [ابنَ] خُزَيمة من أفاضلهم، والذي فعلَه في طاعتك وإقامةِ حرمتك، وإن كان ولابدَّ من قتله فنعيذك بالله أن تتولَّى ذلك بنفسك، ابعثْه إلى بعض الوجوه التي فيها أعداؤك، فإن هلَكَ بلغتَ مرادَك، وإن ظهر كان لك.
وكان قد ظهر بجزيرة ابن كاوان وعُمان خوارج، فبعث إليهم، وكتب إلى سليمان بن علي إلى البصرة بتجهيزهم، فسار خازم في جيش من أهل خراسان ومعه أهله ومواليه إلى البصرة، وركب في السفن إلى عُمان وبها الجلندى وكان من الإباضية،
стр. 5474
وشَيْبان من الصُّفرية، [فالتقى ابن خزيمة بشيبان قبل الجلندى، فقتله] (١)، وجاء الجلندى، فاقتتلوا أيامًا، وظهر على [ابن] خزيمة، وقُتل إسماعيل أخو خازم لأمه، وجماعةٌ من أهل خراسان، وكان الجلندى نازلًا في بيوت من خشب، فحمل أصحابُ [ابن] خُزيمة قوارير النفط في رؤوس الرماح، وحملوا، فأحرقوا البيوتَ، فاشتغلوا بأولادهم وأهاليهم، ثم وضع [ابن] خُزيمة السيفَ فيهم، فقتل منهم سبع مئة مقاتل، وقتل الجلندى، وبعث برؤوسهم إلى البصرة (٢).
وفيها بعث أبو العباس موسى بنَ كعب إلى السِّند لقتال منصور بن جمهور، فسار في خمسة آلاف من العرب والموالي، وخرج منصور للقائه في اثني عشر ألفًا، والتقوا، فانهزم منصور وأصحابُه، ومات عطشًا في الرمال، وبلغ عاملَه على السند، وكان عيال منصور وخزائنُه بالمنصورة، فأخذهم وأخذَ أموالهم، ودخل الخزر، واستولى موسى على السند (٣).
وفيها بنى أبو العباس الأميال من مكة إلى الأنبار، وضرَبَ المَنَار على الطرق، وأقام البُرُد، واستخدم الرجال.
وحجَّ بالناس عيسى بنُ موسى وهو على الكوفة، وكان على قضائها ابنُ أبي ليلى، وعلى مكة واليمامة والطائف زيادٌ الحارثي، وعلى اليمن عليّ بنُ الربيع بن عُبيد الله الحارثيّ -كان قد تُوفي في هذه السنة محمد بنُ عُبيد الله الحارثي، وكان على اليمن، فبعث السفَّاح مكانَه عليَّ بنَ الربيع- وكان على البصرة وأعمالها سليمان بنُ علي، وعلى قضائها عبَّاد بنُ منصور، وعلى السند موسى بنُ كعب، وعلى خراسان أبو مسلم، وعلى الموصل إسماعيل بنُ علي، وعلى أذربيجان محمد بنُ صول، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام عبد الله بنُ علي، وعلى فلسطين صالح بنُ علي، وعلى مصر أبو عون، وعلى ديوان الخراج خالد بنُ برمك، واستقامت الدنيا لأبي العباس (٤).
стр. 5475
وفيها تُوفي
إسماعيل بنُ محمد
ابن سَعْد بن أبي وقَّاص، أبو محمد، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأُمُّه أمُّ ولد، وكان له من الولد أبو بكر، وأمُّ محمد، وأمُّ كلثوم، وأمُّ القاسم، أمّهم أمُّ سُلَيمان بنتُ عبد الله بن عُبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، وأمّها عائشة بنتُ عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وله أحاديث، وكان ثقةً يعدُّ من فقهاء المدينة ومحدِّثيهم، وكان من كبار رجال سفيان بن عُيَينة.
اجتمع هو والزهريّ فتذاكرا حديثَ تسليم رسول الله ﷺ في الصلاة، فقال إسماعيل: حدثني عامر بنُ سَعْد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسلِّم تسليمةً عن يمينه، وتسليمةً عن يساره حتى يُرى بياضُ خدَّيه، فقال الزهريّ: لم نسمع هذا من حديث رسول الله ﷺ ، فقال إسماعيل: أكلَّ حديث رسول الله ﷺ سمعتَ؟ قال: لا. قال: فالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصف؟ [قال: لا]. قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمعه (١).
أسند عن أبيه، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم، وروى عنه الزهريّ، ومالك بنُ أنس، وابنُ عُيينة في آخرين (٢).
يزيد بنُ يزيد
ابن جابر الأَزْدي، من الطبقة الخامسة من أهل الشام، كان من الخائفين البكَّائين، أثنى عليه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه، فقال: كان من صالحيهم.
أسند عن الزهريِّ وغيره، وروى عنه الثوريّ وغيره، وكان ثقةً إن شاء الله (٣).
стр. 5476
يونس بن محُمد
أبو عبد الله، مولى عَبد القَيس، من الطبقة الرابعة من أهل البصرة.
قال: ما كتبتُ شيئًا قطُّ. وكان يُحدِّث ثم يقول: أستغفر الله، ثلاثًا.
وقال محمد بنُ عبد الله الأنصاريُّ: رأيتُ سُلَيمان وعبد الله ابني علي بن عبد الله بن عباس، وجعفرًا ومحمدًا ابني سُلَيمان بن علي يحملون سرير يونس على أعناقهم.
وكان يونسر خزَّازًا، فجاء رجلٌ يطلب ثوبًا، فقال لغلامه: انشر الرِّزمة (١)، فنشرها الغلام، وقال: صلى الله على محمد، فقال: ارفعه، وأبي أن يبيعه مخافةَ أن يكون قد مَدحه.
وغلا الحريرُ في موضعٍ قريب من البصرة، وكان إذا غلا في ذلك الموضع غلا بالبصرة، فاشترى يونسُ حريرًا من رجل بثلاثين ألفًا، فلما كان بعد ذلك قال يونس للرجل: هل كنتَ علمتَ أنَّ الحرير غلا بأرض كذا؟ قال: لو علمتُ ما بعتُه. قال: فخُذ حريرَكَ، ورُدَّ المال، فرده.
وجاء يونس بشاةٍ إلى السوق ليبيعها فجعل يقول: من يشتريها على أنها تقلع الوَتِد، وتبدِّد العلف؟ فقيل له: ما يشتريها أحد على هذا. فقال: ديني هو، أبيعه؟! وجاء رجلٌ من أهل الشام إلى سوق الخَزِّ، فقال: أريدُ مُطْرفًا بأربع مئة، فقيل له: هو عند يونس بن عُبَيد، فجاء إليه، فقال: ما عندي مِطْرفٌ إلا بمئتين. وأقيمت الصلاة، فقام يونس يصلِّي فجاء وقد باع ابنُ أخيه المطْرفَ من الرجل بأربع مئة درهم، فقال: وأين الرجل؟ قال: ذهب. قال: ويحكَ! كيف بعتَه إياه بأربع مئة وهو بمئتين؟ قال: رضي به. فتبعه يونس، وقال: يا عبدَ الله، المطْرفُ الذي باعكَ إياهُ ابنُ أخي بأربع مئة إنما هو الذي قلتُ لك: إنه بمئتين، فإن شئتَ فدعْه، أو خذه وخذ مئتين، فقال له الرجل: من أنتَ؟ قال: رجلٌ من المسلمين. قال: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا يونس بنُ عُبَيد. فقال: والله إنا نكون في نَحْر العدوِّ، فإذا اشتدَّ علينا الأمرُ قلنا: اللهمَّ فرج عنا بيونس بن عُبيد (٢)، فيُفرّج عنا. وإنا لنُمنع القَطْر، فنسأل الله به فيسقينا.
стр. 5477
واجتمع يونس وعبد الله بنُ عَوْن، فتذاكرا الحلال، فكلاهما قال: ما في بيتي درهم حلال. وقال هشام بنُ حسَّان: ما رأيتُ أحدًا يطلبُ العلم لله إلا يونس بنَ عُبَيد.
ومرض يونس فقال أيوب السّخْيياني: ما في العيش بعدكَ من خير.
وقال حمَّاد بنُ زيد: قال لنا يونس بنُ عُبيد: احفظوا عني ثلاثًا: [لا يدخلنَّ أحدُكم على سُلطان يَعِظه، و] (١) لا يخلوَنَّ [أحدكم] بامرأؤ شابة وإن أقرأها القرآن، ولا يمكننَّ [أحدكم] سمعَه من ذي هوى.
وجاءه رجل يشكو الفقرَ والحاجةَ، فقال له: أيسرّكَ ببصرك الذي تبصرُ به مئةَ ألف؟ قال: لا. [قال:] فبسمعكَ الذي تسمع به؟ قال: لا. قال: فبعقلكَ الذي تعقلُ به؟ قال: لا. وجعل يعدِّد أعضاءه. ثم قال: أرى لك [مئين] ألوفًا وأنتَ تشكو الحاجة!
وقال: ما شبَّهتُ طالب الدنيا إلا برجلٍ نائم رأى في منامه ما يكره وما يحبّ، ثم انتَبَه وهو على ذلك.
وقال إسحاق بنُ إبراهيم: نظَرَ يونس إلى قدميه لما احتضر وبكى، وقال: ما اغبرَّتا في سبيل الله.
أسند عن نس بن مالك، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، وكان عالمًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، ثقةً، كثير الحديث، ومات سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة تسع وثلاثين ومئة (٢).
* * *
стр. 5478
السنة الخامسة والثلاثون بعد المئة
فيها خرج زياد بنُ صالح من وراء النهر، فسار إليه أبو مسلم، وقطع النهر، ووصل إلى بخارى، فاستأمن إليه جماعةٌ من قوَّاد زياد، فقال لهم أبو مسلم: ما الذي دعاه إلى الخروج؟ قالوا: سِباع بنُ النعمان -وكان بآمُل- فبعث إليه فقتَلَه، ولما رأى زياد تفرُّق أصحابه عنه إلى أبي مسلم [استأمن إلى دهقان، فقتله، وجاء برأسه إلى أبي مسلم] وظفِرَ أبو مسلم بكتُبٍ من عيسى بن ماهان إلى القوَّاد تُفسد على أبي مسلم أمرَه، وتسعى بأبي داود خالد بن إبراهيم نائب أبي مسلم، فبعث أبو مسلم بالكتُب إلى أبي داود، فعاتَبَ عيسى بنَ ماهان، فأنكر، فأخرج له الكتُبَ، فسكت وكان أبو داود محسنًا إليه، فأُدخل ابنُ ماهان في جُوالِق (١) وضُرب بالعُمُد حتى مات، وعاد أبو مسلم إلى مَرْو (٢).
وحجَّ بالناس سُلَيمان بن عليٍّ وهو على البصرة وأعمالها، وكان على المدينة زيادٌ الحارثيُّ، وعلى مكة والطائف العباس بنُ عبد الله بن مَعْبَد بن العباس، وعلى الكوفة عيسى بنُ موسى، وعلى الجزيرة أبو جعفر، وعلى الشام عبد الله بنُ علي، وعلى الأردن صالح بنُ علي (٣)، وعلى مصر أبو عَوْن، وعلى ديوان الخراج خالد بنُ بَرْمَك.
[فصل] (٤) وفيها تُوفي
إسماعيل بنُ سالم
أبو يحيى الأسَديُّ، الكوفيُّ، ولاه هشام بنُ عبد الملك موضع بغداد رابطة في خمس مئة فارس، فكانوا يغيرون على من قِبَلَهم من الخوارج وقعات (٥).
стр. 5479
وكان شجاعًا، ديِّنًا، ورعًا، صالحًا. أسند عن الشعبي وغيره، وروى عنه سفيانُ الثوري وغيره.
وسُئل الإمام أحمد رحمةُ الله عليه عنه فقال: ثقة ثقة، وقيل لابن معين: أثقة هو؟ قال: نعم، أوثقُ من أساطين الجامع (١).
رابعةُ العَدَوية
البصريةُ، الزاهدة، كانت مولاةً لآل عتيك، وكان سفياد الثوريُّ وأقرانُه يتأدَّبون بها.
وقال جعفر بن سليمان: أخذ سفيانُ الثوري بيدي وقال: مُر بنا إلى المؤدِّبة التي لا أجدُ من أستريح إليه سواها، فدخلنا عليها، فرفع سفيانُ يديه وقال: اللهمَّ إني أسألُك السلامة، فبكت رابعةُ، فقال لها: ما يُبكيك؟ فقالت: أنتَ عرَّضتني للبكاء. قال: وكيف؟ قالت: أما علمتَ أن السلامةَ من الدنيا تركُ ما فيها؟ فكيف وأنتَ متلطِّخ؟
وقال عبد الله بنُ عيسى: دخلتُ على رابعة فوجدتها جالسةً، فجعلتُ أسمع وَقْعَ دموعها على البَوَاري (٢) مثل وَكْفِ المطر: طَقْ طَقْ، ثم اضطربتْ وصاحتْ، فقمنا وخرجنا.
وقال رياح القَيسيّ: احتاجت رابعةُ، فقيل لها: ألا تسألين أهلك يغيّرون من زيك؟ فبكت وقالت: وعزة ربي ما سألتُ الدنيا قط يملكها، فكيف أسألُها ممن لا يملكها؟
وقال لها رجل: ادعي لي، فقالت. من أنا؟ أطِعْ ربَّك وادْعُه؛ فإنه يجيب المضطرَّ إذا دعاه.
ودخل عليها بن عبد العزيز (٣) وكِلاب بن جُريّ، فتذاكروا بين يديها الدنيا،
стр. 5480
وأقبلوا يذمُّونها، فقالت لهم: أرى الدنيا بئرًا نبعُها في قلوبكم. قالوا: وكيف؟ قالت: لأنكم نظرتُم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلمتُم فيه، ومن أحبَّ شيئًا أكثَرَ من ذكره.
وكانت تقول: أستغفر الله [من قِلَّة صدقي في قولي: أستغفرُ الله] (١).
ودخل عليها سفيان الثوري فقال: واحُزْناه! فقالت: لا تكذبْ. قال: فما أقول؟ قالت: قُل: واقِلَّة حُزْناه؛ لأنك لو كنتَ محزونًا ما هنَّاك عَيش.
وكتب إليها سلَيمان بنُ علي والي البصرة يخطبُها، وقال في كتابه: أما بعد، فإنَّ لي من غلَّتي في كلِّ يوم مئةً وعشرين ألف درهم، ولن تذهب الأيامُ والليالي حتى يصير لي مئتا ألف درهم، وإني راغبٌ فيك، والسلام.
فكتبت خلف الكتاب: أما بعدُ، فإن الزهد في الدنيا راحةُ القلب والبدن، والرغبةُ فيها تُورث الهمَّ والحَزَن، وما يسرُّني أن الله تعالى خوَّلني أضعافَ ما خوَّلك وشغلني به عنه طَرْفةَ عين، فإذا قرأتَ كتابي هذا فاجعل الموت نُصبَ عينيك، فكأنْ قد جاء، والسلام.
وقالت عَبْدة بنتُ أبي شوال وكانت تخدِمُ رابعة: كانت رابعة تصلّي الليلَ كلَّه، فإذا طلع الفجر هَجَعَتْ في مصلَّاها هَجعةً خفيفة حتى يُسْفر الفجر، ثم تَثِبُ إلى الصلاة فَزِعةً، وتقول: يا نفسُ كم تنامين! وإلى كم لا تقومين! يوشك أن تنامي نومةً لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور. فكان هذا دأبَها طول عمرها.
وقال عبد الله بنُ عيسى: طبخت رابعةُ قدرًا، فاحتاجت إلى بصلة، ولم تكن عندها، فجاء طائر في منقاره بصلة فألقاها إليها.
وقال مِسْمَع بنُ عاصم: قالت رابعة: اعتللتُ علَّة، فمنعني عن قيام الليل والتهجد، فأقمتُ أيامًا أقرأُ وردي إذا ارتفع النهار؛ لما يُذكر أنه يعدِلُ قيامَ الليل، ثم إنَّ الله رزقني العافيةَ، فاعتادتني فترة في عقب العلَّة، وكنتُ قد سكنتُ إلى قراءة جزئي في النهار، وانقطع عنَي قيامُ الليل، فبينا أنا راقدةٌ ذات ليلةٍ رأيتُ في منامي كأنِّي رُفِعتُ إلى روضة خضراء ذات قصور، فبينا أنا أتعجبُ من حسنها إذ بطائرٍ أخضر وجارية تطاردُه كأنها تريد أَخْذَه، فشغلني حسنُها عن حسنه، فقلتُ: ما تريدين منه؟ دعيه؛ فوالله ما رأيتُ
стр. 5481
طائرًا أحسن منه، فقالت: ألا أريكِ ما هو أحسنُ منه؟ قلتُ: بلى. فأخذت بيدي، فأدارت بي في تلك الروضة حتى انتهتْ بي إلى باب قصر، فاستفتحت، ففُتح لها بابٌ ظهر منه شعاع استبان من ضوء نوره ما بين يدي وما خلفي، فقالت: اُدخلي، فدخلت إلى بيتٍ يَحار فيه البصر، يتلألأُ حسنًا، ما أعرفُ في الدنيا شيئًا أشبِّهه به، فبينا نحن نجول فيه إذ رُفع لنا باب إلى بستان، فأهوتْ نحوَه وأنا معها، فتلقَّانا وصفاء كأنَّ وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم المجامر، فقالت: أين تريدون؟ قلن: نريد فلانًا، قُتل في البحر شهيدًا، قالت: أفلا تجمِّرن هذه المرأة؟ فقلن: قد كان لها حظٌّ في ذلك فتركته. قالت رابعة: فأرسلتْ يدَها من يدي، ثم أقبلت عليَّ وقالت:
صلاتُكِ نورٌ والعباد رقودُ … ونومُكِ ضدٌّ للصلاة عتيدُ
وعمركِ غُنْمٌ إنْ عقلتِ ومهلةٌ … يسير ويفنى دائبًا ويبيدُ
ثم غابت عنِّي، واستيقظتُ بنداء الفجر، فوالله ما ذكرتُها فتوهَّمتُها إلا طاش عقلي، وأنكرت نفسي. ثم غُشي على رابعة، فوالله ما نامت بعد هذه الرؤيا بليلٍ حتى ماتت (١).
وقالت زُلفى بنتُ عبد الواحد (٢): قلتُ لرابعة: يا عمَّة، لم لا تأذنين للناس يدخلون عليك؟ فقالت: وما أرجو من الناس؟ إن أتوني حَكَوا عني ما لم أقل أو أفعل ما لو رأيتُه لفزعت منه، واستوحشت منه، بلغني أنهم يقولون: إني أجدُ الدراهم تحت مصلاي، وأطبخُ القدرَ بغير نار، فقلت لها: إنهم يخبرون عنك أنَّك تجدين الطعام والشراب في منزلك: [فهل تجدين شيئًا فيه؟] (٣) فقالت: يا بنتَ أخي، لو وجدتُ في منزلي شيئًا من ذلك ما مسستُه، ولا وضعتُ يدي عليه، ولكنّي أُخبرك أني أشتري الشيءَ فيبارَك لي فيه،
وقال رِباح القَيسيّ: نظرتْ إليَّ رابعة وأنا أُقبِّل صبيًّا [من أهلي] (٤) وأضمه إليَّ، فقالت: رياح، أتحبُّه؟ قلت: نعم، فقالت: ما كنتُ أحسب أنَّ في قلبك موضعًا فارغًا لمحبة غيره.
стр. 5482
قال ابنُ أبي الدنيا: فصرخَ رِياح، وسقط مغشيًّا عليه، فلما أفاق جعل يمسح العرقَ عن وجهه، ويقول: رحمةٌ منه ألقاها في قلوب العباد للأطفال.
وجاء رجلٌ إلى رابعة فقال: إني كنتُ في ثَغْر مرابطًا، فرأيتُ منكرًا، فخرجتُ منه لأعمل في تغييره، فقالت له: ارجع إلى ثَغْرك؛ فإنك إن صرتَ إلى أبوابهم رأيتَ من المنكر ما يصغُرُ عندك ما خرجتَ في تغييره، ثم لا تأمَنُ على نفسك الفتن.
وقالت: رأيتُ رسول الله ﷺ في منامي، فقلت: يا رسول الله، اُعذرني؛ فإن محبَّة الله شغلتني عن محبَّتك، فقال: يا مباركة، إذا أحببتِ الله فقد أحببتِني.
وذُكر بين يديها أن عابدًا في بني إسرائيل كان لا يَطْعَم الطعام في كلّ سنة إلا مرَّة واحدة، ينزل من صومعته، فيأتي مزبلة على باب ملك، فيتقمَّمُ منها من فضل مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذا كان بهذه المنزلة أن يسأل الله أن يجعل رزقَه في غير هذا؟ فقالت رابعة: إنَّ أولياء الله إذا قضى لهم قضاء لم يتسخَّطوه.
وخرجت رابعةُ في يوم عيدٍ، فلما رجعت قيل لها: كيف رأيتِ العيد؟ فقالت: رأيتُكم خرجتُم لإحياء سنَّة وإماتة بدعة، فأظهرتُم نعمًا أدخلتُم بها على المسلمين ذلَّة.
ولما قصَّ رياحٌ على الناس جاء يستأذن على رابعة، فلم تأذن له، وقالت: لم ظهر حزنه على الناس (١).
ذكر وفاتها:
قالت عَبْدة بنتُ أبي شوال: لما احتضرت رابعة دعتني، وقالت: يا عَبْدة، لا تُؤْذني بموتي أحدًا، وكفِّنيني في جبَّتي هذه. جبَّة من شعر كانت تقومُ فيها إذا هدأت العيون، فكفَّنَاها في تلك الجبَّة وخمار من صوف كانت تلبسه.
قالت عَبْدة: فرأيتُها بعد ذلك في منامي بسنة أو نحوها وعليها حُلَّة استبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر، لم أَرَ في الدنيا أحسنَ منها، فقلتُ لها: يا رابعة، ما فعلت تلك الجبَّة والخمار؟ فقالت: نُزِعا عني وأُبدلت بهما هذا الذي ترين عليَّ، وطُويت
стр. 5483
أكفاني، وخُتم عليها، ورُفعت إلى عليِّين ليكمل لي بها ثوابُها يوم القيامة، فقلت لها: أفلهذا كنت تعملين أيامَ الدنيا؟ فقالت: وما هذا عند ما رأيتُ من كرامة الله لأوليائه؟ قلت: فما فعلت عبيدة بنتُ أبي كلاب؟ فقالت: هيهاتَ هيهاتَ، سبقتنا والله إلى الدرجات العُلَى. قلت: بمَ ذلك، وقد كنتِ عند الناس أكبر منها؟ قالت: لأنها لم تكن تبالي على أيِّ حال أصبحتْ من الدنيا وأمستْ، فقلت: فما فعل أبو مالك [تعني ضَيغمًا] (١) قالت: يزور الله متى شاء. قلت: فما فعل بِشْر بنُ منصور؟ قالت: بخ بخ! أُعطي والله فوق ما كان يُؤمِّل، فقلت: مُرِيني بأمرٍ أتقرَّب به إلى الله قالت: عليك بكثرة ذِكْره، أَوْشَكَ أن تغتبطي بذلك في قبرك.
وكانت وفاةُ رابعة رحمةُ الله عليها بالبصرة هذه السنة (٢).
زُهرة بنُ مَعبد
ابن عبد الله بن هشام التَّيميُّ، من الطبقة الثالثة من أهل مصر (٣)، كان من الأبدال، وكان يسكن الفُسْطاط، ثم انتقل إلى الإسكندرية، ومات بها.
قال زُهرة: قال لي عمر بنُ عبد العزيز: يا أبا عَقِيل، أين تسكنُ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، الفُسْطاط، فقال: أتسكنُ الخبيثة المُنتنة، وتدع طيبة؛ فإنك تُحصِّل بها الدنيا والآخرة، ولست أعني طيبة بالمدينة، وإنما أعني الإسكندرية، ولولا ما أنا فيه لأحببتُ أن يكون منزلي بها حتى يكون قبري بين ذينك الميناءين.
حدث زهرة عن ابن عمر وابن الزُّبير وغيرهما، وروى عنه المصريون (٤).
стр. 5484
سليمان بنُ هشام
ابن عبد الملك بن مروان، قد ذكرنا مبايَنَتَه لمروان، فلما قُتل مروان بعث إلى أم سلمة بنت يعقوت المخزومية زوجةِ السفاح -وكانت قبله عند مَسْلَمة بن هشام بن أخي سليمان، وطلَّقها- وسألها أن تكلِّم السفاح فيه، فكلَّمته وقالت: ما زال مباينًا لمروان، والتجأ إلى الخوارج وقاتَلَه، ومضى إلى الهند، وقد قدم العراق، وأُريد أن تكتب له أمانًا، فأَمر بأن لا يُتعرَّض له، فكان يحضر مجلسَ السفَّاح ويُدْنيه، وكتب [أبو مسلم إلى] (١) السفاح يقول: بقي من الشجرة الملعونة فرعٌ، فإن أهملتَه بسَقَ، وإذا كان عدوُّك ووليُّك عندك سواء، فمتى يرجو المطيعُ خيرَكَ، ويخاف عدوُّك المخائف عنك، وأشار بقتله فلم يقتله، فدسَّ أبو مسلم إلى سُدَيف مالًا، وقال: قل شعرًا، فدخل سُدَيف يومًا على السفَّاح، فرأى سليمان عنده، فقال: [من الخفيف]
يا ابنَ عم الرسول أنتَ ضياءٌ … استبنَّا بك اليقينَ الجليّا
لا يغرنك ما ترى من رجالٍ … إن تحت الضُّلوع في داءً دويّا
فضَعِ السيفَ في ذوي الغدر حتَّى … لا ترى فوقَ ظهرِها أمويّا
قطَنَ البُغضُ في المُشاش فأضحى … ثاويًا في قلوبهم مطويّا
فقال سليمان: قتلتَني قتلكَ الله، ثم قام، فقال: يا أبا العباس، إنَّ هذا يستحثك (٢) علي، وإنك تريد اغتيالي، فقال السفاح: يا جاهل، ومَنْ يمنعُني منك؟ فقال: أمانُك، فقال لعبد الجبار صاحب شرطته: اضربْ عنقَه، فضربَ عنقَه وعنقَ ولديه، وصلَبَهم.
ويُروى أن سُديف أنشده بيتين آخرين لما لم يقتل سليمان، فقال: [من الوافر]
علامَ وفيم تُتْرَكُ عبدُ شمس … لها في كل ناحية ثُغاءُ
فما بالرَّمْس من حرَّان فيها … وإن قُتلت بأجمعها وفاءُ
فسكتَ السفَّاح، فقال: إنَّ سليمان لو لم يقم، ويفحش في كلامه، ولم يخاطب السفاح بإمرة المؤمنين، لما قُتل (٣).
стр. 5485
عبد الله بن السائب المخزومي
من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، والسائبُ له صحبة، وكان خليطَ رسول الله ﷺ ، وقال في حقِّه: "نعم الخليطُ السائبُ، لا يُشاري، ولا يماري" (١).
وكان عبد الله أديبًا، عفيفًا، مغرى بحبِّ الغزل، يهتزُّ عند سماعه، صام يومًا، فلما صلَّى المغرب وقُدّمت المائدةُ سمع قائلًا يقول ويترنَّم بقول جرير:
إن الذين غَدَوا بقلبك غادروا … وَشَلًا بعينك لا يزال مَعِينا
غيَّضن من عَبَراتهن وقلن لي … ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا (٢)
فقال عبد الله: كلُّ امرأةٍ له طالقٌ، وكلُّ مملوك له حرّ إن أفطَرَ في هذه الليلة إلا على
стр. 5486
هذين البيتين.
وسمع ليلة وهو في المدينة منشدًا ينشد ويقول: [من البسيط]
أفدي الذين أذاقوني مودَّتَهم … حتى إذا أيقظوني في الهوى رَقَدوا
واستنهضوني فلمَّا قمتُ نحوَهمُ … بثقل ما حمَّلوني في الهوى قَعَدوا
لأخرجنَّ من الدنيا وحبّهمُ … بين الجوانح لم يشعر به أحدُ
حسبي بأن تعلموا أنِّي محبُّكم … قلبي وأن تجدوا بعضَ الذي أجدُ
ألقيتُ بيني وبين الحبِّ معرفةً … وليس تنفدُ حتى ينفدَ الأبدُ
وليس لي مُسْعِدٌ في الحبِّ يُسْعِدُني … وقد بليتُ وقد أضناني الكَمَدُ
وكانت ليلةً شديدة البرد، فخرج عبدُ الله من داره وصاح به: يا هذا، قد وجدتَ المُسْعِد، أين تبغي؟ قال: وادي العرج. وهو على أميالِ من المدينة، فشيَّعه إلى هناك، ورجع وقد كاد يتلَفُ، فقيل له: خاطرتَ بنفسك والبردُ شديد! فقال: ساعدتُ محبًّا، وأحييتُ مسلمًا، وأنلت مكرمةً، وأبقيتُ لي ذِكْرًا جميلًا (١).
وكانت وفاتُه بالمدينة.
عطاء بنُ أبي مسلم مَيسرة
أبو عثمان الخُراسانيُّ البَلْخي، مولى المهلَّب بن أبي صُفْرة، من الطبقة الثالثة من أهل الشام، كان عالمًا، زاهدًا، فصيحًا من أهل خراسان.
قال: صيامُ النهار، وقيامُ الليل، أيسرُ من شرب الصديد، ومقطَّعات النيران والحديد، الوَحَاء الوَحاءَ (٢)، النَّجاء النَّجاءَ.
جدّوا في دار الفناء لدار البقاء، واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله لتفارقُنَّها كرهًا، واجعلوا الموتَ كشيء ذُقتموه، فوالله لتذوقنَّه كرهًا، واعلموا أن سفر الدنيا منقطعٌ، وأكيَسُ الناس من تجهَّز لسفر لا ينقطع.
стр. 5487
وقال: ما من عبدٍ يسجدُ لله سجدة في بقعةٍ من بقاع الأوض إلا شهدتْ له يوم القيامة، وبكت عليه عند موته.
مات في سنة خمس وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين بأريحا من أرض بيت المقدس، فحُمل إلى المقدس فدفن هناك.
أسند عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، وأوسل عن معاذ بن جَبَل، وروى عن ابن المسيب وغيره، أوروى، عنه عمر بنُ عبد العزيز، والثوري، وخلقٌ كثير من الأئمة، وكان ثقةً، صدوقًا، فاضلًا (١).
يحيى بن محمد
ابنِ عليِّ بن عبد الله بن عباس، خرج مع إخوته وأعمامه من الشَّرَاة لطلب الخلافة، وولَّاه السفَّاح الموصل، ففعل فيها ما فعل، فعزَلَه، ثم ولَّاه فارس، فمات بها، وأمُّه أمُّ الحَكَم بنتُ عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (٢).
* * *
стр. 5488
السنة السَّادسة والثلاثون بعد المئة
فيها قدم عبد الله بنُ علي من الشام إلى الأنبار، وأبو العباس بها في قصره، وقيل: كان بالهاشمية، فأكرمه، وعقَدَ له على الصائفة في أهل خراسان مضافًا إلى قِنّسرين، وحمص، وحماة، والعواصم، ودمشق، والشام، فعاد إلى الشام.
وفيها عهِدَ أبو العباس إلى أخيه أبي جعفر، ومن بعده إلى عيسى بن موسى، وختَمَ على العهد بخاتمه وخواتيم أهل بيته، وكان قد مرض وأخوه أبو جعفر في الحج فخاف.
وفيها كتب أبو مسلم إلى السفاح يستأذنه في الحج، فأذِنَ له، فقدِمَ عليه بالأنبار، فأمر الناسَ بتلقِّيه، فتلقَّاه الأشراف، ولما دخل على أبي العباس أكرمَه، وأنزله قريبًا منه، فكان كلّ يوم يأتيه للسلام، فقال السفاح: لولا أن أبا جعفر يحج العام لاستعملتُك على الموسم. وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدًا، وكان أبو العباس لما صفَتْ له الأمور بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم يأمره أن يأخذ البيعةَ لأبي العباس وأخيه أبي جعفر من بعده، ففعل.
فلما قدم أبو مسلم على أبي العباس قال له أبو جعفر: اُقتله؛ فوالله إنَّ في رأسه لغَدْرة، وأطعني فيه، فقال له: يا أخي، قد عرفتَ ما كان من بلائه وقيامه في أمرنا، فقال: إنما كان ذلك بدولتنا، ولو أقمتَ أقل الناس لقام به. قال: فكيف بأصحابه؟ قال: إذا قتلناه ذلُّوا وتفرَّقوا، وأنا أتولَّى قتلَه إذا دخل عليك، فقال له: يا أخي، عزمتُ عليك إلا كففت عن هذا، فقال له: أخاف إن لم تتغدَّ به اليوم يتعشَّى بنا غدًا. قال: فدونَكَه.
وخرج أبو جعفر عازمًا على قتله، وندم أبو العباس، فبعث إليه خصيا، فوجده محتبيًا بسيفه، فقال له: أمير المؤمنين يقول لك: الأمرُ الذي عزمتَ عليه لا تنفذه، فكفَّ أبو جعفر (١).
стр. 5489
وفي رواية: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس يستأذنُه في الحجّ، فأذِنَ له، وكتب إليه أن اقدم في خمس مئة من الجند، فكتب أبو مسلم: إني قد وتَرت (١) الناس، فلا آمنُ على نفسي، فكتب إليه: فأقبِل في ألف، فإنما أنتَ في سلطان أهلك، وطريقُ مكة لا تحمل العسكر، فشخَص ثمانية آلاف فرَّقهم فيما بين نيسابور والرَّي، وقدم بالأموال والخزائن، فجعلها في الرَّي، ثم قدم في ألف، وكان أبو جعفر على الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، فاستأذن أخاه في الحج فأذنَ له، فقدم عليه، واستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكِّي.
ولما دخل أبو مسلم على أبي العباس كان عنده أخوه أبو جعفر، فلم يُسلِّم عليه أبو مسلم، فقال له أبو العباس: يا أبا مسلم، هذا أخي أبو جعفر، فقال: إنَّ مجلس أمير المؤمنين لا تُقضي (٢) فيه الحقوق.
قال أبو اليقظان: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس يستأذنُه في الحجِّ، فكتب إليه: الجهادُ أفضل. فكتب إليه: إني حججتُ بغير مالي، ولا بد لي منه، فأذِنَ له، فسار إلى العراق، وقال في طريقه لخواصِّه: إني أرجو أن يموت أبو العباس، فأغلِبَ على الأمر. وكتب عيونُ أبي العباس إليه بذلك، فلما دخل عليه رأى من أبي العباس جفوة، فلما شاوره أخوه، وأشار بقتله، علم أنَّ أبا جعفر فيه على الصواب، وعزم على قتله، ثم توقَّف.
وقال أبو الهيثم: إنما قصد أبو مسلم بالحجِّ أن يصلِّي بالناس، ويقف بعرفة، وفهم أبو العباس، فكتب إلى أخيه أبي جعفر، وكان بالجزيرة: إن أبا مسلم قد استأذن للحج، وهو يظنُّ أني أوليه الموسم، فاقدَم حاجًّا؛ لئلا يقدَم، فقدِم أبو جعفر، واستخلف على أرمينية الحسن بن قحطبة، وقدم بعده أبو مسلم، فقال: ما وجد أبو جعفر عامًا يحجُّ فيه غيرَ هذا؟ ثم سار أبو جعفر وأبو مسلم إلى الحجّ.
قال هشام: فكان أبو مسلم يتقدَّم أبا جعفر بمرحلة، فكان يحفر البِرَكَ والمصانع، ويتصدَّق، ويحمل المنقطعين، فكان الصِّيت والذِّكر له، ولما انقضى الحجُّ نفر أبو
стр. 5490
مسلم قبل أبي جعفر، فازداد حَنَقًا عليه، ولما عاد من الحج نزل أبو مسلم بذات عِرْق، ونزل أبو جعفر ببستان ابن عامر، فجاء الخبر بوفاة أبي العباس وولايته بعدَه، ومن بعده عيسى بنُ موسى، وأنَّ عيسى هو الذي أخذ البيعة لأبي جعفر.
وقال الهيثم: لما أخذ البيعةَ له عيسى بنُ موسى في اليوم الذي مات فيه أبو العباس كتب إليه يخبره بذلك، وبعث بالكتاب مع محمد بن الحُصَين العَبْديّ، فالتقى أبا جعفر بمكان يقال له: ضُفينة (١)، فتفاءل أبو جعفر، وقال: صفا لنا أمرُنا. وقيل: بمكان يقال له: ذلة (٢)، فقال: ذل لنا الأمرُ، فأرسل إلى أبي مسلم يقول له: قد حدَثَ أمرٌ، فأسرع إليَّ، فجاءه، فألقى إليه الكتابَ، فلما قرأه بكى واسترجع، ونظر إلى أبي جعفر، فرآه قد جَزعَ جزعًا شديدًا، فقال له: تأتيك الخلافةُ وتجزع؟ فقال: أخاف شر عبد الله بن عليٍّ، وشيعة (٣) عليّ، فقال: لا بأس عليك، أنا أكفيكَ أمرَه؛ لأنَّ عامة مَنْ معه من خراسان، وهم لا يعصوني، فسُرِّي عن أبي جعفر، وبايعه أبو مسلم، ثم قَدِما الكوفة.
* * *
стр. 5491
الباب الثاني في خلافة أبي جعفر عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس
وهو أبو الخلفاء العباسيين من لدنه وإلى هلمَّ جرّا، وأمه سلامةُ، بَرْبَرِية، وقيل: هي بنتُ بشير، مُزَنية.
وُلد بالشراة في اليوم الذي مات فيه الحجاج بنُ يوسف سنة أربع وتسعين في ذي الحجَّة، وفيه أعذر، وفيه ولي الخلافة، وفيه مات.
وقالت أمُّه سلامة: لما حملت به رأيتُ في منامي كأنَّ أسدًا خرج من فرجي، فأقعى وزأر، وضرب بذنبه الأرض، فأقبلتْ إليه الأُسد من كل جانب ومكان، فكلَّما انتهى إليه أسد سجد له.
صفته:
كان أسمر، طوالًا جدًّا، نحيفًا، خفيف العارضين، معرق الوجه بالسواد، يتطيب في كل شهر بألف مثقال طيب يخضب به رأسَه ولحيتَه.
وقيل: لم يكن يُغيِّر شيبَه إلا بالطِّيب، وكان له أبهة الملوك في زي النساك، يعرف الشرف في تواضعه، والعقل في مشيته، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، لم يزل مشهورًا بطلب الفقه والآثار، وفيه يقول ابن هَرْمة (١): [من الطويل]
له لحظاتٌ في حِفافَيْ سريرِه … إذا كرَّها فيها عقاب ونائلُ
كريمٌ له وجهان وجهٌ لدى الرِّضا … أسيل ووجهٌ في الكريهة باسلُ
وأمُّ الذي أمَّنتَ آمنةُ الرَّدى … وأمُّ الذي أوعدتَ بالثُّكل ثاكلُ
وليس بمعطي العفوَ عن غير قدرةٍ … ويعفو إذا ما أمكَنَتْه المَقاتلُ
وكان والده محمد بنُ عليٍّ وجَّهه إلى البصرة يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، فلمَّا قدم البصرةَ كان يأتي عمرو بنَ عُبَيد ويتألفه، فلما عاد إلى الشَّراة سمعه أبوه يذكر
стр. 5492
شيئًا من كلام عمرو، ويُقايس فيه، فقال محمد: هذا والله كلام مولى بني تميم، يعني عمرو بن عُبيد، وكان ينكره (١).
ذكر بيعته:
بويع في ذي الحجَّة بالأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة خلت منه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، أو مضت منه، وهو ابنُ إحدى وأربعين سنة، أو اثنتين وأربعين، وهو أول من لُقِّب بالمنصور.
وقال أبو نعيم: قدم أصبهان مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وخرج منها إلى فارس (٢).
وكان يقال له: عبد الله الطويل، وكان يلقَّب بالدَّوانيقي، وسببُه أن سائلًا سأله قبل أن يلي الخلافة، ولم يكن معه سوى ثلاثة دوانيق، فدفعها إليه، فلقّب بذلك.
وقال محمد بنُ إبراهيم الإمام: قال المنصور يومًا ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا رأيتُها ونحن بالشَّراة؟ قلنا: ما نذكُرها، فغضب، وقال: كان ينبغي لكم أن تكتبوها في ألواح الذهب، وتعلّقوها في أعناق الصبيان، فقال له عيسى بنُ موسى: يا أمير المؤمنين، إن كنَّا قصَّرنا فنحن نستغفر الله من ذلك، فحدّثنا، قال: نعم، رأيتُ كأنِّي في المسجد الحرام، وبابُ الكعبة مفتوح، وكان رسول الله ﷺ فيها، إذا بمنادٍ ينادي: أين عبد الله بن محمد؟ فقام أخي أبو العباس، فتخطَّى رقابَ الناس حتى صار على درج البيت، فأخذ بيده، فأدخل البيت، فما لبث أن خرَجَ علينا ومعه لواء قدر أربعة أذرع وأرجح، وخرج من باب المسجد، ثم نُودي: أين عبد الله؟ فقمتُ أنا وعبد الله بنُ علي نستبِقُ حتى صِرْنا إلى الدرجة، فجلس وأخذ بيدي، فأُصعدت وأدخلتُ الكعبة، وإذا برسول الله ﷺ جالس عنده أبو بكر وعمر وبلال ﵃، فعقَدَ لي لواءً، وأوصاني بأمَّته، وعمَّمني بيده بعمامة كان طولُها ثلاثة وعشرين ذراعًا، ودفع إلي اللواء، وقال: خُذْها إليك يا أبا الخلفاء خالدةً إلى يوم القيامة (٣).
стр. 5493
قال المصنف ﵀: وقد ولي الخلافةَ أخوان، وثلاثة، وأربعة؛ فأمَّا الأخوان فأبو العباس وأبو جعفر، وموسى وهارون، والواثق والمتوكِّل، والمسترشِد والمقتفي، وأما الثلاثة فالأمين والمأمون والمعتصم، والمقتدر والمقتفي والقاهر، والراضي والمتَّقي والمطيع، وأما الأربعة فلم يكونوا إلا في بني مروان الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك (١).
وبعث عيسى بنُ موسى إلى عبد الله بن عليٍّ بأن يأخذ البيعة لأبي جعفر على الناس، ويُبايع له قبل قدوم أبي جعفر من الحجِّ، وبعث بالكتاب مع يزيد بن زياد، فانصرف عبدُ الله بمن معه من الجيوش من الشام، فنزل حرّان، وبايع لنفسه؛ لما نذكر.
ورخصت الأسعار عند ولاية أبي جعفر الخلافة، حتى بيع الكبش بدرهم، والحمل بأربعة دوانيق، والتمر ستون رطلًا بدرهم، والزيتُ عشرة أرطال بدرهم، والسمنُ ثمانية أرطال بدرهم (٢).
ولما عاد من الحج كتب إليه بعضُ إخوانه الذين كانوا يعاشرونه من قبل: [من مجزوء الكامل]
إنا بطانتُك التي … كنَّا نكابدُ ما تكابدْ
ونُرى فنُعرف بالعدا … وة والعناد لمن تُعاندْ
ونبيتُ من خوف عليـ … ـك ربيئة (٣) والليلُ هاجدْ
هذا أونُ وفاء ما … سبقَتْ به منك المواعدْ
فكتب عليها أبو جعفر: صدقتَ، وألحقه بخاصته (٤).
[فصل] (٥) وفيها تُوفي
стр. 5494
ربيعة بن أبي عبد الرحمن
فرُّوخ مولى آل المنكدر، التيميّ (١)، أبو عثمان، وقيل: أبو عبد الرحمن، ويقال له: ربيعة الرأي، وهو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة.
وكان إذا مرض وضع الموائد لعوَّاده يأكلُ منها كلُّ مَنْ يعوده، فلا يزال كذلك حتى يخرج.
وقال مالك: ذهبت حلاوةُ الفقه منذ مات ربيعة.
وقال ربيعة: إنما الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم ومن يتولَّاهم.
وكانت لربيعة مروءةٌ وسخاء، مع فقهٍ وعلم، وكانت له حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان محمد بنُ عليِّ بن الحسين وابنُه جعفر يجلسان في حلقته.
وقال الليث بن سعد، [عن يحيى بن سعيد] (٢): ما رأيتُ أسَد عقلًا من ربيعة. وكان صاحب معضلات أهل المدينة، ورئيسَهم في الفتيا.
وكان فرُّوخ خرج في البعوث إلى خراسان غازيًا [وربيعةُ حَمْل] (٣)، وخلَّف عند أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، وقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكبٌ على فرس، وبيده رمح، فنزل عن فرسه، ثم دفع الباب، فخرج ربيعةُ وقال له: يا عدو الله، أتهجُم على منزلي؟ فقال فرُّوخ: يا عدو الله أنت، دخلتَ على حَرَمي! وتَواثَبا، وتلبَّبَ كلُّ واحد منهما على صاحبه، حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالك بنَ أنس والمشيخة، فأتوا يعينون ربيعة، وجعل ربيعة يقول: والله لا أفارقُك إلا عند السلطان، وفرُّوخ يقول كذلك، وكثُرَ الضجيج، فلما بَصُروا مالكًا سكت الناس كلُّهم، فقال مالك: أيها الشيخ، لك في غير هذا المنزل سَعَة، فقال فروخ: هي داري، وأنا فرُّوخ. وسمعت امرأتُه كلامَه فخرجت، فلما رأته قالت: هذا والله زوجي، وهذا ابنُه الذي خلَّفه وأنا
стр. 5495
حامل به، فاعتنقا جميعًا، وبكيا، ودخل فروخ المنزل وقال: أخرجي المال الذي عندك، وهذه أربعة آلاف دينار معي، فقالت: المال دفنتُه.
فخرج ربيعةُ إلى المسجد وجلس في حلقته، وأتاه مالك بنُ أنس، والحسن بنُ زيد، وابنُ عليٍّ اللَّهَبي، وأشراف المدينة، وأحدق الناس به، فقالت له امرأته: اخرج وصلِّ في مسجد رسول الله ﷺ ، فخرج فنظر إلى الحلقة فرآها وافرة، فوقف عليها ورآه ربيعة، فنكس رأسَه يُوهمه أنه لم يره، فقال فرُّوخ لرجل إلى جانبه: مَنْ هذا؟ قال: ربيعة. فقال: لقد رفع الله ابني، ثم رجع إلى منزله، فقال لأمه: لقد رأيتُ ابنَك في حالة من العلم والفقه ما رأيتُ أحدًا من أهل العلم عليها، فقالت له: أيُّما أحبُّ إليك ثلاثون ألف دينار أو الحالة التي رأيتَه فيها؟ قال: لا والله إلا هذا. قالت: فإنِّي أنفقتُ المال كلَّه عليه حتى صار كذا، فقال: نعم ما فعلتِ، والله ما ضيَّعته (١).
وقال ابنُ وهب: تعبَّد ربيعة دهرًا طويلًا يصلّي النهار والليل، وجالسَ القاسم بنَ محمد، فنطق بعقل ولب، فكان القاسمُ إذا سُئل عن شيء يقول: سلوا ربيعة.
وقال سوَّار بنُ عبد الله: ما رأيتُ أحدًا أعلم من ربيعة الرأي، فقال له معاذ بنُ معاذ: ولا الحسنَ وابن سِيرين؟ قال: لا، ولا الحسنَ، ولا ابنَ سِيرين.
وقال بكر بنُ عبد الله الصَّنعاني: أتينا مالك بنَ أنس، فجعل يُحدِّثنا عن ربيعة، وكنَّا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ هو نائم في ذاك الطاق، فأتيناه، فأنبهناه وقلنا له: أنتَ ربيعةُ الذي يُحدّث عنك مالك بنُ أنس؟ قال: نعم. قلنا: كيف حظِيَ بك مالك ولم تحظَ أنت بنفسك؟ فقال: أما علمتُم أن مثقالًا من دولة خيرٌ من حِمْل علم؟
واستقدمه أبو العباس إلى الأنبار ليولِّيه القضاء، فلما أراد الخروج قال لمالك: إنْ سمعتَ أنِّي حدثتُهم، أو وَلِيتُ لهم قضاء، أو قبلتُ منهم مالًا، أو أفتيتُهم، فلا تعدَّني شيئًا، فلما قدم على السفاح استدعى منه ذلك، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، فلم
стр. 5496
يقبلها، ولم يَلِ شيئًا، ولا حدَّثهم بشيء، ولا أفتاهم.
وقال إبراهيم بنُ المنذر: سعى أبو الزناد بربيعة إلى عامل المدينة في شيء، فأخذ ربيعةَ، فجلَدَه وحلَقَ رأسَه ولحيتَه، ثم عُزِل ذلك العاملُ، ووَلي آخرُ من بني تيم، فأخذ أبا الزناد، فأدخله بيتًا، وسد بابَه ليقتله جوعًا وعطشًا عوضَ سِعايته بربيعة، وبلغ ربيعةَ، فجاء إلى الوالي، فسأل في أبي الزناد، فقال الوالي: وهل فعلتُ به ذلك إلا لما سعى بك؟ فقال: أمَّا أنا فأحاكمه غدًا إلى الله تعالى، وأما في الدنيا فلا، ولابدَّ من إخراجه، فأخرَجَه.
ولما ضُرب وحُلقت لحيتُه كانت امرأة تأتي إلى حلقته فيَ يوم في المسجد وتقول: يا أبا عبد الرحمن، انتقَمَ الله ممن حلَقَ لحيتَك، فلما أبرَمَتْه قال لها: يا هذه، إن ذاك حلَقَها مرةً، وأنت تحلقينها كلَّ يوم.
توفي بالأنبار في هذه السنة، وقيل: رجع إلى المدينة فمات بها، وقيل: مات سنة ثمان وثلاثين ومئة.
سمع من أنس بن مالك، وعامَّة التابعين من أهل المدينة، وروى عنه الثوريُّ، ومالك، وشعبة، والليث، وغيرهم. واتفقوا على صدقه، وثقته، ودينه، وورعه.
وجاءه رجل من الفقهاء، فجلس إليه، فقال له: إذا جاءك رجلٌ يسألُك عن مسألة فلا يكن همُّك أن تخرجَه مما وقع فيه، وليكن همُّك أن تتخلَّص مما سألك عنه.
وقال سفيان الثوريُّ: كنتُ جالسًا يومًا عند ربيعة، فغطَّى رأسَه، ثم بكى واضطجع، فقلت: ما يبكيك؟ [قال:] رياء ظاهر، وشهوةٌ خفيَّة (١).
عبد الله بنُ محمد
ابنِ علي بن عبد الله بن العباس، أبو العباس السفَّاح.
أولُ من أجاز بألف ألف درهم: قدم عليه في خلافته عبد الله بنُ حسن بن حسن، فأكرمه، وأنزله قريبًا منه، فقال له يومًا: يا أمير المؤمنين، سمعتُ بألف ألف درهم،
стр. 5497
وما رأيتُها قطُّ، فأمر بها أبو العباس فأحضرتْ، فلما رآها عبد الله استهالها، فقال: احملوها معه إلى منزله، فجاء الناس يهنُّونه، فقال عبد الله: أتشكرون رجلًا أعطانا بعضَ حقِّنا وفاز بالباقي؟ وبلغ أبا العباس، فلم يقل شيئًا (١).
واجتمع عند السفاح وجوهُ بني هاشم والشيعةُ، وكان المجلس أحشَد ما يكون، فقام عبد الله بنُ حسن بن حسن، وبيده مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطِنا حقَّنا الذي جعله الله لنا في هذا الكتاب. فأشفق الناسُ أن يعجّلَ إليه أبو العباس بشيء، ولا يريدون ذلك في شيخ قريش وسيِّد بني هاشم، أو يعيى بجوابه، فيكون ذلك ردًّا ونقصًا له، فأقبل عليه غير متأثر ولا مُغْضَب، فقال له: إن جدَّك عليًّا كان خيرًا مني وأعدل، وَلي هذا الأمرَ، فأعطى جدَّك الحسنَ وعمَّك الحُسين شيئًا، وكانا خيرًا منك، وكان الواجبُ أن أعطيك مثلَه، فإن كنتُ فعلتُ فقد أنصفتُك، وإن كنتُ زدتُك فما هذا جزائي منك. فعجِبَ الناسُ من حسن جوابه (٢).
وقال حَفْص بنُ عمر: قدم عبد الله بنُ حسن بن حسن على أبي العباس في خلافته، فأكرمه وحباه، وقرَّبه وأدناه، وصنع به شيئًا لم يُصنع بأحد، وكان بالأنبار، وكان عبد الله يسمُرُ عنده، فسمر عنده ليلة إلى نصف الليل يحادثه، ودعا أبو العباس بسفطٍ فيه جوهر، ففتحه وقال: هذا والله يا أبا محمد الذي وصل إليَّ من الجوهر الذي كان في يدي بني أمية، ثم قاسمَه إيَّاه، فأعطاه نصفه، وبعث بالنصف الآخر إلى أمِّ سلمة امرأته، وقال: هذا عندك وديعةٌ، ثم تحادثا ساعةً، ونعس السفاح، فتمثَّل عبد الله، وقال: [من الوافر]
ألم تَرَ حَوْشبًا أمسى يُبَنِّي … قصورًا نفعُها لبني نُفَيلهْ
يؤمِّل أن يُعمَّر عمر نوحٍ … وأمرُ الله يأتي كلَّ ليلهْ
فانتبه أبو العباس، ففهم، وقال: يا أبا محمد، تتمثَّل بمثل هذا الشعر عندي وقد رأيتَ صنيعي بك ولم أدخر عنك شيئًا؟! فقال: يا أمير المؤمنين، هفوةٌ كانت والله ما أردتُ بها سوءًا، ولكنها أبياتٌ خطرت لي فتمثَّلت بها، فإن رأى أميرُ المؤمنين أن
стр. 5498
يحتمل ما كان مني في ذلك فليفعل. قال: قد فعلتُ (١).
وقال البلاذري: قدم عبد الله على السفاح [فأخذ بيده] (٢) وهو يمرُّ به على قصوره بالهاشمية يُريه إيَّاها، وكان معجبًا بها، فأنشد عبد الله البيتين، فغضب السفاح، واحمَّرت عيناه، وجذب يدَه من يده، وقال: ما أردتَ بهذا؟ فقال: ازَهدُك فيها، فقال السفاح: [من الوافر]
أريدُ حياتَه ويريدُ قتلي … عذيرَكَ من خليلكَ من مراد (٣)
وكان الحسدُ غالبًا على عبد الله للسفَّاح، ولا ينهاه عن ذلك إكرامُه له، ولما أنشد الشعر قال له السفاح: أفٍّ لك، ما يُهلك الحسودَ نفسُه ولسانُه، اخرج عنِّي. فخرج إلى المدينة.
وقال الزُّبير بن بكَّار: كتب [أميرُ المؤمنين أبو العباس] إلى عبد الله بن حسن يذكر له تغيب (٤) ابنيه محمد وإبراهيم، وكتب في كتابه: أريد حياته ويريد قتلي، فكتب عبد الله بنُ حسن، وقال: [من الوافر]
وكيف يريدُ ذاك وأنتَ منه … بمنزلةِ البياض من السَّواد
ويعني قول عبد الله: قصورًا نفعُها لبني نُفيله: نفيلة أمّ ولد الحسن بن علي (٥) ﵄، جاءت منه بالقاسم، وأبي بكر، وعبد الله، قُتِلوا مع الحسين ﵁ يوم الطَّفوف.
قال أبو اليقظان: قدم على السفَّاح بنو الحسن بن علي، فأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال، وأقطَعَهم القطائع، وقال لعبد الله: احتكِمْ. قال: ألف ألف درهم، فاستقرَضَها السفاح من ابن مقرن البصري (٦).
стр. 5499
وأُتي أبو العباس بجوهرٍ، فجعل يُقلِّبه وعبدُ الله يبكي، فقال له أبو العباس: يا أبا محمد، ما يُبكيك؟ فقال: هذا عند بنات مروان، وما رأت بناتُ عمِّك مثلَه قط، فحَبَاه به.
ودخل عليهما أبو جعفر فقام السفاحُ، وأخذ بيد عبد الله، وجعل يُرِيه قصورَه بالهاشمية، فتمثَّل عبد الله بالشعر، فقال له أبو جعفر: ألا تسمع؟ إنّ هذا يظنُّ أن الأمر يصلُ إليهم! فقال عبد الله: ما ذهبتُ هذا المذهب، وإنما هي كلمةٌ جرَتْ على لساني لم أتعمدها، وخشَّنت تلك الكلمةُ صدر أبي العباس.
وخرج عبد الله إلى المدينة، فبعث السفاح رجلًا من ثقاته معه، وأمره أن يضبط ما يسمعُ منه، فلمَّا قدم عبد الله المدينةَ اجتمع إليه الطالبيون، ففرَّق فيهم الأموال التي أعطاه السفاح، واستأثر بالجوهر، وكان قيمتُه مئتي ألف دينار، وفرح الطالبيون بالأموال، فقال لهم عبدُ الله: أفرحتُم؟ قالوا: وكيف لا نفرحُ بما كان محجوبًا عنا بأيدي قوم آخرين؟! وعاد الرجل فأخبر السفَّاح، فلم ينطق، وصبر لينظر ما يكون منهم، وبلغ أبا جعفر وأعمامَ السفاح فقالوا: أدِّبه، فقال: العفو أقربُ إلى التقوى، والتغافل من أخلاق الكرام، ومات على ذلك، وقام أبو جعفر، ففعل بهم ما فعل.
وقال الهيثم: لما أنشد عبدُ الله الشِّعر وغضب السفَّاح بلغ أبا جعفر، فقال: الرِّفق أولى. وبلغ السفاحَ قولُه، فقال: أيقول لي هذا؟ والله لا كان حَتْفُ عبد الله وبَني حسنٍ إلا على يده. فكان كما قال (١).
وكان السفَّاح يسمع الغناء من وراء السّتارة، ويطرَبُ، ويُجيز عليه في الحال، ويقول: نتعجَّل السُّرور، ونؤجل مكافأته؟
وأول من أحدث السِّتارة بينه وبين ندمائه في الجاهلية أزدشير بنُ بابك، والسفَّاح في الإسلام.
قيل لأبي العباس: الخلافةُ جليلة، فلو احتجبتَ عن مَنْ يشاهدك كان أكثر هيبة، فاحتجَبَ.
стр. 5500
وكان من أبسط الناس على الطعام، فكان من أراد [أن] يسألَه حاجةً سأله وهو على الطعام، وكان إبراهيم بن مخرمة الكندي لا يسألُه إلا وهو على المائدة، فقال له يومًا: [يا] إبراهيم، ما دعاك إلى أن تشغلني عن الطعام بحوائج الناس؟ فقال: التماس النجاح لمن أسألُ له، فقال له السفَّاح: لله درُّكَ، إنك لخليق بالسُّؤْدُد بحسن فطنتك.
وكان السفاح أحلَمَ الناس، وأعقَلَهم، وأسخاهم، مدَحَه [وأهلَه] (١) أبو عطاء السِّنديُّ فلم يُعطه شيئًا، فهجاهم، وقال: [من الطويل]
بني هاشمٍ عودوا إلى نَخَلاتكم … فقد عاد بيعُ التمر صاعًا بدرهمِ
فإن قلتُمُ رهطُ النبيّ محمد … فإنَّ النصارى رهطُ عيسى ابن مريمِ (٢)
وبلغ السفاحَ فلم يقل شيئًا، فقيل له: عاقبه، فقال: لا أجمعُ له بين العقوبة والمنع.
وكتب إليه رجلٌ سِعاية، فكتب عليها: تقرَّبتَ إلينا بما يُبعدكَ عنَا.
ومر يومًا ومعه عيسى بنُ موسى على فَعَلةٍ، فقال: إن السعيد مَنْ سلم من الدنيا، ولوددتُ أني لم أتقلَّد منها شيئًا، ولهؤلاء أحسنُ حالًا منَّا، وأخفُّ ظهرًا، فقال له عيسى: لقد أحسن الله إليك إذ أنقذَ بك الأمةَ من جَوْر بني أُميَّة.
وكان السفّاح يقول: لأستعملنَّ اللينَ حتى لا تنفع إلا الشدَّة، ولأُغمدنَّ سيفي إلا أن يسلَّه الحقّ، ولأُعطينَّ حتى لا أرى للعطاء موضعًا.
وخرج يومًا متنزِّهًا بظاهر الأنبار، فأمعَنَ في البرية، فشذَّ عن أصحابه، فوافى خِباءً لأعرابي، فوقف وسلم عليه، فردَّ وقال: ممَّن الرجل؟ فقال: من كِنانة. قال: من أيِّ كِنانة؟ قال من أبغض كنانة إلى كنانة. قال: فأنتَ من قريش؟ قال: نعم. قال: فمن أيِّ قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش. قال: فإذًا أنتَ من ولد عبد المطَّلب؟ قال: نعم. قال: فمن أيّ ولد عبد المطَّلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطَّلب إلى ولد عبد المطَّلب. قال: فإذًا السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، ووثَبَ قائمًا، فاستحسَنَ أبو العباس ذلك منه، وأمر له بجائزة سَنِيَّة.