يقبلها، ولم يَلِ شيئًا، ولا حدَّثهم بشيء، ولا أفتاهم.
وقال إبراهيم بنُ المنذر: سعى أبو الزناد بربيعة إلى عامل المدينة في شيء، فأخذ ربيعةَ، فجلَدَه وحلَقَ رأسَه ولحيتَه، ثم عُزِل ذلك العاملُ، ووَلي آخرُ من بني تيم، فأخذ أبا الزناد، فأدخله بيتًا، وسد بابَه ليقتله جوعًا وعطشًا عوضَ سِعايته بربيعة، وبلغ ربيعةَ، فجاء إلى الوالي، فسأل في أبي الزناد، فقال الوالي: وهل فعلتُ به ذلك إلا لما سعى بك؟ فقال: أمَّا أنا فأحاكمه غدًا إلى الله تعالى، وأما في الدنيا فلا، ولابدَّ من إخراجه، فأخرَجَه.
ولما ضُرب وحُلقت لحيتُه كانت امرأة تأتي إلى حلقته فيَ يوم في المسجد وتقول: يا أبا عبد الرحمن، انتقَمَ الله ممن حلَقَ لحيتَك، فلما أبرَمَتْه قال لها: يا هذه، إن ذاك حلَقَها مرةً، وأنت تحلقينها كلَّ يوم.
توفي بالأنبار في هذه السنة، وقيل: رجع إلى المدينة فمات بها، وقيل: مات سنة ثمان وثلاثين ومئة.
سمع من أنس بن مالك، وعامَّة التابعين من أهل المدينة، وروى عنه الثوريُّ، ومالك، وشعبة، والليث، وغيرهم. واتفقوا على صدقه، وثقته، ودينه، وورعه.
وجاءه رجل من الفقهاء، فجلس إليه، فقال له: إذا جاءك رجلٌ يسألُك عن مسألة فلا يكن همُّك أن تخرجَه مما وقع فيه، وليكن همُّك أن تتخلَّص مما سألك عنه.
وقال سفيان الثوريُّ: كنتُ جالسًا يومًا عند ربيعة، فغطَّى رأسَه، ثم بكى واضطجع، فقلت: ما يبكيك؟ [قال:] رياء ظاهر، وشهوةٌ خفيَّة (١).
عبد الله بنُ محمد
ابنِ علي بن عبد الله بن العباس، أبو العباس السفَّاح.
أولُ من أجاز بألف ألف درهم: قدم عليه في خلافته عبد الله بنُ حسن بن حسن، فأكرمه، وأنزله قريبًا منه، فقال له يومًا: يا أمير المؤمنين، سمعتُ بألف ألف درهم،
стр. 5497
وما رأيتُها قطُّ، فأمر بها أبو العباس فأحضرتْ، فلما رآها عبد الله استهالها، فقال: احملوها معه إلى منزله، فجاء الناس يهنُّونه، فقال عبد الله: أتشكرون رجلًا أعطانا بعضَ حقِّنا وفاز بالباقي؟ وبلغ أبا العباس، فلم يقل شيئًا (١).
واجتمع عند السفاح وجوهُ بني هاشم والشيعةُ، وكان المجلس أحشَد ما يكون، فقام عبد الله بنُ حسن بن حسن، وبيده مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطِنا حقَّنا الذي جعله الله لنا في هذا الكتاب. فأشفق الناسُ أن يعجّلَ إليه أبو العباس بشيء، ولا يريدون ذلك في شيخ قريش وسيِّد بني هاشم، أو يعيى بجوابه، فيكون ذلك ردًّا ونقصًا له، فأقبل عليه غير متأثر ولا مُغْضَب، فقال له: إن جدَّك عليًّا كان خيرًا مني وأعدل، وَلي هذا الأمرَ، فأعطى جدَّك الحسنَ وعمَّك الحُسين شيئًا، وكانا خيرًا منك، وكان الواجبُ أن أعطيك مثلَه، فإن كنتُ فعلتُ فقد أنصفتُك، وإن كنتُ زدتُك فما هذا جزائي منك. فعجِبَ الناسُ من حسن جوابه (٢).
وقال حَفْص بنُ عمر: قدم عبد الله بنُ حسن بن حسن على أبي العباس في خلافته، فأكرمه وحباه، وقرَّبه وأدناه، وصنع به شيئًا لم يُصنع بأحد، وكان بالأنبار، وكان عبد الله يسمُرُ عنده، فسمر عنده ليلة إلى نصف الليل يحادثه، ودعا أبو العباس بسفطٍ فيه جوهر، ففتحه وقال: هذا والله يا أبا محمد الذي وصل إليَّ من الجوهر الذي كان في يدي بني أمية، ثم قاسمَه إيَّاه، فأعطاه نصفه، وبعث بالنصف الآخر إلى أمِّ سلمة امرأته، وقال: هذا عندك وديعةٌ، ثم تحادثا ساعةً، ونعس السفاح، فتمثَّل عبد الله، وقال: [من الوافر]
ألم تَرَ حَوْشبًا أمسى يُبَنِّي … قصورًا نفعُها لبني نُفَيلهْ
يؤمِّل أن يُعمَّر عمر نوحٍ … وأمرُ الله يأتي كلَّ ليلهْ
فانتبه أبو العباس، ففهم، وقال: يا أبا محمد، تتمثَّل بمثل هذا الشعر عندي وقد رأيتَ صنيعي بك ولم أدخر عنك شيئًا؟! فقال: يا أمير المؤمنين، هفوةٌ كانت والله ما أردتُ بها سوءًا، ولكنها أبياتٌ خطرت لي فتمثَّلت بها، فإن رأى أميرُ المؤمنين أن
стр. 5498
يحتمل ما كان مني في ذلك فليفعل. قال: قد فعلتُ (١).
وقال البلاذري: قدم عبد الله على السفاح [فأخذ بيده] (٢) وهو يمرُّ به على قصوره بالهاشمية يُريه إيَّاها، وكان معجبًا بها، فأنشد عبد الله البيتين، فغضب السفاح، واحمَّرت عيناه، وجذب يدَه من يده، وقال: ما أردتَ بهذا؟ فقال: ازَهدُك فيها، فقال السفاح: [من الوافر]
أريدُ حياتَه ويريدُ قتلي … عذيرَكَ من خليلكَ من مراد (٣)
وكان الحسدُ غالبًا على عبد الله للسفَّاح، ولا ينهاه عن ذلك إكرامُه له، ولما أنشد الشعر قال له السفاح: أفٍّ لك، ما يُهلك الحسودَ نفسُه ولسانُه، اخرج عنِّي. فخرج إلى المدينة.
وقال الزُّبير بن بكَّار: كتب [أميرُ المؤمنين أبو العباس] إلى عبد الله بن حسن يذكر له تغيب (٤) ابنيه محمد وإبراهيم، وكتب في كتابه: أريد حياته ويريد قتلي، فكتب عبد الله بنُ حسن، وقال: [من الوافر]
وكيف يريدُ ذاك وأنتَ منه … بمنزلةِ البياض من السَّواد
ويعني قول عبد الله: قصورًا نفعُها لبني نُفيله: نفيلة أمّ ولد الحسن بن علي (٥) ﵄، جاءت منه بالقاسم، وأبي بكر، وعبد الله، قُتِلوا مع الحسين ﵁ يوم الطَّفوف.
قال أبو اليقظان: قدم على السفَّاح بنو الحسن بن علي، فأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال، وأقطَعَهم القطائع، وقال لعبد الله: احتكِمْ. قال: ألف ألف درهم، فاستقرَضَها السفاح من ابن مقرن البصري (٦).
стр. 5499
وأُتي أبو العباس بجوهرٍ، فجعل يُقلِّبه وعبدُ الله يبكي، فقال له أبو العباس: يا أبا محمد، ما يُبكيك؟ فقال: هذا عند بنات مروان، وما رأت بناتُ عمِّك مثلَه قط، فحَبَاه به.
ودخل عليهما أبو جعفر فقام السفاحُ، وأخذ بيد عبد الله، وجعل يُرِيه قصورَه بالهاشمية، فتمثَّل عبد الله بالشعر، فقال له أبو جعفر: ألا تسمع؟ إنّ هذا يظنُّ أن الأمر يصلُ إليهم! فقال عبد الله: ما ذهبتُ هذا المذهب، وإنما هي كلمةٌ جرَتْ على لساني لم أتعمدها، وخشَّنت تلك الكلمةُ صدر أبي العباس.
وخرج عبد الله إلى المدينة، فبعث السفاح رجلًا من ثقاته معه، وأمره أن يضبط ما يسمعُ منه، فلمَّا قدم عبد الله المدينةَ اجتمع إليه الطالبيون، ففرَّق فيهم الأموال التي أعطاه السفاح، واستأثر بالجوهر، وكان قيمتُه مئتي ألف دينار، وفرح الطالبيون بالأموال، فقال لهم عبدُ الله: أفرحتُم؟ قالوا: وكيف لا نفرحُ بما كان محجوبًا عنا بأيدي قوم آخرين؟! وعاد الرجل فأخبر السفَّاح، فلم ينطق، وصبر لينظر ما يكون منهم، وبلغ أبا جعفر وأعمامَ السفاح فقالوا: أدِّبه، فقال: العفو أقربُ إلى التقوى، والتغافل من أخلاق الكرام، ومات على ذلك، وقام أبو جعفر، ففعل بهم ما فعل.
وقال الهيثم: لما أنشد عبدُ الله الشِّعر وغضب السفَّاح بلغ أبا جعفر، فقال: الرِّفق أولى. وبلغ السفاحَ قولُه، فقال: أيقول لي هذا؟ والله لا كان حَتْفُ عبد الله وبَني حسنٍ إلا على يده. فكان كما قال (١).
وكان السفَّاح يسمع الغناء من وراء السّتارة، ويطرَبُ، ويُجيز عليه في الحال، ويقول: نتعجَّل السُّرور، ونؤجل مكافأته؟
وأول من أحدث السِّتارة بينه وبين ندمائه في الجاهلية أزدشير بنُ بابك، والسفَّاح في الإسلام.
قيل لأبي العباس: الخلافةُ جليلة، فلو احتجبتَ عن مَنْ يشاهدك كان أكثر هيبة، فاحتجَبَ.
стр. 5500
وكان من أبسط الناس على الطعام، فكان من أراد [أن] يسألَه حاجةً سأله وهو على الطعام، وكان إبراهيم بن مخرمة الكندي لا يسألُه إلا وهو على المائدة، فقال له يومًا: [يا] إبراهيم، ما دعاك إلى أن تشغلني عن الطعام بحوائج الناس؟ فقال: التماس النجاح لمن أسألُ له، فقال له السفَّاح: لله درُّكَ، إنك لخليق بالسُّؤْدُد بحسن فطنتك.
وكان السفاح أحلَمَ الناس، وأعقَلَهم، وأسخاهم، مدَحَه [وأهلَه] (١) أبو عطاء السِّنديُّ فلم يُعطه شيئًا، فهجاهم، وقال: [من الطويل]
بني هاشمٍ عودوا إلى نَخَلاتكم … فقد عاد بيعُ التمر صاعًا بدرهمِ
فإن قلتُمُ رهطُ النبيّ محمد … فإنَّ النصارى رهطُ عيسى ابن مريمِ (٢)
وبلغ السفاحَ فلم يقل شيئًا، فقيل له: عاقبه، فقال: لا أجمعُ له بين العقوبة والمنع.
وكتب إليه رجلٌ سِعاية، فكتب عليها: تقرَّبتَ إلينا بما يُبعدكَ عنَا.
ومر يومًا ومعه عيسى بنُ موسى على فَعَلةٍ، فقال: إن السعيد مَنْ سلم من الدنيا، ولوددتُ أني لم أتقلَّد منها شيئًا، ولهؤلاء أحسنُ حالًا منَّا، وأخفُّ ظهرًا، فقال له عيسى: لقد أحسن الله إليك إذ أنقذَ بك الأمةَ من جَوْر بني أُميَّة.
وكان السفّاح يقول: لأستعملنَّ اللينَ حتى لا تنفع إلا الشدَّة، ولأُغمدنَّ سيفي إلا أن يسلَّه الحقّ، ولأُعطينَّ حتى لا أرى للعطاء موضعًا.
وخرج يومًا متنزِّهًا بظاهر الأنبار، فأمعَنَ في البرية، فشذَّ عن أصحابه، فوافى خِباءً لأعرابي، فوقف وسلم عليه، فردَّ وقال: ممَّن الرجل؟ فقال: من كِنانة. قال: من أيِّ كِنانة؟ قال من أبغض كنانة إلى كنانة. قال: فأنتَ من قريش؟ قال: نعم. قال: فمن أيِّ قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش. قال: فإذًا أنتَ من ولد عبد المطَّلب؟ قال: نعم. قال: فمن أيّ ولد عبد المطَّلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطَّلب إلى ولد عبد المطَّلب. قال: فإذًا السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، ووثَبَ قائمًا، فاستحسَنَ أبو العباس ذلك منه، وأمر له بجائزة سَنِيَّة.
стр. 5501
ذكر وفاته:
نظر يومًا في المرآة -وكان من أحسن الناس وجهًا- فقال: اللهمَّ إني لا أقول كما قال سليمان بنُ عبد الملك: أنا الملكُ الشاب، ولكنّي أقول: اللهم عمّرني طويلًا في طاعتك بخير وعافية، فما استتمَّ كلامَه حتى سمع غلامًا من غلمانه يقول لغلام آخر: الأجلُ بيننا شهران وخمسةُ أيام، فتطيَّر من ذلك، فما مضت الأيامُ حتى أخذته الحمَّى، فمات بعد شهرين وخمسة أيام.
وقال المسيِّب الضبِّيّ: اجتمع للسفَّاح فتحُ السِّند وإفريقية، ومكاتبةُ صاحب الأندلس، فقال لبعض عمومته: أسمعتَ أنه إذا فُتح السِّند وإفريقية ماتَ القائمُ من آل محمد، فقال عمُّه: كلا، فما برح حتى دعا بدُوَّاج لقشعريرة أصابته (١).
وقال عيسى بنُ عليّ: أتيتُ في بعض الأيام إلى باب أبي العباس، فوجدتُ عليه رجلين، فسلم علي أحدُهما، فقلتُ: من أنتَ؟ فقال: وافدُ السِّند، أتيتُ بطاعةِ أهلها إلى أمير المؤمنين، [وقلت للآخر: من أنتَ؟ قال: وافدُ إفريقية، أتيتُ بطاعة أهلها إلى أمير المؤمنين] (٢)، فقلتُ: ما أدخل عليه بمثل هاتين البِشارتين، فدخلتُ عليه وهو يسرِّح لحيتَه، فأخبرتُه، فتغيَّر وجهُه، وسقط المشطُ من يده، فقال: نُعيَتْ إليَّ نفسي، واسترجع، فقلتُ: وكيف هذا؟ فقال: حدَّثني أخي إبراهيمُ الإمام، عن أبي هاشم عبد الله بن محمدِ بن الحنفية، عن أبيه (٣)، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يقدَمُ عليَّ في مدينتي هذه وافدان في يومٍ واحد: وافدُ السِّند، ووافدُ إفريقية بطاعتهم، ثم لا ألبثُ إلا ثلاثةَ أيامٍ حتى أموت". وقد أتاني الوافدان، فأعظَمَ الله أجرَكَ في ابن أخيك يا عمّ، فقلتُ: كلا يا أمير المؤمنين، فقال: والله ما كذَبْتُ ولا كُذِبْتُ.
ثم وُعِكَ، فأمرني أن أصلي بالناس، ثم أوصاني أن أُغسِّله وأُكفنه، وأُصلّي عليه، وكتب كتابَ العهد لأخيه، فلما كان يومُ العيد صليتُ بالناس ودخلتُ عليه، فإذا على
стр. 5502
وجهه مثل حبة الخَرْدَل، فلما كان في اليوم الثاني صارت مثل العَدَسة، فلما كان في اليوم الثالث دخلتُ عليه، فإذا هو كالزِّقِّ المنفوخ، ومات في اليوم الثالث.
قال المصنف ﵀: هذا حديثٌ لا يصحّ عن النبي ﷺ ، وإنما هو من قولِ أبي هاشمٍ، وقد كان كثير المطالعة لكتب الأوائل والملاحم، فلعلَّه وجد ذلك فيها.
وقال المدائنيّ: هاج الدمُ بأبي العباس، فأشار عليه الأطباء بالفَصْد، فلم يُقدم عليه، فحُمَّ ونزل به الموت، وكان يتقلَّب على الفراش، فيبقى جلدُه على الفراش.
ودخل عليه طبيب فقال له بعضُ عمومته: كيف أصبح أميرُ المؤمنين؟ فقال: أصبَحَ بحمد الله بارئًا، فسَلَتَ أبو العباس بيده لحمَ ذراعه، فانسَلَت وتناثر لحمُه، فقال: كيف أكون بارئًا، أو يكون صالحًا من هذا حالُه؟
وكان قد عزم على البيعة لابنه محمد، ثم فكَّر وقال: هو حدَثٌ، وما عذري عند ربي؟ فقالت له أم سلمة امرأتُه: ولِّ غيرَه، واجعله ثانيًا، فقال: أخاف أن يقصُر عمرُ من أجعله قبله، فتدرك الخلافةُ محمدًا وهو صغير، فيُختلف عليه، فتضيع الأمة، ولكن أُصيِّر الأمرَ إلى مَنْ أثقُ بعقله واحتماله (١)، فكتب اسمَ أبي جعفر، وبعده عيسى بنَ موسى، وجعل العهدَ في منديلٍ وختم عليه بخاتمه، ودفعه إلى عيسى بن علي.
وقال البلاذري: لما قال أبو العباس: من أولِّي؟ قال له عيسى بنُ علي: يا أمير المؤمنين، اُذكر رجلًا تمدُّ الناسُ إليه أعناقَهم بعدك، فقال: كنتُ وعدتُ عبد الله بنَ عليِّ إن قام بهذا الأمر أن أولّيه الخلافة، فقال له عيسى: فانظر؛ فإنَّ ذلك لا يُقدِّم أجلًا ولا يؤخِّره، فسكتَ، واستشار سعيد بنَ عمرو بن جَعْدة المخزوميَّ، فقال: يا أمير المؤمنين لا أشيرُ عليك بشيء، بل أُحدِّثك حديثًا تستدلُّ به، كنت مع مَسْلَمة بن عبد الملك بالقسطنطينية وقد جاءه نعيُ سليمان وولايةُ عمر بن عبد العزيز، فبكى بكاء عظيمًا، وجزع جزعًا شديدًا، فقلت له: لا تجزعْ لموت سليمان، ولكن اجزَعْ لخروج الأمر عن ولد أبيك إلى ولد عمّك، فازداد بكاؤه، فقال السفَّاح: قد فهمتُ، وأخذ بقوله (٢)، وقال: أخذتَ
стр. 5503
بثأرك من عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله قد عاقبه وآذاه، وبلغ أبا جعفر قال: سعيد ابنُ أختنا. ومعناه أن أم جَعْدة بن هُبَيرة أمُّ هاني بنت [أبي طالب بن] (١) عبد المطلب.
وقال المرزباني: جسّ طبيبٌ نبضَ السفَّاخ، فقال له السفَاخ: [من مجزوء الكامل]
انظر إلى ضعف الحَرا … كِ وذلِّه بيد السكونِ
يُنبئك أن بنانَه … هذا مقدمةُ المَنونِ
فقال له الطبيب: إنك صالح، فقال: [من الوافر]
يُبشِّرني بأني ذو صلاحٍ … يثبّتني وبي داءٌ دفين
لقد أيقنتُ أني غيرُ باق … ولا شكّ إذا وضَحَ اليقينُ
وكان آخر كلامه: إليكَ يا ربّ لا إلى النار.
وصلى عليه موسى بنُ عيسى، وكبَّر خمسًا.
وقال الطبريُّ: صلى عليه عمُّه عيسى بنُ على، ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره (٢).
وقيل: دُفن بالهاشمية. وبالأنبار بجنب منبر الجامع قبرٌ يقال: إنه قبرُه.
وقال الطبريّ: مات بالجدريّ، وقال هشام: توفي ابنَ (٣) ست وثلاثين، وقيل: ابنَ ثلاث وثلاثين سنة.
وكانت أيامُه أربع سنين، وثمانية أشهر، منها ثمانيةُ أشهر وأربعةُ أيام يُقاتل فيها مروان، وملَكَ بعد مروان أربع سنين، وقيل: وتسعة أشهر، وقيل: وعشرة أشهر.
وخلَّف من الثياب تسعَ جباب، وأربعة أقمصة، وخمس سراويلات، وأربعة طيالسة، وخمس مطارف خزّ، وبردةَ رسول الله ﷺ التي أخذها من مروان (٤).
وقال المدائني: دفع رسولُ الله ﷺ بُرْدًا إلى أهل دُومة الجَنْدل، أو أهل مَقْنا أمانًا لهم، فاشتراه أبو العباس منهم أو من أولادهم بأربع مئة دينار، وقيل: بأربعة آلاف
стр. 5504
دينار، فهو الذي تلبسه الخلائف.
ذكر أولاده:
كان له من الولد محمَّد، والعباس، وعلي، وإبراهيم، وإسماعيل، ورَيطة، درَجَ الأربعةُ، ولم يبق سوى محمَّد ورَيطة، وأمُّ الجميع أمُّ سلمة بنتُ يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد [بن الوليد] (١) بن المغيرة المخزوميّ، ولم يتزوّج غيرَها، وكانت قبله عند عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فمات عنها، فتزوّجها أبو شاكر مَسْلَمة بنُ هشام بن عبد الملك، فطلّقها لما شَكَتْه إلى العباس بن الوليد بالرّصافة، وقالت: إنه يشربُ الخمر، فقال له العباس: ويحك! أبوك يرشِّحك للخلافة وتشرب الخمر؟! فطلَّقها. وأُمّها هند بنتُ عبد الله بن جبَّار بن سُلْمى بن مالك بن جعفر بن كِلاب.
اجتازت بالحمّة لما طلّقها مَسْلَمة وهي تريد فلسطين، تعرَّضت للسفاح فقال: ليس عندي مال، فأرسلت إليه تسع مئة [دينار] (٢) فتزوَّجها عليها، ولما ولي الخلافَة ما كان يقطعُ أمرًا دونها، وغلبَتْ عليه، وكانت من عقلاء النساء.
ولما توفي أبو العباس خطبَها إسماعيل بنُ عيسى، فغضب أبو جعفر وقال: أيرتقي مرتقى أمير المؤمنين؟! وتهدَّدَه، فأعرض عنها.
ولما مات أبو العباس حزنتْ عليه حزنًا شديدًا، فدخل عليها أبو دُلامة ليعزّيها، فبكى عندها، وقال: [من الكامل]
إن أجملوا في الصبر عنكَ فلم يكن … صبري على جَزَعي عليك جميلا
يجدون عنك خلائفًا وأنا امرؤٌ … لو عشت دهري ما وجدتُ بديلا
إني سألتُ الناس بعدكَ كلَّهم … فوجدتُ أجودَ من سألتُ بخيلا
فقالت له أمّ سلمة: يا أبا دُلامة، ما أُصيب بأمير المؤمنين غيري وغيرك، فقال: يا سيدتي، لا أنا ولا أنت سواء، أنتِ لك منه أولاد تتسلَّين بهم، وأنا ما لي منه ولد، فضحكت، وقالت: ما تدعُ أحدًا إلا وتضحكُه، ولم تكن ضحكتْ قبل ذلك (٣).
стр. 5505
وتأخَّرت وفاةُ أمِّ سلمة إلى أيام محمَّد المهديّ.
ودخل خالد بن صفوان على السفّاح، فخلا به، وقال: يا أمير المؤمنين، إني فكَّرتُ في سَعَة سلطانك ومالك، وإذا قد ملكتكَ امرأة [واحدةٌ] اقتصرتَ (١) عليها، فإن مرضَتْ مرضتَ، وإن عوفيَتْ عوفيتَ، وقد حرَّمتَ على نفسك الالتذاذَ بالجواري، إنَّ منهنَّ الطويلة الغيداء، والبضّة البيضاء، والرقيقة السمراء، والرشقة اللَّعساء، والمولَّدات من المكيات والمدنيات والعراقيات والشاميات، ذوات الألسن العذبة، والقدود المُهفهفة، والأصداغ المُزَرفنة، والعيون المكحّلة. ووصف النساء فأطال، فقال له أبو العباس: والله ما طرق سمعي أحسن من هذا القول، أعِدْه، فأعاده أحسن مما ابتدأه، ثم قام فخرج، وبقي السفاح مطرقا، [مغمومًا مفكِّرًا، فدخلت عليه أمُّ سلمة، فسألته عن حاله، فلم يُجبها، فألحَّت عليه، (٢)، فأخبرها، فقالت؟ وما قلت لابن الفاعلة؟ فقال: سبحان الله! ينصحُني وتشتمينه؟! فأمرت غلمانَها بضربه، فاختفى، ولحَّ أبو العباس في طلبه، فأحضروه، فدخل وجاءت أم سلمة فوقفت خلفَ السِّتر، فقال له: ياخالد، أعِد الكلامَ الذي قلتَ لي؛ فإني مشتاق إلى سماعه، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أخبرتك أن العرب اشتقَّت اسمَ الضرَّة من الضرر، والثلاث كأثافي القِدْر [يغلي عليهن] والأربع شرٌّ [مجموع لصاحبه] ولم يكن أشراف العرب يقتنون سوى امرأة واحدة، وأخبرتُك أن أبكار الجواري رجالٌ لا خصى لهم، وقلتُ لك: إن بني مخزوم جرثومةُ قريش، وإن عندك سيدةُ نساء الدنيا، وأنَّى مثلها؟ فقال السفاح: برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ إن كنتُ سمعتُ منك هذا سوى الساعة! فقالت أم سلمة: صدقتَ يا عم، وضحكَت، فقال له أبو العباس: ويحك! ما هذا؟ قال: هذا الذي تسمعُ، أردت أن تُهلكني؟ فقام فخرج، فبعثت إليه أمُّ سلمة بعشرة آلاف درهم، وتَخْتَ ثياب، وبرذون (٣).
وأما محمَّد بن السفَّاح فولد بأرض البلقاء، وخرج مع أبيه إلى الكوفة، ولَّاه عمُّه
стр. 5506
المنصور البصرةَ، وكان غيرَ محمودِ السيرة، وكان أبو جعفر يكرهُه، فلما ولاه البصرة بعث معه بالمُجَّان والزنادقة ليبغِّضَه إلى الناس.
وتعشَق محمَّد زينبَ بنتَ سليمان بنِ عليٍّ، وقال: [من السريع]
زينبُ ما ذنبي وما [ذا] الذي … غضبتُم فيه ولم تُغضَبوا
والله ما أعرف لي عندكم … ذنبًا ففيم العَتْب يا زينبُ (١)
وكان يركب إلى المِرْبد (٢) يتصدّى لها لعلّها تكون في بعض المناظر لتنظرَ إليه، ومن شعره: [من السريع]
لو أبصر العاذلُ منكِ [الذي] … أبصرتُه أوسع في العذر (٣)
وقيل: إنما كان يُشبِّب بزينب بنت محمَّد بن عبد الله بن حسن، وهي التي أراد الدخول بها ليالي قُتل أبوها، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وأغزاه أبو جعفر الدَّيلَم سنة إحدى وأربعين ومئة في أهل الكوفة والبصرة والجزيرة، وولَّاه البصرة سنة سبع وأربعين، وكان محمَّد طويلًا جسامًا، أحول، يلوي العمود الحديد بيده وكان يروم الخلافة، وتُوفي ببغداد بعد الخمسين ومئة.
ويقال: إن المنصور سمَّه، كان بالبصرة طبيبٌ يقال له: الخصيب، يُظهر النصرانية، وهو زنديقٌ لا يبالي مَنْ قتل، فأرسل إليه المنصور أن يتوخَّى قتلَ محمَّد، فاتَّخذ سمًّا قاتلا وأسطر عليه، فعرضت له حرارةٌ، فدسَّ إليه السمَّ في شربةٍ، فشربها فمات، فكتبت أمُّه إلى المنصور تخبره أن الخصيب قتلَه، فأمر بحمله إليه، فضربه ثلاثين سوطًا ضربًا خفيفًا، وحبسه أيامًا، وأعطاه ثلاث مئة درهم وأطلقه.
وأما رَيْطة فتزوَّجها محمَّد بنُ عبد الله بن حسن بن حسن، فقتل قبل الدخول بها، فتزوَّجها محمَّد المهدي، فولدت له عليًّا وعبدَ الله، وكانت من أشدِّ الناس قوةً، وكذا
стр. 5507
كان أخوها محمَّد، ركب يومًا مع [المهدي] وهو أمير، فعاتبه (١) في شيء، وغمز ركابَه، وضغط رجلَه فيه حتى ضاق به الحديد، فلم يقدر على إخراج قدمه منه حتى ردَّته أختُه رَيطة.
وأولُ مَنْ وزر لأبي العباس أبو سلمة، ثم خالد بنُ بَرْمَك، وقاضيه ابنُ أبي ليلى، وحاجبه أبو غسان مولاه، وقيل: والربيع، ونقشُ خاتمه: الله ثقةُ عبدِ الله، وبه يؤمن.
أسند عن أخيه أَبراهيم الإِمام، وروى عنه عمُّه عيسى بنُ عليّ، وابنُ أخيه محمَّد المهدي.
ولما مات جزعَ عليه أبو جعفر جَزَعًا عظيمًا، واستقدَمَ حمَّاد الراوية من البصرة، فلما دخل عليه قال: أنشدني شعرَ هفّان بن همام (٢) يرثي أباه، فأنشده: [من الطويل]
خليليَّ عُوجا إنها حاجةٌ لنا … على قبر همّام سقته الرواعدُ
على قبر مَنْ يُرجى نداه ويُبتغى … جَدَاه إذا لم يحمد الأرضَ رائد
كريم النَّثا حلو الشمائل بينه … وبين المزجَّى نَفْنَفٌ متباعدُ
وضعنا الفتى كلَّ الفتى في حَفِيرة … بحُرِّين قد ناحت عليه العوائدُ
صريعًا كنصل السيف تضرِبُ حولَه … ترائبَهنَّ المُعْولاتُ الفواقدُ (٣)
فبكى أبو جعفر حتى اخضلَّت لحيته.
عبد الملك بن عُمَير
أبو عمر اللَّخْميّ، وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان رضوان الله عليه، وهو من الطبقة الثالثة من أهل الكوفة.
стр. 5508
كان يقول: والله إني لأُحدِّث بالحديث وما أدَعُ منه حرفًا (١).
وولي قضاءَ الكوفة قبل الشَّعبي، وروى عن جماعة من الصحابة وكثير من التابعين، وتُوفي بالكوفة سنة ستٍّ وثلاثين ومئة، وقال: لي مئةٌ وثلاثُ سنين، وعاش بعد هذا القول سنة.
عثمان بن عروة بن الزبير (٢)
من الطبقة السادسة، وقيل: الرابعة من أهل المدينة، وأمُّه أم يحيى بنتُ الحَكَم بن أبي العاص بن أُمية، وكان من وجوه قريش وساداتهم، جوادًا، خطيبًا، جميلًا.
وَفَد على مروان بن محمَّد فأعطاه مئة ألف درهم، فلما قدم المدينة أغلى الناسُ كِراء الحُمُر من كثرة ما يرجون جوائزَه.
وكان على صدقات الزُّبير حتى مات، وكان الناسُ قد أجمعوا على محبَّته، وكان يقول: الشكرُ وإن قلَّ جزاءُ كلِّ نائلٍ وإن جلَّ.
حدَّث عن أبيه، وروى عنه أخوه هشام بنُ عروة وغيره، وكان ثقةً، صدوقًا، فاضلًا.
* * *
стр. 5509
السنة السابعة والثلاثون بعد المئة
فيها قدم أبو جعفر الكوفة، وتأخَّر أبو مسلم بعده بأيام، وقيل: بل قدم الأنبار.
قال الهيثم: لما تُوفي أبو العباس كان أبو جعفر بذات عِرْق، وأبو مسلم بين يديه بمرحلة، فكتب إليه أبو جعفر: قد حدث أمرٌ ولا بدّ من اجتماعي بك فيه، فلم يرجع، وكتب إليه كتابًا بدأ فيه بنفسه، فاستشاط غضبًا، وقال: أنا بريءٌ من العباس إن لم أقتل ابنَ وشيكة، فقال له عُتبة بنُ عبد الرحمن الثعلبي (١): اُذكر قول القَطاميّ: [من البسيط]
قد يُدرك المتأنِّي بعضَ حاجته … وقد يكون مع المستعجِل الزَّللُ (٢)
فأمسك عن قتله، وكان أبو مسلم لا يخالطُه خوفًا منه.
وقال المدائنيّ: كتب عيسى بن موسى إلى أبي جعفر بالبيعة مع محمَّد بن الحُصَين، فلقيه أبو مسلم قبل أبي جعفر، فأخذ منه الكتاب وقرأه، وأمسَكَه عنده يومين، ثم كتب إلى أبي جعفر: من عبد الرحمن أبي مسلم إلى أبي جعفر بن محمَّد، عافاك الله وأمتَعَ بك، أتاني أمرٌ أفظعني، وبلغ منِّي كلَّ مبلغ، وهو وفاة أمير المؤمثين، فرحمه الله وغفر له، وأسألُه أن يُعظِمَ أجرَكَ فيه، ويُحسن الخلافةَ عليك، وإنه ليس أحدٌ من أهلك أشدَّ تعظيمًا لحقِّك، وأصفى نصيحةً لك منِّي، ولك عندي كلّ ما يسرُّك. ولم يُسلِّم عليه فيه بالخلافة؛ لأنه قصدَ أن يُرعبه (٣).
فكتب إليه أبو جعفر: من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي مسلم، أما بعدُ فقد أتاني كتابُك، وهو كتابُ غيرِ موفّقٍ لرشد، ولا مسدَّد لصواب، ولكن ذكرتُ ما تقدَّم من طاعتك، فعطَفَني ذلك عليك، وقد ولَّيتُك مقدّمتي، فسِرْ حتى تُوافي الأنبار، ومن أنكرتَ منه شيئًا فاصرفْه، فسبق أبا جعفر إلى الأنبار، واجتمع بعيسى بن موسى،
стр. 5510
فأراده على البيعة وخَلْع أبي جعفر، فلم يُجبه، وقال: الأصل لعمِّي أبي جعفر، ولو قدَّمني عليه عمِّي أبو العباس لقدَّمتُه على نفسي، فقال: والله ليَعزِلنَّك من ولاية العهد ويقتلني. وبلغ أبا جعفر فازداد على أبي مسلم حَنَقًا.
ولما عاد أبو جعفر من الحج اعترضته أعرابية، فقالت: يا أمير المؤمنين، أحسَنَ الله لك العزاءَ عن أخيك، ومتَّعك بالخلافة، ولقد أحسن إليك في الحالين، وأعظم لك النعمةَ في المنزلتين، سلبَكَ خليفةً، وأفادك خلافةً، فاحتسبْ عند الله ما سلبكَ، واشكُر له ما منَحَك. فأُعجب بكلامها، ووَصَلَها.
وقال الهيثم: لما عاد أبو جعفر إلى الكوفة نزل الحِيرة، وصلَّى بالناس الجمعة، ثم سار إلى الأنبار في المحرَّم، فوجد عيسى بنَ موسى قد أحرز الأموال والخزائن والدواوين، فسلَّم إلى أبي جعفر جميعَ ذلك وبايعه، وجعلَه أبو جعفر وليَّ عهده من بعده، وأكَّد الأَيمانَ والعهود، ثم أقام أبو جعفر وأبو مسلم بالأنبار لينظر ما يكون من عبد الله بن عليٍّ.
ذكرُ عصيان عبد الله بن عليٍّ
لما تُوفي السفَّاح كتب إليه عيسى بن موسى كتابًا يخبره بوفاته، وأنه عهِدَ إلى أخيه أبي جعفر، ويأمره بأخذ البيعة له على الناس، وبعث بالكتاب مع أبي غسَّان يزيد بن زياد حاجبِ السفاح، فوافاه وقد قارب درب الروم يُريد الغزو، فجمع الناسَ وقرأ عليهم الكتاب، وقال: إنَّ أبا العباس قال لأهله وأنا حاضرٌ: مَنْ قتل مروان فهو وليُّ عهدي، فلم يُجبه غيري، فقال لي: إن قتلتَه فأنتَ وليّ عهدي، وقد قتلتُه، وأنا أولى، فبايِعوني، فقام جماعةٌ من قوَّاد خراسان فشهدوا له، منهم خفاف المروزيُّ، وأبو عاصم الطائيُّ، فبايعوه إلا نفرٌ يسير، وكان فيمن بايعه حُمَيد بنُ قحطبة، ثم عاد إلى حرَّان وبها مقاتل العكّي، فتحصن بقلعة حرَّان، فحصره واستنزله، وقال: عصيتَ عليَّ، وأمرَ بضرب عنقه (١).
وقال البلاذريُّ: لما بعث عيسى بنُ موسى بالكتاب مع أبي غسَّان وقرأه، وادَّعى
стр. 5511
عبدُ الله ما ادعى مِن قَتْل مروان، صدَّقه أبو غسان، وبايَعَه بالخلافة، وشهِدَ له بذلك، فقال الهيثم بن زياد الخزاعي: نَشَدتُكَ الله أن تُهيِّج الفتنة، وتُعرَض نفسَك؟ أهلَ بيتك للهلاك وزوالِ النعمة، فقتَلَه عبدُ الله (١).
وقال المدائني: كتب أبو العباس إلى عبد الله يأمره بغزو الصائفة، فوافاه كتابُه عند وفاته وهو مما يلي درب الحدث يريد دخول الروم، فدعا بعبد الحميد بن ربعي الطائيِّ، وخفاف بن منصور المازني، ونصير بن المحتفر (٢) المزني، وحباش بن حبيب الطائي، وادَّعى ما ادعاه من قتل مروان، وأنه وليّ العهد من بعده، فصدَّقوه وبايعوه بالخلافة، وفيهم حميد بن قحطبة، وعاد فنزل قنَّسرين، واستعمل عليها زُفَر بنَ عاصم، وعلى دمشق عثمان بنَ عبد الأعلى، واستعمل على فلسطين الحكم بنَ ضبعان، وكتب إلى الحسن بن قحطبة وكان على أرمينية، وإلى مالك بن الهيثم وكان على أذربيجان، وإلى محمَّد بن صول وهو بسمَيْساط (٣) يدعوهم إلى نفسه، فأبوا عليه، وسار إلى حرَّان وعليها مقاتل بن حكيم العكّي في أربعة آلاف مقاتل، وكان عاملَ أبي جعفر على الجزيرة فعصى عليه، فنصب المجانيق على البلد، وضايقه، فطلب مقاتل الصلحَ، فصالحه ودخل عبدُ الله حرَّان في صفر سنة سبع وثلاثين، ثم سار إلى الرقَّة واستعمل أخاه عبدَ الصمد على الجزيرة، وجعله وليَ عهده، وصير على شرطته منصور بن جعونة العامريّ، وبعث بمقاتل العكّي وبولديه إلى ابن سُراقة وأمره بقتلهم فلم يفعل، وقيل: بل قتَلَه واستبقى ولديه، فلما هُزِم عبدُ الله قتلهما ابنُ سراقة واسمُه عثمان بنُ عبد الأعلى، أزديٌّ، واستعمل عبدُ الله على قِنَّسرين حُميدَ بنَ قحطبة، وكتب إلى زُفر بن عاصم: إذا ورد عليك حميد بنُ قحطبة فاقتله ومَنْ معه، فوقع حُميد بالكتاب فقرأه، وعاد إلى الأنبار، فقدم على أبي جعفر (٤).
стр. 5512
ذِكْر مسير أبي مسلم لقتال عبد الله بن عليٍّ وهزيمة عبد الله إلى البصرة
ولمّا بدا من عبد الله ما بدا جمع أبو جعفر أهلَه وقوَّاده واستشارهم، فقال له أبو مسلم: إن شئتَ أقمتُ ببابك أخدمُكَ، وإن شئتَ ذهبتُ إلى خراسان، وجهَّزت إليك الجنود، وإن شئتَ سرتُ إلى عبد الله. فقال أبو جعفر: بل تسير إلى عبد الله، فإنما هو أنا أو أنت، فسار أبو مسلم يقصد عبد الله وهو بحرَّان قد جمع إليه العساكر والسلاحَ وما يحتاج إليه، وخندق عليه، ولم يتخلّف من القوَّاد عن أبي مسلم أحدٌ؛ وبعث على مقدّمته مالك بنَ الهيثم الخزاعي، ووافاه الحسن بنُ قحطبة من إرمينية، فاجتمع بأبي مسلم بالكُحَيل من أرض الموصل.
وفي رواية: فسار عبد الله حتى نزل نصيبين، وكان قد قَتَل من أهل خراسان سبعة عشر ألفًا خاف أن لا يوافقوه، فنفرت عنه قلوبُ الخراسانيين، ولما وصل أبو مسلم إلى الكُحَيل ولقيه الحسن بنُ قحطبة جعله على مقدّمته.
وقيل: إن أبا جعفر شيَّع أبا مسلم إلى عُكْبَرا، وبعث أبو جعفر إلى محمَّد بن صول أن يجتمع بعبد الله ويقتله غِيْلة، فجاء إليه ابنُ صول، وكتب إلى عبد الله عيونُه: صُلْ بابن صول، فقتله عبد الله.
ولما وصل أبو مسلم إلى الجزيرة، ووجد عبدَ الله قد خندق عليه بعث إليه مكيدةً استنزله عن خندقه: إني لم أُومر بقتالك، وإنما ولَّاني أميرُ المؤمنين الشامَ، وأنا أريدُها، وبلَّغ من كان معه من أهل الشام، فقالوا لعبد الله: كيف نقيمُ معك وأبو مسلم ينصرفُ إلى بلادنا وحرمنا فيقتل من قدر عليه، ويسبي ذرارينا، ونحن في خندق؟! ولكن نخرج إلى بلادنا، فإن قصدَنا قاتلناه، فقال عبد الله: والله ما يريدُ الشامَ، وما يريد إلا قتالَكم، فقالوا: لا طاقةَ لنا على هذا. فارتحل عبدُ الله من خندقه، وجاء أبو مسلم فنزل موضعه، فقال عبدُ الله: ألم أقلْ لكم: إنَّه ما يريدُ الشامَ، إنَّما يريد قتالكم؟ فاقتتلوا ستة أشهر أو خمسة.
وكان أهلُ الشام ظاهرين بالعدّة والخيل والفرسان، وكان على مقدّمة أبي مسلم الحسن بنُ قحطبة، وعلى ميمنته حُمَيد بنُ قحطبة، وعلى ميسرته خازم بن خُزَيمة (١)
стр. 5513
وعلى ميمنة عبدِ اللهِ بكارُ بنُ مسلم العقيليُّ، وعلى ميسرته حبيبُ بن سُوَيد الأسديُّ، وعلى الخيل عبد الصَّمد بن عليّ، فأقاموا يقتتلون كلّ يوم، فلما كان يوم الثلاثاء لتسع خَلَون (١) من جمادى الآخرة التقوا، فأزالوا أهل خراسان عن مواقفهم وأبو مسلم يرتجز ويقول:
مَنْ كان ينوي أهلَه فلا رَجَعْ … فرَّ من الموت وفي الموت وَقَعْ (٢)
وكان له عريشٌ يجلس فيه إذا التقى الناس ينظر، فإن رأى خللًا بعث إلى صاحبه يأمره بإصلاحه.
ولما انكشف أهل خراسان، وقَتَل عبدُ الصَّمد منهم ثمانية عشر رجلًا ترجَّل أبو مسلم وصاح: يا أهلَ الشام، ويا مَنْ معهم من أهل خراسان، أنا أبو مسلم الذي تعرفوني. وحملت الميمنة والميسرة والقلب، وأتي أبو مسلم بحصان، وقيل له: اركب فما هذا وقته، فركب وصدقوا الحملة، وانهزم أهلُ الشام لا يلوون على شيء، فقال عبدُ الله بن سُراقة: ماذا ترى؟ فقال: أرى أن نقاتل، فإما أن نموت أو الظَّفَر، وإن الفرار عارٌ على مثلك، وقد عبتَه بالأمس على مروان، ألستَ القائل: قبَّح الله مروان! فرَّ من الموت؟ وها أنت تفرُّ من الموت، فلم يلتفت عبد الله إلى قوله، فقال له ابنُ سراقة: وأنا معك، وهرب في البرية إلى البصرة، وترك عسكره بما فيه، فاستولى عليه أبو مسلم، وأمر أن لا يُقتل منهم أحد، وكتب إلى أبي جعفر بالفتح.
وأما عبد الله فسار في البرية في مواليه وأهله حتى قدم البصرة على أخيه سليمان بن علي، فأنزله وأكرمه، وأقام عنده متواريًا، وقصد عبدُ الصَّمد الكوفة مستجيرًا بعيسى بن موسى، فأخذ له أمانًا من أبي جعفر، وأقام عنده.
قال البلاذري: إن حُمَيد بنَ قحطبة أخذ عبد الصمد أسيرًا، وجاء به إلى أبي مسلم، فبعث به إلى أبي جعفر، فيه بعضُ عمومته، فأطلقه (٣).
стр. 5514
ولما وصل عبد الله إلى البصرة، وكانت عنده أَمَة الحُميد بنتُ [محمد بن] (١) عبد المطلب بن ربيعة، قالت له: أفنيتَ أهل الشام وكانوا فرسانكم، وأهلَ خراسان وكانوا أنصاركم، ثم ادّعيت الخلافةَ، وحاربت ابنَ أخيك وهو الخليفة، فلم تُبق غايةً، ولم تدع جهدًا، ثم هربتَ إلى غير حصن ولا ملجأ، فهلا متَّ كريمًا، فوالله لتقاسينَ ذلا طويلًا، وهوانًا كبيرًا. فغضب من كلامها وفارقها، وكَان لها منه أولاد: محمَّد، وعيسى، وأم محمَّد، وأم عبد الله.
وأما أبو مسلم فإنه لما كتب إلى أبي جعفر بالفتح بعث أبو جعفر أبا الخصيب مولاه ليُحصي ما أصابوا في عسكر عبد الله، فغضب أبو مسلم من ذلك، وسنذكره إن شاء الله.
وأقام عبد الله عند أخيه سليمان بالبصرة مدةً، ثم نزل سليمان إلى أبي جعفر، فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ عبد الله ابنُ أبيك، وعفوكَ لا يضيق عنه، وفيه مستصلحٌ، فأمِّنه، فقال: هو آمنٌ إذا رأيتَه. وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى.
وفيها قتل أبو جعفر أبا مسلم الخراساني، وولَّى خراسان أبا داود خالد بنَ إبراهيم.
وفيها خرج فيروز الأصبهبذ -واسمُه سِنباذ- على أبي جعفر بخراسان، وكان مجوسيًّا من بعض قرى نيسابور، وكان أبو مسلم قد أحسن إليه واصطنعه، فلما قُتل خرج ثائرًا طالبًا بدمه، وتبعه خلقٌ كثير، واستولى على نيسابور وقومِس والرّي، وأخذ خزائن أبي مسلم التي كان أودَعَها بالرّي، واستعجل أمره، وقصد العراق، فبعث إليه أبو جعفر جمهور بن مزار العِجْلي في جيوش العراق، فالتقوا بين الري وهمذان، واقتتلوا قتالًا عظيمًا، فكانت الدبرة على سنباذ وأصحابه، فقُتل منهم نحو من ستين ألفًا، وسبىى جمهور نساءهم وذراريَّهم، وقُتل سنباذ بعد ذلك بين قومِس وطبرستان، وكان سنباذ من الدَّيلم، أفنى خلقًا كثيرًا، فبعث إليه أبو جعفر جمهور، فهرب إلى طبرستان، فقتله صاحبها، وأقام جمهور بخراسان، فعزله أبو جعفر عن الري، وولَّاها مُجاشع بن يزيد الضبِّيَّ (٢)، فلما قدم على جمهور بكتاب أبي جعفر قتَلَه وبعث برأسه إلى أبي جعفر، وخلع أبا جعفر، واستولى على البلاد، فبعث إليه أبو جعفر محمَّد بنَ
стр. 5515
الأشعث ويزيد بنَ حاتم، فانهزم إلى أذربيجان، فوثب جماعةٌ ممن كان معه فقتلوه، وأتوا برأسه إلى يزيد بن حاتم، فقال لهم: ويحكم! وثق بكم، وأمَّنَكم على نفسه وخنتموه؟! فضرب أعناقَهم، وبعث برأس جمهور إلى أبي جعفر (١).
وقيل: كانت هذه الوقعة سنة ثلاث وأربعين ومئة.
وفيها خرج ملبّد بن حرملة الشَّيباني بالجزيرة، وتَبِعَه خلقٌ كثير، وبعث إليه أبو جعفر جيوشًا وهو يهزمُها، وكان في نفر يسير هزم عسكر الجزيرة، وعسكر الموصل، ويزيد بن حاتم المهلّبي، والمهلهل بن صفوان، وزياد بن مشكان، وسار إليه حُمَيد بن قحطبة وهو على الجزيرة والتقوا فهزمه ملبّد، فدخل بعضَ الحصون، فصالحه حُمَيد على مئة ألف درهم حتى كف عنه، وأقام حاكمًا على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان.
وقال الواقديُّ: إنما كان خروجُ ملبّد في سنة ثمان وثلاثين.
وحجَ بالناس إسماعيل بنُ علي وهو على الموصل، وكان على المدينة زياد بنُ عُبيد الله، وعلى مكة العباس بنُ عبد الله بن معبد، ومات في آخر السنة، فأضاف أبو جعفر مكة إلى زياد، وكان على الكوفة عيسى بنُ موسى، وعلى البصرة سليمان بنُ عليٍّ، وعلى خراسان أبو داود، وعلى مصر صالح بنُ عليٍّ، وعلى الجزيرة حُمَيد بن قحطبة وملبّد متولي عليها (٢).
[فصل] (٣) وفيها توفي
صفوان بنُ صالح
ابن صفوان، أبو عبد الله الدمشقيُّ، ولد سنة ست وتسعين، وكان زاهدًا عابدًا، فقيهًا على مذهب أهل العراق، وكان يؤذِّن بجامع دمشق وداره بربض باب الفراديس.
أسند عن سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه الإِمام أحمد رحمة الله عليه وغيره،
стр. 5516
وكان صدوقًا ثقةً (١).
عبد الرحمن بنُ مسلم
ابن سنفيرون بن إسفنديار، أبو مسلم، الخراسانيُّ المروزيُّ، صاحبُ الدعوة.
وقيل: عبدُ الرحمن بنُ عثمان بن يسار، وقيل: عبد الرحمن بن محمَّد.
وقال الخطيب: كان اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شيدوس بن جوذرن من ولد بزرجمهر، وفي رواية: كان يُسمّى إبراهيم بن حكان (٢)، فسماه إبراهيمُ الإِمام عبدَ الرحمن، وكناه أبا مسلم، وكانت كنيته أبا إسحاق.
وولد سنة مئة بأصبهان برستاق فريذين، وكان أبوه قد أوصى به إلى عيسى بن موسى السرّاج، فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، وجمع عيسى بينه وبين إبراهيم الإِمام، وأقام بالكوفة حتى بلغ، فقال له إبراهيم: غَيِّر اسمَك، فإنه لا يتمُّ لنا الأمر إلا بتغييره على ما وجدنا في الكتب فغيَّره، وزوَّجه إبراهيم ببنتِ عمران بن إسماعيل الطائي -ويُعرف بأبي النجم- على أربع مئة درهم، وهي بخراسان مع أبيها، زوّجه إياها عند خروجه إلى خراسان، وبنى بها بخراسان، وزوّج أبو مسلم ابنتَه فاطمةَ من مُحْرِز بن إبراهيم، وفاطمةُ هي التي يدعو إليها الخُرَّمِيَّة إلى هلمّ جرًّا. ومات عيسى بنُ موسى السرَّاج ولأبي مسلم تسع عشرة سنة (٣).
وقيل: إنَّ جماعةً من شيعة بني العباس قدموا مكة من خراسان، فنزلوا الكوفة وفيهم بُكَير بن ماهان، وكان كاتبًا لبعض عمال السِّند، وسليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وقَحْطبة بن شبيب في آخرين، فلما نزلوا الكوفة غُمِزَ عليهم، فحُبِس بُكير بن ماهان وخُلِّي عن الباقين، وكان في ذلك الحبس عيسى بنُ معقل ومعه غلامٌ يخدمه وهو أبو مسلم، فدعا بُكير عيسى إلى بني العباس فأجاب، وقال له: ما هذا الغلامُ منك؟ فقال:
стр. 5517
مملوكٌ اشتريتُه، فقال: أتبيعُه؟ فقال: هو لك بغير ثمن، قال: لا. فاشتراه بأربع مئة درهم، وحمله إلى الإِمام، فرأى فيه العلامات، فقال: احتفظ به، وكان مع عيسى يُعلمه صنعةَ السُّروج (١).
وقيل: إنه كان من أهل خُطَرنيَة قريةٍ من سواد الكوفة، وكان قَهْرَمانًا لإدريس بن مَعْقِل العِجْليّ (٢).
وقيل: إنه كان من أهل أصبهان، وكان يخدم إدريس وعيسى ابني معقل، وكان قد حبسهما يوسف بنُ عمر على الخراج فيمن حبس من عمال خالد بن عبد الله القَسري (٣).
وقيل: كان لرجل من أهل هَرَاة يقال له: أبو بوشنج (٤)، فقدم على الإِمام وهو معه، فأعجبه عقله، فابتاعه منه بألفي درهم وعشرين درهمًا، فأعتقه وأقام عنده حتى بعثه إلى خراسان.
وقيل: كان أبوه من خَوَل آل معقل، فأسلموه إلى خرّاز بالكوفة، فبينا هو يخرزُ شيئًا في يده إذ رأى الناس يتعادون، فقال: ما الذي بهم؟ قالوا: فيلٌ دخل الكوفة، فقال: وأنى في فيل من العجب؟ إنَّما العجبُ في [أن تروني] (٥) أقلبُ دولة وأقيم دولة!
وقيل: إن أباه كان من أهل بابل (٦)، وكان اسمه زاذان بن بيدار بن هرمز (٧)، وأمُّه تسمى وَشيكة، بِيعَ فاشتُري للإمام بتسع مئة درهم.
وقيل: إنه كان عربيًّا، سُبي وبِيع فاشتراه الإِمام.
وقيل: إنَّه كان من الأكراد، وقد نسبه أبو دُلامة إليهم فقال: [من الطويل]
стр. 5518
أفي دولة المنصور حاولتَ غَدْرةً … ألا إنَّ أهل الغدر آباؤك الكُرْدُ (١)
وقيل: كان عبدًا لأبي موسى السرَّاج، وكان من كبار الشيعة، وكان الجماعةُ الذين ذكرناهم في أول الفصل قد واعدُوا الإِمام أن يوافيَهم بمكَّة، فوافاهم إبراهيم بها، فأعطوه عشرين ألف دينار ومئتي ألف درهم، ومتاعًا وتحفًا جلبوها من خراسان، فرأى أبا مسلم مع أبي موسى السرَّاج، فأعجبَه فاشتراه، وأقام عنده حتى بعثَ به إلى خراسان.
وقال شهاب بن عبد الله: كان أبو مسلم يتردَّد إلى خراسان من الإِمام بكتبٍ إلى الشيعة، وهو راكبٌ على حمار، قال خادم لسليمان بن كثير: لقد جاءنا يومًا فلم نعرض عليه الطعام؛ كان عندنا أحقر من ذلك، فلامنا سليمان وقال: بئس ما فعلتم (٢).
وقال أبو اليقظان: كان أبو مسلم يدَّعي أنه ابن سليط بن عبد الله بن عباس، وأطمعَ نفسه في الخلافةِ بهذه الدعوى (٣).
ذكر صفته:
كان أسمر -وقيل: أبيض حسن اللون- مليح الوجه، رَبْعةً -وقيل: طُوالًا- تعلوه صفرة، وكان شجاعًا فاتكًا، ذا عقلٍ ورأي وحزمٍ وتدبيرٍ، يقول بتناسخِ الأرواح، ويرى رأي الكيسانيَّة (٤)، وأن محمدَ بن الحنفية هو المهدي، وأنَّه حيّ يرزق.
ذكر طرف من أخباره:
قيل له: بم أدركتَ ما أدركت؟ فقال: ارتديتُ بالصبر، والتحفتُ بالكتمان، وحالفتُ الأحزانَ والأشجان، وسامحتُ المقادير حتى بلغتُ غاية همَّتي، وأدركتُ نهاية بغيتي. وفي رواية: وساعدني القَدَرُ؛ فأدبر الحرمان، وأقبل الإقبال، وأنشد لنفسه: [من البسيط]
стр. 5519
قد نلتُ بالحزم والكتمانِ ما عجزت … عنه ملوكُ بني مروان إذ حشدوا
ما زلتُ أضربهم بالسيفِ فانتبهوا … من رقدةٍ لم يَنمهَا قبلهم أحدُ
طفقتُ أسعى عليهم في ديارهمُ … والقوم في ملكهم بالشامِ قد رقدوا
ومن رعى غنمًا في أرضِ مسبعةٍ … ونام عنها تولَّى رعيَها الأَسَدُ (١)
عُرض على أبي مسلم فرسٌ جواد، فقال (٢): ماذا يصلح هذا؟ فقال جلساؤه: لغزو العدو، فقال: لا، ولكن يركبُه الرجل فيهرب عليه من جار السوء.
ودخل عليه رؤبة فقال له: أنشدني: [من الرجز]
وقاتم الأعماق خاوي المخترقْ
فأنشده، فلما بلغ إلى قوله:
يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقْ
قال له: قاتلَك الله! لشدَّ ما استصلَبْتَ الحافر، ثم قال: أنا ذاك المدق، ثم اعتذر إليه من قوله، وأجازه بمال، فقال رؤبة: فوالله ما رأيتُ أعجميًّا أفصحَ منه، وما ظننتُ أنَّ أحدًا يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي (٣).
نقب رجل بيت المال وأخذ منه، [فكتب: يُدرَأ عنه الحدُّ (٤).
وكتب إليه سليمان بن كثير كتابًا أغلظ له فيه] (٥)، فكتب إليه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ [الأنعام: ٦٧].
وكتب إلى قحطبة: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٦) [القصص: ٧٧].
ووقَّع على قصَّة محبوس: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨].
стр. 5520
وكتب على قصَّة آخر: العدلُ أوثقه، والتوبةُ تطلقه (١).
ذكر مقتله:
وله أسباب، منها: تهاونه لما قدم عليه أبو جعفر، ومنها: قتلُ سليمان بن كثير، وادعاؤُه أنَّه ابن سليط، وتقدّمه على أبي جعفر في الحجّ، ولما قدم الأنبار دعا عيسى بنَ موسى إلى خلعِ أبي جعفر، ومنها: أنَّه لما توجَّه إلى قتال عبد الله بن علي كان إذا ورد عليه كتاب من أبي جعفر يقرؤه ويلويه (٢) بيده استهزاءً به، ثم يلقيه إلى مالك بن الهيثم ويتضاحكان.
ولمَّا انهزمَ عبد الله بن عليّ بعثَ أبو جعفر أبا الخصيب مولاه إلى أبي مسلم ليحزر أموال عبد الله، فشتم أبو مسلم أبا الخصيب، وأراد قتله، فقال القوَّاد: المرسلُ لا يقتل، فخلَّى سبيلَه، فعادَ إلى أبي جعفر فأخبره، فخاف أبو جعفر أن يفوته إلى خراسان، وكان القُوَّاد قد قالوا لأبي مسلم: نحنُ غنمنا مال عبد الله، وليس لأبي جعفر فيه غير الخمس.
ولما خاف أبو جعفر من ذهابه كتبَ إليه مع يقطين بن موسى كتابًا يقول فيه: قد ولَّيتُك مصر والشام، فهي خيرٌ من خراسان، فوجَه إلى مصر من أحببت، وأقم بالشام لتكون قريبًا من أمير المؤمنين، متى أحببتَ لقاءَه لقيتَه، فلمَّا دخل يقطين على أبي مسلم سلّم عليه، فقال: لا سلَّم الله عليك يا ابن اللخناء، أؤتمنُ على الدماء، ولا أؤتمن على الأموال (٣)؟! فقال له يقطين: امرأتُه طالق إن كان أمير المؤمنين أرسلني إليك إلَّا مهنيًا بالظفر وبتولية الشام وخراسان (٤)، فغضبَ أبو مسلم وقال: أهو يوليني الشام ومصر، وخراسانُ لي؟! فلمَّا خرج يقطين قال أبو مسلم: إني لأعلمُ أنَّ امرأتَهُ طالق، ولكنَّه نظر لصاحبه.
стр. 5521
وقال البلاذري: بعث أبو جعفر مرزوقًا أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليحصي أموال عبد الله، فغضب أبو مسلم وقال: ما لأبي جعفر ولهذا؟! وإنَّما له الخمس، فقال له مرزوق: هذا مال أمير المؤمنين دون الناس، وليس سبيل هذا سبيل الخمس، فشتمَه وهمَّ بقتله، ثم أمسك.
وبعث أبو جعفر يقطين بن موسى إلى أبي مسلم في هذا الأمر، فلمَّا دخلَ عليه قال أبو مسلم: أفعلها ابنُ سلَّامة الفاعلة؟ لا يَكني، فقال له يقطين: عجلت أيُّها الأمير، إنَّما أمرني أمير المؤمنين أن أَحصيَ ما في عسكر الناكث، ثم أسلِّمه إليك ترى فيه رأيك، وإنَّما قصدَ أن يعلم ما فيه.
ثمَّ عاد يقطين إلى أبي جعفر وأخبرَه بشتمه إيَّاه وتنقصِه به، وقال: إنَّه على عزم المضي إلى خراسان عاصيًا مخالفًا (١).
فخرج أبو جعفر من الأنبار من وقته، فنزل المدائن، وكتبَ إلى أبي مسلم ليقدم عليه، فوافاه كتابه وهو على الزاب، فكتب [إليه]: أما بعد، فإنَّه لم يبق لأمير المؤمنين عدوٌّ إلَّا أمكنَه الله منه، وقد كنَّا نروي عن ملوك ساسان أنَّ أخوفَ ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، ونحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريُّون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاكَ ذاك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيتَ إلَّا أن تعطي نفسك إرادتها نقضنا ما أبرمنا بنفوسنا (٢)، والسلام.
فلما قرأ أبو جعفر الكتاب وقيل له: قد سلك طريق حلوان، فقال: رُبّ أمرٍ لله دون حلوان، وكتب إليه: أما بعد، فليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغاشّة لملوكهم، الذين يتمنون اضطرابَ الدُّوَل لكثرة جرائمهم، وإنَّما راحتُهم في انتشار نظام الجماعة، فلمَ سوَّيتَ نفسَك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملتَ من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وقد حمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالةً
стр. 5522
لتسكنَ إليها، وأسألُ الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد بابًا يفسد به نيَّتك آكد عنده من الباب الذي فتحَه عليك، والسلام.
وقيل: إنَّما بعث إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ، فخدعه وردَّه، وكان رجل زمانه (١)، ولم يبعث إليه عيسى بن موسى، وهو الأصح (٢).
وقال الصولي: كان أبو مسلم قد كتب إلى أبي جعفر كتابًا، فكان سببًا لهلاكه، كتب إليه: من أبي مسلم إلى أبي جعفر، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد، فإنِّي كنت قد اتخذت إمامًا، وجعلته على ما افترضه الله على خلقه، وله قرابةٌ من رسول الله ﷺ ، فحرَّف القرآنَ عن مواضعه، ودلَّاني بغرور، فأمرني أن أجرد السيف، وأرفعَ الرحمة، ولا أقبل العذر، ولا أقيلَ العثرة، ففعلت ذلك توطئة لسلطانه، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعفُ عنِّي، فقِدمًا عُرِف بالعفو، وإن يعاقبني فبما قدَّمت يداي، وما الله بظلام للعبيد.
وقال البلاذري: كتب إليه: من عبد الرحمن أبي مسلم (٣) إلى عبد الله بن محمَّد، أمَّا بعد، فإنِّي كنت اتخذت أخاكَ إمامًا، وجعلتُه على الدِّين عَلَمًا، وقبلتُ منه الوصيَّة التي زَعمَ أنَّها صارت إليه، وكان في قرابته من رسول الله ﷺ ، ومحلّه من العِلْم على ما كان عليه، ثمَّ إنه مستخف (٤) القرآن، وأوطأني عشوة (٥) الضلالة، وأوثقني برِيقة الفتنة، فهتكتُ بأمره حرماتٍ حتم الله صونَها، وسفكتُ دماءً فرضَ الله حقنَها، وزويتُ الأمرَ عن أهله، ووضعتُه في غير محلِّه، وذكر تمام الكتاب.
стр. 5523
فلمَّا وقف أبو جعفر عليه كتب إليه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن، أمَّا بعد فإنَّ أخي كان لي إمام هدى يدعو إلى الله على بينة من ربِّه، فأوضح لك السبيل، ونهجَ لك المنهج، فلو كنت بأخي اقتديتَ ما كنتَ عن الحقِّ مائلًا، وعن الشيطان وأمره (١) صادرًا [وواردًا]، ولكن لم يسنح لك أمران إلَّا كنت لأرشدهما تاركًا، ولأغواهما موافقًا، تقتلُ قتلَ الفراعنة، وتبطشُ بطش الجبَّارين، وتحكمُ بالجور، وتقضي بالظلم، ثم أخبركَ أيها الضالّ أنِّي قد وليتُ موسى بن كعب خراسان، وأمرتُه بالمقام بنيسابور، فإن أردتَ خراسان لقيكَ من دونها بمن معه من قوادي وشيعتي، وأنا موجِّهٌ إليك إلى لقائك [أقرانَك] (٢)، فأجمع كيدك فإنَّك غيرُ مسدَّدٍ ولا موفَّق، والسلام (٣).
فلما قرأ كتابه شاور أبا إسحاق المروزي وقال له: هذا موسى بن كعب دونَ خراسان، وهذه سيوف أبي جعفر من خلفنا، وقد أنكرتُ من أثق به من عسكري وخاصَّتي، فقال له أبو إسحاق: إنَّ أبا جعفر يضطغنُ عليك أمورًا قديمة، فلو كنت إذ ذاك واليتَ رجلًا من آل أبي طالب كنتَ أقرب إلى الحقّ، ولو كنت قبلتَ توليته إيَّاك الجزيرة والشام ومصر والصوائف كنتَ في فسحة من أمرك أن ترسل إلى المدينة فتختلس رجلًا من ولد فاطمة فتنصِّبَه إمامًا، كنت استملت به الناس، ورميتَ أبا جعفر بنظيره، أتطمع أن تحاربه وأنت بحُلوان وعساكرُه بالمدائن وخراسان والشام، وهو خليفةٌ مجمَعٌ على خلافته ثم تظهر؟! ليس ما ظننت.
قال: فما الرأي؟ قال: أن تستوثق من قوَّادك، قال: إنَّهم غيرُ موافقين. قال: فإن رأيتَ أن تبعثني إلى أبي جعفر فآخذَ لك منه أمانًا، فإمَّا عفا عنك، وإمَّا عاجلك وأنت على شعبة من عزِّك، من قبل أن ترى الذُّلَّ والصغار من عسكرك، فإما أخذوكَ أسيرًا، أو قتيلًا يركضون برأسك إلى المدائن. فقال: سأنظر (٤).
стр. 5524
وكان أبو جعفر يقول: [الذي] نخافُه من أبي مسلم أعظمُ من الذي كنا نخافه من أبي سلمة، يعني أنَّ أبا مسلم يدَّعي أنَّه ابنُ سليط (١).
وفي روايةٍ أنَّ أبا جعفر لمَّا قرأ كتابَ أبي مسلم الذي يقول فيه: إنِّي اتخذتُ أخاكَ إمامًا، كتب إليه يستعطفه. ويقول: للمدلِّ بطاعته ونصيحته مقال، ولم يزدك عندنا ما كتبتَ إلَّا ما تحبّ، فراجع أحسن مراجعة، ولا يدعونَّك ما أنكرته إلى التجنِّي، فإنَّ المغضبَ ربما تعدَّى في القول، فاقدم مبسوطَ اليد في أمرنا، محكَّمًا فيما هويت من الحكم فيه، ولا تُشمت بنا وبك الأعداء، والسلام (٢).
وأمر أبو جعفر بني هاشم بن عيسى بن موسى، وعيسى بن علي ومن حضَر أن يكتبوا إليه (٣) يشكرون ما كان منه من الطاعة، ويحذِّرونَه الخلاف والشقاق وعاقبةَ الغدر، وأن يقدم على أبي جعفر، ونحو ذلك.
وبعثَ بالكتاب مع أبي حميد المروذي، وقال: لاطفه أوَّلًا، فإن أجاب، وإلَّا فقل له. يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس (٤)، لئن لم تأتني لأطلبنَّك بنفسي (٥)، ولو خضتَ البحر لخضتُهُ، ولو اقتحمت النار لاقتحمتُها حتى أقتلَك أو أموتَ قبل ذلك. ولا تقل ذلك حتى تأيسَ منه ومن رجوعه.
فقدم أبو حميد عليه وهو بحُلوان فدفع إليه الكتاب ولاطفه وقال: إن الناسَ يبلغونكَ عن أمير المؤمنين ما لم يقله حسدًا لك، يريدونَ زوال النعمة عنك، فلا تفسد ما كان منك، فإنَّك لم تزل أمين (٦) آل محمَّد ﷺ ، وما ذخرَ لك من الأجر أعظم ممَّا أنت فيه من الدنيا، فلا تحبط أجرَك، ولا يستغوينَّك الشيطان. فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلمني
стр. 5525
بهذا الكلام؟! فقال: أنت الذي أمرتنَا بطاعةِ أهل بيت نبيِّنا ﷺ بني العباس، ودعوتنا من أراضٍ متفرقة، وجمعتنَا على طاعتهم، وقلت: من خالفَهم فاقتلوه، ولو كنتُ أنا فاقتلوني، فلا تفسد أمرَنا وتفرِّق كلمتنا. فقال: قوموا لأنظر، فقام [أبو] حميد، وشاورَ أصحابَه وخواصّه، فقالوا: والله لئن أتيتَه ليقتلنَّك، ولا يأمنك بعدها أبدًا، فسر إلى خراسان، فهم صنائعك وجندُك، فإن استقامَ لك (١)، وإلَّا كنت في عز ومَنعة وبلاد واسعة.
فدعا [أبا] حميد (٢) وقال له: ارجع إلى صاحبك وقيل له: لا حاجة لي في لقائه، فلاطفه وقال له: لا تفعل، وهو يأبى عليه، فلمَّا آيسه آعاد عليه ما قال أبو جعفر، فوجمَ طويلا وكسره ذلك القول.
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود نائب أبي مسلم بخراسان: إنَّ لك خراسان ما بقيتُ وبقيتَ، وجاء أبا مسلم كتابُ أبي داود يقول: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله ومخالفةِ أهل بيت نبيه، فلا تخالفنَّ إمامك، ولا ترجعنَّ إلا بإذنه، فوافاه كتابه على تلك الحال، فزادَه خوفًا وهمًّا، فاستدعى [أبا] حميد وقال له: قد رجعتُ عن المسير إلى خراسان، ثم رأيتُ أن أوجِّه أبا إسحاق المروزي إلى أمير المؤمنين يستوثقُ لي منه.
وقدم أبو إسحاق على أبي جعفر، فأمرَ بني هاشم بتلقِّيه، وأكرمه أبو جعفر وقال: اصرفه عن وجهه ولك ما أحببت (٣)، فرجع إليه فقال: ما أنكرتُ شيئًا، رأيتُهم معظِّمين لحقِّك، فارجع إلى أمير المؤمنين، فقال نيزك أحدُ قواده: ما ترى؟ فقال: [من الكامل]
ما للرجال مع القضاء عزيمة (٤) … ذهبَ القضاء بحيلة المُحتالِ (٥)
[فقال:] والله ليقتلنَّك، ولكن احفظ عني ما أقول: إذا دخلتَ عليه فاقتله، وبايع لمن شئت، فإنَّ الناسَ لا يخالفونك.
стр. 5526
وقال خليفة: كتب أبو جعفر إلى أبي مسلم: احتفظ بما في يدكَ من مال عبد الله بن عليّ، فغضب وعزم على التوجُّه إلى خراسان (١)، فبعث إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ، وكان صديقًا لأبي مسلم كان يعرفه لمَّا كان بخراسان، وكان جرير أوحد زمانه، وكتب معه أبو جعفر: أما بعد؛ فإن المعاصي تطبع على القلوب، وتَرينُ عليها، فأفق أيّها السكران، وقَعْ أيُّها الطائر، وانتبه أيُّها النائم، فإنَّك مغرور بأضغاث أحلام، والسلام.
فلمَّا قرأه أغلظَ لجرير، فما زال يخدعُه حتى صرفَه عن خراسان وأقدمَه من حُلوان إلى المدائن.
وقال أبو اليقظان: لمَّا حجَّ أبو مسلم نزلَ الحيرة، فقيل له: إن ها هنا راهبًا قد أتت عليه مئتا سنة، عنده علمٌ من العلم الأول، فأتاه أبو مسلم فسلَّم عليه، فقال له الراهب: إنَّك قد قمتَ بالكفاية، ولم تزل (٢) في العناية، وقد بلغتَ النهاية، وكأن قد عاينت تلفك، فاغتمَّ أبو مسلم، فقال له الراهب: أحرقتَ نفسك وشتتَّ أمرك، ولم تؤت من حزمٍ وثيق، ولا من رأيٍ أنيق، ولا من تدبيرٍ نافع، ولا من رأيٍ مراجع، وما استجمعَ في أحدٍ أملُه إلَّا أسرعَ في تفريقه أجلُه، والتقدير في يدي من يَبطُل معه التدبير، فانصرف أبو مسلم وقد علم بقربِ أجله، فما عاشَ إلا يسيرًا وقُتل.
ذكر قدومه على أبي جعفر
قال أبو أيوب المُورِياني وزير أبي جعفر: كان أبو جعفر نازلًا بالمدائن بمكانٍ يقال له: الرُّوميَّة، وقد كان رؤي لأبي مسلم أنَّه يقتل بالرّومية، وكان يظنُّ أنَّه يُقتَل بالروم.
قال جرير الذي أقدم أبا مسلم إلى المدائن: لما قربنا من المدائن قال لي: يا جرير، أين أميرُ المؤمنين؟ قلت: قريبًا من المدائن، قال: في أيِّ موضع؟ قلت: في صحراءٍ يُقال لها روميّة، فأطرق طويلًا، ثم استرجع وقال: إذا كان كل مقضي كائنًا، فأيّ شيءٍ ينفعُ الحذر؟
стр. 5527
قال جرير: وقد كان قيل له: إنَّك تُقتَل بروميّة، فظنَّها بلدَ الروم، ثم قال: إنا لله، ذهبت والله نفسي بيدي، ثم أقبلَ يخاطب نفسَه ويقول: ويحَك يا أبا مسلم، فتحَ الله لك من باب المكايد في عدوك وصديقك ما لم يفتح لأحدٍ، حتى إذا دانَ لك مَنْ بينَ المشرق والمغرب خدعَك عن نفسك من كان بالأمس يهابُ من ينظر إليك، ثم تمثَّل: [من الوافر]
فهل من خالد إمَّا هلكنا … وهل في الموتِ يا للناسِ عارُ (١)
وقال المورياني: دخلتُ على أبي جعفر وهو جالسٌ في خباء من شعر، وبين يديه كتابُ أبي مسلم، يذكرُ فيه أنَّه قادمٌ عليه، فرمى به إليّ، وكان قد صلَّى العصر وهو في مصلَّاه، فقلت له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: والله لئن ملأتُ عيني منه لأقتلنَّه، فاسترجعتُ في نفسي وقلت: ما أرى أصحابَهُ يرضونَ بقتله، ولا يدعون منَّا أحدًا [حيًّا] (٢)، وبعثتُ في الليل إلى سلمة بن سعيد بن جابر (٣)، ووعدتُه بالولايات والأموال، وقلتُ: تلتقي غدًا أبا مسلم وتعدُه وتمنِّيه عن أمير المؤمنين وتقول [وتقول]، وكان قصدي أن يطمئنَّ، فقال: أفعل، فدخلت على المنصور وأخبرتُه بما خطر لي وما فعلت، فقال: ادع سلمة، فدعوته فدخل، فقال: إنَّ أبا أيوب استأذن [لكم] (٤) أفتحبُّ أن تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، وصف له شوقي إليه، فخرج فلقيَه، فأخبره. وقال: إنَّ أمير المؤمنين أحسن الناس رأيًا فيك، فطاب قلبه وسرّ، وكان خائفًا، فلمَّا قرب من المدائن أمرَ أبو جعفر الناسَ بتلقيه، فلمَّا كان عشية قدم، قلت للمنصور: هذا الرجلُ قد قدم، فماذا تريد أن تصنع؟ قال: أقتله حين تقع عيني عليه، فقلت: أنشدك الله أن [لا] (٥) تفعل هذا، إنَّه يدخلُ عليك معه الناس وأصحابه، فإن دخل ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخلَ عليك فأكرمه ومُره بالانصراف، فإذا كان غدًا فارأ فيه رأيَك، فدخلَ عليه عشيةً، فسلَّم وقام قائمًا بين يديه، فردَّ وقال له: قد وصلتَ متعوبًا، فانصرف فأرح نفسك، وادخل الحمَّام فإن للسفر قشفًا، ثم اغد عليّ.
стр. 5528
وقال أبو اليقظان: أمر أبو جعفر عيسى بن موسى والأشرافَ بتلقي أبي مسلم، فخرجَ عيسى في صدر الموكب وكان صديقًا له، فتسايرَا، فقال أبو مسلم لعيسى: هل تدري ما مثلي ومثلك ومثل عبد الله بن علي ومثل المنصور؟ قال: لا. قال: كمثل ثلاثة نفر، كانوا في سفر، فأتوا على عظام نخرة، فقال أحدهم: عندي صنعةٌ (١)، إذا رأيتُ عظامًا مفرقة جمعتها، وقال الآخر: إذا رأيتُ عظامًا موصولةً كسوتُها لحمًا، وقال الآخر: إذا رأيتُ عظامًا مكسوةً لحمًا أجريت فيها الروح، ففعلوا ذلك، فإذا الذي أحيوه أسد، فقال الأسد: ما أحياني هؤلاء إلَّا وهم قادرون على أن يميتوني، فوثبَ عليهم فأكلهم، وكذا والله عمُّك معنا، والله ليقتلنِّي ويخلعك وليقتلنَّ عمَّه عبد الله بن علي.
أشار إلى نفسِه وأنَّه كان سببًا لإحياء الدولة، وأنَّ عبد الله مهدَها، وأنَّ عيسى قرَّر له الأمر.
ولمَّا دخل أبو مسلم على أبي جعفر -قال البلاذري- قام له قائمًا واعتنقَه ورحَّب به وأدناه وقال: كدتَ أن تمضي إلى خراسان قبل أن نلتقي، فأُلقي إليك ما أريد (٢)؟
وقال خليفة: ثنى له وسادةً، فجلس عليها وقال: يا أمير المؤمنين، مر بأمرك، فقال: انصرف إلى منزلك واسترح ليذهبَ عنك قال السفر، فقام وخرج.
قال أبو أيوب: فندم أبو جعفر حيث لم يقتله وشتمني وقال: متى أقدر منه على ما قدرت عليه؟ فقلت: تربَّص، فلن يفوتك.
وأقام أيامًا يتروَّى في قتله، وأبو مسلم يأتي إليه كلَّ يومٍ وهو يكرمُه وينتظر به الفرص.
وقيل: إنَّ أبا جعفر بعثَ إليه بعيسى بن موسى، فحلف له بعتقِ كلّ مملوك له وصدقةِ ما يملكه وطلاق نسائه أنَّه لا يؤذيه، وقال له عيسى: لو خُيِّر المنصورُ بين موتِ ولده وموتِك لاختار موت ولده، فإنَّه لا يجدُ منك خلفًا (٣). وهذا إنَّما قاله له قبل أن ينزل المدائن.
стр. 5529
وقال ابن الكلبي: استشار أبو جعفر عيسى بن موسى، فقال: ما تقولُ في قتله؟ فقال عيسى: [من الطويل]
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا رويَّةٍ … فإنَّ فسادَ الرأي أن تتعجَّلا
فقال له المنصور:
وما الرأيُ (١) إلَّا أن تؤامرَ عاجزًا … وما الحزمُ إلَّا أن تَهُمَّ فتفعلا
وأنشد المنصور لنفسه:
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ … فإنَّ فسادَ الأمر أن يترددَا
ولا تهملِ الأعداءَ يومًا بقدرةٍ … وبادِهِمُ (٢) أن يَملكوا مثلهَا غدًا
ثم استشار سَلْم بن قتيبة فيه، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقال: حسبك، [لقد] أودعتها أذنًا واعية (٣).
ثم رتَّبَ له جماعةً منهم عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج (٤) صاحب المربعة، وأبو حنيفة صاحب الدرب ببغداد، ثمَّ استدعاه مع أبي نصر حاجبِه، فلمَّا قرب من الباب أُنزِل وأُخذَ سيفُه في الدهليز، فقال: الآن عرَف الرامي موضع سهمه، فضُرِبَ مثلًا لمن يمكن عدوه من نفسه (٥).
قال البلاذري: فلمَّا دخل ثنى له وسادة، فجلس عليها، وكان قد أوصَى الجماعةَ: إذا صفَّقت فأخرجوا فاقتلوه، فلمَّا استقرَّ به المجلسُ شرعَ يعاتبُه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أمير المؤمنين أخي تنهاه عن الموات من الأرض، أردتَ أن تعلِّمنا الدين؟ قال: ظننتُ أنَّه لا يحل لي، فلمَّا أمرني بأخذه أخذتُ بقوله.
стр. 5530
قال: فأخبرني عن كتابك إلى نائِبك بالري تقول: إذا قدم عليك عبد الله بن محمَّد فأشخصهُ إلي، أما كان لي ما أخاطَبُ به إلا عبدَ الله بن محمَّد؟ قال: إني وجدت الله تعالى يقول ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ في حقّ نبيّه، وقال في حق عدوه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، فسمَّى نبيَّه باسمه وكنى عدوه.
قال: فأخبرني بهوانك بنا حين قدمنا عليك واستخفافك، فقال: ما قصدتُ إلا إقامة الهيبة لأذل أعداءكم.
قال: فأخبرني عن ادعائكَ أنَّك ابنُ سليط، ومقصودُك الخلافة، فقال: والله ما فعلتُه، وكيف أنتسبُ إلى غير أبي؟
قال: فخطبتُك أمينة بنت علي بن عبد الله؟ قال: كذبُوا عليّ، وأنا بكفء لها (١)!
قال: فأخبرني عن تقدُّمك إيَّاي في الحجّ، قال: كرهتُ اجتماعنَا على المياه، فنضرَّ بالناس.
قال: فجاريةُ عبد الله بن علي، أردتَ أن تسبيها؟ قال: لا والله، بل ضربتُ عليها قبَّةً، ووكلتُ بها من يحفظُها خوفًا عليها من مغيرة الجيش.
قال: فأخبرني عن ستِّ مئة ألف من المسلمين قتلتهم صبرًا. قال: لتستقيمَ دولتُكم.
قال: فلم أردتَ أن تذهبَ إلى خراسان مخالفًا عاصيًا؟ قال: دخلكَ منّي شيءٌ، فأردتُ المقام هناك وأكتب إليك بعذري.
قال: فأخبرني عن نصلين أصبتَهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: هذا أحدهما، ثم سلَّه وناولَه إياه، فهزَّه أبو جعفر، وجعلَه تحت فراشه، وقال له: ما تقول فيمن سلَّ على مولاه سيفًا؟ قال: يقتل به، قال: فقد سللتَه، قال: ما سللته عليك، بل لك.
ثم أخذَ أبو جعفر يعدِّدُ عليه الجنايات، فقال له أبو مسلم: لا تدخلنَّ على نفسك، فقدرِي أصغرُ من أن يبلغَ ما ذكرت. فلما ألحَّ عليه قال: دع عنك هذا، واذكر صنيعي معكم، فما أخافُ إلا الله تعالى، فغضبَ أبو جعفر وقال: يا ابنَ اللخناء إنما كان ذلك بريح دولتنا، ولو كانت أمَةٌ مكانك لفعلَت أعظم ما فعلت، وضربَه بعمودٍ كان في يده، ثم صفَّقَ، فخرجوا عليه فضربوهُ بأسيافهم، فلم تغنِ شيئًا، فقال أبو مسلم ودنا منه:
стр. 5531
ليشتَفي عدوّك (١)، فقال: وأيُّ عدو أعدى لي منك؟ ألستَ الذي بايعتنا على أن من خرج علينا قتلته؟ وأنت الخارجُ علينا، فقد حكمنا عليك [بحكمك] (٢) على نفسك، ثم صاح: اذبحوه، فذبحوه، ولفُّوه في كساء.
وكان أبو جعفر لمَّا استدعاه جاء إلى سرادق عيسى بن موسى فقال له: قم معي إليه فإنِّي أخافه، فقال له: قف حتى أجدِّد الوضوء، ولا تدخل عليه حتى أجيء معك، وأطال عيسى الوضوء، وطلبه أبو جعفر، فدخلَ عليه فقتله، ثم جاء عيسى بن موسى على الأثر، فقال: وأين أبو مسلم؟ فأشارَ إليه أبو جعفر وهو ملفوف في الكساء، فقال: قتلته؟! واسترجع وقال: قد علمتَ بلاءه فينا وفعله في دولتنا، أهلكت نفسَك وأهلكتَنا، ومن يثق إليك بعد هذا؟ فقال له أبو جعفر: [اسكت يابن الشاة (٣)، وهل كان لنا معه سلطان؟! خلع الله قلبك.
وقيل: قال عيسى: أحنثتني في أيماني، وأهلكتني، فقال: لك بكل شيءٍ ضعفه.
ودخل إسماعيل بن عليّ فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ الليلة في منامي كأنَّك قتلتَ أبا مسلم، وكأنِّي وطئته برجلي، ولم يعلم بقتله، فقال له أبو جعفر] (٤): قم فصدق رؤياك، ها هو ملفوفٌ في الكساء، فقام فوطئه برجله، وأمر أبو جعفر بإخراج البدر ورأس أبي مسلم، فأُخرج إلى أصحابه، فأخذوا المال، ثم انصرفوا، وألقي جسدُه في دجلة، وأنشد أبو جعفر قول أبي عطاء السُّدي (٥): [من السريع]
زعمتَ أن الدَّينَ لا يُقْتضَى … فاستوفِ بالكيلِ أبا مجرمِ
سُقيتَ كأسًا كنتَ تَسقي بها … أمرَّ في الحلقِ من العلقمِ (٦)
وقال أبو دلامة: [من الطويل]
стр. 5532
أبا مجرمٍ ما غَيَّر الله نعمةً … على عبدهِ حتى يغيِّرها العبدُ
أبا مجرمٍ (١) خوفتني القتلَ فانتحَى … عليك بما خَوَّفتني الأسدُ الوردُ
أفي دولة المنصورِ حاولتَ غدرةً … ألا إنَّ أهلَ الغدرِ آباؤكَ الكُرْدُ (٢)
فلا يقطع الله اليمينَ التي بها … علاكَ صقيلُ الشَّفرتينِ له حدُّ
فما كان إلَّا الموتُ في غمد سَيفه … وما خِلتَ أنَّ الموتَ يَضْبطُه غِمدُ
فأصبحتُ في أهلي وأصبحتَ ثاويًا … بحيثُ تلاقي في ذُرى دجلة المَدُّ (٣)
وكان أبو مسلم قد تهدَّده بالقتل، ولما سمعَها أبو جعفر قال له: احتكم، فقال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها وقال: لو تعدَّيتَها قتلتُك (٤).
وقال بشار بن برد: [من الطويل]
أبا مسلمٍ ما طيبُ عيشٍ بدائمٍ … وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمِ
كأنَّكَ لَم تَسمَع بِقَتلِ مُتَوَّجٍ … عزيزٍ وَلَم تَعلم بِفَتكِ الأعاجِم
لَحى اللهُ قومًا شرَّفوك عليهمُ … فقد كنت مشروفًا خَبيثَ المَطاعِمِ (٥)
وقال حفص بن حميد (٦): ظهر أبو مسلم لخمسٍ بقينَ من رمضان سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة، ثم سار إلى أبي العباس في سنة ست وثلاثين ومئة، وقُتِل بالمدائن سنة سبعٍ وثلاثين ومئة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر (٧)، وكان له يوم قتل ست وثلاثون سنة، وقيل: عاش ثمانيًا وثلاثين سنة، والأوَّل أصح.
وقد اعتبر بعضُ العلماء هذا السنَّ -وهو ستٌّ وثلاثون سنة- من جماعةٍ قَصرت
стр. 5533
أعمارُهم، وبلغُوا الغاية فيما عانوه، فأوَّلُهم الإسكندر الرومي، وابن المقفع صاحب الفصاحة، وسيبويه في علم العربية، وأبو تمام في الشعر وعلومه، وإبراهيم النظَّام في المعمَّق في علم الكلام، وأبو مسلم وغيرهم (١).
وقال الهيثم (٢): قيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرًا أم الحجاج؟ فقال: لا أعلم (٣) أن أبا مسلم كان خيرًا من أحد، ولكن قولوا: الحجَّاجُ شرٌّ منه.
قال المدائني: ولو لم يكن من قتلاه إلَّا إبراهيم الصائغ، وكان بينه وبين أبي مسلم عهدٌ من مبتدأ الدعوة أن يعملَ بالحقّ، فلما ملكَ أبو مسلمٍ بسطَ يده وظلمَ وفتك وقتل من لا يجوزُ قتلُه، فنهَاه مرارًا فلم ينته، فدخل عليه يومًا وقال: قد تعدَّيتَ طورَك وفعلتَ وفعلت، فقال له أبو مسلم: فأينَ كنتَ عن نصر بن سيار وهو يبعثُ إلى الوليد بن يزيد بزقاق الخمر؟ قال: لم يكن لي مع نصر عهد، وزقاقُ الخمر أهونُ من سفك الدماء.
وكان أبو حنيفة النعمان بن ثابت قد حدَّث إبراهيمَ عن حمَّاد (٤) عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قال: "سيدُ الشهداء عمِّي حمزة، ثمَّ رجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ، فأمَره ونهاه، فقتله على ذلك".
ولمَّا حدثه بهذا الحديث قال له: قم يا أبا حنيفة حتى تدخل على أبي جعفر (٥) فتأمره وتنهاه. قال: إنِّي ضعيف، قال: فأكتبه لي فكتبه [له]، فخرجَ به إلى خراسان، فدخل على أبي مسلم، فأمَره ونهاه، فقال له: قد قبلنا، فهل لك أن تجلس في بيتك؟ فقال: لا، فأمرَ بقتله، فاختصَم فيه ثلاثة، فقال إبراهيم: لا تختصموا كلُّكم شريك، فضربَه رجلٌ، فلم يُجد الضرب، فبقي حلقومه معلَّقًا فرموه في بئر، فكان يُسمع أنينه ثلاثة أيام.
стр. 5534
قال ابن أبي الدنيا: رؤيَ إبراهيمُ في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي مغفرةً بعد مغفرة (١)، فقيل: فما فعلَ أبو مسلم؟ فقال: هو في مقلى من نار يُقلَى فيه (٢).
سمع أبو مسلم عكرمة مولى ابن عباس (٣)، وأبا الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، ومحمد بن علي بن عبد الله (٤) بن عباس وابنه إبراهيم الإِمام، وثابت بن أسلم البُنَاني، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي (٥)، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي.
وروى عنه عبدُ الله بن المبارك (٦)، وعبد الله بن شُبْرُمة الضبيّ، ويزيد بن منيع (٧)، وعبد الله بن المنيب (٨)، [و] المروزيّ (٩) في آخرين.
وقام رجل إلى أبي مسلم وهو يخطُب وعليه السَّواد، فقال: يا أبا مسلم، ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: هذه ثيابُ الهيبة والدولة، حدثني أبو الزُّبير عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ دخل يوم الفتح إلى مكة وعليه عمامةٌ سوداء، يا غلام، اضرب عنقَه (١٠).
وخطب أبو جعفر بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تخرجوا من أُنْسِ الطَّاعة إلى وَحْشةِ المعصية، ولا تُسِرُّوا غشَّ الأئمَّة، فإنَّه لم يسر أحدٌ قطُّ [منكرًا] (١١) إلا أظهرَه الله على صفحاتِ وجهه وفلتات لسانه، ومن نازعَنا هذا الثَّوْبَ أذقناه حرَّ ما في
стр. 5535
هذا الغِمد، وإن عبد الله بن مسلم بايعَنا وبايعَ لنا على أن من نكثَ بنا (١) فقد أبيح دمه، ومن نكثَ فإنَّما يَنكُثُ على نفسه، وقد حكمنا عليه حكمه على غيره لنا ولم يمنعنا إقامة الحقّ له من إقامتهِ عليه.
قال الصُّولي: وقال: [و] لا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحقّ، ألا وإنَّ أبا مسلم أحسنَ مبتدِئًا وأساءَ مُعْقِبًا، وأخد من الناس بنا أكثر ما أعطانا، ورجح قبيحُ باطنه على مليح ظاهوه، وعلمنَا من خُبْثِ نيَّته وفساد طَويَّته وسريرته ما لو علم اللائمُ لنا في قتلهِ لعَذَرَنا وعنَّفنا [في إمهاله]، وما زال ينقضُ بيعَته ويخفرُ ذمَّتَهُ حتى حكمنَا فيه حكمَه في غيره، ولله درُّ النابغة الذبياني حيث يقول: [من البسيط]
ومن أطاعك فانفعه بطاعتِه … كما أطاعَكَ وادلُلْهُ على الرَّشَدِ
ومن عصاكَ فعاقبهُ معاقبةً … تَنهى الظلومَ ولا تقعدْ على ضَمَدِ (٢)
وعزم المنصورُ على قتل خواصِّ أبي مسلم، منهم أَبو إسحاق صاحب حرسه، ونصر بن مالك (٣) صاحب شرطته، فقال له أبو جهم: يا أمير المؤمنين، الجندُ جندُك، أمرتَهم بطاعته فأطاعوه، فدعا أبا إسحاق، فقال له: أنت المتابع لعدوِّ الله فيما كان يفعل، فأخذَ يلتفتُ يمينًا وشمالًا، يظنُّ أنَّ أبا مسلم في الحياة، فقال له أبو جعفر: تكلَّم، فقد قُتِل الفاسق، وأمر بإخراجه مقطَّعًا، فخرَّ أبو إسحاق ساجدًا وقال: الحمد لله، والله ما أمنتُه يومًا واحدًا، وما تجئته قط إلا وقد أوصيتُ وتحنطتُ وتكفَّنت. ودعا بمالك بن الهيثم وكلَّمه بمثل ذلك، فاعتذر إليه، فقال: فرِّقوا جندَ الفاسق.
وبعث لقواده بجوائز سنية، وأرضَى جندَه.
وكان قد ترك جندَه بحُلوان، وقدم على أبي جعفر في ثلاثة آلاف، وكان قد خلف على خزانته أبا نصر خازنه وصاحب رأيه، فخالف أبا جعفر ومضى إلى خراسان، ثم حُمِلَ إليه بعد ذلك، فقال: أنت الذي أشرتَ على أبي مسلم أن يمضي إلى خراسان؟