ليشتَفي عدوّك (١)، فقال: وأيُّ عدو أعدى لي منك؟ ألستَ الذي بايعتنا على أن من خرج علينا قتلته؟ وأنت الخارجُ علينا، فقد حكمنا عليك [بحكمك] (٢) على نفسك، ثم صاح: اذبحوه، فذبحوه، ولفُّوه في كساء.
وكان أبو جعفر لمَّا استدعاه جاء إلى سرادق عيسى بن موسى فقال له: قم معي إليه فإنِّي أخافه، فقال له: قف حتى أجدِّد الوضوء، ولا تدخل عليه حتى أجيء معك، وأطال عيسى الوضوء، وطلبه أبو جعفر، فدخلَ عليه فقتله، ثم جاء عيسى بن موسى على الأثر، فقال: وأين أبو مسلم؟ فأشارَ إليه أبو جعفر وهو ملفوف في الكساء، فقال: قتلته؟! واسترجع وقال: قد علمتَ بلاءه فينا وفعله في دولتنا، أهلكت نفسَك وأهلكتَنا، ومن يثق إليك بعد هذا؟ فقال له أبو جعفر: [اسكت يابن الشاة (٣)، وهل كان لنا معه سلطان؟! خلع الله قلبك.
وقيل: قال عيسى: أحنثتني في أيماني، وأهلكتني، فقال: لك بكل شيءٍ ضعفه.
ودخل إسماعيل بن عليّ فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ الليلة في منامي كأنَّك قتلتَ أبا مسلم، وكأنِّي وطئته برجلي، ولم يعلم بقتله، فقال له أبو جعفر] (٤): قم فصدق رؤياك، ها هو ملفوفٌ في الكساء، فقام فوطئه برجله، وأمر أبو جعفر بإخراج البدر ورأس أبي مسلم، فأُخرج إلى أصحابه، فأخذوا المال، ثم انصرفوا، وألقي جسدُه في دجلة، وأنشد أبو جعفر قول أبي عطاء السُّدي (٥): [من السريع]
زعمتَ أن الدَّينَ لا يُقْتضَى … فاستوفِ بالكيلِ أبا مجرمِ
سُقيتَ كأسًا كنتَ تَسقي بها … أمرَّ في الحلقِ من العلقمِ (٦)
وقال أبو دلامة: [من الطويل]
стр. 5532
أبا مجرمٍ ما غَيَّر الله نعمةً … على عبدهِ حتى يغيِّرها العبدُ
أبا مجرمٍ (١) خوفتني القتلَ فانتحَى … عليك بما خَوَّفتني الأسدُ الوردُ
أفي دولة المنصورِ حاولتَ غدرةً … ألا إنَّ أهلَ الغدرِ آباؤكَ الكُرْدُ (٢)
فلا يقطع الله اليمينَ التي بها … علاكَ صقيلُ الشَّفرتينِ له حدُّ
فما كان إلَّا الموتُ في غمد سَيفه … وما خِلتَ أنَّ الموتَ يَضْبطُه غِمدُ
فأصبحتُ في أهلي وأصبحتَ ثاويًا … بحيثُ تلاقي في ذُرى دجلة المَدُّ (٣)
وكان أبو مسلم قد تهدَّده بالقتل، ولما سمعَها أبو جعفر قال له: احتكم، فقال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها وقال: لو تعدَّيتَها قتلتُك (٤).
وقال بشار بن برد: [من الطويل]
أبا مسلمٍ ما طيبُ عيشٍ بدائمٍ … وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمِ
كأنَّكَ لَم تَسمَع بِقَتلِ مُتَوَّجٍ … عزيزٍ وَلَم تَعلم بِفَتكِ الأعاجِم
لَحى اللهُ قومًا شرَّفوك عليهمُ … فقد كنت مشروفًا خَبيثَ المَطاعِمِ (٥)
وقال حفص بن حميد (٦): ظهر أبو مسلم لخمسٍ بقينَ من رمضان سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة، ثم سار إلى أبي العباس في سنة ست وثلاثين ومئة، وقُتِل بالمدائن سنة سبعٍ وثلاثين ومئة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر (٧)، وكان له يوم قتل ست وثلاثون سنة، وقيل: عاش ثمانيًا وثلاثين سنة، والأوَّل أصح.
وقد اعتبر بعضُ العلماء هذا السنَّ -وهو ستٌّ وثلاثون سنة- من جماعةٍ قَصرت
стр. 5533
أعمارُهم، وبلغُوا الغاية فيما عانوه، فأوَّلُهم الإسكندر الرومي، وابن المقفع صاحب الفصاحة، وسيبويه في علم العربية، وأبو تمام في الشعر وعلومه، وإبراهيم النظَّام في المعمَّق في علم الكلام، وأبو مسلم وغيرهم (١).
وقال الهيثم (٢): قيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرًا أم الحجاج؟ فقال: لا أعلم (٣) أن أبا مسلم كان خيرًا من أحد، ولكن قولوا: الحجَّاجُ شرٌّ منه.
قال المدائني: ولو لم يكن من قتلاه إلَّا إبراهيم الصائغ، وكان بينه وبين أبي مسلم عهدٌ من مبتدأ الدعوة أن يعملَ بالحقّ، فلما ملكَ أبو مسلمٍ بسطَ يده وظلمَ وفتك وقتل من لا يجوزُ قتلُه، فنهَاه مرارًا فلم ينته، فدخل عليه يومًا وقال: قد تعدَّيتَ طورَك وفعلتَ وفعلت، فقال له أبو مسلم: فأينَ كنتَ عن نصر بن سيار وهو يبعثُ إلى الوليد بن يزيد بزقاق الخمر؟ قال: لم يكن لي مع نصر عهد، وزقاقُ الخمر أهونُ من سفك الدماء.
وكان أبو حنيفة النعمان بن ثابت قد حدَّث إبراهيمَ عن حمَّاد (٤) عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قال: "سيدُ الشهداء عمِّي حمزة، ثمَّ رجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ، فأمَره ونهاه، فقتله على ذلك".
ولمَّا حدثه بهذا الحديث قال له: قم يا أبا حنيفة حتى تدخل على أبي جعفر (٥) فتأمره وتنهاه. قال: إنِّي ضعيف، قال: فأكتبه لي فكتبه [له]، فخرجَ به إلى خراسان، فدخل على أبي مسلم، فأمَره ونهاه، فقال له: قد قبلنا، فهل لك أن تجلس في بيتك؟ فقال: لا، فأمرَ بقتله، فاختصَم فيه ثلاثة، فقال إبراهيم: لا تختصموا كلُّكم شريك، فضربَه رجلٌ، فلم يُجد الضرب، فبقي حلقومه معلَّقًا فرموه في بئر، فكان يُسمع أنينه ثلاثة أيام.
стр. 5534
قال ابن أبي الدنيا: رؤيَ إبراهيمُ في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي مغفرةً بعد مغفرة (١)، فقيل: فما فعلَ أبو مسلم؟ فقال: هو في مقلى من نار يُقلَى فيه (٢).
سمع أبو مسلم عكرمة مولى ابن عباس (٣)، وأبا الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، ومحمد بن علي بن عبد الله (٤) بن عباس وابنه إبراهيم الإِمام، وثابت بن أسلم البُنَاني، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي (٥)، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي.
وروى عنه عبدُ الله بن المبارك (٦)، وعبد الله بن شُبْرُمة الضبيّ، ويزيد بن منيع (٧)، وعبد الله بن المنيب (٨)، [و] المروزيّ (٩) في آخرين.
وقام رجل إلى أبي مسلم وهو يخطُب وعليه السَّواد، فقال: يا أبا مسلم، ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: هذه ثيابُ الهيبة والدولة، حدثني أبو الزُّبير عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ دخل يوم الفتح إلى مكة وعليه عمامةٌ سوداء، يا غلام، اضرب عنقَه (١٠).
وخطب أبو جعفر بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تخرجوا من أُنْسِ الطَّاعة إلى وَحْشةِ المعصية، ولا تُسِرُّوا غشَّ الأئمَّة، فإنَّه لم يسر أحدٌ قطُّ [منكرًا] (١١) إلا أظهرَه الله على صفحاتِ وجهه وفلتات لسانه، ومن نازعَنا هذا الثَّوْبَ أذقناه حرَّ ما في
стр. 5535
هذا الغِمد، وإن عبد الله بن مسلم بايعَنا وبايعَ لنا على أن من نكثَ بنا (١) فقد أبيح دمه، ومن نكثَ فإنَّما يَنكُثُ على نفسه، وقد حكمنا عليه حكمه على غيره لنا ولم يمنعنا إقامة الحقّ له من إقامتهِ عليه.
قال الصُّولي: وقال: [و] لا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحقّ، ألا وإنَّ أبا مسلم أحسنَ مبتدِئًا وأساءَ مُعْقِبًا، وأخد من الناس بنا أكثر ما أعطانا، ورجح قبيحُ باطنه على مليح ظاهوه، وعلمنَا من خُبْثِ نيَّته وفساد طَويَّته وسريرته ما لو علم اللائمُ لنا في قتلهِ لعَذَرَنا وعنَّفنا [في إمهاله]، وما زال ينقضُ بيعَته ويخفرُ ذمَّتَهُ حتى حكمنَا فيه حكمَه في غيره، ولله درُّ النابغة الذبياني حيث يقول: [من البسيط]
ومن أطاعك فانفعه بطاعتِه … كما أطاعَكَ وادلُلْهُ على الرَّشَدِ
ومن عصاكَ فعاقبهُ معاقبةً … تَنهى الظلومَ ولا تقعدْ على ضَمَدِ (٢)
وعزم المنصورُ على قتل خواصِّ أبي مسلم، منهم أَبو إسحاق صاحب حرسه، ونصر بن مالك (٣) صاحب شرطته، فقال له أبو جهم: يا أمير المؤمنين، الجندُ جندُك، أمرتَهم بطاعته فأطاعوه، فدعا أبا إسحاق، فقال له: أنت المتابع لعدوِّ الله فيما كان يفعل، فأخذَ يلتفتُ يمينًا وشمالًا، يظنُّ أنَّ أبا مسلم في الحياة، فقال له أبو جعفر: تكلَّم، فقد قُتِل الفاسق، وأمر بإخراجه مقطَّعًا، فخرَّ أبو إسحاق ساجدًا وقال: الحمد لله، والله ما أمنتُه يومًا واحدًا، وما تجئته قط إلا وقد أوصيتُ وتحنطتُ وتكفَّنت. ودعا بمالك بن الهيثم وكلَّمه بمثل ذلك، فاعتذر إليه، فقال: فرِّقوا جندَ الفاسق.
وبعث لقواده بجوائز سنية، وأرضَى جندَه.
وكان قد ترك جندَه بحُلوان، وقدم على أبي جعفر في ثلاثة آلاف، وكان قد خلف على خزانته أبا نصر خازنه وصاحب رأيه، فخالف أبا جعفر ومضى إلى خراسان، ثم حُمِلَ إليه بعد ذلك، فقال: أنت الذي أشرتَ على أبي مسلم أن يمضي إلى خراسان؟
стр. 5536
قال: نعم، كانت له عندي أيادي وصنائع، فاستشارني فنصحتُه، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحتُ لك، فعفا عنه.
وقال أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في "المنتظم": كان أبو الجهم عينًا لأبي مسلم على المنصور، فعطشَ يومًا، فأمرَ له المنصور بقدحٍ فيه سويقُ لوز وسكَّر، وفيه سمّ، فشربَه، فلما استقر في جوفه أحسَّ بالموت، فقام مسرعًا، فقال له المنصور: إلى أين؟ قال: إلى حيث أرسلتني، فلما وصل إلى رحله مات، فقال الشاعر:
تجنَّب سويقَ اللوز لا تقربنَّه (١) … فشُرْبُ سويقِ اللوز أَردى أبا الجهم
وذهبت شربة أبي جهم مثلًا للشيء الطيِّبِ الطعم الخبيثِ العاقبة (٢).
وقال الهيثم: قال أبو جعفر: ثلاثٌ كنَّ في صدري شفاني الله منها؛ كتاب أبي مسلم إليَّ وقد مات أخي وبويع في: عافانا الله وإياك، وتقدُّمه إيايَ في طريق مكة (٣)، وضربُ سليمان بن حبيب بن المهلَّب ظهري بالسِّياط.
وقال البلاذري: كان أبو جعفر يقول: أخطأتُ ثلاثَ مرات ووقاني الله شرَّها، قتلتُ أبا مسلم وحولي من يقدم طاعتَه على طاعتي، فلو وثبوا بي لذهبتُ ضياعًا، ويوم الريوندية خرجتُ بنفسي، فلو أصابني سهمٌ غَرْب لذهبت ضياعًا، وخروجي إلى الشام، ولو اختلفَ بالعراق سيفان لذهبت الخلافةُ ضياعًا (٤).
ثم سار أبو جعفر إلى الحيرة، فأقام بها ثلاثًا ثم توجّه إلى الأنبار.
* * *
стр. 5537
السنة الثامنة والثلاثون بعد المئة
فيها ولَّى أبو جعفر صالح بن علي الصائفة، فسارَ من مصر إلى الشام، ووافاه العباسُ بن محمَّد بن علي -أخو السفاح والمنصور- وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، واجتمعوا على مَلَطْية، وأقام صالح بها حتى بني سورَها والجامع ودار الإمارة، وعادَ إليها المسلمون، ورتَّبَ بها أربعة آلاف رابطة، وقَفل عنها، وأجاز صالحٌ العباسَ بن محمَّد وعيسى بن علي كلَّ واحدٍ بأربعين ألف دينار.
وقيل: إن ذلك كان في سنة تسع وثلاثين. وإنَّ ملك الروم دخلَ ملطية في هذه السنة فهدمَ سورَها، وعفا عمن كان بها من المقاتلة وغيرهم، فلم يتعرَّض لكبير ولا صغير.
وفيها عصى جمهور بن مرَّار العِجْليّ على أبي جعفر وخلعَهُ.
وسببُه أنَّه وجهَه لقتال سنباذ، فهزمَه، وسار إلى الري، فاحتوى على ما كان فيها من خزائن أبي مسلم فطمع فيها، واستأثر بها لنفسه، وبعث إليه أبو جعفر يأمُره أن يحملَها إليه، فأبى، فبعثَ إليه محمَّد بن الأشعث الخُزَاعيّ، فهزم جمهور وأصحابه، فلحقوا بأَذْرَبيجان، ثمَّ أُخِذَ بعد ذلك وقُتل (١).
وفيها قتل الملبَّدُ الخارجيّ.
وحجَّ بالناس الفضل بن صالح من الشام من عند أبيه، فلمّا وصل المدينة أدركَهُ كتابُ أبي جعفر بولايته على الموسم، وكان على المدينة ومكة والطائف زياد الحارثي، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن عليّ، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم.
[فصل] (٢) وفيها توفي
стр. 5538
ملبّد بن حرملة الشيباني الخارجي
قد ذكرنا خروجه في السنة الماضية، وبعث إليه أبو جعفر جيوشًا وهو يهزمها، واستفحلَ أمرُه، وكان ممَّن بعث إليه زياد بن مشكان في خمسة آلاف، وملبَّد في مئتين، فهزمه ملبَّد، فكتب إليه أبو جعفر: العجب كلُّ العجب لمن يخافُ ما لم يقضَ عليه، أو يفرُّ مما قضيَ أن يصيبَه، فلِم هبتَ قتال الملبَّد وهو في قلَّة وأنتَ في كثرة؟ وقد علمت أنَّ للعباد آجالًا لا يستقدمون عنها ولا يستأخرون، ثم بعث إليه أبو جعفر صالح بن صبيح في أربعة آلاف، فالتقاه ملبَّد على نصيبين، فهزم عسكرَه وقتل صالحًا، وحوى ما في عسكره، فبعثَ إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف، فسارَ خازم حتى نزل الموصِل، وجاء الملبد فنزل على بلد، وقطع خازم دجلة، ونزل فخندق، وقصدَه الملبد، والتقوا، وعلى ميمنة خازم نضلة (١) بن نعيم، وعلى ميسرته أبو حماد، مولى بني سليم، واقتتلوا إلى الليل، وانحازَ الملبد وأصحابه عنهم، وعزم على الهرب، ثم عادوا والتقوا فكشفُوا ميمنة خازم وميسرتَه، وانتهوا إلى القلب وفيه خازم، فترجَّل وترجَّلَ أصحابُه، واقتتلوا، فهزموا ملبدًا وأصحابَه، وقتلوا الملبَّد وعامَّة من معه، وكانوا قد بلغوا ثمان مئة، وهربَ من سَلِمَ منهم (٢).
* * *
стр. 5539
السنة التاسعة والثلاثون بعد المئة
فيها غزا صالحُ بن عليّ الصائفة بعد فراغه من سور مَلَطْية، وأوغل في بلاد الروم، وكان معه أختاه لبابة وأم عيسى ابنتا عليّ بن عبد الله بن عباس، وكانتا قد نذرتا إن أزال الله ملكَ بني أمية أن تجاهدا في سبيلِ الله.
وخرج (١) ملك الروم من القسطنطينية في مئة ألف، وبلغَ جيحان، فأُخْبِر بخبر صالح وبكثرة من معه من المسلمين، فرجع.
وفيها وصل عبدُ الرحمن بنُ معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى جزيرة الأندلس، وملَكَها، ويسمَّى الداخل، وكنيتُه أبو المطرِّف، وأمه أمُّ ولد، يقال لها: راح، وبويع بالأندلس في هذه السنة، [وهو أوَّلُ الخلائف من بني أمية بالمغرب، فأقام واليًا ثلاثًا وثلاثين سنة] (٢)، وسنذكر سيرته عند وفاتِه إن شاء الله تعالى (٣).
وفيها وسَّع أبو جعفر [المسجد الحرام] (٤) ممَّا يلي دار الندوة.
قال الطبري: وفيها عزلَ أبو جعفر سليمان بن عليّ عن البصرة وأعمالها، وقيل: إنَّ ذلك كان سنة أربعين، وولَّاها سفيان بن معاوية، فقدمها سفيان في رمضان (٥)، وخافَ عبد الله بن علي فاستتر، فكتب أبو جعفر إلى سليمان بن علي وعيسى بن علي في القدوم عليه ومعهما عبد الله بن علي وأصحابه ومواليه، وكتبَ لعبد الله من الأمان ما رضياه ووثقا به، فخرجُوا من البصرة، وقدموا على أبي جعفر يومَ الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجَّة.
стр. 5540
ذكر حبس عبد الله ومن كان معه وقتل بعض أصحابه
ولمَّا قدموا على أبي جعفر دخل عليه سليمان وعيسى، وتركا عبدَ الله في الدهليز ليأخذا له إذنًا، وأعلماه بحضوره، وكان قد هيَّأ له حبسًا في قصره، فلمَّا أعلماه بحضوره، وسألاه أن يدخل عليه، قام من مجلسه، وقال: أسرعا بعبد الله، فخرجَا فلم يجداه، فرجعَا إلى أبي جعفر، فحيل بينه وبينهما، وأخذت سيوفُ أصحابِ عبد الله من عواتقهم، وحبسوا، وأمر أبو جعفر بقتل بعضهم بين يديه، وبعثَ بجماعةٍ منهم إلى خراسان، فقتلهم واليها.
وقيل: إنَّ حبْسه كان في سنة أربعين ومئة (١).
وحجَّ بالناس العباسُ بن محمَّد أخو السفاح والمنصور، وعلى الحجاز زياد بحاله، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيانُ بن معاوية، وعلى خراسان أبو داودة وعلى مصر صالح بن علي، ويتردَّد إلى الصوائف (٢).
وفيها توفي
داود بن أبي هند دينار
مولى لآل الأعلم القشيريين (٣) وكنية داود أبو بكر.
ولدَ بسَرْخَس، وكان ثقةً كثير الحديث، يفتي على زمن الحسن، وصام أربعين سنةً لا يعلمُ به أهله، وكان خَزَّازًا، يحملُ معه غداءه من عندهم، فيتصدَّق به في الطريق، ويرجع عشيًّا فيفطرُ معهم، وتوفي سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: إحدى وأربعين ومئة بطريق مكة، وقيل: بالبصرة، وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة.
أسند عن أنس بن مالك وغيره، ورَوى عنه الثوريُّ وغيوُه، وناظرَ غيلان القدريَّ بدمشق وظهرَ عليه.
стр. 5541
عثمان بن عبد الأعلى
ابن سراقة الأزديّ
قاضي دمشق في أيام الوليد بن يزيد، ثمَّ وليها لعبد الله بن علي، كانت دارُه بباب توما، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وولده بداريا.
وقال أبو الحسين الرازي: ولما خرجَ عبد الله بن علي لحربِ أبي مسلم أخذَ مقاتل العكيّ أسيرًا، فبعث به إليه (١) -وكان (٢) أميرًا على دمشق لأبي العباس- فقتل مقاتل، ثم وجه المنصور صالحَ بن علي فأخرب دار عثمان بدمشق ونهبهَا، وهي النيبطون (٣).
وهذا عثمان هو الذي ثار بدمشق نوبة أبي الورد (٤)، وقاتل عبد الله بن علي، وعاد عبدُ الله وأَمَّنهم، وطلب ابنَ سراقة فهرب واختفى، ولم يظهر حتَّى مات في هذه السنة، وكان يسبُّ بني هاشم، وهو الذي أخرجَ السفياني، وأمَّن أبو جعفر الناسَ كلَّهم إلَّا هو.
قال المصنف: وهو الذي ذكرنَا أنَّه قتلَ العكيّ وابنه بالرقة، وهو الذي قال لعبد الله بن عليّ يومَ لقي أبا مسلم: إنَّك قد عبت على مراون الفرار، فكيف تفر؟ (٥)
عمرو بن مهاجر بن دينار
أبو عبيد، من الطبقة الرابعة من أهل الشام، وهو مولى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية مولى عتاقة، وكان صاحب حرس عمر بن عبد العزيز.
قال عمرو: سمعتُ مولاتي أسماءَ بنت يزيد بن السكن تقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تقتلُوا أولادَكم [سرًّا] (٦) -يعني الغِيلَة- فوالذي نفسي بيده إنَّه ليدرك الفارس
стр. 5542
فيُدَعْثِرُه" (١).
ولد عمرو سنة أربع وسبعين.
وقال: صليت على ستين جنازة ماتوا في الطاعون خلف واثلة بن الأسقع، فجعل الرجال ممَّا يليه، والنساءَ ممَّا يلي القبلة.
أسندَ عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وروى عنه الأوزاعيُّ وغيرُه، وكان ثقةً لَه حديث كثير، وقال: صلَّيتُ خلفَ أنس بن مالك (٢).
* * *
стр. 5543
السنة الأربعون بعد المئة
فيها هلكَ أبو داود خالد بن إبراهيم والي خراسان، وولاها أبو جعفر لعبدِ الجبار بن عبد الرحمن الأزدي.
وسببُ هلاكه أنَّ جماعةً من الجند شغبوا عليه، وكان نازلًا بظاهر مرو في دار، وكان ليلًا، فصعد إلى سطحها، فأشرفَ من الحائط ونادَى أصحابه، ليعرفوا صوته، فانكسرَت إجُرَّةٌ تحت رجله، فسقط وتكسَّر ظهره، فمات، وقام عاصم صاحب شرطته بخراسان حتَّى قدم عبد الجبار، فرفعَ إليه أنَّ جماعةً من القواد مائلين إلى آل أبي طالب، منهم مُجاشع بن حريث الأنصاريّ صاحبُ بخارى، وأبو المغيرة خالد بن كثير مولى تميم صاحب قوهستان، والحريش بن محمَّد الذهلي، فضربهم ضربًا مبرحًا، وقتلَ بعضهُم، وحبسَ بعضًا، وكان فيمن حبس الجنيد بن خالد الثعلبيّ (١)، ومعبد بن الخليل المُرِّيّ (٢)، وغيرهما.
وفيها أحرم بالحج أبو جعفر من الحِيرة، ومضى إلى مكة، فوقف بعرفة وخطب فقال: أيُّها الناس إنَّما أنا سلطانُ الله في أرضه، أسوسُكُم بتوفيقه ورشده، وخازنُه على فيئه، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قُفلا، فإن شاء فتحني، وإن شاء أقفلني، فارغبُوا إلى الله في هذا اليوم الشريف، وسلُوه أنْ يهب لي ولكم من فضله فهو اليوم الذي قال فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية (٣).
وفي هذه الحجة قال أبو جعفر للربيع: انظر إن رجلًا يُعرِّفني دورَ النَاس بالمدينة ولا يكلِّمني إلَّا جوابًا، فجاءه برجل من أهل المدينة، فأطلقَ له ألف درهم، ولم يكلِّمهُ إلا جوابًا، ولم يعطوه شيئًا، فجعل يسأله: هذه الدار لمن؟ فيقول: دار فلان، حتى قال: هذه دارُ عاتكة، فعجبَ أبو جعفر من ابتدائه بكلامٍ لم يسأله عنه، ثم فكَّر، فإذا الرجل قصد قول الأحوص من قصيدته التي يقول فيها:
стр. 5544
يا دار عاتكة التي أتعزَّلُ
وأراد بهذا: [من الكامل]
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ وفيهم … مَذِقُ اللِّسانِ يقولُ ما لا يفعلُ (١)
فضحك المنصور وعلم أنَّهم لم يعطوه شيئًا، فأمر له بها.
وفي هذه الحجَّة استعدَى الجمَّالون على أبي جعفر إلى محمَّد بن عمران الطلحيّ قاضي المدينة، وقالوا: استأجرنا وجمالنا من الكوفة إلى ها هنا ولم يعطنا شيئًا، فقال القاضي لكاتبه: اكتب لهم ليحضرَ معهم مجلسَ الحكم فينصفَهم، فقال له: أوتعفني فإنَّه يعرف خطِّي، قال: لا أعفيك، فكتب نمير وختَمَه الطلحيُّ وقال: والله لا يذهب به سواك، قال نمير: فأخذتُه ومضيت به إلى الربيع الحاجب، فأخذَه ودخلَ به على أبي جعفر، ثمَّ خرج فقال لمن حضر من وجوه أهل المدينة والأشراف: أميرُ المؤمنين يسلِّمُ عليكم ويقول: قد دعيتُ إلى مجلس الحكم، فلا أعلمنَّ أحدًا قام إليَّ إذا خرجت، ولا يبدأني بسلام، ثمَّ خرج والمسيّبُ بين يديه، والربيع وأنا خلفه، وهو في إزارٍ ورداء، فسلَّم على الناس، فما قامَ إليه أحدٌ، فدخلَ المسجدَ فبدأ بالقبر، فسلَّم على رسول الله ﷺ ، وكان الطلحيُّ متكئًا فقعد واحتبَى بردائه، وجاءَ أبو جعفر فجلس، فوالله ما كلَّمه كلمةً، ولا تحرَّك له، ودعا بالحمَّالين، فادَّعوا عليه، ولم يكن له بينة فقضَى عليه لهم، ثمَّ قام أبو جعفر ومضى، وقال للربيع: إذا قام مَنْ عنده من الخصوم فائتني به، فقال: والله ما دعا بك حتى فرغ من أمر الناس جميعًا، ثم استدعاه، فلمَّا دخل سلَّم، فردَّ عليه وقال: جزاكَ الله عن دينك وعن نبيك وعن خليفتك وعن حسبك أفضل الجزاء، قد أمرت لك بعشرةِ آلاف دينار فاقبضها. فكانت عامَّة أموال الطلحيِّ من تلك الصلة (٢).
وقال عبد الرحمن بن صالح: أنفقَ أبو جعفر في أهل المدينة في حجَّته هذه أموالًا عظيمة، أعطَى كل شريفٍ ألف دينار، وفَرَّق فيهم صحافَ الذهب والفضَّة والثياب، ولم
стр. 5545
يدعْ منهم أحدًا إلا أعطاه وأغناه، فيقال: إنَّ أحدًا من الخلفاء لم يعطهم مثل ذلك (١).
ثمَّ سار إلى البيت المقدس وقد هدمتهُ الزلازل، فشكا إليه أهله، فقال: قد علمتُم الحال، وما عندي مال، وسوفَ أنظر فيه إن شاء الله تعالى، ثم خرج من بيت المقدس ونزلَ دمشق، وسار على الشام حتى وافى الرقة، وآتى بمنصور بن جعونة العامري فقتله (٢).
وكتب إلى صالح بن علي وهو على الصائفة ببناء المصميصة، ثم سلك على البلاد الفراتية حتى أتى هاشمية الكوفة، وبعث بالرواد إلى مكان بغداد.
وكان العمال بحالهم إلَّا خراسان؛ فإنَّ عاملها عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي.
[فصل] وفيها توفي
سلمة بن دينار
أبو حازم المدني، مولى بني أشجع (٣)، وقيل: مولى الأسود بن سفيان المخزومي (٤) وهو من الطبقة الرابعة من أَهل المدينة، وكان أعرج عابدًا زاهدًا ورعًا ثقةً صدوقًا كثيرَ الحديث، لم يكن في زمانه مثله، وكان يقصُّ بعد الفجر والعصر في مسجد المدينة.
وقدم سليمان بن عبد الملك المدينة، وبعثا إليه فأتاه، فسأله عن حاله، وقال له: يا أبا حازم [ما] (٥) مالك؟ قال: لي مالان، قال: وما هما؟ قال: الثقة بالله، واليأسُ ممَّا
стр. 5546
في أيدي الناس.
وقالت له امرأته: قد هجمَ الشتاء علينا، ولابد لنا مما يصلحُنا من الثياب والطعام والحطب فقال: من هذا كلّه بدّ، ولكن خذي فيما لا بد منه، الموت، ثم البعثُ، ثم الوقوفُ بين يدي الله تعالى، ثمَّ الجنَّة أو النَّار.
وقال: إنّي لأدعو الله في صلاتي حتى بالملح.
وكان له حمار يركبُه إلى مسجد رسول الله ﷺ لشهود الصلوات.
وقال: ما مضى من الدنيا فحُلم، وما بقي فأماني.
وقال: لا يحسنُ عبدٌ فيما بينه وبين ربّه إلَّا أحسنَ ما بينه وبين خلقه، ولا يعور ما بينه وبين ربه إلَّا عوَّر الله ما بينه وبين خلقه، ولمصانعةُ وجهٍ واحد أيسرُ من مصانعة الوجوه كلِّها، إنَّك إذا صانعتَ هذا الوجهَ مالت إليك الوجوهُ كلُها.
وقال: إذا رأيتَ الله يتابعُ نعمَه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
وقال: كلُّ نعمةٍ لا تتقرَّب بها إلى الله تعالى فهي بليَّة.
وكتب إلى الزهريّ: عافانا الله وإيَّاك أبا بكير من الفتن، فقد أصبحتَ بحالٍ ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمَك، أصبحت شيخًا كبيرًا، قد أثقلتكَ نعمُ الله عليك، بما أصحَّ من بدنك، وأطال من عمرك، وعلمت حُججَ الله بما علَّمك من كتابه، وبما فقَّهك من دينه، وفهَّمكَ من سنة نبيِّه ﷺ ، فرمى بك في كلِّ نعمةٍ أنعمَها عليك، وكل حُجةٍ يحتجُّ بها عليك الغرضَ الأقصى، ابتلى في ذلك شكركَ، وأبدى فيه فضلَه عليك، وقد قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] فانظر أيّ رجلٍ تكون إذا وقفتَ بين يديه وسألك عن نِعَمه عليك كيف رعيتها؟ وعن حججه كيف قضَيتها؟ ولا تحسبنَّ الله راضيًا منك بالتعذير، ولا قابلًا منك التقصير، فإنَّ الله تعالى أخَذَ ميثاقَه على العلماء ليُبَيننَّه للناس ولا يكتُمونَه، وإنَّ أدنى ما ارتكبتَ وأعظم ما احتقبت أنَّك آنستَ الظَّلمَة، وسهَّلت لهم طريقَ الغيّ بدنوِّك حيث أُدنيت، وإجابتك حين دُعيت، فما أخلقَك أن ينوَّه غدًا باسمك مع الظلمة، وأخذك ما ليس لمن أعطاك، جعلوك قطبًا تدورُ عليه رَحى باطِلهم، وجسْرًا يعبرون عليك به إلى بلائهم، وسُلَّمًا إلى
стр. 5547
ضلالتهم، يُدْخِلُون بك الشك على العلماء، ويقتادونَ بك قلوب الجهَّال إليهم، فما أيسرَ ما عَمروا لكَ في جنْب ما خرَّبوا عليك، وما أقلَّ ما أعطوك في قدْر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك، وحاسبها، واستقِلِ العثرةَ، فما يؤمنك أن تكونَ من الذين قال الله في حقهم. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩].
إنَّك لست في دار مقامٍ، قد أُوذِنت بالرحيل، فما بقاءُ المرء بعد أقرانه؟ طوبى لمن كان منها على وجَلٍ، فتجهَّز فقد دنا السفر، وداوِ (١) دينَك فقد سقم، ولا تحسبنَّ أنِّي أردتُ تعنيفك وتعييرك، ولكن أردتُ إيقاظَك، وقد قال الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥] ونحمدُ الله إذ عافانا ممَّا ابتلاكَ به، والسلام.
ومن كلامه: عند تصحيح الضمائر تغفرُ الكبائر، وإذا عزمَ العبد على ترك الآثام أتته الفتوح.
وما في الدنيا شيءٌ يسرُّك إلَّا وقد أُلزِق به شيءٌ يسوؤك.
وقال: إنَّ العبدَ ليعملُ الحسنةَ تسرُّه حين يعملُها، وإنَّها أضرُّ عليه من سيئة يعملها، وإنَّه ليعملُ السيئةَ تسوءه حين يعملُها، وهي أنفعُ له من الحسنة التي عملَها؛ لأنَّه إذا عملَ حسنةً يرى أن له فضلًا على غيره، ولعلَّ الله يحبطُها، ويعمل السيئةَ فتحدثُ له خوفًا ووجلًا.
وقال: وجدتُ الدنيا شيئين؛ فشيءٌ هو لي لا أقدرُ على تعجيله قبل أجله، ولو طلبتُه بقوَّةِ أهل السماوات والأرض، وشيءٌ هو لغيري، لا أنالُه فيما مضى، ولا أرجوهُ فيما بقي، ففي أيِّ هذين أفني عمري؟
وكان يمرُّ بالفاكهة فيقول: موعدُك الجنة.
ومرَّ بجزَّارٍ فقال له: يا أبا حازم، خذ من هذا اللحم فإنه جيِّد، فقال: ما معي درهم، فقال: أنا أُنظِرك، فقال: فأنا أنظرُ نفسي.
ودخلَ مسجد دمشق فوسوسَ له الشيطانُ: إنكَ على غير وضوء، وإنَّك أحدثتَ بعد وضوئِك، فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا الحد!
стр. 5548
وكان يبكي ويمسح بدموعه وجهه فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: بلغني أنَّ النار لا تصيب موضعًا أصابَه الدمعُ من خشية الله تعالى.
واجتمع الزهريُّ وأبو حازم عند سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: ما تقول في العلماء؟ فقال: أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغنِ أهلُ الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلمَّا رُئي هذا وأصحابه -وأشار إلى الزهريّ- تعلَّموا العلمَ لينالوا به الدنيا، إنَّ هذا وأصحابَه ليسوا بعلماء، وإنَّما هم رواة -وكان سليمان متكئًا، والزهريُّ عند رجليه- كان السلاطين يطلبونَ العلماء فيفرُّون منهم، واليومَ العلماءُ يطلبون الأمراء فيهربون منهم.
وقال الأصمعي: بينا أبو حازم يطوف بالبيت، وإذا بامرأةٍ قد سفرَتْ عن وجهها وهي تطوف وقد فتنت الناس بحسنها، فقال لها: يا أمةَ الله ألا تستري وجهك؟! فقالت: يا أبا حازم، أنا من النساء اللواتي قال فيهن الشاعر: [من الطويل]
من اللَّاءِ لم يحججنَ يبغين حسبة … ولكن ليقتلنَ البريء المغفَّلا
وتُعمي بعينيها القلوبَ إذا بدت … لها نظرٌ لم يخطِ للحَيِّ مقتلا
فأقبل أبو حازم على أهل الطواف وقال: يا أهلَ بيت الله، تعالوا ندع الله أن لا يعذِّبَ هذا الوجه بالنار. وبلغَ سعيدَ بن المسيب فقال: لو كانَ من أهل العراق قال: يا عدوَّة الله، ولكن ظُرْفُ أهل الحجاز.
وقال سفيان بن عيينة: كان أبو حازم ينشد: [من البسيط]
الدَّهرُ أدَّبني والصبرُ ربَّاني … والقوتُ أقنعنِي واليأسُ أغنانِي
وأحكمتني من الأيَّام تجربةٌ … حتَّى نهيتُ الذي قد كان ينهانِي
وقال سليمان العمري: رأيتُ أبا جعفر القاري في المنام وهو على الكعبة، فقلت له: يا أبا جعفر، قال: نعم، أقرئ إخواني مني السلام، وأخبرهم أن الله جعلني مع الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقرئ أبا حازم السلام وقيل له: يقول أبو جعفر: الكَيْس الكَيْس، فإنَّ الله وملائكته يَتَراءَونَ (١) مجلسك بالعشيات.
стр. 5549
مات رحمة الله عليه سنة أربعين، وقيل: سنة أربعٍ وأربعين، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة (١).
أسند عن ابن عمر وأنس، وروى عن كبار التابعين، وروى عنه الزهريُّ، ومالك، والثوري، وخلقٌ كثير (٢).
عروة بن رُويم اللخمي
أبو القاسم، من الطبقة الرابعة من أهل الشام (٣)، وقيل: من الثالثة (٤).
أسند عن أنس، وسمع من علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وروى عنه الأوزاعيُّ وأقرانه.
وأخرج له أبو نعيم أحاديث منها: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ كاتب الشمال ليرفع القلمَ ستَّ ساعاتٍ عن العبد المسلم، فإن ندمَ واستغفرَ وتاب ألقاها عنه، وإلا كتِبت واحدة" (٥).
منصور بن جعونة
ابن الحارث بن خالد العامري (٦).
استعملَ عمرُ بن عبد العزيز رحمة الله عليه أباه جعونة على الدرب ومَلَطْية، فغزا وغنم، وأوفد ابنَه منصورًا على عمر بالخبر، فقال له عمر: هل أصيب أحدٌ من
стр. 5550
المسلمين؟ فقال: لا، إلَّا رويجل، فغضب عمر وقال: رويجل رويجل، يكرِّرها، وقال: يجيء أحدُكم بالشاة والبقر، ويصابُ رجل من المسلمين، وأنت تقول: رويجل؟! لا تلي لي أنت ولا أبوك ولاية أبدًا.
ولمَّا ولي مروان بن محمَّد ولاه الرُّها، وكان أبو جعونة قد سكنها ومات بها، فلمَّا ظهرت الدولةُ العباسيَّة امتنعَ من البيعة للسفاح، وهرب، فلمَّا خلعَ عبدُ الله بن علي أبا جعفر ظهرَ منصور، فجعلهُ عبد الله على شرطته، وصار من وجوه قواده، فلمَّا سار عبد الله للقاء أبي مسلم خلَّف أهله وأمواله وأثقاله بالرُّها عند منصور، وانهزم عبد الله إلى البصرة، فجاء أبو مسلم إلى الرُّها فحصرَها مدة طويلة، ثمَّ نزل بالأمان فنقله أبو مسلم إلى ملطية، وأخربَ سور الرُّها وسائر أسوار بلاد الجزيرة، ولمَّا عاد أبو جعفر من الحج نزل الرقة، فوجد فيها منصور، وفي قلبه منه ما فيه، وقد أمَّنه، فجلسَ أبو جعفر يومًا يتحدَّث فقال: ألا تشكرونَ الله يا أهل الجزيرة إذ دفع عنكم الطاعون، فقال منصور: الله أعدلُ أنْ يجمعكم علينا والطاعون، فغضبَ أبو جعفر واحمرَّت عيناه، وأمر به فضربَ عنقه (١).
* * *
стр. 5551
السنة الحادية والأربعون بعد المئة
فيها كمل بناء المصيصة على يدي جبريل بن يحيى البجليّ الجرجانيّ (١)، وكان سخيًّا شجاعًا صاحبَ همَّة، أقام عليها سنتين حتى أدارَ سورها، وأسكنها المسلمين، وكانت مدينةً قديمةً من بناء الروم.
وفيها خرجت الراوندية على أبي جعفر، وهم قومٌ من أهل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم، إلا أنهم يقولون بتناسخ الأرواح، ويدَّعون أنَّ روح آدم انتقلت إلى عثمان بن نهيك (٢)، وأنَّه ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم. وقيل: إنَّ في اعتقادهم أنَّ الإمامَ هو ربهم، واعتقدوا في أبي جعفر ذلك، وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل.
ويقال لهم: السبعيَّة؛ يقولون: الأرض سبع، والسماوات سبع، والإمام سبع، والأنهر سبع، فعدوا العباس، ثمَّ ابنه عبد الله، ثمَّ ابنه علي، ثُمَّ ابنه محمَّد، ثمَّ ابنه إبراهيم الإِمام، ثمَّ أبو العباس، ثمَّ أبو جعفر، وقالوا: أنت إلهنا، وطافوا حول قصره، وكانوا ست مئة، وكان ذلك بالكوفة في الهاشميَّة، ولمَّا سمعهم المنصور قال: يدخلُهم الله النَّار في طاعتنا، ولا يدخلهم الجنة في معصيتنا، واطلع عليهم فقالوا: أنت ربُّنا، فحبس منهم ثمانين (٣) رجلًا، وقال: ارجعوا عن هذه المقالة، فغضبَ الباقون، ودخلوا السجن فأخرجوهم، وقصدُوا قصرَ أبي جعفر يريدونه، فخرجَ بنفسه ماشيًا، وصاح في الناس، وغُلقت أبواب المدينة، ولم يكن عنده في القصر دابَّة -فمن ذلك اليوم رُبط فرس النوبة، واستمرَّت الخلفاء -وجيء بدابةٍ فركبها، وكان معن بن زائدة مختفيًا عند أبي الخصيب حاجب أبي جعفر ليأخذ له أمانًا بسبب قتاله مع ابن هبيرة، وكان أبو العباس قد أمنه، فلما ولي أبو جعفر طلبه فاختفى، فلمَّا وقعت هذه الحادثة خرج متلثمًا قد جعل ذيل قبائه في منطقته، وجاء فأدخلَ يده في لجام دابة أبي جعفر، وأبلى بلاءً حسنًا، وقاتل قتالا شديدًا، حتى أباد الراوندية عن آخرهم، فقال له
стр. 5552
أبو جعفر: من أنت؟ فكشف لثامه، فسرَّ به، وكان الربيع قد جاء ليأخذ بلجام فرس أبي جعفر فقال له معن: تنح فليس هذا يومك.
ولما قتل القوم فتحت أبوابُ المدينة، وعاد أبو جعفر إلى قصره، وحضر العشاء، فأمسك أبو جعفر يده وقال: أين معن؟ فحضر، فأجلسه قريبًا منه مكان قُثَم.
وقال لعيسى بن علي: يا أبا جعفر، أسمعت بأسد الرجال؟ هذا أسد الرجال، وقد كنت أسمع أن الرجل يقاتل ألفًا، فلم أصدق حتى رأيت معن بن زائدة، فقال له معن: والله ما قوَّى متني إلا ما رأيتُ من شجاعة أمير المؤمنين وعلوِّ همته، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وولَّاه اليمن.
وجاءهم عثمان بن نهيك الذي ادعوا أنَّ فيه روح آدم فناداهم: يا قوم اتَّقوا الله، ارجعوا عن هذه، فرماه واحدٌ بسهمٍ فقتله، فشيعه أبو جعفر إلى قبره ماشيًا، وصلى عليه، ووقفَ على قبره حتى دفن.
وقيل: إنَّ واقعة الراوندية كانت في سنة ست أو سبعٍ وأربعين (١).
وفيها عَصى عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل خراسان.
وسببه أنَّ أبا جعفر عزم على عزله، وكان قد فتكَ في أهل خراسان، وقتلَ رؤساءهم، وأبادَ شجعانهم، فكتبوا إلى أبي جعفر يشكونه ويقولون: قد نَغِلَ الأديمُ، فشاور وزيره أبا أيوب فقال: اكتب إليه أنك تريد غزوَ الروم، واطلب من عنده من الجنود، فإذا خرجوا من عنده فأبعث إليها من شئت، فكتب إليه بذلك، فأجاب: إنَّ التركَ قد جاشت، وإن فرَّقتَ الجيوشَ ذهبت خراسان، فجهَّز إليه أبو جعفر ابنَه محمدًا المهدي، وولَّاه خراسان وقال: إذا وصلتَ إلى الريّ فأقم بها، ولا تتعداها، فأقامَ بالري، وبعث إليه الجيوش.
وفهم رؤساء خراسان انحرافَ أبي جعفر عنه، فلمَّا التقى بجيش المهدي خانَه عسكرُه وأخذوه أسيرًا، فأوثق وقُدم به على جمل عليه جبَّةُ صوف وقد أداروا وجهه إلى
стр. 5553
عجز الجمل، ومعه أولاده وخواصه، فعذَّبهم أبو جعفر حتى استخرج منهم الأموال، وقطع يدي عبد الجبار ورجليه وصَلَبه، ونفى أولاده إلى دَهْلَك، جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم، وأفلت منهم عبدُ الرحمن بن عبد الجبار، وعاش حتى مات بمصر سنة تسعين ومئة (١).
وفيها فتحت طبرستان لمَّا حُمِل عبد الجبارِ إلى أبي جعفر كتبَ إلى ابنه محمَّد بغزو طبرستان، فبعثَ أبا الخصيب وخازم بن خزيمة إلى طبرستان؟ وهي بلادُ الأصبهبذ، وكان يحارب المصمغان ملك دُنباوند، فاتفقا على قتال المسلمين، وعاد الأصبهبذ إلى بلاده ومعه المصمغان، فكتبَ المهدي إلى أبيه يستمدُّه، فأمدَّه بعمر بن العلاء فقال بشار بن برد: [من المتقارب]
فقلِ للخليفة إن جئتَهُ … نصيحًا ولا خيرَ في المتَّهمْ
إذا أيقظتك حُروب العدا … فنبِّه لها عُمَرًا ثم نمْ
فتىً لا ينام على ونيةٍ (٢) … ولا يشربُ الماءَ إلا بدمْ
ثم سارت الجيوشُ مع أبي الخصيب وخزيمة وعمر، فالتقوا مع الكفار، فهزموهم وفتحوا طبرستان، والتجأ الأصبهبذ إلى بعض الحصون، وانهزم المصمغان إلى بلاده، وأُسِرَت ابنةُ الأصبهبذ فهي أم إبراهيم بن العباس بن محمَّد بن علي، وأُخذت البحترية، وهي أمُّ منصور بن المهدي.
وفيها عزل أبو جعفر زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدينة والطائف، وولَّاها محمَّد بن خالد بن عبد الله القسريَّ. وقيل: إنَّما ولى محمدًا المدينةَ لا غير، وولَّى مكَّة والطائف الهيثم بن معاوية العكي (٣).
ذكر طرف من أخبار زياد
ولي لأبي جعفر وأبي العباس قبله مكَّة والمدينة، وكان شجاعًا عاقلًا.
стр. 5554
قال يعقوب بن سفيان: في سنة خمس وثلاثين ومئة عُزِل زياد عن مكَّة وحدها، ووليها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس (١)، وفي سنة ثمان وثلاثين نزعَه أبو جعفر عن ولايته، وولَّى محمَّد بن خالد القسري، وقيل: في هذه السنة (٢).
قال الواقديّ: دعا زياد الحارثيّ ابنَ أبي ذئب ليوليه القضاء، فامتنع، فقال: جرُّوا برجليه ابن الفاعلة، فقال له ابن أبي ذئب: عجلتَ، أأمنت أن أردَّها عليك فتسيرَ بها الركبان، والله ما تركتُها خيفةً منك ولكن تركتُها لله تعالى، فندم زياد، وبعثَ إليه بمالِ فلم يقبله.
وقال ابن عساكر: كان لزياد كلَّ يومٍ على خوانه صَحْفة فيها جدي بلبن، لا يأكل منه غيره، ويقال لها: المَضِيرة، فوضعها الطبَّاخ بين يدي أشعب، ولم يعلم زياد (٣)، فأَكلَها كلَّها، وزياد في انتظارها، فقال: يَا غلام، وأين الصَّحْفة؟! فقال: أكلها أشعب، فقال: زياد لأشعب: هنَّأك الله يَا أَبا العلاء، وكان قبل رمضان بيومين، فقال زياد: قد حضر هذا الشهر المبارك، وقد رقَّ قلبي لأهل السجن وما هم فيه من الضرر، وقد رأيتُ أن أبعثَك إليهم فتصلّي بهم الصلوات في النهار والتراويح في الليل، ففهم أشعب، وكان يحفظ القرآن، فقال: أو غير ذلك أيُّها الأمير؟ قال: وما هو؟ [قال:] أعطي الله عهدًا أن لا آكل مضيرةً بعد اليوم، فضحك زياد.
قال الزُّبير بن بكَّار: بعثَ أبو جعفر بمال إلى زياد ليفرِّقَه في مكة، فدخل أبو حمزة من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب، فقال: أيُّها الأمير، بعث إليك أميرُ المُؤْمنين مالًا لتفرِّقه في القواعد والعميان واليتامى، فاكتبني في القواعد، فقال: أَنْتَ رجل، قال: فاكتبني في العميان، قال: أما هذا فنعم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الآية. [الحج: ٤٦].
فقال: واكتب ابني في الأيتام، فقال: نعم، من كنت أباه كان يتيمًا، فأخذ هو في
стр. 5555
العميان، وبنوه في الأيتام.
قال الهيثم: وسببُ عزلِه أنَّه كان بخيلًا، احتقن بدهن، فأراد إهراقه، فقال: استصبحوا به، وبلغ أَبا جعفر فعزلَه. والأصح في سبب عزله ميله إلى محمَّد بن عبد الله بن حسن.
وحج بالنَّاس صالح بن عبد الله (١)، وهو على الشَّام والصوائف، وعلى المدينة محمَّد بن خالد، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى خراسان محمَّد المهديّ، وعلى البصرة سفيان، وعلى الكوفة عيسى بن موسى (٢)، وفي ولايته ظهرَتِ الخطَّابيَّة، ورئيسُهم أبو الخطاب، وكان يدَّعي علمَ الغيب، ويرى شهادةَ الزور لمن بايعه.
وقال جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين ﵃: كان يدخلُ عليَّ ويخرج من عنديَ، فيكذبُ عليَّ ويقول: إنَّ السلاحَ لا يعملُ فيَّ، فقتلَه عيسى بن موسى وأراحني منه.
وفيها تُوفِّي
حسين بن عبد الله
ابن عبيد الله بن العباس بن عبد المطَّلب، من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمُّه أسماء بنت عبد الله بن عباس.
توفِّي بالمدينة سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئة، وهو ابنُ اثنتين وثمانين سنة.
رَوى عن أَبيه وغيره، ورَوى عنه محمدُ بن إسحاق وغيره، وكان كثيرَ الحديث، ولا يحتجُّ بحديثه.
وبعث المنصور إلى ابنه عبد الله، فأقدمَه عليه من المدينة، وزوَّجه عمَّته أمَّ عيسى بنت عليِّ بن عبد الله بن عباس، فلم تلد له، وتوفِّي فورثَتْهُ (٣).
стр. 5556
عاصم بن سليمان
أبو عبد الرَّحْمَن مولى بني تميم، من الطَّبقة الرابعة من أهل البصرة.
كان قاضيًا بالمدائن في خلَافة المنصور، وكان ثقةً كثير الحديث، معدودًا في كبار الحفَّاظ الثِّقات، وكان صائمًا قائمًا لا يضعُ جنبَه في الليل إلى الأرض.
أسندَ عن أنس وغيره (١).
موسى بن عقبة بن أبي عياش
أبو محمَّد، صاحبُ "المغازي"، مولى الزُّبير ﵁.
كان ثقةً قليلَ الحديث.
قال محمَّد بن عمر: كان لإبراهيم وموسى ومحمَّد بني عقبة [حلقةٌ] (٢) بمسجدِ رسول الله ﷺ ، وكانوا كلُهم فقهاء محدثين.
وكان سبب تصنيف موسى "المغازي" أنَّ أهلَ المدينة اختلفوا فيمن شهدَ بدرًا، فسألوه أن يصنِّفَ في ذلك كتابًا، فصنَّف "المغازي"، فكان مالك يقول: عليكم بمغازي الشيخ الصالح موسى بن عقبة، فإنَّها أصح المغازي، فمن قال: إنَّه شهدَ بدرًا، فقد شهدها، ومن قال: لا، فلا.
مات موسى بن عقبة سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل غيرُ ذلك.
أسند عن أم خالد [بنت خالد] (٣) بن سعيد بن العاص، وأدركَ ابن عمر وغيره، ورَوى عنه الأئمَّة (٤).
стр. 5557
موسى بن كعب
أبو عيينة التميميّ.
أحدُ نقباء بني العباس، وهو أوَّل من بايع أَبا العباس بالخلافة، وأخرجه إلى النَّاس، وكان أبو جعفر يعظِّمُ قدرَه، ولَّاه مصر والسند.
وهو الذي أخذه أسد بن عبد الله القسري وعذَّبه وألجمَه بلجام حمار، فكسِرت أسنانه، فلمَّا صار الأمر إلى بني هاشم أمالوا الدنيا عليه، فكان يقول: كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما جاءَ الخبز ذهبت الأسنان.
وكان على شرطة أبي جعفر (١).
* * *
стр. 5558
السنة الثَّانية والأربعون بعد المئة
[و] فيها نقض أصبهبذ طبرستان العهد الذي كان بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده منهم، فبعثَ إليه أبو جعفر خازمَ بن خزيمة، وروح بن حاتم، وأبا الخصيب، فحصروه في الحصين مدة، فطال عليهم الحصار، فاحتال أبو الخصيب بحيلة كانت سببًا للفتح، فحلق رأسه ولحيته وقال: اضربوني بالسياط، وأخرجوني حافيًا حاسرًا، ففعلوا به ما قال، فأتى حصن الأصبهبذ وطلبَ أمانَه، فلمَّا دخَل عليه قال: من فعل بك هذا؟ فقال: أصحابي، قلت لهم: ارحلوا عنه، فاتهموني وفعلوا بي ما ترى، فأحسن إليه ونادمه، وجعلَه من خواصه، وأقام عنده حتَّى عرف عورة الحصن، فأرسلَ إلى أصحابه في نشابةٍ، وواعدَهم ليلة بعينها، فجاؤوا والأصبهبذ وأصحابه سكارى، ففتح لهم باب الحصين، فقتلوا من كان فيه من المقاتِلة، وسَبوا الذريَّة، وكان في يد الأصبهبذ خاتم في فصِّه سمُّ ساعة، فمصَّه فمات. وظفروا في الحصن بشكلة ابنة قهرمان المصمغان، فبعثوا بها إلى المهدي، فهي أمُّ إبراهيم بن المهدي (١).
وفيها توجَّه أبو جعفر إلى البصرة، فصام بها رمضان، وخطب يوم العيد، وبنى مصلى البصرة على يد سلمة بن سعيد (٢).
وولَّى عيسى بن عمرو الكندي على البصرة (٣)، وقيل: إنَّه لم يعزل عنها سفيان.
وبعث عمر بن حفص بن أبي صفرة واليًا على الهند والسند، وعَزل عيينة بن موسى بن كعب عنها (٤).
وفيها ولَّى أبو جعفر أخاه العباس بن محمَّد على الجزيرة والعواصم.
وفيها ولَّى محمَّد بن الأشعث على مصر، وعزل عنها نوفل بن الفرات، ثم عزلَ
стр. 5559
محمدًا عنها وأعاد إليها نوفلًا، ثم عزله وولاها حميد بن قحطبة (١).
وقال ابن الكلبي: كان عمرو بن عبيد صديقًا لأبي جعفر، وكان قبلَ الخلافة إذا قدم البصرة نزل عليه، وكان عمرو إذا قدم الشَّام أو الكوفة وأبو جعفر بها نزل عليه، فزارهُ عمرو مرَّةً وعلى أبي جعفر ثوبٌ خَلَق، وبينَ يديه قصعة فيها ثريد بغير لحم، فقال أبو جعفر لغلامه: أمعك درهم تشتري به لأبي عثمان لحمًا أو تمرًا؟ فقال: لا والله، فقال عمرو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فلمَّا قدم أبو جعفر البصرة وضع كتابًا على لسان محمَّد بن عبد الله بن حسن يدعوه إلى نفسه وخلع أبي جعفر، ودسَّه مع رجلٍ لا يعرف، فلمَّا جاء إلى عمرو لم يأخذ الكتاب، وقال للرسول: قل لصاحبك: دعنَا نشربُ الماء البارد، وننتقلُ في الظلِّ إلى أن نموت.
ويقال: إن محمدًا كتبَ إليه حقيقة، فلمَّا قدمَ أبو جعفر البصرة استدعى عَمرًا وأدناه وأكرمه وقال له: بلغني أن محمدًا كتبَ إليك كتابًا يدعوك إلى إمامته فأجبته، فقال: والله ما قرأته، ولقد قلت لرسوله كذا وكذا، فقال: صدقت وبررت هذا ثغرٌ قد أمناه، ولكن أثلج صدري بيمين، فقال له عمرو: لئن حلفتُ لك تقيَّةً لأكذبن تقيَّةً (٢)، قال: صدقت، وعرضَ عليه مالًا، فأبى أن يقبلَه منه.
وفيها خلع عيينة بن موسى بن كعب أَبا جعفر بالسند، وكان أبو جعفر قد جهَّزَ إليه عمر بن حفص، فحاربَه عيينة فهزمَه عمر، وغلب على السند.
وقيل: سبب عصيان عيينة أن أباه كان على شرطة أبي جعفر، وكان قد استنابَ فيها المسيَّب بن زهير، فلمَّا مات موسى خاف المسيَّب أن يبعث أبو جعفر إلى عيينة فيوليه مكان أَبيه، فكتبَ إليه المسيّب يخوِّفه القدومَ ويشير عليه بملازمة السند، ويقال: إنَّه كتب إليه بيتًا من الشعر، ولم يذكر غيره فقال:
فأرضَك أرضَك إن تأتنا … تنم نومةً ليس فيها حُلُمْ (٣)
стр. 5560
وحجَّ بالنَّاس إسماعيل بن عليٍّ عم المنصور، وكان على المدينة محمَّد بن خالد القسري؛ وعلى مكَّة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية، وعلى الشَّام صالح بن عليّ، وعلى مصر حميد بن قَحطبة (١).
[فصل] (٢) وفيها تُوفِّي
حُميد بن أبي حميد الطَّويل
كان ثِقَةً كثير الحديث، وماتَ وهو قائمٌ يصلِّي.
أسندَ عن أنس وغيره، وروى عنه مالك وغيرُه، واتَّفقوا على أنَّه ثِقَةٌ صدوق، وهو خالُ حماد بن سلمة (٣).
خالد الحذَّاء
ولم يكن حذاء، كان ثقةً كثير الحديث، مهيبًا لا يجترِئُ عليه أحد.
روى عن أنس وغيره، وروى عنه الأئمة (٤).
سليمان بن عليّ
ابن عبد الله بن عباس، أبو أَيُّوب.
من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ ولد.
تُوفِّي بالبصرة وهو ابنُ تسعٍ وخمسين سنة. وقيل: أربعٍ وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين، وقيل: ستين سنة، وصلَّى عليه أخوه عبد الصمد.
وولد سليمان سنةَ اثنتين وثمانين، وكان مقدَّمًا عند السفَّاح والمنصور، ووليَ البصرة وما يليها وكور دجلة والأهواز والبحرين وعُمان، ووليَ الموسمَ سنة خمسٍ وثلاثين ومئة، وكان شجاعًا جوادًا.
стр. 5561
سمع يومًا وهو في سطح دارِه نسوةً من جيرانه يقلن: ليتَ الأمير نظر إليَّ فأغنانا، فصرَّ دنانير في صُرَرٍ على عددهنَّ وألقاها إليهنّ، فماتت واحدةٌ منهنَّ فَرحًا.
وكانت له بالبصرة آثارٌ جميلة، سَكَن مكانًا (١) يقال له: الصنْدل (١)، وغرمَ أموالًا كثيرة حتَّى عذب ماء البصرة، واستخرج المغيثة (٢) من أرض الطليحة (٣)، فغرم عليها أَلْف أَلْف درهم، وبنى مساجدَ كثيرة، واتخذَ منارًا بين مكَّة والبصرة، وفيه يقول الشَّاعر: [من البسيط]
كم من يتيم ومسكين وأرملة … جبرتهم بعدَ فقر يا سليمانُ
ومسجدٍ خربٍ لله تعمرُه … فيه كهولٌ وأشياخٌ وشبانُ
وكتب إليه عبد الله بن حسن بن حسن يستمنحُه، فبعثَ إليه بثلاثين أَلْف أَلْف دينار (٤)، واعتذر إليه من خوفه من أبي جعفر بسبب أولاده.
وسليمان أوَّلُ من قدَّم الصلاة على الخطبة يوم العيد بالعراق من عمال بني العباس.
وكان رفيقًا رحومًا لم يتعرَّض لمن كان بالبصرة من بني أميَّة، فلم يسلموا في بلد سلامتهم في البصرة (٥).
ولمَّا حجَّ أنفقَ في صلات المهاجرين والأَنْصار وقريش والموسم خمسةَ آلاف أَلْف درهم، وكان أبو جعفر قد جعلَ له خراجَ أعماله، لا يحمل إليه منها شيئًا، فكان يخرجُ أموالًا عظيمةً، وكان يعتقُ كل سنَةٍ عشيةَ عرفة مئة رقبة.
وقال مجيب المازنِيّ: لمَّا قدم سليمان البصرة واليًا قيل له: إنَّ بالمربد رجلًا من بني سعد مجنونًا سريع الجواب، لا يتكلَّم إلَّا بالشعر، وكانت له ناقة يعمل عليها، فأرسلَ إليه سليمان قهرمانًا له، فقال: أحب الأمير، فامتنع عليه، فجرُّوه، فخرقَ ثوبه،
стр. 5562
وزبره، واستاق ناقتَه، وأتى به سليمان، فقال له سليمان: حيَّاك الله يَا أخا بني سعد، فقال: [من الرجز]
حيَّاك ربُّ النَّاسِ من أميرِ … يَا فاضلَ الأصلِ عظيم الخيرِ
إنِّي أتاني الفاسقُ الجلوازُ (١) … والقلبُ قد طار به اهتزازُ
فقال [له] (٢) سليمان: إنَّما بعثتُ به إليك ليشتري ناقتَك. فقال:
ما قال شيئًا في شراءِ الناقه … وقد أتَى بالجهلِ والحماقة
فقال: وما الذي فعل؟ فقال:
خرَّق ثوبًا لي (٣) وشقَّ بردتي … وكان وجهي في الملا وزينتي (٤)
فقال: أفتعزم على بيعها؟ قال:
أبيعُها من بعد ما لا أوكسُ … والبيعُ في بعض الأوان أكيس
قال: فكم شراؤها؟ قال:
شراؤها عشرٌ ببطن مكَّة … من الدنانير القيام (٥) السكَّة
ولا أبيع الدهر أو أزداد … إنِّي لربحٍ في الورَى معتادُ
قال: بكم تبيعها؟ قال:
خذها بعشر وبخمس وازنهْ … فإنَّها ناقةُ صدقٍ مازنه
فقال: تحطنا وتحسن؟ فقال:
تباركَ الله العليُّ العالي … تسألُني الحطَّ وأنت الوالي
قال: نأخذُها ولا نعطيكَ شيئًا. فقال:
وأين ربي ذو الجلال الأفضلِ … إنْ أَنْتَ لم تخشَ الإلهَ فافعلِ
فأمر له سليمان بألف درهم، وعشرةِ أثواب، فقال:
стр. 5563
صبحتني منك بألف فاخره … شرَّفك الله بها في الآخره
وكسوةٍ طاهرة حسانِ … كساك ربِّي حللَ الجنانِ
فقال سليمان: من يقول: إنَّ هذا مجنون!؟ ما رأيتُ أعرابيًّا قطُّ أعقلَ من هذا.
ذكر أولاده:
كان له جعفر ومحمَّد وإبراهيم وموسى وعلي وعبد الرَّحِيم وعبد الرَّحمن وعيسى وعبد الله وإسحاق لأمهات أولاد شتى، ومحمَّد وأم جعفر (١) أمُّهما أمُّ الحسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ.
ومن أعيانهم محمَّد وإسحاق وعبد الرَّحِيم، فأمَّا محمَّد فكنيتُه أبو عبد الله، وليَ الكوفةَ والبصرة لأبي جعفر، وكان قبله عليها سلم بن قتيبة، فكتب إليه أبو جعفر أن اهدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فكتب سلم يشفعُ فيهم، فقال أبو جعفر: لو كتبتُ إليه في شربةِ ماء لراجعني فيها، فعزلَه وولَّى محمدًا مكانه، ثم ولي مُحَمَّد البصرة وكور دجلة وفارس والأهواز والبحرين وعُمان واليمامة للمهدي والهادي والرشيد، وماتَ وهو ابن إحدى وخمسين سنة.
وأمَّا إسحاق فكنيتُه أبو يعقوب، وليَ المدينة والبصرة ومصو والسند لهارون، ووليَ حمص وإرمينية لمحمد الأمين.
وأمَّا عبد الرَّحِيم، فوليَ السند لهارون. وكان لسليمان بنات منهنَّ عائشة تزوجها عبد الوهَّاب بن إبراهيم الإمام، وزَينب تزوَّجها محمَّد بن إبراهيم الإِمام.
أسندَ سليمانُ الحديثَ عن أَبيه وعكرمة، ورَوى عنه ابناه محمَّد وجعفر وغيرُهما (٢).
* * *
стр. 5564
السنة الثالثة والأربعون بعد المئة
فيها ثارت الدَّيْلَم على المسلمين بعد قتل سنباذ، فأفنوا من ناحية البصرة والرّي خلقًا عظيمًا، فجهَّز إليهم أبو جعفر حَبيب بنَ عبد الله في جيوش الكوفة فأوقع بهم.
وفيها عَزل أبو جعفر الهيثم بنَ معاوية عن مكة والطائف، وولَّاها السَّريَّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطَّلب، وكان السَّريّ على اليَمامة، فولاها أبو جعفر قُثَم بنَ العباس، وعَزل حُمَيد بن قَحْطَبة عن مصر، وولَّاها يزيد بن حاتم.
وحجَّ بالنَّاس عيسى بن موسى وهو على الكوفة وأعمالها، وعلى البصرة سفيان بن معاوية (١).
وفيها تُوفِّي
سُلَيمان بن طَرْخَان
أبو القاسم (٢) التَّيميّ، من الطَّبقة الرابعة من أهل البصرة، كان من العُبَّاد المجتهدين، يُصلِّي الليل كلَّه، ويصلِّي الغَداةَ بوضوء عشاء الآخرة، ويدور هو وابنه المُعتَمِر بالليل في المساجد؛ يصلّيان مرةً في هذا المسجد، ومرةً في هذا المسجد حتَّى يُصبحا، وكان مائلًا إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وقال يحيى بن سعيد الأَنْصاريّ: ما جلستُ إلى رجلٍ أَخْوفَ لله منه.
وقال المعتمر بن سليمان لمحمد بن عبد الأعلى: لولا أنك من أهلنا ما حدَّثتُك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلّي الصبحَ بوضوء العشاء، وربما جدَّد الوضوء من غير نوم.
وقال معتمر: سقط بيتٌ لنا كان أبي يكون فيه، فضُرِب له فُسطاط فكان فيه حتَّى مات، فقيل له: لو بَنيتَه! فقال: الأمر أعجلُ من ذلك، غدًا أموت.
стр. 5565
وقال يحيى بن سعيد القَطَّان: مكث سليمان في قبة لُبُود (١) ثلاثين سنة، وكان يقرأ آية واحدة يُردِّدُها طول الليل.
وقيل لسليمان: أَنْتَ أَنت. قال: لا تقولوا كذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي، ثم قرأ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
وكان يقول: إن الرَّجل لَيُذْنِبُ الذنْبَ فيُصبح وعليه مَذَلَّتُه.
وقال السري: قَدَحَ سليمان عينَه (٢)، فنهاه الطبيب أن يُمِسَّها بماء، [فمسَّ فرجَه]، وكان يرى الوضوء من مسِّ الفَرْج، فنزع القُطنة من عينه وتوضّأ، ثم أعاد القُطنة إلى مكانها، وجاء الطبيب فنظر ولم ير شيئًا يُنكره، فقال: انظر، قال: ما أرى شيئًا أُنكره، قال: فإنِّي توضَّأتُ، قال: فإن الله قد رزقك العافية (٣).
وقال مُعتَمر بن سليمان: قال لي أبي حين احتُضر: يَا معتمر، اقرأ عليَّ أحاديث الرُّخَص؛ لعلِّي ألقى الله وأنا حَسنُ الظنِّ به.
وقال رَقَبة بن مَصْقَلة: رأيتُ ربَّ العزَّة سبحانه في المنام فقال لي: يَا رَقَبة، وعزَّتي وجَلالي لأُكرمنَّ مَثوى سليمان التَّيميّ؛ فإنَّه صلى أربعين سنة الغَداة على وضوء العتمة، فأتيتُ سليمان فأخبرتُه، فحدَّثني مئةَ حديث عن رسول الله ﷺ وقال: هذا لما جئتَني به من البِشارة، فلما كان بعد مدة مات، فرأَيتُه في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأدناني وقرَّبني، وغَلَّفني (٤) بيده، وقال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث وثمانين.
وقال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التَّيميّ في ساعةٍ يُطاع الله فيها إلَّا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلّيًا، وإن لم يكن في ساعة صلاة وجدناه إما يتوضأ للصلاة، أو عائدًا مريضًا، أو مُشيّعًا جنازة، أو قاعدًا في المسجد يسبِّح، وكنا نرى أنَّه لا يُحسن أن يعصي الله .
وكانت وفاته بالبصرة.
стр. 5566
أسند عن أنس وغيره، وروى عنه جماعة من الأئمة، واتَّفقوا على صدقه وثقته وأمانته وزهادته.
قال يزيد بن هارون: ليس بتَيميّ ولكنه مُرِّي، ومنزله في التَّيم فنُسب إليهم.
يحيى بن سعيد
أبو سعيد الأَنْصَارِيّ، القاضي، الفقيه، من الطَّبقة الخامسة من أهل المدينة، وأُمُّه أم ولد، قدم على المنصور الكوفة فاستقضاه على الهاشمية.
وقال سليمان بن بلال: قال لي يحيى: والله ما خرجتُ من المدينة وأنا أجهل شيئًا، فلما قدم العراق كتب إليّ يقول: كنتُ قلتُ لك عند خروجي من المدينة: إنِّي ما أجهل شيئًا، وإنه والله لأَوَّلُ خصمين جلسا بين يدي فاقتضيا بشيء والله ما سمعتُه قط، فسَلْ ربيعةَ عنه، واكتب إليَّ بما يقول من غير أن يعلم أنني كتبتُ إليك، والسلام.
وقال وهيب: قدمتُ المدينة فما رأيت أحدًا إلَّا تعرف وتُنكر إلَّا يحيى بن سعيد ومالك بن أنس.
وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ست وأربعين.
أسند عن أنس وغيره، وروى عنه الأئمة.
واتَّفقوا على عدالته وصدقه وثقته، وأنه كان أحدَ حُفَّاظ الدنيا، وأثنى عليه الأئمة، فقال الإِمام أَحْمد ﵁: يحيى بن سعيد أثبتُ النَّاس حجة. وقال الثَّوريّ: يحيى أَجَلُّ عند أهل المدينة من الزُّهريِّ (١).
* * *
стр. 5567
السنة الرابعة والأربعون بعد المئة
فيها قدم محمَّد المهديّ من خُراسان إلى العراق، فنزل الحيرة عند أَبيه، وبنى برَيطَة بنت عمِّه أبي العباس.
وعزل أبو جعفر محمَّد بن خالد عن المدينة، وولَّاها رياح بن عثمان (١) المُرِّي، وحج أبو جعفر، واستخلف على عسكره وعلى الحِيرة خازم بن خُزيمة (٢)، وجدِّ في طَلَب إبراهيم ومحمَّد ابني عبد الله بن حسن، وكانا قد تخلَّفا عن أبي جعفر لما حجَّ في زمن أخيه أبي العباس وععه أبو مسلم، وكذا في حجَّته الثَّانية، فلما حجَّ هذه السنة -وهي حجَّتُه الثالثة- جدَّ في طلبهما، وأذكى العيونَ عليهما.
قال أرباب السير: كان محمَّد بن عبد الله يذكر أن أَبا جعفر بايعه بمكة ليلة تشاور بنو هاشم عند اضطراب حَبْلِ بني مروان (٣)، وكان أبو جعفر حاضرًا، فكان محمَّد يقول: كيف أبايع مَن بايعني؟! فلما ولي أبو جعفر الخلافة لم يكن له همٌّ إلَّا طلب محمَّد وإبراهيم، وكلُّ من يسأله عنهما من بني هاشم يقول: ما اختفيا إلَّا خوفًا منك، ولا بأس عليك منهما، إلَّا حسن بن زيد فإنَّه قال: والله ما آمَنُ وُثوبهما عليك، فأيقظ مَن لا ينام، فكان بنو الحسن يقولون: اللهم إن دماءنا عند الحسن بن زيد.
وقال عبد الرَّحْمَن بن أبي الموالي: لما وَلي أبو جعفر ألحَّ في طلب إبراهيم ومحمَّد، وتغيَّبا عنه بالبادية، وأمر زيادًا الحارثيّ بطلبهما، فكان لا يَجِدُّ، فعزله وولَّى المدينة محمَّد بن خالد القَسريّ، وأمره بطلبهما فلم يبالغ، وكان يعرف مكانهما، فعزله، وولّى رياح بن عثمان بن حيَّان المُرِّي، فجدَّ في طلبهما ولم يُداهِن، فخافا منه، فجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتمَّ أبو جعفر بتغَيُّبهما، فكتب إلى رياح أن
стр. 5568
يأخذ أباهما عبد الله، وأخويه حسن وداود، ومحمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين، في عدَّةٍ منهم، ويَشُدَّهم وثاقًا، ويبعث بهم إليه حتَّى يوافوه بالرَّبذَة، وأن يأخذني معهم.
قال محمَّد بن عمر: فأنا رأيتُ عبد الله وأهلَ بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد، فيحملون في مَحامِلَ عَرايا ليس تحتهم وطاء، وأنا يومئذٍ غُلامٌ قد راهَقْتُ الاحتلام.
قال ابن أبي الموالي: وأُخذ معهم يومئذ نحوٌ من أربع مئة من جُهَينة ومُزينة وغيرِهم من القبائل.
ووافى أبو جعفر من الحج إلى الرَّبَذَة وهم بها مُكَتَّفين في الشَّمس، وسأل عبد الله أَبا جعفر أن يأذن له في الدخول عليه، فلم يأذن له، ولم يَره حتَّى فارق الدنيا، ثم دعاني فأُدخِلتُ عليه وعنده عيسى بن عليّ، فلما رآني عيسى قال: نعم هو هو يَا أمير المُؤْمنين، وإن أَنْتَ شَدَّدتَ عليه أخبرك بمكانهما، فدنوتُ منه وسلَّمتُ عليه فقال: لا سلَّم الله عليك، أين الفاسقان ابنا الفاسق، الكذابان ابنا الكذاب؟ فقلت: يَا أمير المُؤْمنين، هل ينفعني الضدقُ عندك؟ قال: وما ذاك؟ قال: امرأته طالق وعليَّ وعليّ إن كنتُ أعرف مكانهما، فلم يُصدِّقني، وقال: السِّياطَ، فأُتي بها، وأُقِمتُ بين العُقابَين (١)، فضربني أربع مئة سَوط، ورُدِدتُ إلى أصحابي على تلك الحال.
ثم بعث إلى الدِّيباج محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان -وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله- فلما دخل عليه قال: أخبرني عن الكذَّابَين ما فعلَا، وأين هما؟ فقال: والله يَا أمير المُؤْمنين ما لي بهما علم، وإني لصادق، فقال: جَرِّدوه، فجرَّدوه، فضربه مئةَ سَوط، وألقى عليه قميصَ قُوْهِيٍّ على الضَّرب، ثم حُمل إلينا، فوالله ما قدرنا على نزع القميص من لُصوقه بالدم، حتَّى حُلبت عليه شاة، ثم قال: احْدُروهم إلى العراق، فقُدم بنا إلى الهاشميَّة فحُبِسْنا، فكان أول من مات عبد الله بن حسن (٢).
стр. 5569
وقال الهيثم: دسَّ أبو جعفر كتابًا إلى عبد الله بن حسن مع عُقْبة بن سَلْم (١) الأَزدِيّ، وبعث معه ألطافًا وهدايا على لسان بعض الشيعة، فلما قدم على عبد الله أخبره فزَبَره، ثم عاد فزبره مرارًا، فلما أَنِس به أخذ ذلك منه وقال: اذهب فأخبرهم أن ابني خارجٌ في وقت كذا وكذا، فعاد إلى أبي جعفر فأخبره.
وكان محمَّد وإبراهيم ينتقلان في المياه والأمصار خوفًا من أبي جعفر، تارةً في تِهامة، وتارة في اليمن واسثعام والعراق ومصر، ثم في البصرة والهند والسِّند والمغرب، فلما حج في هذه السنة أبو جعفر قَسم قسمًا في بني هاشم خصَّهم بذلك، وقال لعبد الله: أين ابناك؟ فقال: لا أعلم بهما، فقام ابن سَلْم فتراءى له، فلما رآه وَجَم، فقال أبو جعفر لعبد الله: كذبت يَا ماصّ، فقال: يَا أَبا جعفر، بأيِّ أُمَّهاتي تُمِصّني؟! بخديجة بنت خُوَيلد، أم بفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، أم بفاطمة بنت الحسين؟ فقال ولا بواحدة منهن، ولكن بالجَرْباء بنت قَسامة بن زهير، فقام المُسَيَّب بن زهير فقال: دَعْني أضربْ عُنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال: هَبْه لي يَا أمير المُؤْمنين وأنا أستخرج ابنيه.
وفي رواية: أن أَبا جعفر جاءه كتاب بعض ثقاته يخبره أن رسول عبد الله وابنيه خرج إلى خراسان ومعه الكتب يستدعيهم إلى الخروج معه، وبعث بالرسول والكتب إلى أبي جعفر، فبعث أبو جعفر بالرسول والكتب على حالها بطوابعها إلى عبد الله وقال:
إنِّي أُتيتُ برسولك وهذه الكتب معه، وقد رددتُها بحالها إليك كراهيةَ أن أطَّلع على ما يُغيِّر قلبي عليك، فلا تَدْعُ إلى التَّقاطع بعد التواصل، وإلى الفُرقة بعد الاجتماع، وأظهر إليَّ ابنَيك؛ فإنهما يصيران إلى ما تُحبُّ من الولاية وتعظيم المنزلة، فكتب إليه عبد الله يَتنصَّل من ذلك، ويُنكره ويقول: فعل ذلك عدوٌّ يريد الفُرقة بعد الاجتماع.
فبينا أبو جعفر كذلك وَرد عليه كتابُ بعض ثقاته يخبره: أن الرسول بعينه خرج بالكتب بعينها إلى خراسان، وأنه نازل بالبصرة على فُلان المُهَلَّبي، فبعث أبو جعفر فحبس الرسول، وأخذ الكتب وبعث بها إلى خراسان مع بعض ثقاته، وعادت الأجوبة
стр. 5570
بما يكره، واستبان له الأمر، فكتب إلى عبد الله: [من الوافر]
أريد حَياتَه ويُريد قَتلي (١)
قد علمتُ ما فعلتَ، وجاءت الأجوبة من خُراسان، وقد ثَبتَ عندي أنك تعرف مكان ابنَيك، فدُلَّني عليهما ولك عهدُ الله وميثاقُه أنني أُحسن جائزتَهما، وأضعهما حيث وَضَعَتْهما القرابة، واستدرِكْ الأمرَ قبل تفاقمه، فكتب إليه أنَّه ما يعرف مكانهما، وكتب في الكتاب: [من الوافر]
وكيف أُريد ذاك وأنت منِّي … بمنزلةِ البياضِ من السَّوادِ (٢)
وكيف أريد ذاك وأنت مني … وزَنْدُكَ حين يُقدَح من زِنادي
فقال أبو جعفر: والله لَيُقْتَلَنَّ محمَّد بأصل سَلْع، وليُقْتلنَّ إبراهيم على النهر العباب يعني الفرات، فكان كما قال.
وقال السِّنديّ مولى أبي جعفر: لما اشتبهت الأمور على أبي جعفر دعا عُقبة بن سَلْم الباهليّ، وبعث معه بمال وقال: إنما أدخلتُك بين لحمي وعظمي، فلا تُوطِئني عَشْوةً (٣)، اذهب إلى المدينة فجالس عبد الله بن حسن حتَّى يأنس بك، وقيل له: إن فلانًا وفلانًا من خراسان بعثوا إليك بمال وثياب وهدايا -وكان المال عشرة آلاف دينار- واحترِز.
فقدم المدينة، فلقي عبد الله وجلس إليه، فلما أَنِس به ذكر له ذلك، فأخذ منه المال والثياب، ثم تركه أيامًا وقال له: معي إلى ابنيك كتابان وأربعون أَلْف دينار، فإن دَلَلْتني عليهما سَلَّمتُ ذلك إليهما، ورجعتُ إلى خراسان بما يَشرح صدورَ أهلها وتَقبله عقولُهم، وإلا عُدت إليهما، فأدفع إليهما الكتابين والمال، ثم قال لعبد الله: مثلي لا ينصرف إلَّا عن فضل؛ ليكون القوم منّي على ثِقَة، قال: وما هو؟ قال: تخلع أَبا جعفر، وتبايع ابنك محمدًا، ومن بعده إبراهيم، قال: نعم، فخلع أَبا جعفر وبايع